أعلى مراتب التقوى ولوازمها

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتقوى ومراتبها

العدد التسلسلي144

التاريخ 1428/06/07


الخلاصة

ما هي أعلى مراتب التقوى؟ وماذا ينتج عن الوصول إليها؟ وكيف يصل الإنسان إليها؟ وهل العلم وحده يكفي في ذلك أم لا بدّ من الولاية والطاعة للوليّ؟ وكيف يحافظ الإنسان على المراتب التي وصل إليها من التقوى؟ كيف ومتى نستعدّ للأشهر الثلاثة؟
تتحدّث هذه المحاضرة حول هذه الموضوعات وتجيب عن هذه الأسئلة في ختام الحديث عن فقرة فهذه أوّل درجة التقى... من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصري.
/۲۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • أعلى مراتب التقوى ولوازمها

  •  

  • شرح حديث عنوان البصريّ -۱٤٤

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمّد

  • (اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآلِ محمّد)

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • ما هي أعلى مراتب التقوى؟

  • {... إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...}۱

  • تقدّم في الجلسة السابقة للرفقاء أنّ التقوى ذات مراتب ومراحل، ومرحلتها الأخيرة عبارة عن مقام العصمة، وهذه العصمة لا تختصّ بالأئمّة عليهم السلام، بل إنّ أولياء الله أيضًا الذين عبروا من مرحلة الذات ونحّوا النفس جانبًا، واتّحدت حقيقتهم الجوهريّة بذات الله، ووصلوا في جوهرهم إلى مرتبة النور البسيط المطلق، وارتقوا من مرحلة الحال إلى مرحلة المقام، وماتت نفسهم البشريّة وحصل لهم الفناء الذاتيّ في ذات الله، وحصل لهم البقاء بالله بعد الفناء فيه في مراتب أسمائه وصفاته، فهؤلاء أيضًا وصلوا إلى مقام العصمة، وتقدّم أنّ هذه المرتبة هي آخر مراتب التقوى.

  • ما العلاقة بين أعلى مراتب التقوى والعصمة والعلم؟

  • وفي هذه المرتبة لا معنى للجهل، وهو منتف من أصله، وفي هذه المرتبة لا معنى للإدراكات الخارجيّة والتأثيرات الخارجيّة وما يجري حول الإنسان، وفي هذه المرتبة لا تأثير للمسموعات في الإنسان حتّى تحصل له فكرة ما على أساس المسموعات والمشاهدات والمكتوبات والكتب والجرائد ووسائل التواصل الاجتماعيّ ليقرّر على أساسها، ثمّ يعلم أنّ كلّ ذلك كان كلامًا فارغًا، وكان مجرّد برنامج وخطّة، كلّ ذلك كان خدعة مدروسة مسبقًا ليقع في الفخّ وقد وقع، وبعد إيقاعه في الفخّ يرى أن يا للعجب الكلام الذي سمعه كان خطأ! التصوّر الذي تصوّره عن الحقائق والقضايا كان على أساس المسموعات والتقارير، ولم تكن خالية من الأغراض، فهل التفتّم؟! نحن في مرتبة كهذه، نحن لم نصل إلى مرتبة العصمة، نحن في مرتبة البشريّة والعقول والإدراكات البشريّة، والقرارات التي نتّخذها ترتكز إلى المسموعات التي تحصل من هنا ومن هناك.

  • أرأيتم بعضهم يذهبون إلى القاضي ويبدأون بالبكاء واللطم على الرأس والتمثيل، فلو لم يكن القاضي مطّلعًا على هذه الأمور لخُدع، لأنّه لا يعلم الغيب، وليس مقصّرًا في ذلك، وعليه أن يبذل قصارى جهده في الأمور الظاهريّة، ولكن في النهاية يمكن أن يخطئ، وهذا لا إشكال فيه، فإنّه يصحّح خطأه لاحقًا. فعندما يراجع الأفراد الإنسانَ ـ وقد حدث هذا معي شخصيًّا ـ عندما أطرح عليهم بعض الأسئلة حول بعض الأمور، أدرك أنّه يخادع من الجملتين الأوليين، لا يريد أن يبيّن الأمور بشكل صريح، لا يريد أن يقول الحقيقة، فالجمل والتعابير مصحوبة بالأحاسيس وجذب النفوس، التعابير التي فيها مسرّة ومدح وتمجيد! فنقول: دع هذا الكلام جانبًا، قل ما تريد! استعمل هذا المديح في مكان آخر، استعمله في بيتك! أمّا هنا فقل كلامك كما هو! أو التفت ولا تنحرف عن الحقّ! من الواضح أنّهم يريدون أن يخادعوا، جميعهم هكذا، فليست المسألة واضحة.

    1. سورة الرعد، الآية۱۱

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

3
  • الأثر السلبي للمديح على النفس

  • ما دمنا أسرى النفس والنفسانيّات فإنّنا مبتلون بهذا الأمر، ولا تساهل في الأمر. يجب أن نصلح أنفسنا لأنّنا جميعًا مبتلون بذلك بلا أيّ تردّد، لقد قلتها بصراحة للجميع، كلّنا مبتلون، من الأفضل للإنسان بدلاً من المديح والثناء أن يهتمّ بمشكلاته، من الأفضل للإنسان بدلاً من طرح الأمور التي تقوّي النفسانيّات أن يبحث عن أمراض نفسه وهذه الأمراض النفسيّة هي هذه: نأنس بأمور، وننزعج من أمور، ولدينا تعلّقات نفسيّة إلى ما شاء الله لا تعدّ ولا تحصى وإلى ما لا نهاية له، وكلّ ذلك ناشئ من محبّتنا لأنفسنا، فلأنّنا نحبّ أنفسنا نريد دائمًا أن نطرح الإيجابيّات ونمدح ويثنى علينا، ما إن نبدأ بمدح واحد والثناء عليه حتّى تنفرج أسارير وجهه ويبتسم وترتسم على شفتيه ضحكة ويقول: العفو، المعذرة، الحسن منكم أنتم، ونحن لا نستحقّ هذا الكلام وأمثال ذلك. ولو قلنا جملة على خلاف هذه المجاملات فإنّ هذا الذي كان يقول: العفو والحسن منكم أنتم، فجأة يقطّب حاجبيه ويتراجع، وإذا قلنا جملة ثانية وثالثة يقول: اعرف ماذا تقول! ماذا تقول أنت؟! هذا كلّه لأنّنا نحن مبتلون بذلك جميعًا.

  • كان المرحوم العلاّمة أحيانًا يقول بشكل سرّي وخاص: ابحث عن رفيق يدلّك على مشكلاتك ويضع اليد عليها بدلاً من المدح والثناء، وكأنّه كان يريد أن يشير إلى نفسه أنّنا نحن نريد أن نفعل ذلك أيضًا ونحتاط فنحن أيضًا لا يمكننا أن نذكر العيوب والمشكلات، وكان يريد أن يشير إلى طريقته الخاصّة، فقد كان عجيبًا جدًّا في كيفيّة بيان الأمور واستخراج نقاط الضعف والسيطرة على المنافذ وتلك الخصوصيّات النفسيّة وإزالتها. لقد كان أستاذًا في هذا المجال، وكانت له مهارة خاصّة في ذلك بحيث يبيّن الأمور بأسلوب المزاح وضمن الكلام وبفنّ خاصّ، وأحيانًا لم يكن هناك بدّ من التصريح، أمّا أن يقبل الإنسان ويثبت ولا يفرّ فهذا ما يحتاج إلى توفيق إلهيّ.

  • على كلّ حال، فهذا الأمر موجود، ما دمنا أسرى التعلّقات وما دامت أفكارنا وأنظارنا محكومة للتعلّقات، رغم أنّنا يمكن أن نخطئ، فأنا لا أقول أنّنا في مقام العناد، كلاّ بل نحن نخطئ، ما إن يقال لنا إنّ فلانًا تكلّم عنك بكذا، أو تحدّثوا عنك في أحد المجالس بكذا، أو أحد رفاقك قال عنك كذا، فإنّنا نجد أنّنا اتّخذنا منه موقفًا في قلوبنا قبل أن نحقّق في ذلك، ولو صارت هذه التذكيرات أكثر فإنّ هذا الموقف يرسخ في قلوبنا أكثر.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

4
  • ولا قدّر الله أن يأتي ذلك اليوم الذي يترسّخ فيه موقفنا النفسيّ من الناس، فإذا ترسّخ صارت هناك مجاملة وتظاهُر وحفظ للظاهر، ولكنّنا في الباطن نعتمد الطعن والقطع والضرب والمقاطعة ونستمرّ على ذلك فنطرد ونحذف ونبعد وننحّي، وهذا ما يحصل بعد تثبيت هذا الموضوع النفسيّ في القلب. وإن شاء الله سأتحدّث عن هذا الموضوع بعض الشيء في هذه الجلسة إذا وفّق الله.

  • نماذج من مواقف أولياء الله في كيفيّة رؤية حقائق الأحداث

  • من مواقف العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه

  • فإذن متى يصل الإنسان إلى حيث لا يؤثّر عليه شيء ولو جاء ألف رجل وبيّنوا له أمرًا سواء عن عمد أم عن غير عمد لم يتأثّر؟

  • في زمان المرحوم العلاّمة كنت بنفسي شاهدًا على بعض الأحداث حيث كان هناك بعض الأعاظم يأتون إلى المنزل ويوضّحون ويشرحون حول كثير من الأمور التي لا مجال للحديث عنها الآن، وكنت حاضرًا في كثير من تلك المجالس، وفي كثير منها أيضًا لم أكن حاضرًا بالطبع، ولكن كان يصلني الكلام، وذلك في ذاك العهد السابق، وبعد أن يذكر كلّ ذلك الكلام والتوضيح كان المرحوم العلامة ينظر إليهم ويقول: إنّهم لم يروا إلا الظاهر {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}۱ إنّهم يحكمون على أساس الظاهر ويتكلّمون على أساسه، وكم يحدث أنّهم هم أنفسهم لا يعلمون! مساكين، غير عامدين، غير مغرضين، ولكن يتأثّرون بمدركاتهم وينفعلون وإذا ما سمعوا منّا جوابًا باردًا باعثًا على اليأس يتّهموننا بأنواع التهم وبأنواع الأمور وبإفشال الأعمال، وبالتقصير، فماذا يصنع الإنسان مع هؤلاء؟! وكيف يعاملهم؟! من الواضح من حاله أنّه صادق إلى حدّ ما، وطبعًا من كان صادقًا بنسبة مائة في المائة فإنّ الله يهديه بلا شكّ، لأنّ الصدق والخلوص والصفاء صفات نسبيّة، ففي بعضهم بنسبة ثلاثين بالمائة وفي بعضهم بنسبة خمس وعشرين بالمائة، أو عشرين، فهي مختلفة، والمساكين ينفعلون نفسيًّا اتجاه القضايا على أساس نسبة العشرين بالمائة هذه، فتنهمر دموعهم، وتنكسر قلوبهم، وإذا ما تعاطوا مع الإنسان فإنّه يشعر بهم، ويتوقّعون منه أن يصدّق كلّ ما يقولون، لأنّهم يتصوّرون أنفسهم مخلصين صادقين، فهل التفتّم؟! لقد حدث الكثير من هذه الوقائع، هؤلاء يتصوّرون أنفسهم مخلصين.

    1. سورة الروم، الآية ۷.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

5
  • من مواقف الإمام الصادق عليه السلام

  • لقد جاء رجل من قبل المنصور الدوانيقي إلى الإمام الصادق عليه السلام في المدينة يحمل منه رسالة إلى الإمام، أن يا ابن رسول الله الجميع الآن مستعدّون ليقدّموا لك الخلافة، لأنّ الأمور صارت في نهايتها، فالحروب التي وقعت بين بني أميّة وبني مروان وبين بني العبّاس وصلت إلى نتيجتها، فتفضّل أنت واستلم هذه المسؤوليّة! فهؤلاء يعلمون جيّدًا، يعرفون الإمام الصادق جيّدًا، يعرفون أنّ الإمام الصادق هو الذي قال في تلك الحادثة التي جرت بين محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض خارج المدينة والجلسة التي كانت لهم مع بني العبّاس ودعوا الإمام الصادق إليها، حيث كان محمّد وإبراهيم يتنازعان على الخلافة فقالوا فلتأخذها أنت، لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الإمام الصادق هو الذي إذا قال أمرًا أطاعه الناس؛ فهو كبير بني هاشم ورئيسهم والجميع تحت طاعته والانقياد له، وبدون الإمام الصادق لا يمكن القيام بشيء! لذلك كانوا يريدون أن يضعوه في المقدّمة ويفعلوا ما يحلو لهم.

  • فكما أنّ تلك الشجرة الخبيثة من بني العبّاس فعلت ذلك، حيث إنّ المأمون جاء بالإمام الرضا وقدّمه لكي تهدأ الاختلافات والاعتراضات ثمّ سمّمه بخفاء وأزاحه من طريقه وسار إلى بغداد، فإنّ هؤلاء أيضًا أرادوا ذلك وكان مشروعهم هكذا، فلم يكن هؤلاء مسلمين كأبي ذرّ وسلمان، بل لم يكن لديهم سوى ظاهر وعمامة وينتسبون إلى النبيّ وإلى العبّاس عمّ النبيّ ويزعمون أنّ بني أميّة وبني مروان انتزعوا الخلافة منهم.

  • فعرف الإمام الصادق ما يخطّطون له فقال لهم: لن تصل الخلافة إليكما ولا إليّ بل إلى صاحب القباء الأصفر. وقد كان المنصور الدوانيقي جالسًا هناك مرتديًا قباء أصفر.۱ لقد كان هؤلاء يعلمون أنّه لا شكّ في كلام الإمام الصادق ككلام جدّه أمير المؤمنين وكلام النبيّ، وكانوا يعرفون ذلك.

  • جاء بالرسالة إلى الإمام الصادق وهو جالس بين جماعة من أصحابه، فقال الإمام سأجيب لاحقًا على هذه الرسالة، قالوا: لقد وصلت الرسالة فاقرأها، فقرأها الإمام وكانت عبارة عن دعوة المنصور الدوانيقي للإمام الصادق عليه السلام، فقال الإمام: كلاّ نحن لسنا أهلاً لهذه الأمور، ونحن مشغولون بعملنا، نبيّن الحكم الشرعيّ، نلقي دروسنا، ولا شأن لنا بأحد ولسنا من أهل هذه الأمور، وكلّ من كان يريدها فهو أخبر بنفسه. أصرّ الأصحاب الحاضرون وذلك الرجل الذي جاء بالرسالة على أنّ الظروف الآن تغدو مؤاتية فلماذا لا تقبل؟ فهمس الإمام في أذن من جاء بالرسالة أن اذهب وقل لصاحبك أن يطمئنّ من جانبنا. وقال الأصحاب الذين كانوا حاضرين: لماذا لا تخرج يا اين رسول الله؟! لا يمكن للإمام أن يقول لهم: عندي اطّلاع على ما تحتويه هذه الرسالة في باطنها. فلو أعلن لافتضح الأمر، لذلك فإنّ الإمام قام بهذا العمل. ومهما أصرّوا كان الإمام يبدأ بالقول لهم إنّ هناك أمورًا لا تعلمونها، والمسألة تنتهي عند هذا الحدّ وينتهي الأمر، فأعاد الإمام وهو في مكانه الرسالة إلى غلافها وقال لذلك الرجل أعدها إليه، فجاء بها إلى المنصور فأدرك أنّه ليس هناك غرض للإمام.

    1. راجع معرفة الإمام، ج۱۷، ص ٢۱٤ و ٢٦۸.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

6
  • هل كان هؤلاء يعلمون أنّه لو أجاب الإمام المنصور بالقبول لأرسل إليه بعد أسبوع رجلين يغتالانه؟! هؤلاء لا يعلمون ذلك، هم يرون هذه الرسالة التي فيها مجاملات، أمّا ذلك المضمون الخفيّ الهادئ فلا يرونه. هذا ما يراه الإمام وهم لا يعلمون، ولكن لا يمكن أن يقول. لا يمكن للإمام أن يفشي الأسرار، لا يمكن للإمام أن يفشي تلك الأحقاد والأضغان التي في النفوس والمستعدّة في يوم من الأيّام لأن تقف أمام الحقّ وأمام الولاية ويقول: فلان سيثور في هذا اليوم، وفلان سيقوم بهذا العمل في هذا اليوم! وفلان في صدره هذه الأمور! وفلان في صدره هذه الأمور وفلان كذا... لا يمكن للإمام أن يقول ذلك، لأنّه ستّار العيوب!

  • فللإمام مقام الستّاريّة كما هو للّه، فالإمام الصادق لديه مقام الستّاريّة ودائمًا يعبّر بطريقة معيّنة وبكلام معيّن أنّه لا لا يمكن والظروف لا تسمح، ولا يدرى ماذا سيجري، فيعبّر بعبارات تجعلهم يطمئنّون.

  • للأسف اليوم نرى أفرادًا يكتبون في الكتب التاريخيّة، وكذلك الذين يحلّلون التاريخ قد ابتلوا بهذا الأمر! فالإشكال الذي كان يطرحه أصحاب الإمام الصادق في ذلك المجلس وغيره نحن الآن مبتلون به، لم يتغيّر مستوى الفهم والفكر أبدًا، غاية الأمر أنّ الزمان غيّر مكانه إلى ألف ومائتي سنة، فالآن أيضًا لا تزال تلك الطريقة من التفكير كما كانت.

  • من مواقف أمير المؤمنين عليه السلام

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لا تقتلوا عثمان! صحيح أنّه ظالم وجانٍ ويوزّع بيت المال مجّانًا، وصحيح أنّه يقوم بجميع المخالفات، كلّ ذلك صحيح، ولكن لا يمكن أن نحارب التقدير الإلهيّ والمشيئة الإلهيّة وما يجري في هذا العالم من الأمور الجزئيّة ونقف في مواجهتها وننحّيها جانبًا، فنظام العالم ونظام التقدير والمشيئة والتربية الإلهيّة في هذا العالم يقتضي ـ أمير المؤمنين يقول وطبعًا أنا أوضّح ـ أن نسير مع هذا الوضع الراهن والأمور والأحداث التي تجري حولنا بحيث يحدث للمسلمين أدنى حدّ من الضرر وأكبر حدّ من المنفعة. فالآن معاوية متسلّط على الشام، ولم أنصّبه أنا، بل نصّبه الخلفاء السابقون من عمر وعثمان، وهو الآن مستول على الشام، وقد سيطر على جميع أفكار أهل الشام وأمسك بها بيده، وجعلهم خاضعين لأمره. فهل تعلمون كم من الدماء ستسفك إذا ما قمتم بأمر ضدّ الخليفة؟ فهل يمكنكم أن تمنعوا سفك تلك الدماء؟! وبالمقارنة بين وجود عثمان مع هذه الأمور والمخالفات التي تشاهد منه، وبين عدمه مع هذه الدماء التي ستسفك ومنها أنا بنفسي سأقتل في المحراب، ومنها استيلاء معاوية على جميع البلاد الإسلاميّة و... ألم يحدث ذلك؟! ألم يفرّ قادة الإمام الحسن؟!

