المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم العقائد
العدد التسلسلي1
التوضيح
كيف يدير الإسلام المجتمع؟ وما هي الغاية القصوى من السياسة في الإسلام؟ وما هو المحور الذي قامت عليه أعمال النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم في إدارتهم السياسيّة للمجتمع؟ وكيف انعكس ذلك على علاقتهم مع العدوّ والصديق؟ وما هو السبب الأساس لكلّ المشاكل التي واجهها المسلمون وسيواجهونها في حياتهم الاجتماعيّة؟
هو العليم
محوريّة التوحيد في السياسة الإسلاميّة (۱)
التوحيد في الشدّة والرخاء
بحث منتخب من محاضرات
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني
قدّس الله سرّه
إعداد: الفريق العلمي في موقع مدرسة الوحي
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا و نبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد و على آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
محوريّة التوحيد في الشدّة والرخاء
المطروح في الإسلام والذي بعث عليه النبيّ الأكرم هو أن تتضح للإنسان حقيقة التوحيد في كافّة مراحل الحياة بكلّ صورها، لا أنّ هذه الحقيقة هي فقط في صلاة الجماعة مع النبيّ في مسجده، دون أن تكون عند هجوم الكفّار وانتصارهم وبقاء النبيّ وحيدًا.
اعتراضنا على عمر وأبي بكر وأمثالهما هو أنّهم يقولون: «إن كان الحقّ مع الإسلام والنبيّ فلماذا كان النصر في كثير من الموارد للكفّار والهزيمة للنبيّ؟ لماذا يعِدُ النبيّ بفتح مكّة ولكنّه لا يتمكّن من دخولها بل يصالح؟! ينبغي أن لا يكون النبيّ كذلك! نحن نريد نبيًّا يتحرّك كالآليّات المدرّعة تدمّر كلّ شيء أتت عليه في طريقها وتهلكه، ولا تترك شيئًا وراءها، ولا تنتهي قذائفها، فهذا النبيّ هو الجيّد ونحن نرضى به».۱
النبيّ والإمام ينتصران ويهزمان إظهارًا للتوحيد في سلطان الله
إنّ الله يريد أن يقول: الحكومة لي وحدي. وهذا النبيّ مرّة أجعله يربح ومرّة أجعله يخسر. هذا أمير المؤمنين تارة ينتصر كما في معركة الجمل ومعركة النهروان، وفي معركة صفّين فإنّي أهزم هذا الأمير وأنهي الأمر لصالح معاوية. انظروا! أين تجدون توحيدًا خيرًا من هذا؟ فلو کان لا بدّ أن ـ التفتوا ماذا أريد أن أقول ـ لو كان لا بدّ أن يتحقّق كلّ ما نريد ونصل إلى المبتغى بمجرّد أن دخلنا في طريقٍ محقّ، لدخل الناس كلّهم فيه، ولما شكّ أحد في أحقيّة أمير المؤمنين. من الذي سيشكّ؟ ماذا رأى الناس من أمير المؤمنين فلم يأتوا؟ لقد رأوا! فتارة كان يتّجه هذا الاتّجاه وتارة ذاك، ولم يكن الحال أنّه دائمًا يسير في اتّجاه واحد. فهذا هو أمير المؤمنين وهذا طريقه، ولهذا كانوا يقولون: لا ما دام الأمر كذلك فلنذهب إلى أحد ليس له إلاّ مسير واحد. فلنذهب إلى أبي بكر، فلنذهب إلى عمر، لنذهب إلى معاوية، إلى الموائد الملوّنة، إلى كذا وكذا، فلنذهب إلى ذاك الاتّجاه، وإلاّ فإنّ أمير المؤمنين تارة في هذا الاتّجاه وتارة في ذاك، تارة شدّة وتارة يسر، تارة صحّة وتارة مرض، تارة كذا، هذه هي المسألة وهنا على الإنسان أن لا يضيع هذا الملاك في الشدائد التي تصيبه في الحياة، فإنّ الكون في منهجٍ حقٍّ وموضع حقّ ليس سببًا للنصر ـ النصر الظاهري ـ ليس سببًا للكون في اتّجاه واحد.
فلهذا نرى أنّ هذا النحو من الكلام لا وجود له في كلمات الأئمة: فلنذهب ولنضرب ولنأخذ هذا المكان وسنكون كذا. كلاّ، بل لنذهب أيّها الناس ولنؤدّ وظيفتنا، من الممكن أن نهزم ومن الممكن أن ننتصر، هنا علينا أن نصنع هذا العمل، ومن الممكن أن نهزم ومن الممكن أن ننتصر. هذا مقام العبوديّة الذي لا شيء فيه للعبد من نفسه. ففي يوم من الأيّام يرسله المولى إلى هذا الدار أن اذهب وقم بهذا العمل، وغدًا يرسله المولى إلى دار آخر، أفهل يمكن للعبد أن يقول: لماذا ترسلني في كلّ يوم إلى مكان، أرسلني كلّ يوم إلى نفس المكان؟ یقول: أنت عبد، أقول أوصل هذه الرسالة اليوم إلى هذا المكان، وغدًا أوصلها إلى مكان آخر! ما شأنك أنت بالمكان الذي نرسلك إليه؟! الیوم أعط هذا المال إلى فلان وغدًا تعال وأعط هذا المال... جاء ذاك الرجل واعترض على أمير المؤمنين: يا عليّ! ألك كلّ هذا المال لكي تعطيه لهذا الرجل وهو غير محتاج الآن؟! فقال الإمام أنا أعطي وأنت تبخل؟ أنا أقدر منك على التحديد أم أنت أقدر منّي؟ أنا من يهب فلماذا أنت تبخل؟ فأنا لم أعط من جيبك.
هذه الحكومة هي الحكومة الواقعيّة، وهذا المِلك هو الملك الواقعيّ. فما دام هذا الملك هو الملك الواقعي فإنّ عالم التشريع وعالم الاعتبار يقوم على هذا الأساس. لماذا نحن مكلّفون أن نطيع أوامر الله ونواهيه؟ لماذا؟ لأنّ الله مالكنا. هل أدركتم ما أريد قوله؟۱
محوريّة التوحيد في جميع الأمور الاجتماعيّة والشخصيّة في الإسلام
كافّة أمور حياتنا، الأمور الاجتماعيّة والأمور الشخصيّة كلّها، الأمور السلوكيّة، الأمور العباديّة، والأمور التجاريّة كلّها تندرج تحت محور واحد وتحت قانون واحد في نظام المدارس الإلهيّة والنظام الإسلاميّ، وهذا المحور هو محور التوحيد. فلنتمسّك بهذا المِلاك ـ الذي هو مِلاك التوحيد ـ فلو كان لدينا هذا المِلاك سنحصّل لأنفسنا سعادة الدنيا والآخرة، وكذلك للمجتمع والحضارة. هذا الملاك الذي هو ملاك التوحيد، كلّ المشكلات والمصائب التي تصيب البشريّة الآن والتي ستصيبها ترجع إلى أنّا وضعنا محوريّة التوحيد وأمر التوحيد جانبًا، فهذا يريد أن يصل إلى هذه المنفعة، ولكي يصل إلى ذلك لا بدّ طبعًا أن يزيح جماعة. وفي المقابل ذاك يريد أن يقوم بذلك أيضًا، وطبعًا سيحصل صدام بين هذين الاثنين. في مجال التجارة وفي مجال المعاملات وفي كافّة المجالات. سنتحدّث لاحقًا حول المعاملات وما شابه، والعبادات والأمور الشخصيّة.
محوريّة التوحيد في السياسة
فيما يرتبط بالشؤون السياسيّة، أساس الحركة السياسيّة في المدارس الإلهيّة وأصلها وركيزتها هو أساس التوحيد. لا هذا التوحيد اللفظيّ الذي نقوله نحن الآن، فالجميع يقولونه. بل التوحيد العمليّ التوحيد العملي. أي جعل المحور هو الله، وإخراج الأنا من هذه المحوريّة. نحن نجعل أنفسنا هي المحور، ونجعل الله واسطة لأنفسنا، نجعل الله وسيلة. نجعل الأنبياء وسيلة، نخطئ ثمّ نقول: إنّ فلانًا أيضًا في زمان أمير المؤمنين قد أخطأ. نخطئ ثمّ نقول: لا مشكلة فالإمام أيضًا يخطئ، ليس من الضروريّ أن يكون معصومًا في جميع الأمور. يصدر عنّي عمل خاطئ فأقول: ليس مهمًّا! لا إشكال، في كل العصور كان الأمر كذلك، في زمان رسول الله كان الأمر كذلك، وفي زمان أمير المؤمنين كان كذلك، فلا إشكال.
شواهد من سيرة أمير المؤمنين حول محوريّة التوحيد في السياسة
الموقف من عثمان بن حنيف
سيّدي العزيز! إنّ عثمان بن حنيف حضر مائدة للأغنياء في البصرة فانظروا كيف هاجمه أمير المؤمنين في نهج البلاغة. قام بعمل، لم يأكل مال أحد، ولا سرق مال أحد، ولا زنى، ولا سرق، ولا اتّهم، ولا أزاح أحدًا، ولا أراق ماء وجه أحد هنا أو هناك، ولا كتب كتابًا ضدّ فلان أو فلان. شارك في مجلس أثرياء وتجّار. انظروا ماذا فعل أمير المؤمنين في نهج البلاغة، أنت ممثّلي؟ أنت وكيلي؟ أنت حاكم من قبلي؟ «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟» أأكتفي بأن يقال لي أمير المؤمنين ولكن لا أساعد الناس هنا وهناك، ولا أواسيهم ولا أكون مثلهم؟ أكتفي بهذا؟ لقد قام بعمل واحد.
فرار ابن عبّاس
وعندما رأى عبدُ الله بن عبّاس أنّه لا يحتمل الاستمرار بحياته تحت سيف عدالة أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يمكنه أن يصل إلى مطامعه وأهدافه، فرّ بالأموال التي كان قد اكتسبها في البصرة، وببعض الجواري وذهب إلى مكّة، لماذا؟ لأنّ عليه في ظلّ حكومة أمير المؤمنين هذه أن يقدّم كشفًا مفصّلاً بالحساب، وأنا لا يمكنني أن أقدّمه، فلأنفصل إذن. وكم صادف ذلك من مرّات؟!
الموقف من طلحة والزبير
ففي حكومة أمير المؤمنين المحوريّة هي محوريّة التوحيد. ليس في حكومته مداراة لهذا ولذاك، عندما استلم الحكومة جلس ليلة في بيته يحسب ما في بيت المال ويدبّر شؤونه فجاء طلحة والزبير: يا عليّ! لقد وصلنا الآن إلى الغنيمة، يا عليّ! صبرنا خمسًا وعشرين عامًا ـ فهذا كان كلامهم في النهاية ـ لقد تحمّلنا خمسًا وعشرين سنة حكم عمر وأبي بكر وعثمان، والآن وصلت إلى أيدينا ـ وأمير المؤمنين ليس من أهل ضمير "نا" يدنا لدينا ـ الآن وصلت إلى يدنا، فأعطنا حسابنا، أعطنا حسابنا بعد كلّ هذا، بما أنّها وصلت إلينا. فلو كنّا نحن فماذا نصنع؟ جيّد، أنت سجنت هذه المدّة، فحكومة تركمانستان مثلاً هي لك، وأنت قمت بتوزيع الإعلانات بهذا المقدار فلك هولندا، وأنت مثلاً لك الدانمارك، فأنت قمت بكذا. ففي النهاية تقسّم الغنائم وتحلّ المشكلة وتنتهي، ثمّ نكون أصحابًا أوفياء ولا يحدث أيّ إشكال. لم يكن أمير المؤمنين من أصحاب هذا الكلام.
ـ كيف حالك؟
ـ الحمد لله.
ـ هل لديك أمر ما؟ فهذا هو وقته.
الضربة الأولى التي وجّهها أمير المؤمنين هي أنّه أطفأ المصباح وجاء بمصباح داره.
قالا: يا عليّ لماذا فعلت ذلك؟
قال: هذا المصباح لبيت المال، والآن نحن نتحدّث بكلام خاصّ.
رأيا أنّهما كانا مخطئين في كلاميهما، أخطآ خطأ كبيرًا. لا يمكن التوافق مع عليّ يا سيّدي العزيز! لا يمكن التصالح مع عليّ هذا. لماذا لا يمكن التصالح معه أيّها المسكين؟! لأنّ محوريّة عليّ هي محوريّة التوحيد، وأنت محوريّتك سوى التوحيد. فاجعل أنت محوريّتك التوحيد أيضًا، اجعل محوريّتك التوحيد يجعلْك عليٌّ واليًا، ألم يجعل؟! أو إن لم يرد، فلا مشكلة لا شيء يستحقّ، فلو سألتموني فإنّي أقول لكم إنّ أمير المؤمنين كان في راحة مدّة خمسة وعشرين عامًا، والآن بدأت المشكلات لتوّها. طيلة هذه السنوات الخمس والعشرين لم تكن هناك حرب ولا هجرة. هذه الخلافة حتّى الآن [لم يتذوّق طعمها] وكما يقال فإنّ طعم الخلافة حلو ولذيذ. ينقل أحدهم ـ وذلك في الأزمان السابقة مثلاً ـ فيقول: اتّصلت من مكان إلى آخر، فرأيت أنّ هذا الإنسان [الذي اتّصلت به] مرح جدًّا وظريف فقلت: كيف حالك يا فلان؟
قال: يا سيّد! ألا تعلم كم للرئاسة من لذّة؟! ـ كانا رفيقين حميمين ورفيقي الغار رفيقي الحمّام والبستان، ولكن هذا شيء آخر. ثمّ ماذا يحصل؟ تتغيّر الأحوال وتتبدّل، يبدأ السباب والاتّهام والغيبة والإساءة والضلال والكلام ضد هذا وذاك. ولكنّ أمير المؤمنين ليس كذلك. المحوريّة في المدرسة الإلهيّة هي التوحيد. اجلس في منزلك! وعليّ يرسل إليك أن: يا جناب طلحة! تفضّل أنت إلى ذاك المكان وكن واليًا أو حاكمًا. ألم يرسل مالكًا الأشتر؟ ألم يرسل محمّد بن أبي بكر؟ ألم يرسل غيث بن سعد بن عبادة إلى حكومة مصر؟ لقد أرسلهم. حتّى أولئك الذين كانت لديهم مصلحة وحاجة. فأيّ منهم جاؤوا وقالوا يا عليّ عيّنا في هذا المكان؟ عيّنا في ذاك المكان؟ إن عيّنتنا فقد عيّنتنا وإلا فلا بأس. نتقدّم في هذه الأمور إلى الأمام لكي نرى أنّ الأمر يا سيّدي العزيز ليس بهذه السهولة التي نتصوّرها. هذا الأمر يحتاج إلى أسد ورجل مجرّب. لقد اتّخذتم أمر النفس سخرية؟ اتّخذتم أمر الأهواء سخرية؟ "أنا إن جلست على الأرض لي حال، فإذا جلست على المنبر تتغيّر حالي" أخذتم هذا الكلام سخرية؟ هل الأمر بهذه السهولة؟ هكذا: نعم يا سيّدي نعم تجاوزنا عن النفس، نحن لأجل الله ولأجل التكليف الشرعيّ وللإحساس بالوظيفة وبالمسؤوليّة! لا يمكن هكذا، أنت نفسك تعي والناس أيضًا، ثمّ بعد ذلك تقول: لماذا لا أحد يصغي؟ لماذا لا أحد يصغي إلى كلامي؟ هذا ما لا يمكن. ما هي المحوريّة؟ لا بدّ أن تكون هي التوحيد.۱
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد