3

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة

لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

5
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

هل تتعارض دراسة الفلسفة والحكمة مع لزوم التسليم التامّ لولاية الأئمّة الأطهار؟ ولماذا صرّح صدر المتألّهين بعدم جدوى الغوص في آراء الحكماء السابقين؟ ما هو المعيار الحقيقيّ لرجحان التدقيق في المسائل العقليّة على التدقيق المبالغ فيه في العلوم الاعتباريّة كعلم الأصول؟ ولماذا تحتاج النفس المطمئنّة في مسار تجرّدها إلى ترويض البدن؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات العميقة؛ مبيّنةً أفضليّة الحكمة لعلّو موضوعها؛ أي معرفة الله وصفاته.

/۱٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة

  • لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار الأربعة، مقدّمة المؤلّف، الّدرس الثّالث

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمٰن الرحيم

  • الحمدُ لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • علّة اختلاف الأفراد في الميل إلى العلوم والفنون المختلفة

  • ثُمّ لمّا كانت العلوم متشعّبةً، وفنون الإدراكات متكثّرةً، والإحاطة بجملتها متعذّرةً أو متعسّرةً، ولهذا تشعّبت فيه الهمم؛ كما تفنّنت في الصنائع قدم أهل العالَم.

  • أي: بما أنّ العلوم متنوّعة وذات فروع وأقسام مختلفة، وأقسام الإدراكات متكثّرة، وبما أنّ الإحاطة بجميع هذه العلوم والإدراكات إمّا ممتنعة أو في غاية الإشكال والتعسّر؛ ولهذا، تشعّبت الهمم واختلفت. وكما تشعّبت واختلفت أقدامُ أهلِ العالَم في الصناعات، فقد اختلفت في العلوم أيضًا.

  • ليس للإدراك جهة وحدة فحسب، بل له جهات كثيرة؛ وهذه العلوم الكثيرة التي تُشاهد إنّما هي بسبب أنّ هذه الإدراكات متكثّرة. ولهذا، توجّه كلُّ إنسانٍ نحو علم معيّن، وتحرّك لطلب نوع من أنواع الإدراكات؛ وأنتم ترون قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾،۱ وكما قيل: 

  • ...***گروهی آن، گروهی این پسندند!٢
  • [يقول: ففريق يرتضي هذا، وفريق يرتضي ذاك!]

  • وكما في الصناعات، حيث يُصبح أحدهم نجّارًا ويرغب في النجارة، ويُصبح الآخر حدّادًا، والثالث نسّاجًا للسجّاد، فكذلك في العلوم، يختار كلّ فرد علمًا بناءً على دواعيه الخاصّة. وفي الواقع، كلّها صناعات أيضًا، فلا ينبغي لكم أن تظنّوا أنّ علم الطبّ وهندسة البناء والرياضيات ـ والرياضيات أفضل قليلاً من غيرها ـ والهندسة وغيرها هي علوم حقيقيّة؛ كلاّ، فكلّ هذه صناعاتٌ تهدف إلى إحداث تحوّل في الدنيا والبدن والجسم، وإيجاد عوارض فيه. ففي الواقع إذن، كلّ هذه صناعاتٌ أُطلق عليها اسمُ العلم.

  • فافترقت العلماء زُمَرًا، وتقطّعوا أمرهم بينهم زُبرًا،٣ بين معقول ومنقول وفروع وأصول؛ فَهِمّةٌ نحوَ نحوٍ وصرفٍ وأحكامٍ، وهِمّةٌ نحوَ فقهٍ ورجالٍ وكلامٍ.

  • أي: اتّخذ كلّ فريق من العلماء طريقًا، وتفرّقوا وانفصلوا وصاروا جماعات، وتقطّعوا أمرهم بينهم؛ فلم تعُد بينهم وحدة كلمة، بل راح كلّ فريق يختار لنفسه طريقًا ومسارًا. فأخذ بعضهم بالمعقول، وتوجّه بعضهم نحو المنقول، وسار بعضهم خلف الفروع، وتحرّك بعضهم نحو الأصول. وتوجّهت هِمّةٌ نَحوَ النحوِ والصرف والأحكام؛ أي أحكام الكواكب والنجوم وما شابه ذلك، وتحرّك بعضهم نحو الفقه والرجال والكلام وأمثال ذلك.

    1. سورة المؤمنون، الآية ٥٣.
    2. رباعيات بابا طاهر، الرباعي رقم ٤۰.
    3. اقتباس من سورة المؤمنون، الآية ٥٣: ﴿فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمرَهُم بَينَهُم زُبُرًا كُلُّ حِزبٍ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ﴾.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

3
  • نحن في الأساس لا شأن لنا بالصناعة، ونريد التوجّه نحو العلوم؛ فحينما تكون هذه العلوم مختلفة عن بعضها البعض، فأيّ علم نختار؟

  • دراسة كلام المؤلّف حول عدم جدوى الغوص في آراء الحكماء

  • هنا، أشكل البعض على صدر المتألّهين رضوان الله عليه في هذه الفقرة من كلامه. فهو يقول في مقدّمة الكتاب [ما معناه]: «لقد صرفت مدّة من عمري في الاشتغال بمقولات الحكماء، وقمت بتحقيقات وتدقيقات في كلماتهم وآرائهم، ولم أصل إلى طائل؛ ثمّ رجعت، وألقيت رحلي في رحاب الولاية والأئمّة عليهم السلام».۱

  • بالالتفات إلى هذا الكلام، كيف يقول صدر المتألّهين رضوان الله عليه نفسه هذه الكلمات الآن؟! كيف يقول: إنّ الذين سعوا خلف الفقه والأحكام والرجال والنحو وغيرها لم ينالوا همّة، ولم يظفروا بطائل؟! وكيف ينتقد أحدٌ الحكمةَ، وهو نفسه يكتب تسعة مجلّدات من «الأسفار»؟! أليس هذا تناقضًا؟! إذا كنتَ تنتقد الحكمة، وإذا كان كتابك خاطئًا وقد كتبت هذه المقدّمة في أوّل كتابك، فلماذا إذن تكتب بقيّة الكتاب؟! وإذا كنت تقول: إنّ المسائل التي تُذكر هنا هي مسائل حقيقيّة؛ فلماذا تردّها هنا بنفسك، وتقول إنّك تتبّعت مسائل الحكماء ولم تظفر بطائل؟! وإذا كانت هذه المسائل غير حقيقيّة، فلماذا تكتبها إذن؟ لا تكتبها! لأنّ هذا الكتاب سيكون من كتب الضلال!

  • الجواب هو أنّه يقول [ما معناه]: أنا أعدّ هذه الحكمة أعلى المراتب العلميّة لمن يُريد أن يعثر على سلّم التجرّد والوصول إلى معرفة حقيقة الوجود، التي هي ربّ الأرباب والله تعالى. وبطبيعة الحال، لا نتيجة لذلك بدون الاتّصال بمقام الولاية، كما أنّ الغوص في كلمات الحكماء السابقين والنظر في آرائهم لا يُثمر للإنسان أيّة نتيجة. وهذه الحكمة التي أكتبها الآن هي أسمى كتاب، وقد وفّقتُها مع الشرع والعرفان، وكتبت كتابًا باسم «كتاب السلوك»؛ وهو كتاب يُمكنه ـ بما فيه من علوم ـ أن يوصل الإنسان إلى المعرفة من زاوية السلوك الفكريّ.٢

  • وهو كذلك حقًّا، فكتاب «الأسفار» كتاب منقطع النظير من هذه الجهة حقًّا، وجزى الله صدر المتألّهين رضوان الله عليه خيرًا؛ إذ تحمّل حقًّا وبكلّ إخلاص كلّ الشتائم والتهم والإهانات والاتّهام بالبدع، ولم يُعرِ هذه الأقوال أيّ اهتمام؛ كما يقول هو نفسه [ما مضمونه]: لقد سخروا منّي، ورموني بالبدعة والضلالة؛ ولهذا لم أستطع أن أفعل شيئًا، وتشرّدت!٣

    1. راجع: الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ٤.
    2. راجع: المصدر نفسه، ص ٥.
    3. راجع: المصدر نفسه، ص ٦.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

4
  • كلّ هذا بسبب أنّ ثلّة من الجهّال الذين لا يفهمون، وبدلاً من أن يفكّروا بشكل أفضل، يمنعون الناس من الوصول إلى الحقيقة والعلم، حيث ينحصر عملهم في طرح شبهات ومسائل تضحك منها الثكلى، ليضعوا الموانع، ولا يسمحوا لإنسان بأن يصل إلى هدف وعلم.

