14

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟

هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنة 1427

التاريخ 1427/09/28


التوضيح

لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.

/۱۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ 

  • هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟ 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤٢۷ هـ - الجلسة الرابعة عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ 

  • بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ 

  • و صلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنا ونَبِيِّنا أبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ

  • وعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ 

  • واللَّعنَةُ عَلَى أعدَائِهِم أجمَعِينَ

  •  

  •  

  • «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ وحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيكَ وأنَا واثِقٌ مِن دَليلي بِدَلالَتِكَ وساكِنٌ مِن شَفيعي إلى شَفاعَتِكَ». معرفتي بك يا مولاي هي دليلي إليك، ومحبّتي لك هي شفيعي لديك، وأنا واثقٌ بأنّ دليلي سيدلّني عليك، ومطمئنُّ النفسِ ساكنُ الضميرِ بأنّ شفيعي سيشفع لي عندك.

  • ما هي المعرفة الحقيقية التي تهدي إلى الله؟

  • بيّنّا للرفقاء والأصدقاء أنّ المقصود بالمعرفة في كلام الإمام السجاد عليه السلام هي معرفة ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، لا معرفة الأشياء الأخرى والعلوم الأخرى ـ سواء كانت علومًا مادّية أم غيرها ـ فتلك المدركات والمعلومات لا صلة لها بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته. إنّ ما يهدينا إلى الله تعالى هو معرفتنا بذات الله وكيفيّة وجوده، وكيفيّة بروز الأسماء والصفات من ذاته، وكيفيّة بروز وظهور الآثار الوجوديّة منه، ومعرفة نحو تعلّقنا وارتباطنا بالله تعالى وبمبدأ الوجود، ومآلِنا ومرجعِنا إلى ذلك المبدأ، وكيفيّةِ ورودنا إلى ذلك العالم. هذه هي الأمور التي تهدينا إلى الله تعالى؛ أمّا سائر العلوم، سواء أكانت علومًا ماديّة وعلومًا متفرّقة، أم كانت علومًا عباديّة تتعلّق بالجوارح والتكاليف الظاهريّة كالفقه الاصطلاحي، والعلم بالصلاة والصوم والأعمال الظاهريّة، فهذه لا دخل لها في هذا الأمر إلا قليلاً. فالذين انشغلوا بالعلوم الظاهريّة فحسب، وحرموا أنفسهم من المعارف الإلهيّة المتمثّلة في الفلسفة والعرفان والتفسير وعلوم أهل البيت عليهم السلام ورواياتهم وأحاديثهم الاعتقاديّة، هؤلاء لن يصلوا إلى الهدف ولن يبلغوا المقصود. فعلى كلّ إنسانٍ أن يبحث عن الحقيقة ويطلبها بمقتضى فهمه وسعته الوجوديّة.

  • هل اليأس من الوصول لمعرفة الإمام عليه السلام يبرّر التقاعس؟

  • لا ينبغي أن نقول إننا لا نملك معرفة الإمام السجّاد عليه السلام، ولا سبيل لنا إلى ذلك. كلّا؛ فكلّ إنسانٍ مكلّفٌ بمقدار ما لديه من معرفة. أنتم الجالسون هنا قطعًا مسؤولون بمقدار ما أدركتموه من معرفة للوقائع والحقائق التي لم تكن لديكم من قبل، وهذا المقدار من الأمور التي تعلمونها، لا يعلمها هؤلاء الناس العاديين الذين يسيرون في الأزقة والشوارع. إنّنا مسؤولون بهذا المقدار الذي وُضِعَ بين أيدينا من المعارف والحقائق والواقعيّات على لسان أولياء الله في كتبهم أو بياناتهم، والله سيحاسبنا يوم القيامة بهذا المقدار. لن يقول إنّ أمر العرفان في محلّه، وصلاتك وصومك في محلّهما. فالصلاة والصوم والمعرفة والعرفان كلّها معًا أمرٌ واحد، وكلّها تقع في دائرة واحدة وضمن إطار واحد. لا يُتصوّرنّ أحدٌ أنّ هذه أمور منفصلة، وأنّ لهذه الأحكام الظاهريّة والتكاليف الظاهريّة مكانها الخاص، فأوّلاً نُحاسَب عليها، ثمّ نُسأل عن تلك المعارف، كلّا ليس الأمر هكذا. يقول الله تعالى لقد أقمتُ عليك الحجّة، وأنزلتُ لك الكتاب والبيان، لكنّك أضعتَ رأسمال وجودك واكتفيتَ بهذه الصلاة والصوم، واستفدت هذا المقدار فقط من سعتك الوجوديّة كالبقيّة، وأهدرتَ الباقي، ولم تستفد من سائر قدرات وجودك.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

3
  • مثال السفينة وكيلو السكر: هل نُضيّع طاقاتنا الوجودية؟

  • ضرب أحدهم مثالاً جيّدًا وقد أعجبني فقال: إنّ استفادتنا من العمر الذي وهبنا الله إيّاه ومن رأس المال الذي أعطانا إيّاه في الأمور الظاهريّة الدنيويّة، يشبه تمامًا سفينة حمولتها ثلاثمئة ألف طن. فالسفن مختلفة، من القارب الذي يتّسع لفرد واحد يجدّف فيه، إلى هذه السفن التي تنقل النفط هنا وهناك والتي تصل حمولتها إلى ثلاثمائة ألف طن، وهناك ما حمولته عشرة آلاف طن وخمسة عشر ألف طن. سفينة تسير كأنها بحرٌ في البحر! مثلها كمثل فرد يستأجر سفينة حمولتها ثلاثمائة ألف طن ليحمل عليها كيلوغرامًا واحدًا من السكّر إلى مكانٍ ما. هذا الكيلوغرام من السكّر يمكنك أن تحمله بيدك، ولا حاجة لسفينة. وهو مثالٌ صائب.

  • يعني أنّ رأس المال الذي جعله الله للإنسان، والمقدار الذي نستثمره منه في هذه الدنيا ـ فنصلّي ونصوم ونحجّ وتبقى معرفتنا ومعلوماتنا في هذا المستوى ـ يشبه هذا. افترض أنّ فردًا مهما بلغ من الخبرة في الأمور الظاهريّة، وعرف الروايات القويّة والصحيحة والضعيفة والموثّقة، واستطاع استنباط الأحكام، وعرف أحكام الشكّ في الصلاة وأحكام الدماء الثلاثة، واستطاع استنباط حكم غسل مسّ الميت، ويستنبط ويفتي، ثمّ يحين وقت رحيله من الدنيا، اذهب إليه عند احتضاره وتحدّث معه، كم يعرف عن الله؟ كم يعرف عن أسماء الله وصفاته؟ كيف يتصوّر وجود الله تعالى؟ قد لا يبدو أنّ مستوى معرفته للّه تعالى يفوق الأفهام العاديّة. فماذا حصل إذن؟!

  • هل يمكن للتقنيات الحديثة أو لغير المسلم استنباط الأحكام الفقهيّة؟

  • لو أعطينا هذه الروايات نفسها وهذه الأدلّة نفسها لغير مسلم، ليهوديّ مثلًا، وقلنا له استنبط منها، فسيستنبط الأمر نفسه. ولو تطوّرت هذه الوسائل الحديثة ـ الكمبيوتر وأمثاله ـ قليلاً، وأُعطيت كلّ هذه الإمكانيّات والأحاديث والروايات، وقيل لها: «استخرجي حكم الشكّ بين الثلاث والأربع في الصلاة، أو الشكّ في الطواف، أو الشكّ في الطهارة بعد السعي، وهل يبطل السعي إذا بطل الطواف أم لا؟ أو استخرجي لنا حكم الشكّ في رمي الجمار...إلخ»، فربما نصل إلى نتيجة.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

4
  • ذات مرّة كنّا نذهب إلى درس الخطّ ونتمرّن عليه، وكان أساتذتنا ـ رحمهم الله ـ يعطوننا تمارين، فنذهب في الليل ونحلّ التمارين في الدفتر، وبعد يومين عندما يبدأ الدرس نذهب ونعطيهم ما كتبنا، فنشجّع أحيانًا ونوبّخ أحيانًا أخرى. أحيانًا يقول: «كتبتَ جيّدًا»، وأحيانًا يقول: «ما هذا الذي أحضرته لي؟» فهم كانوا أفضل الأساتذة. الآن، جاؤوا بنفس هذا الخطّ وجعلوه خطًّا في الحاسوب، فلا أحد يكتب. يأتون بذلك الخطّ ويضعونه فوق بعضه: الألف بهذا المقدار والباء بهذا المقدار، فيصبح الخطّ صناعيًّا وحاسوبيًّا، بهذا زالت تلك اللطافة وتلك الجاذبيّة والكيفيّة في التركيب. طبعًا التركيب بيده، ربما يستطيع تركيبه، لكن ليس بتلك الحيويّة والنشاط والنضارة التي يعطيها الخطّاط بروحه للخط عند الكتابة فتظهر في الكلمة وعلى الورق، نعم لم تعد موجودة، فهو جافّ، جامد، لا روح فيه. لو أخذت خطًّا كتبه خطّاط، ثمّ صمّمت مثله بالحاسوب، فإن كان الفرد خبيرًا سيعرف أنّ هذا مركّب ومن انتاج الحاسوب، وأنّ ذاك خطّ يد. الأمر أشبه بالفرق بين السجّاد الآلي والسجّاد اليدوي، فمهما بلغت دقّة الآلة ونسجت السجّاد بنعومة، يبقى السجّاد اليدوي شيئًا آخر، والخبراء يعلمون ذلك.

