8

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر

سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

9
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر

  • سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار الأربعة، المقدّمة، الدّرس الثّامن

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمٰن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • كيفيّة الحركة التدريجيّة للسالك في السفر الأوّل للوصول إلى الفناء الذاتيّ التامّ

  • تطرّقتُ سابقًا في بحث الأمس إلى كيفيّة سلوك السالك إلى الله من أجل الوصول إلى مرتبة التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ والأسمائيّ والذاتيّ؛ والمسألة التي كانت تبدو هي: في باب التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ والاسمائيّ، إمكانيّة تحقّق هذه المراتب بدون التوحيد الذاتيّ، وإمكانيّة الفناء الأفعاليّ والفناء الصفاتيّ بدون الفناء الذاتيّ ممتنعة عقلاً وشهودًا ووجدانًا.

  • إذا أردنا أن نضرب لهذه المسألة مثالاً من باب الحسّيات، افترضوا أنّكم تريدون إذابة جسمٍ صلب وجامد في سائل مُذيب، فإنّ هذا الجسم الصلب لا يتحوّل دفعة واحدة وفي آن واحد إلى ذلك السائل المُذيب، بل يكتسب هذه السنخيّة والمماثلة شيئًا فشيئًا وبشكل متدرّج، إلى أن يتبدّل إليه ويحصل له التغيّر إليه. إذا أردتم على سبيل المثال أن تُذيبوا ملعقةً من العسل الصلب في كأس من الماء البارد؛ ففي البداية، عندما تضعون هذا المقدار من العسل الصلب في ذلك الماء، فإنّ الماء لا ينفذ فيه دفعة واحدة، ولا يتحوّل إلى ماء. ما يفعله الماء هو أنّه يبدأ أوّلاً بتليينه، ويستمرّ في تليينه وتليينه إلى أن يكتسب ذلك العسل سنخيّة السيلان [وتجانسًا سيلانيًّا] مع ذلك السائل الموجود هناك. حينئذٍ، وبواسطة سنخيّة السيلان هذه التي حصلت له تدريجيًّا، يقوم ذلك العسل بتحلية هذا الماء شيئًا فشيئًا، بحيث إنّكم حتّى بعد عشر ثوانٍ من وضع هذا العسل في هذا الوعاء، ترون أنّ طعم الماء قد تغيّر؛ وبعد عشرين ثانية، يُصبح طعم الماء أكثر حلاوة؛ وبعد نصف دقيقة، يزداد طعم الماء حلاوة؛ ثمّ يصل الوقت الذي لا ترون فيه بتاتًا أيّ أثر لذلك العسل، ولا ترون أيّ أثر للماء أيضًا، فيُصبح كلاهما واحدًا، ويُصبح وجودهما وجودًا وحدانيًّا.

  • تُبيّن هذه المسألة جهة سلوك السالك: فعندما يكون السالك منغمسًا في الشهوات ومنغمسًا في الدنيا والأمور الدنيئة، فإنّه ابتداءً وأوّلاً وقبل كلّ شيء، لا يُمكنه أن يحصل دفعة واحدة على المسانخة والمجانسة مع عالَم الملكوت والجبروت واللاهوت وغيرها؛ بل يجب أن تتحوّل روحه ونفسه هكذا شيئًا فشيئًا وتدريجيًّا من تلك الجهة المتمثّلة في الجمود والتوغّل في الشهوات، والتي تُشبه الحجاب الكبير الذي ألقاه على نفسه. وبمقدار ما تتحوّل نفسه، وتصبح ليّنة ومستعدّة، تسطع وتظهر منها الآثار الوجوديّة بذلك المقدار، حيث إنّ هذه الآثار الوجوديّة هي ما يُطلق عليه اسم عالَم المثال، وعالَم البرزخ، وعالَم الملكوت السفليّ، والملكوت العلويّ، والجبروت واللاهوت. فهذه آثارٌ وجوديّةٌ أخذت هذه النفسُ تكتسب سنخيّةً معها شيئًا فشيئًا، وتتجانس معها على نحوٍ تدريجيّ. وبناءً على هذا، فإنّ إمكانيّة أن تنتقل النفس من نقطة معيّنة إلى نقطة الكمال دفعة واحدةً ومن دون طيّ هذه المراحل محال عقلاً وممتنع شهودًا.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

3
  • اختلاف السلاّك في سرعة سيرهم إلى الله تعالى

  • نعم، الأمر الموجود هنا هو أنّ هذا السير يُمكن أن تزداد سرعته:

  • نگار من که به مکتب نرفت و خط ننوشت***[به غمـزه مسئـله‌آموز صـد مدرّس شـد]۱ 
  • [يقول: إنّ محبوبي الذي لم يذهب إلى مدرسة ولم يكتب قطّ، قد أصبح بغمزة واحدة مُعلِّمًا لمائة مدرّس].

  • يعني: بواسطة السرعة، ترون دفعة واحدة أنّ هذه المراحل تُطوى لإنسان ما بسرعة كبيرة جدًّا. وطبعًا، يختلف طيّه هذا بحسب اهتمامه وقصده في طيّ هذه المراحل وبواسطة نوع شاكلته. على سبيل المثال، يتكبّد أحدُهم العناءَ لخمسين سنة حتّى تنكشف له بعض المسائل، ولكنّكم تنظرون إلى أحد آخر، فتجدون أنّه في الأشهر الخمسة أو الستّة الأولى يطوي جميع المراحل، بحيث إنّ المسائل التي لم تظهر لأولئك في عرض أربعين أو خمسين سنة، قد ظهرت له دفعةً واحدة في عرض خمسة أو ستّة أشهر. هذا بسبب نمط شاكلته وكيفيّتها، ولا علاقة له بكونه جيّدًا أو سيّئًا.

