9

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟

باب الولاية مفتوح في كل آن

156
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/12

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

هل العرفان دعوةٌ للعزلة عن المجتمع أم هو عين العقلانيّة والتوازن في التصدّي للمجتمع؟ ما هي أولويّة الإنسان في الحياة: بناء ذاته أم الانخراط في الشؤون العامّة؟ وهل باب الوصول إلى الله والاتصال بالوليّ الإلهيّ مفتوحٌ في زمن الغيبة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة، وتبيّن أن اهتمام الفرد بذاته وتكامله الروحيّ هو أساس كلّ خير.

/۱۵
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • العرفان عقلانية أم انعزال؟

  • باب الولاية مفتوح في كل آن

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة التاسعة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ 

  • بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ 

  • الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، 

  • والصَّلاةُ والسَّلامُ علىٰ أشرفِ المرسلينَ 

  • وخاتمِ النبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، 

  • وعلىٰ آلِهِ الطيّبينَ الطاهرينَ، 

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهِم أجمعينَ.

  •  

  •  

  • «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أدعوهُ فَیُجیبُنی وإن کُنتُ بَطیئًا حینَ یَدعونی؛ وَالحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أسألُهُ فَیُعطینی وإن کُنتُ بَخیلاً حینَ یَستَقرِضُنی؛ وَالحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أُنادیهِ کُلَّما شِئتُ لِحاجَتی وأخلو بِهِ حَیثُ شِئتُ لِسِرّی، بِغَیرِ شَفیعٍ فَیَقضی لی حاجَتی!».

  • الصلاةُ أهمّ عملٍ بعد الولاية

  • ذُكر في المحاضرة السابقة أنّ من خصوصيّات ديننا أنّه يمكّننا أن ندعو الله في أيّ وقتٍ نشاء، وفي أيّ مكانٍ شئنا يمكننا أن نصلّي وندعو في أيّ بقعة من الأرض فقد «جُعِلَت لِیَ الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا»۱. والعبادة في شريعة النبيّ صلّى الله عليه وآله لا تختصّ بزمانٍ دون زمان؛ «الصَّلاةُ خَیرُ مَوضوعٍ، فَمَن شاءَ استَقَلَّ ومَن شاءَ استَکثَرَ»٢ أو «فَمَن شاءَ استَکثَرَ ومَن شاءَ استَقَلَّ»٣. وبقيّة الفروع كلّها هي من أجل الصلاة والدعاء، ومقدّمةٌ للصلاة؛ «أشهَدُ أنَّکَ قَد أقَمتَ الصَّلاةَ»٤؛ فالجهاد مقدّمةٌ لإقامة الصلاة، والخمس لإقامة الصلاة، والزكاة لإقامة الصلاة.

  • فبعد الولاية التي هي عمود الارتباط بين الإنسان وبين الله، والتي بدونها تكون جميع الأعمال هباءً منثورًا، فإنّ أهمّ عملٍ يقرّب الإنسان إلى الله هو الصلاة؛ الصلاة بشروطها! ليس لدينا عملٌ أسمى منها٥!

  • لذا، فقد شُرّعت هذه الصلاة في كلّ وقتٍ وفي كلّ ظرفٍ، بالطبع يكون ثوابها في بعض الحالات أقلّ، ولكنّها تبقى ذات ثواب؛ وفي بعض الحالات الأخرى ـ كما ذكرنا ـ لا ثواب لها أصلًا، كالصلاة في الحمّام أو الطرقات أو المواضع المذمومة٦، وما ترون من قول البعض بأنّها: «أقلّ ثوابًا»، فغیر صحیح، وليس لها ثواب أصلاً! هي فقط ليست باطلة، ولكن لا معنى لأن تكون الصلاة التي لا يرتضيها اللهُ ذات ثوابٍ أقلّ! فلو كانت أقلّ ثوابًا لكانت في النهاية مرضيّةً ولو قليلاً؛ ولكنّ هذه الصلاة مكروهةٌ ولا ينبغي أداؤها. ولكن في بقيّة المواضع، في نصف الليل، وفي الغروب، وفي الصباح، وبعد الظهر، قد شُرّعت هذه الصلاة؛ يعني عندما يصلّي مصلّ، فإنّ الارتباط بينه وبين ربّه يتحقّق في تلك اللحظة نفسها. هذه هي القضيّة؛ لا أن تُكتب هذه الصلاة التي نصلّيها في سجلّ أعمالنا ثمّ يأتينا الجواب في مكانٍ آخر؛ ليس الأمر كذلك! فالارتباط يحصل في اللحظة نفسها ولا يوجد أيّ فرق!

    1. الأمالی، شیخ صدوق، ص ٢١٦. معرفة الامام، ج ١٠، ص ٢٦٨
    2. بحار الأنوار، ج ٧٩، ص ٣٠٨. انوار الملکوت، ج ١، ص ١٤٩
    3. الوافی، ج ٧، ص ١١٧
    4. الکافی، ج ٤، ص ٥٧٠؛ ج ٤، ص ٥٧٨؛ فضائل أمیرالمؤمنین علیه السّلام، ص ١٤٢؛ کامل الزّیارات، ص ٣١٢
    5. الکافی، ج ٣، ص ٢٦٥: «عن أبی‌الحسن الرّضا علیه السّلام قال: ”الصّلاة قربان کلّ تقیّ.“
    6. أنوار الملكوت، ج ١، ص ١٠١

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

3
  • إنّ جميع الفروع والأعمال التي قُنّنت في الإسلام، كلّها تمثّل مقدّمةً للصلاة! فالحرب التي خاضها أمير المؤمنين عليه السلام مع معاوية، كانت من أجل الصلاة، ولم يكن الهدف منها التوسّع في البلاد؛ والإمام الحسين عليه السلام عندما حارب يزيد كان ذلك من أجل الصلاة؛ وهكذا القوانين الموجودة في الإسلام لأحكام المكلّفين، فكلّها لها جانبٌ مقدّميٌّ للصلاة! لأنّه ليس هناك أيّ عملٍ له جهة الارتباط بالله مثل الصلاة! فجميع الأحكام وُضعت على أساس الارتباط بالله؛ لذا، فإنّ أيّ حكمٍ ترون أنّ الإنسان يتكدّر عند الإتيان به، فاعلموا أنّ في هذا الحكم خللًا ما وإن صدرت الفتوى ظاهريًا بحلّيّته وإباحته؛ وأيّ حكمٍ يلاحظ الإنسان أنّه عند الإتيان به يحصل له انشراح الخاطر وتلطيف الروح ـ طبعًا بشروط، وإلّا فإنّ الشبهة تعرض للإنسان نفسه في بعض الحالات ـ فيجب أن نعلم أنّ في هذا الحكم جهةً تقرّبيّة وإن كنّا من الناحية الظاهريّة لا نطّلع على مسألة استحبابه. فليس هناك أيّ عملٍ كالصلاة، ولم يؤكّد أيّ فردٍ من الأولياء حتّى الآن على شيءٍ بمقدار ما أكّدوا على الصلاة!