  • كان المرحوم العلامة ينقل أن شخصًا كان عجيبًا في معرفة السجّاد، فقال: إنّ أحد أقاربنا جاء من أقاربه وعلّمهم نسج السجّاد، فصنعوا سجّادتين صغيرتين، وكانتا ابنتين في العاشرة أو الثانية عشرة من العمر في المنزل، وكان نسجهما ناعمًا جدًا وتحفة. فجاء ذلك الخبير ونظر نظرة وقال: «الأستاذ كان كاشانيًّا، والناسج طهرانيًّا». أمّا نحن فمهما نظرنا لا ندرك. عجيب جدًّا أن يعرف أنّ الأستاذ المشرف على صنع هذه السجّادة كاشانيّ لكنّ ناسجها طهراني! كيف عرف هذا؟! إنّ أهل الفنّ يدركون الدقائق واللطائف، هم يدركون الأمور.

  • هل يشترط الإيمان في الحذاقة العلميّة أو القوة البدنيّة؟

  • حسناً، لو أخذت هذا الفقه نفسه، فهل يختلف عن الطبّ؟ وهل الطبيب مسلمٌ أصلاً؟ لدينا كلّ هؤلاء الأطبّاء من اليهود والنصارى، وكثير من أطبّائنا لا يؤمنون بالله، لكنّهم في الوقت نفسه ماهرون جدًّا، بل قد تفوق مهارتهم مهارة كثير من الأطبّاء المسلمين. في النهاية، هذا الفكر وهذه الحدّة الذهنيّة وهبها الله، والعقل وهبه الله، والموهبة والذاكرة وهبها الله. هذه العلوم أمورٌ يتوصّل إليها العقل البشري في نهاية المطاف ويستفيد منها، وعلى الإنسان أن يطلب دائمًا الأكمل. كم من الناس هم غير مسلمين لكنّ مهارتهم أكثر! كما أنّ هناك أفرادًا غير مسلمين وقوّتهم البدنيّة أعظم. ليس بالضرورة إن كان الإنسان مسلمًا ومؤمنًا أن يكون أقوى. فكثير من الناس كانوا أقوى من أئمتنا عليهم السلام. هؤلاء الأبطال الذين كانوا في ذلك الزمان كانوا أقوى من الإمام السجّاد والإمام الحسن العسكريّ عليهما السلام. ليس كونُه إمامًا سببًا لأن تكون قوّته الظاهريّة أكبر أيضًا، ليس الأمر كذلك. طبعًا القوّة التي كانت لدى رستم دستان ـ سواء أكانت القصّة صحيحة أم كاذبة، فالشاهنامه فيها ألف خرافة وتفاهة ـ من الواضح أنّ كثيرًا من الأعاظم وأولياء الله كالسيّد الحداد رحمه الله أو السيد القاضي رحمه الله لم يكن يستطيع أن يرفع ثقل ثلاثة كيلوغرامات عن الأرض. كلّا، ليس الأمر كذلك.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

5
  • هل الفقه الظاهري حكر على المسلمين؟

  • والمسألة في فقهنا كذلك. أعطِ هذه الروايات لنصرانيّ وقل له: «إنّ هذا الراوي موثّق»، وهو نفسه سينظر في الكتب، سيرى رجال الكشّي، ورجال أبي داوود، وسائر كتب الرجال، سيرى رجال النجاشي، ورجال المامقاني، سينظر في كتب الرجال هذه فيعرف هل هذا الفرد موثوق به أم لا. الآن كلّ هؤلاء المحقّقين والمستشرقين الموجودين، ألا يحقّقون في كتبنا؟ ألا يحقّقون في عرفاننا؟ ألا يحقّقون حول مولانا وحافظ في جامعات الغرب؟ هل هؤلاء مسلمون؟ كلّا. كثيرٌ من الأساتذة اليابانيين والإنجليز والأمريكيين يحقّقون، ويحقّقون جيّدًا، وكثيرٌ منهم محقّقون يفوقون كثيرًا من الذين هنا ويدّعون الفضل والكمال، لكنّهم ليسوا مسلمين أيضًا. هذا أيضًا فنٌّ وحرفة، لا إشكال فيه. فليأتِ هؤلاء وينظروا في هذه الكتب ويميّزوا الروايات الصحيحة والضعيفة، ونعطيهم آيات القرآن أيضًا، ونعطيهم تلك الأمور أيضًا، ليأتوا ويحقّقوا في الأمور المأخوذة من كتب أهل البيت عليهم السلام ومن رجال الشيعة ومن الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام. النتيجة والفتوى التي ستصدر منهم، قارنوها، وانظروا هل تختلف أم لا؟ لو اختلفت، فسيكون الاختلاف واحدًا بالألف، لا فرق يذكر. هذا الفرق موجود عند الجميع. أليس موجودًا بين العلماء أنفسهم؟ هل يفتي مجتهدان بفتوى واحدة؟ هل تجدون مجتهدين اثنين من زمن الشيخ الطوسي إلى الآن اتّحدت جميع فتاواهما؟ لم يتّحد مجتهدان في فتوى واحدة حتى الآن. المفيد اختلف مع الصدوق، والشيخ الطوسي اختلف مع السيّد المرتضى، والعلامة الحلي والشهيد الأول وغيرهم كلّهم يختلفون، وهكذا كان الأمر حتّى الآن، ولا إشكال في ذلك. لماذا؟ لأنّ الأذهان مختلفة، ومستوى المعلومات مختلف، والأدلّة التي بأيدينا مختلفة.

  • حجيّة الروايات بين الأحكام والاعتقادات

  • نعم، لو كان الإمام عليه السلام أمامنا وجلسنا بجانبه وسمعنا من فمه المبارك ـ ومع ذلك لو سمعت آذاننا بشكل صحيح، لا أدري هل هناك أيضًا... لقد ذكرتُ لكم، كنتُ في مجلس بحضور المرحوم العلامة رضوان الله عليه، وكان بعض الرفقاء بجانبي يدوّن كلام العلامة، وكان جيّدًا جدًّا، لكنّي نظرتُ فرأيتُ أنّه يكتب كلام العلامة بشكل خاطئ، فالأذن تسمع خطأ. عندما يركّز الإنسان على شيء واحد يمكنه أن يدركه أفضل ممّا لو شتّت فكره في مكانين، فنظرتُ ورأيتُ أنّه خطأ. فقلتُ له: «هذا خطأ، ستعطيه لاحقًا للناس فيقعون في الخطأ، صحّح هذه». وهذه نقطة مهمّة جدًّا.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

6
  • هذه الروايات التي بأيدينا، نحن مكلّفون بحكم الشرع أن نعمل بها، لكن ليس معلومًا أنّها عين ما قاله الإمام عليه السلام. لو كانت عين ما قاله الإمام عليه السلام، فمن أين جاءت كلّ هذه الاختلافات؟ قد يكون الراوي أخطأ، لكنّنا من الناحية الشرعيّة مكلّفون بالعمل بهذه الروايات، وبمقدار الوثاقة التي لدينا تجاه الراوي، فإنّ هذا المقدار يُلزمنا بالتكليف ويثبت الحجيّة، طبعًا بالنسبة للمسائل الظاهريّة. أمّا بالنسبة للمسائل الاعتقاديّة والمسائل الأصليّة والاعتقادات، فلا يصحّ التمسّك بها، هنا يجب على الإنسان أن يحصّل اليقين، ولا يمكنه العمل بمجرّد رواية راوٍ واحد أو اثنين، ولا حجيّة لها بالنسبة للإنسان، بل يجب أن يكون على يقين من سند الرواية وصحّة عبارتها. أمّا في الأحكام الظاهريّة، فيصحّ، كأحكام الشّك في الصلاة وهذه الأمور... .