  • وبناءً على ذلك، إذا كانت الحكمة والعرفان بلا فائدة أو منفعة، والملاّ صدرا نفسه يقول: «لقد ألقيت رحلي في رحاب الأئمّة!»؛ فلماذا كتب هو نفسه كتاب «الأسفار» إذن؟!

  • وإذا كان قد كتب «الأسفار» من باب دفع الدخل أو من باب دفع الإشكال، فلم يكُن ينبغي له أن يقول: «إنّ أعلى العلوم هي العلوم العقليّة المحضة التي عبارة عن العلم بالله». لأنّ هذا لا ينسجم مع هذا الكلام بتاتًا. وكان عليه أن يقول على الأقلّ: لا تعتقدوا بهذه الكلمات التي أقولها؛ فكلّها تُرّهات! وإنّما قلتها فقط لكي تتمكّنوا من الردّ عندما تُواجهون المعاندين! كما يقول المتكلّمون والأخباريّون الذين ينضوون في سلك العلماء ظاهرًا: «اقرؤوا هذه المسائل لكي تُجيبوا [عنها]!». حسنًا، كان بإمكانه أن يقول: «إنّ هذه الكلمات كلّها هراء وباطلة، وإنّما كتبتها لهذا الغرض!»، ولم يكُن ليقول [ما معناه]: «إنّ أعلى وأدقّ وأسمى علوم هي العلوم العقليّة المحضة التي لا يوجد فيها أيّ طابع للتوجّه نحو الخلق، بل فيها طابع التوجّه نحو الربّ فحسب».

  • أفضليّة علم الحكمة على سائر العلوم لعلّو موضوعه

  • إذا نظرتم إلى علم الفقه، تجدون أنّ له طابعًا فعليًّا۱ وجوارحيًّا؛ كفقه المعاملات بأقسامه من الصلح والهبة والبيع والشراء وما شابه ذلك، أو فقه النجاسات وفقه الأراضي والإقطاع والأراضي الموات، أو فقه القصاص والديات وما شابه ذلك. وقسم الفقه المتعلّق بالعبادات ـ كالصوم ـ هو وحده الذي يحمل طابعًا روحيًّا، ويغلب طابعه الروحيّ على طابعه الظاهريّ. ولكن، إذا نظرتم إلى أيّ علم، ترون أنّ فيه جهةَ تعلّقٍ بالخلق؛ فما بالكم بعلوم كعلم الطبّ المخصّص فقط لبدن الإنسان والأمعاء والمعدة وما شابه ذلك، أو علوم الهندسة وغيرها المخصّصة فقط لتشييد البناء، والتي تدور حول الطوب والجصّ والإسمنت ومسائل من هذا القبيل.

    1. أي يرتبط بأفعال الإنسان. المترجم

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

5
  • العلم الوحيد المرتبط بالنفس وبارتقائها وتلقّياتها هو الفلسفة؛ إذ هو علم عقليّ محض، ولا ارتباط له بالبدن أبدًا! فهو يبحث فقط في الوجود، ومعرفة الوجود، وعوارض الوجود، وصفات الوجود ـ والتي ترجع إلى صفات الحقّ الجلاليّة والجماليّة؛ أي العلم والحياة والقدرة ـ ومعرفة ذات الله بكنهها، ولا يوجد فيه أيّ طابع للتوجّه نحو الخلق، بل فيه الطابع الربطيّ، وطابع الارتباط بالعوالم العُليا فحسب.

  • عدم تنافي أفضليّة علم الحكمة مع لزوم التسليم التامّ للولاية

  • ومن هنا، يتّضح ضعف إشكال واعتراض الذين يقولون: إنّ الملاّ صدرا نفسه قد ندم وتاب، وقال: «بعد الغوص في كلمات الحكماء، ألقيت رحلي أخيرًا في عتبة الأئمّة عليهم السلام!».

  • فإذا كان نادمًا، فلماذا كتب إذن تسعة مجلّدات من «الأسفار»؟ ولماذا يعتبر علم الحكمة والمعقول وحده العلم الحقيقيّ؟!

  • نعم، إنّه يقول هنا [ما معناه]: «إنّ الخوض في آرائهم بدون الاتّصال بمقام الولاية خطأ».۱ وهذا هو كلامنا أيضًا: فالفيلسوف والحكيم الذي تقصر يده عن الولاية لا يختلف عن الحمار بتاتًا!٢ أي إنّ كلّ ما نحصل عليه إنّما هو في ظلّ الولاية وفي ظلّ الإمام عليه السلام؛ وبدون التوجّه إلى الولاية والإمام وبدون الاستنارة بنور مقام الولاية، يكون كلّ ذلك هباءً منثورًا؛ كما هو الحال في علم الفقه أيضًا! ألم يكُن كلّ أولئك الفقهاء عديمي الدين والتديّن الذين عملوا ضدّ الفقه والدين فقهاء؟ من كان يحيى بن أكثم؟ لقد كان فقيهًا قصرت يدُه عن الولاية. ومن كان شريح القاضي؟ ألم يكن فقيهًا؟ بلى، ولكن قصرت يدُه عن الولاية! فلماذا تنظرون إلى الفلسفة فقط؟ حسنًا، فالفقه كذلك أيضًا!

  • إذا كان الحديث عن قصور اليد عن الولاية، فهذه المسألة ستشمل جميع الفنون والصناعات وجميع العلوم وجميع الطرق والمسالك. أمّا إذا كان الحديث عن هذه العلوم مع افتراض الاتّصال بمقام الولاية، فحينئذٍ يجب أن نرى أيّها أولى؛ فهل يوصلكم الفقه إلى معرفة الله؟! كلاّ، متى أوصل إنسانًا إلى ذلك؟! كيف يُمكن للاستدلال بأنّه «يجوز الاستنجاء بثلاثة أحجار أو بحجر ذي أطراف» أن يوصل الإنسان إلى معرفة الله ومعرفة صفات الجمال والجلال؟! هل يوصله إلى الصفات الجلاليّة أم إلى الصفات الجماليّة؟! أو كيف يُمكن للبحث حول ما إذا كان «بيع العبد الآبق فيه إشكال أم لا» أن يوصل الإنسان إلى هذه المسائل؟! وبطبيعة الحال، فإنّ مسائل كالصلاة والصوم التي تجلب النورانيّة للإنسان صحيحة في محلّها؛ إلاّ أنّها لا تكشف للإنسان عن الصفات الجماليّة والجلاليّة.

    1. المصدر نفسه، ص ۱۱.
    2. إشارة إلى سورة الجمعة، الآية ٥: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّورَىٰةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارًا﴾

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

6
  • إذن، من اللازم أن يعرف الإنسان هذه المسائل والعلوم في ناحية الفكر والتعقّل، وأن يعتقد بها؛ فلا ينبغي أن يكون اعتقاده بها تقليديًّا. أي: عندما يقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ وَالذين لا يَعْلَمُونَ﴾،۱ يجب أن يعتقد بأنّ العلم حقيقة وليس مجازًا.

  • أو يعتقد في الآية القرآنيّة: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾٢ بأنّ أولي الألباب عبارة عن حقيقة.

  • أو يعلم أنّ الأمر بالتعقّل في الآية القرآنيّة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾٣ هو حقيقة؛ لأنّ الله لا يُريد أن يقول على نحو المجاز: «قولوا الآن ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾، وحينما تصل أيديكم إلى الفقه لاحقًا سنُصحّح لكم ذلك!»؛ فالله لم يُرد أن ينظم الشعر! بل يجب التعقّل في جميع المسائل.

  • فالآية القرآنيّة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليل وَالنهار لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾٤ والآية القرآنيّة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾.٥ كلّ هذه حقائق!

  • والآية القرآنيّة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾٦ التي نصل من طريقها إلى برهان النظم، هي حقيقة!

  • لقد نزل القرآن لجميع الناس، ولا يُمكن فصلُ فئة عن أخرى، واعتبارُ عدّةٍ مستفيدةً من القرآن، وعدّةٍ أخرى غنيّةً عن حقائقه؛ ولهذا، نرى أنّ هناك تفاوتًا في نفس آيات القرآن واستدلالاته بحسب مرتبة كلّ أحد؛ فمثلاً، الآية القرآنيّة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ هي برهان لتلك العجوز، وهي في الوقت نفسه برهان لحكيم متألّه متوغّل في العلوم الإلهيّة، ولا فرق في ذلك أبدًا! أو على سبيل المثال، فإنّ البيت الشعريّ الذي جاء فيه:

  • از آن چرخه که گرداند زن پیر***قیاس چرخ گردنده همان گیر۷
  • [يقول: تَأَمَّلْ مِغْزَلَ العَجُوزِ حِينَ يَدُور، وَقِسْ عَلَيْهِ دوران الفَلَكِ المَعْمُور]

  • هو برهان؛ وكذلك الآية القرآنيّة التي يقول الله تعالى فيها: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظاهر وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾۸ والتي تدلّ على الوحدة الحقّة الحقيقيّة وقاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء»، هي برهان أيضًا. ولكن، هل تعرف تلك العجوز معنى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾، أم أنّها تدرك فقط هذا المقدار، وهو أنّه بمجرّد أنّه لم يكن أحد في الأوّل، فلن يكون أحد في الآخر أيضًا؟! فهذا المقدار برهان بالنسبة إليها؛ لكن، بالنسبة لذلك الحكيم المتألّه الذي تدلّ عنده الآية القرآنيّة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾٩ على تقدّم الجهة العلّية على المعلول من ناحية ذات المعلول نفسه، فإنّ ذلك المقدار برهان له.

    1. سورة الزمر، الآية ٩.
    2. سورة الزمر، الآية ٩.
    3. سورة البقرة، الآية ٤٤.
    4. سورة آل عمران، الآية ۱٩۰.
    5. سورة النساء، الآية ۸٢.
    6. سورة الأنبياء، الآية ٢٢.
    7. خمسة نظامي (الكنوز الخمسة لنظامي)، خسرو وشيرين.
    8. سورة الحديد، الآية ٣.
    9. سورة ق، الآية ۱٦.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

7
  • لا أحد غنيّ عن مواهب القرآن ومواهب أهل البيت وولايتهم عليهم السلام! فليس الأمر أنّ من يرتقي يستغني؛ بل إنّ الأفراد الذين يرجعون ويتوغّلون في المسائل الحقّة الإلهيّة، يكون احتياجهم إلى الولاية أكثر بمليارات المرّات من الأفراد العاديّين، ولا مجال للمقارنة في الأساس. فذلك الإنسان العادي لا يفهم شيئًا سوى الجنّة والنار والكمّثرى والتفّاح والحور العين، وهو لم يُدرك مقام جلال الله وجماله، ولم يشعر في الأساس بمقام عجز العبد وحاجته وفقره! فمتى فهم شيئًا من هذه المسائل؟! وهنا تكمن حاجتنا إلى الأئمّة عليهم السلام وإلى الولاية. فالأفراد العاديّون لا يعرفون شيئًا؛ فغاية الأمر أنّهم يُؤدّون صلاة، ثمّ يطفئون شهوتهم، ويذهبون إلى الحمّام صباحًا، ثمّ ينهضون، ويذهبون إلى أعمالهم، ويضربون بمعاولهم، ولا يفعلون شيئًا آخر!

  • ولهذا، فإنّ الفلسفة والحكمة الإلهيّة لا تفصل الإنسان عن الاتّصال والتمسّك بمقام الولاية فحسب، بل تجعله أكثر تعلّقًا، وتُظهر له فناءَه واحتياجه وفقره بشكل أكبر. وكلّ مسائل الفلسفة تحكي عن هذا المعنى؛ غاية الأمر أنّ الحديث يدور حول الكيفيّة التي يُمكن للإنسان أن يستفيد بها [منها].

  • ولهذا، فمن غير الإنصاف حقًّا أن يقول البعض: «إنّ صدر المتألّهين رضوان الله عليه لمّا لم يظفر بطائل من هذه المسائل بنفسه، توجّه نحو هذه المسائل الأخرى!». فإذا لم يظفر بطائل، فلماذا كتب «الأسفار» إذن؟ ولماذا قال إنّ العلوم العقليّة المحضة والعلم بالله والعلم بصفات الله والملائكة وكيفيّة نزول الكتب وإرسال الرسل هي وحدها المفيدة، وإنّ العلوم الأخرى تقع في مرتبة متأخّرة؟! لابدّ أنّه كان قد فهم شيئًا حتّى قال هذا الكلام!

  • ضرورة الاهتمام التامّ بأفضل العلوم

  • فالواجب على العاقل أن يتوجّه بشراشره إلى الاشتغال بالأهمّ، والحزم له أن يُكبّ طول عمره على ما الاختصاص لتكميل ذاته فيه أتمّ.

  • أي: فيجب إذن على الإنسان العاقل أن يتوجّه بجميع شراشره وحيثيّاته (أي بهمّته وإرادته وقواه وغيرها) ليرى ما هو الأهمّ، حتّى يسعى خلفه ويتوجّه إليه، ويوقف نفسه طوال عمره عليه، ويضع نفسه في أمرٍ يكون تخصيصُ وقتِه فيه أتمَّ لتكميل ذاته، ليبلغ بذلك تماميّة أكبر وأعلى.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

8
  • كان المرحوم الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ رجلاً عظيمًا حقًّا، وكانت له سجدات يونسيّة تستغرق ستّ ساعات، وكان تهجّده ونورانيّته منقطعَي النظير؛ ولكنّ إشكال المرحوم القاضي عليه كان يتمثّل في قوله: 

  • إنّ المرحوم الكمبانيّ رجل صالح جدًّا، وهو سالك وعابد، وهو منقطع النظير من هذه الزاوية؛ ولكن، ما الفائدة من كلّ هذا التدقيق في الأصول في نهاية المطاف؟! أليس من الأفضل للإنسان أن يصرف عمره في أمور أفضل، بدلاً من كلّ هذه التدقيقات في هذه المسائل؟! 

  • حسنًا، وعلى فرض أنّكم دقّقتم كثيرًا في المقدّمة الموصلة لمعرفة ما إذا كانت واجبة أم غير واجبة، فما الفائدة من ذلك في النهاية؟!

  • كم هو الفرق شاسع بين أن يضع فيلسوف قدمه في السلوك، وبين أن يضع قصّاب وبقّال وتاجر قدمه في السلوك! فماذا يفهم هذا من صفات الله الجماليّة والجلاليّة؟! وماذا يفهم من فقر الإنسان وحاجته إلى المبدأ؟! وماذا يفهم في الأساس من ارتباط الجهة الربطيّة بين العلّة والمعلول؟! وماذا يُدرك من تجلّي الأسماء والصفات في المظاهر الكلّية والمظاهر الجزئيّة؟! إنّه لا يفهم شيئًا أبدًا! بل يقول فقط: «أيّها الأستاذ، أعطنا أمرًا لننهض صباحًا، ونتلو وردنا، ثمّ ننام مرّة أخرى!». فهل يفعلون شيئًا آخر؟

  • جامعيّة السالكين العالِمين بالعلوم العقليّة والنقليّة

  • إنّ كلّ هذا الاهتمام الذي كان يُوليه المرحوم العلاّمة بضرورة أن يكون الأفراد المستعدّون واجدين لهذه العلوم العقليّة أو النقليّة ـ لأنّ العلوم النقليّة في النهاية هي وسيلة أيضًا ولا تختلف عن العلوم العقليّة ـ إنّما هو لأجل هذا الأمر. وقد قال لي المرحوم العلاّمة مرارًا: 

  • إنّ تضلّع وجامعيّة السالك الذي يكون واجدًا لهذه العلوم، ويضع قدمه في هذا الطريق، تفوق بكثير جدًّا ذلك الذي يُريد أن يضع قدمه في هذا الطريق بدون هذه العلوم. 

  • لأنّ هذا الإنسان قد حمل معه مصباحًا منذ البداية. ولهذا، نرى في كثير من الموارد أنّ هذه العلوم نفسها تكون هادية للإنسان حتّى بدون أستاذ؛ أي: عندما لا يكون الإنسان على ارتباط بأستاذ، نرى أنّ هذه العلوم تُرشد الإنسان، وتُضيء له الطريق في بعض الموارد والمشاكل.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

9
  • وكان الشيخ الأنصاريّ يقول هذا الأمر أيضًا. وقد سمعت بنفسي من السيّد الحدّاد، ليس مرّة واحدة، بل مرّتين أو ثلاث مرّات، أنّه قال: «يا فلان، أتقن هذه الدروس! أتقنها!»، وقال: «إنّ السالك الذي يُريد أن يتحرّك بهذه العلوم سيصبح عجيبًا!»، وكان يُكرّر كذلك: «سيُصبح عجيبًا! سيُصبح عجيبًا!».

  • وهذه القضيّة لا تقتصر على مسألة إرشاد الخلق وهدايتهم فحسب؛ بل ترجع أوّلاً إلى الإنسان نفسه، ثمّ ينال الآخرون نصيبًا منها لاحقًا:

  • اگر شراب خوری جرعه‌ای فشان بر خاک***[از آن گناه که نفعی رسد به غیر چه باک]۱
  • [يقول: إنْ شَرِبْتَ المُدَامَ فَاسْكبْ جُرْعَةً عَلَى الثَرَى، فَأَيُّ بَأْسٍ بِذَنْبٍ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى السِوَى؟!]

  • فكلّ ما ذهب إليه النبيّ وحصل عليه، قد وصل إليه أوّلاً، ثمّ استنار الآخرون ببركة وجوده صلّى الله عليه وآله.

  • لزوم الاشتغال بالعلوم على أساس مقدار الحاجة إليها

  • بعد ما حصل له من سائر العلوم والمعارف بقدر الحاجة إليها في المعاش والمعاد.

  • وذلك بأن يكتسب لمعاشه مقدارًا لا يبقى معه جائعًا ولا يموت، حيث لا يختلف الأمر في كيفيّة ذلك، كأن يكون عن طريق صيد السمك مثلاً؛ وأن يكتسب لمعاده أيضًا من الناحية الشرعيّة بمقدار الحاجة؛ ولهذا، يقول الملاّ صدرا: ليس من اللازم كلّ هذا الغوص والتعمّق في المسائل الأخرى.

  • إنّ الكثير من هذه التدقيقات الأصوليّة والمسائل التي نطرحها في هذا العلم هي من باب الضرورة؛ أي إنّنا مضطرّون لطرحها فقط من أجل الاطّلاع على آراء علماء الأصول، وإلاّ، فإنّ هذا المقدار من التحقيقات والتدقيقات ليس لازمًا، وكثير من تلك المباحث لا فائدة منها في الأساس. وبطبيعة الحال، توجد فيها مسائل مفيدة أيضًا؛ لكنّهم طرحوا أبحاثًا لا طائل تحتها بتاتًا، ونحن نحذف الكثير منها في أبحاثنا.

  • أتذكّر مرّة أنّ المرحوم العلاّمة (الطهرانيّ) كان قد أرجع شيخًا إلى المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ. ولاحقًا، راوده شكّ فيه، وكان يقول: «يا سيّدي، هل تحرزون أعلميّته؟». وكنت أسمع حديثهما. فقال المرحوم العلاّمة: ما المقصود بالأعلميّة؟ إذا كان المقصود بالأعلميّة تلك التدقيقات الدقيقة جدًّا والعلميّة لأمثال الحاج محمّد حسين الكمبانيّ والآغا ضياء العراقيّ، فإنّ العلاّمة قد مرّ بهذه المسائل أيضًا، وإذا أراد أن يُعمل فكرَه في هذه المسائل، فلن يقلّ عن الآخرين؛ غاية الأمر أنّ مساره وتخصّصه الآن قد استقرّ في بحث الفلسفة والتفسير. فضلاً عن ذلك، هل تعتبرون المرحوم السيّد محمّد كاظم اليزديّ فقيهًا أم لا؟ هل كان من ناحية التدقيقات الأصوليّة كالآخوند والكمبانيّ؟ مع أنّ الكثيرين يرجّحونه عليهما من الناحية الفقهيّة. والمرحوم العلاّمة هو كذلك أيضًا.

    1. ديوان حافظ (قزويني)، الغزل ٢٩٩.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

10
  • ترون كيف أنّ هذه التشكيكات هي تشكيكات واهية! عزيزي، أيُّ نبيّ قدّم أصولاً كهذه لابن مسعود وسلمان وعمّار؟! هل بيّن النبيُّ الأكرم صلّى الله عليه وآله التمسّك بالعامّ في صورة إجمال الخاصّ في الشبهة المصداقيّة والشبهة المفهوميّة؟! سيقول ابن مسعود متعجّبًا: ماذا قلتم؟ التمسّك بالعامّ! ما هو العامّ؟ وما هي الشبهة المصداقيّة؟ يعني: حقًّا، لو جاء النبيّ إلى الحوزة العلميّة، فهل كان سيقول: ادرسوا هكذا وبهذه الكيفيّة؟!۱ أم كان سيقول: اعملوا وفقًا لهذا المذاق العرفيّ، وامضوا قُدمًا!

  • ثمّ قال له المرحوم العلاّمة: إنّ ما تبحث عنه ليس هذا؛ أنت تبحث عن حقيقة المسألة وواقعها. فتحقيقات الآغا ضياء لا تنفع لصلاتك؛ بل إنّ تلك التحقيقات تنفع لمجلس البحث! وأنت نفسك الآن قريب من الاجتهاد ومن أهل العلم، ويجب عليك أن تتفرّغ للمسائل العمليّة، ولم يعُد هناك معنى للذهاب خلف هذه الأقوال!

  • ولهذا، يقول صدر المتألّهين لنفس هذا السبب: «يجب على الإنسان أن يقرأ بمقدار الحاجة».

  • أضرار التدقيق غير الضروريّ في العلوم الاعتباريّة

  • التلميذ: قلتم إنّ للأصوليّين والفقهاء تحقيقات مبالغًا فيها، وإنّ هذه التحقيقات تُمثّل عاملاً لنقد عملهم؛ في حين أنّنا نرى التحقيقات نفسها وبنحو أدقّ في المسائل الفلسفيّة أيضًا. فهل يَرِد هذا الإشكال على الفلسفة أيضًا؟

  • الأستاذ: بشكل عامّ، يجب أن نرى بأيّ لحاظ ينبغي أن يُقاس مقدار الحاجة إلى علم ما والغاية التي تُرتجى منه. فأوّلاً، يجب أن نرى ما هو هدفنا من الفقه، وما هو هدفنا من تحصيل الفلسفة.

  • الهدف من تعلّم علمي الفقه وأصول الفقه

  • إنّ الهدف الوحيد للفقه هو أن يعمل الإنسان بما جاء به النبيّ؛ والعمل بما جاء به النبيّ لا يحتاج إلى فكر وتعقّل! فعلى سبيل المثال، يقول نبيّ الإسلام: إنّ مفطرات الصوم تسعة أو عشرة؛ ومنها إدخال الدخان إلى الحلق.٢ و«إدخال الدخان إلى الحلق» له معنى واضح جدًّا. فحسنًا، لو حقّق إنسان في معنى الدخان، كأن يسأل مثلاً: ما هي حقيقة الدخان؟ وهل يُطلق الدخان على البخار أم لا؟ وما هي أقسام الدخان؟ وممّ يجب أن يتركّب الدخان حتّى يكون مُفطرًا؟ وهل يُطلَق الدخانُ على الدخان الموجود في هذا الزمان والذي هو من الغازات التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان أم لا؟ إنّ مثل هذه التحقيقات العجيبة والغريبة لم تكن موجودة أبدًا في ذلك الزمان، ولا حاجة إليها أيضًا. فالمهمّ هو أن يُنظر إلى المعنى المتعارف والعرفيّ للدخان، وعلى أيّ شيء يطلق العرفُ كلمةَ الدخان.

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: تفسير الميزان، ج ٥، ص ٢۷٦.
    2. راجع: وسائل الشيعة، ج ۱۰، ص ٣۱ و٦٩.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

11
  • أو مثلاً في علم الأصول، جرت تنقيبات دقيقة وعجيبة في أقسام الاستصحاب؛ كتقسيم الاستصحاب إلى القسم الأوّل والثاني والثالث، كما وجّهوا المسائل بشكل عامّ لاحقًا نحو البحث عن الطبيعة والطبيعة المهملة والطبيعة غير المهملة. فلا يوجد أيّ مكان لهذه التحقيقات في الشرع والفقه بتاتًا؛ لأنّ علم الأصول هو مقدّمة لاستنباط الأحكام الفقهيّة، ونرى أنّ العلماء السابقين كانوا يفتون بالاستفادة من كتاب أصوليّ بحجم «معالم الأصول» أو أصول السيّد المرتضى أو أصول المرحوم المحقّق الحلّي. فمثلاً، لم يكُن لدى الشيخ الطوسيّ أصول، بحيث تبلغ مباحث الألفاظ فيها وحدها حجم «مطارح الأنظار»، أو تبلغ مباحثها العقليّة حجم «الرسائل»، وبحيث يوردون كلّ هذه الأدلّة حول باب الانسداد والاستصحاب وتنبيهات الاستصحاب وما شابه ذلك. فالانشغال بمسائل من هذا النوع في الأساس ـ أو كما فعل المرحوم الكمبانيّ من الدخول في المباحث العقليّة وسحب المباحث الأصوليّة إلى المباحث العقليّة ـ قد أوجد عُرفًا لدى الأصوليّين غريبًا تمامًا عن العالَم الخارجيّ؛ وهذا خاطئ وغير لازم بشكل عامّ.۱

  • علّة التأثير السيّئ للتدقيقات الأصوليّة على الاستنباطات الفقهيّة

  • بشكل عامّ وفي الأساس، فإنّ الاستصحاب الذي يطرحه الأصوليّون الآن مختلف تمامًا عن الاستصحاب الذي يُدركه العرف. فقد أصبحت البراءة والاشتغال الموجودان الآن شيئين مختلفين عمّا هما عليه في العرف. فالعرف يفهم شيئًا من الاستصحاب، والأصوليّون يفهمون شيئًا آخر. والعُرف يفهم البراءة بنحو معيّن، لكنّ الأصوليّين يفهمونها بنحو آخر.

  • هل يفهم العُرف أيضًا إجراء الأصول العمليّة بتلك التحقيقات والتدقيقات التي جرت فيها؟! في حين أنّنا إذا نظرنا إلى الأصول العمليّة، نرى أنّها نفس الأصول التي يعمل بها العُرف أيضًا! فهو يعمل بها حقًّا! فمثلاً، إذا جلستم في صحراء، واحتملتم أنّ غرابًا قد جاء إلى ذلك المكان قبلكم، وألقى فضلة هناك، وأنّ فضلته نجسة، أو أنّ حيوانًا نجسًا قد مرّ من هناك، فهل تحتملون هذا أم لا؟ إنّ هذا المورد هو مجرى للحلّ والبراءة والطهارة وما شابه ذلك، سواء كان ذلك في المأكولات أو الملبوسات أو في أيّ شيء آخر؛ في حين أنّ العرف لا يُجري هذه الأصول هنا بتاتًا، ولا يخطر بباله شيء كهذا أبدًا حتّى يُريد إجراء أصل عمليّ هنا، لكنّ الأصوليّين يُجرون أصلاً في كلّ مورد. فمثلاً، قبل الرجوع إلى الأدلّة، يصيغون أصلاً لتحديد مآل المسألة لولا الظفر بالدليل.

    1. مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهّري، مقالة «ده گفتار» (الخُطب العشر)، ج ٢٤، ص ٤٩۱:
      «إن الإفراط في المباحثة وشيوع علم الأصول، وإن كان يورث نوعًا من الاقتدار والنباهة في فكر الطلاب، إلاّ أنّه ينطوي على نقيصة؛ وهي أنّه يُبعد نمط التفكير لديهم عن الرؤية الواقعيّة في المسائل الاجتماعيّة. فنظرًا لعدم دراسة وتدريس المنطق التعقّلي الأرسطيّ بالقدر الكافي، فإنّ المنهج الفكريّ للطلاّب يغلب عليه الطابع الجدليّ والبحثيّ. وهذا هو العامل الأكبر الذي يحول دون تحلّي الطلاب بالرؤية الواقعيّة في المسائل الاجتماعيّة».

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

12
  • أي إنّ الفقه والمبنى الفقهيّ قد تغيّر بشكل عامّ، وشهد تحوّلاً عن حالة مماشاة الناس ومواكبة الدين للناس في محاوراتهم وقوانينهم، وتحوّلت المرتكزات الشرعيّة إلى مجموعة من القوانين التي لا تنفع إلاّ للجلوس في صفّ البحث والدرس.

  • إنّهم يقولون الصدق حقًّا بأنّ هذا الفقه لم ينزل إلى المجتمع بتاتًا، بل هو باقٍ في زاوية الحجرات [الدراسيّة] فحسب! فأنّى يعمل الناس بهذه الاستصحابات! وأنّى يُرتّب الناس أثرًا على هذه الأصول العمليّة! هل جاء النبيّ بهذه المسائل للناس؟! أي: هل كان مراد الإمام الصادق عليه السلام عندما يقول لأحدهم: «لا يَنقُضُ اليقينَ بالشكّ»،۱ هو نفسه (لا تنقض اليقين) الذي تُستخرج منه مائتا صفحة من مباحث الاستصحاب؟! هل هذا هو معناه؟! كلاّ! فلا ذلك الإنسان كان يفهم شيئًا كهذا من هذه الرواية، ولا كانت هذه المسائل مرادة للإمام الصادق عليه السلام.

  • المسألة التي يجب الدقّة فيها هي: يجب أن نُنقّح كلام الشرع في زمان الإلقاء بشكل جيّد؛ لا أن نجلس ونُحقّق هكذا فحسب؛ لأنّه في النهاية، إذا فكّر أيّ إنسان، فستخطر بباله مسألة جديدة، وهذا أمر طبيعيّ. فإذا فكّر طفل في الخامسة من عمره في موضوع ما، فمن الممكن أن تخطر بباله مسألة لا تصل إلى ذهن فرد في الخمسين من عمره؛ ولكن، هل كلّ هذه المسائل صحيحة وسليمة؟! هذا هو مرادنا من الدقّة المبالغ فيها في المسائل الشرعيّة.

  • خلاصة الأمر، لقد ابتدع أهلُ هذا العصر أشكالاً من الفقه، وأصبح كلّ إنسان يأتي، وينفخ نغمة في هذا الطنبور؛٢ ورغم أنّ هذا العمل مخالف للشرع حقًّا ـ وممّا يبعث على الأسف أن يُحرّفوا طريق الناس ويوجّهوا أفكارهم وأذهانهم نحو مسائل هامشيّة ـ إلاّ أنّه جيّد جهة أنّه يفتح الطريق على الأقلّ، ليأتي طرح جديد ينضاف إلى المسائل والتقريرات السابقة.

  • كان المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ يقول: إنّ من جملة الفوائد التي أتت بها هذه الحضارة الجديدة، هي أنّها ألغت قتل الصوفيّة هنا.٣

  • ملاك أرجحيّة التدقيق في المسائل العقليّة والفلسفيّة

  • أمّا في المسائل العقليّة، فكلّما تفكّرتم أكثر، كان ذلك أفضل؛ لأنّ العقل لا يقف عند حدّ. فنحن في مسألة العقل، نُنحّي التقليد والمسائل المنقولة جانبًا، ونُريد أن نرى ما هي النتائج النظريّة التي نصل إليها بأنفسنا من خلال المعطيات التي نحصل عليها من تجاربنا ومشاهداتنا والمقدّمات الأوّلية والبديهيّة؛ ولهذا، فكلّما دقّقنا أكثر هنا، كان ذلك في محلّه.

    1. الكافي، ج ٣، ص ٣٥٢.
    2. عبارة كنائيّة في الثقافة الفارسيّة معادلها في اللغة العربيّة: كُلٌّ يُدْلِي بِدَلْوِهِ. المترجم
    3. مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهّري، مقالة «ده گفتار» (الخُطب العشر)، ج ٢٤، ص ٣۸٤:
      «كان سماحة الأستاذ آية الله العلامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه يقول:
      "إنّ هذه الثورة الدستوريّة، والحريّة، والنزعة الغربيّة، واللادينيّة، واللامبالاة، التي جاءتنا كعطيّة من قِبل الكفّار، أثمرت إلغاء ظاهرة قتل المتصوّفة، وحصول الخطاب العرفانيّ والتوحيديّ على حريّة نسبيّة؛ ولولا ذلك، لشهدتم اليوم أيضًا نفس الاتّهامات وحملات القتل والنهب والتعليق على المشانق تُمارس بحقّ سالكي طريق الله تعالى!"».

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

13
  • في كلّ علم، يجب أن نرى ما هو الهدف المرتجى من هذا العلم، وما هي النتيجة التي تُستخلص منه. فهل يُمكن القول في مسائل الطبّ: إنّه لا حاجة إلى مزيد من المطالعة والتدقيق، وإنّنا نعمل بكلّ ما قرأناه؟ كلاّ، فكلّما فكّرتم أكثر في مسائل الطبّ وجرّبتم أكثر، ستصلون إلى نتائج أفضل؛ فلا يُمكنكم رفض ضرورة التعلّم الأكثر والتجربة الأكثر.