  • وصية أولياء الله الأكيدة بالصلاة واهتمامهم البالغ بها في أوّل وقتها 

  • رحم الله المرحوم السيد دستغيب، فقد كان قد أتى إلى كربلاء، وذهبنا يومًا بصحبة السيّد الحدّاد والوالد وأخينا السيّد محمّد صادق، بعد رحلة الحجّ تلك، إلى منزله في كربلاء وكنّا في خدمته؛ فكان يتحدّث عن أحوال الشيخ الأنصاريّ ويقول: «كنّا قد ذهبنا معه إلى مكانٍ ما قبل الظهر، وحين حان وقت الظهر كانوا قد بسطوا مائدة الطعام؛ وكان صاحب المنزل من أعيان همدان. فقال [الشيخ الأنصاري]: «الآن وقت الظهر، نصلّي ثمّ نأتي لتناول الطعام». لم يذهب إلى المسجد، وأطال في الصلاة أيضًا؛ وبعد الصلاة، وقبل أن نذهب إلى تلك الغرفة، أتيتُ إليه وقلت: اطلب من الله ألّا يضيع أوقاتنا سدىً، وأن يرسل لنا مائدةً ولا يتركنا بلا مائدة! فغضب فجأةً وقال: «ألم تعرف ما الذي أعطوك إيّاه الآن؟! ألم تعرف ما الذي نلته من أداء صلاة الظهر في أوّل وقتها؟! أتبحث عن مائدة؟!». خلاصة الأمر أنّني خجلت كثيرًا!».

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

4
  • كان الأولياء يولون اهتمامًا خاصًّا بصلاة الظهر أكثر من سائر الصلوات، بأن تؤدّى في أوّل وقتها! وكانوا يركّزون كثيرًا على الصلوات ويهتمّون بها، خصوصًا في أوائل أوقاتها. وهذا أيضًا سببه أنّ فينا مشكلة، وأنّنا غافلون عن هذه النقطة.

  • ضرورة بناء الذات في مدرسة العرفان 

  • إنّ القضيّة التي يركّز عليها كثيرًا المستنيرون من السالكين ورفقائنا هي أنّهم يتصوّرون أنّ العرفان مسلكٌ للانعزال والتفرّد والتوحّد والابتعاد عن الناس وعدم الارتباط بهم، والسعي وراء بناء الذات وعدم الالتفات إلى الآخرين، وفقط كما يقال: «إنقاذ المرء نفسه من الغرق» وترك بقيّة الناس لأمر الله! ولكنّ الموضوع ليس كذلك! قال لي أحد الإخوة: «هذه المواضيع الموجودة، وهذه التعليمات التي يعطيها السيّد [العلامة] وأمثال ذلك، حسنًا، متى يجد الإنسان وقتًا للقضايا الاجتماعيّة ومتى تصل منفعته إلى المجتمع؟! وبعبارة أخرى، ماذا يكون حظّه من هذه الدنيا؟! وها هو السيّد الحدّاد قد أتى ورحل، حسنًا، ألم يكن من الأفضل أن يترك تأثيرًا أكبر وآثارًا ونتائج أوسع بين الناس؟!».

  • علينا في المقام الأوّل أن نرى ما هو المقصود من التديّن بالدين والسلوك في الطريق إلى الله، وما هو المقصود من المسير إلى الله؟ ولكنّنا نعكس الموضوع من هذا الجانب؛ فنحن نقول: لو كان الإنسان اجتماعيًا حقًّا، فعليه أن يطرح مسائل ويقوم بأعمالٍ ويرحل عن الدنيا دون أن يلتفت إلى نفسه! فماذا ستكون النهاية إذن؟! لنفرض أنّ شخصًا قد درس حقًا وبذل جهدًا من أجل الله والدين، فيذهب إلى هنا وهناك لمساعدة الناس ويتحدّث ويلقي المحاضرات ويرشد، ويكتب بضعة كتبٍ أيضًا وهذه الأمور، ثمّ يرحل عن الدنيا؛ ويجلس عددٌ من الناس تحت منبره ويستفيدون أيضًا، كما نرى أنّ عددًا يأتون ويستفيدون في النهاية، سواء كانوا حليقي اللحى أم ملتحين، معمّمين أم غير معمّمين، جامعيّين أم غير جامعيّين. وربّما ينقلب بعض هؤلاء على الإنسان نفسه! إذن، فماذا تكون نتيجة هذا؟! إلى أيّ مدى تقدّم هذا الشخص في ذلك العالم، ومن حيث القرب ما مقدار ما ناله، ومن حيث تلطيف الروح والتجرّد الروحانيّ إلى أيّ مرحلةٍ تقدّم؟! يعني، هل القضيّة هي مجرّد الالتفات إلى الناس والغفلة عن النفس، دون أن يبني نفسه، ودون أن يهذّبها، ودون أن ينال حظًا؟! حسنًا، الإنسان نفسه هو واحدٌ من الجماعة! فألف إنسان هم ألفُ واحدٍ من أمثالي؛ لا أنّهم ألفٌ ونحن واحدٌ منهم! حسنًا، ماذا عن تكليفنا نحن؟!

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

5
  • وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر بتخصيص أفضل الأوقات لنفسه 

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر: «و اجعَل لِنَفسِك فیما بَينَك و بَینَ اللَهِ أفضَلَ تِلك المَواقيتِ، و أجزَلَ تِلك الأقسامِ»۱. فإذا خصّصت كلّ هذه الأعمال للقضاء بين الناس، فما الذي سيصل إليك أنت؟! وإذا بذلت كلّ جهدك لتسوية أمور الناس، فمتى ستتمكّن من الخلوة مع ربّك؟!

  • قال لي أحد الإخوة: «في احتفال صاحب الزمان عليه السلام، كان هناك رجل في هيئة بني فاطمة يقول: «أقسم بصاحب الزمان، إنّي لم أخلع حذائي من قدمي منذ ثلاثة أيّام وأنا أتابع الأعمال!». فقلت له: إذن متى صلّيتَ؟! قال: «هذا أوجب!». إذن، متى ستتاح الفرصة للصلاة؟!».

