3

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر

الأمر الثالث

3335
مشاهدة المتن

المؤلّفالعلامة آیة الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني

القسممحاضرات العلامة الطهراني

المجموعةسبيل الفلاح

جلسات المجموعة(7 جلسة)

التوضيح

أهم مواضيع المحاضرة: 1ـ مراحل کتمان السّر. 2ـ أسوأ نتیجة لإفشاء السرّ هي الإستدراج. 3ـ الآثار السّلبیة لکشف السّر. أـ سدّ الطّریق أمام الآخرین. ب ـ الإبتلاء بالعجب. ج ـ عدم الوصول للمقصد. 4ـ موارد کتمان السّر. أـ الرّؤی و المکاشفات. ب ـ الدّستورات و البرامج العملیّة الخاصّة. 5ـ دور الأنبیاء و الأئمّة هو الإرتقاء بالنّاس معنوّیاً لا تسمینهم مادّیاً.
/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

1
  •  

  •  

  • هو العليم 

  •  

  • ضَرُورَةُ كِتْمَانِ الأَسْرَارِ الإلَهِيَّةِ 

  • وَالآثَارِ السَيِّئَةِ لِكَشْفِ السِرِّ

  •  

  • سبيل الفلاح - الجَلسَةُ الثَالِثَةُ

  •  

  • محاضرات ألقاها 

  • سماحة العلّامة آية الله الحاجّ السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

2
  •  

  •  

  • أَعُوذُ بِاللـَهِ مِنَ الشَيْطَانِ الرَجِيْم

  • بِسْمِ اللـهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْم

  • وَصَلّى اللـَهُ عَلى مُحَمّدٍ وَآلِهِ الطَاهِريْن

  • وَلَعْنَةُ اللـه عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْن

  •  

  •  

  • من المسائل ذات الأهميّة الكبرى في السير والسلوك، والتي أكّد عليها أعاظمُ عِلم الأخلاق في وصاياهم لتلامذتهم من أوّل المنازل حتّى آخرها هي مسألة كتمان السرّ.

  • مفهوم السرّ ومراتبه

  • السِرّ يعني: الأمر الذي يُقابل العَلَنْ، السِرّ معناه الأمر غير المعلن والخفيّ. والأمر الخفيّ في طريق السير والسلوك لا بدّ أن يكون أمرًا إلهيًّا، أو حالًا من أحوال النفس، أو موضوعًا لم يُظهره الله لأحدٍ وأظهره لهذا الإنسان المعيّن؛ فهذا الإنسان هو الذي يمتلك هذه الحال وليس كلّ الناس، فإعلانه غير جائزٍ، ولا بدّ أن يحتفظ به لنفسه.

  • ومن هنا فإنّ السرّ يختلف في كلّ منزلٍ عنه في الآخر، فمثلًا: الإنسان الذي يمتلك تقوىً وإيمانًا عاديّاً بالإسلام، إذا ما جالَس المسلمين فإنّه يقول: أنا مسلمٌ، أنا مؤمنٌ، أنا تقيٌّ، أنا موالٍ، ولكنّه إذا ما جالَس أهل السنّة في بعض الأوقات فلا يمكن أن يقول: أنا موالٍ لأمير المؤمنين؛ لأنّ المسألة بالنسبة إليهم ليست كما هي بالنسبة له.

  • وبين المؤمنين حيث الجميع من أهل الإيمان والتقوى، إذا حصل المؤمن على شيءٍ من النورانيّة وفهم بعض الأشياء، فليس له الحقّ أن يُخبر الآخرين؛ لأنّ هذه موهبةٌ إلهيّةٌ مختصّةٌ به، والحديث عنها للآخرين يستلزم مشكلاتٍ كثيرةً، ولكن لو حدّث بها مَن هم في مرتبته ودرجته فلا إشكال في ذلك؛ لأنّ إخبارهم بها ليس في الحقيقة كشفًا للسرّ، بل هو أمرٌ اطّلعوا عليه بأنفسهم وعرفوه في نفس المرحلة والمنزلة ووصلوا إليه.

  • وإذا ما ارتقى أكثر أيضًا فسوف تنكشف له مسائل أخرى، وربّما كان في تلك المرحلة مَن هُم أمثاله وفي نفس مستواه الفكريّ وفي نفس المنزلة، فلا عيب في أن يُطلعهم على تلك المسائل.

  • وهكذا يسير ويسير إلى أن يصل إلى حرم الله ومقام الوَصْل واللقاء، ومقام ورود حرم أمن الله وأمانه، وهناك إذا ما أفشى إلى أيّ موجودٍ دون الذات المقدّسة فقد كشف السرّ؛ لأنّ هناك حَرمٌ، وهناك رمز الإنسان ومحلّ أسراره هو الذات المقدّسة لحضرة الحقّ؛ فهناك لا يمكن أن يتكلّم بشيءٍ، لماذا؟ لأنّه إذا ما تكلّم فقد كشف السرّ، والمقام هناك ليس مقام كشفٍ، ولا مقام كلامٍ، هناك ليس إلّا الذات، والذات وحدها هي المطّلعة على ذاتها.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

3
  • السبب في خطورة كشف السرّ أنّ الطريق طريق عشق

  • إذا ما كشف الإنسان السرّ، غضب الله عليه ولم يحبّه؛ لأنّ الحرم حرمُ الأمن، والطريق طريقُ العشقِ، طريقُ المحبّةِ، ولا يمكن طيّ هذا الطريق بغير عشقٍ ومحبّةٍ، ومن رموز العشق والمحبّة أن تُحفظ أسرار الحرم فيه ولا تُفشى خارجه.

  • لاحظوا علاقات الحبّ العابرة المجازيّة هذه، فسوف تجدون بأنّه لو كان هناك سرٌّ بين المعشوق والعاشق، وأبرز العاشق سرّه فإنّ هذا من أعظم الذنوب، ولو ارتكب كافّة الذنوب فليست عند المعشوق بمقدار إفشاء هذا السرّ. حيث قمتَ بإفشاء هذا السرّ الخاصّ الذي هو بيني وبينك وأبرزته للغير، «كُلُّ ذنبٍ لكَ مغفورٌ سِوى الإعْرَاضُ عَنّي»۱ فأنتَ إذ بيّنته للآخرين فهذا إعراضٌ منك عن مقام الوَصْل والوحدة والمحبّة والحميميّة والوداد ووحدة الحال التي بيننا، ذهبتَ إلى الغير، وهذا الذنب، ذنبٌ لا يغفر.

  • ولذلك، فإنّ الله غيورٌ أيضًا، وقد رُويَ عن النبيّ: «إنّ سَعْدًا٢ لَغَيُوْرٌ وَأنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ وَاللـهُ أَغْيَرُ مِنّيْ، وَمِنْ غِيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»٣، و«الفواحش» هي الأعمال السيّئة التي لا ينبغي أن تظهر. «مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنْ»، فلأنّه غيورٌ ويكره السيّئات لذا فقد أخفاها. فإذن، الله العليّ الأعلى أخفى ما ينبغي أن يُخفى، وهذا معنى غيرته.

