1

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان

معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

9
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.

/۱۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان

  • معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار الأربعة، مقدّمة المؤلّف، الدرس الأول

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

2
  •  

  •  

  • بسم اللَه الرحمٰن الرحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ

  • والصلاةُ على خيرة اللَه المُنتَجبين محمّدٍ وَآله الطاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • الحكمة بوصفها علةً غائيّةً لِخلقة الإنسان

  • المقدّمة عبارة عن خلاصة للمسائل التي يسعى المؤلّف إلى طرحها، ويُبيّن فيها هدفه من التأليف. ولهذا، من الأجدر بالمرء أن يخوض غمار هذه الأبحاث متسلّحًا بالمعرفة والوعي اللازمين. وبشكل عامّ، وبما أنّ هناك مسائل تدور حول الحكمة، حيث إنّ المعارضين كثيرًا ما جعلوا هذه المسائل نفسها التي ذكرها المرحوم الملاّ صدرا في المقدّمة ذريعةً لِأهدافهم ونواياهم ـ على الرغم من أنّ التناقض والتضادّ في كلامهم يبدو واضحًا بخصوص هذه المسائل التي يطرحها، وكذلك على امتداد البحث ـ فقد رأيت من المناسب أن نُشير على سبيل الاختصار إلى حال المقدّمة، ثمّ نتطرّق إلى حقيقة علم الفلسفة وواقعيّته وما يتفرّع عليه من نتائج.

  • يتحدّث المرحوم صدر المتألّهين في هذه المقدّمة إجمالاً عن حقيقة الفلسفة (والحكمة) بوصفها علّةً غائيّةً لِإيجاد النفس وإيجاد النوع البشريّ؛ أي إنّ الإنسان يصل بواسطة استكمال النفس إلى مرتبة إعطاء الحكمة، وهو ما عبّر عنه الله تعالى في الآية القرآنيّة بـ «الخير الكثير»: ﴿وَمَن يُؤتَ ٱلحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا﴾.۱

  • الحكمة تعني الاطّلاع على حقيقة الوجود

  • لقد ذكروا تعريفات مختلفة للحكمة والفلسفة، ولكنّ التعريف الذي نذكره نحن، وهو تعريف جامع أيضًا، هو: «الحكمة عبارة عن الاطّلاع على حقيقة الوجود»؛ أي أن تتّضح حقيقة الوجود وتنجلي لِلإنسان. ولِتجلّي حقيقة الوجود مرحلتان:

  • المرحلة الأُولى: انكشاف هذه المسائل لدى الذهن بواسطة الفكر وترتيب المقدّمات من البديهيّات إلى النظريّات.

  • المرحلة الثانية: الانكشاف الباطنيّ؛ أي أن يُشاهد الإنسان بالوجدان ما يُدركه العقلُ والفكر.

  • نقد العرفاء لِلفلاسفة في كيفيّة إدراك الحقيقة

  • في هذا المجال، سوف ندخل في خلاف شديد وعميق بين الفلاسفة والعرفاء.

  • يقول العرفاء: إنّ ما يُدركه العقل يقع في مرتبة متأخّرة عن الشهود؛ لأنّ النتيجة العقليّة تحصل بالمقدّمات والارتكازات الذهنيّة، ورُبّما بالاختلاط مع هوى النفس ومسائل أخرى خالية من اليقين بما هو يقين؛ ولهذا، من وجهة النظر هذه، لا يُمكن أن تحلّ [الفلسفة] محلّ العرفان، وتفي بما يهدف إليه العرفان ويصل إليه بالمشاهدة والشهود.

    1. سورة البقرة، الآية ٢٦٩.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

3
  • وبناءً على ذلك، فإنّ مفترق الطرق بين الفلسفة والحكمة وبين العرفان يكمن هنا؛ حيث يقول العرفاء: إنّ ما نشاهده هو عين اليقين وحقّ اليقين، وما تصل إليه الفلسفة عبارة عن مجموعة من الأمور الذهنيّة التي قد يكون بعضها موافقًا لِلواقع أو مخالفًا له؛ وعلى الرغم من أنّها تتشكّل من مقدّمات بديهيّة كالمشاهدات والبديهيّات والأوليّات، ولكن، رُبّما يقع الإنسان في إشكالات عند ترتيب هذه المقدّمات، فتؤدّي هذه الإشكالات إلى ابتعاد النتيجة عن الواقع.

  • ردّ نقضيّ على إشكال العرفاء

  • المسألة التي تبدو هنا على وجه الإجمال هي: كما أنّه من الممكن أن يقع العقل في إشكال وخطأ في مقدّماته، فكذلك من الممكن أن يُخطئ الإنسان في المكاشفات أيضًا، وألاّ تكون مكاشفاته ذات جهة رحمانيّة بحتة؛ وحتّى لو كانت ذات جهة رحمانيّة، فبسبب اختلاف مراتب الشهود، رُبّما لا تكون المكاشفة وافيةً وجامعةً مقارنةً بمكاشفة المرتبة المتقدّمة التي هي أقوى وأعمق وذات تجرّد أكبر. بناءً على ذلك، ما هو الدليل على صحّة هذه المكاشفة؟ ولهذا، يجب أن نحصل على معيار في هذه القضيّة، لِنُميّز بواسطته شهود المُشاهدين، ومكاشفة المكاشفين، وحضور الصور الذهنيّة بواسطة الشهود من جهة كونها روحانيّة أو غير روحانيّة.

  • وبالطبع، المسألة كذلك في الفلسفة أيضًا. فالاختلافات الكثيرة التي تُشاهد في آراء الفلاسفة ـ مثلاً في بحث الوجود وفي بحث الوجود الذهنيّ وفي بحث العينيّة واختلاف الأسماء والصفات مع الذات ـ ناتجة عن الاختلاف في ترتيب المقدّمات؛ أي: لم يتمّ البحث والتأمّل الكافي كما ينبغي في ترتيب المقدّمات نفسها. ففي بحث الوجود الذهنيّ، هناك عدّة أقوال: أحدها يقول: إنّه كيف نفسانيّ، والآخر يقول: إنّه إضافة، والآخر يقول: إنّه شبح، والآخر يقول: إنّه وجود؛ وخلاصة القول، إنّ كلّ واحد يطرح رأيًا خاصًّا. ولا يخفى أنّ رأيي في هذه المسألة يتمثّل في أنّ الوجود الذهنيّ وجود جوهريّ وليد للوجود العليّ؛۱ أي: وليد للنفس ذاتها، والتي تعيّنت في هذا القالب والصورة.

  • معيار تشخيص صحّة المكاشفة

  • التلميذ: بالنسبة لمسألة الاختلاف في المشاهدات والذي أجبتم على أساسها عن هذا الإشكال، يجب القول: لا يُمكن أبدًا تفسير مسألة إدراك الواقعيّة بما هي واقعيّة؛ لأنّ النفوس تختلف فيما بينها والظروف تتباين.

    1. راجع: شرح المنظومة، ج ٢، ص ۱٢٢ـ ۱٥٢؛ الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ٣۱٤.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

4
  • الأستاذ: من حيث الاختلاف في الواقعيّات، إذا كانت القضيّة ذات جهة رحمانيّة بحتة، فيُمكننا إدراك الواقع. وبالطبع، إذا كان الشخص نفسه يمتلك معيارًا في إدراك الواقع، فلا حاجة له بعد ذلك إلى دلالة دليل وهداية هادٍ؛ فهو نفسه مهتدٍ وهادٍ، وإدراكُه يكون حجّةً بالنسبة إليه، غير أنّ هذه القضيّة تحتاج إلى إثبات بالنسبة لِلآخرين؛ أي إنّنا نريد هنا واسطةً في الإثبات لِتُوضّح لنا هذه المسألة. ولهذا، قيل: 

  • لا يُمكن أن تكون المكاشفة دليلاً لِإنسان ما، إلاّ إذا كان قد وصل هذا الإنسان إلى مقام الطهارة في تلك المرتبة التي رأى فيها هذه المكاشفة، وحصل له فيها هذا الشهود.

  • نرى في كثير من الموارد أنّ بعضهم لديهم مكاشفات ثلثاها رحمانيّ، ولكنّ الثلث الآخر خليط من الرحمانيّ وغير الرحمانيّ؛ أي: بسبب مجموعة من المسائل والخواطر الموجودة في الذهن، تأتي هذه المكاشفات باستمرار؛ وحينئذٍ، تختلط تلك المكاشفات بمجموعة من المسائل الدقيقة التي تكون لا تزال موجودةً في النفس، وتُظهر نفسها في مرتبة استخلاص النتائج؛ أي: بما أنّ ذلك الإنسان ينظر ويرى أنّ كلّ تلك المسائل صحيحة، فإنّنا نجده يحمل هذه أيضًا على الصحّة والصدق بناءً عليها؛ في حين أنّه غافل عمّا يمرّ في نفسه.

  • هذه القضيّة والمسألة بالذات هي التي تُظهر حاجة الإنسان المبرمة إلى الأستاذ الكامل. رُبّما يشعر الإنسان حقًّا في نفسه بنورانيّة وانبساط؛ ولكن، بما أنّه ليس مطّلعًا كما ينبغي على زوايا قلبه ونفسه، فإنّه يرى هذه المسائل على شكل حقّ، وبالتالي، يُرتّب الأثر عليها أيضًا. وحينئذ، تعال، وانظر إلى ما يُرتّبه من آثار! فهو يُرتّب الأثر بنفسه، ويُجبر الآخرين أيضًا على ترتيب الأثر على ما شاهده! وحينئذٍ، تتعقّد الأمور قليلاً هنا.

  • لقد شاهدت هذه القضيّة عيانًا في الماضي القريب، وكيف كان لِبعضهم مسائل ومشاهدات تجاه بعض الأحداث؛ ولكن، عندما كنت أسمع هذه المسائل، كنت أشعر بأنّها مختلطة ببعض الأمور؛ ثمّ يُريد ذلك الشخص أن يُلزمنا بترتيب الأثر على تلك المشاهدات! ولكنّنا لا نستطيع ترتيب الأثر عليها؛ وحينئذٍ، يحصل هنا تعارض، فيُقال: «لِماذا يتسامح هذا الرجل ويتباطأ وما شابه ذلك؟!».۱

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٥۱۷ ـ ٥٢۸.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

5
  • فبعض المكاشفات تكون واقعيّة ومصادفة لِلواقع؛ مثلاً، أنت جالس هنا، ويتّضح ويظهر لك أنّ فلانًا مريض، أو أنّه يعاني من الانزعاج الفلانيّ والمسائل الفلانيّة؛ وعندما تذهب إلى بيته، تراه مريضًا حقًّا وقد استقبل القبلة. من المؤكّد أنّ هذه المكاشفة صحيحة.

  • ولكنّ بعض المكاشفات تكون أدقّ؛ فهذه المكاشفات الدقيقة، تكون أحيانًا ذات صورة، وحتّى إنّها قد تتجاوز الصورة أحيانًا وتصبح مكاشفات بلا صورة. وهنا، هو الموضع الذي لا يُمكن لِلإنسان فيه أن يُرتّب الأثر على المسائل التي تظهر له من تلقاء نفسه وبشكل عشوائيّ.

  • إنّ ما يوجد هنا هو أنّ العالَم عالَم واحد؛ فإذا استقرّ سالكان أو ثلاثة في رتبة واحدة ومرتبة واحدة من هذا العالم، فمن المستحيل أن تتغيّر مكاشفاتهم، بل كلّهم سيُشاهدون شيئًا واحدًا؛ ولكن، إذا كانت مرتبتهم متفاوتةً بمقدار شعرة، فسيُشاهد هذا التفاوت. ومن هنا، إذا شاهد الإنسان مسألةً في مرتبة ما، فلا ينبغي له أن يقول: «إنّ الأمر هكذا، ولا يوجد ما هو أعلى من ذلك!».

  • الاختلاف في إدراك الواقع بسبب الاستناد إلى مكاشفات غير تامّة

  • إنّ الاختلاف الذي يظهر بين المسائل التي يطرحها العرفاء يكمن هنا، حيث يُمكن أن يُشاهد إنسان مسألةً ويقول: «إنّ ظهور الأسماء والصفات الإلهيّة يكون على هذا النحو». هذا الظهور بهذا النحو، يحصل له في هذه المرحلة؛ ولكنّ هذا الظهور نفسه قد يكون بنحو آخر في المرحلة الأشدّ والتجرّد الأكبر. نعم، إنّ ما رآه في هذه المرحلة صحيح، ولكنّ نفي المرحلة الأُخرى باطل.

  • نحن نُشاهد هذه المسائل في عبارات العظماء، وحتّى في كلمات المرحوم صدر المتألّهين أيضًا. لقد كان المرحوم صدر المتألّهين رجلاً عظيمًا، وقد وصل إلى مراتب في مقام العقل والشهود، وهو حقًّا من مفاخر الشيعة وعالم الإسلام، وكان حقًّا إنسانًا مهذّبًا وذا مقامات، ورجلاً خاليًا من الهوى. ولكنّ الكلام في أنّنا لا نستطيع أن نُطلق عليه اسم عارف؛ ولهذا، عندما يُدخل مشاهداته وكشوفاته في سلك الاستدلال، ويُؤسّس برهانَه على ذلك الأساس، فإنّنا نصل هنا للأسف إلى نتيجة، وهي: هل تلك المكاشفة ـ التي شاهدها، ورتّب تصوّره الذهنيّ على أساسها لِيستدلّ بهذا الشكل ـ كانت على النحو الأتمّ أم على النحو التامّ؟ فلدينا مكاشفة أتمّ، ولدينا تامّة، ولدينا ناقصة، ولدينا أنقص، وكلُّ هذه مراتبٌ للمكاشفة والشهود. من المهمّ جدًّا، وهناك فرق كبير بين أن يكون لِلإنسان شهود، ويُرتّب تفكيره على أساس هذا الشهود، بنحو يُمكّنه من الإتيان بمقدّمات وبراهين مُثبتة من حيث الاستدلال؛ أو أن يكون شهوده قد وقع في المرحلة الوسطى، ويُريد الإتيان ببرهان على هذا الأساس. ولهذا، ترون أنّ المسألة تختلف في كثير من الأبحاث؛ نظير بحث المعاد الجسمانيّ، وبحث عينيّة الصفات مع الذات، وبحث بقاء العين الثابتة، وعدم بقائها. نعم، كلّ مكاشفاته صحيحة وفي محلّها، ولا يُمكننا ردّها؛ ولكنّ الكلام في هذا: هل رأى نهاية المسار، أم أنّه كان لا يزال في البداية؟ إنّ من يصل إلى المرتبة الرابعة من سُلَّمٍ، يُمكنه القول: «أنا الآن في أعلى السلّم!»، وكلامه صحيح أيضًا؛ ولكن، تارةً يقول: «أنا في نهاية السلّم!»، وتارةً يقول: «أنا في وسط السلّم!».

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

6
  • التلميذ: هل توجد نهاية لِلمسار حتّى يذهب إليها؟

  • الأستاذ: نهاية المسار هي كشف كلّ الحجب.

  • التلميذ: يقول العلاّمة الطهرانيّ بشأن النبيّ والأئمّة عليهم السلام: «إنّ سيرهم العرضيّ مستمرّ دائمًا ولا نهاية له؛ ولهذا، لا يصلون أبدًا إلى نهاية المسار!».۱

  • الأستاذ: ليس لنا شأن بالسير العرضيّ، بل السير الطوليّ هو المقصود. السير العرضيّ هو تماميّة ظهور الحقّ في جميع أنواع وأقسام الظهورات على النحو الأتمّ؛ أي إنّ هذا الظهور يكون موجودًا في هذا الموضع على النحو الأتمّ، وليس موجودًا في موضع آخر. وذلك مثال ظهور القهّارية على النحو الأتمّ، وظهور الرحمانيّة على النحو الأتمّ، وظهور العالِميّة على النحو الأتمّ. أي أن يكون قد وصل إلى آخر مرتبة من العالِميّة ـ وهو مقام التجرّد العلميّ المحض، حيث ذُكر أنّه لا يوجد هناك أيّ شيء آخر، لا اسم ولا رسم ولا صورة ولا مثال ولا شبه ـ غاية الأمر أنّ العلم نفسه لا نهاية له بعد ذلك.

  • عدم التعارض بين مشاهدات العرفاء الإلهيّين الكمّل 

  • التلميذ: لازم هذه المسألة هو ألاّ يكون هناك أيّ اختلاف بين إنسانين كاملين؟

  • الأستاذ: إذا كانا كاملَين كاملَين كاملَين، فلا يوجد أيّ اختلاف بينهما؛ أي إنّ الاختلاف يكون من حيث سعة الرؤية ومقدارها، وليس من الناحية الطوليّة. على سبيل المثال، إذا عرّف لك إنسانان كاملان علمَ الله تعالى، فمن المستحيل أن يقول أحدهما: «علم الله ذو صورة»، ويقول الآخر: «إنّه بلا صورة». هذا مستحيل، إلاّ إذا كان أحدهما ناقصًا. أو مثلاً من المستحيل أن يقول أحد الإنسانين الكاملين في تفسير رحمانيّة الله: «إنّ الله ذو رحمانيّتين؛ إحداهما تجاه المؤمنين والأُخرى تجاه الكافرين»، ولكنّ الآخر يقول: «ليس لله رحمانيّة تجاه الكافرين!»، حيث سيكون حينئذ هذا الإنسان ناقصًا؛ لأنّه لو كان كاملاً، لَاعتبر الرحمانيّة تجاه كليهما على حدّ سواء.

  • المقصود هو الإنسان الكامل، والكلام في الكمال. أي: الآن، بما أنّ رحمانيّة الله عامّة، فهل وصل [ذلك الإنسان] إلى جميع الموارد العامّة؟ كلاّ! فرُبّما يتقدّم هكذا، ويختلف ظهور الجانب الرحمانيّ أيضًا. حتّى النبيّ نفسه لم يصل بعدُ إلى نهاية رحمانيّة الله تعالى، ولا ينبغي له أن يصل؛ لأنّ وجود الله وجود إطلاقيّ، في حين أنّ وجود النبيّ حتّى هو وجود محدود، ولا يوجد إطلاق هناك. كلّ من يتنزّل عن مرحلة الذات يُصبح محدودًا، ولو رتبةً. وبالطبع، ليس المقصود هنا المحدوديّة المادّية، لأنّه لا توجد مادّة هناك.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

7
  • من المستحيل أن يختلف إنسانان كاملان من حيث الكمال؛ ولهذا، نُدرك من هنا أنّ إشكالات المرحوم السيّد الحدّاد على كثير من كلمات محيي الدين في (فصوص الحكم) و(الفتوحات المكيّة) وما شابه ذلك،۱ تدلّ على أنّ محيي الدين لم يكُن قد وصل [في ذلك الوقت] إلى الكمال بعدُ. إنّ ذلك الكلام الذي يقوله محيي الدين هناك صحيح في تلك المرتبة، ولكنّه يُريد أن ينسب هذا الكلام إلى المرتبة الأعلى والمرحلة التي تقع فوق، ويقول: إنّ الصفات والذات هكذا مع بعضهما، أو إنّ العين الثابتة هكذا مع بعضها! كلاّ، لم يعد من الممكن قبول هذا القول؛ لأنّ وجدانه وشهوده لم يكونا قد وصلا بعدُ إلى تلك المرحلة من التجرّد الإطلاقيّ والتجرّد المحض؛ ولهذا، يتّضح الخلاف بين هاتين القضيّتين هنا.

  • بيان التجرّد الإطلاقيّ ومقام عصمة سرّ العارف الكامل

  • التلميذ: ألا تتنافى هذه المسألة مع فناء محيي الدين؟

  • الأستاذ: أوّلاً، ذلك الفناء لم يكن فناء مَلكة، بل كان فناء حال، وثانيًا، لم يكن الفناء في الذات.

  • التلميذ: ألم يكُن محيي الدين قد طوى الأسفار الأربعة؟ لأنّه ما لم يصل إلى المَلكة، لا يُمكنه أن يكون في السفر الثاني.

  • الأستاذ: لقد قلتُ سابقًا إنّ طيّ الأسفار لا يعني أنّ إنسانًا ما يجب أن يذهب مثلاً، ويصل إلى مرتبة، ثمّ عندما يصل إليها، ينزل الآن، ثمّ يذهب مرّة أخرى. حقيقة الأمر هي أنّ الإنسان في الوقت الذي يطوي فيه السفر الأوّل، فإنّه يطوي السفر الثاني أيضًا جنبًا إلى جنب مع السفر الأوّل.

  • إنّ الحركة السلوكيّة لِلإنسان ليست حركةً صاروخيّةً تصعد إلى الأعلى وتصل إلى نقطة، ثمّ تنزل من هناك مرّةً أخرى؛ بل هي حركة دائريّة وبيضويّة الشكل، حيث إنّ نفس الإنسان تمتلك ـ في حال سيرها وتوجّهها إلى رحمانيّة الله تعالى ـ حالة الاستعداد لِلرؤية في البقاء وفي الكثرة في تلك المرحلة أيضًا، إلى أن تبدأ في الصعود والدوران، وتصعد وتدور، حتّى تصل إلى مرحلة الفناء تلك؛ وعندما تصل إلى مرحلة الفناء، لا يعود هناك شيء هناك. وحينئذٍ، بما أنّ مرحلة الفناء، هي مرحلة المحو الكامل لِلإنّية ـ بحيث لا يجد أيّ تعيّن طريقًا إلى هناك بعد ذلك ـ فإنّ البقاء الذي يحصل عليه بعد الفناء هو بقاء لا توجد فيه أيّة شائبة من النفس والنفسانيّات.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

8
  • الأنبياء أنفسهم كذلك، وكلّهم لهم بقاء؛ أي: عندما يطوي نبيّ ما مراحله، ليس من الضروريّ أن يكون قد وصل إلى مقام الفناء حتّى يتمكّن من الأخذ باليد. جميع الأنبياء لهم فناء في الأفعال والصفات، وأمّا في الفناء الأسمائيّ فلا يزال هناك نقاش حول ما إذا كان جميع الأنبياء قد وصلوا إلى الفناء في الأسماء، أم أنّ بعضهم قد وصل إليه؛ فما بالك بالفناء في الذات الذي هو أمر صعب جدًّا، وليس الأمر بحيث إنّ جميع الأنبياء قد وصلوا إلى ذلك المقام.

  • كان النبيّ داود وسليمان لا يزالان يُعانيان من مشاكل في كثير من المسائل. مثلاً: كان النبيّ داود يُعاني من مشكلة في هذه المكاشفات الظاهريّة والبرزخيّة بالذات. إنّ مقام العصمة الذي نُؤمن به في حقّ الأنبياء ليس مقام عصمة السرّ، بل هو مقام العصمة في تلقّي الوحي وإبلاغه، ومقام الظاهر والأفعال. أي: لا يمكن لِلنبيّ داود أن يُخطئ في القضاء بين الناس؛ لأنّ هذا الخطأ يُوجب الإشكال. على سبيل المثال: لا يُمكنه أن يقضي بشأن رجل ويقول: «لقد قطعتَ رأس فلان، ويجب عليك دفع الدية!»؛ ولكن، بعد دفع الدية، يُكشف الخلاف، ويُعلم أنّ هذا الرجل لم يكن القاتل؛ وحينئذٍ، يقول: «عفوًا، أنت لم تقطع ذلك الرأس، تعال واستردّ الدية!». إذا فعل نبيّ مثل هذا العمل، فإنّه يسقط من الحجّيّة وينتهي أمره! أو على سبيل المثال: لا يمكن لِنبيّ أن يقول لِرجل: «أنت قتلت هذا الشخص، ويجب إعدامك!» وبعد أن يُعدم يقول: «يا ويلاه! عفوًا، لقد أعدموه بالخطأ! الآن، ادفعوا ديته من بيت المال». فلا فرق بين أن يُكشف الخلاف لاحقًا، وتُدفع ديته من بيت المال، أو أن يتجلّى له في باطنه بهذا النحو؛ في كلّ الأحوال، انتهى الأمر، ولم يعُد هذا النبيّ حجّةً، ويجب تنحيته جانبًا! النبيّ هو من لا يوجد خطأ في عمله من الناحية الظاهريّة؛ ولهذا، يقول القرآن الكريم فيما يخصّ صلح الحديبيّة: ﴿لَّقَد صَدَقَ ٱللَهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءيَا بالحَقِّ لَتَدخُلُنَّ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَم تَعلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتحًا قَرِيبًا﴾.۱

    1. سورة الفتح، الآية ٢۷.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

9
  • قال عمر لِلنبيّ صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، ألم تقل لنا إنّنا سندخل مكّة؟

  • فقال صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: هل قلت إنّنا سنذهب هذا العام؟ لم أقل هذا العام! قلت إنّكم ستأتون في النهاية! وهذه الرؤيا التي رأيتها صحيحة أيضًا.۱

  • لاحظوا: لا يقول النبيّ: «سنفتح مكّة هذا العام؛ إذن، لنذهب نحو مكّة!». كلّ هذه من الامتحانات، حيث يجب أن تقع هذه الرؤيا سابقًا في ذلك الزمان، ويقول النبيّ أيضًا لِلناس [ما معناه]: «لقد رأيتُ في المنام إنّنا سنفتح مكّة إن شاء الله! إذن، لنتحرّك هذا العام ونذهب نحو مكّة».٢ فيذهبون نحو مكّة، ولكنّهم لا يفتحونها! هذا امتحان صعب جدًّا، وهو من المواقف الحاسمة في المسألة!

  • [أو على سبيل المثال: يقول أمير المؤمنين عليه السلام]: «لِنذهب لِحرب معاوية، ونقضي عليه!». يا عليّ، الآن وقد ذهبنا لِحرب معاوية، فهل سنقضي عليه أيضًا أم لا؟! يقول عليه السلام هنا: «يجب علينا أداء تكليفنا والذهاب!»، ولكنّه في حرب الجمل يقول: «كلاّ، سنقضي عليهم!»، وفي حرب النهروان يقول: «سنقضي عليهم!»، ويُبيّن العدد أيضًا: «يُقتل منّا تسعة فقط، وينجو منهم تسعة فقط!».٣ ولكنّه في حرب صفّين لا يقول إنّنا سنقضي على معاوية! هل رأيتم جملةً واحدةً من أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيها: «سنذهب، ونضرب، ونقضي على معاوية، ونقطع رأسه، ونرفعه على الرمح!».٤ كلاّ، لا توجد مثل هذه الكلمات بتاتًا! الفرق بين هاتين القضيّتين يكمن في هذا الأمر.

  • وبالنسبة لِمكّة أيضًا، لا يقول النبيّ: «سنفتح مكّة هذا العام!»، بل يقول فقط: «لنتحرّك نحو مكّة!»؛ لأنّه رأى المنام أيضًا: ﴿لَّقَد صَدَقَ ٱللَهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءيَا بِالحَقِّ﴾؛ ولهذا يتحرّكون، ولكن، عندما يصلون إلى هناك، يتصالحون.٥

  • عجبًا! الآن، بماذا نُجيب نساءنا وأطفالنا؟! لقد قلنا لِنسائنا إنّنا ذاهبون لِفتح مكّة! الآن، سيقلن: أيّها العاجزون، تركتمونا وحدنا كلّ هذا الوقت، وكنّا وحدنا في الليالي على أمل أن تذهبوا إلى مكّة وتأتونا بالغنائم، وتأتونا بالذهب والقلائد؛ أمّا الآن، فقد ذهبتم ورجعتم بخفّي حُنين، وبرؤوس محلوقة؟! وهل هذه حياة؟!

  • الآن، ما حقيقة هذه القضيّة؟ هل النبيّ نفسه كان يعلم نتيجة السفر، أم نقول ما هو أعلى من ذلك، وهو أنّ النبيّ نفسه لا يعلم أيضًا، ويرى الآن فقط أنّ هذا الخطاب قد جاء في أفق ذهنه: «تحرّك نحو مكّة!». أمّا هذا الخطاب: «ستفتح مكّة!»، فلم يأتِ؛ لأنّه لو كان هذا الخطاب قد جاء، لَقال النبيّ أيضًا: إنّ قضيّة فتح مكّة ستحصل في هذا السفر.

    1. راجع: تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.
    2. المصدر ذاته، ص ٣۰٩.
    3. راجع: نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٩٣.
    4. راجع: وقعة صفّين، ص ۱۱٣.
    5. راجع: تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

10
  • في معركة مؤتة، يُقاتل جنود الإسلام هناك، فيُخبر النبيّ في المدينة بجميع الأحداث واحدًا تلو الآخر؛ كأنّه تلفاز متنقّل يُصوّر من هناك ويُرسل التقارير إلى المدينة، والنبيّ يشاهد من الشاشة ويقول: «الآن قتلوا جعفر الطيّار، الآن ضربوا فلانًا، الآن سقطت الراية!».۱ لاحقًا، رجع الجنود، وقال لهم الناس لقد حدث كذا وكذا، وأخبروهم بكلّ شيء. سألوا: «من أين تعلمون؟!». قالوا: «مراسلنا كان هنا، وكان يتلقّى جميع قضايا الجبهة من القمر الصناعيّ ويُقدّم التقارير!». وهذا قطعيّ وصحيح.

  • فهنا، ولِكي يُوصل الله تعالى توحيده للناس، فإنّه يُوجِد أحيانًا قضايا ومسائل، لِيقول لهم: حتّى هذا النبيّ نفسه لا شيء أمامي! وإذا كنتم تنظرون إلى النبيّ أيضًا، فلا ينبغي أن تكون نظرتكم إليه استقلاليّةً؛ إذا أردتم أن تنظروا إليه نظرةً استقلاليّةً، فهو أيضًا مثلكم لا يعلم شيئًا، أبدًا!

  • قال النبيّ لِليهود: «تعالوا غدًا لِأقول لكم جواب الأسئلة!»، فانقطع الوحي لِمدّة أربعين يومًا: لِماذا قلتَ تعالوا غدًا؟ من أين؟ الآن، اذهب، واجلس في البيت، وانتظر حتّى يأتي الوحي!٢

  • إنّ مقام غيرة الله ومقام وحدانيّة الله ومقام عزّة الله، لا يقبل التعدّد ولا يرضى بالإثنينيّة.. القضيّة هي هذه! يقول الجامي:

  • تا بوَد باقی بقایای وجود***کی شود صاف از کدر جام شهود٣
  • [يقول: ما دامَ في النفسِ بَقايا مِنْ وُجودْ، أنّى يَرُوقُ صَفوُ كَأسٍ للشهودْ؟!].

  • أي إنّ بقايا الوجود هي التي تُوجِد الكدورة بهذا الشكل! ذلك العالم، هو عالم الحقيقة المحضة وعالم الإطلاق المحض؛ فإذا بقي في ذلك المكان مقدار جزء من مليار من وجود الإنسان ومن تعلّقه بنفسه، فسيُبقونه هناك بذلك المقدار. يجب أن نكون «كالميّت بين يدي الغسّال»!٤ هناك، يكون الأمر بهذه الكيفيّة.

  • عدم الاختلاف بين الفلسفة والعرفان

  • [المسألة الدقيقة الموجودة هنا هي: إذا كان من المقرّر أن نعدّ الفلسفة عبارةً عن الوصول إلى حقيقة الوجود في عالم الذهن والفكر، ونعدّ العرفان عبارةً عن] الوصول إلى حقيقة الوجود ومعرفة حاقّ الوجود في عالم الشهود، حيث إنّ «كُنهه في غاية الخفاء»؛٥ فهنا لم يعُد من الممكن أن يكون هناك اختلاف بين الفلسفة والعرفان! ومن هنا، إذا رأيتم الفلاسفة يختلفون فيما بينهم في مكان ما، فاعلموا أنّهم من المؤكّد لم يصلوا إلى حاقّ الواقع وحقيقة الأمر؛ وإذا رأيتم أهل المكاشفة والشهود يختلفون فيما بينهم، وهذا يقول: إنّني رأيت شيئًا، والآخر يقول: إنّني رأيت شيئًا آخر، فاعلموا أنّنا لا نستطيع بعد ذلك أن نحكم بالصحّة على جميع كلماتهم.

    1. راجع: بشارة المصطفى، ص ٢٨٠؛ الخرائج والجرائح، ج ١، ص ١٦٦.
    2. راجع: تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣٢.
    3. رسالة الناي للجامي، ص ۸۷. 
    4. الرسالة القشيريّة، ص ٢٦٢.
    5. شرح المنظومة، ج ٢، ص ٥٩.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

11
  • أمّا بالنسبة لقولهم: «إنّ حقيقة العقل قاصرة عن الوصول إلى كُنه الذات». فإذا كانت هذه المسألة صحيحةً، فإنّ حقيقة نفس الإنسان قاصرة أيضًا عن الوصول إلى كُنه الذات! فهل يُمكن لِلنفس أن تصل إلى الذات؟! لا يُمكنها أبدًا! ما دامت النفس ذات تعيّنٍ وإنّيةٍ وأنانيّةٍ، فلا طريق لها إلى هناك أبدًا! هناك حاجز ومانع وبوّاب واقف لا يسمح بالعبور؛ وإذا استطاعت نفسٌ العبورَ من هناك، فإنّها لم تعُد نفسًا بعد ذلك! إذن، ما يذهب إلى هناك ليس النفس، ولا فرق بين العقل والنفس فيما لا يُمكنه الوصول إليه. وكما أنّه مهما تعقّل الإنسان وتفكّر في حقيقة الوجود، فإنّ مقامها يظلّ أعلى وأشرف من أن يجد العقل طريقًا إلى كُنه ذاتها؛ فإنّ النفس نفسها أيضًا لا يُمكنها إيجاد طريق إليها، بحيث مهما شاهد الإنسان وكاشف، فلن يكون قد تمكّن بعدُ من الوصول إلى مقام غيب الغيوب! فهل مقام غيب الغيوب والهوهويّة [لذاته تعالى] قابل لِلمكاشفة؟! لِأيّ من العرفاء كُشف هذا المقام؟! كلّ ما وجدوه هو مجرّد صورة ومعنى يأتي إلى الذهن، ويكشفونه!

  • وبالنسبة لهذه الأشعار المنسوبة للعطّار حيث يقول:

  • دائماً او پادشاه مطلق است***در کمال عزّ خود مستغرق است
  • او به سر ناید ز خود آنجا که او است***کی رسد علم و خرد آنجا که او است۱
  • [يقول: دائمًا هو الملك المطلق، في كمال عزّه مستغرق

  • لم يزل قائمًا بذاته حيثُ هو، فأنّى للعلم والعقل أن يصلا إلى حيث هو؟!].

  • يجب القول بمنتهى الاعتذار والأدب: ليس العقل وحده لا طريق له إلى هناك، بل النفس أيضًا لا طريق لها إلى هناك! لا تطرحوا مسألة العقل فقط، بل قولوا إنّ النفس أيضًا لا طريق لها إلى هناك!

  • نعم، يُمكن طرح هذا البيت الشعريّ للجامي هنا:

  • تا بوَد باقی بقایای وجود***کی شود صاف از کدر جام شهود 
  • [يقول: ما دامَ في النفسِ بَقايا مِنْ وُجودْ، أنّى يَرُوقُ صَفوُ كَأسٍ للشهودْ؟!].

  • أي ما دامت بقايا الوجود قائمةً، فلن يكون كأس الشهود صافيًا من الكدر في مرحلة الشهود. فعندما يزول الوجود المتعيّن، ويتبدّل إلى وجود منبسط، فلن يكون هناك حينها سوى وجود واحد. وحينئذٍ، لا يعود هناك في هذه المرتبة فرقٌ بين العقل والنفس؛ سواء من حيث عدم الوصول إلى حاقّ الواقع، أو من حيث الوصول إليه. فمن حيث الوصول، لن يوجد عقل ونفس هناك بعد ذلك؛ ومن حيث عدم الوصول أيضًا، لن يوجد تفاوت بين العقل والنفس!

    1. منطق الطير، ص ٢٦٤.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

12
  • كلّ شيء تراه النفس وتُدركه، يجب أن يكون له سند عقليّ أيضًا. من المستحيل أن نتمكّن من القول: إنّ فكرنا قاصر عن الوصول إلى حقيقة المسألة عن طريق المقدّمات والأوليّات والبديهيّات والآيات والبيّنات التي وضعها الله أمامه! كلاّ، ليس قاصرًا في الأساس! يُمكن لِلإنسان أن يُثبت بشكل محكم ومتقن جدًّا جميع المكاشفات العرفانيّة والحقيقيّة لِلعرفاء بواسطة البرهان العقليّ. الكلام هو في: مَن هو الشخص الذي بوسعه القيام بهذا العمل؛ وليس في: هل يتعلّق ذلك بالعقل أو لا. بل يُمكنكم مشاهدة هذه القضيّة نفسها في الموضوعات الأخرى أيضًا.

  • التلميذ: يبدو من المحال ألاّ يكون لِشخص سير روحيّ نفسيّ وعرفانيّ، ويُريد أن يكتشف هذه الحقائق بمسائل الحسابات الفكريّة، فاستحالة ذلك من باب أنّ «رِجل الاستدلاليّين من خشب»، والعقل قاصر ولا يستطيع حقًّا، ولا قدرة له!

  • الأستاذ: نعم، من الأفضل أن نُعبّر عن «المحال» بالاستبعاد؛ لأنّه يجب أن نرى ما هي حقيقة الإدراكات التي تحصل لِلإنسان؟ هل يمكننا أن نُفرّق بين هذه الإدراكات؟ سنُشير في بحث «العلم» من كتاب (الأسفار) إن شاء الله إلى إنّه في مقام إفاضة العلم، لا يوجد أيُّ فرق بين جميع مُدركات الإنسان من حيث إفاضة العلم؛ سواء المُدركات التي تأتي لِلنبيّ، أو المُدركات التي تأتي لِابن ملجم، أو المُدركات التي تأتي لِنملة، أو المُدركات التي تأتي لِلنبيّ سليمان. إنّ إفاضة جميع هذه المُدركات هي من قِبَل الله تعالى، حيث سنُبيّن كيفيّة إفاضتها هناك أيضًا.۱

  • وبناءً على ذلك، لم يعد بإمكاننا هنا أن نُفرّق بين الذين وصلوا إلى مرحلة العرفان واستفادوا واستفاضوا من العرفان، وبين الذين هم في مرحلة منفصلة عن هذا العرفان. إنّ ذلك الذي يستدلّ ويُرتّب المسائل بالاستدلال العقليّ والبرهان العقليّ، قد تأتيه هو نفسه أيضًا ومضات ومسائل في ثنايا كلامه وأفكاره، فتُغيّره وتُقلّبه يمنةً ويسرةً. ولهذا، نرى في كلام كثير من هؤلاء المعاصرين أنّهم يقولون كلامًا يُمكننا تقريبًا توجيهه وتأويله، بحيث يكون له نوع من التوافق والانسجام مع المنهج الإسلاميّ والمسلك العرفانيّ؛ وستكون لنا إشارات إلى الفلسفة الغربيّة أثناء الأبحاث القادمة إن شاء الله.

    1. لمزيد من الاطلاع حول كيفية إفاضة العلم على الموجودات من وجهة نظر المؤلف، يُرجى الرجوع إلى كتاب أفق الوحي (فارسيّ)، الفصل الثالث: في حقيقة الوحي والإلهام، ص ٢۰۷ - ٢۸٤.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

13
  • ليس الأمر بحيث إنّ «العرفان والفلسفة عبارة عن مبنيين منفصلين، بحيث إنّ الفلاسفة يتحرّكون على أساس رِجل خشبيّة، والعرفاء يتحرّكون على أساس الشهود». والقضيّة ليست بهذا النحو الذي يضربون به على رؤوس الفلاسفة؛ لأنّ لهؤلاء أيضًا ـ في نهاية المطاف ـ بعض الأحوال، وهم أيضًا يَرون عن طريق هذه الأحوال أشياء، وليس الأمر بحيث تقتصر المسألة على مجرّد تصوّرات ذهنيّة بحتة فقط. ذلك الفيلسوف الذي يُفكّر ويُعمل عقله ويُدقّق بهذا النحو، أيّ شخص وأيّ يد تهديه في أفق ذهنه ذلك، وتدفعه لِلأمام هكذا، حتّى توصله إلى تلك المسألة الدقيقة؟ فتدفعه لِلأمام، وتدفعه لِلأمام، وتدفعه لِلأمام حتّى توصله إلى مسألة أعلى!

  • لا تظنّوا أنّ هذه المسائل التي أذكرها لكم، هي قضايا ومسائل أخلط فيها الآن بين المباحث الشهوديّة والمباحث الفلسفيّة؛ كلاّ، فجميع هذه المسائل تصبح في محلّها استدلاليّةً برهانيّةً مرتكزة على "سدّ الإسكندر"، وليس الأمر عبثًا هكذا. إذا نظرنا ودقّقنا في بحث العلم، وبحث العلّة والمعلول، وبحث وحدة الفعل والصفات والأسماء، ومباحث وحدة الوجود، ومباحث بسيط الحقيقة، فسنرى أنّه لا يوجد أيّ فرق بتاتًا بين الفلسفة و(فصوص الحِكم)، حيث سنطرح هناك أبحاث (الفصوص) ونُبيّن الأبحاث الفلسفيّة أيضًا. وبالطبع، لا أُريد أن أقول: إنّ هذا وذلك شيء واحد، بل إذا أردنا أن نبني الأمر على الاستدلال، فرُبّما يكون لنا اختلافات معه في بعض الموارد أيضًا.

  • كلامنا هو: هل يُمكننا أن نعدّ التفكير نفسه ـ بوصفه فكرًا ـ أمرًا منفصلاً عن الوجود، ونقول: العرفان يتصدّى لِمقام إثبات الوجود، أمّا التفكير فيتصدّى لِمقام إثبات مجموعة من المسائل البسيطة والمسائل اليوميّة والأحاديث مع عامّة الناس والأوليّات والاستقرائيّات؟! كلاّ، كلّ هذه وسائل حقيقيّة، لا أنّها غير حقيقيّة.

  • مثلاً، أنت الذي تتناول الدواء، وهذا الدواء يشفي مرضك، فهل يُمكنك إنكار هذه القضيّة؟ لا يُمكنك الإنكار. فعندما ينظر عارف، ويقول: «إنّ تأثيرَ هذا الدواءِ صادرٌ عن المبدأِ الأعلى في سيرٍ نزوليّ، وما هذا الدواءُ في اللحظةِ الراهنةِ إلاّ واسطةٌ لتنزّلِ ذلك الشفاء!»، كيف نقبل بهذه المسألة، ولكنّنا لا نقبل الآن أنّ هذا الدواء نفسه يُعطي الشفاء؟ كلاّ، نحن نقبل كليهما؛ فنقبل أنّ نزول الرحمة ونزول اسم الشافي قد حلّ في مجرى عالم التعيّنات، ومرّ من عالم القضاء والقدر، ووصل إلى الملكوت والمُلك والبرزخ حتّى تمكّن من الظهور؛ ونقبل أيضًا أنّ هذا الدواء نفسه ـ بجسميّته ومادّته ـ متعلَّق لتجلّي الاسم "الشافي" وظهوره. فلِماذا يجب أن نفصل هذين عن بعضهما؟!

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

14
  • اتّحاد الفلسفة والعرفان بسبب وحدة حقيقة الوجود

  • وعليه، فإنّنا نرى أنّ فصل الفلسفة عن العرفان باطل من أساسه! فلا يقول العرفان: إنّني فصلت نفسي عن الفلسفة وعن المقدّمات والبراهين! بل يقول العرفان: هناك حقيقة واحدة، ويوجد أثر واحد في كلّ عالم الوجود؛ وتلك الحقيقة الواحدة عبارة عن الوجود وحقيقة واجب الوجود. تلك الحقيقة لِواجب الوجود، تتّخذ صورًا [ومظاهر] مختلفةً؛ فتارةً تظهر تلك المظهريّة لِلشفاء على شكل سورة الحَمد [الفاتحة]، وتارةً يتجلّى ذلك الظهور لِحقيقة واجب الوجود في مظهريّة نفس إرادة الوليّ، وتارةً تظهر تلك الحقيقة لِواجب الوجود ـ من حيث مظهريّة ظهور الاسم "الشافي" ـ على شكل أقراص الباراسيتامول وكبسولات المضادّات الحيويّة؛ فكلّ ذلك يكون هنا شيئًا واحدًا.

  • إذن، الحقّ مع المرحوم السيّد الحدّاد حيث كان يقول:لا توجد أساسًا أكثر من حقيقة واحدة، ولا يوجد أيّ انفكاك في تلك الحقيقة، ولا يوجد أيّ فرق بتاتًا بين الظاهر والباطن.۱

  • ويقول رضوان الله عليه: أنا أتعجّب من أُولئك الذين يقولون: «إذا دعا إنسان، وارتفع الماء الموجود في البئر، وتوضّأ، فهذه معجزة»؛ ولكنّهم لا يعدّون فتح صنبور الماء هذا، ونزول الماء منه معجزةً! أنا أتعجّب حقًّا من تفكير هؤلاء!

  • هذا الرجل هو الذي يقول الصدق ويرى الحقّ! يقول: لا توجد أكثر من واقعيّة واحدة، ولكنّ طريق الوصول إلى هذه الواقعيّة يختلف. وكما يقول المرحوم الملاّ صدرا: لقد اختار كلّ واحد طريقًا؛ فجاء أحدهم من طريق الاستدلال وسخِر من الفقه والعرفان، وجاء آخر من طريق العرفان وسخِر من الفلسفة والدين، وجاء آخر من طريق الدين وسخِر من كليهما؛ ولكنّ ذلك العارف الحقيقيّ الذي وصل إلى مقام الحقّ، ليس فقط لا يسخر من أيّ منها، بل يرى الجميع ظهورات مختلفة لِحقيقة واحدة.

  • المحور الأساس لِنقد مدرسة التفكيك

  • ولهذا، فإنّ المسألة التي يجب أن تكون محورًا في نقد مذهب التفكيك هي أنّ إنسانًا يرى الحقيقة عن طريق الكشف، وآخر يرى تلك الواقعيّة عن طريق آخر.

  • أليس الفُقهاء يختلفون في مسائلهم الفقهيّة؟! هذا ممّا لا أحتاج إلى بيانه، فالجميع يعلم ذلك! فهل هذا دليل على أنّ الدين مختلف؟! الدين واحد، غير أنّ هناك اختلاف في مقام الإثبات. وحينئذ، إذا وصل المرء إلى حقيقة الدين، ونهل من مشربه، فسيفهم أنّه واحد. وبالطبع، ذكرت سابقًا كيف تكون وحدة الدين وما هي خصائصها؛ ولكن في النهاية، ستنكشف للإنسان حينئذ حقيقة الدين، ويصبح هو ذاته نفس النبيّ، والنبيّ لا يُخطئ، حتّى يُعطي اليوم فتوى ويتراجع غدًا عن فتواه ويقول: «أخطأت!». نعم، يُمكن أن يقول اليوم كلامًا، ويقول غدًا كلامًا آخر من باب الناسخ والمنسوخ؛ ولكنّ النبيّ ليس بحيث يقول اليوم: «هذا هو كلامي!»، ويقول غدًا: «كلاّ، الحكم الذي أصدرته البارحة كان باطلاً؛ تعالوا، واقضوه!».

    1. الروح المجرّد، ص ٥۸٦:
      «حصل يومًا في الصحن المطهّر -بعد إقامة صلاة فريضة الظهر جماعة، وكان السيّد [الحدّاد] يجلس في‌ الصفّ الأخير المتّصل بالضلع الشماليّ للرواق المطهّر والحقير إلى جانبهـ أن حمل السيّد في يده تربة للصلاة من الأرض وقال لأحد الذين رافقونا في السفر - وكان قد سأله عن التوحيد - ما هذا؟
      قال: هذه تربة للصلاة.
      فقال السيّد: لقد وضعتَ اسم التربة عليها، وتخيّلتها وجودًا مستقلاً ذا أثر، فأزل هذا الاسم جانبًا فلن يبق هناك شي‌ء غير أصل الوجود.
      ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾‌.
      أنتم تقولون: تربة صلاة، فتعطونها -باسم التربة وتعيّنها- استقلالاً وانفصالاً وتطلبون الأثر منها، لأنّ الطلب إنّما يعتمد على أصل وأساس الاستقلال؛ بينما الاستقلال والعزّة مختصّان بذات الله سبحانه، أي إنّ هذه الأسماء والرسوم عاطلة لا أثر لها، وأنّ الفعل بيده جلّ وعزّ.
      ومن هنا فإنّ الأمر جليّ في أنّ علّة شرك الناس هذه الازدواجيّة في النظر التي ألبست هذه الاعتبارات الواهية بلا أساس لباس العزّة، وخلطت هذه الحدود والقيود والماهيّات مع أصل الوجود، وسرقت العزّة من الوجود ونسبتها إلى هذه الأشياء.
      فإن أنت أزلت اسم التربة عن هذا الشيء فلن يكون إذ ذاك وجود لتربة ولا لتعيّن ولا لفقر وفاقة، فهي تابعة بأجمعها لهذه الحدود العدميّة، فإن ازيلت فإنّ وجودًا بحتًا بسيطًا ووسيعًا سيبقى وهو ما يُدعى بالوجود المنبسط. وسيصبح ذلك الوجود أيضًا - بعد رفع حدوده الماهويّة الإمكانيّة - فانيًا في وجود الحيّ القيّوم الأزليّ والأبديّ. هذه هي حقيقة التوحيد التي تدعونها بوحدة الوجود.
      إنّك تعقّد الأمر وتجعله معضلة، على الرغم من وضوح الأمر وبساطته، أي أنّك كلّما نظرت إلى شيء، فعليك أن ترى الله أوّلاً لا ذلك الشيء. أمّا ذلك الذي تدعوه وتسمّيه، فليس إلّا ما أعمى عينيك فلم يدعك ترى الله. فإن أسقطت اسمه عنه فسيبقى الله وحده لا سواه!»

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

15
  • دليل الاختلاف في مشاهدات السالك

  • لا يمكن لِلعارف بتاتًا أن يقول: «إنّ المسألة التي نقلتها لكم في تلك المرّة من مكاشفة السماء السادسة والسابعة والعاشرة والحادية والعشرين و ... كانت باطلةً؛ فقد انكشف لي الآن أنّه لم يكن هناك شيء من هذا القبيل!». نعم، يُمكنه أن يقول: «إنّني كنت البارحة في هذه المرحلة، ولكنّني الآن في مرحلة غير تلك المرحلة». في الأساس، الجميع كذلك، والسير دائمًا في حالة هبوط وصعود وله مراتب. ومن جهة أُخرى، هذا السير يصعد إلى الأعلى، ثمّ يعود إلى الأسفل مرّةً أخرى. حتّى في النزول، يرى المسائل بدقّة أكبر؛ لأنّه رُبّما يكون قد شاهد تلك المسألة بشكل عابر أثناء السير الصعوديّ.۱ هناك مسائل كثيرة هنا.

  • الوصول النظريّ لِابن سينا إلى كثير من الواقعيّات

  • التلميذ: في هذه المسائل التي تفضّلتم ببيانها، هل تختلف النفس عن العقل؟ أليس العقل عبارةً عن حيثيّة تعقّل النفس؟!

  • الأستاذ: نعم، العقل حيثيّة تعقّل النفس؛ ولكنّ العقل هو إحدى مراتب النفس، ويختلف عن النفس ذاتها. لِلنفس حيثيّات مختلفة؛ فلها حيثيّة تعقّليّة، ولها حيثيّة شهوديّة، ولها حيثيّة عاطفيّة، ولها حيثيّة إحساسيّة، ولها حيثيّة شهوانيّة؛ وإحدى هذه الحيثيّات المختلفة هي العقل.

  • التلميذ: إذن، العرفاء الذين يطرحون النفس في هذه المباحث، يتحدّثون عن الحيثيّة الشهوديّة لِلنفس؟

  • الأستاذ: نعم، مرادهم هو الحيثيّة الشهوديّة لِلنفس.

  • التلميذ: هل كلام الشيخ الشبستريّ الذي يقول فيه:

  • در این ره اولیاء باز از پس و پیش***نشانی می‌دهند از منزل خویش
  • به حدّ خویش چون گشتند واقف***سخن گفتند در معروف و عارف
  • یکی از بحر وحدت گفت أنا الحق***یکی از قرب و بُعد سیر زَورق
  • یکی را علم ظاهر بود حاصل***نشانی داد از خشکی و ساحل٢
  • [يقول: في هذا الدربِ، يُعطي الأولياءُ من خلفٍ وأمام، إشاراتٍ تدلُّ على منازلِهم (ومقاماتهم)

  • ولمّا أدركوا حدودَ مقاماتِهم، تكلّموا في شأنِ العارفِ والمعروفِ

  • فمنهم مَن نطقَ بـ «أنا الحقّ» من بحرِ الوحدةِ، ومنهم مَن تحدّثَ عن قُربِ وبُعدِ مسيرِ الزورقِ

  • ومنهم مَن كان قد حصّلَ العلمَ الظاهرَ، فراحَ يصفُ اليابسةَ والساحلَ].

  • ناظرٌ إلى هذه المسائل التي تطرحونها سماحتُكم؟

    1. الروح المجرّد، ص ۷٣:
      «كان [السيّد الحدّاد] يقول: إنّ علومًا في منتهى العمق والبساطة والكلّية تمرّ عَلَيّ في كلّ آن، وحين أحاول الالتفات إلى أحدها في اللحظة التالية أشاهد أنّها ابتعدت - ويا للعجب - عنّي فراسخ عدّة».
    2. گلشن راز (روضة الأسرار)، ص ٩.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

16
  • الأستاذ: نعم، إنّه يُبيّن الظهورات المختلفة.

  • التلميذ: أي إنّ كلامه هو عين كلام السيّد الحدّاد؟

  • الأستاذ: نعم، هو نفسه؛ وكلام الشبستريّ صحيح وصائب.

  • التلميذ: إذا لم يكن الشبستريّ قد وصل إلى الكمال، فكيف بيّن هذه المسائل؟

  • الأستاذ: أوّلاً، لا يُمكننا القول إنّه لم يصل؛ ولكن كما ذُكر، ليست القضيّة بحيث لا يستطيع الإنسان الوصول ـ في مرحلة التعقّل ـ إلى مباني العرفاء ومباني الأولياء. وبالطبع، يُمكن القول إنّ تلك الإفاضات الإلهيّة على النفس ـ وإن كانت على شكل معنى، وليست على شكل ظاهر ومكاشفة ـ لها دور كبير في توجّه الذهن نحو مسار خاصّ، من دون أن يكون الإنسان نفسه منتبهًا وشاعرًا بهذه المسائل.

  • ولهذا، ترون أنّ كثيرًا من المسائل التي طرحها ابن سينا في (الإشارات) وفي كتب أخرى هي مسائل واقعيّة؛ في حين أنّ ابن سينا لم يسلك أيّ طريق في الأساس، ولكنّ حدّة ذهنه وتلك الإلهامات العقلانيّة التي كانت تُفاض عليه كانت بكيفيّة جعلته يُدرك جميع هذه المسائل كمكاشفات الأولياء؛ فنجده مثلاً يقول عن العارف: «يُبجّل الصغير من تواضعه كما يُبجّل الكبير».۱ إنّه يرى أنّ العارف لا يرى أيّ تفاوت بين الصغير والكبير. ما المعنى الذي فهمه ابن سينا هنا؟ إنّه يرى هنا أنّ ظهورَ الحقِّ في الكبير هو نفسه ظهوره في الصغير، لكن بنحوٍ آخر؛ غاية الأمر أنّه لا يلتفت إلى كيفية الظهور، بل يُوجّه نظره إلى أصل الظهور ومصدره؛ ولهذا، فإنّ نظرته قائمة على الوحدة. والعارف كذلك أيضًا، وواقعيّة الأمر هي هذه أيضًا.

  • لزوم التفكيك بين الفلسفة وآراء الفلاسفة

  • التلميذ: يقول المرحوم العلاّمة الطهرانيّ في كتاب (التوحيد العلميّ والعينيّ) في مقام تعيير الفلاسفة: «إنّ الكلام الذي يقوله الفلاسفة، كلّه في مقام الوهم!».٢

  • الأستاذ: نعم، هو يُريد أيضًا أن يقول هذه المسألة نفسها، ولكنّنا الآن في مقام إثبات أصل الفلسفة. البحث الذي يأتي لاحقًا هو: هل وصل الفلاسفة إلى هذه الحقيقة أم لم يصلوا؟ إنّ ما أنا في صدد بيانه الآن هو: تارةً ننظر إلى الفلسفة، وتارةً ننظر إلى الفيلسوف؛ عندما نوجّه نظرنا إلى الفلسفة، من المستحيل أن يكون هناك خطأ فيها؛ ولكن، عندما ننظر إلى الفيلسوف وذلك الشخص الذي يستخدم هذه الفلسفة، فمن الممكن أن يكون هناك خطأ فيه.

    1. الإشارات والتنبيهات، ص ۱٤۷.
    2. التوحيد العلميّ والعينيّ (فارسيّ)، ص ٣٣٣.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

17
  • إنّ المرحوم العلاّمة الذي قال هناك: «إنّ الفلاسفة في مقام الوهم!» ناظر إلى أنّه: بما أنّ أيدي هؤلاء جميعًا قاصرة عن الواقعيّات، ويقعون في الخلط والاشتباه من الناحية البرهانيّة أيضًا؛ ولهذا، فهم دائمًا في حالة تغيير وتبدّل، وينظرون ويَرَون أنّ المسألة التي أبدوا فيها رأيهم سابقًا هي الآن باطلة. مثلاً، كان الملاّ صدرا قائلاً بأصالة الماهيّة سابقًا، ولكن اتّضحت له القضيّة لاحقًا، وأصبح قائلاً بأصالة الوجود، وأتى بدليل عليها.۱

  • أمّا العارف الذي كان شهوده واقعيًّا، فبعد مائة ألف سنة يقول أيضًا: «إنّ شهودي ذلك كان صحيحًا!». أجل، هذا، إذا كان عارفًا حقًّا! وبالطبع، لا يعني هذا الأمر أنّ العارف لم تكن له مكاشفات غير صحيحة طوال سيره، بل قد تكون له مكاشفات غير صحيحة طوال سيره، حيث قد تكون له مثلاً مكاشفاته نفسانيّةً، ثمّ تُصحّح لاحقًا؛ ولكن، عندما تُصحّح، تُصبح تلك المكاشفة صحيحةً دائمًا في ظرفها الخاصّ.

  • التلميذ: إذن، الإدراكات الحصوليّة والإدراكات الشهوديّة تختلف عن بعضها؟

  • الأستاذ: نعم، نحن نقبل هذا؛ حسنًا، نحن ننظر إلى حاقّ الذات وإلى حاقّ الحقيقة. يقول [الشاعر]:

  • کِی کند دانستن سرکنگبین***دفع صفرا، ای نگار نازنین؟٢
  • [يقول: متى كانَ مجرّدُ العِلمِ بالسَّكَنْجَبِين٣ يدفع الصفراء، أيُّها الحبيبُ الفاتِن؟]

  • لقد كانت لي أبحاث كثيرة جدًّا مع المرحوم العلاّمة في هذه الموضوعات بالذات؛ ومرّةً قال لي: «يا عزيزي، حلوى (تنتناني)، لا تعرفها حتّى تتذوّقها!».٤

  • التلميذ: أحيانًا، تكون الأخطاء الشهوديّة لِلعرفاء معلولةً لِاستنباطٍ باطل؛ أي إنّ ما يراه يكون عبارة عن واقعيّة، ولكن، عندما يُضفي الإطلاق على ذلك الشهود، يقع في الخطأ.

  • الأستاذ: نعم، صحيح! وأنا قلت هذا أيضًا؛ أي من الخطأ أن يقول: «الواقعيّة هي هذه ولا غير!».

  • التلميذ: هل تلك العينيّة الخارجيّة التي يراها قابلة لِلخطأ أيضًا، أم لا، يكون استنباطه فقط باطل؟

  • الأستاذ: نعم، هذا ممكن. تارةً، نُطلق عليه اسم عارف، وتارةً، نُطلق عليه اسم سالك. إنّ السالك في مقام سلوكه يقع في ألف خطأ أيضًا؛ ولكن، عندما يصل إنسان إلى مقام العرفان ـ أي تكتمل الحقيقة لِمرّة واحدة بالنسبة له ـ فلن يُخطئ بعد ذلك.

    1. الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ٤٩.
    2. مثنويّ طاقديس، الملاّ أحمد النراقيّ، ص ۱٤.
    3. شراب طبي تقليدي (مُعرّب عن الفارسية)، يتكوّن من الخلّ والعسل، كان يُستخدم في الطب القديم لعلاج غلبة خلط "الصفراء. المترجم
    4. مثل فارسيّ معروف يُرادفه في اللغة العربيّة: لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ. المترجم

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان - معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

18
  • التلميذ: يبدو أنّ هذه الأشعار المنسوبة لِلشيخ محمود الشبستريّ كانت بحضور أُستاذه، حيث يقول في مقدّمة كتاب گلشن راز (روضة الأسرار): «وصلت رسالةٌ من خراسان إلى تبريز، وطُرحت أسئلة في محضر الأُستاذ». وكان الشبستريّ حاضرًا في المجلس أيضًا. فيُحيل الأُستاذ الأمر إليه ويقول: «أجب أنت!»؛ وهو أيضًا يُجيب عن تلك الأسئلة تلقائيًّا هكذا ـ مثل ذلك التفسير لِسورة التوحيد الذي ألقاه المرحوم العلاّمة ـ؛۱ وعندما يخرج، يُكملها بنفسه لاحقًا.٢ ولهذا، قد لا يكون كاملاً، ولكن أُفيضت عليه تلك المسائل من الأُستاذ.

  • الأستاذ: نعم، إذا كان الأمر هكذا، فقد أُفيضت عليه.

  •  

  • اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. راجع: الروح المجرّد، ص ٢۱٥.
    2. گلشن راز (روضة الأسرار)، ص ١١ ـ ١٤.