  • هل يمكن لغير المؤمن أن يفتي للمسلمين؟

  • حتى الآن لم يفعلوا هذا، ولكن يا حضرة المستشرق، تعال هذه المرّة وانظر في رواياتنا وأفتِ، فهذا عملٌ أيضًا. أنت الذي تتأمّل كثيرًا في كتبنا، تعال وقم بهذا العمل أيضًا. فهو لا يحتاج إلى ولاية، ولا إلى تشيّع، ولا إلى قبول ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ولا إلى الاعتقاد بوجود الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، ولا يحتاج إلى أيّ شيء. فقط يحتاج إلى قليل من العقل والفهم والمعلومات. والحمد للّه الكتب كثيرة، والأقراص المدمجة وهذه الأشياء التي توفّر المعلومات كلّها موجودة، وأغلبها متوفّر لديهم أكثر. حسناً، فلو جاء واحد منهم وفعل هذا، يهوديّ لا يؤمن بالنبيّ صلّى الله عليه وآله ولا بالإمام المهديّ المنتظر عليه السلام ولا بأمير المؤمنين عليه السلام ولا بالإمام السجّاد عليه السلام ولا يعتقد بأحد، وجاء وقال: «أنا أريد أن أفتي للشيعة». سيضحك الجميع. وحين يضحكون يقول: «لماذا تضحكون منّي؟ ماذا ينقصني في إفتاء هذه الفتوى ممّا هو لديكم؟ هل تحتاج الفتوى إلى أن يعتقد الإنسان بالإمام المهدي المنتظر عليه السلام؟ لا حاجة للإعتقاد بالإمام المهديّ المنتظر عليه السلام. هل تحتاج الفتوى إلى أن يعتقد الإنسان بإمامة الإمام الصادق عليه السلام؟» افترض أنّ فردًا يرى الإمام الصادق عليه السلام كأبي حنيفة ـ نعوذ بالله ـ عند أهل السنّة. كيف يأخذ أهل السنّة الآن روايات أبي حنيفة ومالك وهؤلاء ويفتون بها؟ إنّهم يفعلون هذا الآن. لو كان رأي فرد تجاه الإمام الصادق والإمام الباقر عليهما السلام هكذا، فما الفرق؟ الفتوى لا تحتاج إلى ولاية. حينها انظروا إلى أين نحن ذاهبون؟ فهل التفتم إلى ما أريد قوله؟

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

7
  • من لا ولاية له فلا شيء له!

  • من لا ولاية له فلا شيء عنده، كلّ ما يقوله هو خشبٌ وحديدٌ وآجرٌ وتراب. من لم يعرف الإمام والله، لا شيء عنده، والذي لم يعرف الولاية لا شيء عنده. هذا الرجل يأتي بهذه الأمور بعينها، هذه الروايات بعينها، ويُبدي رأيًا، فيقول: «حسنًا، إمامكم الصادق عليه السلام قال هذه الرواية، وأبو بصير رواها، وهي صحيحة، ولا مشكلة فيها». انظروا فترون أنّها لا تختلف أبدًا عن الحكم الذي يُعطى الآن، إذن يمكننا أن نقلّدهم! ألا يمكننا؟ غدًا يصبح مرجعنا يهوديًّا! يصبح نصرانيًا! في أمريكا أو إنجلترا أو أستراليا أو المكان الفلاني، يقول: «هذا هو الحكم، ولا يختلف مقدار شعرة». ألا تقولون إننا نريد أن نصل إلى الأحكام؟ هذه هي الأحكام، لا تختلف مقدار شعرة. خذوا الرسالة العمليّة وطابقوها. ربّما تكون أجمل قليلًا وأكثر أناقة أيضًا، وعلى ما يقال، أكثر جاذبيّة وإثارة، بما أنّنا الآن نتساهل كثيرًا مع الناس ونجاريهم! قرأتُ في مقالة أنّهم قالوا فيها إنّ هذه الموسيقى الحالية مملّة، يجب أن تأتي موسيقى جديدة. هؤلاء السادة أنفسهم! لتكن أفضل ومفرحة أكثر! ما هذا يا سيدي، لقد سئمنا، إنّها مملّة ! الحمد للّه أنّنا رأينا كلّ الأنواع ونراها. هذا هو الفقه الظاهريّ.

  • هل الفلسفة والعرفان حكر على المسلم؟

  • لا تتصوّروا أنّ الأمر يختلف لو أرادوا البحث في الفلسفة أيضًا، فلا فرق. ألا يبحثون الآن في الفلسفة؟ هؤلاء المستشرقون أنفسهم، ألا يبحثون؟ ألم يكن هنري كوربان ـ ذلك المحقّق الفرنسي الذي كانت له حوارات مع المرحوم العلامة الطباطبائي ـ يبحث في هذه المسائل؟ عندما كنتُ أطالع محاورات العلامة الطباطبائي، رأيتُ أنّه كان بالفعل فردًا مطّلعًا على النصوص الإسلاميّة، وكان يطرح أسئلة جيّدة. كان يطرح بعض الأسئلة التي لا أعرف هل كان لدى المرحوم العلامة جوابٌ شافٍ لها أم لا! كنتُ أرى أنّه يطرح أسئلة تستحقّ الجواب. ألم يكن هذا مسيحيًّا؟ لقد درس العرفان، ودرس الفلسفة الإسلاميّة. لكنّ الحديث هو عن مدى استقرار هذه الدراسة في روحه ومقدار ما قرّبته إلى الله؟ وعن مدى ما أوجدته في روحه من معرفة إلهيّة؟ هذا هو المهمّ.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

8
  • من لم يكن في مقام التهذيب وفي مقام السلوك وفي مقام التربية، واقتصر على هذه العلوم المتاحة لنا فلا يمكنه إلا أن يحصّل لقلقة لسان لا أكثر. ثمّ إن مستوى المعرفة يختلف أيضًا حتّى في الأحكام الظاهرية حسب درجة الاطّلاع على العلوم الأخرى، فالذي درس الفلسفة والعرفان واطّلع عليهما، مقدار المعرفة التي يحصلها ـ حتى لو لم يكن مسلمًا ـ في الفقه هو أرفع من المقدار الذي يحصّله من لم يدرسهما، لماذا؟ لأنّ تلك علومٌ تتعلّق بالمعارف الإسلاميّة، وبالمعتقدات الإسلاميّة، وبمعرفة الله تعالى ولو من الناحية الذهنيّة والعقليّة. أمّا هذه العلوم فتتعلّق بالظاهر، وعلى الإنسان أن يعرفها في مقام التكليف. أظنّ أنّ الرفقاء فهموا الأمر وأدركوا أنّ هذا الطريق الذي نسلكه لا يُعلم إلى أين يؤدّي؟

  • ما هو التفقه الحقيقي الذي أراده الإمام الصادق عليه السلام؟

  • فعندما يقول الإمام الصادق عليه السلام: «لَوَدِدتُ أَنَّ أَصحَابِي ضُرِبَت رُؤُوسُهُم بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»۱، فقد صار واضحًا الآن ماذا كان يقصد الإمام الصادق عليه السلام. هل كان يقصد هذا الفقه الظاهري؟! أبدًا. بل كان يقصد معرفة الله تعالى، وكان يقصد معنى الرواية القائلة عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أَوَّلُ العِلمِ مَعرِفَةُ الجَبَّارِ، وآخِرُ العِلمِ تَفويضُ الأمرِ إلَيهِ»٢. فبداية العلم معرفة الله تعالى ونهايته التسليم، أي أن يعرف الإنسان الله ثمّ يفوّض أموره إليه. هذا هو المقصود والمراد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام المتعلّق بالمعارف. وهذا هو مقصود كلام الإمام السجّاد عليه السلام بأنّه لولا وجود أناس في آخر الزمان أهل توحيدٍ يدركون حقيقة الوجود ويفهمون حقيقة التوحيد، لما أنزل الله تعالى سورة التوحيد وآيات سورة الحديد في القرآن، فهي لأولئك٣. يقول الإمام السجاد عليه السلام إنّ هذه ليست لكم الآن، بل هي لأناس يكونون في آخر الزمان. سيأتون ويدركون حقيقة التوحيد، ويتوصّلون إلى واقع عالم الوجود، ويصلون إلى سرّ حقيقة الوجود. أولئك يفهمون معنى الصمديّة، ويميّزون معنى الأحديّة وفرقها عن الواحديّة.

  • من هم أهل التوحيد الذين يفهمون سورة الإخلاص وآيات سورة الحديد؟

  • من الذي يميّز معنى الأحدية والواحدية؟ لا نستخرجه من أحكام الشّك في الصلاة! من الذي يميّزه؟ فردٌ مثل صدر المتألّهين أو من هو أعلى منه. أولئك الذين وصلوا إلى حقيقة الوجود، وآثار الوجود في مقام الانبساط والتعيّنات من خلال البرهان والفلسفة. هؤلاء يفهمون معنى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾٤. هؤلاء يفهمون معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾٥. هؤلاء يمكنهم إدراك الجمع بين الأحدية ولفظ الجلالة "الله" في مقام استجماع الصفات والذات. كيف تتنزّل الذات عن حقيقتها المجرّدة ولا تتخلّى عن تجرّدها؟ كيف تحفظ وحدتها في عين الكثرة، وتجتمع في عين الوحدة مع الكثرة العددية؟ كلّ هذه الكثرات العددية تجتمع، وأولئك أدركوا حقيقة الوجود والموجود، ويمكنهم فهم أنّ مسألة التوحيد هذه وهذه الآيات القرآنيّة الشريفة في أيّ عالم تتحقّق، وفي أيّ عالم تتجلّى هذه الحقائق وتظهر.٦ وإلا فهذه المسائل الظاهريّة كانت موجودة دائمًا وستبقى دائمًا، وتختلف قليلًا؛ هذا يقول صبّ الماء مرّتين وذاك يقول ثلاث مرّات، ونحن نصبّ الماء أربع مرّات ولا إشكال في ذلك. هنا افترض أنّك يجب أن تفعل هذا ولا حاجة لركعة الاحتياط، ونحن نصلّي ركعة احتياطًا أيضًا، فالأمر لا يستدعي تأمّلًا كبيرًا، هذا هو المطلب.

    1. الكافي، ج ۱، ص ٣۱.
    2. غرر الحكم ودرر الكلم، ص ۱٩٥.
    3. لكافي ج۱، ص٩۱: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد قال: قال: سئل عَلِيّ بن الحسين عليه السلام عن التوحيد فقال: إنّ الله عزّ وجلّ علِم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل الله تعالى قل هو الله أحد والآيات مِنْ سورة الحديد إلى قوله وَهُوَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُدُوْرِ، فمَن رام وراء ذلك فقد هلك. راجع حول هذا الحديث شرح دعاء أبي حمزة ۱٤٣۱ ج ٦
    4. سورة الحديد (٥۷) الآية ٣.
    5. سورة الإخلاص (۱۱٢) الآية ۱.
    6. راجع البحث التالي: حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي. بحث منتخب من تفسير الميزان يوضّح حقيقة التوحيد والوحدة العدديّة ومقام الأحديّة والواحدية.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

9
  • لذلك يقول الإمام السجاد‌ عليه السلام «معرفتي بك»، ومقصود الإمام السجاد عليه السلام، هو المعرفة بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته بالمقدار الذي يمنحه الله لكلّ إنسان.

  • العمل على قدر المعرفة

  • نحن قطعًا لا نملك معرفة الإمام السجاد والإمام الباقر وأمير المؤمنين والإمام المهدي المنتظر عليهم السلام ولن نملكها، ولكن أليس علينا مسؤوليّة بمقدار المعرفة التي نلناها بواسطتهم وبفضل لطفهم وكرمهم؟ هذه مسؤوليّة. يقول الله تعالى لنا يوم القيامة: «أنا أعطيتك هذا الفهم، لم تأتِ به من بيت خالتك! هذا الفهم الذي أعطيتك إيّاه، ماذا أحضرتَ في مقابله هنا؟» 

  • فنقول: «يا ربّ، صلّينا لك وصمنا لك». 

  • [فيقول:] «حسنًا، هذا فعله الجميع، ولم تكن لديهم هذه الأمور، وصلّوا وصاموا وفعلوا هذه الأعمال، فماذا فعلتَ أنتَ؟!»

  • لماذا أخرج الإمام السجاد عليه السلام العمل من دائرة العرض على الله؟

  • لذلك جاء الإمام السجاد عليه السلام هنا في مقام العرض والمثول بين يدي الله تعالى، وأخرج العمل من دائرة الطرح أمام الله تعالى. هذا ما يسمّى ارتقاء الروح وارتقاء النفس وارتقاء المدركات. لم يأتِ الإمام عليه السلام ليقول: «يا ربّ، لقد حججتُ ماشيًا، وها أنا أضع حجّي بين يديك». لم يقل هذا. لماذا؟ لأنّ العمل عندما يقوم به الإنسان ـ كما ذكرنا في الليلة الماضية والليالي السابقة ـ ويريد أن يعرضه، فإنّ فيه ألف إشكال. أوّل ما في هذا العمل هو أنّنا نقوم به مقابل عوض، فليس فيه إخلاص.

  • قصّة العالم الذي أراد أن يعرض صيامه وقيامه على الله

  • ذات يوم كنّا في مكان وكان هناك رجل يقول ـ وهو من الأعاظم والمتّقين والصالحين وعالم كبير ـ وكان يريد أن يقول إنّنا لم نفعل شيئًا في الدنيا، فكانت عبارته أنّه لو أُحضِرتُ يوم القيامة بين يدي العدل الإلهي وسُئِلتُ: «ماذا أحضرتَ لنا؟» سأقول فقط هذا: «يا ربّ، لقد صمتُ لك ستّة أشهر في النهار، وسهرتُ الليالي حتى الصباح». أقول هذا فقط، لم أفعل شيئًا، لا درَّستُ ولا طالعتُ ولا بلَّغتُ. فهذه أمورٌ يقوم بها العالِم طوال حياته، ويكون قصده القربة والله تعالى. كان قصده ونيته للّه، وأن يُظهِرَ حالة تواضعه ونظرته لأعماله التي قام بها في الدنيا هي أنّه لا يعتدّ بعمله، وأنّ ما يمكنه أن يعرضه على الله هو أنّه صام النهار ستّة أشهر متواصلة وقام الليل حتّى الصباح. لم نشأ هناك أن نتجاسر ونتجرّأ، لكنّي أردتُ أن أقول له: «لو لم تطرح هذا أيضًا لكان أفضل». ألّا يقول الإنسان هذا أيضًا. لماذا؟ لأنّ هذا العمل الذي يقوم به الإنسان، بأيّة نيّة يقوم به؟ إنّه يقوم به ليخبر الله غدًا عنه، ها! تنشأ مسألة أنّنا نقوم بهذا لنتمكّن من عرضه غدًا. نضع هذه العبادة في كيسنا، ونحتفظ بهذا الثقل في حقيبتنا، ونأخذه معنا كوثيقة وورقة رابحة. والله تعالى يقول: «أولًا قل لي، لو أنّك مرضتَ خلال هذه الأشهر الستّة، فهل كنتَ تستطيع أن تفعل ذلك أم لا؟» انتهى الأمر. «فمن الذي أعطاك السلامة؟ لو أنّك كنتَ تسهر الليل حتى الصباح وأصابك التعب وغلبك النوم، هل كنتَ تستطيع حينها أن تفعل ذلك أم لا؟ من الذي أبقاك مستيقظًا؟ لو أصابك مرضٌ وقال لك الأطبّاء ـ كما قالوا لنا ـ إنّه عليك أن تترك الصيام، فهل كنتَ تستطيع أن تصوم ستّة أشهر أم لا؟ لو حدثت لك مشكلة منعتك من أداء هذه العبادات، ماذا كنتَ ستفعل؟ ولو ولو ولو...» وهكذا، وفجأة يطأطئ الإنسان رأسه ويرى أنّه لا جواب لديه. فالسلامة والإرادة والشوق والصحّة والقدرة والتنبّه، كلّها منه، هو الذي أعطاها، فماذا تريد أن تعرض إذن؟ جاء العرفاء وأراحوا الجميع، قالوا: لا شيء.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

10
  • قصّة سفر الحجّ الأول مع المرحوم العلامة : هل نمنّ على الله بأعمالنا؟

  • كنّا في خدمة المرحوم العلامة، ذكرتُ هذه الواقعة مرّة أو مرّتين، أذكر أنها كانت أوّل سفرة تشرّفت فيها بالحجّ، وكان عمري حوالي سبعة عشر عامًا. جميع الأفراد والأصدقاء الذين كانوا آنذاك رحلوا إلى رحمة الله. ذهبنا إلى المدينة المنوّرة، وكانت الليلة الأولى، فتشرّفنا بزيارة الحرم النبويّ الشريف وعدنا، فوجدناهم يتحدّثون فجلسنا معهم. فسأل أحدهم المرحوم العلامة : «كنّا نتحدّث مع الأصدقاء في الليلة الأولى، وكان النقاش يدور حول هذا الأمر، فقلنا نستفيد منكم، فنحن في النهاية تركنا أعمالنا وحياتنا وأنفقنا مبالغ وابتعدنا عن الزوجة والأولاد (طبعًا كان قد أحضر زوجته معه) وتقلّصت تعلّقاتنا، وهناك صعوبات أمامنا... فأردنا أن نجلس هنا مع الرفقاء ونتحدّث لنرى ماذا نفعل لنتمكّن من الحصول على أفضل نتيجة وفائدة مع وجود هذه النفقات التي بذلناها في مختلف المجالات؟ الآن وقد تشرّفتم بالحضور، نريد أن نستفيد منكم». 

  • فتأمّل المرحوم العلامة دقيقة وضحك ضحكة من تلك الضحكات التي تحمل معاني كثيرة. ثمّ بدأ يتحدّث بهدوء: «حسنًا أيّها الرفقاء، صحيحٌ ما طرحتموه كلّه، فالإنسان أنفق نفقات، أنفقها في سبيل الله، وكان بإمكانه أن يذهب إلى مكان آخر لكنّه جاء للحجّ ليؤدّي تكليفه ويطيع الأمر ويسير نحو ذلك الهدف والمقصد. كلّ هذه الأمور صحيحة، ولكن أنا أيضًا لديّ أسئلة لكم. أخبروني، هذا المقدار الذي أنفقناه للحجّ والسفر، كم هو؟ فلنفرض هذا المبلغ مثلاً. حسنًا، لنحسب النفقات التي أنفقناها طوال عمرنا حتّى الآن على الترفيه والأسفار وهذه الأمور، كم تبلغ؟ ربما لا يصل هذا إلى واحد بالمائة منها. نحن لم نحسب تلك النفقات، والآن جئنا بهذين الألفين أو الثلاثة آلاف التي وضعناها لمكّة وأنفقناها على مكّة والحجّ، فهل هذا رقمٌ أو عددٌ يُعتدّ به أمام تلك النفقات لكي يمنّ به الإنسان على الله؟» ـ هؤلاء كانوا ممّن يسافرون إلى هنا وهناك، وحياتهم لم تكن سيّئة، وكان وضعهم جيّدًا ـ وقال: «كم من النفقات أنفقناها في سبيل الأسفار الباطلة! لو أردنا أن نحسبها، لرأينا أنّ سفر الحجّ هذا لا يُحسب أصلاً، وبالتالي لم ننفق شيئًا هنا. ومن جهة أخرى تقولون إنّنا ابتعدنا عن الزوجة والأولاد. ألم تبتعدوا عن زوجاتكم وأولادكم في أسفاركم التي كنتم تذهبون فيها إلى أوروبا وأماكن أخرى؟ ما الذي حدث الآن حتّى صرتم تتحدّثون عن سفر مكّة وتقولون ابتعدنا عن الزوجة والأولاد، يا لها من مصيبة! بل يحتاج الأمر إلى حظٍّ ليُتاح للإنسان أحيانًا أن يبتعد! طبعًا لكلا الطرفين! الآن ابتعدتَ شهرًا واحدًا وتقضي وقتًا ممتعًا ولا تسمع تذمّرًا! اشتريتَ هذا ولم تشترِ ذاك، وقصّرتَ وزدتَ، وهذه الأمور. حسنًا، ما قيمة هذا الشهر؟ ثمّ تعود إلى مكانك. والآن نأتي ونقول للّه: لقد تركنا الزوجة والأولاد، فيا ويلتاه! يا لها من مصيبة ويا لها من فاجعة! كلّا، هذا كلامٌ لا يليق أن يعرضه الإنسان أمام الله تعالى ».

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

11
  • ثمّ بدأ يعدّد الأمور واحدة تلو الأخرى، ويتحدّث عن الأعمال التي يقوم بها الإنسان والخطوات التي يخطوها، فقال مثلًا: «أنتم تسيرون في السوق من الصباح إلى المساء ولا تحسبون ذلك شيئًا، تذهبون إلى بيت هذا وبيت ذاك، وتستهلكون البنزين، وهذه لا تُحسب، أما الآن فخطوتان من هنا إلى المسجد النبويّ ومن ثمّ العودة، فو أمرٌ عظيم جدًّا يستحقّ أن يأتي به يوم القيامة ويقول: يا ربّ، لقد ذهبنا لزيارة قبر نبيّك صلّى الله عليه وآله من الفندق، وركبنا السيّارة هنا ونزلنا هناك، وسرنا مائة متر أو مائتي متر على الأقدام وذهبنا». عندما بيّن كلّ تلك النقاط والموارد واحدة تلو الأخرى ووضحها وشرحها، اتّضح أنّ مجرّد التفكير في هذا الأمر والبحث فيه هو مشكل. فقالوا: «وماذا نفعل الآن؟» 

  • فقال: «الحلّ هو أن نقول: يا ربّ، نحن لم ننفق مالاً، ولم نتكلّف مشقّة، ولم نبتعد عن الزوجة والأولاد، بل أنتَ مننتَ علينا». 

  • انظروا، هذا من يسمّى عارفًا. «أنتَ مننتَ علينا بأن جئت بنا إلى هنا، إلى المكان الذي تحضر إليه أولياءك، والمكان الذي تحضر إليه أئمّتك عليهم السلام، والمكان الذي تحضر إليه الأنبياء عليهم السلام والأعاظم. فأنتَ مننتَ علينا وجئت بنا إلى هنا دون أن تكون فينا قابليّة مقدار رأس إبرة لدخول هذا الحرم. إذًا نحن فقراء وبائسون ومساكين، وأنتَ صاحب المنّة علينا، وأنتَ تفضّلتَ، وأنتَ أنعمتَ، وأنتَ أعطيتَ. فمن أين لي المال؟ أنتَ أعطيتَ المال، هل جئتُ به من كيس خالتي؟ ما لم تأتِ بذلك الزبون إلى دكّاني ـ ذلك الزبون الذي يمكنه أن يشتري من الدكّان المجاور ـ وما لم تعطني أنتَ القدرة، لم أكن لأستطيع المجيء إلى هنا. يجب أن نقول للّه: نحن لم نفعل شيئًا ونحن فقراء». لا أن تمرّ هذه الفكرة في أذهاننا فقط، بل نؤمن بها، ونقنع أنفسنا بها، ونشعر بها حقًا، أي نجلس ونفكّر، نفكّر قليلًا ولا نخدع أنفسنا. نفس الحساب الذي سيحاسبنا الله به يوم القيامة، فلنحاسب به أنفسنا مبكّرًا. ألن يحاسبنا الله يوم القيامة؟! أنت تقول: «فعلتُ هذه الأعمال»، فيقول: «تفضّل». طبعًا لا نستطيع أن نحاسب مثل الله، لكن بالمقدار الذي نستطيع، لنحاسب أنفسنا بنسبة ثلاثين بالمئة من ذلك الحساب. كم من الأموال أنفقناها ولم نحسبها أصلًا؟ كم من الأماكن ذهبنا إليها ولم نحسبها الآن؟ وكم من المشقّات تحمّلناها في أعمال لا طائل منها ولا نحسبها من عمرنا؟ كم من الأمور تحمّلناها على أنفسنا ولا نأخذها في الاعتبار الآن، لكن بمجرّد أن نهضنا وجئنا إلى هنا نقول: «يا ربّ! نهضنا وقطعنا ألف كيلومتر، فهل الأمر بهذه السهولة لنتخلّص ونعود؟ ما لم تُكتَب لنا وثيقة الجنّة وسند ملكيّة لحوض الكوثر، وثماني طبقات من الجنّة، وجنّة الذات، كلّها باسمنا، فلن نضع أقدامنا خارج مكّة!» يقول الله: «حسنًا، بما أنّ لديك هنا مكتب عقارات وتحاسبنا بحساباته، فنحن أيضًا سنتعامل معك بنفس الطريقة». حينها يجب على المرء أن يلوذ بالفرار! يهرب من ساحة المحشر. «أتتعامل معي بحسابات المكاتب العقارية؟! أتأتي إليّ بهذه الطريقة؟ نحن أيضًا نتقنها. نادِ الملكين اللذين على كتفيك ليأتيا، أنتَ أخرِج هذا الملف وأنتَ ذاك الملف، ملفّ اليمين مغلق! افتح ملفّ اليسار فقط!» يبدأون بفتح ملفّ اليسار، واحدة اثنتان ثلاث... فنقول: «يا ربّ شكرًا! كفى». ذلك الحساب الذي سيُطلَب منّا يوم القيامة، لنحاسب أنفسنا به قدر استطاعتنا.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

12
  • ما الذي نتعلمه من لباس الإحرام؟

  • ثمّ قال المرحوم العلامة: «الذي يأتي إلى هنا يجب أن يأتي عاريًا، يأتي بلا تعلّق، إن أراد أن يحصل على شيء. يأتي خاليًا من المشاغل والمشاكل. لماذا يقولون اخلع ثيابك والبَسْ مِئزَرًا ورِداءً؟ يعني هذا! ليس لديك أيّ شيء، من أنت؟ تلك العمامة يجب أن تخلعها عن رأسك، تلك العمامة كانت لإيران، هنا لا عمامة ولا عباءة، لا بدلة ولا بنطال ولا ساعة، والخاتم اتركه جانبًا، الخاتم الذي يجب أن تلبسه وقت الصلاة وهو مستحبّ طبعًا، إلا إذا كان خاتم زينة، الساعة يمكنك أن تلبسها في يدك في إيران۱ وتُريها للجميع وتخرجها من كمّك ليراها الكلّ! النساء يذهبن إلى هنا وهناك وأوّل ما يخرجن حقائبهنّ ليراها الجميع، والرجال ساعاتهم، وهنّ أساورهنّ! كلٌّ يُظهر شيئًا ما لديه. كلّ هذا لماذا؟ لإيران. عندما تذهب إلى هناك يجب أن تخلع ساعتك وخاتمك وحليّك الذهبية، تخلع ثيابك، ويجب أن تخلع شخصيّتك. هنا لا يستطيع المرء أن يسير في الشارع بلا عمامة، هناك يقولون يجب أن تخلع عمامتك كالبقيّة. سواء أكنتَ مرجع تقليد أم مهندسًا أم طبيبًا، تاجرًا، كاسبًا، فردًا عاديًا، تضع مئزرًا ورداءً على كتفيك والسلام. هنا لا تُقبل هذه الأمور. هناك حيث كان ستّة يمشون عن يمينك وستّة عن يسارك واثنا عشر خلفك! كان ذلك في إيران، عندما تذهب إلى الميقات وتقول: «لبّيك اللّهمّ لبّيك»، تكون أنتَ وحدك ولا شيء عليك، ولو سقط المئزر فيا ويلتاه، رداءٌ على الكتف ومئزرٌ حول الخصر. أنتَ هذا في الميقات، يا سيدي الذي كان لك خدمٌ وحشمٌ هناك، ولك صولات وجولات ولك شخصيّة، وحيثما ذهبتَ لم تذهب وحدك بل لا بدّ أن يرافقك عشرون فردًا، هنا لا وجود لهذه الأمور، أنت وحيدٌ وحيد».

  • هذه الحالة يجب أن يشعر بها الإنسان. هناك، في الميقات، الأمر إجباريّ. يجب أن تكون هذه الحال موجودة. عندما تحضر عند الله، هل تريد أن تأتي بشخصيّتك؟ حجّتك لا تنفع شيئًا! لا فائدة منها أبدًا.

  • قصّة اقتراح تأجيل زيارة السيد البروجردي رحمه الله للإمام الرضا عليه السلام

    1. المقصود لبلدك باعتبار أنّ المخاطبين كانوا من إيران. (م)

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

13
  • كنّا قد ذهبنا مع المرحوم العلامة إلى أصفهان لزيارة فرد قد انتقل إلى رحمة الله، كان من علماء أصفهان. من ضمن الأحاديث التي ذكرها عن السيّد البروجرديّ رحمه الله أنّه عندما جاء السيد البروجرديّ من بروجرد إلى قم ـ كان السيّد البروجردي رحمه الله رجلاً جيّدًا جدًّا ورجلاً عظيمًا، وكان إلى حدٍّ ما مخلصًا لا هوى له، وكانت له حالاته وحساباته، وكان عمله مدروسًا، لديّ في ذهني أمورٌ ونقاطٌ من حياته تدلّ على أنّه كان يحسب حساب أعماله ولا يلقي بنفسه في المهالك، وكان عمله مبرمجًا ـ بعد أن جاء إلى قم، في السنة الأولى أو الثانية، كان ينوي التشرّف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام. ولكن، ويلٌ من هؤلاء المحيطين! إنّهم بلاءٌ على دين الإنسان ودنياه. فاقترح بعض هؤلاء المحيطين على السيّد البروجردي رحمه الله قائلين: «يا سيدنا، لا تتشرّفوا بالزيارة هذا العام». فقال: «ولماذا لا أتشرّف؟» 

  • قالوا: «لأنّ مكانتكم في إيران لم تتأصّل بعد، وشخصيّتكم لم تثبت، وصيت شهرتكم لم ينتشر، وعندما تريدون الذهاب إلى مشهد، يجب أن يستقبل الناس المرجع في المدن ويخرجوا إلى مسافة فرسخين من المدينة ـ شاهرود وسبزوار ومشهد وهذه المدن ـ والآن وضعكم ليس وضعًا تكون فيه شخصيّتكم وموقعيتكم الاجتماعية قد ترسّخت لدى الناس، ومن المحتمل ألّا يستقبلوا كما يجب، لذا اتركوا الزيارة بضع سنوات». 

  • فأجابهم جوابًا جيّدًا فقال: «هل أترك زيارة الإمام الرضا عليه السلام من أجل شخصيّتي؟» 

  • انظروا! مستوى فهمنا بهذا القدر. لأنّ شخصيّتنا لم تتأصّل، فيجب أن لا يكون الإمام الرضا! ليذهب جانبًا! عندما نكتسب الشخصيّة، ما شاء الله! ونصبح عظماء ويذيع صيتنا في العالم، وكلّ مدينة نذهب إليها يخرج لاستقبالنا مليونا نفس، حتى الأطفال الرضّع يخرجونهم، والأغنام والماشية، ولا يبقى شيء، بهذا الوضع نذهب إلى الإمام الرضا عليه السلام، بهذا الوضع نذهب لزيارة الإمام الرضا عليه السلام! حينها تكون هذه الزيارة زيارة، زيارةٌ تأتي فيها الملائكة بالسلام والصلوات. هذا نوعٌ من المعرفة.

  • كيف نزور الإمام الرضا عليه السلام؟

  • معرفة أخرى: قبل سنوات قليلة تشرّفتُ بزيارة حرم الإمام الرضا عليه السلام فرأيتُ فردًا معروفًا من العلماء قادمًا، وكان جمعٌ من الناس يحيطون به، وكان يدخل الحرم بطريقة معيّنة. المشهد الذي رأيته هناك أثّر فيّ كثيرًا؛ كان الناس ـ وظهورهم إلى الإمام عليه السلام ـ يلتقطون له الصور، لا أعرف كيف أدخلوا هذه الأجهزة مع أنّها ممنوعة ظاهرًا! بدأوا بالتقاط الصور، ثمّ ذهب وجلس بجوار ضريح الإمام الرضا عليه السلام في تلك الزاوية، والناس حوله وظهورهم إلى الإمام الرضا عليه السلام! فذهبتُ إلى أحدهم وقلتُ له: «إنّ هذا النوع من الجلوس هنا إهانةٌ للإمام الرضا عليه السلام، فليقوموا ويذهبوا ويجلسوا في مكان آخر». فوصل الكلام إلى مسامعه. 

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

14
  • هذه معرفة، ومعرفة أخرى، معرفة وليّ الله: كلّما دخل الحرم ـ أولًا كان يذهب بين الطلوعين ويقول أذهب وحدي ـ وعندما يدخل... في الزمن السابق، كان السيّد الحداد رحمه الله يطوف حول ضريح الإمام عليه السلام سبعًا مرتين، ثمّ يذهب ويجلس في زاوية لمدّة ساعتين. تلك أيضًا معرفة بالإمام عليه السلام، ومعرفةٌ لا أستطيع أصلًا أن أذكر الأسرار والأمور التي كانت في تلك الأزمان، وقد ذكرتُ لمحة منها للرفقاء، وبالمقدار الذي يعرفه الرفقاء. المعرفة التي كانت لدى المرحوم العلامة تجاه الإمام الرضا عليه السلام، وقصّتها كتبها هو نفسه أيضًا في كتابه والرفقاء طالعوها، ويبدو أنّي أوردتها أيضًا في المجلّد الثاني۱. فذلك أيضًا نوع من المعرفة بالإمام عليه السلام. حسناً، أيّهما أفضل؟ يعني لو قُدِّر لنا أن نزور الإمام الرضا عليه السلام بنحوين، فبأيّهما نذهب؟ لو قُدِّر لنا أن نعرف الإمام بنحوين، فأيٌّ من المعرفتين تنفعنا؟ أيٌّ من هاتين المعرفتين تفيدنا؟ الجواب واضحٌ، والأمر بيّن. هذه المعرفة معرفةٌ تنفع للدنيا، وتلك المعرفة معرفةٌ تنفع للعقبى، بل للدنيا والعقبى معًا، فالعقبى في هذه الدنيا نفسها.

  • لماذا لا عمل للعارف عند الله؟

  • لذا يقول الإمام السجاد عليه السلام: ليس لديّ عملٌ. أيّ عملٍ آتي به لأعرضه وأجعله شفيعًا؟ «يا ربّ، اشفع لي بواسطة عملي هذا!» هذا ما يسمّى عارفًا، الإمام السجاد عليه السلام يسمّى عارفًا. ألم تقرأوا مناجاة العارفين للإمام السجاد عليه السلام؟ اقرأوها حتمًا أيّها الرفقاء! ففي المناجيات الخمس عشرة أسرارٌ قلّما توجد في أدعية الأئمة عليهم السلام، خصوصًا مناجاة المريدين والتائبين والعارفين والمحبّين! يقول الإمام عليه السلام: ليس لديّ عملٌ.

  • أبيات أمير المؤمنين عليه السلام على قبر سلمان رحمه الله: كيف نلقى الكريم؟

  • أمير المؤمنين عليه السلام عندما يأتي إلى المدائن إلى قبر سلمان رحمه الله، بعد دفنه، يخطّ بإصبعه على الأرض هذه الحروف والكلمات، هذان البيتان من الشعر اللذان ترونهما مكتوبين على بعض شواهد القبور يعودان إلى زمن أمير المؤمنين عليه السلام:

  • وَفَدتُ عَلَى الكَريمِ بِغَيرِ زادٍ***مِنَ الحَسَناتِ وَالقَلبِ السَّليمِ 
  • وَحَملُ الزادِ أَقبَحُ كُلِّ شَيءٍ***إِذا كانَ الوُفودُ عَلَى الكَريمِ

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

15
  • لقد وفدتُ على كريمٍ دون زادٍ من العمل ودون قلبٍ سليم، ووفدتُ على فردٍ عظيم، لكن لا أبالي بهذا الأمر. لا أقلق من عدم وجود الزاد والبضاعة لماذا؟ لأنّه كريمٌ، أنظر إليه. حمل الزاد والبضاعة هو أقبح وأبشع عمل يمكن أن يقوم به فردٌ إذا وفد على عظيم. أن يذهب فردٌ ضيفًا عند فردٍ عظيم ويأخذ طعامه معه، أليس هذا أكبر سبٍّ وشتيمة؟ يقول [المضيف]: «ألا يوجد طعامٌ في بيتنا حتى جلبتَ طعامك معك؟» خصوصًا بين العرب الذين يعدّون هذا قبيحًا جدًّا وإهانة قد تؤدّي إلى مشاكل. ألا يمسّنا الأمر لو دعونا فردًا وجاء بطعامه معه؟ فكيف إذا كان ذلك الفرد هو الله تعالى؟ يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لقد وفدنا على الله، تركنا الدنيا خلفنا، جاءت الملائكة وأخذتنا إلى الله، أوفدونا وأدخلونا، وحينها نقول للّه: يا ربّ، لقد جئنا بالزاد والبضاعة معنا، وجئنا بأعمالنا لنعرضها عليك!» أليس هذا قبيحًا وشنيعًا؟ هذا الكلام الذي يكتبه أمير المؤمنين عليه السلام هنا على قبر سلمان رحمه الله ـ وهل نعرف من هو أعلى منزلة من سلمان ؟! ـ إنّ الإمام عليه السلام يكتب هذه الأمور على قبر سلمان لأنّ سلمان نفسه كان يحمل هذه الحالة. أمّا لو جاء الإمام عليه السلام فوق قبرنا فلن يكتب هذا، سيكتب شيئًا آخر، سيقول: «جئنا بزادٍ من الأنانيّة والشخصيّة والفرعونيّة والكثرة والغرق في التخيّلات والأوهام، جئنا إلى هنا، وسفينةٌ واحدةٌ لا تستطيع حمل هذا الزاد الذي معنا». ذاك كان سلمان الذي كتب أمير المؤمنين عليه السلام على قبره هذا، لأنّه هو نفسه في حاله ذهب بلا زاد. سلمان عندما ذهب لم يكن لديه زادٌ ولا بضاعة. وأمير المؤمنين عليه السلام ينظر إلى حال سلمان ويكتب هذين البيتين من الشعر. هذه هي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، هذه من أسس ومباني هذه المدرسة. مدرسة أمير المؤمنين والإمام السجاد والإمام الصادق عليهم السلام.

  • كيف نتعامل مع الله: بمنطق الحقوق أم بمنطق الأدب؟

  • خلاصة الكلام أن لا تعتدّ بعملك. يريد الإنسان أن يعتدّ بعمله! عجيبٌ جدًّا! هذا الأمر عجيبٌ جدًّا. لو قاس الإنسان هذا الأمر على نفسه ،مثلاً لو أراد أن يستأجر عاملاً ليعمل في منزله، فما هو مقصوده من هذا الاستئجار؟ مقصوده أن يكون هذا العامل مطيعًا وأمينًا وصادقًا، ويعمل بما يقوله وأنّ لا يتعدّى حدوده. حسنًا، لو أنّ هذا العامل الذي استأجرته قال: « هل تعلم من استأجرتَ؟» يقول: «استأجرتَ فردًا تلقّى دعوى من ألف مكان ولم يذهب! وقبل بدعوتك أنت!» 

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

16
  • فتقول: «يا إلهي، هذا لم يأتِ بعد وبدأ يضع لنا شروطًا». 

  • ـ «هل تعلم من استأجرتَ؟ عاملاً لديه الشهادة الفلانيّة من المكان الفلاني! وله الشخصيّة الفلانية بل ومعروفٌ بين الناس بهذا!» 

  • فتقول له: «يا هذا، قم واذهب إلى المكان نفسه الذي أخذت منه تلك الشهادة، حيث أصدقاؤك. أردنا أن نأتي بفردٍ نأمره، ولم نكن نعلم أنّنا جئنا بآمر وأصبحنا نحن المأمورين!». حسناً، يأتي عامل مؤدّب، ويعرف كيف يتكلّم، نقول له: « من أنت؟» 

  • يقول: «أنا أطيع كلّ ما تقوله، ولا أسمع لكلامٍ غير كلامك». 

  • نقول: «يا للعجب! كم هذا الإنسان فهيمٌ ومؤدّب». بمجرّد أن يقول هذا الكلام، تستقرّ محبّته في قلب الإنسان. أمّا الأوّل فلا، حتى لو افترضنا أنّ الأوّل كان يمتلك هذه الصفات ولم يكن يكذب، لكن الحديث هو كيف يجب أن يفكّر الإنسان عندما يكون في مثل هذا الموقف؟

  • عندما تذهب لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، هل تقول: «يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله، هل تعلم من الذي يقرأ زيارة أمين الله؟ هل تعلم أم أخبرك أنا؟ لقد قطعتُ مائة وخمسين كيلومترًا، وتركتُ الزوجة والأولاد، وأنا كذا وكذا، ولديّ الوضع الفلاني...!» 

