8

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

4218
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالورد و الذكر


التوضيح

توضّح هذه المحاضرة المعنى اللغويّ للذكر والورد وارتباطه بالمعنى الاصطلاحي، وتدرس دوره في نقل الإنسان من عالم الكثرة إلى عالم التوحيد بعد بيان خصائص كلّ من العالمين.
وتتعرّض أثناء ذلك إلى أهميّة خدمة الخلق والرفق بهم، وأهميّة التعقّل وعدم التعلّق بالشخصيّات، مستحضرة شواهد من الواقع والتاريخ لكلا الأمرين؛ كأسلوب تعاطي الممرّضات المسيحيّات مع المرضى، وكتعلّق الناس بشخصيّات أمثال طلحة والزبير وعائشة وزوجة النبيّ موسى عليه السلام، وشخصيّتي هتلر وماو الزعيم الصينيّ السابق.
/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

1
  •  

  • هو العليم 

  •  

  • معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۸

  •  

  • ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

2
  •  

  • أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم

  • بسم اللـه الرحمن الرحيم

  • الحمد للـه ربّ العالمين

  • والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

  • ورسول ربّ العالمين

  • أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين 

  •  

  • لا تشغلني عن وردي!

  • تقدّم أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال لعنوان البصريّ:

  • إنّي رَجُلٌ مطلوبٌ، و مَعَ ذلكَ لي أورادٌ في كُلِّ ساعَةٍ مِن آناءِ اللَيلِ و النَّهارِ، فَلا تَشغَلني عَن وِردي وخُذ عَن مالكٍ و اختَلِف إليهِ كَما كُنتَ تَختَلِفُ إليه.۱

  • يقول إنّي رجل مطلوب ومراقب من قبل جهاز الخلافة ويمكن أن يؤدّي الارتباط بي إلى مشكلات لي ولك، كما أنّ لي أورادًا وأذكارًا في كلّ ساعة من ساعات الليل والنهار فلا تشغلني عن وردي، وكما كنت تذهب إلى مالك بن أنس فاذهب إليه الآن أيضاً وتعلّم منه.

  • النقاط المهمّة التي تتضمّنها فقرة "و مَعَ ذلكَ لى أورادٌ فى كُلِّ ساعَةٍ مِن آناءِ اللَيلِ و النَّهارِ"

  • هنا ینبغی الالتفات إلى أمور: 

  • أولاً: ما معنى الذكر والورد أساساً؟

  • ثانيًا: بأيّ نحو يجب الذكر والورد للسالك؟

  • ثالثًا: إلى أيّ حدّ هما مطلوبان ؟ وإلى أيّ مرتبة ومرحلة هما يمدّان السالك؟ وهل يحتاج الإنسان في كلّ أحوال السلوك ومراتبه إلى الذكر أم يمكن أن يستغني عنه في بعض المراتب؟

  • رابعًا وأهمّ من الجميع: أليس الذكر مقدّمة للوصول إلى الكمال؟! فإذا وصل السالك إلى مرحلة الكمال فما حاجته بعد ذلك إلى إعمال هذه المقدّمة؟! فلماذا يقول إنسان كالإمام الصادق عليه السلام الذي هو أكمل من كلّ الكمّل وأتمّ من جميع الذين بلغوا إلى مرتبة التمام والولاية: «لى أورادٌ فى كلِّ ساعةٍ مِن آناءِ الليلِ و النّهار»؟! فما معنى هذه العبارة ولماذا يقوم الإمام بالذكر والوِرد؟!

  • المعنى اللغويّ للوِرد وارتباطه بالمعنى الاصطلاحيّ

  • الورد في اللغة من «مادّة وَرَدَ يَرِدُ ورودًا» بمعنى دخول شيء في شيء آخر، واسم المصدر هو «الوِرد»٢ فلو دخل إنسان في بيت يقولون: «ورد في البيت» . ومن هنا يقال للأذكار التي يوردها الإنسان على لسانه «الورد» حيث يوردها بواسطة التلفّظ أو خلق النفس وإيجادها في عالم الفكر وفي مرتبة القلب وباطن الإنسان وسرّه.٣

    1. بحارالأنوار، ج ١، ص ٢٢٤؛ روح مجرد، ص ١٧٨.
    2. مجمع البحرين، ج ٣، ص ١٥٩.
    3. وبالطبع له مراتب سيأتي بيانها.

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

3
  • وبعبارة أخرى فإنّ للذكر بُعدَ الورود وليس هو محض لقلقة لسان وتحريك له. فعندما يقرأ الإنسان ذكرًا ما، فإنّ هذا الذكر يدخل إلى قلبه ويؤثّر فيه ويغيّر نفسه، وإلا فلا فائدة منه، ولو تلفّظ به بدون توجّه فلا فرق بين تكرار الشعر وذكر "لا إله إلا الله" المبارك؛ فكلّ منهما لقلقة لسان وتحريك للفم.

  • تأثير الذكر وغايته

  • وأمّا الموضوع الآخر فهو: ما تأثير الذكر وكيف يؤدّي إلى تغيّر القلب وسرّ الإنسان وتحوّلهما، وما الهدف والغاية منه؟

  • انغماس الإنسان في عالم الكثرة

  • لا شكّ أنّ كلّ واحد منّا أسير مرتبة من مراتب الكثرة والجهل، وكلّ إنسان يعرف خصوصيّات نفسه وصفاتها خيرًا من معرفة الآخرين به. في حين أنّ عالم التوحيد هو عالم الوحدة وانعدام الألوان وسيطرة اللون الواحد، عالم النور وانعدام الكدورة والظلمة، عالم انعدام الأنانيّة ومحوريّةِ الذات والكثرةِ، عالمُ البهجة والتوحيد وطردِ أيِّ نوع من الحيثيّة والشأنيّة الاستقلاليّة المنتسبة إلى الكثرة، عالم الكمال والبهاء المحض. في حين أنّنا في مرتبة الأنانيّة ومحوريّة الذات والاستقلال وتحصيل المصالح الشخصيّة، وإبعاد المنفعة عن الآخرين، والتكبّر والترفّع، وكلّ ذلك هو في الجهة المقابلة للتوحيد. وبعبارة أخرى، كل ما يمكن أن يلاحظ من حقائق وخصوصيّات التوحيد، يلاحظ ضدّه في عالم الدنيا والكثرة حسب قابليّات الناس. ففي عالم التوحيد كلّ المنافع والآثار مندكّة في ذات واحدة وهي التي تقسّمها.

  • الطريقة التوحيديّة لمولانا في توزيع المال على تلامذته

  • يقال إنّ مولانا أمر تلامذته بالعمل.۱ غاية الأمر أنّه أمرهم بكيفيّة خاصّة هجرت هذه الأيّام بشكل كامل، والإنسان يتعجّب أن كيف يمكن أن تكون أمور كهذه؟! لقد كانوا يعملون وكان كلّ واحد منهم يأتي بما يكسبه حسب طبيعة عمله، ويلقيه على السفرة التي أمام مولانا، فكان مولانا يمزج كلّ الأشياء ببعضها بحيث لا يدرى المقدار الذي جاء به كلّ واحد، ثمّ كان يقسّم ما جُمع عليهم كلاًّ حسب حاجته، فمثلاً كان يعطي قبضة من المال لمن كان عنده خمس من العيال، وأجرة منزل وابن مريض، ويقول له: "هذا لليلتك." وكان يعطي أقلّ لمن كان عنده زوجه وابنان من باب المثال. 

    1. العمل والكسب هو أحد أهمّ الأصول والمباني الأوليّة للسلوك، والله لا يحبّ من يجلس في بيته ويتقاضى أجرًا ولا يخرج للعمل، الله يقول لا بدّ من العمل، أمّا أن يكون لك ربح منه أم لا فهو بيدي ولا ربط له بك. الجلوس في البيت بانتظار راتب هو عمل مخالف للسلوك. 

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

4
  • ومن كان قد عمل ولم يحصل على شيء كان يأتي ويفرغ يديه أمام السفرة ويقول: أنا اليوم لم أحصل على شيء. فكان مولانا يقول: "لا مشكلة أفهل كان من تقصيرك ؟!" ثمّ كان يأخذ مِن كَسْبِ مَن عمِلَ ويعطي هذا الذي لم يحصل على شيء رغم عمله. والخلاصة أنّ مولانا كان يقسّم على هذا المنوال، وفي النهاية كانوا يجمعون السفرة ويعودون إلى منازلهم.

  • التوحيد هو في خدمة الخلق

  • هذا هو التوحيد، لذلك عندما نجد رواية أنّ المؤمن في زمان ظهور حضرة بقيّة الله ـ أرواحنا فداه وعجّل الله فرجه الشريف ـ يمدّ يده في جيب أخيه المؤمن ويأخذ ما يريد۱، فلا نتعجّب. لماذا؟ لأنّ الإمام يحقّق التوحيد في المجتمع، ويطبّق تلك الحقائق التوحيديّة. بناء على ذلك فنحن نخطئ في عملنا، والإمام يقوم بما هو حقّ وصواب، وهذه قضيّة توحيديّة في مسألة خدمة الخلق. 

  • كلّ الناس في عالم التوحيد سواء بالنسبة إلى الحقّ سبحانه وتعالى. وارتباط العالم والعاميّ والجاهل والأميّ والطبيب والمهندس والبقّال والتاجر والمزارع وغيرهم بذات الحقّ متساوٍ، وعلاقتهم بالله حسب اصطلاح أهل المنطق هي على نحو التواطؤ لا التشكيك.٢ وبعبارة أخرى فإنّ العلاقة التي بين الله والنبيّ هي بعينها بينه وبين أيّ إنسان آخر. رغم أنّ النبيّ الأكرم بطيّه للمراتب حصل على توفيق الاستفادة القصوى، ولكن من ناحية العلّة فإنّ الارتباط متواطٍ ومتساوٍ ولا يوجد أيّ اختلاف.

  • بناء على ذلك، فإنّ خدمة الناس وقضاء حوائجهم هي إحدى صفات الله، وإفاضة الله تعالى في عالم الخلق هي إفاضة عامّة لجميع الخلائق، والله تعالى لا يميّز بين الأفراد؛ وذلك لأنّه ليس هناك امتياز في عالم التوحيد، ولا اختلاف إلا بحسب المرتبة التي ارتقى إليها الإنسان واستطاع أن يستفيد أكثر.٣ أمّا في عالم الكثرة فهناك اختلاف، فالناس يقولون: لأنّ فلانًا رفيقي فإنّي أساعده، وبيني وبينه زيارات، أما الآخر فلأنّه ليس رفيقي فلا أزروه ولا أعتني به، ولا أقوم بقضاء حوائجه.

  • الممرّضات المسيحيّات المتفانيات في خدمة المريض هنّ مع أمير المؤمنين عليه السلام

  • قبل مدّة كان لي لقاء مع أحد الأصدقاء الأعزّاء وهو الدكتور سجّادي، فكان ينقل لي قصّة جذّابة للغاية: 

    1. مطلع انوار، ج ٤، ص ٣٦٠. الاختصاص (مفيد) ص ٢٤:
      « ... إذا قامَ القائمُ جائتِ المزايَلَةُ و يأتى الرّجُلُ إلى كيسِ أخيهِ فيَأخذُ حاجتَهُ لا يمنَعُهُ.» (المحقق)
    2. المتواطئ: هو أن يكون المعنى الواحد صادقًا على كثيرين بالسويّة، من غير أن يكون وجود ذلك المعنى في بعض أفراده أولى من وجوده في البعض الآخر ولا أقدم ولا أشدّ. كالإنسان فإنّه موجود في الجاهل والعالم وجميع أفراد الإنسان بالسويّة.
      المشكّك: هو أن يكون وجود بعض أفراد المفهوم أولى أو أقدم أو أشدّ في ذلك المشترك من البعض الآخر كدلالة وصدق مفهوم الوجود والنور على مصاديقهما. (راجع: العلامة الحلّي، الجوهر النضيد، ص ٢۷ ـ ٢۸). 
    3.  سوره حجرات (٤٩) آيه ١٣: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

5
  • سألت المرحوم العلامة يومًا: سيّدي! كنّا نرى في مستشفيات أميركا أنّ الممرّضات يتفانين في خدمة المرضى، وقبل أن يقول المريض شيئًا یسرعن إلى مساعدته على الفور، وقبل أن يطلب شيئًا يلبّون طلبه، ودائمًا يحافظن على رضى المريض عنهنّ من خلال أخلاقهنّ الرفيعة وسلوكهنّ الحسن. أمّا هنا فرغم أنّنا سمّينا أنفسنا شيعة أمير المؤمنين، فإنّي أرى بعيني أنّهنّ يصرخن في وجه المريض أن: "اغرب عن وجهي ونم على سريرك..." وغير ذلك. ومهما طلبت منهنّ أن يحسنّ التعامل مع المريض الذي لا يملك إرادة واختيارًا بسبب مرضه، فإنّهنّ لا يصغين.

  • قال: "إنّ شيعة أمير المؤمنين هم أولئک النصارى لا هؤلاء الذين يدّعون التشيّع!"

  • لم يكن المرحوم الوالد يقول هزلاً! هل من شيعة أمير المؤمنين من يعمل خلاف منهجه عليه السلام؟! إنّه ليس شيعيًّا!

  • أي عندما تتصرّف تلك المرأة الممرّضة المسيحيّة بلطف ومداراة مع المريض المسكين الفاقد للاختيار والقاصر والحادّ الطبع۱ ، فإنّها تكون مظهرًا لاسم الله الرحمن الرحيم، وهي في ذلك الحال قد اقتربت بنفسها من التوحيد وعالم الوحدة والانبساط والسعة. وحيث إنّ صاحب لواء التوحيد هو الوجود المقدّس والمبارك لأمير المؤمنين عليه السلام، فإنّها شاءت أم أبت تكون تحت لوائه وولایته علیه السلام، ويوم القيامة يأتي عليٌّ هذا ويأخذ بيدها.

  • السلوك هو أن يعمل الإنسان وفق ما يراه حقًّا، غاية الأمر أنّ لدينا في هذه الدنيا معايير إذا ذهبنا إلى ذلك العالم ننظر فنجد أنّها تبدّلت هي والحسابات الدنيويّة واختلفت الأمور. وذاك الذي يتّبع الحقّ هو من شيعة عليّ عليه السلام ما دام تابعًا للحقّ ومطبّقًا له عاملاً به.

  • التعقّل أساس حركة شيعة أمير المؤمنين عليه السلام في كلّ خطوة

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام إنّ عليك في كلّ خطوة تخطوها أن تخطوها بالتأمل والتفكّر والتعقّل وسر على أساس ذلك! لا تتّبع الشعارات والضجيج ولا تؤخذ بالأشخاص.٢

  • إذا كان الإنسان مسحورًا لشخصيّة إنسان آخر، فإنّ قواه العقليّة تتلاشى، فهناك الكثير من الناس رغم أنّهم يقومون بأعمال محقّة، ولكنّهم يتّبعون الحقّ لأنّهم مسحورون لشخصيّة ما، وهذا لا فائدة منه. فأن يسحر الإنسان بشخصيّة يعني أن يكون الإنسان في موقع تكون القرارات فيها للأحاسيس بدلاً من القوى العاقلة. وأمير المؤمنين عليه السلام يقول لا فائدة من ذلك.

    1. لأنّه مريض والمريض لا يحتمل التأنيب والتوبيخ.
    2. الأمالى (مفيد) ص ٥؛ ارشاد القلوب، ج ٢، ص ٢٩٦: « إنّ دينَ اللَهِ لا يعرَفُ بالرّجالِ بل بِآيةِ الحقِّ، واعرِفِ الحقَّ تَعرِف أهلَه.»

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

6
  • وحسب الاصطلاح المعاصر يقال لهذا "الكاريزما".۱

  • "الكاريزما" تعني المكانة والشخصيّة الفرديّة التي تأسر الإنسان وتستحوذ عليه بحيث يقوم بما يراد له بغير تعقّل وتفكّر ومن حيث لا يشعر، وهذا لا فائدة منه.

  • أثر التعلّق بالأشخاص في تعطيل العقول (نماذج ماو وهتلر والمطربين)

  • يقال إنّ شخصيّات بعض المطربين الأجانب في مجالس اللهو واللعب تسيطر على الناس بحيث يصبح الكثير من الحاضرين مستعدّين لأن يسلّموا أنفسهم إليهم، ولربّما يُسألون بعد مدّة فيقولون: "نحن لم ندرك شيئًا ولم نكن ملتفتين أصلاً" وهم صادقون فيما يقولون؛ فإنّ شخصيّة هذا المتكلّم والمطرب كانت تجذبهم إليها بغير اختيار منهم، لقد كانوا في حال كهذه.

  • كنت أقرأ في سيرة "ماو" زعيم الصين الأسبق أنّه كان يقضي كلّ ليلة مع فتاة بكر، ولم يكن هذا من باب الإجبار والفرض على الناس، بل إنّ شخصيّته كانت تسيطر عليهنّ بحيث كنّ يأتين إليه بغير اختيار. عندما يرين أنّه زعيم الصين، زعيم دولة تعدّ مليار نسمة، يشعرن أنّهنّ قد عرج بهنّ إلى العرش، وتتعطّل عقولهنّ.

  • هذه المسألة مهمّة جدًّا أن كيف يسلب الإعلام إرادة الإنسان وعقله، حتّى يرى الإنسان نفسه مقهورًا لتلك الشخصيّة، ولا يملك لنفسه في أعماله اختيارًا.

  • وينقل مثل هذا الأمر عن هتلر أيضًا حيث ربّى عددًا من الشبّان المراهقين وغير البالغين تربية جعلتهم يمسكون بالقنابل بأيديهم ويمضون تحت الدبّابات ويدّمرون آليّات جيش الحلفاء. وفي الأيّام الأخيرة للهجوم على مدينة برلين حين أوشك الحلفاء أن يصلوا إلى المبنى الذي فيه هتلر، استطاع بواسطة هؤلاء الفتية غير البالغين أن يصدّ هجومهم لأيّام.

  • فلو فرضنا أنّ فتىً لا يدرك شيئًا قدّم نفسه ومات بين الأسلحة الرشّاشة والبنادق والدبّابات تحت تأثير الإعلاميّ لشخصيّة معيّنة، فهل هذا العمل في حدّ نفسه صحيح؟! وما هي المكانة التي يمكن أن تتصوّر له من الناحية العقليّة؟! هذا العمل لا قيمة له!

  • لدينا في هذا العصر بعض الأنواع من الموسيقى التي إذا بثّت افتقد الإنسان السيطرة على نفسه وأقدم على الهلاك بغير التفات. فلو قمتم بإثارة إنسان بموسيقى مثيرة بحيث قام بعمل، فإنّ عمله هذا لا فائدة منه ولا قيمة له. تمامًا كما لو قمتم بالسيطرة على قوى إنسان ما واختياره بواسطة التنويم المغناطيسي، ثمّ أرسلتموه إلى عمل محرّم؛ وذلك لأنّ عمل الإنسان لا بدّ أن يكون عن عقل واختيار.

    1. كاريزماتيك Charismatic )) كلمة يونانيّة بمعنى الموهبة، وهي اصطلاحًا تعني خصوصيّة من يمتلك قدرة مميزة على القيادة حسب اعتقاده أو اعتقاد الآخرين. ويستعمل هذا الاصطلاح غالبًا في العلوم السياسيّة والاجتماعيّة، لتوصيف القادة الذين يؤثّرون على أتباعهم بشكل عميق ومميّز بالاستفادة من مزاياهم الشخصيّة. (المحقق) 

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

7
  • وأساسًا من الأحكام الواردة في الشرع أنّه في هذه الحالة لا يعاقب المباشر بأيّ وجه من الوجوه، بل المسبّب هو الذي يحكم بالقصاص أو دفع الدية، وبه تتعلّق كافّة الآثار الجزائیّة.۱

  • وكذلك كما نرى الناس عندما يخضعون لتأثير إنسان فتنهمر دموعهم باكين وتغمر الرقّة وجودهم، فيلطمون الرؤوس ويشرعون بالصراخ، فما الفرق بين هذا الإنسان وغيره؟! فأنت إذ صرت على هذه الحال هل وصلت إلى كنه خصوصيّات شخصيّته الباطنيّة؟! أم أنّ عددًا من الناس حدّثوك عنه وصوّروا لك الأمر بنحو مختلف عمّا هو عليه في الواقع فانقلبت أحوالك؟! هذا التحوّل لا جدوى منه، لذلك فإنّه يزول على الفور برؤية حالة أخرى له. 

  • سيطرة العقل على أصحاب الحسين هو سرّ أبديةّ كربلاء

  • لماذا نقول إنّ واقعة كربلاء قدوة وأسوة للجميع، ولا يمكن لأيّة واقعة أخرى أن تحلّ مكانها؟ 

  • لأنّ الجميع من الطفل غير البالغ إلى الشيخ الكبير كمسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر ساروا على أساس الفكر ولم يخضعوا لتأثير شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام، وإلا لما كان هناك أيّة فائدة من عملهم ولا كانت له أيّة قيمة.

  • لقد لقّن الإمام الحسين عليه السلام أصحابه وأهل بيته في يوم عاشوراء الفكر والعقل والاختيار، فحضرة القاسم عليه السلام لم يتقدّم إلى الميدان بالأحاسيس والخضوع للمشاعر، لقد عاش بقلبه وروحه حقيقة الموت ولذّة الموت، ولذلك أجاب سيّد الشهداء عندما سأله: "يا بنيّ كيف الموت عندك؟" فقال: «أحلى مِنَ العَسل‌!» ٢

  • لقد أدرك أصحاب سيّد الشهداء في يوم عاشوراء حقيقة وواقع ولاية ذلك الإمام بكامل وجودهم. وعندما يدرك الإنسان الولاية فهل يمكنه أن يتخلّى عنها؟! لا شكّ أنّه لا يمكنه بعد ذلك أن يتخلّى عنها.٣ إنّ هؤلاء لم يخضعوا للأحاسيس وكانوا ثابتين في معتقدهم بحيث لا يزولون عن أماكنهم ولو زالت الجبال. هذا المنهج هو القيّم. أمّا لو أنّ الإمام الحسين مثلاً أخضعهم للتنويم المغناطيسيّ ليسيطر عليهم وأرسلهم إلى قلب الجيش فلا فائدة من عملهم ذاك.

  • تأثّر الناس بشخصيّة عائشة في معركة الجمل

  • لقد كان أصحاب عائشة العمي خاضعين لتأثير شخصيّتها بحيث كانوا يقدّمون أنفسهم قرابين أمام جَمَلِها، كي لا تموت زوجة النبيّ. وكان يقولون: الويل لنا لقد نزلت زوجة النبيّ إلى الميدان وهي تستغيث! انظروا أيّ نوع من الدعاية والترويج قاموا به.

    1. وذلك لأنّ هذا المباشر هو كالمجنون أو من يقوم أثناء نومه بفعل من الأفعال بغير اختيار منه، كما رأيت بعض الأفراد يمشون أثناء النوم بل حتّى يرتدون ثيابهم ويخرجون من المنزل ثمّ يرجعون وهم لا يشعرون بما صنعوا. ولذلك فإنّ المجانين إذا قاموا بعمل بغير تفريط من أحد فإنّهم لا يحاسبون، ولو أنّ إنسانًا قام أثناء نومه وقتل إنسانًا آخر فإنّه لا دية عليه لأنّه لم يقصّر وتكون الدية على عاقلته* .**
      *إن كانت الجناية خطأ فإنّ الدية ليست على المباشر، بل على العاقلة وهي الأقارب المباشرون من جهة الأب، فإنّهم يدفعون جميعاً الدية حسب قرابتهم من القاتل من جهة مراتب الإرث. (راجع: نور ملكوت القرآن، ج۱، ص ۱٤۰)
      **من لا يحضره الفقيه ج٤، ص ۱۱٤: « عن أبى جعفرٍ عليه السّلام، قالَ: كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السّلامُ يجعلُ جِنايةَ المَعتوهِ على عاقِلتِهِ، خَطَئًا أو عمدًا.»
    2. الهداية الكبرى، ص ٢٠٤ با قدرى اختلاف؛ مدينة المعاجز، ج ٤، ص ٢١٥.
    3. بحر المعارف، ج ٢، ص ٢٤٠:
      « رُوِىَ أنَّ موسى عليهِ السّلامُ قالَ فى مناجاتِهِ:" يا رَبِّ عَجِبتُ مِمَّن يجِدُكَ ثُمَّ يرجِعُ!" فقالَ اللهُ تعالى:" يا موسى، إنّ مَن وَجَدَنى لا يرجِعُ عنّى؛ و ما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا عَنِ الطَّريقِ."»

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

8
  • أولاً: كان مبلّغوهم وأصحاب اللحى الطويلة من الصحابة الكبار؛ كطلحة والزبير اللذين كانا يعدّان من مجاهدي الطراز الأول في صدر الإسلام ولم يكونا من الناس العوام. لقد كان في جيش عائشة أصحاب اللحى البيضاء والعمائم الكبيرة وأصحاب المسابح.

  • ثانيًا: كان طلحة والزبير ركنين أساسيّن في هذه المعركة، وهم يتخيّلون أنّهم شاركوا بهذه المعركة لإحقاق الحقّ وثأرًا لدم عثمان. ومن جهة أخرى قالوا في أنفسهم، علينا أن نجد أحدًا يتقدّمنا، ونستطيع أن نقوم بما نشاء، لذلك فقد أركبوا عائشة ـ المسکینة تعیسة الحظ التي كانت متآمرة في زمان رسول الله وبعد شهادته ـ جملاً وأرسلت الرسائل إلى الناس في المدن المختلفة بعنوان "أنا عائشة أمّ المؤمنين زوجة رسول الله" ۱ وأثارت حماسهم أن "زوجة النبيّ قد نزلت إلى الميدان فاتركوا عليًّا، من هو عليّ إنّه ابن عمّ النبيّ وصهره. فأين ابن عمّ النبيّ من زوجته؟!"

  • إنّ الرسائل التي كانت تكتبها عائشة للناس ـ وبصورة عامّة فإنّ التاريخ بالنسبة إلينا مهمّ جدًّا ـ هي أن انظروا فإنّ عائشة زوجة النبيّ قد جاءت ثأرًا لدم عثمان. وعليّ كيت وكيت." وهذه الرسائل التي كانت ترسلها إلى الناس هي التي خدعتهم وأدّت إلى استغفالهم.

  • لقد اتّهمت عائشة أمير المؤمنين عليه السلام بقتل عثمان. في حين أنّها قالت في حقّ عثمان عندما منعها حقّها من بيت المال ولم يكن يعطيها النصيب الذي يعطيها عمر٢: "اقتلوا نعثلاً٣ فقد كفر."٤

  • والآن أيّتها الخائنة بعد أن أمسك عليّ بزمام الأمر نهضتِ فجأة ثأرًا لدم عثمان، وصرت بما أنّك زوجة النبيّ تتّهمين صهر النبيّ وتحرّضين الناس على الحقّ؟! كلّ ذلك كان للوصول إلى الحياة الدنيا التي هي يومان. فجمعوا الناس خلف عائشة، هؤلاء الناس السفهاء لا يدركون أنّ آية قد نزلت على النبيّ تفيد أنّ عليهم أن يطيعوه هو٥ لا أزواجه، ففي أيّة آية جاء وجوب طاعة أزواجه؟! 

  • التطابق الكامل بين حادثة الجمل وحادثة خروج صفورا على يوشع بن نون وصيّ النبيّ موسى

  • من العجيب جدًّا أنّ ما جرى في حادثة الجمل قد جرى بعينه أيضًا بعد النبيّ موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، حيث خرجت زوجة النبيّ موسى صفورا بنت شعيب على يوشع بن نون وصيّ النبيّ موسى.٦ وجمعت الناس حولها وجهّزت جيشًا وقاتلته، ولمّا انتصر يوشع على صفورا أطلقها في سبيل الله وقال: "حسابك على الله".۷

    1. الجمل، ص ٢٩٩؛ رسالة عايشه إلى أهل المدينة؛ ص ٤٣١؛ رسالة عايشة إلى زيد بن صوحان؛ وقعة الجمل ص ٢٩، رسالة عايشة إلى أمّ سلمة.
    2.  تاريخ يعقوبى، ج ٢، ص ١٧٥.
    3. نعثل بمعنى الرجل الطاعن في السنّ والأحمق وهو اسم رجل يهوديّ في المدينة.
    4.  تاريخ طبرى، ج ٤، ص ٤٥٩.
    5. سوره آل عمران (٣) آيه ١٣٢: (وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
    6. لأنّه بناء على بعض الأخبار، فإنّ هارون وصيّ النبيّ موسى قد توفّي قبله، وقبر النبيّ موسى إلى جانب قبر هارون. (تفسير القمّي، ج۱، ص ۱٦٥).
    7. إثبات الوصيّة، ص ٦٥. 

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

9
  • وحين قال النبيّ: « يكونُ فى هذه الأمّةِ كلُّ ما كان فى بنى إسرائيل، حَذوَ النَّعلِ بالنّعلِ و حَذوَ القُذَّةِ۱ بالقُذّةِ.»٢ فقد كان إشارة إلى قصّة عائشة هذه، أن يا عليّ ستأتي بعدي امرأة وتجمع جيشًا وتقف في مواجهتك.٣ لذا عندما انتصر عليّ على عائشة قال: "وأمّا عائشة فأدركها رأي النساء ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على الله".٤ و٥

  • لقد أحاط هؤلاء بجمل عائشة يقدّمون أنفسهم قرابين. وعندما رأى أمير المؤمنين هذه الأمّة المسكينة التي هي كالأنعام تقدّم أنفسها للموت، رأى أنّ طريق الحلّ في عَقر جَمَلِها، فلمّا عقر الجمل تفرّق الجمع وفرّوا. نعم هذه هي حال العوام، فكامل شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام مع جميع سوابقها، والوصايا والحقائق التي قالها النبيّ عنه قد غابت عن أذهانهم ونُسيَت، وحلّت عائشة مكان تلك الحقائق.

  • الكاريزما هي أكبر آفات السير والسلوك

  • إنّها الكاريزما والتأثّر بالشخصيّة هي التي تغطّي على عقول الجميع، وتسلب منهم العقل والاختيار، وإذا ما سلب العقل فلا يبقى شيء. وعندما تأتي تلك الشخصيّة وتسيطر على شراشر وجود الإنسان، فإنّه يبرّر الحقّ والصدق، كما يبرّر الكذب والافتراء والباطل، وكلّ شيء عنده يقبل التبرير والتأويل. 

  • إنّ أكبر آفات البشر وآفات السير والسلوك هي أن تغفِل شخصيّة ما الإنسانَ. إنّ لكلّ إنسان مرتبة، فإذا رفعتموني عن مرتبتي التي أنا فيها فأنتم المسؤولون عن ذلك، كما أنّكم أنتم في مرتبة معيّنة عليّ أن أقوم بواجبي نحوها وإلا كنت محاسبًا. ولربّما أقوم بعمل مع إنسان يبدو بالنسبة إليه غير مناسب، حينها عليه أن يشخّص بنفسه طريق الحقّ.

  • نعم لا شكّ أنّ الإنسان عليه أن يستفيد من الآخرين من خلال المشورة والمصاحبة والمرافقة، أمّا أن نخضع لتأثير شخصيّةٍ ما، ونقدّم أخطاءها على أنّها صحيحة، فهذا خداع للنفس. لذلك لا بدّ من المحافظة على كلّ شيء في مرتبته، على الإنسان أن لا ينتقد إنسانًا آخر بغير دليل، ولا ينبغي أن يرى باطل إنسان آخر بعين الصواب، كلا الأمرين مجانب للصواب. فالحمل على الصحّة له معناه وصحيح في مكانه، ولكن على الإنسان أن لا يرى الباطل حقًّا؛ لأنّ الباطل باطل، ولا فرق في ذلك بين الناس.

    1. القُذَّةُ: ريشُ السهم، و جمعها قُذَذٌ و قِذَاذ. و قَذَذْتُ السهم أَقُذُّه قذّاً و أَقذذته: جعلت عليه القُذَذ؛ و للسهم ثلاث قُذَذ. (لسان العرب، ج‌٣، ص:٥۰٤)
    2. من لا يحضره الفقيه، ج۱، ص ٢۰٣. 
    3. تفسير العياشى، ج ٢، ص ٧٨:
      « أما و الله لقد عَهِدَ رسولُ الله صلّى الله عليه و آله السّلام و قالَ لى:" يا علىُّ، لتُقاتِلَنَّ الفئةَ الباغِيَةَ و الفِئَةَ النّاكِثَةَ و الفِئَةَ المارِقَةَ."»
    4. الاحتجاح للطبرسي، ج۱، ص ۱٦٩. 
    5. نهج البلاغة، عبدو، ج٢، ص ٤۸: « و أمّا فُلانةُ فأدركَها رأىُ النّساءِ، و ضِغنٌ غَلا فى صَدرِها كَمِرجَلِ القَينِ؛ و لو دُعِيَت لِتَنالَ مِن غَيرى ما أتَت إلَىَّ، لَم تَفعَل. و لَها بَعدُ حُرمَتُها الأولى، و الحِسابُ على اللهِ تعالى.»

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

10
  • خصوصيّات وآثار الحركة في مسير التوحيد

  • أجل للتوحيد خصوصيّات وآثار، ولكن إذا أردنا أن ننظر إلى أنفسنا، نجد أنّنا نسير في الطريق المخالف، عندما نصل إلى منفعة نريدها لأنفسنا، وإذا أريد منّا أن نجعلها للآخرين لا نرضى، فيعلم من ذلك أنّا لم نصل إلى التوحيد.

  • فأنا من باب المثال لم أتزوّج ورفيقي الجالس قربي أيضًا لم يتزوّج، ولكن إذا رأينا امرأة جميلة، أحبّ أن تكون زوجتي. فهل فكّرنا في أنفسنا أنّ من الجيّد أن نقترح الزواج من هذه المرأة العفيفة النجيبة والحسناء ذات تلك الأخلاق والصفات أولاً على رفيقنا؟! إنّ عدم الالتفات إلى ذلك هو خلاف التوحيد. 

  • أو لو طلب منّا فرضًا أن نقسّم مالاً فإنّا ندعو على الدوام أن تكون القرعة باسمنا، في حين أنّ من الممكن أن يكون رفيقنا أشدّ حاجة إليه، ولكنّا لسنا مستعدّين للتخلّي عن هذا المال، فهذا خلاف التوحيد.

  • أو لو كان هناك منصب ومكانة يمكن أن تعطى لي ويمكن أن تعطى لإنسان آخر هو بيننا وبين الله أكثر لياقة منّي لها، ولكنّي لست مستعدًّا لأن أتنازل له عن هذا المنصب، فهذا خلاف التوحيد.

  • فنحن في هذه الحالة والوضعيّة، فهذا جهلنا ومكانتنا في عالم الكثرة وهذا التوحيد وآثار التوحيد.

  • طريق الوصول إلى مرتبة التوحيد

  • والآن كيف يمكن أن نصل إلى هذه المرتبة؟

  • من جهة نرى أنّ الله قد جعل في وجودنا الاستعداد اللازم لرفع هذه النقائص والجهالات، وأرسل الأنبياء والأولياء وأمر بأوامر، فلو كان الإنسان فاقدًا للاستعداد لكان إرسال الرسل والشرائع لغوًا.

  • ومن جهة أخرى عندما نراجع عقلنا نجد أنّ عالم التوحيد عالم عجيب! عالم لا وجود فيه لـ "أنا" و"أنت" والجميع يجلسون على سفرة واحدة وصحن واحد، عالم مليء بالبهاء المطلق، والكمال المطلق، والجمال المطلق والعلم المطلق، في هذه الحالة لا عاقل يقول أنا أستاء من هذا العالم ومزاياه، فلو قال إنسان أنا لا أريد هذا المال الذي هو بكامله حلال وطيّب وطاهر فهو مجنون. كما أنّه لو كان في مكان ما عِلمٌ وكمال عجيب ولم يرده الإنسان فهو مجنون.

معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة

11
  • فإذن من المعلوم أنّ الفطرة تقودنا دائمًا إلى العبوديّة ورفع الحجب وإزالة الأنانيّة وتسوقنا إلى عالم الإطلاق والتوحيد.

  • ميل الإنسان الفطريّ إلى المجتمع التوحيديّ لإمام الزمان

  • إن كنّا سمعنا عن مزايا عصر صاحب الزمان، فسنعتقد حقًّا أنّه لا وجود لـ "أنا" و "أنت" فيه. فالعدالة المطلقة حاكمة، وتتنحّى جانبًا كلّ هذه العلاقات والروابط، فإن تركتم باب منزلكم مفتوحًا وتركتموه شهرًا وجعلتم فيه كافّة جواهر الدنيا، فلا أحد يلتفت إلى هذا المكان، وبناء على رواية لو أنّ أجمل النساء والفتيات وضعت سلّة على رأسها وخرجت من مدينة إلى مدينة لما نظر إليها أحد، ويكون الرفاه والطمأنينة والأمان والعدالة في مستوى لا يمكن تصوّره.۱

  • أفلا تدعو الإنسانَ فطرتُه للوصول إلى مثل هذه الحالة؟! هذا هو العمل الذي يريد أن يقوم به الإمام في سبيل إيجاد التوحيد وتحقيقه. ورغم أنّ هذا الإمام ينشر التوحيد في المجتمع إلى حدّ ما وليس بالتمام والكمال، ولكنّه يجعل الأرض كالجنّة! 

  • وبما أنّ الإنسان يمكنه أن يصل إلى مرحلة ليس فيها أيّ نوع من الأنانيّة والكثرة، وليس فيها إلا تجليّات حضرة الحقّ الذاتيّة، فهل يجلس الإنسان العاقل واضعًا يدًا على أخرى منتظرًا؟ أم أنّه يبحث عن سبيل؟!

  • دوام ذكر الله من عوامل الانتقال من الكثرة إلى الوحدة

  • ماذا على الإنسان أن يصنع لكي يبلغ تلك المرتبة؟ وبأيّة وسيلة يتوسّل؟

  • إنّ ما يقطع الإنسان عن عالم الكثرة ويوصله إلى عالم الوحدة هو أن يذكر دائمًا الحبيب والمطلوب في وجوده حتّى يطرد بذلك ذكرى الكثرة. 

  • منزل٢ دل نیست جای صحبت اغیار٣ *** دیو چو بیرون رود، فرشته درآید٤
  • يقول: ليس منزل القلب مكانًا لحديث الأغيار    ***    فإذا خرجت الشياطين حلّت الملائکة

  • إنّ ذكر الله يبدّل القلب والفكر، ويؤدّي إلى غياب ذكر الكثرة، ويبدّله إلى ذكر الله. 

  • هذا هو الذكر، وهذا معنى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}٥ أمّا أنّ الذكر كيف يؤثّر؟ فهذا ما سنتحدّث عنه في فرصة لاحقة. 

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.

    1.  الخصال، ج ٢، ص ٦٢٦.
    2. خ ل: منظر.
    3.  اضداد.
    4. ديوان حافظ، غزل ١٨٧.
    5. سورة الرعد، الآية ٢۸.