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

7
  • هل يمكن للإمام أن يقول لهم إذا قتل عثمان اليوم فستتنحّون أنتم أنفسكم عن ابني، أنتم أنفسكم الذين تدعونني إلى قتل عثمان، وتذمّونني على منعي وتتّهمونني بالخوف وعدم القدرة على المواجهة معهم، ألم يقولوا ذلك للإمام؟ ما هو الكلام الذي لم يقولوه له؟! حتّى إنّهم اتّهموه بالخوف، والآن في مقام المقارنة بين هذين الأمرين أيّهما هو الأرجح في الميزان؟ ألا نترك الآن قتل عثمان ونكتفي بهذا المقدار الذي يرتكبه من الظلم؟! أم نقتله فيأتي معاوية من الشام حاملاً قميصه فيُقتل أربعون ألف رجل من الطرفين من أهل العراق والشام في تلك المعركة فيغدو أبناؤهم أيتامًا، ونساؤهم أرامل، ثمّ ينتهي الأمر إلى ذلك التحكيم الفاضح، وتنتهي الأمور إلى يد معاوية، ويستشهد أمير المؤمنين في المحراب ويأتي ذاك ويستولي على جيش الإسلام؟!

  • وهؤلاء القادة الذين منهم عبيد الله بن عبّاس وجماعة آخرون يتركون معسكر الإمام ليلاً بسبب وعود معاوية ويصطفّون إلى جانبه بواسطة أكياس الذهب، فيضطرّ الإمام الحسن إلى الفرار ليحافظ على روحه من أصحابه كيلا يغتالوه، فيلجأ إلى ملجأ، وبعدها يرتقي معاوية منبر الكوفة ويخطب ويجعل وثيقة الصلح مع الإمام الحسن تحت قدميه ويقول: وإنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني ذلك وأنتم له كارهون وإنّي منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي ولا أفي بشيء منها. ۱ ثمّ يسمّ الإمام الحسن عليه السلام ثملاً بالسلطنة والحكومة، ثمّ يأتي من بعده يزيد ويقوم بما قام به، ويقتل الإمام الحسين في كربلاء ويقع ما وقع من أحداث في التاريخ...

  • كلّ هذا لأنّهم لم يطيعوا أمير المؤمنين، فهل كانوا يعلمون أنّهم إن يطيعوا أمير المؤمنين ربّما يتغيّر التقدير ويموت عثمان بصورة طبيعيّة أو غير طبيعيّة، كأن تصيبه جرثومة في بدنه ويموت، لم يكن لديهم علم.

  • ولكن ما إن تغلب عليهم الأحاسيس بحيث لا يرون أكثر من متر واحد أمامهم ويقولون في أنفسهم: لقد حوصر الآن في منزله ولم تصل إليه قوى الإنقاذ من الشام فإذن يمكننا أن نقتلع ونقمع نقطة الفساد ومصدرها ونريح المسلمين من شرّه. فقط هذا ما يدركونه.

    1. مناقب، ج ٤، ص ٣٥؛ شرح نهج البلاغه، ج ۱٦، ص ٤٥؛ ارشاد، ج ٢، ص ۱۱.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

8
  • غير أنّ أمير المؤمنين عليه السلام الذي وصل إلى مقام العصمة عندما يقول لك: لا تفعل. فقل له: حاضر. هو يقول: لا تقم بهذا. فقل: حاضر، والجميل هنا أنّ أمير المؤمنين الذي يقول لا تفعل هذا، وأمير المؤمنين الذي عرّف نفسه للنّاس مدّة أربع وعشرين عامًا لأنّ أمير المؤمنين لم يجلس في البيت فقط، بل كان يقوم بكثير من الأعمال، وكان يقوم بالمعجزات، ويتكلّم، وكلّ ذلك كان أمام الملأ العام، فكم جاء أمير المؤمنين إلى مسجد المدنية ورأى الناس كلّهم معجزاته؟! وكم رأى الناس من أمير المؤمنين المعجزات خارج مسجد المدينة؟! ألم ير هؤلاء الناس أنفسهم ردّ الشمس من أمير المؤمنين؟! فلتقبل أيّها الإنسان بكلامه إذن! ماذا تريد أكثر من ذلك؟! كم آية وعلامة أخرى تريد؟! ولكنّ الكلام هو هنا: هذه النفس ما دامت متعلّقة بالظاهر ـ وما كتب في أسرار الملكوت الجزء الثاني أمور مهمّة يجب الالتفات إليها۱ ـ وما دامت النفس متعلّقة بجانب واحد، وما دامت تميل إلى طريق واحد، وما دامت تميل إلى أسلوب واحد، فإنّها تنحّي حتّى أمير المؤمنين هذا بمعجزاته، لماذا؟ لأنّ ميول النفس ورغباتها تسلب الإنسان القدرة على اتّخاذ القرار. لا أنّ الإنسان لا يعي في تلك الحالة، كلاّ، ولو سألوا في تلك الظروف هؤلاء الذين يضغطون على أمير المؤمنين أن عليك أن تقتل عثمان: هل أمير المؤمنين من حيث العلم والإدراك والشهود مثلكم أم أعلى منكم؟ لقالوا: أبدًا هو ليس مثلنا، أين هو منّا نحن؟! وهنا يجب أن يقال لواحدهم: بما أنّك تقرّ وتعترف له بذلك فلماذا تضغط عليه بهذه الضغوط؟! وهذا بسبب تلك الميول النفسيّة، وبسبب أنّه ما دام أسير عالم النفس فإنّه يواجه دائمًا هذا الخطر وهذه الأمور المنحرفة! وسيبقى يعترض.

  • لماذا تخلّى بعض تلامذة العلاّمة الطهراني عنه مع معرفتهم بمقامه؟

  • هؤلاء الذين كانوا يأتون إلى محضر المرحوم العلاّمة كانوا يعترفون ويقرّون بأفضليّته وتفوّقه في المدركات واتّصاله بأمور هم محرومون منها. ولو لم يعترفوا لما جاؤوا، فماذا حصل حتّى صاروا لا يرى منهم في بعض المواضع الحسّاسة والأحداث التي حصلت ذلك التشبّث والتمسّك والالتزام والاتّباع والمتابعة التي هي لازمة لهكذا اعتراف وإقرار؟! لماذا؟! لأنّ الظروف كانت مهيّأة في هذه الحالات للميول النفسيّة، وقبل ذلك لم تكن الظروف مهيّأة، وطبعًا تقول نفس الإنسان: ما دامت الأمور غير مهيّأة فلنستمع إلى كلام هذا الرجل، فليس هناك مشكلة ولا أيّ شيء يمنع.

    1. راجع أسرار الملكوت ج٢، ص ٤۸ ـ ٥۱.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

9
  • ولكن ما إن يظهر هناك أمر نفسيّ أو أمر ماليّ و... ونجد أنّ ذلك الكلام يتعارض مع هذا الميل، فإنّ النفس تأتي وتفتح لنفسها حسابًا وتقول: الآن لا نقول هذا الكلام للسيّد ـ حسنًا أفهل هو جاهل؟! ـ ثّم يأتي ويجلس معه ويتكلّم، والسيّد يتكلّم معه أيضًا ويضحك ويكلّمه دائمًا ويمازحه، يقول له، خذ هذ المزاح! إنّه جيّد لك! يمكنك معه أن تقوم بعملك بسهولة أكثر! إنّه لا يجلس مقطّبًا ـ وطبعًا الموارد تختلف، وليس الأمر في جميع الموارد هكذا ـ يقول: أتريد أن لا تتكلم [حول ذاك الأمر الحسّاس]، حسنًا لا تتكلّم! أنا أمازحك أكثر وأضحك معك أكثر! ثمّ يقوم ذلك الرجل ويخرج فرحًا قائلاً في نفسه: ما شاء الله، لقد اهتمّ بي السيّد اليوم بشكل عجيب يفوق اهتمامه في سائر الأيّام! وبدلاً من أن يأتي العقل هنا ويحكم ويفكّر في أنّه هل ضحك السيّد اليوم أكثر هو لتأييدك أم لا؟! فإنّ النفس تبدأ بدراسة الأمر والتحقيق فيه وتقول: من جهة ربّما كان هذا الأمر خطأ ومن جهة أخرى لو كان رأيه مخالفًا لما مالحنا إلى هذا الحدّ. فهذه الممالحة إذن دليل على أنّه موافق لنا، ولا بدّ أنّه أوكل هذا الأمر إلينا وإن شاء الله خير!

  • والله غفّار وستّار العيوب، فإذن علينا أن نسير في هذا العمل. وهنا يسقط في قعر البئر، ويصطدم دماغه في الأرض بحيث لا يمكنه الخروج، وطبعًا أحيانًا يسلّم الله وهذا يرتبط بلطفه.

  • وعلى كلّ حال فإنّ ظروف الانجرار وراء الميول النفسيّة في مقابل أمر الأستاذ الكامل ورأيه كثيرة مثل الزواج أو الأمور المالية والمقام والمراكز الاجتماعيّة والمناصب والهدايا والرشا والأمور التي من هذا القبيل والتي جعلها الله في سجلّات عباده ليمتحنهم بها، وقد رأينا أنواع ذلك في زمان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، فمثلاً يكون الإنسان قبل زواجه مرتبطًا بالمرحوم العلاّمة ويتلقّى منه البرامج السلوكيّة إلى أن يأتي وقت الزواج فيرى أنّه تطرح أمور تنافي المدرسة، فمن جهة يرى أنّه لا يمكن التجاوز عن هذه اللقمة الدسمة والملائمة، ومن جهة أخرى يرى أنّ هذا الكلام يتنافى مع مدرسته ويتعارض معها، فيقول في نفسه: ما هو التكليف الآن؟! لا يمكن التجاوز عن هذا المورد! والسيّد يقول كذا وهو يقول كذا، وظروف هذا الزواج هكذا، هو يصرّ على عدم قبول الأمور الباطلة، والطرف الآخر لا يسلّم بل يقول بشكل قاطع وصريح إن لم ترد هذه الشروط والمطالب التي نطلبها فدعنا وشأننا!

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

10
  • وهنا وبحالة من الحيرة أمام المطالب والمقترحات المخالفة للشرع من قبل الطرف الآخر يقوم بتقليبها وتحليلها ثمّ يبرّر لنفسه هكذا: أنا أيضًا مثل الآخرين، فالإنسان يخطئ خطأ ويشتبه والله يغفر! ـ هذا الموضوع كنت أودّ طرحه في القسم الثاني من الكلام ولكنّه جاء الآن، فهذا يفيد كثيرًا في كيفيّة المراقبة في الشهور الآتية (رجب وشعبان ورمضان) التي هي قريبة ـ التفتوا! هنا بيت القصيد! فمن هذه الناحية الأستاذ أمر بأن لا يحصل هذا الأمر، ولكن من الناحية الأخرى هناك إصرار على مخالفة ذلك. فهذا المسكين الآن لا يدري أنّ من يصرّ في المقابل ليس من نفسه، بل ربّما الشيطان يلقي إليه أن قل هذا. وهذا المسكين يذهب من جديد ويجلس مع الوالدين فيقولان من جديد: إن لم تقبل هذه الشروط... هذه الشروط باطلة، فقل لهم حتمًا أنا هكذا و... فيرى أنّ الطرف المقابل يقول: لا، إن أردتني فهذه هي شروطي!

  • هنا يتنازل ويقول: حسنًا! ما دام الأمر كذلك فلا نختلف في الأمر، نتنازل ونتّفق، وفي النهاية يحصل الأمر سرًّا وفجأة يرى عجبًا! لقد حصل العقد في حين أنّ هذا المورد لم يكن يستحقّ بل كان كغيره من الموارد، ولكنّ الذي خدع كان غارقًا في عدم طاعة الأستاذ.

  • هذه الأمور التي أذكرها للرفقاء أمثلة حقيقيّة جميعنا نعرفها وقد جرّبتها شخصيًّا وأضعها بين أيدي الرفقاء! وقد ذكرت في المجالس والكتب أمثلة حول ذلك قلّت أو كثرت فليراجعها الأصدقاء، وقد بيّنت فيها دقائق تستحقّ الاهتمام.

  • يحدث أمر اجتماعيّ ويطرأ ظرف على الإنسان، وهنا المرحوم العلامة يعلم ويرى أنّك إذا دخلت هذا الميدان لا يمضي بضعة أيّام حتّى تنفض يديك من هذا العالم، فهذا ما يراه السيّد ويقول: لا تفعل، ولكنّه هو لا يرى. ذاك يشاهد أنّه إذا ما تحقّق هذا الأمر لن تمضي بضعة أيّام، شهران أو ثلاثة ـ بل لا تصل إلى ثلاثة أشهر ـ حتّى يحدث أمر يمنعه من الوصول إلى المراتب الكماليّة التي يجب أن يطويها في هذه الدنيا، فهو يرى هذا الأمر، أمّا هذا فهو لا يراه، بل يظنّ ويعتمد على تصوّراته، هو صادق، لديه صفاء، لديه خلوص، لديه تعبّد، من أهل التهجّد، فهذا كلّه له أهميّته الخاصّة، ولكن ذلك المفتاح المتفاح الأساس هو في يد وليّ الله! لماذا لم نمسك به؟! الصلاة ليست بالأمر الصعب، يمكن للإنسان أن يصلّي ليل نهار ويقرأ القرآن ويصوم فهذا ممكن، ولكن أين هي النقطة الأساسيّة؟! أين هو المفتاح؟!

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

11
  • كيف تؤثّر الولاية في إعطاء العبادات قيمتها؟

  • ذلك المفتاح الذي بواسطته تتّخذ هذه الصلاة صبغة إلهيّة بيد من؟ الصلاة تحت الانقياد للأستاذ والوليّ الكامل لها صبغة إلهيّة، وإلا فإنّ كثيرين يصلّون، وربّما يصلّون أكثر من الآخرين. الصيام الذي يكون تحت أمر وطاعة الوليّ هو الذي له صبغة الله لا الصوم الذي يكون على أساس الهوى والهوس وإرضاء النفس وتنظيم الطعام! العبادة التي تكون على أساس أمر وليّ الله هي العبادة التي لها صبغة الله وتعرج بالإنسان وتخرجه من النفس وتحرّكه، أمّا الصلاة والصيام اللذان ليس لهما ذلك البعد فإنّهما لا يحرّكان الإنسان مقدار سانتيمتر واحد، بل يشغلان النفس ويرضيانها ويحقّقان لها انجذابًا ظاهريًّا ويصبحان وسيلة لركود النفس، ويوقفانها في مكانها، فتتوقّف ولا تتحرّك، والبرنامج الذي يكون على أساس أمر الوليّ وإرادته هو الذي يتقدّم بالإنسان لا مجرّد العمل الظاهريّ!

  • لقد كان هناك الكثير من الرفقاء والأصدقاء في الزمان السابق من الذين يقومون ببعض الأعمال والعبادات على أساس التخيّلات والتصوّرات حسب رغباتهم النفسيّة الخاصّة، وكنت أشعر هناك أنّ المرحوم العلاّمة كان يأتي ويقف أمام عبادةٍ ويمنعها ويقول: عليك أنت أن لا تقوم بهذه العبادة! رغم أنّ الجميع يقومون بها، ولكنّه كان يقول: أنت عليك أن لا تقوم بها! فهذا كان يريد أن يقوم بها برفقة الجماعة ويريد أن يذهب إلى الحجّ برفقة الجماعة، وكان يريد أن يسافر برفقة الجماعة سفرًا معيّنًا وأن يشارك في جلسة معيّنة، أو أن يكون مع جماعة معيّنة في عمل ما، فكان المرحوم العلاّمة يقول: أنت عليك أن لا تأتي! ولكنّه كان يأتي، وقد كنت بنفسي شاهدًا في أحد المجالس على تمرّد أحدهم حيث شارك في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان في مجلس كان فيه عدد معيّن، وكان المفترض أن لا يأتي هذا الرجل، ولكنّه جاء، وقد حصلت له حالات جيّدة وتأثّر به الذين كانوا إلى جانبه، ولكن انتهى اليوم الثالث والعشرون فبدأ نزول هذا الرجل وهبوطه وسقوطه، بدأ واستمرّ إلى أن انتهى به الأمر أن أنكر كلّ شيء حتّى إنّه كان يريد أن يحرق القرآن. وهذا لأنّهم كانوا يقولون له: أنت لا تفعل هذا! ولكنّه كان يخالف ويقول: لا! إنّها الليلة الثالثة والعشرون، الليلة التي فيها تعرض أعمال كلّ إنسان على إمام الزمان ولو لم أكن في هذه المجموعة فلا يمكن و...

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

12
  • فإذن الأستاذ لأيّ الأوقات هو وضرورة وجود وليّ الله لأيّ زمان هي؟! إن كنت تدرك خيرًا منه فلماذا أتيت إليه؟! وما تشخيصك خيرًا من تشخيصه وأنت عرفت إمام الزمان خيرًا من وليّ الله فلماذا أتيت إلى وليّ الله؟! هذه هي التمرّدات التي تأتي وتجعل النفس تقف أمام الحق استنادًا إلى بعض الرغبات، وهذا المسكين أيضًا لا يدري أنّ هذا الشوق الذي لديه الآن هو بسبب رغبات النفس لا إمام الزمان ولا ليلة القدر ولا الحساب والكتاب، إنّها النفس التي بدلاً من أن تذهب إلى ذاك المكان لتعيش الشهوات والملذّات تريد أن تنالها في هذا المجلس، وكلاهما للنفس، فالنفس الآن تصل إلى لذّتها، لا أنّها تريد أن تطيع الأستاذ.

  • وقد كنّا نشاهد بأنفسنا أنّ الذين كانوا ينفّذون أوامر الأستاذ ويخالفون أنفسهم في مثل هذه الأمور كان يقولون فيما بعد: كم حصلنا على نتائج وثمار! هؤلاء كانوا من الذين يعدّهم الكثيرون ممّن لا يليق بتلقّي الفيض ويقولون: لو كان هذا يليق لشارك في ذلك الأمر ولما تعاملوا معه بهذه الطريقة، والحال أنّ القابليّة واحدة، وأعيننا أعين ظاهريّة، ولن أبيّن هذه المسألة أكثر علينا أن نخوض في موضوع آخر. إنّ تلك التقوى التي لا معنى فيها للخطأ والزلل والاشتباه والانحراف هي التقوى التي تصل إلى مرتبة العصمة حيث لا يتصوّر الخطأ معها كما بيّنت في الجلسة السابقة وقرأت رواية الإمام الهادي عليه السلام للرفقاء حيث قال الإمام: لا يمكن أن يوصف الله، ولا يمكن أن يوصف نبيّه، ولا يمكن أن يوصف الأئمّة، وذلك وفق البيان الذي تقدّم، ثمّ يقول الإمام: المؤمن المسلّم لأمرنا لا يوصف أيضًا.

  • العجيب هو أنّ الإمام عليه السلام يقول: ذلك المؤمن لا يوصف كما أنّ الله لا يوصف. فما معنى ذلك؟ ألم نسلّم نحن أنفسنا إلى الإمام؟! أولم نسلّم أنفسنا لمقام ولاية إمام الزمان عليه السلام؟! الجواب هو: لا لم نسلّم، نحن نحبّ الولاية، نحبّ التسليم، نميل إلى التسليم، نميل إلى اتّباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، نميل إلى اتّباع الإمام المعصوم عليه السلام ونطلب منه أن يوصل ذلك إلى مرتبة التسليم الحقيقيّة، ولكنّنا لم نصل بعد إلى درجة التسليم.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

13
  • من علامات الواصل إلى مقام الولاية والتسليم للإمام عليه السلام

  • المؤمن الذي يقول عنه الإمام الهادي عليه السلام إنّه مسلّم لأمرنا هو سلمان فقط! هو السيّد القاضي، هو أساتذة المرحوم العلاّمة، هو من سلّم نفسه، أي خرج من مقام البشريّة والإرادة والاختيار المنبعث من النفس وصار اختياري أنا الإمام الهادي في نفسه، فإنسان كهذا أيضًا لا يمكن أن يوصف. هذه هي العصمة، وهذا هو مقام التسليم، من جعل اختياري أنا إمام الزمان مكان اختياره.

  • الوصول إلى مقام التسليم ليس مزاحًا ولا يمكن لأيّ إنسان أن يدّعي ذلك، وهذا واضح من كلامنا وسهل جدًّا، ويعلم بواسطة المنطق أنّ هذا الإنسان كم هو عاجز؟ بمعادلة "اثنان في اثنين" يعلم كم هو يقوم بالتمثيل! بكلمتين اثنتين يعلم كم يتطابق كلامه مع منويّاته ومكنونات قلبه، ببضع دقائق يعلم جيّدًا أنّ نفسه هل هي متحقّقة بهذه الحقيقة أيضًا؟ فإذن لماذا يتغيّر كلامه في الموارد المختلفة من حالات المدّ والجزر؟! المتحقّق بالحقّ لا يقول إلا كلامًا واحدًا في جميع المواقف، يتكلّم يخطب يصرخ يقطّب جبينه يحذّر يقدّم الشراب وفي المقابل فإنّه يكون مؤدّبًا، الموارد تختلف ولكنّ الإنسان يعلم أنّه في جميع هذه الحالات قلبه في جانب واحد! ظاهره يختلف ولكنّ قلبه متحقّق بالحقّ!

  • ولكنّ الإنسان يواجه بعض الناس فيرى أنّ قلوبهم قد تحوّلت من هذا الجانب إلى ذاك، بالأمس حين كانت الأوضاع هكذا كانوا في كامل السرور والمسرّة، واليوم حيث تغيّرت الأوضاع لم يعد بالإمكان حتّى النظر إليهم، أفهل هؤلاء هم المتحقّقون بالحقّ؟! كلاّ. إنّه وليّ الله الذي يكون قلبه في جميع الأحوال مستقرًّا وهادئًا، ذلك القلب الذي لا يختلف لماذا؟ لأنّه وصل إلى مقام العصمة. حلّت فيه إرادة الله، لم يعد هناك مشكلات وتقطيب وتغيير وتبدّل، فمقام الذات والمشيئة الإلهيّة هو مقام الاطمئنان والسكون، رغم أنّ مظاهره في الخارج مختلفة ومتلوّنة وذات صور مختلفة ولكنّ إرادته لا تختلف، فالله لا يتأذّى، لم ير أنّ الله تأذّى، قطّب، حزن أن لماذا لم يحصل كذا؟ لماذا حصل زلزال؟! و... كافّة جزئيّات هذا العالم تحصل بإرادة الله! الله لا ينزعج، ونبيّ الله أيضًا لا ينزعج، والإمام أيضًا لا ينزعج.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

14
  • لقد كان حال أمير المؤمنين عندما وصل إلى الخلافة بتلك الطريقة التي نقلت في الروايات كحاله عندما نقضوا بيعته وأخذوه إلى المسجد بالقوّة، لقد كانت المبايعة لأمير المؤمنين بطوع جميع الناس ورغبتهم سوى ثلاثة ذكروا في التاريخ، خلافًا لبيعة خلفاء الجور التي حصلت بالقوّة والغلبة ومحاصرة دار أمير المؤمنين وإحراق الباب وكسره وصفع وجه السيّدة الصدّيقة وكسر ضلعها وإسقاط المحسن بن عليّ وقتله وإلقاء الحبل في عنق أمير المؤمنين وجرّه إلى مسجد النبيّ الأمر الذي يعترف به معاوية في رسالة له إلى أمير المؤمنين حيث يقول: جررت كما يجرّ الجمل المخشوش فأجابه الإمام: أردت أن تذمّ فمدحت۱؛ لأنّي أفتخر بأنّي وقفت في وجه الظلم حتّى ألقوا الحبل في عنقي وجرّوني إلى المسجد، فهذا مورد فخر، وهذا عار عليك وعلى الخلفاء من قبلك أن فعلتم ذلك بمن هو مدينة علم النبيّ ومالك الملك والملكوت، لأنّه في مقام التسليم ومقام الرضا ومقام اختيار مشيئة الله على مشيئة نفسه حتّى صار مستعدًّا أن يصنعوا به ذلك، فأخذتموه على هذه الحال إلى المسجد ليبايع، هذا سبب للفخر لا للعار، العار لهم هم.

  • لقد كان أمير المؤمنين في ذلك اليوم كيوم جاء الحكمان وأبو موسى الأشعريّ الجاهل عديم العلم وجلس مع عمر بن العاص وسلّم الحكومة لمعاوية، كلاهما بالنسبة إليه متساويان لا يختلفان أبدًا، كان توجّهه في الصلاة واحدًا، كان كلامه واحدًا، كما كان يضحك في ذلك اليوم فهو يضحك في هذا اليوم، نعم في الظاهر يتكلّم مع الناس ويخطب بهم ويحتجّ عليهم أن ماذا فعلتم وفعلتم، ولكن في قلبه وفي باطنه يضحك على جميع ذلك. صحيح؟!

  • وهذا المقام هو مقام الشهود، وأعلى من الشهود كما ذكرنا، إنّه مقام العلم الحضوريّ حيث تصبح نفس وليّ الله مجرى لتحقّق الأعيان الخارجيّة، فما تحقّق في عالم الخارج بمشيئة الله ـ لا بمشيئتنا ومشيئة الوليّ، كلاّ بمشيئة الله تحقّق ـ تلك المشيئة وذلك التقدير يتحقّق من نفس الإمام عليه السلام! الإمام عليه السلام يشبه البنّاء الذي ينفّذ خارطة المهندس في هذا البناء، فمثلاً يجعل هنا عمودًا وهناك عمودًا آخر، وهنا جدارًا من بضعة سانتيمترات، وهناك درجًا ونافذة و... فجميع تلك الخارطة التي رسمها المهندس على الورق يأتي البنّاء ويطبّقها بدقّة فيبني هذا البناء، ونفس الإمام عليه السلام هو البنّاء الذي ينفّذ خارطة عالم الوجود التي تحقّقت بواسطة الذات الإلهيّة المقدّسة بطرفة عين، وطبعًا هذا المثال لأجل التقريب إلى الذهن، لأنّ الأمر أرفع من ذلك ولا يمكن أن أبيّن أكثر من ذلك، فالمسألة أرفع من ذلك وأدقّ.

    1. بحار الأنوار، ج٢۸، ص ٣۱۸.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

15
  • حقيقة مقام الولاية

  • عندما يكون أمير المؤمنين البنّاء المنفّذ لهذه الخارطة فسيحمل همّ من؟ لماذا يحمل همًّا؟ الله يقول يجب أن تضع العمود هنا، أفهل يحزن الإمام أن لماذا لا أجعله عشرة سانتيمترات أبعد؟ يقول الله: يجب أن تكون هذه الغرفة هنا، أفيأتي ويقول: ليت الله خطّط لأن تكون الغرفة هنا، ليته جعل الستارة هنا وليته جعل الغرفة هنا، ليته فتح النافذة على الخارج بهذا الشكل، إنّه البنّاء الذي ينفّذ الخارطة ولا يفكّر لماذا كان الجدار هنا؟ لماذا العمود هنا، الأساس هكذا، القواعد؟ افترضوا أنّ الباب والجدار في غير مكانهما فهو لا علاقة له بذلك، لأنّه مأمور بتنفيذ الخارطة لهذا البناء، ولاية الإمام عليه السلام تعني إيجاد عالم التكوين، والإمام يعني موجد عالم الوجود وعالم الخارج.

  • ومن هنا يصبح الإمام معصومًا، فهذا الإمام يصبح إمامًا معصومًا، فإذن إمام الزمان عليه السلام ليس مجرّد ناظر في السجلّ، هذا خطأ أن نقول إنّ الإمام مجرّد ناظر في السجلّ، ليس إمام الزمان مجرّد ناظر على مشيئة الله، بحيث يأتي الملائكة من ذلك العالم ويثبتون الحقائق في عالم الوجود ويعطون للحوادث صورة خارجيّة، فهناك يهطل مطر، وهناك يحدث زلزال، وفي مكان تحدث صاعقة، وهناك صيف وفي مكان آخر شتاء، وفي مكان تنبت الأشجار، وفي مكان آخر تيبس والإمام أيضًا يشرف على عملهم، كلاّ ليس الأمر كذلك، لم يجلس الإمام عليه السلام في مكان بحيث يراقب أعمال العباد أيّهم أساء وأيّهم أحسن ليكتب في دفتره.

  • إمام الزمان عليه السلام بإرادته تتحقّق جميع تلك الحوادث التي تحدث في عالم الوجود أي في عالم المادّة، عالم المعنى، عوالم الملائكة، العقول المجرّدة، الملكوت، المثال، الدنيا، وكلّ ما يحدث في جميع العالم سواء من الحيوانات أو الجمادات والنباتات أو المؤمنين من الناس ومن كفّارهم. فهذا إمام الزمان، هذا هو الإمام المعصوم، أي إنّ الوجود الخارجي للأعمال في عالم الخارج يتحقّق تحت إرادة إمام الزمان.

  • كيف أجرى سيّد الشهداء عليه السلام المشيئة الإلهيّة على نفسه وأبنائه؟

  • ما لم يرد سيّد الشهداء عليه السلام فإنّ الشمر لا يمكنه أن يقطع راسه، هذا هو معنى الإمام، الآن لماذا يريد هو؟ الجواب هو: لأنّ المهندس وضع هذه الخارطة وقال: إن أردت أن تصل إلى مقام الشفاعة الكبرى فعليك أن تطوي هذا الطريق، وإذا أردت أن تصل إلى ذلك المقام الأرفع من العصمة فعليك أن تطوي هذا الطريق، يجب أن يقطّع عليّ الأكبر قطعة قطعة، فإذن الإمام عليه السلام ما لم يرد فإنّ تلك السيوف لا تسقط على بدن عليّه الأكبر، وعددها أيضًا هو يحدّده، وهو يحدّد مقدار دخول السيف، هذا السيف يأتي إلى هذا الحدّ، وذاك إلى ذاك، هذا يدخل في البدن بمقدار خمس سانتيمترات، وذاك بمقدار عشر، وهذا عجيب، فرغم أنّ الإمام يحبّ ابنه أكثر من الجميع ولكنّه في الوقت نفسه ينفّذ المشيئة الإلهيّة في ابنه بهذا الشكل.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

16
  • ليست القضيّة أنّ الإمام الحسين يجلس جانبًا ويقول: أيّها الناس انظروا هذا عليّ الأكبر يذهب إلى الميدان وهذا الجيش يقتله ثمّ يصرخ ويلطم على رأسه، بل كلّ ذلك على أساس إرادته هو، فما لم يرد سيّد الشهداء عليه السلام فإنّ ذلك السهم ذي الشعب الثلاث لحرملة والخارج من قوسه متوجّهًا إليه يمكن أن يحيد بحركة من الهواء بضعة سانتيمترات نحو هذا الاتّجاه أو ذاك ويبتعد عنه، ولكن كلا، فالإمام يهديه أن تعال واستقرّ في قلبي! فسيّد الشهداء نفسه يهدي هذا العمل، لماذا؟ لأنّ إرادة الله تعلّقت بذلك، فإذن الإمام عليه السلام مجري الإرادة والمشيئة الإلهيّة وفي الوقت نفسه عندما يحدث ذلك فلأنّ قلبه أرأف من الجميع يجري دمعه أيضًا وينكسر قلبه، فمقتل عليّ الأكبر ليس بالهزل.

  • شهادة عليّ الأصغر ليست بالهزل، شعرة من هؤلاء تعادل جميع عالم الملك والملكوت، بل أين الملك والملكوت منهم؟ نحن نرى عليًّا الأصغر طفلاً في القماط، ولكن هناك عالم كامن في هذا الطفل على أساسه يحتاج جميع الأنبياء إلى شفاعته، أفهل عرفتم الآن من هو هذا الطفل؟! إنّه من يحتاج إلى شفاعته جميع الأنبياء، ومع ذلك فإنّ الإمام عليه السلام يأتي بإنسان كهذا ويجري عليه المشيئة الإلهيّة دون أن يتردّد قلبه، ومع ذلك يحترق ويبكي ويجري الدمع من عينه، لأنّه يحبّه ولأنّه أبوه، وفي الوقت نفسه هو في حالة شعف وأنس ومسرور القلب لأنّه يرى أنّ هذا العمل كيف بلغ بالطفل إلى رشده وإلى أين يبلغ به، وكم تحصل للأمّة من الشفاعات بواسطة هذا العمل، فانظروا كم هو الفارق؟!

  • هل عرفنا نحن الإمام؟!

  • نحن لم نعرف الإمام أيّها الإخوة! أين عرفنا نحن الإمام الحسين؟ نحن هكذا نقيم المواكب واللطميّات بحماس فأين عرفنا إمام الزمان؟ نحن نتخيّل إمام الزمان رجلاً كالآخرين، غاية الأمر أنّه موضع اهتمام الله مقدارًا ما، فقط هكذا، وقد أعطاه الله مقدارًا بحيث يتمكّن أن يخفي نفسه عن الأنظار، حسنًا فلو كان الأمر كذلك فالجنّ يمكنهم أيضًا أن يخفوا أنفسهم عن الأنظار، ينتقلون من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى مكان آخر، أليس في قصّة النبيّ سليمان: {قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}۱ فمقام العصمة هذا بهذه الطريقة وبهذه الكيفيّة جعله الله تعالى لذلك المؤمن الذي سلّم نفسه للإمام، فانظروا إذن كم لدينا إله جيّد فتح لنا نحن أيضًا هذا الطريق، فلا تقولوا: يا الله هذه الدرجات والمراتب والمقامات هي للأئمة فقط. لأنّ الله يقول: كلاّ. أنت أيضًا سلّم وانظر أنعطيك إيّاها أنت أيضًا تحت ظل إمام الزمان ولوائه أم لا؟! أنت سلّم واعلم بأنّك تصل إلى مقام يقول عنه الإمام الهادي عليه السلام إنّك لن تكون قابلاً للوصف فيه، يعني ستكون أعلى من الوصف ولا يمكن لأحد أن يصفك.

    1. سورة النمل، الآية ٣٩

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

17
  • فهل بعض الناس الذين يُطرحون في عصرنا باسم العارف والإنسان الكامل والذين رأيناهم كانوا هكذا؟!

  • هؤلاء الذين إذا جلسنا معهم وتحدّثنا وجدنا أنّهم أسرى النفس وقد ذكرنا نماذج عنهم سابقًا فهل هؤلاء غير قابلين للوصف؟! فالمؤمن الذي يسلّم نفسه لإمام زمانه بتلك الطريقة يصبح حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وجابر بن يزيد الجعفي ويصبح معروفًا الكرخي والسيّد القاضي وأمثال هؤلاء الأعاظم. فهؤلاء هم الذين يسلّمون ويجعلون أنفسهم تحت تصرّف أستاذهم، ولا يحاولون التملّص ويضيّعون الأمر، ولا يخفون على أستاذهم شيئًا، ولا يتركون لأنفسهم شيئًا وأوّل شيء يفكّرون به كيفيّة تحصيل رضاه. فهذا المقام مقام العصمة وهذا المقام مقام التقوى.

  • لماذا أنكر البعض حديث القرطاس وما الجواب عليهم؟

  • لذلك نرى كثيرًا من الناس يأتون إلى الحوزات العلميّة ويدرسون ويعمّرون تسعين سنة أو أكثر ولكن فجأة يرتكبون بعض الأخطاء التي لا يمكن تصحيحها، وهذا لأنّهم صفر الأيدي من هذه الأمور، فالذي أنكر حديث القرطاس والدواة يقول: أيمكن أن يقول عمر هذا الكلام عند احتضار النبيّ والذي هو إنّ الرجل ليهجر؟! ويقول: أيمكن لمسلم أن يتفوّه بهذا الكلام؟! إنّه لم يعرف عمر، يجب أن يقال له: أنت لم تعرف عمر أيّها المسكين، لا بدّ أنّك تنكر ركله وصفعه للسيّدة فاطمة أيضًا وتقول: أيمكن أن يأتي عمر ويركل ابنة النبيّ ويكسر ضلعها؟! وستقول أيضًا: لا هذا كلام اخترعه بعضهم، هؤلاء الشيعة الذين لديهم بعض الغلوّ هم الذين قالوا ذلك، أيمكن أويمكن؟!

  • الجواب هو أنّه لماذا لا يمكن؟! لقد استخفّينا نحن بأمر النفس والمشتهيات النفسيّة، في حين أنّ هناك في كلّ حادثة وفي كلّ زمان أناسًا حاضرون لأن يضحّوا بجميع الناس لكي يبقى أمرهم هم، فأمثال هؤلاء موجودون، هناك أناس لا يتنازلون عن مطالبهم النفسيّة، ألم يكن هؤلاء الجبابرة وفاتحو البلدان في التاريخ؟ ألم يكونوا أوليسوا الآن موجودين؟ فلماذا هذه الحروب المشتعلة في الدنيا في هذا الزمان؟! ذلك الذي يشعل الحرب يعلم أنّه سيقتل في هذه الحرب عشرات الآلاف وأحيانًا الملايين، لقد أشعلوا حربًا ـ الحرب العالميّة الثانية ذهب ضحيّتها اثنان وخمسون مليونًا، فلو كانوا اثنين وخمسين مليون عصفور لكانت جناية عظيمة، لقد قتل اثنان وخمسون مليون إنسان، منهم اثنان وعشرون مليونًا من ألمانيا فقط، فمن الذي يفعل ذلك؟ الجواب هو نفوس الجناة نفوسهم يا عزيزي! نفوسهم التي تقول: لقد قلتُ هذا الكلام ويجب أن لا يكسر، ولأنّ هذا الكلام يجب أن لا يكسر يجب أن يموت هؤلاء الناس، يجب أن يقتلوا، لأنّ كلامي سيكسر يجب أن يقتل خمسون مليونًا. لأنّي أريد أن أفتح البلدان، على جميع الناس أن يعلموا أنّها قدرتي أنا التي فتحت البلدان وسيطرت على كلّ الدنيا، هل هناك غير ذلك؟! الآن أنتم تقولون: كيف يجرؤ عمر هذه الجرأة على بنت النبيّ؟! لو كان هو هناك ماذا كان يصنع ولو كنّا نحن هناك ماذا كنّا نصنع؟ لكنّا صنعنا نحن أيضًا ما صنعه عمر، وقتل ابنة النبيّ سهل، فلو جاء النبيّ نفسه لعامله بالطريقة نفسها التي عامل بها السيّدة الزهراء، ألم يصنعوا ذلك مع الإمام الحسين عليه السلام؟! لم يقل لهم أحد أيّها العديم الدين إن كنت تحارب الإمام الحسين عليه السلام فما شأنك بعليّ الأصغر ابن الأشهر الستّة؟! إنّه لا يعرف الحرب والقتال، كم يجب أن يكون الإنسان قاسي القلب؟! كم يجب أن يكون شقيًّا؟! إلى أيّ حدّ؟! فالطفل ابن الأشهر الستّ لا يصدر عنه أيّ فعل، ولماذا تقطعون يد الطفل ابن السنوات العشر؟! لماذا تضربون رأسه بالسيف؟! الجواب الوحيد على هذه الأسئلة هو هذا: لأنّ النفس ورغباتها مطروحة، والأمر دائمًا هكذا كان وهو كائن الآن وسيكون أيضًا.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

18
  • ما هو الأمر الذي ينجي الإنسان من براثن النفس؟ وما دور العلم في ذلك؟

  • ولا بدّ أن يُعلم أنّ الأمر الوحيد الذي يقف أمام هذه الفرعونيّة ويمنع يد الإنسان من الوصول إلى هذه النوايا هو التمسّك بالولاية، هذا هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن ينجّي الإنسان، العلم لا يمكن أن ينجي الإنسان.

  • والسؤال الآن هو أنّه ما دور العلم هنا؟

  • الجواب أنّ العلم ليس فقط لا يكفي لكي ينجي الإنسان من براثن النفس بل يجعل وضعه أسوأ حالاً، فمن دون التمسّك بالولاية فإنّ شريحًا القاضي يفتي بقتل الإمام الحسين، ألم يفت؟! أم جميع هذه الأحكام الأخرى. ألم يفت يحيى بن أكثم بقتل الإمام الجواد عليه السلام؟! لماذا؟ لأنّ الإمام الجواد عليه السلام أثبت الولاية في أحد المجالس بحيث أجبر جميع المنحرفين أن يطأطئوا رؤوسهم وفضحهم جميعًا، وأثبت مقام الإمامة في جلسة بحضور الخليفة وأمام جميع علماء أهل السنّة وقضاتهم وفقهائهم. فالإمام الجواد لا يمكنه أن يقصّر أيضًا، ورغم أنّه يعلم أنّ هذا المجلس سينتهي بالإضرار به ولكنّ مقام الولاية أعلى ويجب أن لا يصاب بالهزيمة، يجب أن تعزّز الإمامة. لذلك فإنّ ذلك الإمام أنهى الأمر وأثبت الإمامة والولاية كما هو حقّها.

  • حسنًا، عندما انتهت هذه الحادثة قام يحيى بن أكثم إلى الخليفة وقال: أيّها الخليفة لقد أنشأت أنت هذا المجلس ولم تترك لنا باقية من كرامة و... ومن هنا صدر القرار بقتل الإمام. حسنًا أيّها المسكين الشقيّ تعال وسلّم للولاية! عندما يمتنع عن التسليم يأتي حبّ الرئاسة وحبّ الشأن والشخصيّة والمسائل الاجتماعيّة ويجرّه إلى الخليفة ويقترح قتل ذلك الإمام، ولم يكن يهمّ الخليفة أن ينتصر الإمام الجواد عليه السلام في هذه المناظرة أو يحيى بن أكثم، إنّه يجلس جانبًا ويشاهد فيرى أنّ يحيى بن أكثم قاضي القضاة قد خسر كلّ شيء ولذا يأتي إلى الخليفة ويقول: أرأيت ماذا حصل؟! لم يبق لنا ماء وجه بعد اليوم و... فيقول الخليفة: ماذا أصنع؟ يقول: علينا أن نزيح محمّدًا الجواد من الطريق. صحيح؟!

  • فهذا مثل عمر أيضًا، لقد كان عمر في زمان النبيّ، وكان يحيى بن أكثم في زمان الإمام الجواد عليه السلام، وكلاهما واحد لا يختلفان، لأنّ هذا أيضًا قتل ابن النبيّ، لماذا يقتل إمامًا لا ذنب له؟! لأنّ الإمام يعلم وهو لا يعلم، الذنب ذنب العلم، هذا يعلم وهذا لا يعلم، حسنًا فلتذهب أنت ولتكن أنت عبدًا مسلّمًا له، لكي يصبح علمه لك أنت أيضًا. نحن نأخذ هذا الجهل ونلقي أنفسنا في كلّ معضلة ونجرّ لأنفسنا نكبة الدنيا وخسارة الآخرة، لماذا؟ لكيلا نخسر أنفسنا، من أجل لا شي، فما يأخذ بيد الإنسان ليس العلم ولا شيء آخر، بل فقط هو الولاية وأن يسلّم الإنسان نفسه إلى الولاية.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

19
  • وهذا الأمر بنفسه حصل للمرحوم العلّامة، وذلك في تلك الأحداث عندما سار فيها وحدثت أمور كثيرة ذكرت للرفقاء بعضًا منها وسأذكر بعضًا آخر منها لاحقًا عندما يوفّق الله. وفجأة جاءه أمر من الأستاذ أن توقّف وأنّ عليك من الآن فصاعدًا بالاحتياط. أفهل قام بالدعاية وتخريب الأجواء ضدّ أستاذه؟! أم هل قام بنقل المسألة هنا وهناك وفي المجالس؟! أم لا بل بمجرّد أن جاء الأمر أنّ عليك أن تحتاط في الأمور انتهى الأمر وانتهى.

  • ولا تتصوّروا أنّ الأمر انتهى هنا، لقد اتّهموه بالجبن، اتّهموه بإيجاد الموانع في العمل، اتّهموه بالأنانيّة وغير ذلك... ولكن ما دام الأستاذ قد قال ذلك فهذا يعني أنّ الأمر قد انتهى. هكذا أطاع المرحوم العلاّمة وسلّم إلى أن وصل إلى حيث قال أستاذه: لقد أخذ هذا الرجل كلّ ما عندي. لقد وصل إلى حيث يجب أن يصل.

  • أمّا نحن فلسنا كذلك ونأتي وندور حول أنفسنا ونقلّب الأمور، نخطو خطوة من أجل أنفسنا وخطوة من أجل الآخرين، وهؤلاء أيضًا يسايروننا حتّى ينتهي الأمر في النهاية بنحو من الأنحاء. في حين أنّ على الإنسان أن يسلّم لمقام العصمة، هو يعلم أنّه عندما يقول الأستاذ: تحرّك. فهذا الأمر هو عين الحقّ. وعندما يقول: قف. فهذا عين الحقّ. أو يقول: هنا قم أو اقعد فهو حقّ. لأنّه هو لا يفعل لنفسه شيئًا لكي يطالب بحقّه، فلو كان يعمل لنفسه لاعترض. إنّه يقول: بما أنّهم قالو اجلس فهذا أفضل والآن استرحنا ونتفرّغ لأعمال أخرى، لأنّ الأعمال كثيرة، فنعمل بالأعمال والموارد الأخرى.

  • أمّا نحن فلسنا كذلك، لأنّنا نعمل لأجل أنفسنا ومثلاً هنا احتفظنا بشيء لأنفسنا، فعندما نواجه بعض الاضطرابات والأمور غير الملائمة والمخالفة للتوقّعات فإنّنا نعترض.

  • علينا أن نعلم أنّه ليس هناك ما يوجب أن يسير العالم دائمًا على أساس توقّعاتنا، فالله لم يقل شيئًا كهذا. هل قال الله لملائكته كلّ ما يخطر في أذهاننا يجب أن يحقّقوه في الخارج؟! كلاّ فالله له حساباته الخاصّة وملائكته أيضًا {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}۱ فقط وفقط يعملون على أساس إرادته، وينظرون إلى السجلّ الذي يعطيهم الله والسلام، لا ينظرون إلى نيّتنا ولا إلى إرادتنا وتوقّعاتنا، فما هذه الاعتراضات التي يعترضها البعض من أنّه يجب أن يكون كذا أو كذا، فالله تعالى يقول أيضًا: نحن نجلسك في مكانك بحيث لا يمكنك أن تتنفّس أصلاً. نحن الذين علينا أن نجعل أنفسنا وفق ما يريد الملائكة.

    1. سورة الأنبياء، الآية ٢۷.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

20
  • ما دام الأمر كذلك، فلا معنى للانزعاج، إذا ما حصل هنا ما يخالف إرادتي فالأمر لا يرتبط بي فما هو دوري أنا؟! أو لو حصل هنا ما يوافق رغبتي أيضًا لا يرتبط الأمر بي فلماذا أبدأ بارتجاز الشعر؟! إذا ما تحقّق نصر في موضع ما لماذا عليّ أن أرتجز الشعر؟! ولو حصل تراجع في موضع ما فلماذا أنزعج أنا؟! الذي حقّق النصر هنا هو نفسه حقّق التراجع هناك، هو عليه أن يرتجز وهو الذي عليه أن ينزعج لماذا أفعل ذلك أنا؟! فلتحتفل الملائكة! ما علاقتي أنا؟! إذا صار حال السالك هكذا يمكن أن يقال إنّه يسير في الطريق الصحيح شيئًا فشيئًا.

  • كيف نحافظ على التقوى؟

  • كلامنا الآن هو حول هذا الأمر: كيف نحفظ هذه التقوى؟! كنت أودّ أن أتعرّض اليوم لهذا الموضوع ـ وأنّه كيف نحافظ عليها ونستضيفها؟ وكيف نصنع لكيلا نخسر هذه النعمة الإلهيّة التي نحصل عليها؟ نقول بالإجمال:

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: الحال التي يحصل عليها السالك هي نعمة إلهيّة وضيف جاء من قبل الله واستقرّ في قلبه، وعلينا أن لا نرى هذا الحال من عند أنفسنا، فعندما نشعر بشعور معيّن، بحال من الخفّة والانبساط، أو تحصل لنا مشاهدة، أو نرى رؤيا ويتّضح لنا أمر ما، فهذه كلّها ضيوف إلهيّة جاءت إلى قلبنا بواسطة قوى الملائكة والقوى النورانيّة والمجرّدة، وعلينا أن نحسن استقبالها وضيافتها ونحافظ عليها، علينا أن لا نحوّل أفكارنا نحو هذا الاتّجاه وذاك، ولا نقوم بما ينافي ذلك، لأنّ للّه غيرة، وعندما يرى أنّه حصلت لعبده حال ما وهو لم يعلم قدرها وقيمتها فإنّه يسلبها منه. افترضوا أنّكم أهديتم إلى صديقكم هديّة فإذا رأيتم أنّه لا يبالي فإنّكم تأخذونها وتقولون في أنفسكم: لقد جئت بها ليفتحها ويراها ويشكرني عليها، لأنّها مفيدة له. ولكنّكم ترون أنّه وضعها جانبًا ولم يهتمّ بها! كما تقولون: كنت أريد أن أعلّمه شيئًا ولكنّي رأيت أنّ ذهنه في مكان آخر، فلماذا أتكلّم معه؟! أو أريد أن أعلّمه شيئًا ولكنّي أرى أنّه يتكلّم مع صديقه، فلماذا أتكلّم معه؟!

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

21
  • فهذه نعم إلهيّة يعطيها الله للسالك، ويجرّه نحو ذاك العالم مقلّلاً تعلّقات قلبه بالمادّة، فعلى الإنسان أن يقدّر هذه النعم وتقديرها هو بهذا: أن يكون لديه مراقبة، والأشهر الآتية علينا أن نكون مراقبين فيها.

  • كيف نهيئ أنفسنا للأشهر الثلاثة؟

  • لقد كان الأعاظم يأمرون بالاستعداد المسبق للدخول في هذه الأشهر المباركة رجب وشعبان ورمضان، لا أن تقولوا من الليلة الأولى لرجب: حسنًا لقد حلّ شهر رجب فلنهيّء بساطنا. كلاّ، بل هيئوا أنفسكم قبل مدّة لكي يصبح قلبكم مستعدًّا للوفود في هذا الشهر. ما معنى تهيئة النفس؟

  • قلّة الكلام

  • يعني أن نقلّل الكلام مع الناس، أن نمتنع عن الكلام الذي لا طائل تحته ولا معنى له، فإذا كنّا جالسين في مكتب عملنا وأراد واحد أن يأتي ويجلس معنا ويتكلّم فلنقل له: اذهب وتكلّم مع غيري ـ الكلام الذي لا أساس له لا الكلام الضروري المرتبط بالعمل، بل الأمور التي لا قيمة لها مثل غلاء سعر هذه السلعة وهبوط سعر تلك السلعة، أو في تلك المنطقة حصل زلزال وهذا النوع من الكلام الذي يتكلّم به الجميع، أو إذا كنّا في مكان ورأينا جماعة يتكلّمون فلا ننصت إلى كلامهم ولا نصغِ بقلوبنا، ما إن نصغي حتّى يأتي هذا الكلام ويترك أثره في القلب، تمامًا كما يأتي السهم ويدخل سمّه، ولكن إذا اعتمد أسلوبًا آخر وعند كلام الآخرين بحيث يمرّ الكلام من أذنه ويمضي ولا يلتفت إليه فهذا لا أثر له، علينا دائمًا أن نكون مشغولين بالذكر ولو لم نأت به على ألسنتنا.

  • علينا أن نعلم بأنّ التكلّم هو من أهمّ الآفات التي تطرد ضيوف الله هذه من قلوبنا، فالأمر عجيب جدًّا: فقد أكّد الأعاظم على هذه المسألة بما لم يؤكّدوا عليه في الأمور الأخرى. وإن شاء الله سنتكلّم في موضعه المناسب ضمن هذه الأبحاث ونقول كم هي مضرّة مسألة التكلّم الزائد وكم تسلب القلب سكينته وتحدث فيه اضطرابًا.

  • صلّوا صلاة واحدة وابقوا بعدها جالسين على سجّادتكم بصمت مهتمّين بحالكم، وفجأة إذا دخل عليكم واحد فبدأتم بالكلام معه، فإذا ذهب قارنوا حالكم بعد الكلام مع حالكم قبله لتروا كم يختلف، لأنّ هذا الكلام يسلب جميع حالات الهدوء والسكينة ويذهب بها. ولذلك يجب الالتفات إلى هذا الأمر من الآن.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

22
  • تنظيم الوقت والنوم والطعام

  • ولأجل هذا من الأفضل أن ينظم الإنسان أوقاته، من الأفضل أن ينام باكرًا ليلاً، وأن يكون طعامه مناسبًا، وأن يمتنع عن هذه الأشياء التي يبتلى بها الآخرون، من الأخبار والأمور الفارغة والصور ومشاهدة الأفلام والأشياء التي لا أثر لها سوى إتلاف الوقت ودخول الشياطين إلى فضاء المنزل ووجود الإنسان، فليترك كلّ ذلك جانبًا. ومن الأفضل أن يطالع قبل النوم من كلمات الأعاظم ومعارفهم بضع صفحات. وأن يعمل بما يقال، وينام على وضوء ويستيقظ باكرًا ليكون له استعداد للصلاة.

  • وعندما يخرج من المنزل يكون خروجه فقط بهذه النيّة وأنّه يقوم بواحد من التكاليف ويرجع، ولا يلوّث نفسه بالأمور المحيطة ويمتنعُ عنها، فهذه الأمور هي التي تجعل لدى الإنسان حالة من الاستعداد والتهيؤ، وطبعًا هناك أمور أخرى في هذا المجال إذا وفّق الله أذكرها في الجلسة اللاحقة.

  • وعلى كلّ حال علينا أن نعلم هذ الأمر: أيّ مرتبة من التقوى يعطينا الله إذا قدّرناها وحافظنا عليها وعملنا وفق الأوامر، وفّقنا للمرتبة اللاحقة، وإن لم نعمل خسرنا اللاحقة.

  • نموذج من مصائر الذين لم يهتمّوا بالمحافظة على ما يحصلون عليه

  • كثير من الناس الذين كانوا في محضر المرحوم العلاّمة أو الأولياء الآخرين وكانت لي بهم صلة، كانوا من أصحاب الحالات الجيّدة، وكان الآخرون يغبطونهم، وعندما كانوا يبيّنون لي حالاتهم كنت أتعجّب أنا شخصيًّا، ولكنّهم لم يقدّروها، لم يكونوا يعلمون من أين أتت هذه الحالات، اعتقدوا أنّها من عند أنفسهم، ولذلك لم يبالوا بما أوتوا، وخالفوا أوامر الأعاظم، وسلبت منهم هذه الحالات حتّى وصل بهم الحال إلى حيث أخجل أن أنقل التعابير التي كانوا يستعملونها في النهاية. فلماذا انتهوا إلى هذه الحالة؟ وماذا حصل لتلك الحالات والمكاشفات؟! ورؤية حقيقة التوحيد في كلّ ورقة من أوراق الأشجار أين ذهبت؟ وتجلّي الولاية في جميع الموجودات والحصى أين ذهب؟ وأين ذهبت أذكار الطيور والوحوش التي كنت تخبرنا عنها؟ نعم لم تقدّر قدرها حتّى ألقيت نفسك في هذه الحالة.

  • من هؤلاء ذلك الذي ذكر المرحوم العلاّمة اسمه في كتاب معرفة المعاد، والذي عندما نقل قصّة رؤياه ـ والظاهر أنّها في الجزء الأوّل على ما أذكر في الفرق بين الزمان في عالم الدنيا وفي عالم المثال والرؤيا ـ فقد نقل رؤيا عن أحد أقاربه وأرحامه أنّ الإمام الرضا عليه السلام في تلك المكاشفة قال له: قم واعمل فبدون عمل لا يمكن أن تحصل على شيء. وبعد تلك الرؤيا التي حصلت يقول المرحوم العلاّمة: إنّ الرؤيا التي رآها في أقل من خمس دقائق كان يأتي مدّة ثلاثة أيّام من الصبح حتّى الظهر ومن العصر حتّى الليل ليخبرني بها. ثلاثة أيّام كاملة، فقال الشيخ الأنصاري رحمه الله عنه: من المعلوم أنّ هذا الإنسان ذو قابليّة كبيرة ومن النادر أن يحصل أمثال هذه الحالات في هذا العصر.

أعلى مراتب التقوى ولوازمها

23
  • وهذا الإنسان بسبب عدم طاعته للمرحوم العلاّمة انتهى به الأمر إلى أنّه لم يترك شيئًا إلا وقاله للمرحوم العلاّمة، وقد كان مدّة من تلاميذه، والعجيب هنا، فالله يغار على هذه النعمة التي أنعمها أن لماذا تضيعها ولماذا لا تعرف قدرها؟! لقد حصل هذا الإنسان على حالات ـ في حياة المرحوم العلاّمة حين تشرّف بالحج برفقة كثير من الأصدقاء ـ وقد نقل لي جميع حالات المرحوم العلاّمة والرفقاء وأنّهم الآن إلى أين ذهبوا، والآن أين هم والآن دخلوا مسجد المدينة والآن إلى أين دخلوا وخرجوا، والآن ذهبوا لزيارة ذاك المكان، وكلّ ذلك كان يبيّنه وعندما رجعوا رأيت أنّه قال حقًّا، وكان ذلك قد حصل واقعًا. ولكن عندما لا يقدّر ذلك، ويقال له: قم بهذا العمل فلا يقوم به، وعندما لا يقوم أثناء الامتحانات بما ينبغي أن يقوم به فإنّ الله يسلبه، وشيئًا فشيئًا تنطبق عليه هذه الآية: {والذين كذّبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}۱ وشيئًا فشيئًا يحصل مقام الاستدراج، إلى أن يصل إلى حيث يبدأ بالسخرية ويقول لي: أنا أيضًا مثل آدم أكلت قمحًا فأخرجوني من الجنّة ثمّ يضحك ساخرًا، وهذا أوّل الأمر، أمّا ما قاله لاحقًا فدعه. كلّ ذلك من أجل أنّه لم يحسن ضيافة هذه الضيوف التي أرسلها الله ولم يعرف قدرها، لقد أخذ كلّ شيء بالمزاح فأخذ الله منه كلّ ذلك. فإذا أخذها حلّت مكانها ضيوف أخرى تدعوه إلى أمور أخرى، لأنّه إذا ذهب هذا الضيف فلا بدّ أن يأتي ضيف آخر، لأنّ الدار لا تبقى خالية، لأنّ القلب لا يبقى خاليًا، إمّا مكان الرحمن أو مكان الشيطان، تخرج هذه الضيوف ويأتي مكانها ضيوف آخرون. فليس لدينا هنا حالة من الخلأ وشقّ ثالث. فعلينا أن ننظر في أنفسنا ونرى ماذا في قلوبنا أيّ نوع من الضيوف.

  • نسأل الله ببركة صاحب مقام الولاية أن يجعلنا مشمولين لألطافه وأن يعفو عن نقصنا بكرامته وعظمته وأن يجعلنا دائمًا من العارفين بقدر نعمة الولاية.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. الأعراف، الآية ۱۸٢.