  • نتائج إفشاء السرّ

  • الاستدراج

  • إنّ الأسرار التي بين العبد وربّه تختصّ بالعلاقة التي بينهما، فإذا ما أبرزها الإنسان للغير، فإنّ الله ـ وبسبب صفة الغيرة تلك التي هي إحدى صفاته ـ يغضب ويطرد العبد.

  • والآن ما أعظم المصائب التي ستحلّ بهذا المسكين الذي أبعده الله؟! إنّه سيُصاب بأصعب مشكلةٍ وبلاءٍ؛ فما هو هذا البلاء؟! إنّه الاستدراج، يعني: سيُبعده ويُبعده شيئًا فشيئًا من حيث لا يشعر، ويهبط به درجةً درجةً إلى أن يصل إلى أسفل السافلين وإلى الانحطاط.

  • يقول الله له: لقد أخبرتك بأمرٍ من أمور مقام الإخلاص والتوحيد، لقد أعطيتك حالًا جيّدةً، وارتباطًا بي، فقُمت بإفشاء سرّي، ذلك السرّ الذي بيني وبينك والذي لا ينبغي لأحدٍ أن يطّلع عليه، وقلبُك يشهد أنّه سرٌّ بيني وبينك. 

    1. جاء في قوت القلوب، ج ٢، ص ٩٦: سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد المحبّين قائلًا يقول في سياحته نظمًا:
      كلّ شيءٍ لك مغفورٌ سوى الإعراض عنّي***قد وهبنا مِنك ما فاتَ، بَقِي ما فات منّي
    2. المراد من سعدٍ، هو سعد بن عبادة وهو رجل غيور كما نُقلت قصّته في التاريخ. (منه قدّس سرّه)
    3. جامع السعادات، ج۱، ص ٢٣٩؛ كنز العمّال، ج۱۱، ص ٦۸۸، باختلافٍ يسير؛ الشمس الساطعة، ص ٢٣۰.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

4
  • المستمع: ماذا لو أخبر به شخصًا في مرتبته؟!

  • العلّامة: نعم، نعم! لا يجوز أن يقول للغير، ولكن من كان في مرتبته فهو ليس من الـ «غير»، وعنوان الغير لا يصدق عليه.

  • حينها يستدرج الله الإنسان، ومعنى الاستدراج هو الانحطاط به شيئًا فشيئًا حتّى يهبط، وهذه أكبر مصيبةٍ؛ لأنّه إذا ما سقط دفعةً واحدةً فإنّه سيصرخ ويُنادي يا ربّ! لقد أخطأت وأتوب إليك! لقد ارتكبتُ خطأً فأعدني. وأمّا إذا ما هُبِط به شيئًا فشيئًا، فإنّه لن يشعر ماذا حلّ به، وسيُهبَط به بحيث لا يشعر.

  • حالات السالك ومُدركاته مصداقٌ للأسرار الإلهيّة

  • للإنسان في السير والسلوك أحوالٌ، يعني: له حالاتٌ خاصّةٌ عند كلّ منزلٍ ومرتبةٍ يطويها، وله التفاتٌ وتوجّهٌ خاصٌّ، وله إخلاصٌ خاصٌّ، وخلوصٌ خاصٌّ، وقد تصيبه حالة الخلسة۱، وقد يكون له توجّهٌ خاصٌّ إلى الله، وإعراضٌ عن غير الله، وقلبه ملتصقٌ بالله، ولديه عشقٌ للّه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وَاجْعَلْ قَلْبِيْ بِحُبِّكَ مُتَيَّمًا»٢. وكذلك تكون له مدركاتٌ خاصّةٌ تتناسب مع الحال التي هو عليها، فمثلًا يُدرك آثار ذلك المنزل الذي هو فيه ولوازمه وخصوصيّاته.

  • وعندما يُفشي الإنسان السرّ ويُبعده الله شيئًا فشيئًا وينقبض حاله شيئًا فشيئًا، فإنّ مدركاته الفكريّة تبقى، وتبقى تلك الآثار واللوازم التي كانت في تلك المنازل والتي رآها هناك، ويظنّ بأنّ تلك الحالات لا تزال مستمرّةً، في حين أنّ حاله تلك قد ذهبت، ولم يبق منها سوى صورٍ ونقوشٍ ذهنيّةٍ، وأساس السير هو تلك الحال التي تكون للإنسان، أي حال الخلوص والجذبة والإعراض عن الدنيا وعشق الله ومحبّته، وهذه تهبط شيئًا فشيئًا وتبرد، فيأخذ بمعاشرة الأفراد الآخرين، ولا سمح الله يُمكن أن يرتكب معصيةً، وأن ينظر إلى العرفان ولقاء الله نظرةً هازئةً، فيقول مثلًا: هذه الأمور جيّدةٌ للسهرات والمجالس والتسلية وجلسات الأنس وليس لها حقيقةٌ وواقعٌ وراء هذا الأنس والتسلية، ويتوجّه قلبه إلى الدنيا؛ ولأنّه سار قليلًا في طريق السير والسلوك وصار قويًّا واكتسب قوّةً ما هناك، فإنّه يصرف كامل قواه في الدنيا.

  • لقد أخذ القوّة من الله، ثمّ أتى ليصرفها في طريق الشيطان، وهو يمتلك بعض المدركات العلميّة، ويظنّ أنّه ـ ما شاء الله ـ وليّ الله! وأنّه عارفٌ، فقد شاهد بوجدانه تلك المسألة المعيّنة وكذا وكذا! ولكنّ هذا المسكين لا يدري أنّه لا يمتلك شيئًا، وكلّ ما كان إنّما هو مجرّد حال، وشيئًا فشيئًا أُخذ منه من حيث لا يشعر، وهو مأنوسٌ ببقاء تلك الصور الفكريّة، إلى أن يحين وقت موته وفراقه للدنيا؛ يقول الله له: أنت أفشيت سرّي إلى غيري؟! لماذا فعلت ذلك؟! 

    1. الخلسة: نوعٌ من الجذبة العرفانيّة يستغرق فيها السالك مع نفسه ويُخلي ذهنه عن كلّ ما عدا الله تعالى، وقد تحصل له فيها بعض المكاشفات. (م)
    2. مصباح المتهجّد، ص ۸٥۰، فقرةٌ من دعاء كميل.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

5
  • قطع الطريق على الآخرين

  • إنّ في إعلان السرّ للغير ضررًا كبيرًا. فأوّلًا: أنتَ لستَ مخلوقي الأوحد، فجميع الناس مخلوقاتي، ولمّا أخبرتَهم بهذا السرّ فقد قطعتَ عليهم طريقهم؛ لأنّ الفرض أنّ هذه المسألة هي سرٌّ، وأنت أدركته وذاك الآخر لا يُمكنه إدراكه، وإذا ما حدّثته به فإنّه سيُصاب بالإحباط، ولن يقبل، وستبرد عزيمته عن الدين والإيمان، وستنقص محبّته لي، ولو أنّ طريقًا ما كان متاحًا له، فأنتَ بواسطة هذا الإخبار للسرّ قد قطعت ذلك الطريق.

  • ولذا نرى بأنّ الذين يكشفون السرّ، وينقلون حالًا من أحوالهم أو مكاشفةً أو رؤيا جيّدةً أو كرامةً لهم في مجلس للآخرين ولا يقبل بها الحاضرون، فإنّ هذا الموضوع المطروح يُصبح باردًا ومتجمّدًا وجافًّا؛ لأنّه لم يقع في مكانه، لم يقع هذا الحكم على موضوعه الخاصّ، فإنّه يترك ردّة الفعل هذه في قلوبهم، ويؤدّي إلى يأس قلوبهم، ويسدّ طريق عباد الله إلى الله.

  • إن كنت ذا كمالٍ معيّنٍ، فليكن هذا الكمال لك بينك وبين الله، ماذا تريد من الناس؟! يقول الله: هؤلاء العباد هم عبادي أيضًا، وربّما يُوفّق هؤلاء يومًا ما كما وُفّقتَ أنتَ لسلوك الطريق، فعليك أن تأخذ بأيديهم وتخطو بهم نحو الطريق بيسرٍ وهدوءٍ، لا أن تأتي دفعةً واحدةً وتكشف لهم سرًّا، وتفرض عليهم معنىً وحقيقةً فوق قدرة تحمّلهم وأعلى من سعتهم الوجوديّة.

  • يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام لعبد العزيز القراطيسي: «يَا عَبْدَ العَزِيْزِ! إِنّ للإِيمَانِ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلّمِ يصْعَدُ مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاةٍ»۱، ولا يُمكن للإنسان أن يُوصل نفسه إلى أعلى السطح بالقفز درجتين أو ثلاث، ولا يُمكنك أن تفرض تلك الدرجة من الإيمان على الإنسان الذي تُريد أن تزيد درجات إيمانه وتزيد من إيمانه، بل عليك أن تأخذ بيده بهدوءٍ وتسير به، وإلّا فإنّك ستُبعده وتكسره، ومَن يريد أن يرتقي بإنسانٍ دون أن يصعد به على السلّم فإنّه يُوقعه ويكسّر عظامه.

  • عندها يقول الإمام: «مَنْ كَسَرَ مُؤمِنًا فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ»٢ فمن كسر عظم إنسانٍ فعليه جبرُه، عَليه أن يقوم بجبر ذلك العظم، عليه أن يُعيده كما كان. إنّك إذ أضعت هذا المسكين وحمّلته أكثر من قدرته وكسرته فعليك ديته والتعهّد بمسؤوليّته وجبران ما حلّ به.

    1. الكافي، ج ٢، ص ٤٥.
    2. المصدر السابق.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

6
  • رافق الناس برفقٍ، وارفعهم بهدوءٍ إلى الأعلى، علّمهم شيئًا فشيئًا وبالتدريج، فإذا ما تعلّموا أمرًا وهضموه انتقلْ إلى الأمر الآخر، بيّنه لهم ثمّ انتقِلْ إلى ثالثٍ.

  • فالإيمان الذي له درجاتٌ مختلفةٌ، مثله مثل الغذاء، فإذا ما تناول الإنسان طعامًا فلابدّ أن يُهضم، ولو تناول طعامًا آخر قبل أن يُهضم السابق أصيب بالتُخمة وصارت سببًا في هلاكه. أمّا إذا فهم مسألةً ما وقبِلَها وهضمها، جاءت بعدها مسألةٌ أخرى، سواء أكانت نظريّةً أم عمليّةً، وقبل هضم المسألة الأولى لا يُمكن الوصول إلى المسألة الثانية أو المقام الثاني أو الدرجة الثانية أو الصفّ الثاني.

  • والسبب في كلّ ذلك هو أنّ على الإنسان أن يتكتّم على ما عنده من أسرارٍ وأن يتماشى مع الناس ليُوردهم إلى الطريق.

  • ج. العُجب بالنفس

  • ثانيًا: الجهة الأخرى هي أنّك لو بيّنتَ الأسرار التي رزقك الله إيّاها فسوف يُسبّب لك ذلك العُجب بنفسك؛ لأنّ الفرض هو أنّ الإنسان لم يتجاوز نفسه بعد ليَرِدَ إلى حرم الله، بل حتّى لو كان قد وصل إلى حرم الله واتّصل بالله مع عدم تجاوز عالم النفس، فإنّه لو بيّن مشاهداته وحالاته الحسنة لأصيبت نفسه بالغرور، لذا على الإنسان أن يكون في مأمنٍ من كيد النفس. نعم! لو تجاوز عالم النفس، واتصّل بالله فحينها كلّ ما يفعله فهو فعل الله وليس فعل النفس.

  • صحيحٌ أنّ هذه كمالات ظهرت له، ولكنّها كمالاتٌ من الله، لا من نفسه، والكمال المأخوذ من الله لا بدّ أن يُنفق في سبيل الله، لو كان هذا الكمال من عندك أنتَ، فمباركٌ عليك كلّ ما تصنعه به، ولكنّ الله هو الذي آتاك إيّاه.

  • وأنتَ تأتي وتبيّن تلك الحالات والمكاشفات، مع أنّ النفس لم تصل إلى مقام الطهارة ذاك، فهي تنسب تلك الكمالات إلى نفسها، فإذا تعدّى الإنسان وتجاوز، بلغ ما يُطلق عليه العجب، إذ العجب هو رؤية النفس ذاتها كبيرةً، أي أن يرى الإنسان شيئًا من نفسه فيراها كبيرة، وهذا خطرٌ كبيرٌ؛ لأنّ طريق العرفان والسلوك هو خلاف العجب، وضدّ العجب.

  • التفتوا إلى أنّ السلوك دائمًا يجعل نفس الإنسان صغيرة، فإذا ما لاحظ الإنسان نفسه فعليه أن يقول أنا لست شيئًا، الله هو كلّ شيءٍ، ففي البداية كان يظنّ أنّه يتّصف بصفاتٍ كثيرةٍ: عالمٌ، قادرٌ، متمكّنٌ، حيٌّ، مدركٌ، فعّالٌ، فهذا أحد أعمالي، وذاك من أعمالي، وذاك وذاك، فلانٌ أضرّ بشأني وكرامتي، فلانٌ صنع كذا، ودائمًا يقول: أنا! أنا!

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

7
  • وعندما يَرِد إلى السلوك شيئًا فشيئًا يرى أنّ كلّ ذلك ـ ويا للعَجب ـ كان عيبًا. ما معنى «أنا»؟ فهذا الإنسان الذي لا يمكنه أن يطرد عن نفسه ذبابةً، هذا الإنسان الذي يبلغ من العجز حدًّا يجعله يُصاب بالسكتة في لحظةٍ واحدةٍ، بحيث يتبدّل هذا اللسان الناطق، والفكر والحركة واللطف والنشاط والفوران يتبدّل كلّه إلى جسدٍ، ونقول أسرعوا في دفنه حتّى لا تؤذي رائحة تعفّنه الدنيا. ولو كانت هذه الكمالات لنا لما خسرناها، بل الله هو الذي أعطاها وهو الذي أخذها، فإذا جعلناها لله كان لها قيمة، وأمّا إذا جعلناها لأنفسنا فنحن مخطئون، وهذا هو طريق الشيطان والفرعنة، وحينئذٍ، فإنّ إفشاء الأسرار سيزيد ذلك العجب ويقوّيه.