  • ولهذا، وبشكل عامّ، فإنّ المسألة تختلف في موارد كلّ علم وفنّ بحسب حاجة الإنسان إلى هذا العلم، وبحسب الهدف والغاية التي يطلبها الإنسان منه.

  • لزوم الاجتهاد والتتبّع في جميع الروايات العقليّة والأخلاقيّة والفقهيّة

  • والخلاص عمّا يعوقه عن الوصول إلى منزل الرشاد ويوم الميعاد، وذلك هو ما يختصّ من العلوم بتكميل إحدى قوّتيه اللتين هما جهة ذاته ووجهه إلى الحقّ، وجهة إضافته ووجهه إلى الخلق.

  • أي: ويتخلّص ممّا يُعيقه عن الوصول إلى منزل الرشاد ويوم الميعاد. وهذا هو العلم الذي يختصّ من بين العلوم بتكميل إحدى قوّتي الإنسان؛ إحداهما جهة اتّصال الإنسان وتوجّهه نحو الربّ والجانب الروحانيّ فيه، والأخرى جهة ارتباط الإنسان بعالَم الخلق وأحواله وجوارحه، والجانب المتعلّق بالبدن والجانب الخَلقيّ من نفسه.

  • فبسبب هاتين القوّتين، يجب على الإنسان أن يتعلّم علومًا ترتبط ببدنه ومعاشه، وبمعاده أيضًا، لكيلا يتخلّف عن حياة الدنيا هذه، ولا يقع في الخطأ هكذا في الأعمال اليوميّة؛ أي ألاّ تبطل معاملته مثلاً، وألاّ تكون الأعمال التي يقوم بها محرّمة.

  • ولهذا، ترون أنّ الكثير من الفلاسفة والحكماء لم تكن لهم أيّة تحقيقات في المسائل الفقهيّة بتاتًا. وبطبيعة الحال، لا يعني هذا الأمر أنّ علينا أن نعمل هكذا أيضًا؛ كلاّ، بل يجب على الإنسان أن يُصبح مجتهدًا من ناحية الاجتهاد وتحصيل العلوم الدينيّة، وأن يُدقّق في ذلك بقدر استطاعته. أمّا إذا أردتم واقع المسألة، فإنّ أعمال الإنسان تُنجز برسالة (توضيح المسائل) أيضًا! فماذا تريدون من الشرع غير رسالة توضيح المسائل؟ خذ رسالة، واعمل بها في الصلاة والصوم والحجّ وغيرها؛ وما تبقّى من العلوم بعد ذلك هو المعارف فحسب! ولهذا، كان هناك الكثيرون ممّن لا يسعون لأن يستنبطوا الأحكام بأنفسهم حتمًا، بل كانوا يكتفون بهذا المقدار، وهو أن يعرفوا من الناحية العمليّة كيف يجب أن يصلّوا... ثمّ بعد ذلك، يُكرّسون كلّ همّتهم للعلوم العقليّة والمعارف.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

14
  • وبطبيعة الحال، نحن لا نقول بهذا الشكل أيضًا؛ بل نقول: يجب ألاّ يُسلّم الإنسانُ زمام أمره في هذه العلوم الدينيّة بيد إنسان آخر، بل يجب عليه بنفسه أن يعرف ماذا قال الإمام عليه السلام، ولا يوجد فرق بين المعارف والأحكام. فحينما يكون الإمام عليه السلام في مقام الهداية والإرشاد، يجب علينا أن نضع أقدامنا في موضع قدم الإمام. فالإمام لم يُبيّن المعارف الإلهيّة المحضة فحسب، بل بيّن كلّ شيء؛ من الشريعة، ومن أعمال الصلاة، ومن أعمال الحجّ، ومن الأخلاقيّات، ومن التوحيد، ومن الاجتماعيّات... بيّن كلّ شيء! ولهذا، في اعتقاد الحقير الفقير المليء بالتقصير، يجب على طالب العلم على الأقلّ أن يكون مطّلعًا على جميع الكلمات التي قالها الأئمّة عليهم السلام، من النبيّ الأكرم إلى حضرة بقيّة الله.

  • فمثلاً، يجب أن يعرف ماذا قال النبيّ لذلك الإنسان في الغزوة الفلانيّة، حتّى لو كانت كلمة واحدة! فأنا الآن يجب أن أعرف هذه الكلمة الواحدة؛ وإذا لم أعرفها، فأنا ناقص بهذا المقدار. دع عنك المسائل الفقهيّة الآن! أو مثلاً، إذا كان الإمام الصادق يسير مع فلان من مواليه في المكان الفلانيّ، فأسند عليه السلام ظهره إلى شجرة، وقال له الجملة الفلانيّة، فلماذا لا ينبغي لنا أن نطّلع على هذه القضيّة؟! هل كلامه عليه السلام حكمة أم لا؟ هل هو نور أم لا؟ هل هو واقعيّة أم لا؟ فإذا لم نعرف نحن، فمن يجب أن يعرف إذن؟!

  • ولهذا، فإنّ مطالعة دورة واحدة من «بحار الأنوار» على الأقلّ هي من ألزم اللوازم لكلّ فرد من أهل العلم! دع عنك بقيّة المسائل الأخلاقيّة والحكميّة. حينئذٍ، يُمكننا، بالالتفات إلى هذه المسائل، وبالالتفات إلى تلك المعارف والعلوم العقليّة، أن نُقدّم مدرسة شاملة كمعارف إلهيّة.۱ فانظروا إذن كم نحن متأخّرون الآن عن هذه المعارف!

  • عدم التوصّل إلى حقيقة الدين بدون الاتّصال بالغيب

  • إذا قلّدتم حقًّا إنسانًا يضلّ الطريق في مبانيه الفكريّة وهو عالم ظاهريّ، فوا أسفاه عليكم؛ فقد تأخّرتم عن الركب كثيرًا! فالتقليد ليس مزاحًا! وإذا كنتم لا تريدون التقليد أيضًا، فيجب عليكم أن تعرفوا بأنفسكم ماذا قال الإمام وما هو رأيه عليه السلام في هذه القضيّة؛ فلا يكون لكم شأن بالآخرين بتاتًا! يُمكن للإنسان بواسطة ذلك الذوق الفقهيّ وشمّ الفقاهة الذي يحصل له إثر مطالعة الروايات والاتّصال بالغيب أن يصل إلى حقيقة الدين، حتّى لو وقف العالَم كلّه في الطرف المقابل، وكان للجميع رأي آخر!

    1. الميزان، ج ٢، ص ٢٣٤:
      «قوله تعالى: ﴿تِلْك حُدُودُ اللّهِ فلا تعْتدُوها ومنْ يتعدّ حُدُود اللّهِ﴾ إلخ، المشار إليه هي المعارف المذكورة في الآيتين وهي أحكام فقهية مشوبة بمسائل أخلاقية، وأخرى علمية مبتنية على معارف أصلية، والاعتداء والتعدّي‌ هو التجاوز. 
      وربّما استشعر من الآية عدم جواز التفرقة بين الأحكام الفقهية والأصول الأخلاقية، والاقتصار في العمل بمجرد الأحكام الفقهية والجمود على الظواهر والتقشف فيها، فإن في ذلك إبطالا لمصالح التشريع وإماتة لغرض الدين وسعادة الحياة الإنسانية فإن الإسلام كما مر مرارا دين الفعل دون القول، وشريعة العمل دون الفرض، ولم يبلغ المسلمون إلى ما بلغوا من الانحطاط والسقوط إلا بالاقتصار على أجساد الأحكام والإعراض عن روحها وباطن أمرها».

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

15
  • لقد أفتى شريح القاضي: بما أنّ الخروج على الحكومة حرام، وهذه الحكومة هي حكومة إسلاميّة حقّة، وحضرة يزيد بن معاوية هو خليفة النبيّ، فكلّ من يخرج على هذه الحكومة هو مرتدّ، ودم المرتدّ هدر، ويجب دفعه!۱

  • ولهذا، سقوا الإمام الحسين عليه السلام كأس الشهادة!

  • هذه الفتوى صدرت بواسطة نفس علم الفقه هذا الذي يتّخذ في كلّ يوم صورة ووجهًا آخر، ويتلاعبون به! ولهذا، ألا ينبغي للإنسان أن يعرف هذه المسائل لكي يتمكّن من الوقوف في وجه هذه التحريفات والانحرافات؟

  • علم الحكمة هو العلم العقليّ الوحيد المجرّد عن المادّة

  • وتلك هي النظريّة التي بحسب حاقّ جوهر ذاته من دون شركة الإضافة إلى الجسم وانفعالاته.

  • أي: وهذا السير والتمكّن من الاشتغال بالأهمّ وتلك القوّة التي جهة ذاتها متّوجهة نحو الحقّ هي نفس النظريّة التي توجب ـ بحسب حاقّ جوهر ذات الإنسان ـ أن تتجلّى وتتحقّق وتُوجد فيه حقيقة تلك الجهة المتّجهة شطر الحقّ؛ ولكنّها لا تشترك بعد ذلك في الإضافة إلى الجسم وانفعالاته، بل تقتصر على جانبه الربوبيّ فحسب.

  • فللنفس تعلّق بالبدن، ولكنّ روح الإنسان ليست لها شراكة مع الجسم، ولا توجد هناك إضافة إلى الجسم وانفعالاته، بل هناك فقط جهة التجرّد والجوهريّة للنفس التي تتّصل بالربّ، ويكون لازمًا على الإنسان الوصول إليها.

  • وما من علم غير الحكمة الإلهيّة والمعارف الربّانيّة إلاّ والاحتياج إليه بمدخليّة الجسم وقواه ومزاولة البدن وهواه.

  • فللجسم مدخليّة في كلّ علم، حتّى أنّ له مدخليّة في الفقه والرجال أيضًا. فمثلاً، يقولون في علم الرجال: رجال هذا الحديث هم حسن وحسين وما شابه ذلك. إذن، للجسم مدخليّة في علم الرجال. وللجسم مدخليّة في الطبّ وفي أيّ علم تتصوّرونه.

  • وليس من العلوم ما يتكفّل بتكميل جوهر الذات الإنسيّة وإزالة مثالبها ومساويها حين انقطاعها عن الدنيا وما فيها، والرجوع إلى حاقّ حقيقتها، والإقبال بالكلّية إلى بارئها ومنشئها وموجدها ومعطيها، إلاّ العلوم العقليّة المحضة.

  • أي: وليس من العلوم علمٌ يتكفّل بتكميل جوهر ذات الإنسان وإزالة القبائح والرذائل من جوهر ذاته حينما ينقطع عن الدنيا وما فيها، ويرجع إلى حاقّ حقيقته (والتي عبارة عن نفس ذلك الارتباط والمجالسة مع الربّ)، ويُقبل بكلّ وجوده على ربّه ومنشئه وموجده ومعطيه، إلاّ العلوم العقليّة المحضة التي لا يتطرّق إليها أيّ طابع للتقليد.

    1. جواهر الكلام غي سوانح الأيّام (فارسيّ)، السيّد حسن أشرف الواعظين، ج ۱، ص ۸٩: 
      «ورد في إحدى الروايات أنّ مضمون فتوى ذلك الملعون كان على النحو الآتي: "لقد ثَبَتَ وحُقّق عندي أنَّ حسينَ بن عليّ خَرَجَ على إمام المسلمين وأمير المؤمنين يزيدِ بن معاوية، فيجبُ علىٰ كافَّةِ النّاسِ دفعُه وقتلُه"».

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

16
  • وهي العلم بالله وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وكيفيّة صدور الأشياء منه على الوجه الأكمل والنظام الأفضل، وكيفيّة عنايته وعلمه بها وتدبيره إيّاها بلا خلل وقصور وآفة وفتور، وعلم النفس وطريقها إلى الآخرة واتّصالها بالملأ الأعلى وافتراقها عن وثاقها وبعدها عن الهيولى.

  • أي: وهي العلم بالله وصفات الله وملائكته وكتبه ورسله، والعلم بكيفيّة صدور الأشياء والموجودات من الله تعالى على الوجه الأكمل والنظام الأفضل والأعلى، والعلم بكيفيّة عناية الله وعلمه تعالى بهذه الأشياء، وعلمه بكيفيّة تدبير الأشياء بصورة خالية من الخلل والقصور والآفة والضعف والفتور، والعلم بالنفس وطريقها نحو الآخرة واتّصالها بالملأ الأعلى، وكيفيّة انفصال هذه النفس عن القيود والشراك، وكيفيّة إبعادها عن هيولاها؛ أي بدنها.

  • إذ بها يتمّ لها الانطلاق عن مضائق الإمكان، والنجاة عن طوارق الحدثان، والانغماس في بحار الملكوت، والانتظام في سلك سكّان الجبروت؛ فيتخلّص عن أسر الشهوات، والتقلّب في خبط العشوات، والانفعال عن آثار الحركات، وقبول تحكّم دورات السماوات.

  • أي: لأنّه بواسطة هذه العلوم، يتمّ للنفس الانفصال عن مضائق الإمكان وضيقه (لأنّنا من الممكنات)، وينجو الإنسان من النوائب والمكاره التي تعرض له، وينغمس في بحار الملكوت، وينتظم ويسير متوافقًا في سلك سكّان الجبروت؛ فيتخلّص من أسر الشهوات، وينجو من التقلّب في الاشتباهات والعمى والظلمات، ولا ينفعل بعد ذلك تجاه حركات الزمان وتقلّباته، ويخرج من تحكّم دوران السماء والأرض على أيّ منوال.

  • بمعنى أنّه يُصبح صاحب نفس مطمئنّة، ولا يُصاب بالتذبذب بعد ذلك.

  • كنت مرّة في منزل أحد المشايخ المعروفين في طهران؛ وبما أنّه كان صديقًا لأحد الوزراء، فقد كان ابنه يشغل المنصب الفلانيّ في إحدى الدوائر. فرأيته منزعجًا جدًّا. كان ذلك في الأيّام التي قيل فيها إنّه من المقرّر أن يُستبدل الوزير الفلانيّ. كان هذا الرجل منزعجًا، ويضرب يدًا بيد باستمرار، ويقول: «لا أدري ماذا أفعل لفلان؟ يقولون إنّ الوزير سيُستبدل، وسيفقد ابني وظيفته!».

  • انظروا، هذا الرجل الذي يبلغ من العمر خمسة وستّين عامًا على الأقلّ، وقدمُه على حافّة القبر، ينقلب بسبب هذا التغيير في دوران السماء والأرض، ويصعد وينزل! وهؤلاء هم قادة هداية الخلق وزعماؤهم! هؤلاء هم أنفسهم الذين يقولون: «توكّلوا على الله، لتكُن ثقتكم بالله، فالله تعالى هو الرازق، والله تعالى هو الكافل!». وحينئذٍ، نجده ينزعج بسبب استبدال وزير، لأنّ فلانًا سيفقد وظيفته!

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

17
  • منفعة سائر العلوم في ظلّ علم الحكمة والمعارف الإلهيّة

  • وأمّا ما وراءها، فإن كان وسيلة إليها، فهو نافع لأجلها؛ وإن لم يكن وسيلة إليها، كالنحو واللغة والشعر وأنواع العلوم، فهي حرف وصناعات كباقي الحرف والملكات.

  • أي: أمّا ما وراء هذه العلوم العقليّة المحضة؛ فإن كان وسيلة لتحصيل العلوم العقليّة (كعلم المنطق ومقدار من علم الفقه المتعلّق بالعبادات وتزكية النفس وما شابه ذلك)، فهو نافع ومفيد له لكونه وسيلة؛ أمّا إذا لم يكن وسيلة، مثل النحو واللغة والشعر وأنواع العلوم (كعلم النجوم والرياضيات)، فهذه حرف وفنون وصناعات كباقي الحرف والملكات (كالنجارة والخطّ).

  • فنجد أنّ فلانًا شاعر أو نحويّ، ويبحث فيما قاله الفرّاء في المورد الفلانيّ، أو أنّ البصريّين قائلون بهذه المسألة أم أنّ الكوفيّين قائلون بتلك المسألة. وهذا شعر ولغة وما شابه ذلك. فالأفراد الذين يدخلون في هذا المجال ـ كأن يكون أحدهم جيّدًا في النحو مثلاً ـ لا يقبلون برأي أيّ أحد أبدًا، ويظنّ أحدُهم أنّ الدنيا كلّها قد أصبحت «نحوًا»! حسنًا، حفظت بيتين من شعر الفرزدق وثلاثة أبيات للبيد وأربعة لامرئ القيس، فإلى أين ستصل في النهاية؟ إنّه يظنّ أنّ العلم منحصر في النحو فقط!

  • وذلك العالم بعلم اللغة الذي يعرف المشتركات اللفظيّة في اللغات والكنايات وموارد استعمالها وغيرها، يظنُّ أنَّ الأمرَ قد قُضي، وأنّه قد جَمَعَ بين الثريَّا والثرى؛ لأنّه عالم بالمصطلح الفلانيّ! حسنًا، وعلى فرض أنّك حفظت «المنجد» أيضًا، فماذا بعد ذلك؟!

  • علّة احتياج العلوم العقليّة المحضة إلى العبادات القلبيّة والبدنيّة

  • إنّ ما مضى يتعلّق بالفكر والقوى العقلانيّة، ولكن لماذا نحتاج إلى العمل والعبادة القلبيّة والبدنيّة؟

  • وأمّا الحاجة إلى العمل والعبادة القلبيّة والبدنيّة، فلطهارة النفس وزكائها بالأوضاع الشرعيّة والرياضات البدنيّة؛ لئلاّ تتمكّن للنفس بسبب اشتغالها بالبدن ونزوعها إلى شهواته وشوقها إلى مقتضياته هيئة انقهاريّة للبدن وهواه.

  • أي: سببُ الحاجة إلى العمل والعبادات القلبيّة والبدنيّة هو أنّ كلّ هذه العلوم العقليّة المحضة هي لطهارة النفس والبدن وتصفيتهما وتزكيتهما بواسطة القوانين الشرعيّة والرياضات البدنيّة.

  • فليس الأمر أنّه بما أنّ العلوم العقليّة المحضة وحدها هي أعلى العلوم، فإنّنا لا نحتاج إلى شيء آخر؛ كلاّ، بل من أجل تزكية الروح، نحتاج إلى العبادات القلبيّة والبدنيّة والمجاهدات والرياضات الشرعيّة. فهذه محفوظة في محلّها، وتلك محفوظة في محلّها أيضًا؛ وهما مكمّلان لبعضهما البعض.

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

18
  • فما هي علّة حاجة البدن إلى العمل والعبادات، ولماذا يجب أن نروّض البدن؟

  • لكيلا تحصل لهذه النفس المتمرّدة هيئة انقهاريّة ومغلوبيّة بسبب اشتغالها بالبدن (أي الاشتغال بالترفّه الجسديّ وعدم رغبتها في بذل أيّ جهد، ورغبتها في البقاء دائمًا في حالة من الصحّة والسلامة) وميل هذه النفس المتمرّدة وشوقها إلى شهوات البدن ومقتضيات هذا البدن!

  • الهيئة الانقهاريّة تعني الهيئة التي تُقهَر أمام البدن وتقع أسيرة في قيوده، فلا تفهم شيئًا بتاتًا سوى البطن والشهوات، ولا تستطيع أن ترفع رأسها لترى ما يجري في الأعلى. فعندما يغرق إنسان في المادّة والتعلّقات المادّية، يُصبح كلّ همّه وفكره في الأساس هو البطن والشهوات النفسانيّة. عزيزي، هناك ما هو أعلى من المادّة أيضًا! فلا نُطأطئ رؤوسنا كالحيوان لننشغل فقط بهذا الأسفل وبهذه الأمور! ولا نكن هكذا بحيث نقول «يا ربّ!» إلى جانب انشغالاتنا بالعالَم الأدنى، ولكن تبقى عيوننا دائمًا متّجهة نحو هذا وذاك! فهؤلاء هكذا في النهاية!

  • كان أحدهم يقول: «أنا أعمل بكلّ أمر، إلاّ أمر عدم التمتّع۱ فإنّني لا أعمل به!». فقلت: «يا عزيزي، ليس لك من أمرٍ سوى هذا!».

  • فترسخ لها ملكة انقياديّة لمشتهاه، وتمنعها إذا مات البدن عن لذّتها الخاصّة بها من مجاورة المقرّبين ومشاهدة الأمور الجميلة وأنوار القدّيسين، ولا يكون معها البدن فيلهيها كما كان قبل البدن ينسيها.

  • أي: حتّى ترسخ للبدن ملكة انقياديّة تُلبّي كلّ ما يشتهيه البدن. وعندما يموت البدن، تمنع [هذه الملكة] النفسَ من اللذّات التي تختصّ بها ـ ومن جملتها مجاورة المقرّبين ومشاهدة الأمور الجميلة وأنوار القدّيسين ـ ولا تدع النفس تصل إلى هناك. فإذا لم تفعل هذه الأمور، فلن يكون البدن معها بعد ذلك ليُلهيها؛ كما كان البدن قبل الموت يُلهي النفس، ويُنسيها التوجّهَ إلى عالَم التجرّد ومجاورة المقرّبين ومشاهدة الأنوار القدسيّة.

  • فصدر من الرحمة الإلهيّة والشريعة الرحمانيّة الأمر بتطويع القوى الأمّارة للنفس المطمئنّة بالشرائع الدينيّة والسياسات الإلهيّة، رياضة للجسد وهواه ومجاهدة للنفس الآدميّة مع أعداه من قواه، لينخرط معها في سلك التوجّه إلى جناب الحقّ من عالم الزور ومعدن الغرور، ولا يعاوقها، بل يشايعها في مطالبها ويرافقها في مآربها.

    1. المراد به زواج المتعة. المترجم

أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة - لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة

19
  • أي: فصدر من الرحمة الإلهيّة والشريعة الرحمانيّة الأمر بأن يُضرب على رأس قوى النفس الأمّارة، وأن تُطوّع هذه النفس للنفس المطمئنّة بواسطة الأحكام والشرائع الدينيّة والسياسات الإلهيّة؛ وذلك لترويض الجسد ومجاهدة النفس الآدميّة لأعدائها ـ الذين هم قوى هذا البدن ـ حتّى يُدحر هذا البدن، وينخرط ويتواضع مع تلك النفس في سلك التوجّه إلى جناب الحقّ، وينصرف عن عالَم الزور والظلمة والضلال، وألاّ يكون البدن مانعًا للنفس، بل يُرافقها في الأهداف التي تريد الوصول إليها، ويكون رفيقًا لها.

  • فلكيلا يكون الإنسان منقادًا للبدن، ولكيلا تحصل فيه الملكة الانقهاريّة، فإنّ الله تعالى، وبواسطة رحمته ـ لا غضبه ـ قد أمر بالتشريع لكي يُروّض الإنسانُ هذا البدن. فمثلاً، يجب أن ينهض في منتصف الليل ليُصلّي، أو يجب أن يكسر الجليد ليتوضّأ!

  • يجب أن يتجاوز الكثير من المسائل! وإذا لم يتجاوزها الإنسان، سيبقى هكذا في حالة من الخمود؛ ورغم أنّه قد يحمل أحاسيس تجاه ذلك الجانب، إلاّ أنّه لا ينمو، ويبقى هكذا في هذه الحالة، كالشيء الذي يُضرب على رأسه باستمرار.

  • يجب ألاّ يكون هذا البدن متمرّدًا وصاحب قدرة، بل يجب أن يُسحق، ويتواضع، ويرى نفسه مقهورًا أمام إرادة النفس المطمئنّة؛ لا أنّه بمجرّد أن يحدث أيّ شيء، يقف فورًا في مقام المعارضة، ويردع النفس، ويمنع حركتها؛ كأن يقول البدن مثلاً عندما تريد الذهاب للعبادة: «قدماي تُؤلمانني، وظهري يُؤلمني!».

  • وخلاصة الأمر:

  • نازپرورد تنعّم نبرد راه به دوست***عاشقی شیوۀ رندان بلاکش باشد۱
  • [يقول: المترفُ المدلَّلُ لا يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَبِيب، إنّما العِشقُ شأنُ الأحرار المتحلِّلين من الرياء المُتَجَرِّعين لِلبَلاء]

  • النفس تسير في مسار التوجّه إلى الله، والبدن يُريد أن يسحبها نحوه؛ ولكن، يجب على هذه النفس أن تضرب على رأسه، وألاّ تدعه يكون عائقًا، وأن تسحبه في ذلك المسار الذي تريد أن تتحرّك فيه هي؛ لأنّ البدن هو آلة للنفس فحسب، ولا استقلال له.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. ديوان حافظ (قزويني)، الغزل ۱٥٩.