  • كيفيةُ الشاكلةِ هي كيفيّةٌ تكون معها نفسُ الشخصِ ذاتَ خصوصيّةٍ تطوي بها هذه المراتب سريعًا، وتكون سرعةُ سيرها كبيرة؛ تمامًا كما نرى ذلك في هذه الاستعدادات الظاهريّة أيضًا. افترضوا لو أنّ إنسانًا ـ يمتلك قليلاً من قوى الاستعداد والفكر وغيرها ـ أراد أن يحلّ مسألة ما، فإنّه مضطرّ للتفكير من الليل حتّى الصباح لكي تُحلّ له هذه المسألة؛ ولكن، نجد إنسانًا آخر عندما ينظر إلى هذه المسألة، فإنّها تُحلّ له وتتّضح بتأمّل قليل. هذا مرتبط بذكائه وفطنته واستعداده النفسانيّ. وطبعًا، مسألة الحدس هنا مسألة مهمّة جدًّا؛ إذ إنّ الحدس هو الذي يُحدّد هذه الموارد. فبالنسبة للأمور التي تخطر على الذهن، يكون الحدس هو مفتاح الحلّ وفاتح الطريق لحلّ المعضلات؛ وهذه الجهة الحدسيّة ناشئةٌ من نفس كلّ شخص، على قدر قوّة نفسه من حيث الحدس، وعلى قدر ما يستمدّه من باطنه في هذا الأمر. وهذه المسألة في مورد السير الباطنيّ هي بهذه الكيفيّة أيضًا؛ بل إنّ كليهما ينشآن من مبدأ واحد ومنبع واحد. 

  • تتعلّق هذه المسألة بما سبَق بيانُه حول التجرّد الذاتيّ للسالك ـ من جهة العلّية ـ في عروجه عبر المراحل المختلفة والمتعاقبة للأفعال والصفات والأسماء، وصولاً إلى الذات، حيث بوسعنا حلّ هذه المسألة بهذا النحو.

    1. ديوان حافظ (قزويني)، الغزل ۱٦۷.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

4
  • علّة تسمية الكتاب باسم «الحكمة المتعالية»

  • وأمّا المرحوم صدر المتألّهين، فيشير هنا إلى المسألة التالية [بما مضمونه]:

  • بما أنّ هذه الحكمة سُمّيت بالحكمة المتعالية، فلم يُلحظ فيها البُعد المشائيّ فقط لتقتصر على العقل والبحث والنظر الصرف، ولم يُلحظ فيها البُعد الإشراقيّ فقط لتكون مجرّدَ استمدادٍ من الذوق والكشف والشهود، ولا تقتصر فقط على المسائل المتعلّقة بالشرع والوحي، وهو البُعد الحقيقيّ الذي سبق بيانُه؛۱ يعني: ليست المسألة، وكأنّ هذه الأمور قد تمّ تجاهلها هنا.

  • لقد جمع [الملاّ صدرا] بين مختلف المسائل في هذه الحكمة؛ فمن الجهة النظريّة، تمّ البحث هنا في المسائل النظريّة الفلسفيّة، ومن الناحية الكشفيّة والشهوديّة، تمّ الاستشهاد في هذه الحكمة بالمكاشفات والشهودات والإلهامات والواردات القلبيّة؛ وكذلك من ناحية انطباق الحقائق الشرعيّة والنقليّة مع المسائل الواقعيّة ونفس الأمريّة، تمّ الاستشهاد والتأييد هنا بالشرع وبالآيات القرآنيّة وبكلمات النبيّ وأحاديثه وبالروايات. فبالنظر إلى كلّ هذا، أصبح اسم هذه الحكمة: الحكمة المتعالية؛ يعني أنّها تقع في مرتبة أرقى من ناحية الرفعة وعلوّ الشأن؛ وهي مرتبة ليست فوقها مرتبةٌ أخرى.

  • والمرحوم صدر المتألّهين يُشير في هذا الكتاب إلى هذه الجهة قائلاً [ما معناه]: إنّني بيّنت هنا ـ من ناحية السير النظريّ والسير العقليّ ـ ما هو مُتاح للسالك النظريّ من تلك المراتب الشهوديّة.

  • وهذه المراتب النظريّة قابلة للتطبيق قطعًا مع المراتب العمليّة ومع المراتب الشهوديّة. على سبيل المثال، عندما نبحث بحثًا نظريًّا في مسألة أصالة الوجود، فإنّ السالك العمليّ والعارف يُشاهد هذه المسألة بالوجدان. وعندما نبحث في مسألة وحدة الوجود، ونقول: «إنّه لا يسود في عالم الوجود أكثر من وجود واحد»، ونُزيل مسألة الاشتراك في الوجود، ونُقيم البرهان هنا على الوحدة الحقّة والمفهوميّة والمصداقيّة للوجود، فإنّ عارفًا فُتحت عينه لا يرى غيرَ ما نقوله؛ وما نقيم عليه البرهان هنا، يراه العارف أيضًا. هذه تصبح حكمة متعالية.

  • أو على سبيل المثال، عندما نبحث في باب الإمكان الذاتيّ للأشياء، وأنّ جوهر ذات جميع ما سوى الله يقتضي الإمكان الذاتيّ، ويقوم بجلب الفيض من المبدأ الفيّاض بلحاظ إمكانه الذاتيّ، فإنّ عارفًا انفتحت عينه على حقائق الأمور، وينظر إلى المسائل من رؤية الشهود والباطن، يرى المسألة نفسها، ولا يرى الاستغناء الذاتيّ لأيّ شيء، ويشعر بالفقر في كلّ شيء، ويرى كلّ شيء «هو». فالفقر يعني العدم، ويعني لا شيء.

    1. راجع: الدرس الخامس.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

5
  • أو على سبيل المثال، عندما نُثبت وجوب الوجود لمبدأ الوجود، ونعتبره غنيًّا بالذات عن جميع الأمور، ونُبرز هذه المسألة بالبرهان، فنأتي ببرهان الصدّيقين وسائر الأدلّة المثبتة لواجب الوجود ووحدة واجب الوجود، فإنّ عارفًا كاملاً يُشاهد أيضًا ما نقوله.

  • أو على سبيل المثال، عندما نبحث في باب العلّية وكيفيّة صدور المعلول من العلّة، ونُثبت أنّ المعلول ليس إلاّ العلّة في المرحلة النازلة، فإنّ العارف يرى ذلك أيضًا.

  • جميع الأبحاث التي نطرحها في هذه الأجزاء الأربعة من الأسفار (والتي تحوّلت الآن إلى تسعة أجزاء) هي متعالية؛ يعني: بناءً على اعتقاد المرحوم صدر المتألّهين، لا معنى لعلوّ فوقها بعد ذلك. وطبعًا، هو نفسه قد اعترف هنا بأنّه ـ في نهاية المطاف ـ بشرٌ، ولديه ذهن بشريّ ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيمٍ﴾.۱ ولكن على أيّ حال، وبناءً على ما يقوله، فإنّ عقلنا يحكم بأنّ نفس الأمر يجب أن يكون منطبقًا أيضًا على الأمور التي نضع لها الأساس البرهانيّ هنا؛ ولهذا، أصبحت هذه الحكمة حكمة متعالية. وبناءً على ذلك، وبما أنّ كلّ نظام عالَم الوجود في مقام النشر ـ لا في مقام اللفّ ـ وفي مقام القدر ـ لا في مقام القضاء ـ يرجع إلى أربع دورات وحركات، فقد أطلقنا على هذه الدورات والحركات الأربع اسم الأسفار الأربعة.

  • عالَم اللفّ وعالَم النشر

  • هناك عالَم باسم عالَم اللفّ أو عالَم القضاء أو عالَم الجمع؛ وكلّ هذه عبارات مختلفة تُطلق على «العالَم الكلّي»، حيث إنّ هذا المقام هو مقام الإجمال ومقام الكلّية؛ وهو عالَم القضاء الكلّي. عالَم القضاء الكلّي هو عالَم ينشأ ويستفيد ويتعيّن منه جميعُ ما سوى الله؛ ومن عالَم القضاء ذلك، تتمّ إفاضة الفيض على جميع هذه الممكنات وجميع هذه التعيّنات على حسب استعداد كلّ واحد منها، وعلى حسب قبولها وقابليّتها.

  • فتتمّ الإفاضة مِن ذلك الفاعل ـ الذي هو عالَم القضاء ـ على كلّ واحد من هذه التعيّنات على حسبه. فمن ناحية مادّية، تُفاض الحياة على نملةٍ بمقدار تلك الحياة التي تمتلكها، وتُفاض الحياة على فيلٍ بالمقدار نفسه. ومن ناحية التجرّد، يُفاض على فرد عامّي من الحياة بمقدار الحياة المعنويّة التي يمتلكها ـ والتي هي من حيث المعنى عينُ مُدركاته واشتغالاته الذهنيّة والنفسيّة والتزاماته ـ، بينما تُفاض الحياة أيضًا على النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وآله بمقدار الحياة [المعنويّة] التي يمتلكها وأُدمجت فيها حياة الأبد والأزل. العلم هكذا أيضًا، حيث يُفاض العلم علَيّ أنا التلميذ الصغير بمقدار استعدادي نفسه، ويُفاض على الإمام المهديّ وذلك الوليّ الأعظم الموجود الآن بمقدار سعته من ناحية القضاء الكلّي.

    1. سورة يوسف، الآية ۷٦.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

6
  • وطبعًا، القضاء الكلّي هنا عبارة عن نفس الإمام عليه السلام نفسه؛ والذي يُمثّل المرتبة الأولى؛ فيأخذ من الله تعالى، ثمّ يفيض [على غيره]، بحيث يُفاض على كلّ وجود، ويُعنى به بحسب استعداده وبحسب سِعته. هذا يُصبح عالَم القضاء.

  • وهناك عالَم آخر؛ وهو هذا العالَم الذي يُمثّل عالَم النشر وعالَم الكثرة وعالَم القدر: كلٌّ بقدرها؛۱ حيث إنّ «الإفاضات الربّانية والإفاضات الإلهيّة تُقسَّم هنا، وتتّخذ عددًا». هناك، لا عدد لها، ولكنّها هنا تتّخذ عددًا؛ هناك لا تقسيم، ولكنّها هنا تنقسم. افترضوا أنّ لديكم كيلوغرامًا واحدًا من البقلاوة، أو كيلوغرامًا من الحلوى المجمّعة في كيس واحد والمختلطة مع بعضها، حيث نجدها هنا واحدة، لا أكثر. ثمّ يوجد هنا عشرة رجال، فتأخذون ملعقة، وتُقسّمون هذا الكيلوغرام بين هؤلاء، فيصل لكلّ رجل مقدار من حلواكم هذه. ما هو موجود في هذا الكيس وهذا الوعاء غير مقسَّم وكلّي؛ ولكن، ما نعطيه للرجال مقسَّم؛ فتعطون ـ على سبيل المثال ـ طفلاً ملعقة واحدة بحسب سِعته، وتعطون رجلاً كبيرًا مقدارًا أكبر بحسب سِعته واستعداده. هذا يُصبح عالَم القدر.

  • ثمّ إنّ كلّ حقائق الوجود وما هو موجود في عالَم الوجود يرجع في مقام النشر إلى أربع مراتب:

  • المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر

  • المرتبة الأولى: مرتبة عالَم المادّة ـ وتوجد نشآت وجوديّة للمراتب التي فوق المادّة ـ. فنحن نبحث في عالَم النشر وعالَم الكثرة؛ وعندما نبحث في عالَم النشر، فإنّنا نشاهد عالَمًا هو عبارة عن عالَم المادّة هذا نفسه؛ أي الأرض والسماء والنجوم والشمس والقمر وغيرها.

  • المرتبة الثانية: يوجد عالَم آخر نُشاهده أيضًا؛ غاية الأمر ليس بعيننا [الظاهريّة] بل بعين قلبنا، وهو عالَم المثال. جميعُنا نُشاهد هذا العالَم. على الأقلّ جميعنا قد رأينا منامات. فرغم أنّ ما نراه في المنام يختلف عن هذا العالَم، إلاّ أنّ رؤية المنام واقعيّة لا يُمكننا إنكارها؛ وذلك لأنّنا نرى مسائل تترتّب على منامنا هذا. على سبيل المثال، القضيّة التي توشك أن تقع، نراها في المنام مسبقًا، ونرتّب عليها الأثر، ولا خيار لنا في ذلك؛ يعني: ليس الأمر وكأنّنا لا نُرتّب الأثر على منامنا، بل يجب [أحيانًا] أن نُرتّب الأثر عليه. أو مثلاً، يُبشر شخصٌ آخرَ بخبرٍ سارٍّ استنادًا إلى رؤياهُ، قائلًا: «يا سيّدي، لقد رأيتُ المنام الفلانيّ؛ وفي القضيّة الفلانيّة، سيصلك خبرٌ مفرح». هذا [المنام] له واقعيّة؛ إذن، فهو ليس أمر اعتباريًّا، بل هو حقيقة. نحن نشاهد هذا، يعني أنّه تحصل لدينا هنا مشاهدةٌ أيضًا، وهذا جزء من مشاهداتنا وأوّلياتنا وبديهيّاتنا وغير قابل للإنكار، تمامًا كما أنّ عالَم المادّة غير قابل للإنكار.

    1. اقتباس من سورة الرعد، الآية ۱۷: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَت أَودِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

7
  • المرتبة الثالثة: هناك شيء آخر نُشاهده أيضًا؛ وهي الحالات الروحانيّة التي تحصل للإنسان. على سبيل المثال، تُؤدّون صلاةً بحضور قلب، أو تُشاركون في مجلس سيّد الشهداء عليه السلام، أو تذهبون إلى مسجد، وتسمعون موعظةً ونصيحة من رجل ما، فتحصل لكم حالات روحانيّة وخفّة لم تكن موجودة قطعًا قبل ساعة، بل كانت حالة الكدورة حاكمة على الإنسان قبل ساعة. حسنًا، نُشاهد هذا أيضًا، وهو فوق المثال والبرزخ.

  • حسنًا، لندع العوالم الأعلى التي لا تعود تحصل لدينا فيها مشاهدة. ففي نهاية المطاف، لقد سحبنا أنفسنا إلى ثلاث مراحل: إحداها عالَم المادّة؛ وإحداها عالَم المثال؛ وإحداها عالَم ما فوق المثال الذي لا توجد فيه صورة، بل هو مجرّد روح وبهجة ونور؛ وطبعًا، هناك أشياء أخرى أيضًا فوق هذه الأمور. تَرتُّبُ هذه العوالم ـ يعني عالَم المادّة وعالَم المثال ثمّ العوالم العليا بشكل عامّ ـ قد أوجد في المجموع عالَمًا يُمثّل نشأة من النشآت الوجوديّة لآثار الله تعالى.

  • هذه المسألة التي أعرضها عليكم بهذه الطريقة ليست موجودة في أيّ مكان؛ غاية الأمر، لكي يتّضح مراد المرحوم صدر المتألّهين بشكل أفضل، ولتتّضح علّة تدوين وتأليف هذا الكتاب بشكل أحسن، دخلتُ من هذا الطريق. هذا أمرٌ نُعاين فيه ـ نحن الآن ـ المسألةَ بأنفسنا. ومع ذلك، فقد طُرحت طرقٌ أخرى أيضًا في هذا الباب.۱

  • السفر الثاني

  • السير الثاني هو أن نُشاهد بالعيان ـ وطبعًا مشاهدتنا هي مشاهدة عقلانيّة ـ أنّ ما هو موجود في هذا العالَم من عوالم الكثرة يجب أن يكون معلولاً للعوالم الكلّية، بحيث تكون هذه العوالم الكلّية قد أوجدت تلك العوالم [أي عوالم الكثرة] بسبب القهر والغلبة والولاية والسيطرة التي تمتلكها؛ وإلاّ، فكيف يُمكن أن يكون هذا البساط أو هذا التراب ـ الذي لا روح فيه ها هنا ـ قد وُجد؟!

  • نقد للقائلين بعلّية الطبيعة

  • يقول البعض: «الطبيعة! هذا عمل الطبيعة!».

  • أنا طوال فترة عمري، لم أرَ المرحوم العلاّمة يستخدم لفظ الطبيعة على لسانه أبدًا، كأن يقول مثلاً: إنّ الطبيعة قد فعلت هذا. رحم الله الحاجّ الميرزا حسن النوريّ؛ ففي أحد الأيّام، كان جالسًا عند المرحوم العلاّمة، وكانا يتحدّثان معًا حول مسألة وقضيّة ما؛ نظير أنّ النبات الفلانيّ يمتلك هذه الخصوصيّة وله هذه الخصوصيّة. كان حديثهما حول أمور كهذه. ثمّ قال: «حقًّا، انظر إلى ما تفعله هذه الطبيعة!»، فقال المرحوم العلاّمة بقوّة: «انظر إلى ما يفعله الله تعالى!!»، فقال: «حسنًا، لا فرق!»، فقال:

    1. راجع: التوحيد العلميّ والعينيّ (فارسيّ)، ص ٢٢٥ ـ ٢٢٩؛ أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ (فارسيّ)، العلاّمة الطباطبائيّ، ج ٥، ص ۱٥۸.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

8
  • إنّ الأمر يختلف كثيرًا! عندما تقولون: الطبيعة، فإنّكم تفصلون الله تعالى عن هذه الطبيعة، وتُرجعون سلسلة العلل إلى المادّة! فأنتم لا تُرجعونها إلى الله تعالى، بل تقولون: انظر إلى ما تفعله الطبيعة!

  • حسنًا، يجب أن نسأل هؤلاء السادة المادّيين الذين هم كذلك: أنتم تقولون: «انظروا إلى ما تفعله الطبيعة!»؛ حسنًا جدًّا، لقد قَبِلنا بذلك؛ لكن، ما هي هذه الطبيعة؟ الطبيعة هي الأرض، وهذه الأرض عبارة عن هذا التراب الذي أمامنا. الآن، خذوا حفنة من التراب، وأطلقوا عليها اسم الطبيعة. الآن، تعالوا، وأخبرونا عمّا تفعله هذه الطبيعة؟! هذا الشيء الذي أطلقتم عليه اسم الطبيعة هو التراب! التراب والجبل والحجر والوادي والصحراء وغيرها! يقولون: «الطبيعة تقوم بهذا العمل!». هذه الطبيعة عبارة عن هذا التراب الذي تدوسون عليه، وهذا الماء الذي تغسلون به أنفسكم! هذه هي الطبيعة. ذلك الذي يقول: «الطبيعة!» يرى أنّ هناك معنى كلّيا حاكمًا على هذه المادّة؛ وإلاّ، فاسألوه: ما هي هذه الطبيعة؟ هل هي الجبل؟ إنّ هذا الجبل الذي ارتفع فوق بعضه الآن، ويبدو كبيرًا في نظركم هو عبارة عن هذه الأحجار الصغيرة نفسها التي تجمّعت معًا، وأصبحت جبل أبي قبيس هذا! هذا لا يُعدّ شيئًا! هل هي البحر؟ البحر هو قطرة الماء هذه التي تُمسكونها في أيديكم، والتي إذا ازدادت، أصبحت بحرًا! إذا جعلتم هذه القطرة حَفنتين، ثلاث حَفنات، أربع حَفنات، مليونًا، مليارًا وغيرها... ستصبح بحيرة؛ وإذا ضاعفتم هذه البحيرة، مرّتين ستصبح بحرًا؛ وإذا ضاعفتم البحر ثلاث مرّات، سيُصبح محيطًا! هذا لا يُعدّ شيئًا! هذا الذي تقولون عنه: «انظروا إلى ما تفعله هذه الطبيعة!» أرونا ما هي هذه الطبيعة! هل هذه الشجرة الموجودة هنا هي الطبيعة؟! هذا لا معنى له في الأساس!

  • فمن باب المثال، عندما يُعارض السيّد الفلانيّ أحد الأفراد، يقولون: «إنّه قد عارض المؤسّسة الفلانيّة، ومعارضة هذه المؤسّسة تُعتبر من الجرائم». وعندما تسألون: يا سيّدي، ما هي هذه المؤسّسة التي تتحدّثون عنها؟ ففي النهاية، تمتلك هذه المؤسّسة مبنًى ووزارة؛ وهذا السيّد الذي يُعارض تلك المؤسّسة، هل يُعارض باب هذه الوزارة ولَبِناتها؟! لا أحد يعارض اللبنات! حسنًا جدًّا، هذا أمر مُستبعد. هل من يُريد معارضة المؤسّسة الفلانيّة يعُارض الطاولة والكرسيّ وما إلى ذلك؟ الطاولة والكرسيّ جمادات لا روح لها، ولا معنى لمعارضتها! حسنًا جدًّا، نقول: إنّ هذه المؤسّسة تمتلك في النهاية بوّابًا، وعامل نظافةٍ، ومسؤول ضيافةٍ، وطبّاخًا وغيرهم. هل ذلك الشخص يُعارض مسؤول الضيافة وعامل النظافة؟! كلاّ يا سيّدي، إنّه في الأساس لا يعرف مَن هو عامل النظافة المسكين، ومتى يأتي، ومتى يذهب، لكي يُعارضه الآن! حسنًا جدًّا، ثمّ نصعد مرتبة أعلى، ونقول: هل لديه معارضة مع هؤلاء الموظّفين الموجودين؟! هؤلاء الموظّفون لا إرادة لهم من أنفسهم في الأساس، وإرادتُهم متعلّقة برئيسهم أو مديرهم العامّ. كلاّ، هؤلاء المساكين ليس لديهم أيّ دخل في الأساس! باختصار، عندما نُتابع القضيّة، نجد أنّ هذا السيّد يُعارض ذلك الرئيس؛ وحينئذٍ، ولأنّه يُعارض هذا الرئيس، يقولون: إنّه عارض المؤسّسة! حسنًا، قُل إنّه يُعارضني؛ لماذا تقول إنّه يُعارض المؤسّسة؟! يا سيّدي، قُل إنّه يُعارضني! ولأنّه يُعارضك لا يعني أنّه يُعارض النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام! غدًا، سيتغيّر رأيُك، فتُصبح على رأيه، أو تتبادلان المواقع؛ وحينئذٍ، سيقول هذا السيّد: إنّه يعارض النبيّ!

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

9
  • القضيّة هي أنّ كلّ ما هو موجود في هذه العوالم يقع تحت عوالم كلّية؛ وهذه العوالم الكلّية هي التي أوجبت الوجود، وأوجبت التقدير، وأوجبت التشكّل، وأوجبت الحياة والبقاء والآثار الوجوديّة لهذه الأمور.

  • نحن نشعر بهذه القضيّة؛ يعني: لو كان هناك إنسان، حتّى بمستوى تلك العجوز وذلك الرجل العامّي الذي يقول: «قدرة الله، لا إله إلاّ الله، انظر إلى قدرة الله ماذا فعلت!»، فإنّه بمجرّد أنّه يقول: «انظر إلى قدرة الله»، فهذا يعني أنّه قد أدخل جميع هذه الموجودات في هذه القدرة. نحن الآن لا نهتمّ بما يفهمه هذا الإنسان من قدرة الله تعالى؛ فلعلّه يفهم منها شيئًا لا نفهمه نحن! يُقال:

  • ذهب شاعرٌ ذات يوم إلى حرم الإمام عليّ عليه السلام، وأنشد قصيدة لأمير المؤمنين عليه السلام على أمل أن ينزل له قنديل من الأعلى؛ ولكنّه لم ينزل! رأى ذلك الشاعر رجلاً فقيرًا مسكينًا ـ بِوَضعٍ سيّئ جدًّا وجسدٍ متّسخٍ ـ جاء، وأمسك بالضريح، وأنشد بيتًا في مدح الإمام عليّ عليه السلام بأسلوبه الأدبيّ وثقافته الخاصّة، فنزلت له هديّة!

  • فقال ذلك الشاعر: «يا عليّ، أنا أيضًا قد أنشدتك ذلك الشعر!»

  • فصاح منادٍ: «إنشادُ هذا الفقير كان نابعًا من صفائه الخاصّ». 

  • حسنًا، لا بأس في هذه القدرة التي يتصوّرها هذا العامّي الآن، بحيث قد يُلبسها نحوًا من أنحاء الجسميّة؛ ولكنّ الكلام في أنّه يتصوّر تلك القدرة قدرةً متعاليةً لخلق الأشياء. أو عندما يقول إنسان عامّي: «جلّ الخالق! الله يمتلك كلّ هذه الحياة، والجميع يموتون، وهو الوحيد الحيّ!»، فإنّه يعيش في وجدانه هذا المعنى للحيّ وصفة الحيّ التي ينسبها لله تعالى الآن؛ يعني: لأنّه يرى دائمًا أنّ هناك إنسانًا يرتحل، ويأتي آخر، ويموت هذا مجدّدًا، ويحيا آخر، وتُنفخ الروح في أحدهم، ويفقدها الآخر، فإنّه يتوصّل من هنا إلى هذه النقطة؛ وهي أنّ ذلك الحيّ على الإطلاق، وذلك الحيّ الذي يُحيي جميع الحيوات، والذي يُميت جميع هذه الحيوات، والذي يسوق جميع الموجودات إلى الإماتة، يجب أن يكون [ذا] قدرة قاهرة؛ ومن هنا، يصل إلى أنّ الله تعالى يجب أن يمتلك الصفات والأسماء الكلّية.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

10
  • وقد أطلق العرفاء على السير في هذه الصفات والأسماء الإلهيّة الكلّية اسم السفر من الحقّ في الحقّ بالحقّ. حسنًا، لقد تغيّر الاسم؛ ولكن، لا نقاش في وجود هذا السفر نفسه. وهذا السفر هو أيضًا دورة من مراتب الوجود؛ وهي عبارة عن الأسماء الإلهيّة الكلّية نفسها، والتي تتشعّب من الذات، وتكون معلولة للذات، ومتفرّعة عن الذات؛ لكن، لا بمعنى الانفصال، بل بمعنى ظهور الذات وبروزها في هذه الأسماء والصفات الكلّية. ولا يخفى أنّني سأتطرّق لاحقًا لبيان هذا السفر من الحقّ في الحقّ بالحقّ بالتفصيل؛ لكن، أعرضه الآن بين أيديكم باختصار كشرح.۱

  • السفر الثالث

  • ومن ناحية أخرى، توجد أيضًا نشأة أخرى، تُمثّل تلك الأبعاد التي عندما يصل الإنسان فيها إلى مرحلة التكامل، فإنّه يُبرِز للعيان ـ واقعًا ـ تلك الخصائص الموجودة في كلّ عالَم، ويُدركها، ويُبيّنها، حيث تظهر هذه الحالات في وجوده، فيجد في نفسه ـ بشكل كامل ـ ما رآه أثناء سيره والعوالم التي سار فيها، ويتمكّن من الإخبار عن هذه المسائل بدقّة. وهذه أيضًا نشأة من النشآت الوجوديّة التي جعلها الله تعالى للإنسان، حيث يُقال لهذه النشأة: السير من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.

  • السفر الرابع

  • وهنا، نرى أيضًا وجود نشأة أخرى تتعلّق بعالَم التربية، والتكامل، والأمر والنهي، و«افعل هذا ولا تفعل ذلك»، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والمعاد، والمسائل الأخرى الموجودة هنا التي نُطلق عليها اسم عالَم التشريع. هذه أيضًا نشأة من النشآت الوجوديّة لله تعالى، والتي تتعلّق بعالَم الأمر والنهي والتشريع وعالَم الكمالات والاستكمالات عن طريق التربية والأمر والنهي، حيث تخرج الجهات الاستعداديّة والقوّة الموجودة في الإنسان إلى الفعليّة بواسطة هذه التربية. نطلق على هذا العالَم اسم السير من الحقّ في الخلق بالحقّ؛ يعني أنّ هذا السير هو سير في الخلق، وسير في خصوصيّات الخلق وخصوصيّات كلّ واحد من الناس؛ يعني: [يكون الكلام هنا حول] ما هي الخصوصيّة التي يمتلكها هذا الوجود، وما هي الخصوصيّة التي يمتلكها ذلك الوجود، وما هو التعيّن الذي يمتلكه هذا، وما هي كمالات الحقّ التي يُبرزها ذلك الآن، وما هو مظهر أسماء الله الذي يُمثّله هذا، وأمثال ذلك.

    1. على الرغم من أنّ مصطلح الأسفار الأربعة ـ الوارد في لسان العرفاء والحكماء ـ قد ذُكر على النحو المعروف والمشهور في كتب صدر المتألّهين والحاجّ السبزواريّ وغيرهم؛ ولكن في نظر الحقير، يُمكن تصوّر اندماج بعض الأسفار في بعضٍ، أو ظهور بعضها من بعضها الآخر، كما أُشير إليه في المتن.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

11
  • السفر الرابع للعلاّمة الطهرانيّ

  • أحيانًا، تنظرون، فترون أنّ بعض العرفاء يتوقّفون كثيرًا في سيرهم من الحقّ في الخلق بالحقّ، بحيث لا يُمكنهم التحرّك بتاتًا! أذكر ذات مرّة أنّني كنت أراقب حال المرحوم العلاّمة لحوالي ساعتين أو ثلاث ساعات. كان ذلك في أشهر الصيف، وكنّا نبسط فراشه بجانب الحديقة في فناء المنزل. وكانت هذه الحديقة تحتوي على زهور مختلفة، من جملتها زهرة "البيتونيا" التي لها رائحة طيّبة جدًّا. كان يُطالع هناك، ثمّ ينام هناك أيضًا. رأيته فجأة ينظر إلى هذه الزهور هكذا دون أن يفعل شيئًا، ثمّ ذهبتُ، واستغرق الأمر حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات، وعدتُ مجدّدًا. فقال: «منذ مدّة، وأنا أفكّر في زهرة "البيتونيا" هذه، ولم يصل فكري إلى شيء بعدُ!». أذكر شخصيًّا أنّه كان ينظر لفترة طويلة ـ مثلاً من بداية الغروب أو حواليه ـ إلى زهرة بيتونيا واحدة، متفكّرًا فيما تفعله هذه الزهرة الواحدة! ثمّ كانت عبارته هكذا: «حتّى الآن، وصلتُ إلى أنّه يُمكن أن يتشكّل كلّ عالَم الوجود من بذرة "بيتونيا" واحدة!».. من بذرة بيتونيا واحدة! كلّ عالَم الوجود يُمكن أن يتشكّل ويُوجد من بذرة بيتونيا واحدة! ويقول: «وصلتُ إلى هنا حتّى الآن!»

  • الاختلاف في أسلوب تربية الأولياء الإلهيّين بسبب اختلافهم في السفر الرابع

  • هذا السير الرابع ـ يعني السير من الحقّ في الخلق بالحقّ ـ هو سير عجيب جدًّا بالنسبة للعرفاء الذين رجعوا من مقام الفناء، ويرون منذ ذلك الحين الآثار الجماليّة بالتفصيل.. إنّه عجيب جدًّا!

  • ذلك العارف الذي يكون في مرتبة أوسع من ناحية السير الرابع يُمكنه أن يُربّي بشكل أفضل، ويُمكنه أن يُرشد بشكل أفضل، حيث يكون أكثر اطّلاعًا على زوايا الأمور، وأكثر معرفةً بالخصوصيّات والمسائل والزوايا، ويُمكنه تشخيص الموانع بشكل أفضل. كلّ هذه الأمور تعود إلى هذا السير الرابع؛ وإلاّ، فإنّ السير من الحقّ إلى الخلق لازم للتربية؛ وما لم يكن موجودًا، فلا توجد تربية في الأساس! ففي هذا السير الرابع، يُصبح العارف أهلاً لكي يُربّي.

  • معنى السير في أسماء الله تعالى وصفاته الكلّية

  • ينتهي السير الطوليّ للعارف في السير إلى الحقّ، ويسير ـ أثناء السير من الحقّ في الحقّ بالحقّ ـ في الأسماء والصفات الكلّية وفي قهّارية الله تعالى. السير ليس أن يجلس [العارف] هنا، ويُفكّر، ويضع يده تحت ذقنه، ويقول: «إنّ الله قهّار، يعني أنّه يأتي بالزلازل أو الصواعق، ويُدمّر»؛ بل السير في القهّارية عبارة عن أن يتلوّن وجودُه ويمتلئ بالقهّارية الإلهيّة، وأن تتحرّك نفسُه مع قهّاريته تعالى.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

12
  • لا حدّية أسماء الحقّ تعالى وصفاته

  • فقهّارية الله تعالى وجلاله وجماله وعلمه وغيرها لا حدّ لها، وهي تُمثّل واقعيّة عينيّة خارجيّة؛ أي أنّ العلم مثلاً عبارة عن واقعيّة عينيّة خارجيّة، لا أنّه مجرّد مقدار من الأوهام والمسائل التصوّرية الذهنيّة والتخيّلات. كلّ ما ترونه في الكتب يحكي عن الواقعيّة الخارجيّة لذلك الشيء الموجود هناك؛ وهو مجرّد قطرة من بحر! ما أذكره لكم أقوله لكم واقعًا! كونوا على ثقة بأنّ ما جاء في الأسفار هو قطرة من بحر! يعني أنّه بذلك المقدار الذي يبتلّ فيه أصبعكم عندما تضعون يدكم في البحر. ولهذا، عندما نقول: «إنّ علم الله لا نهاية له بتاتًا»، فكيف يُمكن أن يكون ما هو موجود في هذا الكتاب قد تمكّن من الوصول إلى هذه الحقيقة؟!

  • تقول الآية القرآنيّة: ﴿وَلَو أَنَّمَا فِي ٱلأَرضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَٰمٌ وَٱلبَحرُ يَمُدُّهُۥ مِن بَعدِهِۦ سَبعَةُ أَبحُرٍ مَّا نَفِدَت كَلِمَٰتُ ٱللَهِ﴾؛۱

  • لأنّ كلمات الله ـ أي مظاهره تعالى الوجوديّة ـ لا نهاية لها في الأساس! لقد قال الله تعالى: ﴿سبعةُ أبحرٍ﴾، ولكنّني أقول: «سبعة مليارات بحر»، بل هي لا نهاية لها بتاتًا؛ ومع ذلك، لا تزال ﴿مَّا نَفِدَت﴾! يعني لا يوجد حدّ يقف عنده علم الله تعالى، بحيث يصل العبد والسالك إلى هذا الحدّ، ويكون بوسعه القول: «لقد أحطتُ الآن بجميع علم الله، وانتهى الأمر، ولم يعد هناك أكثر من هذا الحدّ، وقد أصبحتُ مساويًا لله تعالى!». مثلاً، أنتَ حفظتَ عشر قصائد، وأنا أيضًا حفظتُ هذه العشرة؛ أو مثلاً أنتَ حللتَ هذه المسألة الآن، وأنا أيضًا حللتها الآن! إذن، فقد أصبحتُ مساويًا لله! كأن يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله من باب المثال: إنّ علمي وعلم الله متساويان الآن!

  • هذه المسألة هي عين قضيّة أمير المؤمنين عليه السلام ومالك الأشتر. وطبعًا، لقد طالعتُ الروايات الواردة بخصوص هذه القضيّة، غاية الأمر أنّهم يذكرونها بالنحو التالي: في صفّين، في ليلة الهرير، ضرب أمير المؤمنين عليه السلام وقتل ٥۰۱ رجلاً، وقتل مالك الأشتر أيضًا ٥۰۰ رجلاً. وفي اليوم التالي، التقيا، فقال [مالك]: «يا عليّ كم قتلت؟»، فقال عليه السلام: «٥۰۱ رجلاً»؛ فقال: «أنا قتلتُ أقلّ منكَ بواحد فقط!»؛ وطبعًا، لم يقل ذلك بهذا الأسلوب؛ لكنّه كان بهذا المضمون. فقال سلام الله عليه [ما معناه]: «كنتُ أنظر إلى سبعين عقبًا من أعقابه؛ فإن كان سيخرج منهم مسلم، رفعت عنه السيف؛ أمّا أنتَ، فكنتَ تحصد الجميع حصدًا، وتتقدّم!».٢ حسنًا، شتّان بين عليّ عليه السلام وبين مالك الأشتر! فعليّ عليه السلام ينظر إلى سبعين عقبًا من أعقابه! وأمير المؤمنين لا يكذب! يعني أنّه يرى ـ بواسطة الإحاطة الولائيّة التي يمتلكها ـ كلّ الوجود حتّى يوم القيامة؛ فيرى ما الذي سيولد من هذا، وماذا سيكون حفيده، وماذا سيكون ابن حفيده وأمثال ذلك... يعني أنّه ينظر إلى جميع التشعّبات والفروع من هذه الجهة ومن تلك الجهة، وينظر إلى المصالح، ويرى ما هي المصالح المترتّبة على هذا القتل، أو: إذا بقي هذا الإنسان، فما الذي سيفعله حفيده العاشر؛ يرى الجميع! يعني أنّه يُشاهد كلّ الوجود في قبضته، ثمّ يرى ما هي المصلحة، وهل هي في إبقاء هذا الإنسان أم في إفنائه؛ وأيًّا كان، فإنّه يفعله. أمّا مالك الأشتر، فيتقدّم فقط دون التوجّه إلى هذه الأمور.

    1. سورة لقمان، الآية ٢۷.
    2. راجع: إرشاد القلوب، ترجمة رضائي (فارسي)، ج ٢، ص ۱٩، الهامش، مع اختلاف يسير.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

13
  • ولا يخفى أنّ أمير المؤمنين قد قال هذا الكلام بحسب استعداد مالك الأشتر؛ أمّا لو كنّا نحن مكان مالك الأشتر، لقلنا له عليه السلام: «حينما نريد أن نضرب أحدًا أو نقتله، فإنّك أنتَ الذي تنظر إليه، فتعفو عنه أو تضربه!». الحقيقة هي أنّ ذلك الإنسان الذي يتعرّض للضرب وذلك الإنسان الذي يُرمى أو ينجو، فإنّ الإمام هو الذي يُعرّضه لذلك أو يتجاوز عنه. حسنًا، لا بدّ وأنّ مالكًا لم يكن يمتلك قدرةً أكثر من هذه، ولم يكن يعرف هذه المسائل؛ ولذلك، بيّن له الإمام الأمر بهذا النحو؛ وإلاّ، فإنّ جميع الحركات والسكنات التي تقع، تمرّ من تحت ولايته عليه السلام.

  • عدم إدراك نهاية أسماء الله وصفاته مع وجود الفناء الذاتيّ التامّ

  • التلميذ: إذا فني الإنسان في ذات الله تعالى ـ وكنّا لا نعتبر علم الله وحياته خارجين عن ذاته ـ فكيف إذن لا يُدرك هذا الإنسان نهاية هذا العلم؛ في حين أنّه فانٍ في ذات الله تعالى؟

  • الأستاذ: إذا كان فانيًا، فلن يلتفت إلى شيء في مرحلة الفناء؛ وإذا كان في المرحلة التالية، فإنّه سيصير متعيّنًا؛ والوجود المتعيّن هو وجودٌ محدودٌ وعبارة عن ظهور للذات؛ والظهور يقع في مرتبة أدنى من الذات. عندما يكون في المرحلة الرابعة، فإنّه يحمل الذات معه، وينزل مع الذات ومع صفاتها؛ يعني أنّه يكون مظهرًا للمحيي، ومظهرًا للمميت، ومظهرًا للعليم، ومظهرًا للرؤوف، ويمتلك مظهريّة جميع الصفات؛ غير أنّ الكلام هو في أنّ صفة الرحيم لا نهاية لها.

  • لقد أُعطي كلّ إنسان حدًّا من هذه الصفات؛ ولهذا، يجب أن نرى مَن أُعطي أكثر، حيث تحصل السعة هنا في المرتبة الرابعة؛ يعني: مع أنّ جميع العرفاء يمتلكون مظهريّة الحياة؛ ولكنّ الكلام هو في: أيّ عارف يمتلك مظهريّة أكثر؟ جميع العرفاء يُمكنهم أَنْ يَصِفُوا الحَقَّ تَعالَى على ما هُوَ عَلَيْهِ في الواقِعِ، وبِأَنَّهُ كَذا وكَذا؛ ولكنّ المقدار العرضيّ لذلك يُبيّنه كلّ واحدٍ بشكل مختلف. مثلاً، هل ذلك المقدار الذي يُمكن للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله أن يُبيّنه من علم الله تعالى يستطيع المرحوم الأنصاريّ رضوان الله عليه أن يبيّنه أيضًا بنفس المقدار؟! ليس الأمر هكذا أبدًا! وطبعًا، كلاهما يُمكنه أن يقول: إنّ علم الله هو بالنحو الكذائيّ ويمتلك الخصوصيّة الكذائيّة؛ يعني أنّ كليهما قد عاش ذلك في وجدانه. على سبيل المثال، يكون كلاهما يأكل حلوى، ويُقرّان بحلاوتها؛ غير أنّ أحدهما يكرع منها جرّةً، والآخر لا ينال منها إلاّ ملعقةً؛ ومع ذلك، فكلاهما يصف الحلوى بالخصائص ذاتها: بأنّ فيها سمنًا، وسكّرًا، وزعفرانًا، ودقيقًا وغير ذلك؛ ولكن، أيّهما قد أكل أكثر واستفاد أكثر؟ هذا أكل هذا المقدار الذي لم ينزل من حلقه بعد؛ أمّا ذاك، فقد أكل كثيرًا لدرجة أنّه يكاد ينفجر! هذا الأمر يعتمد على تلك الخصائص والسعة التي يمتلكها كلّ منهما؛ وهذه شاكلة بيد الله تعالى، وليست بيد أحد آخر.

الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر - سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ

14
  • التلميذ: هذا مترتّب على سيرهم الثاني؛ إذ السير فيه يكون في مدارج الأسماء والصفات؛ وحقيقةُ الأمرِ، كأنَّ لَهُم حَركةً “إبـريَّةً” نَفَاذِيَّةً نَحوَ الذاتِ، ثُمَّ يَعقُبُها رُجوعٌ للسيرِ في الأسماءِ والصفاتِ؛ فَبِقَدْرِ ما يَتَّسِعُ سَيرُهم العَرَضيُّ” هُناكَ، يَعظُمُ حَظُّهم وتزداد استفادتُهم.

  • الأستاذ: نعم، أحسنت، الأمر هكذا.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد