13

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها

كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

3
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/28

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

ما معنى أن ندعو الله بغير شفيع؟ إذا كان الاتّصال به مباشرًا، فلماذا نحتاج إلى الأنبياء والأولياء؟ وكيف نوفّق بين اتّباع المرشد الروحيّ وتجنّب الشرك؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة الدقيقة، موضّحةً حقيقة التوحيد في السلوك إلى الله.

/۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها

  • كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الثالثة عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

2
  •  

  •  

  • أَعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

  • الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرْسَلِينَ 

  • وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ أَبِي‌القَاسِمِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ 

  • وَاللَّعْنَةُ عَلَى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

  •  

  •  

  • «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي؛ وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي، بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي!» 

  • الحمد لله الذي كلما سألته شيئًا وطلبته منه أعطاني، وعندما يطلب هو منّي شيئًا أمتنع وأبخل! [والحمد لله الذي كلما أردتُ وكانت لي حاجة ناديته؛ وكلما أردتُ أن أخلو به من أجل سرّي وباطني، أستطيع الوصول إليه، وهذا الاتصال به لا يحتاج إلى شفيع أو بوّاب!].

  • سبب عدم بخل الأنبياء والأولياء في بذل النفس والمال

  • لقد ذكرنا في الجلسة السابقة أنّ علّة البخل قد تكون تصوّرنا أنّ تلك المواهب الإلهيّة فانية وزائلة من عندنا، وبما أنّ كلّ ما يُؤخذ من الصندوق لا يعود إلى مكانه، فإنّ طبعنا الميّال إلى التكاثر يجعلنا غير قادرين على الإنفاق وقضاء الحوائج. أمّا إذا اعتبرنا هذه المسائل منه، واعتبرنا المواهب التي وهبنا الله إيّاها هي من لدنه، فإنّ مجرّد تخيّل هذا البخل وتوهّمه يصبح خطأ من الأساس؛ أي لو أنّ الإنسان حقًّا اعتبر ما وضعه الله في حوزته وديعة، واستقرّت هذه الحقيقة في روحه ونفسه، فإنّ ردّ هذه الوديعة يصبح حينئذٍ سهلاً ولا صعوبة فيه.

  • نحن نسمع أيّ تضحيات كان أمير المؤمنين عليه السلام يقوم بها حقًّا في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكيف كان يفدي نفسه، وما إلى ذلك، أو كذلك كيف أنّ الآخرين من الأعاظم والأولياء لم يكونوا يعتبرون لأنفسهم أيّة قيمة وجوديّة على الإطلاق؛ فلماذا وما هو السرّ في ذلك؟! إنّ هؤلاء الأولياء والأعاظم يعتبرون هذه الأمور وديعة حقًّا، وعندما يعتبرونها وديعة، لا يواجهون مشكلة في ردّها.

  • هل رأيتم بعض الناس عندما يملكون علمًا، لا يضعونه بالكامل تحت تصرّف تلاميذهم ويحتفظون به؟ وهذه حال خاطئة، وهي حال نفسانيّة سيّئة. ولكنّ البعض الآخر يضع ما يملكه تحت تصرّف الآخرين دون أيّة شائبة. لماذا يريد الإنسان أن يحتفظ بالشيء لنفسه؟! هذه القصّة شائعة جدًّا اليوم خصوصًا بين الأطبّاء وأمثالهم؛ لأنّ أساس علمهم قائم على المادّة والماديّات، وهدفهم من اكتساب هذه العلوم هو مجرّد الحصول على متاع الدنيا، وبناءً على هذا فإنهم يعتبرون لعلمهم قيمة ماديّة، ويضعون لشهرتهم وفخرهم حدودًا وحرمًا. يقال: إنّ أولئك الذين لديهم خبرة عالية، لا يعلّمون تلاميذهم سرّ المهنة؛ لا يفعلون ذلك حتّى تبقى مكانتهم وحرمتهم محفوظة لهم دائمًا!

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

3
  • حفظ الله صديقنا ورفيقنا الشفيق الدكتور سجّادي، وزاده توفيقًا؛ إنّه رجل يحرص ويغتمّ لتعليم تلاميذه، أي أنّه ليس فقط لا يمتنع عن وضع المسائل تحت تصرّفهم، بل كان ينزعج إذا قصّر أحدهم أو أهمل! ذات يوم كنّا في محضر السيد العلامة وجاء ذكره، فقال: «هذه الحال التي لديه مفيدة جدًّا لسلوكه من الناحية النفسيّة، وتدفعه إلى الأمام كثيرًا!».

  • ضعه تحت تصرّف الآخرين بلا شوائب! الآن وقد وهبك الله نعمة، وفتح فهمك لبعض الأسرار والدقائق والتفاصيل، فلماذا لا تضعها تحت تصرّف الآخرين؟ ولماذا تريد أن تحتفظ بها لنفسك؟! إذا فعلت هذا، فسوف تزداد وتكثر؛ وإن لم يفعل الإنسان ذلك، فإنه يغلق ويُغلق عليه. فكلّ هذه امتحانات؛ وذلك لأنّ منشأها هو الله! فلماذا يعتبرها الإنسان من نفسه؟! لا معنى لأن يعتبر الإنسان هذه النعم من نفسه!

  • منافاة البخل للمبادئ الأوليّة للسلوك

  • «وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي!» لماذا يبخل الإنسان؟! هؤلاء الذين قصدوك الآن لطلب العلم والمعرفة، هم يستقرضون من الله؛ فردّ العلم الذي أعطيتك إياه، أريد أن أقترضه منك! تلك المعرفة التي أعطيتك إياها، أريد الآن أن تعلّمها لهؤلاء! في النهاية، أنا من فتح ذهنك، وأنا من لفت انتباهك قليلاً، وأنا من علّمك هذه الأسرار؛ فلماذا تبخل؟! هذه حال خاطئة، وهذه القصّة خاطئة، ولا ينبغي للسالك أبدًا أن تكون فيه مثل هذه الحال.

  • يجب أن يضع ما لديه تحت تصرّف الآخرين بلا شوائب! أمّا أن أحتفظ ببعض المسائل لنفسي، فهذا يتنافى أصلاً وبشكل كامل مع البناء الأوّلي والخطوة الأولى والدرجة الأولى من السلوك!

  • لماذا لا يحتاج الله إلى شفيع؟ 

  • «وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي»؛ الحمد لله الذي كلما أردتُ وكانت لي حاجة ناديته!

  • «وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي»؛ وكلما أردتُ أن أخلو به من أجل سرّي وباطني، أستطيع الوصول إليه، وهذا الاتصال به لا يحتاج إلى شفيع أو بوّاب.

  • لماذا لا يحتاج إلى شفيع؟ ولماذا كلّما أردنا أن نخلو بالله يكون في متناولنا؟ يتّضح من الفقرات السابقة أنّ السبب هو أنّ الله لا يعتبر لنفسه أبدًا حرمًا لاكتساب العزّة والاحترام. ذلك الممتلئ والصمد، لا حاجة له إلى هذه المسائل، لا حاجة له إلى الذهاب والإياب والرفقاء والمريدين والمحيطين والبوّابين والحُجّاب، إن جاء الناس فقد جاؤوا، وإن لم يأتوا فلا يأتوا، فهو محفوظ في مكانه؛ على عكس ذلك الذي يشعر بالفراغ ويبحث عن الرغبات الماديّة.

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

4
  • أصلاً، إحدى الحيل الموجودة في المنظّمات هي هذه، لنفترض لو أنّ السيد الوزير جلس عند باب الوزارة وسلّم عليه كلّ من يأتي، فلن يكون هذا وزيرًا بعد الآن! من يريد أن يرى وزيرًا عليه أن يجتاز مهامّ رستم السبع۱، ثمّ هل سيتمكّن من الوصول إليه أم لا! يقولون إنه كان لديه مؤتمر، ولديه ندوة، ولديه مقابلة، ووكالة أنباء، ومن هذا الكلام؛ في حين أنه جالس وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى ويتصارع مع نفسه!

  • الانشغال بالمناصب والمسائل الظاهريّة لتعويض الفراغ والنقص الوجوديّ

  • نقل أحدهم قائلاً: اتّصل بي فلان الذي أصبح مسؤولاً، وقال بحماس شديد: «يا فلان، أين أنت لماذا لا تأتي لزيارتنا؟! لا تعلم كم هي لذيذة الرئاسة وكم فيها من متعة!» وكان يقول هذا بتلك الطريقة! مرّ عام على هذه القصّة، فذهبت يومًا لرؤيته، فقالوا: هو في المكان الفلاني. فتعال من هنا واذهب من هناك، حتّى دخلت غرفته، فرأيته قد وضع سيجارًا في فمه ويدخّن! ما إن رآني ورأى أنّ عينيّ وقعتا على سيجاره هذا، حتّى ارتبك، ولكي يبرّر الموقف قال: «لقد أصبحت مشغولاً لدرجة أنّني أضطرّ لتدخين هذه السجائر!». فقلتُ: يا فلان، لا تعلم كم هي لذيذة الرئاسة! (كان يقول هذا عندما اتصل بي العام الماضي!) فرأيتُ وجهه يحمرّ ويصفرّ ويصبح بنفسجيًا وأزرق وأحمر وأصفر، وكان يغيّر لونه باستمرار! طبعًا في ذلك الوقت كانت لذيذة، أمّا الآن فقد سُلبت منه المناصب!

  • كلّ هذا فراغ، وداخلهم فارغ، إنهم جوف ولا يملكون شيئًا، ولسدّ ذلك الفراغ ولتعويض ذلك النقص يضطرّون إلى الاهتمام بالمسائل الظاهريّة! أمّا ذلك الممتلئ، وذلك الذي ليس أجوف وهو صمد، فلا حاجة له بهذه الأمور بعد الآن، لا حاجة له بقول "لدي وقت" و"ليس لدي وقت و"أعطوني موعدًا بعد شهر"؛ فهذه الأمور لهم!

  • يُقال: جاء طبيب وكان لديه على ما يبدو عيادة أسنان، ولم يكن لديه أيّ زبون، وكان جالسًا يقرأ الجريدة باستمرار. كان قد طلب خط هاتف ليمدّوه له ولكن لم يكن هاتفه قد وُصل بعد. كلّما ذهب زبون إلى هناك، ما إن يرى أنّ صوتًا يأتي، حتّى يرفع سمّاعة الهاتف وكأنّه يتحدّث ورأسه مشغول: ليس لديّ وقت، تعال بعد شهر! لا فرصة الآن، ولدي سفر في الأفق! لا، عفوًا، لا يمكن! ومن هذا الكلام! ثمّ فجأة جاء رجل من رجال الهاتف هؤلاء ومعه حقيبة، فدخل وجلس ورأى الطبيب يتحدّث، وعندما انتهى حديثه، قال: «سلامٌ عليكم!». فقال الطبيب: «عليكم السلام، تفضّل!». قال: «عفوًا لقد جئت لأوصل هاتفك! ولست مريضًا!».

    1. اصطلاح قديم في تراث الأدب الفارسي مذكور في الشاهنامه لفردوسي ويشير إلى مهام ومنازل سبعة لا بدّ أن يجتازها رستم البطل منها قتل الأسد وقتل التنين وأمثال ذلك. (م)

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

5
  • أولئك الذين لا يبحثون عن بوّاب وهذه المسائل، وليس لديهم هذه الأمور! كان السيد العلامة يقول: «ذهبتُ يومًا لزيارة أحد العلماء ـ وهذا العالم توفّي ـ وعندما أردتُ أن أدخل المنزل، قال بوّاب المنزل: "إنه نائم". فقلتُ: لديّ عمل عاجل معه، ويجب أن أعطيه هذا الشيء وأعود إلى طهران، وأنا مستعجل! قال: "حسنًا، اجلس أنت هنا في غرفة الاستقبال، وأنا سأذهب وأوقظه". فجلست في غرفة الاستقبال، لم يمرّ أكثر من ثلاث أو أربع دقائق حتّى قال: "تفضّل إلى تلك الغرفة المجاورة!". فذهبت فرأيته قد وضع عمامته على رأسه ولبس قباءه وهو يطالع كتابًا، يبدو أنّه "الشرائع" أو "كشف اللثام"، وكان واضحًا أنّ عينيه منتفختان وأنه قد استيقظ للتوّ من النوم، كانت عيناه وهيئته ومظهره تدلّ على ذلك! قبل أن أقول له الموضوع، ودّعته وعدت إلى طهران، ومن هناك غيّرت مساري!».

  • من كان ممتلئًا، لا شأن له بهذه الأمور! أيقول: هل تستعرض أمامي وأنا الخبير؟! لمن تفعل هذا؟! حسنًا، قل تفضّل بالدخول، كنتُ نائمًا والآن استيقظت! ما كلّ هذه التعقيدات والسخافات؟! اتّخاذ الحُجّاب والبوّابين والذهاب والإياب هو لأناس يريدون أن يعرضوا مظهرهم في الخارج بهيبة وجلال!

  • لماذا كان أمير المؤمنين مستغنيًا عن المناصب الظاهريّة

  • كان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس في مسجد الكوفة لكي يأتي كلّ من له حاجة فيطرح كلامه ويذهب؛ إنّه ممتلئ وليس فارغًا! يقولون له: تعال وكن رئيسًا! 

  • يقول: سمعًا وطاعة! 

  • يقولون: تنحَّ جانبًا! 

  • يقول: سمعًا وطاعة! 

  • يقولون: اليوم الأمر هكذا! 

  • يقول: لا بأس! 

  • يزيحونه جانبًا، حتّى يصل بهم الأمر إلى أن يقولوا: أصبحنا بائسين وتعساء والإسلام في خطر! فيقول: حسنًا، فلأذهب! 

  • هذا بسبب الامتلاء! لا يشعر بفراغ في نفسه، ولا يشعر بنقص في ذاته ليريد تعويضه؛ المراتب عنده على السواء، والمسائل عنده غير متفاوتة فيها.

  • أمّا الذين لديهم جوانب من الفراغ، فيريدون أن يملؤوا فراغهم، فهم يحتاجون إلى هذه المسائل وإلى هؤلاء الأفراد وهذا المجيء والذهاب، و"لا تسمحوا بالدخول" و"أعطوا موعدًا" و"أعطوا موعدًا متأخّرًا" و"ضعوا حاجبًا" وأمثال ذلك!

  • الله لا شأن له بهذه الأمور وليس هكذا؛ الله صمد وممتلئ وغنيّ بالذات! ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾۱؛ الحاجة من طرفكم، والدلال من طرفه! الغنى يختصّ بذات الله!

    1. سورة فاطر (٣٥)، الآية ۱٥.

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

6
  • حسنًا، هل يضع الله لنفسه بوّابًا؟! فلماذا يضع بوّابًا بعد الآن؟! لماذا يجب أن يأتي من يشفع ليأخذوك إلى الله؟! يقول الله: ذلك الشفيع أيضًا معك، كلاكما واحد!

  • رحم الله الحاج إبراهيم الإمام زاده الزيدي، كان يتحدّث يومًا على المنبر في مسجد الشاه بطهران، فقال أحد أصحاب الفتوّات والذي كان قد أتى ووقف عند الباب: «يا علي، إذا أدخلتَ سلمان والمقداد الجنّة فلم تفعل شيئًا خارقًا؛ أمّا إذا أدخلتَني أنا فقد فعلت شيئًا خارقًا!». كان فهم هذا المسكين بهذا المقدار؛ ففي النهاية، عند عليّ، سلمان وأنت سواء! ذاك سلمان إذا أراد أن يفعل شيئًا بمعزل عن عليّ، فسيكون في ورطة ولن تساوي قيمته الصفر!

  • به ذرّه گر نظر لطف بوتراب کند***به آسمان رود و کار آفتاب کند 
  • لو أنّ أبا تراب نظر بعين اللطف إلى ذرّة *** لصعدت إلى السماء وقامت بعمل الشمس

  • آية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ دليل على استغناء الله عن الشفيع والبوّاب

  • الغنيّ بالذات هو الله تعالى؛ وعندما يكون هو الغنيّ بالذات، فجميع العباد عندنا سواء، فما الفرق بينهم بعد الآن؟! هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أليس وجودنا ولوازم وشوائب وجودنا في قبضة الله؟! فعمّن يجب أن نبحث بعد الآن للذهاب نحو الله؟! عندما يقول هو: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾۱؛ وعندما يقول هو: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾٢؛ ظاهري هو، وسرّي هو، وباطني هو، وأوّلي هو، وآخري هو؛ أي في كلّ مرحلة، تبدأ منه، وعندما تصل إلى الفعليّة، يكون هو أيضًا من يغيّر لونه، وفي جميع شراشر وشوائب الوجود، لا يوجد غير ذاته.

  • فما معنى الشفيع هنا بعد ذلك؟! عندما أريد أن أتوجّه بسرّي نحو الله، فإنّ توجّهي نحوه سرّ، والرجوع إليه في سرّي هو الله نفسه! إذن، فما الذي يجب أن يأتي هنا ويشفع ويفتح لنا هذا الباب للدخول؟! ليس لدينا شيء آخر هنا، فلا حاجة لشفيع هنا بعد! سرّي في يده، وظاهري في يده، وباطني أيضًا في يده! فما دور هذا الشفيع هنا؟! هذا ما يُقال له: الغنيّ بالذات! أي لا توجد فيه أيّ نقطة فراغ حتّى يحتاج لرفع نقطة الفراغ تلك إلى شفيع، ويحتاج إلى مُمدّ ومؤيّد؛ لا يوجد شيء. الرجوع إليه في السرّ لا يحتاج إلى غير؛ فبمجرّد أن يريد الرجوع، يكون هو من يدعو ويطلب!

    1. سورة ق (٥۰)، الآية ۱٦.
    2. سورة الحديد (٥۷)، الآية ٣.

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

7
  • ظهور الإمام الحسين للعلاّمة الطهراني في الحرم

  • الشفيع يعني أن يبحث الإنسان عن الشمس بمصباح وشمعة! الشمس التي يسطع نورها على كيان الإنسان بأسره، لا ينبغي لنا بعد الآن أن نبحث عنها بشمعة!

  • كان السيّد العلامة يقول: «ذهبتُ يومًا إلى حرم سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وهناك ظهر الإمام عليه السلام، فحدثت أحوال، وحصل تجلٍّ عظيم جدًّا، وكنت في رواق الحرم ذاك قد فقدت وعيي. فرآني أحد هؤلاء الرفقاء وقال: "يبدو أنّ الأوضاع والآثار متغيّرة جدًّا!". فأمسك بياقتي بقوّة قائلاً: "بحقّ جدّك خذ بيدنا!". فغضبت وقلت: اذهب يا عزيزي؛ لقد تجلّت الشمس وأنت تبحث عن شمعة؟!».

  • فما معنى الشفيع هنا؟! عندما يملأ نور الشمس كلّ مكان، فهل أبحث عن الله بشفيع وأذهب إلى الله، وهو يفتح لي الباب؛ لأنه هو نفسه لا قدرة له ولا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه؟! لذا، فإنّ الله يتجلّى ويظهر في باطن كلّ إنسان ويدعو ويطلب هو نفسُه؛ فهنا لا توجد شفاعة. ذلك الإله الذي يذهب إليه الإنسان بواسطة شفيع، ذلك الإله لا ألوهيّة له!

  • سبب الحاجة إلى الأنبياء والأئمّة الطاهرين وأساتذة الطريق

  • الله هو الله في كلّ حال وهو مطلق في كلّ حال؛ الله لا يحتاج لألوهيّته إلى نبيّ، ولا يحتاج إلى إمام، ولا يحتاج إلى وليّ وأستاذ؛ الله هو الله في كلّ وقت! فلماذا نذهب نحن إلى الأستاذ؟ هل نذهب إلى الله من منظار ونافذة الأستاذ؟! أي هل نطلب إلهًا بكمال الأستاذ؟! في حين أنّ الله يقول: أنا لستُ بحاجة إلى أستاذ لأعرّف نفسي لك! أي هل نطلب إلهًا يعرّفه لنا الأستاذ؟! هذا شرك وليس حقيقة! فهل يجب أن نذهب إلى إله نصل إليه بالاعتماد على الأستاذ أو الوليّ أو الإمام والنبيّ؟! أيّ اعتماد؟! هذا نفسه يعتمد عليه، فهل نأتي نحن لنعتمد على هذا للوصول إليه؟! هذا كفر!

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام: أنا لا أبحث عن شفيع للوصول إليك، ولا حاجة لي بشفيع؛ لأنك موجود في كلّ مكان! إذن، فماذا هو المبرّر للأنبياء والأئمّة وأولياء الله، وأين يذهب كلّ هؤلاء؟! عندما نريد أن نطلب الله، فيجب أن نطلبه على نحو الإطلاق، ولكن بما أننا بعيدون عنه، فيجب أن نجد وسيلة لهذا الجانب ولهذا السير! لا ينبغي أن تكون النظرة نظرة استقلاليّة؛ أي يجب أن نقول: يا ربّ، أنا أريدك، فأيّ وسيلة تريدها فضعها تحت تصرّفي! السير يحتاج إلى وسيلة، ويجب النظر إلى النبيّ والإمام على أنهما وسيلة وواسطة، لا بنظرة استقلاليّة؛ أي عندما يسير السالك، يقول: يا ربّ، أنا أبحث عنك، سواء أعطيتني أستاذًا أم لم تعطني! لا أن يقول: أنا أبحث عنك مع الأستاذ؛ فهذا كفر! بل: أنا أبحث عنك، إن أعطيتني أستاذًا فشكرًا، وإن لم تعطني فشكرًا أيضًا! أنا لا أبحث عن إله مع أستاذ، فالله مطلق!

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

8
  • دوست نزدیک‌تر از من به من است***زین عجب گرچه من از وی دورم 
  • الحبيب أقرب إليّ من نفسي *** فيا للعجب مع أنني بعيد عنه

  • بُعدي هو حجابي، ولكنّ ذلك الذي في داخلي، يضع تحت تصرّفي أستاذًا للسير. فالطريق فيه مخاطر ومزالق، وفي النهاية، لكي يزول هذا البُعد عنه من هذا الجانب، حيث هناك مسافة دهريّة لا مسافة مكانيّة، وهذه المسافة الدهريّة يجب أن تُقطع؛ حينها تنشأ الحاجة إلى الأستاذ، لأننا ناقصون. وأحيانًا هو نفسه، بدون أستاذ، يُري الطريق ويأخذ بيد الإنسان؛ فإذن، يجب أن يكون الله دائمًا مطلقًا، وحتّى الأستاذ لا ينبغي أن يكون مانعًا وحاجبًا بين السالك والله! عندما ينظر الإنسان إلى الأستاذ، فيجب أن ينظر إليه كوسيلة، لا أن يرى الله من خلال نافذة هذا الأستاذ؛ ولو نظر إليه هكذا فذاك ليس الله، بل هو خياله!

  • عدم جواز النظرة الاستقلاليّة للشفيع ومُرشد الطريق

  • كنت أجريتُ حديثًا مطوّلاً مع السيد العلامة، وذلك قبل ثلاث أو أربع سنوات فقال: «لا تظنّ أنّني عندما كنتُ أنظر إلى السيّد الحدّاد، كنتُ أنظر إليه بنظرة استقلاليّة!». كان متواضعًا جدًّا تجاه السيّد الحدّاد! كان لديه تواضع عجيب لا حدود له، ويا له من تواضع كان لديه! أتذكّر مرّة أنّي كنت مع أخي، السيّد محمد صادق، بعد رحلة الحجّ التي كتب السيّد العلامة عن كيفيّتها في "الروح المجرّد"، فكنّا في كربلاء، وفي ليلة من ليالي عاشوراء هذه، التفت السيّد الحدّاد إلى الحاج محمّد علي وقال ضاحكًا ممازحًا: «إنّ أم مهدي قد خرجت، وليس لدينا عشاء في البيت! نحن أهل رياضة، ولكن أولاد النبيّ هؤلاء لم يذنبوا وليس لهم ذنب! فيا حاج محمّد علي، اذهب واشترِ لهم كبابًا من الخارج وأحضره!».

  • ثمّ عندما أراد أن يذهب، ذهبنا نحن أيضًا؛ أي تحرّكنا مع السيّد العلامة والسيّد محمد صادق وهؤلاء نحو الحرم، حتّى نزور الحرم وفي الوقت نفسه في طريق العودة نحضر الطعام. عندما أتينا، قال الحاج محمد علي: «ليس هناك كباب، فهل نشتري شيئًا آخر؟» فقال السيّد العلامة: «أنا لن أقول لك شيئًا، وأنا أصلاً لن أتكلّم معك حول هذا الأمر! لأنّ كلّ ما سأقوله ستذهبون وتخبرون السيّد الحدّاد بأنّ السيّد محمد حسين قاله!».

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

9
  • والآن لنفترض أنّ السيّد الحدّاد قال للسيّد محمد حسين أن يشتري خلاً ودبسًا بدلاً من الكباب! أي أنّه كان متواضعًا في هذه القصّة ومراعيًا لدرجة أنه لم يكن يقبل حتّى تغيير اسم أو شيء واحد! فكلّما قال الحاج محمّد علي ـ وطبعًا هو أيضًا كان قد استهوته اللعبة ـ كان السيّد العلامة يقول: «لن أقول لك كلمة واحدة! اذهب واعمل بكلّ ما قاله السيّد الحدّاد! إذا أردتَ أن تستدرجني للكلام، فأنا لن أتكلّم!».

  • في النهاية، أحضر الكباب وأتى وأكلنا جميعًا؛ وببركة السيّد الحدّاد والسيد العلامة وصل الكباب أيضًا، وإلّا لم يكن معلومًا ماذا كانوا سيعطونهم في تلك الليلة!

  • كان متواضعًا إلى هذا الحدّ أمام السيّد الحدّاد! وفي الوقت نفسه قال لي: «لا تتخيّل أنني عندما كنتُ أنظر إليه، كان نظري نظرًا استقلاليًا؛ كنتُ أنظر فقط كوسيط، وكان انتباهي فقط انتباه واسطة ووسيلة!». ولو كان غير ذلك، فهو شرك! فالأستاذ ليس شخصًا ينسب هذه الأمور إلى نفسه ثم يفخر بأنه أرشدكم! لا، إذا كان الأستاذ هكذا، فألقوا به جانبًا! الأستاذ هو من يضع نفسه في أصعب المواقف من أجل تلميذه، ويفني نفسه، ويلقي بنفسه تحت السكين ويتمزّق إربًا، ثمّ يقول: ما أنا فعلت؛ هذا هو الذي يصبح أستاذًا! كلّما قالوا: يا سيدي، لقد وضعت نفسك في أيّ صعوبات، وأفنيت نفسك، وماذا فعلت! يقول: ما أنا فعلته! والآن أيضًا يقول الكلام نفسه! سيّدنا، ماذا فعلت في حياتك وماذا فعلت! فيقول: لم أفعل شيئًا! أي الكلام نفسه الذي كان يقوله في حياته يقوله الآن أيضًا، بل وبقوّة وصلابة أكبر!

  • مقام التسليم ومقام جمع الجمع في التوجّه إلى الأستاذ

  • «بِغَيْرِ شَفِيعٍ»؛ إيّاك أن تصبح نظرتنا إلى الأستاذ أو الإمام أو النبيّ نظرة استقلاليّة! فالله الذي هو مع النبيّ ليس إلهًا! الله هو الله في كلّ حال؛ سواء كان النبيّ موجودًا، فالله هو الله، وسواء لم يكن النبيّ موجودًا، فالله هو الله، والأوضاع لا تختلف، وعنايته لا تختلف، والمراتب لا تتفاوت؛ سواء كان الإمام موجودًا، فالله هو الله، وسواء لم يكن الإمام موجودًا، فالله هو الله؛ سواء كان الوليّ موجودًا هكذا، وسواء لم يكن موجودًا هكذا! حينها يصبح هذا المقام مقام التسليم! «يا ربّ، نحن نريدُك بغير شفيع!».

العلاقة مع الله بين الاستغناء عن الشفاعة والحاجة إليها - كيف نوفّق بين عدم الحاجة إلى الشفيع والحاجة إلى النبيّ والإمام؟

10
  • هو يقول: تفضّل إذا أردتني، فالطريق هو أنني أرسل هذا الوسيط، وأنتم استمعوا لكلامه! ثم عندما أرسل الوسيط، فلا ينبغي أن تنخدع بظاهر هذا الوسيط وتنظر إليه بنظرة استقلال وتصبح عابدًا للوسيط وعابدًا للوليّ! لا، بل يجب أن أبقى أنا «بِغَيْرِ شَفِيعٍ» في سويداء قلبك وفي أعماق صندوقك. هذا يصبح مقام جمع الجمع! ففي عين حفظ الوحدة التي هي «أَخْلُو بِهِ لِسِرِّي»، تصبح المحافظة على مقام الجمع والكثرة هذا واتّباع هذه الواسطة لازمة في هذه الحالة!

  •  

  • اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