  • تأكيد الإسلام وحكم العقل على أهميّة الفرد وأولويّته في التقرّب إلى الله 

  • إنّ دين الإسلام هو دينٌ يحقّق الكمال للفرد، بحيث أنّه عندما يغادر هذه الدنيا، يكون قد صرف عمره في تحقيق كماله وتجرّده [عن عالم المادّة]! ولم يقل الإسلام أبدًا: «تعالَ وضحِّ بنفسك فداءً للمجتمع!». متى قال مثل هذا الكلام؟! أين يوجد مثل هذا الكلام؟! أين توجد مثل هذه المسألة بأنّ المسلم يجب أن يضحّي بنفسه فداءً للمجتمع؟! من قال هذا؟! لنفرض أنّه إذا دار الأمر بين أن يقتلوا شخصًا أو يقتلوني، فآتي أنا وأقول كلامًا يُرفع به القتل عنه وأُقتل أنا؛ كلّا، لقد ارتكبتُ عملاً حرامًا! لا يوجد حكم كهذا! وإذا أصبح شخصان في هذا الموقف، فالعمل حرامٌ أيضًا؛ وإذا قالوا: «سنهلك مدينةً بأكملها أو نهلكك أنت»، فإنّه حرامٌ ولا يجوز لي أن أضحّي بنفسي فداءً لمدينةٍ وفداءً لمجتمع!

  • في الإسلام، لا فرق بين المجتمع والفرد الواحد! من قال إنّ الأصالة للمجتمع؟! الأصالة للهدف والتقرّب إلى الله! من هو المجتمع؟! ومن هو الفرد؟! إذا وُجد مؤمنٌ موحّدٌ واحد، فإنّه يعدل العالَم بأسره! كلّ هذا العالَم الذي أفراده في مستوى واحد، أيّ قيمةٍ له عند الإسلام حتّى يضحّي الإسلام بنفسه فداءً لهم؟! «وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتباعُ کُلِّ ناعِقٍ، یَمیلونَ مَعَ کُلِّ ریحٍ»٢. سواء كانوا من أتباع الإمام أم من غير أتباعه؛ فما الفرق؟! لقد جاء الإسلام ليكمل بقوانينه هذه كلّ فردٍ من الأفراد في هذه الدنيا ثمّ ينقلهم منها؛ والآن، قد يكتمل أحدهم وآخر لا يكتمل. أمّا أنّني عليّ أن لا أكتمل أنا من أجل تكامل الآخرين، فمن أين أتى هذا الكلام؟! لماذا لا يضحّي الآخرون من أجلي، وأضحّي أنا من أجلهم؟!

    1. نهج البلاغة (صبحی صالح)، ص ٤٤٠:
      «و اجعَل لِنَفسِك فیما بَينَك و بَینَ اللَهِ أفضَلَ تِلك المَواقيتِ، و أجزَلَ تِلك الأقسامِ؛ و إن كانَت كلُّها لِلَّهِ إذا صَلَحَت فیها النیَّةُ و سَلِمَت مِنها الرَّعیّةُ.»
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤٩٦؛ الخصال، ج ١، ص ١٨٦. أسرار الملكوت ج ٣، ص ١٧٨

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

6
  • لذا، فإنّ هذا المنطق القائل بأنّ العرفان مسلكٌ للانعزال والابتعاد عن الناس هو منطقٌ خاطئٌ من الأساس! إنّ مسلك العرفان هو مسلك المنطق والعقل؛ فالآن أنا أطلب منكم أن تنهضوا هذه الليلة وتذهبوا إلى مختلف التجمّعات، وتقصدوا المحافل الموجودة وتنظروا عمّ يدور الحديث فيها [ثمّ تقارنوه بكلام العرفاء]، وقد قلت مرارًا: إنّ مسلك العرفان يعني مسلك العقل ومسلك التعقّل! لو كنّا نحن وأنفسنا [ومع غضّ النظر عن وصايا العرفاء]، فهل كنّا نشارك في مثل هذه المحافل؟! واللهِ لو قال لي عقلي اذهب [لما ذهبت]!

  • انهضوا الآن واذهبوا إلى تجمّع التجّار في السوق وانظروا عمّ يدور الحديث! «الدولار أصبح بأربعمائة تومان أو خمسمائة تومان»؛ وما شأني أنا إن أصبح بأربعمائة أو خمسمائة تومان! «لقد فُتحت الجمارك أمام سلعة كذا وأُغلقت جمارك سلعة كذا، وقانون المجلس فعل كذا بالصادرات»؛ فما علاقتي أنا بأنّ الأمر أصبح هكذا! هل أقضي ليلي حتّى الصباح في أنّ الدولار أصبح بثلاثمائة تومان أو سيصبح بخمسمائة تومان؟! هذا عن التجّار!

  • ثمّ اذهبوا إلى تجمّع سائقي سيّارات الأجرة وأمثالهم وانظروا ماذا يقولون! «البنزين سيصبح بعشرين تومانًا، الجوّ أصبح باردًا، عادم الصوت أصبح بكذا، المبرّد أصبح بكذا، الأسطوانة هبط سعرها، المكابس أصبحت بكذا!». هذا أيضًا تجمّع السائقين!

  • وإذا أردنا أن نذهب من «ونك»۱ فصاعدًا، فهناك تكون الأحاديث أفضل، ويستحقّ الأمر أن يذهب المرء إلى هناك! الأمر يستحقّ أن يذهب المرء إلى هناك! ففي إحدى الليالي اضطررنا فتوجّهنا قليلاً إلى ما بعد «ونك»، ومررنا قرب منزلين أو ثلاثة هناك، فقلنا: ﴿يَا لَيْتَنَا كُنَّا مَعَكُمْ فَنَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾! وعرفنا ماذا هناك!

  • وإذا أتينا إلى تجمّعنا نحن، فعن أيّ شيءٍ يكون الحديث اليوم؟ فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، وهذا فعل كذا، وذاك فعل كذا؛ لا شيء! أبدًا!

  • قبل سنوات، دعينا إلى مجلس، وبالطبع دعينا بإصرارٍ شديدٍ للاطّلاع على أوضاع البلاد. كان عدد الأفراد في ذلك المجلس يتراوح بين عشرة وخمسة عشر، وكانوا عادةً مدراء عامّين أو معاوني وزراء أو مرتبطين بشكلٍ خاصّ بهذه الاتّجاهات والمنظّمات. على أيّ حال، ذهبنا ليلةً؛ كان مجلس عشاءٍ وكان الحديث من كلّ حدبٍ وصوب! في البداية ظنّوا أنّنا غرباء عن أسرارهم وأمورهم، فأمسكوا عن الحديث قليلًا حتّى قال أحدهم: «لا يا سيّد، لا بأس، قولوا! قل ما في نفسك!». وعندها قالوا الكثير! عن هذا وذاك، وعن فلان الشيخ وفلان السيّد وفلان ... وحاصل القضيّة أنّنا لم نجد سوى الكدورة وتبنا عن أن نضع أقدامنا في هذه الأماكن مرّة أخرى! لم يكن هناك شيءٌ سوى الغيبة والمسائل التي لا تقال، وحسنًا لا ضرورة لقولها الآن، وسوى أن تُهتك حرمة مؤمنٍ قد رحل عن الدنيا، أو ماذا كان يفعل في السجن، أو ما هي الأخبار الآن في المكان الفلاني! أيّ تأثيرٍ كان لمعرفة هذه الأمور أو عدم معرفتها في حياتنا ومسيرتنا، وما زال لها؟! عندما لم نكن نعرف كان الأمر كما هو، والآن بعد أن عرفنا فالأمر كما هو؛ فما الذي اختلف؟! لماذا يفشي الإنسان أسرار الناس؟! لماذا يكشف الإنسان عن مسائل فعلها شخصٌ ما؟! إنّ تلك المواضيع التي لها ضرورة ويجب على الإنسان أن يطّلع عليها، فإنّ هذه المواضيع تصل إلى مسامعه، حتمًا ستصل إلى مسامعه! أُشهد الله الآن أنّني ربّما منذ أن جئت إلى قم، بعد رحيل المرحوم العلّامة حتّى الآن، لم أفتح المذياع، والتلفاز ليس لديّ أصلاً! أسألكم الآن: ماذا تعرفون من الأخبار وأنا لا أعرفه؟! ما هي القضيّة؟! كلّ المواضيع تصل!

    1. منطقة في شمال طهران. (م)

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

7
  • الآن، حديثنا هو في هذا: لو كنّا عقلاء، ولم نكن من أهل العرفان والسلوك، وأردنا أن نقضي عمرنا في هذه الدنيا مع فردٍ يكون مفيدًا لنا من الناحية العلميّة، ومفيدًا لنا من حيث طريقة الحياة وأسلوبها، فهل كنّا سنعاشر أفراد هذا الزمان أم لا؟ أقول هذا بجدّيّة؛ ولنتحدّث بعقلانيّةٍ تامّة! لا علاقة لنا بالعرفان أصلاً، هل كنّا سنخالط أفراد هذا الزمان أم لا؟! تذهب وتجلس عند شخصٍ فيخبرك بسجلّ شخصٍ آخر ويهتك حرمته؛ فما معنى هذا؟! تذهب وتجلس مع جماعةٍ ليس حديثهم وذكرهم إلّا فوز فريقٍ على فريقٍ آخر، حسنًا جدًّا، تمضي ساعتان وثلاث ساعات، ذاك سدّد الكرة وهذا دخل فيه الهدف! هؤلاء هم الناس! الناس هكذا!

  • فهل يأمرنا عقلنا حقًا أن نعيش مع هؤلاء الناس؟! واللهِ لو كنتُ أنا ونفسي لذهبت وعشتُ في الصحراء! لأخذت قطعة أرضٍ زراعيّة وزرعتها، ولا يكون لي ارتباطٌ بهؤلاء الخلق! مع من؟ ومع أيّ شيءٍ؟ وبأيّ فكر؟! الله شاهدٌ أنّ هذه الدنيا كانت تضيق بي أحيانًا فأرى أنّ شخصًا واحدًا لا يفهم كلامي! يعني ننظر فنجد أنّ فلانًا حليق اللحية لا يفهم ويقول كلامًا خاطئًا، وفلانًا الكاسب لا يفهم ويسير في طريقٍ خاطئ، وفلانًا العالم المجتهد المرجع لا يفهم! فقلت: يا إلهي، ما هذا؟! هل العيب فيّ؟! فلماذا يقول الأعاظم هذا الكلام نفسه؟! يعني كانت الدنيا تضيق بي، يا إلهي، إنّك لم تجعل لي نديمًا يفهم كلامي! كيف يمكن للإنسان في مثل هذا الوضع أن يسير بحذرٍ شديدٍ في أيّ مجتمع؛ فيراقب لسانه، ويراقب خطوته، ويراقب كلامه، فلا يصطدم بهذا، ولا يصطدم بذاك و...! يا سيدي، كلّ الناس في هوى، وكلّ الناس في هوس، وكلّ الناس في شعارات۱! الجميع؛ من الألف إلى الياء! أين تجد عاقلاً؟! ذلك العاقل الذي يأتي ويعيش بمقتضى عقله! لا أقول سالكًا؛ فلنضع أولئك جانبًا! عاقلٌ يعيش بمقتضى العقل، يعيش بمقتضى المنطق، يكون ارتباطه على أساس العقل، تكون محاورته على أساس العقل، والخطوة التي يخطوها تكون على أساس العقل؛ فلا يكون الخيال في عمله، ولا يكون الهوى في عمله! إذن، فهو كذلك أيضًا، والعرفان يقول هذا أيضًا؛ يقول: يا سيدي، لا تحتكّ بالناس كثيرًا بلا فائدة، فإنّهم يضيّعون عمرك، ويهدرون وقتك، ولم تُعطَ أنت أيضًا سوى يومين من العمر المستعار، فإذا كان من المقرّر أن تقضيهما في هذه الأحاديث وهذه المسائل، فمتى يجب أن تذهب وراء القضيّة والحقيقة؟!

    1. تحف العقول، ص ٢٤٥: «[قال الحسین علیه السّلام:] ”النّاسُ عَبیدُ الدُّنیا و الدّینُ لَعقٌ عَلیٰ ألسِنَتِهِم، یَحوطونَهُ ما دَرَّت بِهِ مَعایِشُهُم؛ فَإذا مُحِّصوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّیّانونَ!“»

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

8
  • تقابُل المنهج العقلانيّ والعقلائيّ للعرفاء الإلهيّين مع تخيّلات وأوهام سائر الأفراد 

  • كنّا يومًا في خدمة العلامة الطباطبائيّ، وكان هناك رجل أصبح فيما بعد من أصحاب المقامات وهذه الأمور، فقال: «سيّدنا بنظركم، هل هذا النمط من حياة سلمان صحيح؟! لو كان سلمان موجودًا في مثل هذا الزمان فكيف كان سيعيش؟ أن يأخذ ويبني لنفسه كوخًا صغيرًا يكون نصف قدمه خارجه، ويضع جرّة على كتفه، وكيس خبزٍ على كتفه الآخر، وينهض ويسير؛ فهل هذا صحيح؟!».

  • فأجاب العلامة الطباطبائيّ ببيانه العذب ذاك: «واللهِ لا أدري؛ كلّ ما أعرفه هو أنّه لو كان سلمان هذا في زماننا لقلنا: إنّه مجنون!». يعني أنّ الناس يقولون للعاقل: مجنون! كان سلمان عاقلًا ـ يقولون إنّ سلمان عاش عمرًا طويلاً؛ ونُقل أنّه عاش من مائة وعشرين إلى مائتين وثمانين أو ثلاثمائة سنة ـ فقال لعزرائيل: «لو كنتُ أعلم أنّ عمري قصيرٌ إلى هذا الحدّ، لما كنتُ بنيتُ لنفسي هذا الكوخ الواحد!». والآن، يقول أهل هذا الزمان لهذا: إنّه مجنون!

  • أصلًا إنّ العالَم يدور على الوهم والخيال! فمثلاً لماذا يجب أن تكون هذه الصينيّة بهذا الشكل؟ إنّه خيالٌ! والآن يأتون ويؤسّسون مصنعًا لتخرج هذه الصينيّة بهذا الشكل. ولماذا يجب أن يكون إبريق الماء هذا هكذا؟ حسنًا، كان يمكن أن يكون بشكلٍ آخر، والآن يخرجه المصنع بهذا الشكل؛ في حين أنّه كان من الممكن أن يكون بغير هذا الشكل، وبكلّ بساطةٍ وتواضعٍ بنفس الجرّة الفخاريّة التي كان عليٌّ وفاطمة الزهراء عليهما السلام يشربان بها الماء معًا، وعاشا حياتهما كذلك۱! ولو لم يركُل ذلك الملحدُ عديمُ الدين السيّدةَ الزهراء عليها السلام، ولم ترحل عن الدنيا في الثامنة عشرة من عمرها، لعاشت بتلك الجرّة حتّى التسعين من عمرها! ولو لم يأتِ ابن ملجم بسيفه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لعاش بتلك الجرّة الفخاريّة مائتي عام! فقد عاشوا هم أيضًا؛ لا تتخيّلوا أنّهم لم يأتوا، وماتوا عند الولادة! كلّا! إنّنا نضخّم القضيّة على أنفسنا باستمرار، وهذا ليس صحيحًا؛ يعني أنّهم عاشوا أيضًا، والآن الأوضاع والمسألة هكذا. إنّهم يضحكون علينا! انظروا: كلّ هذه المصانع والمعامل، كلّها من أجل الخيال والأوهام!

    1. کشف الغمّة فی معرفة الأئمة علیهم السّلام، ج ١، ص ٣٥٩

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

9
  • لو عاش أهل الدنيا حياةً عقلانيّة، لأُغلقت أبواب الدنيا كلّها وانتهت القضيّة۱؛ فإمّا أن يصبح الجميع عاطلين عن العمل، أو يجب على الجميع أن يعملوا بالمعاول وتزداد مشاكل الحكومة، فيجب أن تجد عملاً وتضعه في أيديهم! هذه هي القضيّة!

  • مكانة الفرد والمجتمع في التعاليم الإسلاميّة ومدرسة العرفان 

  • إذًا، فالعرفان هو عبارة عن التجرّد والكمال وإصلاح الفرد! يقول العرفان: يا عزيزي، كن بين الناس بمقدار الحدّ الأدنى، عش حياةً عقلانيّة قدر استطاعتك، والمقدار الذي لا تستطيع أن تبتعد فيه عنهم فاحتملهم ما استطعت، وبقدر ما تستطيع أن تبتعد ابتعد! من جهة، خصّص لنفسك وقتًا قدر ما تستطيع؛ ومن جهة أخرى، اعمل وفقًا للتعليمات! فقد يُقال لأحدهم: تفرّغ لشأنك الخاصّ! ويُقال لآخر: انخرط في المجتمع! ويُقال لثالث: ! ويُقال لرابع: اجلس في الخلف! ويُقال لخامس: اعمل وفقًا لتكليفك!

  • من قال إنّ العرفان دين تفرّدٍ وانعزال؟! هل كان هؤلاء الأعاظم في الدين كلّهم منعزلين؟! إذن، ماذا كان يفعل المرحوم القاضي هنا مع كلّ هؤلاء العلماء الذين كان كلّ واحدٍ منهم آيةً لنفسه؟! وماذا كان يفعل الآخوند الملا حسين قلي؟! هل تعرفون أحدًا أفضل وأكثر تأثيرًا من المرحوم العلّامة في الشأن الاجتماعيّ يأتي وينجز عملاً؟! لقد كان عمره كلّه وقفًا لهؤلاء الناس، وفي الوقت نفسه، كانت برامجه في أوقاتها ومنظّمة!

  • كان المرحوم العلّامة يقول: «لقد بسطنا المائدة للجميع، فمن الذي يأتي؟!».

  • جاءه أحدهم وقال: «سيّدنا، نحن نسلّم إلّا في هذه المسائل؛ ففي هذه المسائل لا شأن لنا بك!». فقال المرحوم العلامة: «شكرًا لك، في أمان الله!». حسنًا، ماذا يقولون؟! إذا كنتَ تسلّم، فلا يوجد شيء اسمه هذه المسائل وغير هذه المسائل! وجاء آخر وقال: «ألتزم بتوجيهاتك إليك إلّا في مسألة التقليد، فإنّي أقلّد فلانًا!». فقال: «كلّا، ليس الأمر كذلك؛ يجب أن تقلّد من أقوله أنا! انهض واذهب!». من الذي يأتي؟! من الذي يقبل؟!

  • إنّ مسلك العرفان لا يختصّ بفردٍ معيّن أو شخصٍ معيّن، وليس له عقيدة خاصّة وطريقٌ ومنهجٌ منفصلٌ عن عالم التكوين وعالم الفطرة؛ إنّه للجميع! لذلك، كان الأولياء والأعاظم، مع محافظتهم على المجتمع ومع أمرهم بمراعاة الارتباط بالناس، يذكّرون دائمًا بهذه المسألة المهمّة: «التفت إلى نفسك وكن حذرًا على نفسك، لا تقم بعملٍ يفوق طاقتك ويكون ممّا لا يُطاق، فتصبح قوّة تحمّلك وفكرك وخيالك وتركيزك عرضةً للاضطراب!». ضع ذلك نصب عينيك، ثمّ اذهب وقم ببقيّة الأعمال في حدود وسعك وطاقتك! وهو العمل الذي كان يفعله أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة عليهم السلام أنفسهم. قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ: «انهض واذهب الآن! فإنّ لديّ وردًا وذكرًا ويجب أن أنصرف إلى عملي! لقد نصحتك حتّى هنا، ومن الآن فصاعدًا انهض واهتمّ بعملك٢!

    1. تصنیف غرر الحکم و درر الکلم، ص ١٤٣: «قال امیرالمؤمنین علیه السّلام: ”لَو عَقَلَ أهلُ الدُّنیا لَخَرِبَتِ الدّنیا!“»
    2. بحار الأنوار، ج ١، ص ٢٢٦:
      «قُم عَنّی یا أباعبدِاللَهِ، فَقَد نَصَحتُ لَکَ؛ و لا تُفسِد عَلَیَّ وِردی فإنّی امْرُؤٌ ضَنینٌ بِنَفسی!»

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

10
  • كان للإمام الصادق عليه السلام ورده الخاصّ به، وكان له وقته المختصّ به؛ وفي الوقت نفسه، كان درسه في مكانه، وإجابته عن المسائل في مكانها، وارتباطاته بالجهاز الحاكم والخليفة في مكانها؛ كلّ شيءٍ في مكانه! كانوا جميعًا هكذا، ولم يتدخّل أيٌّ من هذه الأمور في الآخر ولم يسبّب إخلالاً فيه. فطريق العرفان هو طريقٌ مفتوح! 

  • كنّا في هذه الفقرة: «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أدعوهُ فَیُجیبُنی»؛ أي: الحمد لله الذي كلّما دعوته، أجابني!.

  • «أدعوهُ فَیُجيبُني!»؛ لا أن يكون الدعاء في وقتٍ معيّن، والإجابة في وقتٍ معيّن آخر! لم يحدث أبدًا أن ندعو الله ويكون منشغلاً ثمّ يلبّي نداءنا لاحقًا؛ مثلاً، أن ندعوه الليلة فيلبّي غدًا، أو ندعوه غدًا فيلبّي عصر الغد، أو كما يقال بلغة اليوم، أن يكون هناك «ازدحام في المرور» وانشغال، فتتأخّر الملائكة في نقل الدعاء، أو أن يكون الله قد نعس؛ ﴿لَا تَأخُذُهُۥ سِنَة وَلَا نَوم﴾۱. ففي أيّ وقتٍ أردتَ الله ودعوته وطلبت منه، فإنّه يجيب؛ بل إنّه قد أجاب مسبقًا، والآن أنتَ ادعه متى شئت!

  • طريق العرفان مفتوح للجميع 

  • إنّ طريق العرفان ليس طريقًا مختصًا بشخصٍ دون آخر! يكذب الذين يقولون: «إنّنا نأتي ولكنّهم لا يسمحون لنا بالدخول!». ليست القضيّة هكذا! من الذي أتى بصدقٍ ولم يقبلوه؟! أصلًا إنّ مسار العرفان هو مسار الارتباط بالله، وليس بيد الوليّ وهذه الأمور! لقد حدث مرارًا أن أتى أشخاصٌ للمرّة الأولى، وبمجرّد أن أتيتُ وأردتُ أن أبيّن أمرهم، قال المرحوم العلامة: «اذهب وتحدّث معه!». لم يقل المرحوم العلّامة أصلًا من هو هذا؟ وما اسمه؟ وهل رأيته من قبل أم لا؟! هذا لا يحتاج إلى تعريفٍ وحضور، فهو متّصلٌ بالباطن!

  • جاءوا برسالةٍ، ولم يكن المرحوم العلّامة قد فتحها بعد، كانت المرّة الأولى، وما إن بدأتُ بقراءة الرسالة حتّى قال المرحوم العلامة: «أجب على هذه الرسالة وأعطه تعليماتٍ بما يجب أن يفعله!». هذه هي المرّة الأولى! والآن يأتي آخر مائة مرّة، والمرحوم العلّامة لا يلتفت إليه! فما هذا؟! من أين ينبع هذا الأمر؟! ما هذه الطرق الباطنيّة التي تتّصل ببعضها البعض؟! عندما يأتي الشخص للمرّة الأولى ولم يرَ المرحوم العلّامة أصلاً ولا ارتباط له به وللتوّ التقى بي أنا، فعمّ كان يبحث في باطنه حتّى أنّني لم أذكر اسمه بعد، فقال: «اذهب يا سيّد وأجبه!». من أين كان هذا؟! وما هذا الكلام؟! إنّ طريق العرفان هو طريق الباطن، والباطن لا يحتاج إلى تعريف، والباطن لا يحتاج إلى حضور! ذلك الوليّ الإلهيّ الذي يريد أن يرى الشخص ثمّ يختبره ويعاينه، ذلك الوليّ لا يصلح لهذه الأمور! فما هذا الكلام بأنّه يجب أن يذهب وراءه ويجب عليه هو أن يسير في الطريق؟!

    1. سورة البقرة، الآية ٢٥٥

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

11
  • أتى أحدهم ووقف عند الباب هناك وقال لي: «سيّدنا، لقد أتيتُ من المكان الفلانيّ وأريد أن أتشرف بلقاء السيّد [العلّامة] للمرّة الأولى!». وعندما ذهبتُ لأعرض الأمر على المرحوم العلّامة بأنّ شخصًا قد أتى ويقول إنّه يريد أن يتشرّف بلقائه، قال: «قل له فليتفضّل بالدخول!». عجيب! أنتَ تردّ الجميع، كيف تقول لهذا الواحد: قل له فليتفضّل بالدخول؟! فيدخل ونرى أنّ هذا وللعجب يختلف عن البقيّة! ولكن يأتي ذاك الآخر ويصرّ مهما أصرّ، فيقول المرحوم العلامة: «قل له: ليس لديّ مجال!». ويأتي مرّة أخرى، فيقول: «قل له مرّة أخرى: ليس لديّ مجال!». أنت تعرف هذا الشخص؛ فما قصّته؟! هذه مسألة ارتباطٍ بين ثلاثة أضلاع؛ فبمجرّد أن يكون له ارتباط، يتمّ إرسال برقيّةٍ من هناك إلى قلب الوليّ، وسواء شئت أم أبيت فالأمر قد تمّ! ومن الناحية الظاهريّة أيضًا، يجب أن تمرّ بعض المسائل وتُقدّم بعض الطرق حتّى يأتي هو. ما هو ذلك الباطن الذي تمّ؟ وهذه القضيّة مفتوحةٌ للجميع!

  • «أدعوهُ فَیُجیبُنی»؛ فبمجرّد أن يقيم الإنسان علاقة بينه وبين الله ويكون صادقًا حقًا بينه وبين الله، فهل يمكن أن يتركه الله؟!

  • عدم اختصاص ولاية الإمام عليه السلام بزمان الحضور 

  • يقول البعض: «في زمان الغيبة، باب اللقاء قد أُغلق، وتلك الفيوضات التي كانت في زمان الحضور، لم تعد موجودة في زمان الغيبة!».

  • ليست الأمور هكذا؛ وإلّا فمن كان يرى الإمام الصادق عليه السلام في المدينة؟! كان هو في زمان الحضور، فما بالك بالمدن الأخرى! إذن الجميع يعيشون في غيبة! لا يراه إلّا الذين في محلّته، هذا إذا لم يكن هناك تضييق؛ فإن كان هناك تضييقٌ فلا يراه أحد! لا يمكن أن يصل إلى خدمته إلّا بائع اللبن وبائع الخيار وبائع الزيت؛ ولا يمكن لأيّ أحد آخر أن يصل إليه! إذن، فما الفرق بين الغيبة والظهور؟! ذلك الذي في خراسان، متى يمكنه أن يرى الإمام الصادق عليه السلام، ومتى يمكنه أن يرى موسى بن جعفر عليه السلام في سجن هارون، ومتى يمكنه أن يصل إلى العسكريّين عليهما السلام في ذلك الحصار في سامراء؟! هم أيضًا في غيبة؛ فما هذا الكلام؟!

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

12
  • إنّ باب رحمة الله مفتوحٌ دائمًا! لإمام الزمان عليه السلام الولاية على النفوس؛ أي أنّ جميع النفوس في قبضته! قل أنت مرّة واحدة «يا بقيّة الله» وانظر هل تسمع الجواب أم لا! قلها بصدقٍ وانظر هل تسمع أم لا! نحن نكذب ولا نريد أن نتابع الأمر؛ وإلّا فالإمام موجودٌ دائمًا، والإمام حاضرٌ دائمًا، والإمام يراقب دائمًا! «إنّا غَیرُ مُهمِلینَ لِمُراعاتِکُم ولا ناسینَ لِذِکرِکُم!»۱. إنّ عنايته تلك موجودةٌ دائمًا! ومن جهة أخرى، يظهر ذلك في مقام الإثبات أيضًا؛ كلّ هؤلاء الأولياء الذين وصلوا إلى الكمال في زمان الغيبة، ويجد الإنسان كمالهم ويشاهده، من أين أتوا؟!

  • قلتُ للسيّد الحدّاد: سيّد، هل يمكن لقاء الإمام عليه السلام أم لا؟ 

  • فقال السيّد: «نعم، يمكن لقاؤه؛ قل هذا الذكر وبعد أربعين يومًا ستصل إليه!». بالطبع، ليس لقاء الإمام عليه السلام بالمسألة المهمّة، فهذا ليس بشيء! المهمّ هو أن يتّصل باطن الإنسان بالإمام، ذاك هو المهمّ؛ وإلّا فلو التقيت بالإمام، فهو أيضًا من حيث ظاهره كأيّ إنسان عاديّ وبسيط!

  • قلت: لا يا سيّدنا، ليس لديّ قدرة! الآن أذهب إلى لقاء الإمام فماذا أقول له؟! أقول له: يا مولاي ماذا أريد منك؟! حسنًا، أجلس الآن في مكاني وأقول: يا بقيّة الله، أعطنا ما تشاء! لماذا أذهب وأزعجه؟! دعه يقوم بعمله! لماذا نذهب نحن؟! قلت: لا يا سيّدنا، أنا كسول جدًّا وليس لديّ صبرٌ على هذه الأذكار! 

  • فقال: «نعم يا سيّد، لو اتّصل باطن الإنسان هذا، لكفى ذلك!».

  • ثمّ يقولون: «السيّد الحدّاد لم يكن من أهل الولاية!». كان السيّد الحدّاد كلّما أراد أن ينهض، كان ذكره عند النهوض بدلًا من «لا حول ولا قوّة إلّا بالله»، هو «يا صاحبَ الزمان» و«يا بقيّة الله»! ثمّ يقولون: «هذا لم يكن من أهل الولاية!». هو نفسه يقول: «يا صاحب الزمان»، ولكنّه يقول لي: «العمدة هو الوصول إلى الولاية، لا رؤية الظاهر!». إن كنت تريد رؤية الظاهر، فهذه هي التعليمات، فاذهب!

  • الآن انظروا إلى هذه المدارس التي تدعونا إلى هذه الرؤية الظاهريّة، في حين أنّه لا يوجد في مخيّلة الإنسان سوى الخيال والصورة؛ وحينها يصبح الإمام صاحب الزمان عليه السلام يعني الصورة! يا إلهي، أنا أعمل، وأتعب، وأتعبّد، وأذكر، وأقرأ الأوراد، وأقوم بالرياضات، ولكن في الصورة لا في المعنى! أي أن تتجسّم لي الصورة، تتجسّم الهيئة الظاهريّة! حسنًا، لنفرض أنّي وصلتُ وقلت للإمام: يا بن الحسن، أستجير بك، أنقذني! حسنًا، كان بإمكانك أن تقول في بيتك «يا بن الحسن»! هل لأنّك أتيت إليّ الآن، سأجيبك أكثر؟! ولو كنتَ قلتها في بيتك، ألم أكن لألتفت إلى كلامك؟! لو كنتَ استجرتَ بي في صلاة الليل، ألم أكن لأجيبك؟! الآن بعد أن أتيت ووصلت إليّ، هل سأوقّع لك هنا توقيعًا مفتوحًا على كلّ ما تريد؟! كلّا يا عزيزي، اجلس في بيتك، وفي بيتك ذاك قل «يا بن الحسن»، فالإمام هناك في تلك الغرفة أقرب إليك من نفسك! واللهِ هو أقرب، باللهِ وتاللهِ هو أقرب!

    1. الخرائج و الجرائح، ج ٢، ص ٩٠٣

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

13
  • لا ينبغي للسالك أن يسير في الخيال، لا ينبغي له أن يسير في الصورة! إنّ رؤية صورة الأستاذ ورؤية صورة الوليّ في بعض الأوقات جيّدةٌ للإنسان؛ أمّا أن تصبح عادةً للإنسان، وأن يسعد الإنسان بصورته، فهذا حتّى ليس جيّدًا! والسبب في أنّ المرحوم العلّامة كان يقول: «أرى أنّ الرفقاء سيأتون بعد وفاتي وينشرون صوري! ولكن لا تفعلوا هذا!». لم يكن هذا لأنّه لم يكن يريد أن يكون هناك جانبٌ ظاهريّ؛ بالطبع، كان في حذرٍ وهلعٍ من أن يصبح صنمًا، وأن يصبح صنمًا في مقابل الأئمّة عليهم السلام، لدرجةٍ لم يكن لها نظير!

  • سرّ دفن المرحوم العلّامة الطهرانيّ في حرم الإمام الرضا عليه السلام 

  • دعوني أفشِ لكم هذا السرّ! هل تعلمون ما سبب دفنه هنا؟ لو أنّه دُفن في مكانٍ آخر، لنشأت مسألةٌ في مقابل الإمام الرضا عليه السلام؛ من رفقائنا أنفسهم ومن باب المحبّة، لا من غير المحبّة! لقد اختار هذا المكان عمدًا ليأتي بجوار مستودع الأحذية النسائيّة ولا يتمكّن أحدٌ من الجلوس هناك، وهذا كان احترامًا للإمام عليه السلام؛ يعني أنّه حتّى في زمان وفاته كان حذرًا ومراقبًا لهذه الجهة!

  • بالطبع، كانت هناك هذه الجهة وأنّه لا يريد أن يكون هناك جانبٌ ظاهريّ و...؛ ولكنّ المسألة المهمّة هي هذه، أن يلتفت الرفقاء والسالكون إلى الباطن، لا إلى الصورة! وإن كنّا لسنا في غنىً عن الالتفات إلى الصورة، ولكن يجب أن نقلّل هذا ونقلّله ونوصله إلى الحدّ الأدنى؛ فهذا الالتفات المتتالي والمتوالي إلى الصورة يمنع الإنسان من الوصول إلى المعنى، وطريق الله هو طريق المعنى!

  • نهي أولياء الله عن الالتفات إلى الفرج الظاهريّ للإمام 

  • لم يحدث مرّة واحدة أن تحدّث المرحوم العلّامة في مجالسه وفي أحاديثه و... عن الفرج الظاهريّ لإمام الزمان عليه السلام، وأن يقول ادعوا ليعجّل الله فرج الإمام الظاهريّ! لم يحدث أبدًا أن كان الحديث عن الفرج وعلامات الظهور! في المجالس العامّة نعم، ولكن في مجالسه الخاصّة لا! في حين أنّ كلّ ذكره وفكره كان الإمام المهدي بقيّة الله عليه السلام! وأنا لم أرَ نظيرًا لالتجائه إلى الإمام المهدي عليه السلام ممّن يدّعون ذلك! أصلًا إنّ جميع ليالي القدر في مدّة عمره كانت تمضي باسم وذكر الإمام صاحب الزمان عليه السلام! ثمّ ما هي المسألة التي كانت في ذهن المرحوم العلّامة عن الإمام، فتلك مسألة أخرى، ومن أيّ جهةٍ كان ينظر إليه.

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

14
  • كان يقول هو نفسه ذات مرّة: «كان لديّ الكثير من صور السيّد الحدّاد، ولكنّي رأيتُ ذات مرّة أنّ هذه الصور نفسها أصبحت حجابًا لي، فأتلفتُ مقدارًا كبيرًا منها، ووزّعتُ مقدارًا آخر».

  • وصل إلى كلّ واحدٍ منّا، وكنّا صغارًا في ذلك الوقت، مقدارٌ منها، ولم يبقَ عنده هو شيءٌ. هذه القضيّة تعود إلى خمسة وعشرين عامًا مضت، وكنتُ في الخامسة عشرة من عمري حينها. قال: «لقد أتلفتُها كلّها!». هو في إيران وذاك هناك، ولكن لا ينبغي أن تكون هناك صورة، وهذا الارتباط يجب أن يكون ارتباطًا باطنيًا! هذه الصورة لا تسمح لهذه النفس أن تنفصل وتعبر؛ تأتي هذه الصورة وتحبس النفس ولا تدعها تعبر.

  • انفتاح باب الولاية في كلّ زمان 

  • لذلك، فإنّ طريق العرفان هو طريق الباطن؛ فمتى ما قلتَ: «يا ربّ!»، سمعتَ في تلك اللحظة تلبيةَ الله لك! والطريق ليس مغلقًا أصلاً؛ لا كما يقول بعض الأعاظم بأنّ الطريق مغلقٌ في زمان الغيبة ويجب أن تقفوا خلف الباب! لا يا عزيزي، في زمان الغيبة نفسه في زماننا هذا، في عين الكفر، في عين الظلمة، باللهِ وتاللهِ العليّ العظيم، إنّه في هذه اللحظة بالذات، لا يوجد أيّ فرقٍ، ولو بمقدار رأس إبرة، عن زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله نفسه من حيث إمكانيّة الدخول إلى حريم الولاية، لم يختلف وليس هناك أيّ فرق! ليس هناك أيّ فرق! أمّا إذا كان السائل كسولاً فتلك مسألة أخرى (وهو مثل فارسي مشهور)؛ ولكن ليس هناك أيّ فرقٍ، والآن أيضًا الأمر كذلك!

  • أتاني فلان قائلًا: «يا سيّد، لديّ مسائل هنا ولم أجد أحدًا وأريد أن أضعها تحت تصرّفك!». لديه طيّ الأرض، وطيّ السماء، وإشرافٌ على النفوس، واطّلاعٌ على المستقبل، وجفرٌ ورملٌ... وتسخيرٌ للجنّ وأمثال ذلك، ويقول تعالَ! تحدّثتُ معه قائلًا: يا عزيزي، لقد تجاوزت هذه الأمور؛ هذه ليست بشيءٍ بالنسبة لي! كان يعطيني إيّاها مجّانًا بالمجّان! فقلتُ له: حتّى لو أعطيتني إيّاها مجّانًا فلا أريدها! كلّها رادعة ومانعة! وبدلاً من أن يفهم وتكون له أذنٌ صاغية، يقول: «لا يا سيّد، هذا لا يفهم!». حسنًا، لو كان لديّ طيّ الأرض، فماذا أفعل؟! أقطع طريق طهران-مشهد في نصف ساعة، حسنًا، الآن أذهب في ساعةٍ بالطائرة وهو طيّ السماء وأحصل على رحلةٍ أيضًا! ما المهمّ في ذلك؟! الطريق مفتوحٌ؛ إنّي أُريك الطريق، وهو لا يريد أن يأتي! من قال إنّ الطريق مغلق؟! تعالَ أنت إلى الأمام، فإن لم يكن الأمر كذلك، فعندها قل ما شئت! حسنًا، إنّك لا تأتي! لذا، لم يعد بإمكاننا أن نلقي باللوم على الله هنا ونقول: يا إلهي، كان الطريق مغلقًا! لا، بل اللوم يقع على أنفسنا!

العرفان هو عين عقلانية أم انعزال؟ - باب الولاية مفتوح في كل آن

15
  • هناك مسألةٌ هنا وهي أنّ: التضرّع والابتهال والبكاء و... هو من أجل أن تصبح قلوبنا أكثر تهيّؤًا وأصفى لنتمكّن من الاستفادة من مقام الولاية ذاك؛ والآن أيضًا الولاية هكذا، والفرق الذي يوجد الآن عن السابق هو أنّ الوليّ والأستاذ نفسه كان يتكفّل في السابق بالكثير من الجهات، أمّا الآن فقد وُكل مقدارٌ من هذه المسألة إلى همّتنا نحن! كما قال المرحوم العلامة: «إنّنا نأخذ وننثر، ومن كان حاضرًا فليقف تحت هذا المنثور ويأخذ منه!». نعم، القضيّة هكذا؛ أمّا أن يكون قد اختلف عن السابق من حيث الكمّ والكثرة، فلم يختلف أبدًا ولا فرق!

  •  

  • اللهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