  • العُجْب يعني: رؤية الشيء كبيرًا، الرضا عن النفس، الغرور بالنفس، الفخر بالنفس، والاعتزاز بها. إنّ وجود الإنسان صفرٌ، فكيف له أن يراه واحدًا؟!

  • إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هو أوّلُ مخلوقٍ في العالم وأعظم مخلوق ومع ذلك أمره الله في القرآن الكريم أن يقول: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}۱، وفي مكانٍ آخر: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً}٢، وحقيقةُ الأمر هي كذلك؛ ولذلك نرى أنّ الأئمّة والأنبياء وخصوصًا الرسول الأكرم رغم مقاماتهم الرفيعة جدّاً لم يكونوا يتكلّمون عن هذه المسائل التي تُسبّب العُجب، لم تُسمَع منهم كلمةٌ واحدةٌ فيها مدحٌ للنفس: أنا كذا! أنا عندي الحالة كذا! بل كانوا يقولون: أنا عبدٌ ضعيفٌ مسكينٌ {لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}.

  • الأئمّة عليهم السلام لم يُصابوا بالعجب رغم مقاماتهم الرفيعة

  • كان الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام معًا في الطريق إلى الشام حين أحضرهما عبد الملك بن مروان، وعندما وصلا إلى أحد الجبال جاء إلى محضرهما رجلٌ نصرانيٌّ ـ ولهذه الحادثة قصّةٌ مفصّلةٌ ـ فقال: «أَنْتَ عَالِمُ هَذِهِ الأُمّةِ؟» فقال الإمام: «لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا»، فلم يقل: أنا عالمُ هذه الأمّة، بل قال: «لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا»٣، لم يقل: أنا عالم هذه الأمّة، رغم أنّه في مقام التعليم والتربية.

    1. سورة الأعراف (۷)، صدر الآية ۱۸۸.
    2. سورة الفرقان (٢٥)، ذيل الآية ٣.
    3. بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣۰۸.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

8
  • فإذن، حتّى لو بلغ الإنسان مقام الإمام محمّد الباقر فلا يظنّن أنّه عالمٌ والعياذ بالله، بل هو عالمٌ بعلم الله، فربّما نام في الليل ثمّ أصبَح وقد غدا عِلمه صفرًا لا يملك منه شيئًا.

  • لقد أصيب بعض كبار العلماء في أواخر أعمارهم بحالة من النسيان حتّى لم يعودوا يُميّزون بين اليد اليمنى واليسرى، وكان أحدهم يذهب في النجف إلى زيارة الحرم ولم يكن يستطيع العودة إلى منزله؛ فكان يضع علامةً بالفحم أو بالطبشور على الجدران، ثمّ وعند عودته كان يضلّ أيضًا ولا يهتدي إليها، والحال أنّه كان من علماء الدرجة الأولى.

  • وقد نقل بعض الناس قصصًا حول ذلك، فكانوا يقولون: إنّ نسيان بعضهم قد وصل إلى درجة أنّ أحد خدّام مسجد السهلة دعا عالمًا منهم للعبادة هناك، فأحضر الخادم طعام الغداء وكان من التمر والعسل واللبن، ودعاه إليه، فكان ذلك العالم يضع إصبعًا في العسل، وبدلاً من أن يضع ذلك الإصبع في فمه كان يضع الإصبع الآخر! وهذا أمرٌ عظيمٌ، ولا يُمكن للإنسان أن يتصوّر أعظم منه، فقد سيطر حال النسيان عليه إلى حدٍّ جعل مدركاته الخفيّة أيضًا تضيع، فصار يشتبه بين أصابعه، وفقد شعوره إلى حدٍّ جعله يضع إصبعه الآخر في فمه ثمّ لا يُدرك أنّه ليس فيه طعم العسل، فعلى أيّ شيء يدلّ هذا؟! في حين أنّه كان قبل ذلك مؤلّفًا وكاتبًا ومُدرّسًا مشهورًا ومعروفًا.

  • المستمع: هل يمكن أن يُقال: إنّ هذا بيد الله؟

  • العلّامة: إنّه الله، الله.

  • ما دام الإنسان كذلك، فلماذا يقوم بالفخر؟! وما دامت حقيقة المسألة هي كذلك فلماذا يرى الإنسان أنّ ذلك من نفسه؟! إنّ رؤية النفس هذه التي في الإنسان هي أساس عمل الشيطان، وتعني أن لا ترى الله بل انظر إلى نفسك، ولذلك يقول في القرآن [على لسان الشيطان]: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}۱؛ أنا أفضل منه، وعنوان {أَنَا} هو المقدّم، فلا يقول: هو أقل مني، بل يقول: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}. هذه إحدى آثار إفشاء السرّ، وهي حصول العُجب.

    1. سورة الأعراف (۷)، ذيل الآية ۱٢.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

9
  • د. عدم الوصول إلى المطلوب

  • ثالثًا: من الآثار الأخرى لكشف السرّ عدم وصول الإنسان إلى مطلوبه، وكلّ من أراد الوصول إلى غايته فعليه أن يحفظ سرّه.

  • يقول النبيّ: «اُستُر ذَهَبَكَ وَذَهَابَكَ وَمَذْهَبَكَ»۱ والمراد من الذهب: رأسمال العمر؛ لأنّ السارق جالسٌ في الكمين، وإذا اطّلع على سرّك جاء وضربك، فليس السارق سارق المال فقط؛ إذ هناك سُرّاق للإيمان، وسرّاق للنفس، وسرّاق للعقيدة، وسرّاق للهدوء.

  • وبعضهم حسودٌ، ونفوسهم تؤثّر على نفس الإنسان، وفي منتصف الليل تقوم نفوسهم الخبيثة بالتأثير سلبًا على الإنسان، فقد ورد في الصحيفة العلويّة الثانية أنّ جبرائيل جاء وقال: «يَا مُحَمَّد! إنّ عِفْرِيتًا مِن الجِنِّ يَكِيدُكَ فِي مَنَامِكَ فَعَلَيْكَ بَآيَةِ الكُرْسِيّ»٢، يعني: يا رسول الله هناك شيطانٌ يُريد أن يؤذيك، ولذا عليك بقراءة آية الكرسي عند النوم لتكون في أمنٍ وأمانٍ ولا يتمكّن ذلك العفريت من إيذائك، يعني: عليك أن تسلّم نفسك إلى الله في حالة النوم أيضًا، وإلاّ فهناك عفاريت وشياطين، ورغم أنّك رسول الله فإنّه يريد أن يُؤذيك: فإذن:

  • چون که اسرارت نهان در دل شود***زان مرادت زودتر حاصل شود٣.
  • يقول: إنّ حال الإنسان كحال تلك البذرة التي تبذر في الأرض، فلو خُبّئت تحت التراب، فإنّها تبقى وتربو، وشيئًا فشيئًا تنبت الجذور والبراعم ثمّ تصبح نبتةً وشجرةً، وأمّا لو رُشّت فوق الأرض، فستأتي الطيور وتلتقطها ولا يبقى لها أثرٌ.

  • كشف السِرّ يخمد الهمّة

  • إذن، على الإنسان أن يحفظ سرّه حتّى لا تبرد همّته، فالسرّ مثل جذوة النار، فلو كان للإنسان جذوة من النار في الشتاء، وكان عنده نوعٌ من الفحم شديد الاشتعال فأشعله ثمّ وضعه في مجرى الهواء البارد، فلو هبّت عليه نسمتان سيخبو وتذهب ناره، ولكنّه لو أخذه وغطّاه في مكانٍ وجعله في منقلٍ ورشّ عليه شيئًا من الرماد، فإنّه سيبقى يُدفّئ «الكرسيّ»٤ ليومٍ كاملٍ مع ليلته، فعندما كانوا يستعملون «الكرسيّ» في السابق كانت شعلةٌ من النار واحدةٌ تكفي لتدفئة الغرفة ليومٍ وليلةٍ أو على الأقل لاثنتي عشرة ساعةً؛ لماذا؟ لأنّهم يستغلون ذلك الفحم استغلالًا كاملًا، فهو يعطي الحرارة ويبثّ الدفء حتّى الذرّات الأخيرة منه، وهذا هو حال الإنسان كذلك.

    1. لم نجد هذه العبارة المشهورة في العديد من المجامع الروائيّة وكتب الأخبار، رغم أنّ العلماء ينسبونها دائمًا إمّا للنبيّ صلّى الله عليه وآله وإمّا للإمام الصادق عليه السلام بنحوٍ مُرسلٍ، وقد ورد في كتاب التحفة السنيّة (مخطوط)، تأليف السيّد عبد الله الجزائري، ص ٣٣۰ نقلاً عن بعض الحكماء ما يلي: «وورد في وصايا الحكماء: «استُر ذَهَبَكَ وَذَهَابَكَ وَمَذْهَبَكَ»، ومُرادهم بالذهب: الشيء النفيس؛ جوهرًا أو عرضًا، حتّى أسرار العلوم والمعارف» إلى آخر كلامه. (م)
    2. مكارم الأخلاق، ص ٣۸.
    3. المثنوي المعنوي (طبع میرخاني)، الدفتر الأوّل، تحت عنوان: طلب ذلك الوليّ من الملك أن يختلي بالجارية لتحديد علّتها.
      المعنى: إذا ما احتفظتَ بأسرارك في قلبك، فسوف تصل إلى مرادك بسرعةٍ.
    4. الكرسيّ: آلة تدفئةٍ قديمةٍ كانت ولا زالت تُستعمل في إيران، وهي عبارةٌ عن طاولة تغطّى بلحافٍ كبير وتدفّأ بالنار أو بآلة التدفئة الكهربائيّة ويجلس حولها أفراد العائلة ويجعلون أرجلهم داخل اللحاف فيشعرون بالدفء. (م)

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

10
  • إنّ حقيقة الإنسان ترتبط بقلبه، وقيمة الإنسان بقلبه، قيمته بقلبه لا ببدنه، لا بمادّته، ولا بعالم مثاله وتخيّلاته، قيمة الإنسان بحقيقته الواقعيّة التي هي مركز الإدراكات المعنويّة، ومنها ينشأ ويترشّح عالم المثال، وبعده عالم البدن، قيمة الإنسان بقلبه، والله تعالى خلق هذا القلب لنفسه وجعله مركزًا ومحلًّا لتجليّاته حيث قال: «لا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي، وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ المُؤمِنِ»۱ و٢.

  • مواطن كتمان السرّ

  • أوّلًا: كتمان الحالات المعنوية

  • وكتمان السرّ لا بدّ أن يكون ضمن مسألتين:

  • الأولى: الحالات التي يجدها الإنسان، كالرؤى الجيّدة مثلاً، فينبغي أن لا يُخبر أحدًا بهذه الأمور، حتّى عياله، حتّى أخاه، هل التفتّم؟ طبعًا هذا إذا كانوا في غير رتبته ودرجته! أمّا لو كانوا معه في نفس الرتبة والدرجة فلا إشكال.

  • المستمع: إذا رأى رؤيا عن والدته، فهل هي خاضعةٌ لهذه القاعدة أيضًا؟

  • العلّامة: إذا كانت من الرؤى المعتادة فلا إشكال؛ أمّا الرؤى المعنويّة والروحانيّة مثلًا...، فمن الواضح أنّ بعض أنواع الرؤى لا ينبغي أن تُنقل، أمّا الرؤى والمنامات العاديّة فلا إشكال فيها، فهذه ليست أسرارًا في الواقع؛ لأنّ هؤلاء الناس أيضًا يرون مثل هذه الرؤى ويقصّها بعضهم على بعض.

  • أما تلك الرؤى التي هي من الأسرار؛ كأن ترى الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله‌ وترى أنّه احتضنك وقبّلك ووضع في يدك خاتمًا من الزمرّد، وقال لك: «يا بنيّ! هذا هو المقام الفلاني الذي ينبغي أن يُعطى لك» فهذا سرٌّ؛ لأنّ النبيّ له تأويل، والاحتضان له تأويل، وكلمة «يا بنيّ» لها تأويل، وخاتم الزمرّد له تأويل، ولو أدرك ذلك الآخرون فليس أمرًا حسنًا، سيسدّون طريقك، وستكيد لك نفوسهم كما تكيد تلك الشياطين.

  • و{مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}٣، إنّ الذين يوسوسون للإنسان ويُوقفونَه عن العمل هُم من النفوس الشريرة والكافرة من الجنّ وكذلك من الناس على السواء، وربّما كان الناس أسوأ من الجنّ؛ لأنّ الإنسان أقوى من الجنّ، فالكفرة من الناس وذوي النفوس القويّة هم أكثر أذىً للإنسان.

  • أمّا الجنّ فأصل وجوده أضعف من الإنسان، إنّه ليس من عالم الملكوت، وليس من عالم الروحانيّات، الجنّ من عالم النار، وأصله من الدخان والنار، ووجوده أضعف من الإنسان، وبالطبع ـ وفقًا لآيات القرآن ـ فالجنّ منهم مؤمنون، ومنهم كافرون، ومؤمنوهم لا شأن لهم بالإنسان ولكنّهم ضعفاء، وعلى الإنسان أن لا يتعاطى حتّى مع مؤمنيهم؛ لأنّهم ضعفاء، وإذا ما تعاطى الإنسان مع الضعفاء صار ضعيفًا.

    1. عوالي اللآلي، ج ٤، ص ۷.
    2. أنوار الملكوت (فارسي)، ج ۱، ص ٩۱، التعليقة ۱: «نقله العلامة المجلسي في البحار، ج ٢۰، ص ٢٩۰، الطبع الرحلي: «لَمْ يَسَعْنِيْ سَمَائِيْ وَلَا أَرْضِيْ، وَوَسِعَنِيْ قَلْبُ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ» [أي لا تحتمل تجليّاتي الذاتيّة لا أرضي ولا سماواتي، ولكن يحتملها قلب عبدي المؤمن]». (المعلّق)
    3. سورة الناس (۱۱٤)، الآية ٦.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

11
  • المستمع: كنتُ أظنّ أنّ الجنّ أقوى!

  • العلّامة الطهراني: لا أبدًا، هم أضعف بتمام معنى الكلمة.

  • عندها [إذا أفصح الإنسان عن السرّ] يأتيه هؤلاء الذين هم {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} ويُقعِدونه عن العمل؛ ولذلك على الإنسان أن لا يتحدّث بالحالات التي تحصل له والرؤى والمكاشفات، فمثلاً: أنتم الآن جالسون هنا، وربّما ترون أُمّكم رحمة الله عليها فجأة، تأتي وتقول لكم: أيّها السيّد حميد كيف حالك؟ وتجلسان معًا وتتحادثان، أمّكم الحقيقيّة التي لا شكّ فيها، هل لكم شكٌّ في وجودي أنا؟ فكذلك لا يكون لكم شكٌّ في وجود أمّكم، فهذه تسمّى مكاشفةً، أي إنّ تلك الصور التي يراها الإنسان في عالم الرؤيا على شكل أطيافٍ ومناماتٍ، يُمكن أن تحصل للسالك في اليقظة.

  • وإضافةً إلى ذلك، الحال التي تحصل للإنسان كالحال التوحيديّة، فمثلًا: افترض أنّك في عبادةٍ، وبذلت جهدًا في أربعينيّةٍ، أو أربعينيّتين، أو ثلاث أربعينيّات، وحصل لديك خلوصٌ، والآن أنت في اليقظة، حين الصلاة أو غيرها، يُمكن أن تشاهد أنوارًا، أنوارًا عجيبةً، وبالطبع في البداية تكون ضعيفةً، ثمّ تزداد ثمّ تصبح كأنوار الشمس والقمر و...، فيجب أن لا تتحدّث عن هذه الحالات.

  • أو افترض أنّك حصلتَ على حالٍ توحيديّةٍ، كأن ترى أنّ كلّ قدرةِ العالم هي قدرةٌ واحدةٌ، القدرة التي في هذه الشجرة والقدرة التي في هذا الجبل هي قدرةٌ واحدةٌ، وهي قدرةُ الله، والعلم الذي في جميع الموجودات هو علمٌ واحدٌ، وهذا ما يسمّى بالتوحيد الأسمائي.

  • أو ترى أنّ كافّة والأفعال والحركات فعلٌ واحدٌ، وهذا يسمّى التوحيد الأفعالي، فهنا فِعل الدكتور فلان والسيد فلان والسيد فلان كلّ ذلك منطوٍ في فعل الله، وكلّه مقهورٌ تحت الإرادة الحقّة الحقيقيّة الإلهيّة، وهناك سيّدٌ واحدٌ، وديّارٌ واحدٌ، يأمر وينهى، والأعمال بيده فهو يختار ويشاء، سيّدٌ واحدٌ هو مَن يملك العلم، سيّدٌ واحدٌ هو مَن يملك القدرة، وهي الذات المقدّسة الإلهيّة، وهو المولى. اللهم مولاي مولاي، يا سيّدي، يا عمادي، يا مولاي يا ربّي، ليس لي مولىً سواك في عالم الوجود كلّه، وعبارة: «مولاي يا مولاي» الواردة في المناجيات والأدعية۱ هي بهذا المعنى.

    1. بحار الأنوار، ج ٩۱، ص ۱۰٩؛ البلد الأمين، ص ٣۱٩.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

12
  • فعلى الإنسان أن لا يتحدّث بهذه الأمور كيفما اتّفق؛ لأنها حركةٌ وسيرٌ في عالم التوحيد وهو من الأسرار، وإذا ما تحدّث بها الإنسان فإنّه سيضيع ويفسد.

  • والخلاصة وبصورةٍ عامّةٍ، إذا أراد الإنسان أن يتحدّث عن أمرٍ سوى الظواهر فليقل: يقول الإمام الباقر عليه السلام في تلك الرواية وفي ذلك الكتاب كذا وكذا، ولا يقل مثلًا: أنا اتّصلتُ في سرّي مع الإمام الباقر، وقد ألقى إليّ ذلك الموضوع، وأنا أخبركم به. فهذا خطأ، وما يُسمع من بعضهم أنّهم يقولون: «أُمِرت بكذا، وأُلقِي إليّ كذا» فكلّه غلط، وكلّ من تكلّم بذلك اغترّ الناس به.

  • على الإنسان أن يتعامل مع الخَلْق بالطرق الطبيعيّة

  • على الإنسان أن يتعامل مع عالم الخَلْق مِن هذه الطرق الطبيعيّة العامّة، نعم يمكن أن يصل الإنسان إلى مقامٍ يتّصل فيه بسرّ الإمام الصادق، فالآن هل سرّ الإمام الصادق ميّتٌ في عالم الوجود أم حيٌّ؟ هل ملكوت الإمام الصادق ميّتٌ أم حيٌّ؟ أقسم بالله إنّه حيّ؛ لا شكّ! فأنا ـ مثلًا ـ يُمكن أن آتي عبر هذه السلالم، أطرق الباب، وأنت تأتي وتفتح الباب، وتزول الحُجب من البين، ويصبح الأمس بواسطة طيّ هذه الأزمان حاضرًا، وآتي وألتقي بك، والله قادر أن يوفّق من يشاء إلى رفع الحجب الماديّة والاتّصال بالإمام الصادق أو الإمام الباقر، ولكن لو حصل ذلك فيجب أن لا يصاب الإنسان بالعُجب والغرور، وينبغي أن لا يُبيّن ذلك لأحدٍ، وعليه أن يحتفظ به لنفسه دون أن يُفشيه.

  • وجوب عرض جميع الرؤى والمكاشفات على الأستاذ

  • فمثلًا لو أدرك مسألةً ما، سواء كانت موافقةً للعلوم الرسميّة المتعارفة أم مخالفةً لها، فهذه لنفسه، وبالطبع يُمكن أن تكون بعض المدركات والمكاشفات خاطئةً، ولذلك يجب أن يَعرُض الإنسان كافّة المكاشفات والأحلام على الأستاذ، فهو من يُدرك أيّها صحيحٌ وأيّها باطلٌ، والإنسان لا يمكنه أن يُحدّد، ولو عمل الإنسان برؤياه ومكاشفته فهذا غلطٌ، ويجب عليه حتمًا أن يعرضها على الأستاذ؛ لأنّه هو الذي يعرف.

  • وبصورةٍ عامّةٍ، في الواردات والحالات التي ترجع إلى نفس الإنسان، ليس للإنسان الحقّ في أن يتحدّث بها إلى أحدٍ، ليس له الحقّ أن يتحدّث إلى أحدٍ مطلقًا؛ نعم الحديث للأستاذ ضروريٌّ، ولو أخفى الإنسان عن الأستاذ فهذا غلطٌ.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

13
  • لأنّه إذا ما أخفى شيئًا فهذا يعني أنّه يعتقد أنّ لنفسه شأنًا وتعيّنًا وحجابًا، وينبغي أن لا يكون بين الإنسان والأستاذ حجابٌ.

  • ثانيًا: إخفاء الأستاذ وكتمان البرامج والتكاليف السلوكيّة التي يأمر بها

  • الثانية: من الأمور التي يجب أن يكتمها الإنسان: البرامج والتكاليف التي عليه أن يقوم بها، فمن باب المثال: يُقال له: من الأعمال التي عليك أن تقوم بها: أن تُصلّي النوافل مع الصلوات الواجبة، أو عليك أن تغتسل غسل الجمعة، أو أن تقرأ دعاء كميل ليالي الجمعة، أو عليك أن تُصلّي صلاة الليل، أو أن تصوم بعض الأيّام، أو أن تقول ـ مثلًا ـ ذكر «لا إله إلا الله» ألف مرّةٍ وأمثال ذلك.

  • المستمع: تقولون هذا الآن بشكلٍ عامٍّ؟

  • العلّامة: نعم، هذا كلّه بشكلٍ عامٍّ، كلّه مثالٌ وبشكلٍ عامٍّ.

  • فإذا قيل للإنسان ذلك فهو له، ولا يُمكنه أن يُخبر به الآخرين، فلو كان الإنسان جالسًا يقرأ الذكر وجاءه أحدٌ وسأله: أيّ ذكرٍ كنت تقرأ؟ فليقل: كنت مشغولًا بذكر الله، كنتُ في حال الدعاء، أمّا أن يقول ذكري هو «لا إله إلّا الله»، أو «لا إله إلّا هو» فلا يُمكن للإنسان أن يُخبر بذلك، بل أصلًا لا يُمكن أن يُخبر بأنّي أتلقّى برنامجًا سلوكيًّا وعندي أستاذ، فهذا أيضًا لا يمكن للإنسان أن يُخبر به؛ لأنّ السلوك دقيقٌ، فلو تحدّثت بذلك فإنّهم أيضًا سيأتون، وربّما لا يأتون، فالنفوس مختلفةٌ، وحينها ربّما نظروا إليك نظرةَ تحقيرٍ أنّه يأخذ دينه من فلان، يأخذ إيمانه من فلان، فما هذا الكلام؟ ألا يمكن للإنسان أن يأخذ من وجدانه وباطنه؟! لماذا يحتاج الإنسان إلى الأستاذ؟! يُمكن للإنسان أن يحمل كتاب «مفاتيح الجنان» ويعمل به، يحمل القرآن ويعمل به، لماذا الأستاذ؟! فهذه الأمور كلّها تجارةٌ ومخترعاتٌ وغلطٌ ومضرّةٌ!

  • أو ربّما تكون نفوسهم راغبةً، ولكن لا مصلحة لهم في ذلك، مقامهم مقامٌ آخر، فليست كلّ بذرةٍ تُبذر في الأرض في أيّ زمانٍ، فبعض البذور في هذا الفصل وبعضها الآخر في ذاك، فبذور الورد في وقت معيّنٍ وفي ذلك الوقت ينبغي أن تُبذَر، فتأخذ حظّها من الماء ومن الهواء ومن النور حتّى تنمو، أمّا لو جاء الإنسان في غير وقته لأدّى إلى الفساد في العمل، وإلى الضعف والفتور، وتذبل تلك الفسيلة وتموت، وتنعدم تلك البذور وتزول.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

14
  • سبب لزوم إخفاء اسم الأستاذ والحالات والبرامج

  • لذلك أوّلًا: ليس من الصحيح أن تذكر اسمًا، فالمسألة ليست مسألة اسمٍ؛ لأنّ الضرر ليس فقط في حقّ ذلك الطرف، بل هو لهذا الطرف أيضًا، فالإنسان إذا عُرِف هجمتْ عليه النفوس، والغايات مختلفةٌ، فليس الجميع يريدون العرفان، وليس الجميع يريدون السلوك، بعضهم يُريد أن تقضي دَيْنه، وبعضهم يُريد أن تبني له بيتًا، وبعضهم يُريد أن تؤمّن زوجًا لابنته العانس، وآخر يقول: ادع لي لأشفى من ذلك المرض، أو اقرأ دعاءً على هذا الماء، أو اشف مرض ابنتي، إنّها مصابةٌ بالفالج أو بكذا، أو إنّ ابني مصابٌ بالعمى فأبرئه.

  • أفهل للإنسان علم الغيب؟! وهل الإنسان إمامٌ؟! هل يمكن للإنسان أن يتخطّى إرادة الله مقدار ذرّةٍ؟! هنا تأتي مقولة: «المَرءُ لِنَفسِهِ ما لَم يُعرَف، فَإِذا عُرِفَ كانَ لِغيْرِهِ»۱، هل التفتّم؟! فإنّ هذا ينتهي تمامًا؛ ولذلك لا بدّ من الضبط، فإذا أراد الإنسان أن يقوم بعمله فعليه أن يقوم به بهدوءٍ وبلا ضجيجٍ، فإذا أكلت الطعام فقُل: الحمد لله، وإذا شربتَ الماء فقُل: الحمد لله، ولا يطّلعنّ أحدٌ على أنّ عندك هكذا ماء، وإلّا لجاؤوك من الأقاصي ولوّثوا عليك ماءك، وألقوا فيه القاذورات إلى حدٍّ لا يُمكنك أن تشرب منه لا أنت ولا غيرُك، يُضيّعونه؛ لأنّ نفوسهم ليست نفوسًا طاهرةً بأجمعها، فالغايات مختلفةٌ، يأتي أحدهم ويقول: لا بدّ أن تعطيني الإكسير، حتّى أحوّل النحاس ذهبًا.

  • المستمع: لو سألوا، ورأى الإنسان المصلحة في أن يقول شيئًا آخر فهل في ذلك إشكال؟ فمثلاً يسألون: ماذا كنت تصنع؟ أقول لهم مثلاً لو ذهبت لأغتسل صباحًا: إنّي أصبت بنجاسة وذهبت لأتطهّر.

  • العلّامة الطهراني: لا! لا ضرورة في أن يقول أصبت بنجاسة وذهبت لأتطهّر والحال أنّه لم يصب.

  • المستمع: يعني هنا لا إشكال [في الإخبار]؟

  • العلّامة: لا، لا إشكال. مثلاً لو كنتَ تقرأ دعاء، وقيل لك أيّ دعاءٍ تقرأ؟ تقول: أنا متوجّهٌ إلى الله، وواقعًا هناك توجّهٌ إلى الله، وهناك ذكرٌ، أمّا تلك الخصوصيّة وذلك الارتباط فينبغي أن لا تُخبر بهما أحدًا، يعني: على جنابكم أن لا تخبروا بأيّ وجهٍ من الوجوه أحدًا بأنّكم على ارتباطٍ بمَن، ولو اطّلع أحدٌ على أنّكم تسألوني بعض المسائل، فهي مسألةٌ في النهاية، مسألةٌ شرعيٌّة، فالإنسان يسأل أيضًا مسائل شرعيّة ويجاب عنها وتقال له بعض الإرشادات، وهذا واضحٌ.

    1. إرشاد القلوب، ج ۱، ص ۱۰۰، مع اختلاف يسير.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

15
  • مثلاً: لو حصلتْ لديك حالٌ ما، فقلتَ: يا فلان أنت أيضًا تفضّل واذهب إلى ذلك المكان وستتغيّر حالك، فهذا خطأ؛ لأنّي أخبرتك بأنّ النفوس مختلفةٌ. هذه الضالّة التي تبحث عنها أنتَ وهذا الهدف والخصوصيّات التي أنتَ عليها الآن ليست متحقّقة عند الآخرين، أنتَ الآن في حالٍ تقول: أَحرِق كلّ حياتي وأرحني، فأنا الآن أعيش في أذى ومصيبةٍ، وهذا يختلف عمّن يأتي ويقول: يا سيّد أنا أريد الدنيا، تعال وأعدّ لي بستانًا! أَجْرِ لي قناةً! أعطني كذا وأعطني كذا!

  • إنّ طريق العرفان ولقاء الله والسلوك ليس ألعوبةً، ولم يأتِ الأنبياء والأئمّة ليلبّوا رغبات الناس وأهواءهم، {ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}۱ لقد جاؤوا ليُعلِّموا الناس الحكمة ويزكّوهم ويمنحوهم النموّ والارتقاء، ونقصد بالنموّ: النموّ والارتقاء الروحي لا المادي، فهم لا يُكسبون الناس سمنةً وبدانةً جسديّةً، وليست وظيفتهم أن يُقدّموا لهم الأطعمة اللذيذة ويزيدون في أموالهم، فكلّ هذا يؤدّي إلى الوبال، بل جاؤوا ليرتقوا بهم، فالنبيّ يرتقي بالإنسان وينمّيه، هذه هي وظيفة النبيّ. وفي المقابل يأتي أحدهم ويأخذ بطرف ثوب النبيّ ويقول له: تعالَ وأَجْرِ لنا نهرًا، واجعل لنا بإرادتك من هذا الجبل ذهبًا، وقد كان مشركو مكّة يقومون بذلك، وآيات القرآن تقول: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً}٢.

  • حسنًا! والنبيّ يقول: حاضر، بسم الله هذا ينبوع؛ أفهل جاء النبيّ ليجري الينابيع؟ أم جاء ليجعلهم مؤمنين بالله؟! إذا كان إجراء الينابيع يجعلهم مؤمنين فإنّ النبيّ يفعله، كما شقّ لهم القمر، وكما تكلّم معه ذلك الغزال على مرأى من الناس، وانتحبتْ الأسطوانة الحنّانة أمام أعين الناس.

  • المستمع: فإذا أراهم فإنّهم يطلبون شيئًا آخر.

  • العلّامة الطهراني: نعم؛ لأنّ تلك النفس التي لا تريد أن تقبل، إذا قُدّمت لها معجزةٌ ستقول هذا سحرٌ، وتقول: هذا تلاعبٌ على النظر وسحرٌ؛ لأنّ القلب إذا ما انقلب وفسُد لا يؤمن، تمامًا كمريض الحصبة، لو أحضرت له أفضل الطعام فإنّه يضعه جانبًا ويقول: له رائحةٌ سيّئةٌ، لا تُدنوه منّي، ما هذا الطعام ذو الرائحة السيئة الذي صنعتموه؟! مع أنّ الطعام لم يكن سيّئًا، هو الذي كان حاله سيّئًا، وكان مزاجه قد خرج عن حدّ الاعتدال، هو لا يشمّ بشكلٍ طبيعيٍّ.

    1. سورة البقرة (٢)، قسم من الآية ۱٢٩.
    2. سورة الإسراء (۱۷)، قسم من الآية ٩۰.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

16
  • إنّ الشرك والكفر والنفاق يُفسدون القلب، وإذا فسد القلب فمهما نصحته لا يفقه ما تقول، ومهما قلت له: «الله»، فإنّه لا يعرف الله، ومهما قلت له: «إيمان»، ومهما قلت له: «صدق»، ومهما قلت له: «أمانة»، فإنّه يُدرك بشكلٍ خاطئٍ ويُفسّر الأمر بشكلٍ خاطئٍ كذلك، تمامًا كمريض الحصبة الذي أعددت له طعامًا طيّبًا طاهرًا، طيّبته بالزعفران وأحضرته إليه فيقول: «أصلًا لهذا الإنسان عداوة معي لذلك أعدّ لي طعامًا سيّء الرائحة!!» إنّ حاسّة الشمّ عنده معطّلةٌ.

  • إنّ الأمراض المعنويّة مثل هذه الأمراض الجسميّة، تخرّب النفس، وتحرف المدركات وتبدّل القدرة على التشخيص، أنتَ الآن إذا صرخت بذلك الطبيب أن لماذا لم تأت الساعة الثالثة وجئت الساعة السابعة؟! ربّما كان يتّهمك في وجدانه أن لماذا يكلّمني بهذه الحدّة؟ فلتعمَ عيون المريض، فما أهميّة ذلك؟! فبعض الناس هم هكذا.

  • يقال: إنّ بعضهم ـ في غرف التعذيب زمان الطاغوت ـ كانوا يتلذّذون بالتعذيب! يتلذّذون! فلو مرّ يومٌ لم يعذّبوا فيه مسكينًا ولم يجلدوه ولم يروه ألوان العذاب فإنّهم يشعرون بالانزعاج في ليلتهم، إنّهم يأنسون بالتعذيب، فهذه نفسٌ، وهناك نفسٌ إذا رأت إبرةً في رجل أحدٍ، فلا يمكنها أن تنام الليل، ورغم أنّه لم يُدخلها هو في رجله، بل هي دخلتْ وصار صاحبها يبكي، فإنّ هذا لا ينام؛ أن لماذا دخلت الإبرة في رجل ذاك الرجل؟!

  • إنّ الأعمال التي نقوم بها والتي أمر الله بها وكلّفنا بها ليست مجرّد أعمالٍ خارجيّةٍ وبشريّةٍ تُفيد البدن فحسب، إنّها تغيّر النفس، فالتكاليف الإلهيّة من عباداتٍ وتلاوة قرآنٍ وعبوديّةٍ، وعلى رأسها عبوديّة النبيّ والأئمّة، هي بأجمعها تغيّر النفس، وتجعل النفس الشقيّة سعيدةً، تُربّي، تمامًا مثل قطعةٍ من الحديد وقعت في مستودعٍ وأصابتها رطوبةٌ، فتأتي أنتَ وتأخذها فترى أنّها قطعةٌ من الحديد، ولكن بعد أن جئت بها وجلوتها بمبردٍ خشنٍ، ثمّ بمبردٍ أنعم منه، ثمّ بمبردٍ أنعم، ثمّ صقلتها، ثمّ مسحتها بتلك المصاقل الناعمة جدّاً، فإنّها ستنجلي حتّى تغدو مرآةً ترى فيها وجهك، من أين حصل ذلك؟! لأنّ شقاءها قد تبدّل إلى سعادةٍ، لقد بُذلت جهودٌ على هذه الحديدة، فصار لديها هذه القابليّة بالتدريج.

ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر - الأمر الثالث

17
  • وقد أعطى الله تعالى هذه القابليّة للإنسان، والنفوس تمتلك هذه القابليّة أيضًا. وأوامر الأنبياء هي لإخراج الناس من الظلمات: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}۱.‌

  • فإذن، كتمان السرّ واجبٌ أيضًا في مسألتين: إحداهما: في الحالات والسير والمنازل والمشاهدات. والثانية: في البرامج والتكاليف الخاصّة بالإنسان.

  • اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد

    1. سورة البقرة (٢)، صدر الآية ٢٥۷.