  • فيقول الإمام عليه السلام: «قم واذهب ودع الهواء يصبح أنقى قليلًا». 

  • أو أنّ الإنسان يذهب ويقف أمام الضريح ويطأطئ رأسه ويرى نفسه صفرًا أمام الإمام حقًّا. ليس كذبًا! أليس مخجلًا حقًّا أن يعتدّ الإنسان بعلمه أمام الإمام؟ ألا يخجل منه حقًّا؟ أن يريد الإنسان أن يحسب لشخصيّته حسابًا أمام شخصيّة الإمام، ألا يخجل حقًّا؟ الإمام الرضا عليه السلام يضحك منّا ويقول: «انظروا! إلى أين وصل الزمان، هذا التافه جاء أمامنا يقرأ زيارة أمين الله، ويمنّ علينا بعلمه، ويمنّ علينا بشخصيّته، ويمنّ علينا بماله ومكانته، آه؟» ألا يضحك؟! كيف نذهب حقًّا لزيارة الإمام، وكيف نذهب إلى محضر الله، وكيف نقف أمام الله؟ كيف نعرض أنفسنا عندما نصلّي؟ نصل إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي كتبه على قبر سلمان رحمه الله، وكلّ الأئمة عليهم السلام، كم من القصص والحكايات التي لدينا عن الإمام السجّاد عليه السلام، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، عن الإمام الرضا عليه السلام، عن الإمام الحسن عليه السلام. اقرأوا دعاء يوم عرفة للإمام الحسين عليه السلام، حقًّا الإمام عليه السلام هناك من بداية دعاء عرفة «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي لَيسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ...» إلى آخر الدعاء يقول: «أنا لستُ شيئًا، أنا صفرٌ، لا أملك شيئًا، أنا فقير، وأنتَ أعطيتَ، أنتَ جئت بي إلى هذه الدنيا، أنتَ كبّرتني، وأنتَ علّمتني، أنتَ جعلتَ الناس يحبّونني، وألقيتَ محبّتي في قلوب الناس، وأنتَ أزلتَ الموانع». الأئمة عليهم السلام يقولون لنا هذا ويعلّموننا. فأين نسير؟ وفي أيّ وادٍ نتحرّك؟ وإلى أيّ شيء ندعو الناس؟ هل هذه مدرسة الأئمة عليهم السلام؟ مدرسة الأئمة عليهم السلام هي مدرسة الفقر، مدرسة الفقر ومدرسة العدم، مدرسة تفويض كلّ الأمور إلى صاحبها الأصلي، تفويض كلّ شيء وتسليم كلّ الإمكانيات وكلّ الودائع إلى صاحب الوديعة الأصلي، يسلّمون كلّ شيء إليه.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

17
  • ما الذي يبقى للعارف ليعرضه أمام الله؟

  • عندما يكون لا جمال ولا علم ولا مال ولا شأن ولا شخصيّة عندي، فماذا لديّ إذن؟ لا شيء! حينها تصبح سلمان، تصبح لا شيء! عندما أصبح لا شيء، يأتي أمير المؤمنين عليه السلام فوق قبري ويكتب هذا: 

  • «وفَدتُ على الكريمِ بغيرِ زادٍ***من الحسناتِ والقلبِ السليمِ». 
  • لم آتِ بحسنة ولا بقلبٍ سليم؛ الحسنات هي الأمور الظاهرة، والقلب السليم يتعلّق بالباطن. لا ظاهري صحيحٌ ولا باطني، ومع ذلك لا بأس عليّ أبدًا، لماذا؟ لأنّي أنظر إليك. «يا ربّ، هل كان يعجبك أن أقدم على فرد كريم مثلك وأنا أحمل الزاد معي؟» 

  • يقول الله: «لا». 

  • نقول: «ولهذا السبب لم نأتِ بشيء». 

  • يقول الله: «حسنًا، لا مشكلة، يبدو أنّ قليلًا من المعرفة قد وُهِبَ لك. أنا أيضًا إلهٌ وأريد عبدًا كهذا. عبدًا لا يمنّ عليّ بما أخذه منّي، ولا ينسب إلى نفسه ما أعطيته إيّاه، إلى حسابه البنكي. أنا أعطيتُ المال وأنتَ تضعه في حسابك؟ أنا أعطيتُ رأس المال وأنتَ تضعه في حسابك؟» لذا يقتضي هذا الأمر دائمًا في مقام الأدب. ولهذا قال الإمام السجاد عليه السلام: «يا ربّ، لم آتِ بعملٍ». 

  • يقول الله تعالى أيضًا: «لم تأتِ بعملٍ، ولكن في النهاية الإنسان عندما يقدم على فردٍ ما، يجب أن يحمل هديّة». عندما تذهبون إلى منزل صديقكم، ألا تأخذون هديّة؟ عندما تزورون مريضًا، ألا تأخذون هديّة؟ يشتري الإنسان كيلوغرامين من التفّاح. يجب أن نأخذ هديّة ما.

  • قصّة علبة الكبريت التي أهداها السيد دستغيب رحمه الله

  • لا أعرف هل ذكرتُ هذه الواقعة للرفقاء أم لا؟ أحد الأصدقاء الذين كانوا مأنوسين جدًا بالسيّد دستغيب رحمه الله وكان من حواريّيه، نقل لي حادثة فقال: «ذهبنا في شتاءٍ ما مع السيّد دستغيب رحمه الله خارج شيراز، إلى قرى وبلدات شيراز. وعندما كنّا في الطريق قال السيّد دستغيب رحمه الله: يا ويلتاه، لم نحضر شيئًا، لم نحضر هديّةً لهذا الرجل الذي نذهب إليه. كان من دأبه أن يأخذ معه شيئًا إذا ذهب إلى مكان، حلوى أو ما شابه. فلمّا وصلنا إلى هناك قلتُ في نفسي: ماذا سيفعل لهذا الرجل؟ فجأة أدخل يده في جيبه، وكان فيها علبة كبريت، فأخرجها وقال: لم نجد شيئًا، نعطيك علبة الكبريت هذه كهديّة. فاحتفظ ذلك الفرد بعلبة الكبريت تلك حتّى آخر عمره، وكان يحدّث الجميع بها، ويقول: لقد شعرت بسعادةٍ من العمل الذي قام به، بحيث لو أنّه أعطاني مليونًا لما شعرت بمثل هذه السعادة». حسناً، لماذا وضع علبة الكبريت هذه في جيبه، لا ندري! إن شاء الله لم تكن للسيجارة، فالسيجارة حرامٌ ومضرّة! طبعًا ليس بالضرورة أن تكون له، فللكبريت استخدامات أخرى. أخرج الكبريت وقال: «هذه هديّة». فكم هذا العمل جميلٌ ومحبّبٌ وحسنٌ.

لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟ - هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟

18
  • المحبّة هي الهديّة الوحيدة التي يمكن للعبد تقديمها للّه

  • يقول الإمام السجاد عليه السلام إنّ هناك شيئًا واحدًا احتفظنا به لأنفسنا لنقدّمه للّه. فلو قال الله: «حسنًا، عملك ليس شيئًا يستحقّ العرض، فالقدرة والصحّة والتوفيق أنا أعطيتها، وأنا وفّقتُك لهذه الصلاة والذكر والدعاء والتوجّه». يجب أن يعرف الرفقاء هذا، أنّ كلّ عمل خير نقوم به، فإنّنا في ذلك الوقت نكون مشمولين بتلك الرحمة والأوصاف والأسماء الكليّة الإلهيّة، وبدون هذا لا يمكننا القيام به. وقد ثبت هذا الأمر في الفلسفة والعرفان. حسناً، نحن هنا كعبيد، ماذا لدينا لنقدّمه؟ لا عمل لدينا. يقول الإمام عليه السلام: «هناك شيءٌ واحدٌ يمكننا أن نقدّمه للّه، فما هو؟ إنّه المحبّة». لا يستطيع الله أن يقول: «ما هذا الذي تقدّمه لي؟» لماذا لا يستطيع أن يقول هذا؟ إن شاء الله يبقى مطلبًا للرفقاء للمجلس القادم إن لم يحصل بداء.

  •  

  • اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد