المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالأسفار
المجموعةمقدّمة المؤلّف
الموضوعالثانوية العامة أو أقل
هو العليم
الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۱)
تلازم التوحيد والولاية وسرّ الطواف حول قبور الأولياء
سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار، المقدّمة، الّدرس السّادس
الاستاذ
سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المُنتجبين محمّدٍ وآله الطّاهرين
واللّعنة على أعدائهم أجمعين
تقسيم مراحل الحركة التكامليّة للإنسان إلى أربعة أسفارٍ
الأسفار الأربعة
واعلم أنّ للسلاّك من العرفاء والأولياء أسفارًا أربعةً:
أحدُها السفرُ من الخلق إلى الحقّ؛
وثانيها السفرُ بالحقّ في الحقّ؛
والسفرُ الثالث يُقابل الأوّلَ، لأنّه من الحقّ إلى الخلق بالحقّ؛
والرابعُ يُقابل الثاني من وجهٍ، لأنّه بالحقّ في الخلق.
فرتّبتُ كتابي هذا طبقَ حركاتِهم في الأنوار والآثار على أربعة أسفارٍ، وسمّيته بالحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة. فها أنا أفيض في المقصود مستعينًا بالحقّ المعبود الصمد الموجود.
السفرُ الأوّل: وهو الذي من الخلق إلى الحقّ في النظر إلى طبيعة الوجود وعوارضه الذاتيّة.
وفيه مسالك.۱
لقد تصوّر الأعاظم والأولياء وجودَ أربع مراحل للحركة التكامليّة للإنسان، وصوّروا هذه المراحل:٢
نزول جميع الموجودات من حاقّ ذات الوجود البسيط
المرحلة الأولى:
فبسبب أنّ الإنسان يُريد أن يظهر بواسطة قوس النزول من حقيقة الوجود ـ التي هي حقيقةٌ منبسطةٌ وبسيطةٌ وبلا رسمٍ ولا أثرٍ ولا تعيُّنٍ ولا تقيُّدٍ ـ في تعيُّنٍ ما، فإنّهم يُطلقون على حركته هذه اسم «قوس النزول». إنّنا مهما نظرنا إلى أيّ شيءٍ، ليس إلى الإنسان فحسب، بل لو توجّهنا إلى أيّ واحدٍ من الموجودات، لرأينا قوس نزولٍ فيها جميعًا. بالطبع، يقول البعض: «هذه المسألة تتعلّق بالإنسان والطبيعة النوعيّة للإنسان»؛٣ ولكن، يُمكننا أن نُوسّع ذلك، ونُعمّمه على جميع الموجودات. فكلّ موجودٍ قابلٍ للإشارة ـ سواءً كانت إشارةً حسّيةً أم عقليّةً ـ قد تشكّل وتبلور ـ من حيث التعيُّن والتقيُّد والصورة التي اتّخذها ـ من حاقّ ذات الوجود البسيط ـ الذي هو عين وجود حقيقة الحقائق ـ، فصار قابلاً للإشارة الحسّية [أو العقليّة]. وإذا كان هذا الموجود في نطاق الكائنات، أي عالَم الكون والفساد وعالَم المادّة، فإنّنا نُطلق على حركته ودورانه اسم قوس النزول.
بيان مقام الهوهويّة في قبال سائر المراتب
أمّا في مقام الهوهويّة وفي تلك الحضرة التي لا حدّ فيها ولا رسم، فلا معنى لوجود أيّ تعيُّنٍ أو تقيُّدٍ؛ فهو مقام لا يقبل الإشارة أبدًا، ولا يصحّ عدُّه مرتبةً، ولا يُمكننا أن نُطلق عليه اسم مرتبةٍ في قبال سائر المراتب. افترضوا أنّ العدد اثنين هو مرتبةٌ فوق العدد واحدٍ، والعدد ثمانية مرتبةٌ فوق العدد سبعةٍ، ومرتبة الطابق الثاني هي مرتبةٌ فوق الطابق الأوّل، وهلمّ جرًّا. ولكن على سبيل المثال، هل يُمكننا أن نقول إنّ الموادّ التي استُعملت في هذا البناء بعينها هي مرتبةٌ أعلى من مرتبةٍ أخرى؟ كلاّ؛ فهذه الموادّ ليست قابلةً لأن تكون ذات مرتبةٍ؛ لأنّها موجودةٌ في الطابق الأوّل وفي الطابق الثاني معًا. نعم، الموادّ نفسها في حدّ ذاتها، وبواسطة تراكمها فوق بعضها، تُصبح مرتبتها أعلى من المرتبة التي تليها. ولكن، عندما ننظر إلى الموادّ نفسها، نرى أنّه من هذه الموادّ، يتكوّنُ الطابق الأوّل والطابق الثاني والطابق الثالث والطابق الرابع؛ إذن، لا يُمكننا بعد ذلك إطلاق اسم الطابق على الموادّ نفسها، بل نُطلق الطابق على نفس الطابق وعلى مرتبة ذلك الطابق.
إنّ حقيقة الوجود عبارةٌ عن حقيقة الحقائق والوجود البسيط؛ وهي حقيقةٌ ساريةٌ وجاريةٌ في جميع التعيُّنات، وتُشكّل حقيقة جميع هذه التعيُّنات؛ ولهذا، فإنّها لا تعود قابلةً للإشارة ـ سواءً الإشارة الحسّية أو العقليّة ـ؛ لأنّك بمجرّد أن تريد الإشارة إلى أنّ هذا هو الوجود، تكون أنت نفسك قد دخلت ـ بوعائك الذهنيّ والنفسيّ والبدنيّ ـ في هذه الحقيقة؛ فإلى أيّ شيءٍ تُريد الإشارة حينئذ؟!
يُمكن للإنسان أن يُشير عندما يستحضر شيئًا خارجًا عن وجوده، ويُميّزه عن نفسه بواسطة الإشارة؛ كالإشارة إلى هذا الكتاب، وهذا الدفتر، وهذا القلم، وهذا السجّاد، وهذا الجدار، غير أنّه لا يستطيع الإشارةَ إلى نفسه، ولا يُمكن أن يُشير إلى نفسه في ظرف وجوده الذهنيّ. إلى مَن يريد أن يُشير؟! مَن هو المُشير ومَن هو المُشار إليه أو ما هو؟! كلّ هذه الأمور هي أمرٌ واحدٌ. بناءً على ذلك، نحن نحتاج في الإشارة دائمًا إلى التمايز، ويجب أن يكون هناك تمايزٌ وتغايرٌ في البين.
عندما نبحث عن حاقّ الوجود وعن حقيقة الوجود، لا يبقى شيءٌ خارجًا عن هذا النطاق ليوجد ويتحقّق تغايرٌ وتمايزٌ بين هذين الاثنين. إنّ حاقّ الوجود وحقيقته هو نفس مقام الهوهويّة؛ أي إنّه مقامٌ لا يعود الضمير فيه إلاّ إشارةً إجماليّةً إلى ذلك المقام، لا إشارةً رتبيّةً وإشارةً واقعيّةً.
إنّ نفس الاسم «هو» الذي نستعمله هنا، هو استعارةٌ ومجازٌ. ما معنى «هو» أصلاً؟ فلأنّهم لم يجدوا اسمًا لتمييز هذه المرتبة عن المراتب، لهذا، استعاروا إجمالاً لفظ «هو»، لتكون لدينا حكايةٌ إجماليّةٌ عن تلك المرحلة. أي إنّ مرحلة العماء ومرحلة الفناء ومرحلة "لا اسم ولا رسم له" ومرحلة عدم التعيُّن ومرحلة بسيط الحقيقة ومرحلة أصل الوجود ووحدته وحقيقته، هي إشارةٌ إلى نفس حاقّ حقيقة الوجود التي أُشير إليها بواسطة «هو».
ويُشير محيي الدين [ابن عربي] في صلاته على النبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام إلى هذه المرحلة بقوله:
اللهمّ أفِض صِلَة صلواتك وسلامةَ تسليماتك علىٰ أوّلِ التعيّناتِ المُفاضةِ من العَماء الربّاني [الخفاء والاستتار الصرف والاندماج المحاض] وآخر التنزّلاتِ المُضافةِ إلى النوعِ الإنسانيّ!۱
يقول: «أوّل تنزُّلٍ من مقام العماء». فمقام العماء يعني مقام ظلمة الهوهويّة ومقام عدم إبراز حقيقة الوجود في تعيُّنٍ.
الشروط اللازمة لمعرفة حقيقة التوحيد
الذي يكون أعمى لا يرى شيئًا، ولا تُعرف لديه أيّة حقيقةٍ؛ فلا يُفرّق مثلاً بين الجدار وغيره، ولا يُميّز بين البئر والطريق؛ لأنّه أعمى، وبابُ معرفة الأشياء مغلقٌ أمام الأعمى. ولهذا، لكي تُظهر لنا حقائق الأشياء تعيُّنها، نحتاج إلى البصر وإلى النور معًا. للمولويّ قضيّةٌ هنا يقول فيها:
لقد جلبوا فيلاً من الهند، وأخبروا الناس أن يأتوا لمشاهدته. كان المكان مظلمًا، وكلّ مَن جاء، رأى الفيل في الظلام. فلمس أحدهم خرطومه، وقال: «الفيل شيءٌ طويلٌ وله الخصائص الفلانيّة!».
ولمس أحدهم رجله وقال: «الفيل شيءٌ مثل العمود!»، ولمس أحدهم أذنه، وقال: «الفيل شيءٌ عريضٌ مثل الطبق!» وأمسك أحدهم بذيله؛ وخلاصة القول، إنّ كلّ واحدٍ منهم لمس جزءًا منه.
| هر کسی از ظـنّ خود شـد یـار مـن | *** | از درون مـن نجسـت اسـرار مـن۱ |
[يقول: لقد خُيّل لكلّ أحدٍ أنّه صار رفيقي وصاحبي، بَيدَ أنّ أحدًا لم يطّلع علي سرّي ومكنون ضميري]
وباختصار، لقد قُطِّع هذا الفيل المسكين إلى ألف قطعةٍ، وكلّ واحدٍ كان يقول إنّه بشكلٍ ما؛ لأنّ هؤلاء رأوه في الظلام!٢
ومعرفتنا نحن أيضًا هي بهذا النحو؛ أي إنّ كلّ واحدٍ منّا ينظر إلى الله تعالى من منظار معرفته، ويقول: إنّ الله هكذا! الله مع الجميع، ولكنّه رفيقٌ، ولا شأن له بما نقوله، وبما ننسبه إليه! إنّه يقول: قُل ما تشاء؛ أمّا أنا، فأعلى من هذا الكلام! واذهب أينما تشاء؛ أمّا أنا، فأعلى من هذا الكلام! وفي النهاية، سأُفهمك مَن أكون أنا، إمّا باللين أو بالشدّة! ففي النهاية، سنفهم ذلك بطريقةٍ ما.
يقول المولويّ في بيت شعريّ آخر:
| تو علی را به تاری دیدهای | *** | زین سبب غیری بر او بگزیدهای٣ |
[يقول: لقد رأيتَ عليًّا في الظلام، ولهذا، فضّلتَ غيره عليه]
فنجدهم يقولون: إنّ المولويّ سنّي؛ ولكنّهم لا ينظرون إلى ما جاء في أشعاره! «لقد رأيتَ عليًّا في الظلام» تعني أنّك: لو رأيت حقيقة عليٍّ، لما ذهبت وراء أبي بكرٍ؛ ولكن، لأنّك رأيت عليًّا في الظلام، لهذا السبب، فضّلت غيرَه عليه. مَن هو غير عليٍّ؟ إنّه أبو بكرٍ! جميعُنا نرى عليًّا في الظلام؛ لأنّنا لا نملك عينًا لنرى حقيقة ذلك المقام.
فمن أجل ظهور التعيُّنات، يُحتاج إلى النور وإلى البصر معًا. إذا كنّا نملك عينًا، ولكنّ المكان كلّه مظلمٌ، فلا فائدة من ذلك؛ وإذا كان المكان كلّه مضيئًا، ولكنّنا لا نملك عينًا، فلا فائدة من ذلك أيضًا! يجب أن يكون كلا الجانبين مضيئين لأجل بروز التعيُّن وظهوره.
في المسألة الأولى وهي مسألة التوحيد، فإنّ هذا التوحيد أظهر نفسه في كلّ مكانٍ، ولكنّنا عميانٌ! بالطبع، لو أنّه لم يُظهر نفسه، وكنّا نملك عينًا، لكان الأمر مختلفًا.
| يار بیپرده از در و دیوار | *** | در تجلّی است یا أولیالأبصار۱ |
[يقول: يتجلّى الحبيب بلا سِترٍ من كلّ بابٍ وجدارٍ، يا أولي الأبصار]
باختصار، أينما أنظر، يتجلّى انعكاسُ وجهِه وهو ينظر في كلّ مكانٍ. الكلام في أنّ الشرط الأوّل [للرؤية] ـ الذي هو النور وتجلّيه ـ موجودٌ في كلّ مكانٍ! يقول المرحوم الحاجّ السبزواريّ:
| موسئی نیست که دعویّ «أنا الحق» شنود | *** | ورنه این زمزمه اندر شجری نیست که نیست٢ |
[يقول: ليس هناك موسى ليسمع دعوى «أنا الحقّ»، وإلاّ فليست هناك شجرةٌ تخلو من هذه الهمسة]
أشعاره مُفعمةٌ بالمعاني ونابضةٌ بالحياة وتُثير الإعجاب! قال: «أرني!» ولكن، لا يوجد موسى! يقول: جِدْ موسى؛ وحينها، سيسمع نداء «أنا الحقّ» من كلِّ شيءٍ!
بالطبع، نبيّ الله موسى ـ الذي تجلّت له حقيقة «أنا الحقّ» ـ سمعها من تلك الشجرة فقط؛ فكانت نفسُه في ذلك الوقت مرتبطةً بهذه الوجهة الإلهيّة الخاصّة، حيث أراد تعالى أن تتجلّى له هذه الحقيقة من تلك الشجرة؛ ولكن، لو أنّ نبيّ الله موسى قد تكامل، لسمع «أنا الحقّ» من نفس النعلين اللذين كان يلبسهما! ولكنّه لم يكن قد تكامل بعدُ، وكان في مرتبةٍ نازلةٍ، وكان لا يزال لديه عملٌ ليقوم به، وكان يجب أن يرتقي كثيرًا. فلو حصلت له سعة أكبر، لسمع من المكان والزمان ومن كلّ شيءٍ أنّهم يقولون: «أنا الحقّ»؛ أي إنّ الجانب الخَلْقيّ فيهم سيزول، وسيبقى الجانب الربّي؛ وبما أنّ حقيقة الجانب الربّي هي حقيقةٌ واحدةٌ وحسب، فإنّ الجميع يقول: أنا الحقّ! وهنا، نجد الحسين بن منصور الحلاّج الذي صُلب يقول أيضًا: أنا الحقّ، وبايزيد البسطاميّ أيضًا يقول: أنا الحقّ، والشجرة أيضًا تقول: أنا الحقّ، وجميع أوراق الأشجار كلّها تقول: أنا الحقّ؛ والجميع صادقون!
عدم تقابل وحدة حقيقة التوحيد مع سائر التجلّيات
العجيب هنا أنّ نداء «أنا الحقّ» [الذي يُسمع في موضع] لا يكون في قبال ذلك [الذي يُسمع في الموضع] الآخر؛ ومع أنّ الإنسان قد يرى الصور متعدّدةً، إلاّ أنّه يرى «أنا الحقّ» واحدًا؛ أي إنّ هذا التعدّد في الصور لا يُوجب تعدّد ذي الصورة. الصور متعدّدةٌ، ولكنّ ذي الصورة واحدٌ؛ المقدّمة متعدّدةٌ، ولكنّ ذي المقدّمة هنا واحدٌ. وهذه هي النقطة المهمّة؛ وهنا يكون التوحيد المحض، ويصل الإنسان إلى حقيقة التوحيد.
وهذا مثل مسألة المرايا المتعدّدة التي تجلّى فيها نورٌ واحدٌ، بحيث تقول كلّ مرآةٍ: «أنا أُظهر تلك الشمس!»، وتكون صادقةً أيضًا؛ لأنّها تُظهرها. الجميع يقولون ذلك، ولا يكذبون أيضًا. بالطبع، الفرق بين المرآة وبيننا هو أنّ المرآة المسكينة تُقرّ بنفسها، وتقول أنا مجرّد مرآةٍ؛ ولكنّنا نقول في هذه الأثناء: «نحن الشمس نفسها أساسًا!». فالفرق بيننا نحن غير الصالحين، وبين تلك المرآة المسكينة هو هذا: هي تقول إنّني مجرّد آلةٍ وواسطةٍ، ولست شيئًا في حدّ ذاتي؛ ولكنّنا نقول: إنّ هذه الشمس التي أشرقت فينا قد أشرقت حقًّا! أو: هذا العلم الذي نملكه الآن نملكه حقًّا! هذا الاستعداد الذي نملكه الآن نملكه حقًّا! هذه الذاكرة التي نملكها الآن نملكها حقًّا. فنحن نملك مرتكزاتٍ ذهنيّةً، وقوّةً، وقدرةً، وشجاعةً، وجرأةً، ودهاءً و ...؛ ورغم اختلاف هذه الأمور قلّةً وكثرةً، إلاّ أنّنا في نهاية المطاف، نملكها بأجمعها، ولا يُمكننا القول إنّنا لا نملكها؛ ولكنّ الكلام في أنّنا نعدّ هذه الأمور مستقلّةً. لو كنّا نملك مقدار ذرّةٍ من العقل فقط، لفهمنا أنّنا مجرّد مرآةٍ؛ فإذا كنّا نملك علمًا، فقد تفضّل به هو تعالى. والدليل على ذلك أنّه سيأخذه منّا غدًا. عندما يأخذه، اذهب، وابحث عنه مرّةً أخرى! هل يُمكنك العثور عليه؟! أبدًا! الأمر يتطلّب الكثير من إظهار العجز والحاجة و ...!
لزوم التوجّه المرآتيّ للذات ولما يملكه الإنسان
كان المرحوم الشيخ الأنصاريّ ينقل حكاية عن أحدهم، ويقول: كان شخصٌ يُدرّس في مدرسة "مرويّ" بطهران أو في إحدى المدارس المتعدّدة التي كانت هناك. في أحد الأيّام، عندما كان جالسًا في الدرس، ويُدرّس اللمعة، اعترض على الشهيد الثاني، وقال: «إنّه لم يفهم هنا! ما هذا الكلام؟! المسألة هي ما نقوله نحن!». باختصار، يبدو أنّه أهان الشهيد رحمة الله عليه أيضًا.
إذا أراد الإنسان أن يردّ كلام العظماء، فلا ينبغي أن يُهينهم، بل يجب أن يقول مثلاً: «يبدو لي أنّ هذه المسألة هي كذا»؛ لأنّ هؤلاء من العظماء، وهم مقدّسون، ونفوسهم مقدّسةٌ ومكانتهم مقدّسةٌ.
| بزرگش نخوانند اهل خرد | *** | که نام بزرگان به زشتی برد۱ |
[يقول: لا يعدّه العقلاءُ عظيمًا، مَن يذكر العظماء بالسوء]
كان المرحوم الشيخ الأنصاريّ يقول:
كان درويشٌ٢ جالسًا بجوار ذلك المجلس، فنظر هذا الدرويش إليه، وقام، ومشى؛ في حين، أكمل هو الدرس. في الليل، عندما عاد إلى المنزل، وانهمك في المطالعة، رأى أنّه لا يفهم شيئًا! عجبًا، لماذا الأمر هكذا؟! فتح الكتاب، فلم يفهم شيئًا أبدًا، ولم يستطع قراءة العبارة بتاتًا! مثل الأطفال في سنّ الخامسة أو السادسة الذين لا يفهمون شيئًا أبدًا، ويرون فقط الخطوط التي أمام أعينهم؛ هكذا كان ينظر فقط! غسل وجهه بالماء، ولكنّه رأى أنّه ما زال لا يفهم! يا ربّ، لماذا الأمر هكذا؟! نادى زوجته وقال: إنّني لم أعُد أفهم، تعالي، لعلّك تفهمين شيئًا! باختصار، جاءت زوجته وقرأت، فقرأت زوجته أشياء، ولكنّه رأى نفسه أنّه لا يفهم بتاتًا ماذا يقول الشهيد، وما هو كلامه. وخلاصة القول، كان الأمر عجيبًا جدًّا! كان في حالة اضطرابٍ، ولكنّه غفا في النهاية. استيقظ في الصباح، وذهب إلى الدرس. فتح الكتاب، وكلّما نظر فيه، وجد أنّه لا يفهم شيئًا! رأى فقط ـ مثل الطفل ـ أنّ هناك خطوطًا.. هذا كلّ ما في الأمر! قال: «يا ربّ، لماذا أصبحتُ هكذا؟!»، ثمّ تكلّم بشيءٍ لتمرير الأمر للطلبة، وقال: «أنا اليوم أُعاني من بعض التعب، وأشعر بوعكة بصحّية، فلنُعطّل الدرس هذا اليوم!». وإلاّ، لو قال إنّه لا يفهم، لأُهرَق ماءُ وجهه! فقام وخرج.
في ذلك الوقت، كانت طهران محدودةً؛ وبمجرّد الخروج قليلاً منها، كانت هناك أراضٍ قفراء. خرج قليلاً من طهران، ولكنّه كان غاضبًا ومنزعجًا هكذا. وصل إلى نهرٍ، فجلس هناك. فجأةً، رأى أنّ ذلك الدرويش الذي كان هناك بالأمس جالسٌ هنا. قال له الدرويش: «إهانة العظماء غير جائزةٍ! مقام الشهيد أعلى من أن تُريد أنت وأمثالك إهانته! اذهب ولا تعُد إلى مثل هذه الأمور مرّةً أخرى!». باختصار، ذهب الدرويش، فرأى فجأةً أنّ كلّ شيءٍ أصبح معلومًا مرّةً أخرى، وعاد كلّ ما كان في ذهنه.٣
وباختصار، فإنّ القضيّة هي: مَن يقول إنّنا نملك علمًا؟! أبدًا! سيأخذونه منّا بطريقةٍ، بحيث لا نعود قادرين على تمييز أيّ شيءٍ! أقول لكم ذلك حقًّا؛ فهذا هو الواقع المحض، ولا شكّ في هذا أبدًا. أُقسم بالله الذي لا شريك له، حتّى لو كان هناك شكٌّ في وجودي، فإنّني أعتقد أنّه لا يوجد أيّ شكٍّ في هذه القضيّة؛ وهي أنّنا مجرّد مرآةٍ في جميع العلوم التي نملكها! إذا رأيتم ما يُخالف هذه المسألة، ولو بمقدار رأس إبرةٍ، فأوقفوني يوم القيامة، وقولوا: «أيّها السيّد، لقد كذبت علينا!»؛ فأنا أتكلّم بكلّ هذا الحزم!
أجل، سينتبه الإنسان إلى ذلك بعد الموت: ﴿فَبَصَرُكَ ٱليَومَ حَدِيدٌ﴾؛۱ أي إنّه سيرى هناك أنّ علمه هو مرآة لله تعالى. بالطبع، ليس العلم فحسب، بل الصفات الأخرى كذلك، حتّى الحياة كذلك. فالحياة هي ملازمة [للإنسان]؛ إذ كيف يُمكن أن يملك شخصٌ حياةً، ولكن يطرأ عليه الموت في الوقت نفسه؟! نحن نعدّ الموت عبارة عن تبديل للباس، وانتقالاً من نشأةٍ إلى نشأةٍ أخرى؛ فإذن، الحياة باقيةٌ في مكانها؛ أي أنّ الحياة باقيةٌ ببقاء النفس، أو النفس باقيةٌ ببقاء الحياة؛ وكلاهما ملازمان لبعضهما البعض، ولهما تعلّقٌ ذاتيٌّ ببعضهما البعض. فيُدرك الإنسان عند الموت أنّ كلّ ما كان ينسبه إلى نفسه في هذه الدنيا متعلّقٌ بالمبدأ وواجب الوجود. أي إنّه في الوقت الذي يكون فيه العلم والحياة والقدرة وجميع هذه الصفات معه، فإنّه يفهم هذا المعنى، وينكشف له أنّه خواءٌ محضٌ، ولا يُساوي مقدار قشّةٍ، ويتّضح له معنى أنّه ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَۖ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّارِ﴾؛٢ أي إنّ المُلك والسلطنة يختصّان بذات الله تعالى؛ سواء السلطنة على النفوس، أو السلطنة على الأعراض، أو السلطنة على الصفات، أو السلطنة على الكيفيّات، أو السلطنة على الكمّيات، أو السلطنة على العوارض، أو السلطنة على الذوات. فالسيطرة الواقعيّة والولاية الواقعيّة في جميع هذه السلطنات مُختصّةٌ بذاته تعالى. فيتّضح هذا المعنى للإنسان في نشأة الانتقال أنّ ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَۖ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّارِ﴾. بالطبع، تتّضح هذه المسألة وتتبيّن القضايا لكلّ شخصٍ في هذه الدنيا أيضًا إلى حدٍّ ما.
قرأت في كتاب مذكّرات الشاه أنّه: لم يتمكّن الشاه وعائلته ومرافقوهم ـ الذين كانوا معهم وكانوا يُسافرون جميعًا ـ من العثور على محلّ للإقامة، حيث كانوا يتقاذفونهم هكذا من هذا البلد إلى ذاك البلد، ومن ذلك البلد إلى بلدٍ آخر؛ لأنّ تلك البلدان كانت تخاف من إيران ومن ردّة فعلها ومكانتها العالميّة. وباختصار، أصبح هؤلاء بائسين جدًّا.
يقول في إحدى مذكّراته: «لم يكونوا يأخذوننا حتّى إلى داخل المدينة! في إحدى المرّات، أخذونا إلى قاعدةٍ عسكريّةٍ؛ وهناك، أعطونا مكانًا بجوار زنزانة المجانين، وبقينا هناك لعدّة ساعاتٍ، إلى أن نُقلنا من هناك. أساسًا، لو بقينا بضع ساعاتٍ أخرى، لمُتنا جميعًا من الغمّ!»؛۱ أي إنّ المجانين كانوا يقومون بحركاتٍ بوجههم أمامهم، ويُسلّونهم!
كان قد أورد فوائد جيّدةً في ذلك الكتاب، وكانت هذه إحدى تلك الفوائد. وينقل في مكانٍ آخر:
في إحدى المرّات، عندما كان الشاه وعائلته معًا في إحدى الجزر، كان جالسًا في غرفةٍ؛ وفجأةً، بدأ ابنه رضا ـ الذي كان وليًّا للعهد ـ بالمزاح، وقال: «اذهب يا سيّدي إلى حال سبيلك، الله أيضًا مجرّد نكتةٍ ومزحة!»، فقال له والده فجأةً: «امزح مع مَن تشاء، ولكن لا تمزح مع الله! ألم ترَ ما حلّ بنا! هل تفهم؟! لا يُمكن المزاح مع الله!».٢
وخلاصة القول، فإنّ هؤلاء كانوا قد أصبحوا مُؤمنين قليلاً، أي إنّهم أدركوا أنّ تلك العظمة والأبّهة وتلك المظاهر والإقبال والإدبار المصطنعين و ... كلّها بقدرة الله! أيّها المسكين، انزل للأسفل! ففجأةً، وفي ليلةٍ واحدةٍ وفي ساعةٍ واحدةٍ، طُويت صحيفة تلك القصور والمظاهر والبهرجات الكذائيّة وأمثال ذلك، وانتُزعت جذورها! هذا كلّه عبارة عن قدرة الله! يُريد الله أن يُظهر أنّ جميع السلطنات والحكومات هي له؛ يُعطيها اليوم لأحدهم، ويُعطيها غدًا لشخصٍ آخر.
وبحقّ، كم يكون العارف مرتاحًا! وكم يشعر بالراحة تجاه الأمور! لأنّه يرى أنّ حقيقة الأمر وحقيقة الواقع بيدٍ واحدةٍ فقط، وكلّ هذه الاعتباريّات والرئاسات والمقامات والأمور الحسّية هي مسائل اعتباريّةٌ.
أمّا البقيّة، فأحدهم يُعدّل ربطة عنقه، وآخر يُرتّب عمامته! أحدهم يحلق لحيته تمامًا بشكلٍ جميلٍ، وآخر يُرخي لحيةً أنيقةً جدًّا ومُصفّفةً، ويدهنها بأشياء لتُصبح بالنحو الكذائيّ! أحدهم يلبس حذاءً مُلمّعًا ومكويًّا، وآخر يلبس نعلين أصفرين وبرّاقين هكذا يلمعان من بُعد كيلومترٍ واحد! أحدهم يُمسك عصا تأديبٍ بيده، وآخر يُمسك عصًا ممتازةً جدًّا بيده! أحدهم لباسه بهذا الشكل، وآخر يضع عباءة "خاجيّةً" أصليّةً؛ وهي المعروفة والمتداولة بين العلماء والمشايخ، وتكون هذه العباءة لطيفةً وممتازةً جدًّا بحيث إنّها ـ كما يقول أهل النجف ـ تمرّ من ثقب الخاتم! هؤلاء لا يختلفون عن بعضهم البعض، وماهيّة الجميع واحدةٌ، ولا تفاوت بينهم:
| [كلُّ مَن في الوجودِ يطلُب صيدًا] | *** | إنّما الاختــلافُ في الشـبكاتِ۱ |
إذا كان مقرّرًا أن نسخر منهم نحن، ونقول: «إنّ هذه السلطنات تعود لموجود آخر»، فهم أيضًا سيسخرون منّا، ويقولون: «إنّ هذا العلم والرئاسة والمرجعيّة تعود أيضًا لموجود آخر، وأنتم تضربون رؤوس بعضكم عبثًا!». فواقع المسألة واحدٌ.
السفر الأوّل: السلوك إلى مقام الفناء في الله تعالى
الكلام في هذا: نحن نحتاج إلى النور؛ ولكنّ مقام الهوهويّة مقامٌ لا يوجد فيه أيّ تعيُّنٍ أو أيّ ظهورٍ وبروزٍ أو أيّ اسمٍ بتاتًا؛ وهو مقامٌ يُمثّل باطن باطن باطن باطن جميع الأشياء، وحقيقة جميع التعيُّنات. أي إنّ مقام الهوهويّة، ليس مقامًا منفصلاً عن بقيّة المقامات أو بجوارها، وفي قبال بقيّة هذه المقامات، وفي مقابلها ومُضادًّا لها؛ بل ذلك المقام عبارةٌ عن الوجود البسيط، حيث إنّ "بسيط الحقيقة كلّ الأشياء". فلا ظهور أصلاً في هذا المقام؛ وبالتالي، لا توجد عينٌ [باصرةٌ] أيضًا في ذلك المقام؛ أي: هناك، قد زال الظهور، وزال البصر معًا. هناك، مقام الفناء المحض، حيث لا يملك السالك عينًا أصلاً ليرى شيئًا، ولا يوجد شيءٌ ليراه. هذا المقام هو مقام الفناء.
قبل أن يعزم السالك الذهاب في السفر من الخلق إلى الحقّ، كان كلّ شيءٍ موجودًا، ولكنّه لم يكن يملك عينًا؛ أمّا عندما يرجع، ويخرج من ذلك المقام، فسيكون كلّ شيءٍ موجودًا، غاية الأمر، أنّه يملك عينًا أيضًا. السفر الثالث هو السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ. عندما يرجع [السالك] من هذا السفر، يرجع من الحقّ، ويتنزّل مرّةً أخرى عن مقام الفناء؛ أي سيكون له سير نزوليّ مرّةً أخرى؛ بالطبع، ليس كالسير الأوّل، بل سيأتي بنحوٍ آخر وهو مقرونٌ بالصعود؛ أي سيكون مع الحقّ، فيأتيان معًا وبموازاة بعضهما البعض؛ وهنا، سيكون كلّ شيءٍ موجودًا أيضًا.
| يار بیپرده از در و دیوار | *** | در تجلی است یا اولیالأبصار |
[يقول: الحبيب يتجلّى بلا حجابٍ من الأبواب والجدران، يا أولي الأبصار]
لقد أعطاه الله عينًا، وهو يُشاهد هذا الحبيب الذي بلا حجابٍ؛ فيصير باقيًا بعد الفناء، ويُصبح عارفًا كاملاً.
فلأنّ مقام الهوهويّة هو الفناء المحض، يُسمّونه مقام العماء، ويُشبّهونه بعالَم الظلمات.۱ في هذا العالَم، لا يوجد شيء مُحدّدٌ، ولا يرى الإنسان شيئًا. العماء يعني عدم الرؤية، وعدم الفهم، وعدم السمع، وعدم الإدراك. هناك، عالَم الهوهويّة المحض، حيث لا يكون الشاعر هناك إلاّ حقيقة ذلك الوجود.٢
يحصل العماء في السفر الأوّل (السفر من الخلق إلى الحقّ). بالطبع، فإنّ كيفيّة فناء الصفات والأسماء الإنسانيّة في الأسماء الكلّية، وكيفيّة انمحاء الذات في تلك الأسماء الكلّية، والاختلاف الذي قد يكون هنا، هي مسائل سأعرضها لاحقًا إن شاء الله.
عندما يكون شخصٌ في مقام الفناء، لا تعود هناك كثرةٌ، ولا يملك هذا الشخص أيّ إدراكٍ بتاتًا؛ مثلاً، قد يقع [على الأرض] فجأةً، أو إذا كان يمشي، لا يشعر بأيّ شيءٍ أصلاً! ولا يخفى أنّ هذه المسألة تختلف باختلاف الأفراد، وهي متعلّقةٌ بالله تعالى، ويُعطيها كما يشاء؛ فيُبقي أحدَهم، ويُرجع الآخرَ بسرعةٍ. على سبيل المثال، كانت تحصل هذه القضيّة للسيّد الحدّاد بنحو متردّد كبير؛ ولكنّنا لم نُشاهد مثل هذا الأمر قطّ بالنسبة للمرحوم العلاّمة، حيث حصلت له هذه القضيّة لديه بنحوٍ لم يكن مشهودًا لأيّ أحدٍ بتاتًا. فقطعًا، كانت لديه مثل هذه المسائل؛ ولكن، بسبب أنّه كان يملك طابع الإرشاد، أو لأنّ القضيّة كانت في الباطن، أو لأنّها كانت سريعةً جدًّا مثلاً، فإنّها كانت بنحوٍ لم يُلاحظه أحدٌ أبدًا.
تلازم الاعتقاد بالتوحيد الحقّ الحقيقيّ والاعتقاد بالولاية
التلميذ: هل تُشير العبارة الشعريّة «نحن رأينا عليًّا في الظلام!» إلى نفس جهة الفناء هذه لديه؟
الأستاذ: كلاّ، المراد منها هو نفس المعارف وحقيقة ظهور الولاية في الإمام عليه السلام، والمقصود منها هو أنّ الإمام هو الحقّ المحض هنا، وله المظهريّة لهذا الحقّ المحض؛ ولكن، لأنّنا لم نُدرك هذا المعنى، فقد ذهبنا وراء الظلمة. الظلمة هي نفس التمسّك بالمظاهر الأخرى؛ المظاهر المنغمسة في الشهوات والأنا و ... فنحن لم نذهب وراء الحقيقة المحضة والحقّ المطلق الموجود في وجود الإمام عليه السلام؛ لهذا، رأيناه في الظلام؛ أي إنّ تلك الحقيقة المطلقة والحقيقة المحضة وحقيقة ظهور الحقّ في الإمام التي حوّلته عليه السلام، لم تنكشف لنا؛ ولو أنّها انكشفت لنا، لما ذهبنا وراء هؤلاء.
| سیاهی گر بدانی، نور ذات است | *** | به تاریکی درون، آب حیات است |
فمع أنّ الحقّ المطلق قد تعيّنَ، إلاّ أنّ تعيُّنه هذا لم يعُد تعيُّنًا للنفس، بل هو تعيُّن للحقّ. لقد أتمّ الإمام عليه السلام هنا السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ؛ أي: عندما رجع من هناك، كان الحقّ معه هناك، لا أنّه رجع منفصلاً عن الحقّ، بل "أحضر" الله تعالى معه أيضًا؛ أي إنّه أصبح هنا نفس الحقّ المحض الذي يتجلّى بهذا الشكل؛ هذا هو معنى حقيقة المعرفة.
هؤلاء الذين فصلوا عليًّا عليه السلام عن الله تعالى، وفصلوا الولاية عن التوحيد، يُشاهدون الولاية في الظلام؛ وكلّ هذا رؤيةٌ في الظلام! أمير المؤمنين عليه السلام بريءٌ من الأعمال التي يقوم بها هؤلاء، ويقول: متى كنت أنا منفصلاً عن التوحيد؟! متى كنت أنا منفصلاً عن حقيقة الله تعالى؟ أنا صفرٌ بدون حقيقة التوحيد! الولاية عين التوحيد. قَبول الولاية هو قَبول التوحيد، وقَبول التوحيد هو قَبول الولاية. والسنّة الذين رفضوا الولاية، واعتنقوا التوحيد هم في اشتباهٍ محضٍ، وكذلك الذين اعتقدوا بالولاية، وتركوا التوحيد ورفضوا العرفاء هم في اشتباهٍ محضٍ؛ كلا هذين الصنفين في النقطة المقابلة للحقّ. مَن يعتقد بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، فهو يعتقد بالتوحيد الحقّ الحقيقيّ؛ ومَن يعتقد بالتوحيد الحقّ الحقيقيّ، فهو يعتقد بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ولا فرق هنا أبدًا. وبشكلٍ عامّ، فإنّ مقاما الولاية والتوحيد سيّان؛ أي إنّهما واحدٌ، لا أنّهما متغايران.
كيفيّة مراعاة حفظ الأدب تجاه الأمور المتعلّقة بالتوحيد والولاية
التلميذ: لماذا يُطلق إذن على القرآن اسم «الثقل الأكبر»؟
الأستاذ: بالطبع، ورد معنى الثقل الأكبر [في حقّ القرآن] في بعض الموارد؛۱ ولكنّ الكثيرين يعتقدون أنّ الأئمّة عليهم السلام هم الثقل الأكبر ـ ولدينا رواياتٌ في هذا المجال أيضًا ـ، والقرآن الكريم هو فيضٌ لهذه الحقيقة.٢
الوجه في إطلاق «الثقل الأكبر» على القرآن هو بسبب «الكون في مقام التأدّب». مقام التأدّب يعني أنّ الإمام عليه السلام ـ من وجهة نظر مراتب النفس ومراتب الكثرة ـ له وجودٌ بشريٌّ في هذا العالَم، في مقابل القرآن الذي له جهةٌ ربّانيةٌ ومنغمسٌ في هذه الجهة الربّانية؛ ولهذا، فالإمام نفسه، مع أنّه يقول: «أنا القرآن الناطق؛ اضربوا هذه المصاحف!»،٣ ولكنّه عليه السلام ـ في مقام التأدّب تجاه القرآن ـ لديه خضوعٌ وخشوعٌ.
أتذكّر أنّني قبل بضع سنواتٍ، عندما كنت أتحدّث على المنبر في مشهد، قلت مرّةً بحضور المرحوم العلاّمة: «تفضّلَ سيّدُ الشهداء عليه السلام بالذهاب إلى مكّة». وبعدما سألني المرحوم العلاّمة، وقال: «بالنسبة للإمام عليه السلام، يجب القول: تشرّف بالذهاب». قلت: ما هو وجه ذلك؟ إذا نظرنا من وجهة نظر الواقع، واعتبرنا أنّ شرف الكعبة هو بالولاية، فإنّ هذه الكعبة من دون ولايةٍ لا يعود لها أيّ شرفٍ؛ ومُسلَّمٌ ومُحرَزٌ أنّ مقام الإمام عليه السلام أشرف من الكعبة. وإذا نظرنا من ناحية الظاهر أيضًا، فإنّ الكعبة حجرٌ، والإمام عليه السلام من جهة مراتب الحيوانيّة هو إنسانٌ في النهاية.
فقال المرحوم العلاّمة: كلاّ، في مقامي التشريع والتكليف، كان الأئمّة عليهم السلام أنفسهم مُلتزمين بمراعاة الآداب وجهات الأدب في التكليف؛ والخاصّية التي تتميّز بها الكعبة ـ بأنّه يجب أن يأتي الناس من جميع الأطراف والأكناف ويطوفوا حولها، وأنّ الكعبة هي مظهر بيت الله، واسمها بيت الله، وهناك يوجد المسجد الحرام ـ تقتضي أن يُراعي الأئمّة عليهم السلام أنفسهم الأدب أيضًا.
فكما أنّهم عليهم السلام عندما يُريدون أداء الصلاة، كانوا يقفون متّجهين نحو الكعبة، ويُصلّون ووجهتُهم الظاهريّة نحو الكعبة، كانت أيضًا مراعاتُهم للأدب ـ من ناحية المحاورة والكلام ـ هي أن يُنزلوا أنفسهم في مقابل هذا الظهور للحقّ تعالى ويُراعوه؛ مع أنّ رشحةٌ من رشحاتهم هي في الواقع التي أبقت الكعبة، والناس الذين يطوفون حول هذه الكعبة يجب أن يطوفوا حول ولاية الإمام عليه السلام، حيث لدينا رواياتٌ أيضًا جاء فيها: يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«فَلَو أنّ امرَأً صَفَنَ بَينَ الرُّكنِ وَالمَقامِ، فَصَلّىٰ وصامَ، ثُمّ لَقِيَ اللَهَ عَزّوَجَلّ وهُوَ لِأهلِ بَيتِ مُحمّدٍ صلّى اللَهُ عَليهِ وآلِهِ وسلّم مُبغِضٌ، دَخَلَ النارَ!»۱
ويقول الإمام الباقر عليه السلام:
«يا سَديرُ، إنّما أُمِرَ الناسُ أن يَأتوا هَذِهِ الأحجارَ، فَيَطوفوا بِها، ثُمّ يَأتونا، فَيُعلِمونا وَلايَتَهُم لَنا».٢
لهذا، رغم وجود مثل هذا المعنى أيضًا بأنّه بدون عرض الولاية وبدون التمسّك بالولاية، فإنّ كلّ هذه الكعبة و ... لا نتيجة لها، وهي جافّةٌ، ولا حقيقة وباطن لها، ولا توجب ترقّي النفس ورقيّها؛ إلاّ أنّ لسان الأئمّة عليهم السلام تجاه الكعبة ـ من ناحية سلسلة مراتب التكليف وعالَم الكثرة الذي هو عالَم التأدّب وعالَم حفظ كلّ تعيُّنٍ في رتبته ـ هو لسان تشريفٍ؛ ولهذا، نحن مُكلّفون أيضًا بذلك. كان يقول: «نحن أيضًا يجب أن نتلفّظ ونذكر الكعبة بالطريقة نفسها التي يرضون بها هم».
وقضيّة «الثقل الأكبر» هي كذلك أيضًا.
علّة جواز الطواف حول قبور الأئمّة الأطهار والأولياء الإلهيّين
التلميذ: في السير والتراجم وبعض القصص، ورد أنّ بعض السلاّك يطوفون حول أولياء الله تعالى؛ مثلاً كان بايزيد (أو أبو سعيد أبو الخير) يطوف حول قبور بعض مشايخه؛۱ فهل الطواف حول إنسانٍ ـ أصبح مَطافًا ـ يدلّ على الدخول في الولاية؟
الأستاذ: باعتبار أنّ هذا القبر هو قبر وليٍّ، والولاية ظاهرة فيه، فقد كانوا يطوفون حوله من باب التأدّب وإظهار العبوديّة والتذلّل والتواضع. الطواف يعني أنّني أجعل هذا [المُطاف] مِحورًا لحركتي وتوجّهي؛ كما أنّ تقبيل العتبة يحكي عن هذه القضيّة أيضًا. مَن يتشرّف بزيارة مشهد، ويُريد الدخول إلى حرم الإمام عليه السلام، يُستحبّ له تقبيل العتبة. هذا من باب الأدب؛ أي إنّ هذا المكان هو مقام الخضوع والتذلّل ومقام عرض حاجة الإنسان وبؤسه وشقائه، على اعتبار أنّ الله تعالى قد تجلّى في هذا المظهر، وجعله وسيلةً لترقّي الإنسان وكماله. ولهذا، فإنّ الطواف الذي يكون حول قبر الإمام عليه السلام هو من هذا الباب أيضًا. وقد تطرّق المرحوم العلاّمة لبيان الروايات التي تدلّ على: «ولا تَطُف بِقَبرٍ»٢و٣ وفعل الأولياء حجّةٌ. وفي هذا المجال، كان السيّد الحدّاد يطوف سبعة أشواطٍ حول قبر الإمام عليه السلام،٤ ممّا يحكي عن أنّ القبلة الواقعيّة والحقيقة الواقعيّة توجد هنا؛ وهذه إشارةٌ إلى باطن القضيّة. فمكّة تُشير إلى الظاهر، حيث يجب أن يطوف الإنسان حول بيت الله؛ ولكنّ الطواف حول قبر الإمام عليه السلام إشارةٌ إلى الباطن.
فمن الناحية الجوارحيّة، يجب على الإنسان أن يجعل جوارحه متطابقةً مع جوانحه؛ أي: كما أنّه يجب عليه ـ في مقام الالتزام القلبيّ ـ أن يلتزم بمجموعةٍ من المسائل، فيجب أيضًا ـ من ناحية الظاهر ـ أن تكون أفعاله وحالاته متطابقةً مع ذلك الالتزام القلبيّ. ولهذا، تجب مطابقةُ الجوارح مع ظهور تلك الجوانح والالتزامات القلبيّة؛ وهذا هو نفس الطواف الظاهريّ حول ذلك القبر. على سبيل المثال، عندما تريد أن تحترم شخصًا ما، فإنّك لا تجلس في زاويةٍ فقط، وتقول: «سيّدي أنا أُحبّك»! لأنّ «أُحبّك» تعني أن تقوم، وتذهب، وتجلب الماء، وتجلب الفاكهة، وتجلب الشاي! أمّا لو جاءك ضيفٌ إلى المنزل، وجلست هكذا، وقلت: «أنا أُحبّك كثيرًا، بحيث لا أستطيع أن أتحرّك من جانبك لحظةً واحدةً!»، سيقول: «سيّدي، قُم واذهب واجلب شيئًا لنأكله! إنّنا نموت من الجوع!». هذا يعني أنّ الالتزام الباطنيّ والمحبّة الباطنيّة تقتضي أن يقوم المُضيف أمام الضيف، ويقف لأداء احترامه، ويُهيّئ مقتضيات الضيافة.
والطواف حول القبر هو هكذا أيضًا؛ أي إنّ ذلك الالتزام الباطنيّ للإنسان بحقيقة الولاية يقتضي أن يقوم الإنسان من ناحية الظاهر أيضًا بعملٍ يُوصل هذا المعنى، ويُظهر هذا الالتزام. لو قام الإنسان بعملٍ آخر يُوصل هذا المعنى أيضًا، فلا إشكال في ذلك.
التلميذ: هل طواف السالك حول قبر شخصٍ يدلّ على وصول هذا الشخص إلى الولاية؟ أي إنّه وصل إلى الكمال؟
الأستاذ: كلاّ، لا يُشترط أن يكون قد وصل إلى الكمال، وأصبحت ولايتُه كاملةً تامّةً، بل يكفي هذا المقدار بأن يكون مثلاً قد فني في الأسماء والصفات، ووردت عليه حالاتٌ، وأصبح ذا صفاءٍ، ووصل إلى مقام ظهور ولاية الله تعالى؛ بالطبع، لا يلزم أن يكون [وصل إلى] ظهور الولاية في الذات، بل للظهور مراتبٌ، ولا إشكال في أن يكون له ظهورٌ في الأسماء والصفات.
اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