الشورى في الموضوع لا في الحكم

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتدبير و النظام الاجتماعي

العدد التسلسلي61


الخلاصة

تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة (أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا) وتؤكّد على القاعدة التي يرتكز إليها العقلاء في حياتهم وهي اتّباع الواقع أو الطريق الأقرب إليه عند عدم وضوحه. وأنّ هذه القاعدة يجب اتّباعها في كافّة الأمور حتّى النفسيّة، ومن ذلك موضوع التفكير بالذنب.
ومن مصاديق هذه القاعدة اتّباع الإمام المعصوم عند وجوده وإمكان التواصل معه ولو اتّبعت الشورى حينها فهي مخالفة لحكم العقل وملعونة.
كما أنّ من مصاديقها اتّباع الشورى عند عدم إمكان التواصل مع الإمام المعصوم. ومورد الشورى هو الموضوعات دون الأحكام، وقد بيّنت المحاضرة بالأمثلة الفقهيّة الفارق بين الموضوع والحكم وأنواعًا من الموضوعات والتي لا يتعرّض الشارع لبيانها إلا نادرًا كموضوع السفر والموت، أمّ المتروك فإمّا أن يكون واضحًا لدى العرف أو يحتاج إلى أهل الخبرة، مؤكّدة ضرورة الشورى في هذا القسم الأخير.
كما فسّرت آيتي الشورى في القرآن: (وشاورهم في الأمر) ـ (وأمرهم شورى بينهم). ومقطعًا من عهد أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر (وأكثر مجالسة العلماء ومنافثة الحكماء) مبيّنة أثناء ذلك أهميّة الشورى وآثارها.
/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الشورى في الموضوع لا في الحكم

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • الشورى في الموضوع لا في الحكم

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٦۱

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

الشورى في الموضوع لا في الحكم

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين

  •  

  •  

  • ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا!

  • قال الإمام الصادق عليه السلام: ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا.

  • يقول الإمام إنّ على العبد أن لا يفكّر في تدبير من التدابير، وأن لا يكون لديه اختيار مستقلّ أمام تدبير الله ومشيئته. وقد كثر البحث والاهتمام بهذه الفقرة. وهي تقتضي فروعًا وشعبًا مختلفة.

  • بناء العقلاء على اتّباع الواقع أو الطريق الأقرب إليه

  • كان البحث في الجلسات السابقة حول المبدأ المهمّ والتأسيسيّ والذي هو الشورى والتشاور في الحكومة الإسلاميّة. وتقدّم أنّ بناء العقلاء في كافّة المجتمعات البشريّة بما هم عقلاء ـ أي من منطلق المدركات العقليّة والمستقلاّت العقليّة ـ هو اتّباع الطريق الأحسن والطريق الأقرب إلى الواقع.

  • فالقاعدة الأوليّة في حياة الإنسان هي اتّباع طريق إمّا هو عين الواقع إن أمكن، أو الأقرب إلى الواقع.

  • ضرورة اتّباع الواقع في الأمور الشخصيّة والنفسيّة

  • هذه القاعدة الأوليّة، يجب الالتفات إليها في كافّة مجالات حياة الإنسان، في العلاقات العامّة، في العلاقات مع الناس، في الأمور الشخصيّة، في كيفيّة السلوك، واعتدال المزاج، والمراد من اعتدال المزاج هنا، المزاج الروحي. فلا بدّ أن تكون حركة الإنسان حركة أقرب وأكثر ثباتًا واستقامة من حيث وصولها إلى الحق ووصولها إلى الواقع. هذه هي القاعدة الأوليّة. وعلى كلّ إنسان أن يراعي هذه القاعدة للوصول إلى مراتبه الكماليّة. وهذه هي المراقبة التي يوصي بها الأعاظم تلامذتهم ومريديهم طوال حياتهم وطوال مدّة تتلمذهم. فلا بدّ أن يراعي الإنسان هذه القاعدة في كلّ خطوة يخطوها، وفي كلّ كلمة يتكلّمها وفي كلّ فكرة يفكّر بها.

  • من اتّباع الواقع ترك التفكير بالذنب فضلاً عن فعله

  • وهناك رواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله تستحقّ التأمّل كثيرًا حيث يقول: لقد كان عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام يأمر الحواريّين والناس أن لا يرتكبوا الأعمال القبيحة والزنا. ولكنّي آمر

الشورى في الموضوع لا في الحكم

3
  • أمّتي بأن لا يفكّروا بالزنا، لأنّ التفكير بالزنا يشبه سحب الدخان التي تتصاعد إلى جانب الجدار، والتي وإن كانت لا تحرق الذين هم خلفه ولكنّها تؤثّر فيهم وتسبّب لهم الأمراض.۱

  • انظروا كم يهتمّ الإسلام بهذا الأمر، يقول إنّ تفكير إنسان ما بالزنا يؤثّر أثره فيه. أمّا أن يتوب الإنسان أو يقدم على الزنا، فهذا أمر آخر خارج محلّ بحثنا. أمّا أن يمتنع الإنسان عن خصوص الإقدام العمليّ، ويفكّر في ذهنه بما يريد ويعتبره مباحًا، ويفتح قلبه على كل تخيّل وتصوّر، فهذا مخالف للسلوك والطريق إلى الله والروح، وهو يحطّ النفس من مرتبة الصعود إلى مرتبة الحيوانية ومرتبة الشهوانيّة.

  • لذلك، فإنّ مسألة المراقبة في جميع شؤونها، تشمل القيام بالأمور التي يعلم الإنسان أنّها مورد رضا الله قطعًا، أو أنّه لا طريق آخر سواها للوصول إلى رضا الله. أي يكون قد عمل بحجيّة الظنّ، الظنّ الغالب في حياته، فهذا الطريق يكون طريقًا عقلائيًّا.

  • حكم العقل بلزوم اتّباع المعصوم عند إمكان الوصول إليه

  • والأساس في المراتب التكامليّة للإنسانيّة هو العمل بالواقع، والعمل بالعقل، وبما تحكم به القوى العاقلة لدى الإنسان. فبماذا يحكم عقل الإنسان؟ يحكم عقل الإنسان بأنّه إن كان هناك طريق يتمكّن الإنسان من خلاله من الوصول إلى حقيقة الأمر، فمن الواجب على الإنسان العاقل لا المهمَل ولا الذي هو على أيّ حال من الأحوال، ولا الإنسان اللاأبالي، ولا الإنسان غير الهادف، ولا الإنسان الذي لا يبالي على أيّ حال يكون، بل الإنسان العاقل الذي يريد الوصول إلى أهدافه من الكمال، من الواجب عليه بحكم العقل أن يختار هذا الطريق الذي يوصله إلى المقصود.

  • ووفق ما لدينا من معطيات حول الإمام عليه السلام، فإن تمكنّا في موضع من المواضع من الوصول إليه، فلا بدّ من الرجوع إليه بحكم العقل. بحكم العقل يعني أنّه حتّى لو لم يقل لنا الإمام تعالوا إليّ. لو لم يقل الإمام إنّ كلّ ما تريدون ههنا، ورغم أنّه قال جميع ذلك، ورغم أنّ الإمام عليه السلام ذكر كلّ ذلك، ورغم أنّ النبيّ قال في أمير المؤمنين: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. رغم أنّ النبيّ قال في أمير المؤمنين: أتقاكم عليّ ، أعلمكم عليّ۲ ، أورعكم عليّ ، أقواكم بالحقّ عليّ ، أقضاكم عليّ۳. وهذه صيغة أفعل التفضيل، أعلم أفعل التفضيل. هذا يعني أنه لو اجتمعتم جميعًا يا أهل الكرة الأرضيّة ووضعتم عليًّا في جانب، فسوف يرجح عليّ هناك. ورجحانه أيضًا ليس رجحان قدم واحدة أو متر واحد، هو رجحان ما بين الأرض والسماء.

  • حتّى لو لم يقل رسول الله هذه الأمور، وحتّى لو لم يقل أمير المؤمنين هذه الأمور، ولو لم يأت أمير المؤمنين إلى بيوت الأنصار والمهاجرين ويذكّرهم بالأمور التي مضت، لكان واجبًا على المسلمين بحكم العقل الرجوع إلى أمير المؤمنين. لذلك الدليل.

    1. يبدو أنّ الرواية عن أبي عبد الله عن عيسى عليه السلام كما في الكافي ج۵، ص ۵٤۲: عن أبي عبد الله عليه السلام قال : اجتمع الحواريون إلى عيسى عليه السلام فقالوا له : يا معلم الخير أرشدنا ، فقال لهم : إن موسى كليم الله عليه السلام أمركم أن لا تحلفوا بالله تبارك وتعالى كاذبين وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين ، قالوا : يا روح الله زدنا ، فقال : إن موسى نبي الله عليه السلام أمركم أن لا تزنوا وأنا آمركم أن لا تحدثوا أنفسكم بالزنا فضلا عن أن تزنوا ، فإن من حدث نفسه بالزنا كان كمن أو قد في بيت مزوق فأفسد التزاويق الدخان وإن لم يحترق البيت.
    2. أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب. الغدير، ج۳، ص ٩٦ عن: مسند أحمد ۵ ص ۲٦ ، الاستيعاب ۳ ص ۳٦ ، الرياض النضرة ۲ ص ۱٩٤ . مجمع الزوايد ٩ ص ۱۰۱ و ۱۱٤ بطريقين صحح أحدهما ووثق رجال الآخر ، والمرقاة في شرح المشكاة ۵ ص ۵٦٩ ، كنز العمال ٦ ص ۱۵۳ ، السيرة الحلبية ۱ ص ۲۸۵ ، سيرة زيني دحلان ۱ ص ۱۸۸ هامش الحلبية
    3. الغدير، ج۳، ص ٩٦؛ الاستيعاب ج۳ ص ۳۸ هامش الإصابة؛ مواقف القاضي الإيجي ۳ ص ۲۷٦؛ شرح ابن أبي الحديد ج ۲ ص ۲۳۵؛ مطالب السؤل ص ۲۳، تمييز الطيّب من الخبيث ص ۲۵؛ كفاية الشنقيطي ص ٤٦.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

4
  • الشورى ملعونة مع وجود عليّ عليه السلام

  • لذلك فإن الشورى التي يدّعي أهل السنة تشكيلها هي شورى السقيفة الملعونة. وقد جعلوها أحد مفاخر الديمقراطيّة في نظام حكمهم ، فهذه الشورى بكلّ تأكيد منافية لحكم العقل. من هنا نريد الانتقال إلى موضوع آخر.

  • إنّ الشورى التي لها ما يبررها من وجهة نظر حكم العقل، والشورى المتّبعة هي التي تؤيّد حكم العقل، تؤيّد المجتمع. وكما قلت في الجلسات السابقة ، إذا قال أحد المدرّسين في الصفّ للأطفال: أشيروا عليّ ماذا نفعل اليوم؟

  • فإنّهم يقولون: دعونا نترك الدرس ونلعب. اذهب الآن إلى المدارس ولاحظ بنفسك. لقد كنّا نحن هكذا، كنّا إذا سألونا نقول: دعونا نرتع ونلعب. كانت أيّامنا السعيدة في المدرسة عندما تكون لدينا حصّة رياضة. لم نكن نحبّ الرياضيّات أو الإملاء أو الواجبات المنزليّة أو أيّ شيء من هذا القبيل، ولكن عندما كنّا نذهب إلى المدرسة كنّا نذهب حبًّا للرياضة التي ستكون بعد يومين. كنا نذهب حبًّا لذلك اليوم. حسنًا، ولو فعلوا تلك الساعة الواحدة يومًا كاملاً، فسيقيم الأطفال احتفالاً. ثمّ ماذا لو فعلوا ذلك اليوم أسبوعًا؟ أو لو صار ذلك على مدار السنة. فليشاوروا الأطفال في الصف الثالث أو الرابع من المرحلة الابتدائيّة، أو الأكبر منهم أو الأصغر مشاورة واحدة. ونحن جميعًا لدينا الشيء نفسه تقريبًا. فلا نضحك كثيرًا على ماضينا. ما زلنا كما في الماضي، لكن الصورة اختلفت. الصورة اختلفت، يقال إنّه عندما صوتوا لرئيس الجمهوريّة في إحدى الدول، فإنّ غالبيّة الناس وخاصّة بعض الطبقات المعيّنة قالت: إننا نرشّح ذاك المرشّح لأنه أفضل من الآخر من حيث المظهر. هل التفتّم؟ هذه هي مرحلة الطفولة بعينها. لم يختلف الحال. أو خذوا مثلاً من عندنا من إيران، لماذا نذهب بعيدًا؟ في إيران هذه، فمثلاً الغالبيّة الآن، أو لا نقول الغالبيّة، فوفقًا للإحصاءات فغالبية الناس أو نصفهم أو ما يقاربه هم من هؤلاء الشباب. والشابّ بطبيعته بماذا يهتم؟ إنّه يهتمّ بالألعاب والرياضة وما إلى ذلك. فلو ترشّح للرئاسة الآن أحد هؤلاء اللاعبين، والذين أنتم أعرف بأسمائهم منّي فأنا لم أشاهد هذه الألعاب ولا اطّلاع لي على شيء منها، كلّ ما أعرفه هو هذا: ففي الرحلة التي كانت قبل سنتين والتي تشرّفت فيها بزيارة مكّة برفقة الأصدقاء السيّد شرواني والسيّد خدابنده لو، كان الحديث هناك يدور حول لعبة إيران، وكان من الحجّاج الذين كانوا هناك من يقول فلان أفضل، وآخر يقول لا فلان أفضل. حتّى إنّ أحدهم جاء، جاء به السيّد شيرواني إلى غرفتنا، لنمزح قليلاً ونضحك، فقال: يا سماحة السيّد تعال إلى الأمجديّة. اسمها الأمجديّة صحيح؟ أم لها اسم آخر؟ سابقًا كانت في الأمجديّة. الحاصل تعال إلى الملعب لترى أنّ مشجّعي اللون الأزرق أو الأحمر ـ لا أدري ـ أكثر عقلاً من هؤلاء، كان يقول: أنا آتي وآخذك. قلت: حاضر بالخدمة، ولكن لا تنس بالتأكيد. هل التفتّم؟ حسنًا فهذه مثلاً جانب.

  • فلو حصل أن رشّح أحد هؤلاء لرئاسة الجمهوريّة، فإنّه سيفوز حتمًا بدون أيّ شكّ. لماذا؟ لأنّ مدركات الشابّ ومدركات الناس في حدود دائرة خاصّة. فتجارب إنسان عاقل، إنسان خبير، إنسان خبر الدنيا وذاق حلوها ومرّها، لا يملكها بالطبع شابّ يافع في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، أو العشرين، ليس له اطّلاع على ما سيجري في المستقبل. إنّ رؤيته وإدراكه وبصيرته محدودة بالقياس إلى من حوله. فالأب عندما يشخّص، الكبير عندما يشخّص، فهؤلاء هم من يعلم أمور المستقبل، ويعلمون العواقب، ويعلمون الجوانب. هؤلاء يعلمون ما يجري. فأنت لمن تسلّم البلاد؟ فهل تسلّمها لإنسان كهذا؟ حسنًا على كلّ حال.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

5
  • لذلك في موضوع الشورى، لا بدّ من النظر إلى الشورى التي هي مطابقة للموازين العقليّة والسيرة العقلائيّة، وموافقة لدليل العقل، عندما يكون هناك إمام معصوم عليه السلام فلا بدّ للإنسان أن يراجعه وحده دون سواه. هذا في حال وجود الإمام المعصوم عليه السلام.

  • الشورى عند عدم الوصول إلى الإمام

  • أمّا لو لم يكن هناك إمام عليه السلام، كما هو الحال في زماننا هذا، حيث سلب منّا توفيق الزيارة الظاهريّة للإمام عليه السلام، وبقيّة الله أرواحنا فداه في غيبة. فما هو التكليف في هذه الحالة؟ أو كما كان الحال سابقًا في زمان رسول الله أو زمان الأئمّة حيث لم يكن جميع الناس يتمكّنون من التواصل معهم. لم يكن ممكنًا لجميع الناس التواصل مع الإمام عليه السلام. فلو كان الإمام في المدينة فالتواصل معه منحصر بالذين هم في المدينة، بل لو كان في حصار لم يكن باستطاعة حتّى أهل المدينة التواصل معه. فهنا أيضًا يحكم العقل بانتخاب الطريق الأقرب إلى الواقع من حيث قوّته واستقامته ومتانته في مسير الإنسان. فعلى الإنسان أن يهتمّ بهذه الأمور.

  • مورد الشورى هو تشخيص الموضوع وليس الحكم

  • الأمور التي يبتلى بها الناس على نحوين: أحدهما تشخيص الموضوعات، والثاني الأحكام المترتّبة على هذه الموضوعات.

  • أمثلة حول الموضوعات والأحكام

  • الموضوعات عبارة عن الصلاة والصيام والأطعمة التي يتناولها الإنسان، والألبسة التي يرتديها، والأعمال التي يقوم بها، من الزواج والمعاملات والتجارات وأمثالها فهذه كلّها تسمّى موضوعات. وتترتّب عليها أحكام، من الوجوب والنهي والاستحباب والكراهة والحرمة وأمثال ذلك.

  • بالنسبة إلى الأحكام فإنّ معرفتها مختصّة بالفقيه، ولا يمكن لإنسان آخر أن يتدخّل في ذلك. ولو تحقّق موضوع ووجد، فإنّ حكمه من اختصاص الفقيه ومن شؤونه. ولا يمكن لإنسان آخر أن يحكم. لا يمكن لإنسان أن يقول: حسب وجهة نظري فإنّ الأمر المعيّن هو كذا. أنت مخطئ في نظرك هذا! أفهل أنت متخصّص؟ لا يمكن لأحد أن يقول: برأيي أنّ الحكم في المسألة هو كذا، برأيي أنّ الحجّ ليس واجبًا، برأيي أنّ ذبح الأضحية ليس واجبًا. برأيي أنّ الصلاة ليست واجبة. برأي أنّ الخمس والزكاة وأمثالها من الفروع هي كذا. ليس لرأيك أيّ احترام وأيّ قيمة؛ لأنّ الحكم مختصّ بالفقيه. الفقيه الذي يبيّن الحكم من الأدلّة الأربعة أو الأدلّة الثلاثة: القرآن والسنّة وحكم العقل، أو نضيف إليها الإجماع أيضًا، على أساس الدراسة، وعلى أساس التعلّم وعلى أساس البحث والممارسة في هذا الفنّ، فيبيّن ذلك الحكم الذي هو حجّة عليه، لا حكم الله واقعًا كما هو هو، أو حكم الله الذي في نفس الأمر، ونفس الواقع. كلاّ بل ذلك الحكم المنجّز عليه. فهذا الحكم مختصّ بالفقيه. أمّا تشخيص الموضوع فهو لا يختصّ بالفقيه. يمكن للفقيه أن يقول: الشراب حرام، شرب الخمر حرام. أمّا ما هو الذي يدعى بالخمر؟ وأنّ هذا السائل الموجود هنا هو خمر أم ليس خمرًا، فهذا ما يجب أن يحدّده العرف وأهل الخبرة.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

6
  • موضوع إسقاط الجنين وتحديد النطفة والمضغة والعلقة

  • يمكن للفقيه أن يقول إنّ إسقاط الجنين محرّم. فمن حين انعقاد الجنين يحرم إسقاطه، ويعدّ قتلاً للنفس، ويصدق عليه عنوان الموؤودة {وإذا الموؤودة سئلت بأيّ ذنب قتلت}۱ فهذه الآية تشمل مورد السقط. فهي لا تختصّ بالابن الحيّ وبدفنه حيًّا. الموؤودة هي الطفلة المدفونة حيّة، والسقط أيضًا داخل تحتها. وإذا ما أسقط إنسان جنينًا فإنّه يوم القيامة يسأل ولا بدّ أن يجيب. من حين انعقاد النطفة إذا أسقط الجنين فلا بدّ من دفع عشرين مثقالاً شرعيًّا دية له. عشرون مثقالاً كلّ مثقال ثمانية عشر حمّصة. وإذا ما تبدّلت النطفة إلى علقة، فلا بدّ أن يدفع أربعين مثقالاً شرعيًا، وإذا ما تبدّلت العلقة إلى مضغة فلا بدّ أن يدفع ستّين مثقالاً. ستين مثقالاً من الذهب. ستّين مثقالاً من الذهب المسكوك. وإذا تبدّل إلى عظم فلا بدّ من دفع ثمانين مثقالاً، وإن لم تكن الروح قد نفخت فيه وكان قد أنبت اللحم، فعلى من يسقطه أن يدفع مائة مثقال ما لم تلجه الروح. فإذا باشر الإنسان بنفسه ذلك العمل عليه أن يدفع هو بنفسه، فلو فعلت المرأة ذلك فعليها أن تدفع هي، وإذا فعله الطبيب وجب عليه أن يدفع هو. عليه أن يدفع مائة مثقال، مائة مثقال من الذهب المسكوك، يجب عليه شرعًا أن يدفعه. وليس للطبيب أن يسقط الجنين إذا ما راجعه أحد في إسقاطه، فإذا أسقطه فقد فعل محرّمًا شرعيًّا. وهذا الفعل فعل مكدّر جدًّا، وهو يوجد في فاعله مسقط الجنين ظلمة خاصّة. وأمّا إذا كانت الروح قد نفخت فلا بدّ من دفع ألف مثقال من الذهب المسكوك. ألف مثقال من الذهب المسكوك. فكم قيمة كلّ مثقال الآن؟

  • ـ خمس وعشرون ألفًا.۲

  • ـ خمس وعشرون؟ فلا بدّ أن يدفع خمسًا وعشرين مليونًا. هذه دية أيّ شيء؟ دية ابن ولجته الروح فأسقطه. فهذا ما يرتبط بالحكم الشرعيّ. فهذا ما يحدّده الفقيه، أي مقدار الدية التي تجب هو في عهدة الفقيه.

  • أمّا أنّه هل يقال لهذه النطفة نطفة منعقدة أم لا؟ فمجرّد استقرار النطفة في رحم المرأة لا يسمّى انعقادًا. الانعقاد يعني الارتباط، فهل المراد من الانعقاد مجرّد الاستقرار؟ حتمًا لا. أم المراد من الانعقاد انضمام نطفة الرجل والمرأة؟ فهل هذا يسمّى انعقادًا؟ أم المراد من الانعقاد التصاق النطفة في جدار الرحم حيث يبدأ بالنموّ. هذا معنى الانعقاد، وهذا في عهدة الطبيب. فهو الذي يحدّد ما إن كانت هذه النطفة المسقطة الآن منعقدة أم لا؟ إن كانت منعقدة فعشرون مثقالاً شرعيًّا من الذهب يجب أن يدفع. إن لم تكن قد انعقدت بل كانت مجرّد نطفة ثمّ خرجت فهنا لا دية أصلاً في هذه الحالة. هل التفتّم؟

  • فإذن لا يمكن للفقيه أن يشخّص الموضوع من عنده. فيقول: هذه النطفة التي خرجت الآن منعقدة. كلاّ، هذا يحتاج إلى اختصاص. الطبيب يجب أن يقوم بذلك، وينظر فيه. أو أن يكون الموضوع موضوعًا يمكن للعرف أن يدركه، أو في الموضوعات الأخرى مثلاً في جميع الموضوعات يمكن للعرف والمتخصّصين أن يحدّدوا الموضوع. فإذا ما حدّد الموضوع، أمكن للفقيه أن يجعل له حكمًا، وبالطبع لا يجعله من عند نفسه، بل يبيّن حكم الشارع.

  • ومسألة تشخيص الموضوع مسألة صعبة جدًّا، أي أن يحدّد الإنسان الموضوع، والموضوع لا يختصّ بهذه الصلاة والصيام والوقت والقبلة والطهارات والنجاسات وأمثالها، بل لدينا مواضيع معقّدة جدًّا، لدينا مواضيع حسّاسة جدًّا، ولدينا مواضيع دقيقة جدًّا، تحتاج إلى دراسات وأهل خبرة، وتحتاج إلى تجربة طويلة.

    1. سورة التكوير (۸۱) الآيتان ۸ و٩.
    2. طبعًا هذا في زمان إلقاء المحاضرة. وتجدر الإشارة إلى أنّ المثقال الشرعي من الذهب يبلغ ما يقارب أربعة غرامات وربع فيكون مجموع الدية أربعة كيلوات وربع من الذهب المسكوك. (م)

الشورى في الموضوع لا في الحكم

7
  • تدخّل الشرع أحيانًا في تحديد الموضوع كما في السفر والموت

  • وبالطبع أحيانًا الشرع بنفسه يتدخّل لتعيين الموضوع. فمن الموارد التي تذكر من باب المثال المسافر، فمن يريد أن يسافر فقد عيّن له الشارع الموضوع؛ لكي يتخلّص من الاختلاف وأنّه هل يطلق السفر على العشرين فرسخًا أم على المائة فرسخ؟ أم على الخمسة فراسخ؟ فيحدّدون بالفرسخ حتّى يخرج الموضوع عن الخطأ والشبهة. فيأتي الشارع ويعيّن حدًّا، وبالطبع فإنّ هذا الحدّ يتطابق مع العرف. فيقول: أربعة فراسخ ذاهبًا وأربعة فراسخ راجعًا في نفس اليوم أو في اليوم الذي بعده، ليبلغ طول السفر ثمانية فراسخ، فهذا ما يسمّى سفرًا. فعلى هذا الأساس نقوم نلتزم بهذه المسائل ومسائل السفر.

  • وفي بعض الموارد مثلاً مسألة الموت، متى يعدّ الإنسان ميّتًا، متى تحصل الوفاة للإنسان؟ فهناك آراء مختلفة حول الوفاة، فبعضهم يقول: عندما يتوقّف الدماغ عن العمل، وهذا رأي الأطبّاء، فعندما يتوقّف الدماغ ولا يكون له أيّ نشاط من الناحية الطبّية فهذا يعدّ موتًا. أمّا عندما نرجع إلى الشرع نرى أنّه لا يعدّ مجرّد ذلك موتًا، بل يعدّ برد جسد الميّت هو الموت في الشرع. والأحكام المترتّبة على الموت تترتّب على هذا الأمر. فإذا لم يعمل الدماغ، ولم يظهر منه أيّ فعل وردّة فعل، ولا يكون له أيّ نشاط، ويتوقّف عمله بشكل كامل، ولكن في الوقت نفسه القلب يعمل، فهذا يحكي عن تعلّق الروح بهذا البدن. وبالطبع هذا عندما يكون القلب بنفسه وبدون عامل آخر من الأجهزة والوسائل الأخرى. القلب بنفسه يتحرّك، بدون جهاز، بدون وسيلة تضخّ الدم في العروق، أو بوسائل أو بأدوية أو بأغذية، بتأمين الفيتامينات، وبتأمين الموادّ التي تحتاجها الخليّة، حيث يتمّ الحفاظ على حياة حيوانيّة. فهذا من وجهة نظر شرعيّة، لا يترتّب عليه أيّ حكم. أبدًا، فلو أنّ القلب بنفسه كان يعمل ويضخّ الدم ويحافظ على حرارة البدن فلا تترتّب أحكام الميّت على هذا البدن. فلذا لدينا في غسل الميّت، إذا مسّ بعد برده يجب الغسل. وما دام حارًّا لا يجب الغسل على الإنسان. هل التفتّم؟ من هنا يعلم أنّ الموت الحقيقيّ من وجهة نظر الشرع هو هذا. الآن إذا جاء الآخرون وقالوا من وجهة نظر اختصاصهم إنّه في هذه الحالة لا يعمل الدماغ، وأنّه العضو الرئيس في البدن، وكافّة الأوامر تأتي منه، أمّا هذا القلب الذي يعمل الآن، لماذا لا يعمل بعد ثلاثة أيّام؟

  • ألسنا نقول إنّ الدماغ لا يعمل؟! فالقلب إذن يجب أن لا يعمل أيضًا. فضربات القلب هي بواسطة صدمات كهربائيّة آتية من الدماغ، فكيف يعمل الآن؟ لماذا بعد أن يتوقّف لا يعاود العمل من جديد؟ فمن المعلوم أنّ هناك عاملاً، وذلك العامل هو غير معلوم، ولا يمكننا نحن وفق التعبّد الشرعيّ أن نتغاضى عنه. فما دام القلب يعمل، يحرم التلاعب بهذا البدن، ويحرم قطع جزء منه، ويحرم ما يطرح في هذا العصر من أمور. فهذا من الموارد التي يعيّن فيها الشرع الموضوع. ولكن في غالب الموارد أو في تسعين بالمائة من الموضوعات وموارد الأحكام ليس تشخيص الموضوع في عهدة الفقيه.

  • والفقيه هو كواحد من الناس العرفيّين، الفقيه هو واحد من سائر الناس. فكما أنّنا من حيث ارتباطنا بالموضوعات نواجه مشكلة ونشتبه، فتارة ندرك أمرًا ما بشكل دقيق. وتارة نتخبّط في إدراكه. الفقيه أيضًا في عمله مع الموضوعات تارة يسلك طريقًا صائبًا، وفي كثير من الأحيان يواجه كسائر الناس خطأ في المصداق وخطأ في الموضوع. لماذا؟ لأنّه إدراكه وبصيرته في اطّلاعه على الأمور كغيره من الناس. وكثيرًا ما يكون في بعض الأمور التخصّصيّة بعيدًا عن هؤلاء المتخصّصين.

  • ضرورة أن يشاور الفقيه المتخصّصين في الموضوعات قبل الإفتاء

  • فلذلك يجب على الفقيه عند الإفتاء في الموضوعات المختلفة أن يرجع إلى أهل الخبرة في كلّ موضوع، وأن ينظر في أقوالهم. وأن يحكم وفق المتخصّصين من أهل الفنّ وأهل الخبرة. وهنا تطرح

الشورى في الموضوع لا في الحكم

8
  • مسألة الشورى والمشاورة كقاعدة مسلّمة في الإسلام. فنحن ليس لدينا اطّلاع في كثير من الأمور، ليس لدينا علم في كثير من الموارد، في كثير من الموارد يكون الأمر خفيًّا. أيّ الأسماك يحرم أكلها وأيّها يحلّ؟ لا بدّ من الرجوع إلى أهل الخبرة. هل الليلة هي أوّل ليلة في الشهر أم لا؟ لا بدّ من مراجعة أهل الخبرة. لا بدّ من البحث حول ما إن كان الهلال قد رؤي أم لا. لا يمكن للفقيه أن يقول: أنا أحكم من نفسي لأنّي أنا الوليّ الفقيه بأنّ الشهر قد بدأ الليلة. كلاّ، ليس له هذا الحقّ. فالشارع لم يعطه حقًّا كهذا. إذا رؤي الهلال فيجب على الفقيه وغير الفقيه أن يحكم بدخول الشهر. وإذا لم يرَ الهلال فيحرم على الفقيه وغير الفقيه الحكم بدخول الشهر. وإذا صام فإنّ صيامه باطل. لا بدّ أن يقضي. أمّا أنّ الهلال قد شوهد أم لا فهذا ما على الفقيه أن يسلك فيه الطريق الذي سلكه سائر الناس. فإمّا أن يأتي شاهدا عدل، ويشهدا برؤيته بعينيهما. أو تشيع رؤية هلال بحيث يقطع الإنسان بدخول الشهر. فهذا الحكم هو ما يجب على الفقيه أن يعمل به.

  • آيتا الشورى في القرآن

  • لقد أشار القرآن الكريم إلى الشورى في موضعين، بل صرّح:

  • الآية الأولى: وشاورهم في الأمر

  • أحدهما: يرتبط بعلاقة رسول الله الخاصّة مع الناس وكيفيّة مماشاة النبيّ الأكرم في الأمور الاجتماعيّة حيث تقول الآية: {فبما رحمة الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك}۱ فبواسطة العنايات الإلهيّة جعل الله قلبك ليّنًا عطوفًا. يريك الصعاب سهلة، أنت يا رسولنا صاحب سعة صدر، ليست مواقفك من الناس حادّة، بل تواجه الأخطاء بسعة صدر، لنت لهم، أنت هادئ لطيف. {ولو كنت فظًّا} والفظّ هو الإنسان الغليظ الحادّ المتحجّر عديم المنطق والذي يسير على نمط واحد ويكون لجوجًا، فلو كنت كذلك {لانفضّوا من حولك} لابتعد الناس عنك، لما جاء أحد إليك. فلو كان يجب أن يتعامل الإنسان بحدّة عند كلّ خطأ لما بقي أحد. وهذا رسول الله وهذا قائد الأمّة. إنّه مبيّن الأخلاق والقيم الإسلاميّة إلى يوم القيامة باسم الإنسانيّة.

  • وعملُ رسول الله لنا أسوة، الأعمال التي كان رسول الله يقوم بها هي بالنسبة لنا أسوة. كيفيّة حديث ومعاشرة رسول الله مع مختلف الناس، كيفيّة كتابة رسول الله للرسائل إلى مختلف الناس. كيفيّة حديث رسول الله مع مختلف الناس، فقد كانت لرسول الله سعة إلى حدّ جعلت الناس يعترضون على لين خلقه وخلقه العظيم وسعة صدره. كانوا يقولون: هل النبيّ عاطل عن العمل حتّى يقوم بهذا العمل الآن؟ هل النبيّ عاطل عن العمل حتّى يلعب مع هؤلاء الصبية هكذا؟ هل النبيّ لا عمل له حتّى يأتي هذا الإنسان فيخصّص له النبيّ كلّ هذا الوقت؟ فواقعًا عجيب، عجيب جدًّا.

  • لا أدري ما إن كنت طرحت هذا الأمر حول أخلاق رسول الله أم لا، وقد تذكّرته الآن. ربّما كنت ذكرته. كنت بصحبة المرحوم العلاّمة مع أحد السادة من المشهورين وهو حيّ الآن. كنّا نريد أن نزور العلاّمة الطباطبائي، حيث كان قد تشرّف بالمجيء إلى مشهد للزيارة. فقد كان يأتي في فصل الصيف إلى مشهد، وكنّا نحن نذهب للاستفاضة من محضره، حيث كانت له جلسات. فذهبنا ذات يوم برفقة المرحوم العلاّمة وذلك الرجل لزيارة المرحوم العلاّمة الطباطبائي، وفي الطريق كان الوالد يبيّن خصوصيّات العلاّمة لذلك الرجل، ومن الأمور التي ذكرها: لقد خرج العلاّمة عن نفسه، عن أنانيّته،

    1. سورة آل عمران (۳) الآية ۱۵٩.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

9
  • وعن نفسه. أخلاقه أخلاق رسول الله. ولم يعد يحتفظ لنفسه بشيء من العلاقات والشؤون الاجتماعيّة. وإنّه لأمر مهمّ جدًّا أن يخرج الإنسان من نفسه في علاقاته وارتباطه مع الآخرين، وأن لا يكون له شأن خاصّ وملاحظة للشؤون وللأمور الجانبيّة والشخصيّة. فقد كان يقول: العلاّمة الآن هو في وضع كهذا، ثمّ قال ـ وكنّا قد اقتربنا من منزل العلاّمة الطباطبائي ـ فقال: كان النبيّ يتحدّث يومًا مع الناس وهو على المنبر. وبينما هو في خضمّ الحديث والخطاب مع الناس، بكى الإمام الحسن أو الحسين عليهما السلام فجأة، بكى أحدهما، تأذّى انزعج فبكى، فجاء باكيًا إلى المسجد، فرأى جدّه هناك فجاء إليه بشكل مباشر من دون مراعاة لهذا أو لذاك، وبالطبع لقد رأى أنّ أباه موجود في النهاية. فما إن رأى النبيّ هذا المشهد، نزل عن المنبر، واحتضن الإمام الحسن أو الإمام الحسين، أحدهما الذي كان قد جاء، وقبّله وجاء به إلى المنبر، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: اجلس هنا، فأنا الآن أتكلّم. ربّما قال أو لم يقل: اجلس هنا حتّى ينتهي حديثي. فجلس إلى جانب النبيّ، وتابع النبيّ كلامه، ثمّ نزل.۱ عندها قال العلاّمة الطهراني: هل تعرف أحدًا من العلماء يمكنه أن يفعل ذلك أمام الناس؟ ثمّ التفت إليه وقال: العلاّمة يفعل ذلك. انظروا كم هو مهمّ هذا الأمر. العلاّمة يقوم بذلك. حسنًا نتابع فهذا المقدار يكفي.

  • فهذه الأخلاق أخلاق رسول الله. أخلاق رسول الله يجب أن تكون أسوة لنا. فما معنى أن نجعل أنفسنا في هذه الوضعيّة، أن نجعل لأنفسنا حريمًا، وهذا يجب أن لا يلتقي بالسيّد، وذاك يجب أن لا يلتقي، وخمسة عشر ومائة وخمسين عقبة وعتبة وحرس للوصول إلى هناك، وهل هناك وقت أم لا.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر: يا مالك لا تجعل بينك وبين الناس حاجبًا، لعلّ فقيرًا أو مظلومًا أو صاحب دعوى أو مظلومًا يريد أن يصل إليك فلا يبلغ بسبب هذا الحاجب.۲ وبسبب هؤلاء. من الذي يقول هذا؟ هذا ما يقوله أمير المؤمنين لنائبه الخاصّ مالك الأشتر. لا تجعل حاجبًا. فهذه الأخلاق أخلاق رسول الله. ونحن علينا أن نغيّر أنفسنا وفق هذه الأخلاق، علينا أن نتأمّل في سيرة وسنّة رسول الله أكثر. دعونا نتابع.

  • {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك} لذهبوا وتركوك. {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين}.لقد نزلت الآية بعد معركة أحد. {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين}، تجاوز عنهم، لقد أخطأوا، لقد فرّوا من المعركة، وتركوك وحدك. {فاعف عنهم واستغفر لهم} جاهلون، فليس الجميع يمتلكون دين عليّ وهمّته وشهامته، ليس الجميع يمتلكون تلك الهمّة وذلك الخلوص والصفاء الذي عند عليّ {فاعف عنهم} تجاوز عنهم {واستغفر لهم} اطلب لهم المغفرة {وشاورهم في الأمر} واستجلبهم إلى ميدان العمل، {شاورهم في الأمر} واجعل لهم حسابًا. انظروا إلى الآية، لقد نزلت إلى رسول الله كقاعدة أخلاقيّة. شاورهم في الأمور، شاورهم. بما أنّهم أخطأوا هذا الخطأ فلا تهملهم جانبًا وتقول: هذا هكذا، وذاك هكذا، كلاّ، بل اجعلهم محلّ اهتمامك. {فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين}

    1. الدرّ المنثور، ج٦، ص ۲۲۸:
      كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فاقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق ثم صعد المنبر.
      ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج الحسين ابن علي رضي الله عنه فوطئ في ثوب كان عليه فسقط فبكى فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فلما رأى الناسُ أسرعوا إلى الحسين رضي الله عنه يتعاطونه يعطيه بعضهم بعضا حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم...
    2. نهج البلاغة، ج۳، ص ۱۰۲: واجعل لذوي الحاجات منك قسمًا تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: " لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع " . ثم احتمل الخرق منهم والعيّ، ونحّ عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته

الشورى في الموضوع لا في الحكم

10
  • إذا نويت أن تسلكًا في طريق، فاثبت وتوكّل على الله {فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين} فهذه الآية لرسول الله.

  • الآية الثانية: وأمرهم شورى بينهم

  • ولدينا آية أخرى لها أهمّيتها وهي التي في سورة الشورى، ويبدو أنّها الآية الرابعة والثلاثون، هناك يقول الله في صفات المؤمنين وخصوصيّاتهم: {والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون}۱ فالمؤمنون هم الذين كلّما جاء نداء من قبل الله أن قوموا استجابوا له. لا يتركون لأنفسهم شيئًا. هنا نطيع وهناك لا. نذهب إلى المجالس ولكن إذا ما كانت هناك معركة فلا نذهب بل نفرّ. عندما تكون هناك منفعة نقدم، نعم مستحبّ، مستحبّ جدًّا، جيّد جدًّا. أمّا عندما يكون هناك ضرر علينا، فلا بدّ أن نتأمّل وأن نفكّر.

  • {والذين استجابوا لربّهم} عندما يريد الله شيئًا. عندما يأتي حكم، عندما يأتي أمر أو نهي، عندما يأتي طلب من قبل الله والرسول والأئمّة عليهم السلام إلى الناس، استجابوا، يقبلون، يقولون: لبّيك. يقبلون من أعماق قلوبهم وأرواحهم. {والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون} يقيمون الصلاة {والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون} يعني انظروا إلى جانب أقاموا الصلاة وكأمر واجب وكواجب إسلاميّ أصيل {والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون} فإنّهم يتداولون أمورهم بالشورى، لا ينظرون إلى الأمور من جانب واحد، ومن جهة واحدة {والذين استجابو لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون}

  • فهذه الآية تطرح أمر الشورى على أنّه قاعدة لا يمكن التخلّي عنها في شؤون المؤمنين. حسنًا فعلى أيّ شيء يطلق عنوان الأمر؟ {والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون} لا يطلق الأمر على الحكم الشرعي، لا يقال للحكم الشرعيّ أمر. يطلق الأمر على الموضوعات التي لها ارتباط مباشر مع المصالح والمفاسد الاجتماعيّة. يقولون: كيف تجري أمورك يا سيّد؟ ما حال أمور المجتمع؟ كيف الأمر؟ كيف الأمور؟ فما هي هذه الأمور؟ إنّها أمور يرتكز إليها قوام المجتمع.

  • بناء على ذلك، لا بدّ من الاهتمام بموضوع الشورى في الأمور الاجتماعيّة للمسلمين، كقاعدة لا يمكن تركها، كقاعدة، كقاعدة، لماذا؟ لأنّه ومع غضّ النظر عن الإمام المعصوم عليه السلام الذي قوله حقّ ورأيه صدق مطلق، فإنّ كافّة الناس من حيث المشاعر ومن حيث الإدراكات هم أسرى حدود الإدراكات البشريّة المتعارفة. فرغم أنّ كلّ إنسان من حيث مدركاته الفكريّة والذهنيّة وتشخيصه للموضوعات هو في مرتبة عالية، ولكن من حيث عدم إشرافه على الأمور المستقبليّة وعدم إحاطته بقرائن الموضوع وجوانبه، حيث لا يمكن للإنسان أن يحيط بكافّة الحواشي والجوانب لموضوع معيّن، فالآن ماذا يجري في قلب فلان؟ الآن ماذا يجري في مدينة كذا؟ الآن...

  • فإحدى القواعد التي كان يطرحها المرحوم العلاّمة هي هذه المسألة المهمّة، حيث كان يقول: يجب على الحكومة الإسلاميّة في المجتمع الإسلاميّ أن تطّلع بشكل دقيق على كافّة الخصوصيّات والأمور التي تجري في سائر البلدان. لماذا؟ فحقيقة المسألة وواقعها هو كذلك. لأنّهم إن لم يكونوا مطّلعين خدعوا، احتالوا عليهم، مهما رأى الإنسان نفسه من الناحية الفكريّة في مرتبة عالية، ومهما رأى الإنسان أنّه من الناحية الخياليّة في مرتبة عالية، ومن ناحية الحدس رأى نفسه أعلى من الجميع، لكنّه رغم ذلك يقصّر في موضع من المواضع، وتكون مشكلته من هذا الموضع دون غيره؛ حيث إنّ الأمور التي

    1. سورة الشورى (٤۲) الآية ۳۸.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

11
  • يواجهها المجتمع ويواجهها الناس لا تقتصر على دائرة الأحكام والقياسات الظاهرة. جزء يسير من النسبة المئويّة يرتبط بذلك، وتسعون في المائة، أو خمس وتسعون في المائة يرتبط بالقضايا التي هي خارجة عن اختيار الإنسان ومحيطه. فهؤلاء الذين يراجعون الإنسان هل هم أصحاب نوايا حسنة أم لا؟ لا يمكنه أن يعرف ذلك. ما يجري في الأمور المختلفة في سائر الأماكن وكيف يمكن التعاطي معه لا يمكن تشخيصه. ما هي العواقب والتبعات المترتّبة على هذا الأمر لو قام بهذا العمل أو قام بذاك؟ فهذا ما لا يمكن للفرد أن يعرفه، إنّه خارج قدرته. يمكن أن يحدس في بعض الموارد، وقد رأينا ذلك رأي العين وجرّبناه، كما قرأناه في تاريخ الثورات والأحداث التي جرت في المجتمع الإسلاميّ على مرّ الزمان، من زمان رسول الله فصاعدًا.

  • وقد ذكرت في الجلسات السابقة أنّ الإمام الباقر عليه السلام يقول لزيد: أنت تريد أن تثور على الظلم، حسنًا فلتثر، لا بأس، أنت تريد أن تقضي على حكومة بني مروان وتسقطها حسنًا، أنت تريد أن تحيي الحكومة الإسلاميّة، حسنًا. أنت تريد أن تقيم العدالة، صحيح؟ إنّ حكّام بني مروان حكّام ظلمة معتدون متجاسرون فسقة، حكومتهم حكومة ظلم. ولكنّ كلامنا هو في أنّك مطّلع على الأحداث التي ستجري بعد ذلك أم لا؟ هل أنت مطّلع على حقائق هؤلاء الذين يحيطون بك ويضحكون في وجهك، فهؤلاء الآن يمدّون إليك يد البيعة، الآن هم... فماذا تعرف عن الغد؟ إنّ أهل الكوفة هؤلاء سيخذلونك، بحيث تبقى أنت وحدك يا زيد مع ثلاثين رجلاً أمام جيش الشام. هل التفتّم؟ هؤلاء الناس سيتركونك. هل أنت مطّلع على ذلك أيضًا أم لا؟ فماذا يجب على زيد أن يصنع؟ ماذا يجب عليه؟ هو يعلم أنّ الإمام يقول حقًّا. فإذن عليه أن يأتي ويسلّم. عليه أن يقول: كوننا إخوة هو شيء منفصل، فأنت إمام. فهل أقدم على هذا العمل أم لا؟ فيقول الإمام: لا تقدم. وينتهي الأمر. من الذي يحمل المسؤوليّة أمام الله؟ الإمام الباقر نفسه يوم القيامة هو الذي يحمل المسؤوليّة. إذا قال الله لزيد: لماذا لم تثر في وجه الظلم؟ يقول: أخي الإمام قال لا فاسأله هو. والإمام في المقابل يمكنه أن يجيب. أنا لا يمكنني أن أجيب. أنتم أيضًا لا يمكنكم أن تجيبوا. ولكنّ ذلك الإنسان يمكنه أن يكون مسؤولاً، الإمام عليه السلام، إنّه مسؤول ويجيب. ذلك الذي يمكنه أن يخبر عن كافّة النتائج إلى يوم القيامة، ويمسك الراية بالحجّة والدليل من الله.

  • يقول الإمام عليه السلام لزيد: إن قمت بهذا فإنّ هذه الثورة لن تثمر. فهل أثمرت؟ أخذوه وقطعوا رأسه. وصلبوه أربع سنوات في كناسة الكوفة، حتّى كانت الحيوانات تعشعش في بطنه. هل التفتّم؟ هذا كان عمل زيد. لماذا؟! فاذهب وأطع كلام الإمام، اذهب وألق الحمل هناك. اذهب واجعل المسؤوليّة في عهدة الإمام، فيهدأ بالك، ولا تكون لديك أيّة مشكلة. إن قال الله: لماذا لم تثر؟ تقول: الإمام قال. لماذا لم يصنع الإمام الحسن عليه السلام ذلك؟ لماذا سالم الإمام الحسين عليه السلام عشر سنوات حكومة معاوية؟ ألسنا نحن نقول إنّا حسينيّون، فالسيّد سيّد حسينيّ في النهاية، ينتسب إلى الإمام الحسين في النهاية. وطريق الإمام الحسين ومسيره ونفَسه الخروج والثورة. فمن كان نفَسه الخروج والثورة والغليان لا يمكنه أن يتحمّل الظلم والتعدّي، فلماذا تحمّل عشر سنوات حكومة معاوية؟! هذا الإمام الحسين نفسه لماذا؟ لأنّ أخاه عاهد معاوية، واحترامًا لأخيه، لا لأنّ معاوية كان رجلاً جيّدًا، فقد كان أحقر إنسان في الدنيا، وأسوأ إنسان في الدنيا، وأحقّ الناس في الدنيا باللعن، ولكنّ أخاه كان قد صالح معاوية، فاحترم سيّد الشهداء الصلح إلى أنّ انتهى معاوية إلى الدرك الأسفل، هنا انتهت المصالحة. لا بدّ أن ترجع الخلافة والحكومة إلى الوليّ الأصليّ وإلى الإمام الأصليّ. من هو الإمام الأصليّ؟ إنّه الإمام الحسين عليه السلام. هنا جاء يزيد وواجه الإمام، فقال له الإمام أيضًا: من الآن فصاعدًا كلاّ، لقد انتهى الصلح الآن. من الآن فصاعدًا عليك أن تتنحّى وتجلس في بيتك، وأوكل الأمر إلى أهله. قال: لا لا أترك. وإن واجهتني قتلتك. قال: اقتلني اقتلني. دعا، وخرج وعمل وفق الظاهر ثمّ انتهى الأمر إلى هناك. حسنًا.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

12
  • فأمر الإمام عليه السلام مختلف. هذا يرتبط بالإشراف. ولكن عندما لا يكون لدينا إشراف، فحتّى لو لم تكن لدينا آية قرآنيّة، وحتّى لو لم تكن لدينا روايات في هذا المجال، فإنّ حكم العقل كما كان الرجوع إلى أمير المؤمنين بعد زمان رسول الله، وكانت الشورى الملعونة في مقابل حكم العقل وفي مقابل حكم النقل الذي هو كلام صريح ونصب صريح لخلافة أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير، فرغم أنّ هذه الشورى كانت مخالفة لحكم العقل، فإنّها ـ وبحكم هذا العقل نفسه ـ تصبح حجّة عند عدم الوصول إلى الإمام عليه السلام. وهذه الشورى لا بدّ من اعتمادها كقاعدة في الموضوعات. وعلى الحاكم الإسلاميّ أن يرجع إلى أهل الخبرة في الموضوعات. وعليه أن يجمع الذين هم خبراء في كلّ اختصاص ويطلب منهم آراءهم، ويسألهم، حتّى يتّضح الأمر عنده، فليست القضايا دائمًا هي الصلاة والصيام كما ذكرت، القضايا الاجتماعيّة المهمّة، حفظ دماء المسلمين، حفظ شرف المسلمين، حفظ أعراض المسلمين، عدم إتلاف ذخائر المسلمين، الاستفادة من هذه الإمكانات، فلا بدّ من مراجعة أهل الخبرة في هذه الشؤون. لا بدّ من الاهتمام بالاستفادة من أهل الخبرة.

  • في ذلك العهد الذي كتبه أمير المؤمنين عليّ عليه السلام إلى مالك الأشتر، يصرّح الإمام بهذا الأمر. من هو مالك الأشتر؟ التلميذ الأوّل عند أمير المؤمنين. إنّه مالك الأشتر في النهاية. الجميع يعرفونه. مقاماته فضائله تقواه ورعه اتّصاله ووصله بأمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ذلك المدح الذي مدحه به أمير المؤمنين بعد شهادته. ماذا كان؟ لقد كان التلميذ الخاص في مدرسة أمير المؤمنين والذي كان يتحدّث معه صباحًا ومساء، كان يرى أمير المؤمنين كلّ يوم. كان يتحدّث معه كلّ يوم. كان يراه كلّ يوم في الحروب، رآه في الحضر، ورآه في السفر، رآه في المرض ورآه في الصحّة. فمالكٌ هذا بكلّ هذه الخصوصيّات، وبكلّ هذا المقام وهذه الفقاهة، وبهذه الرؤية الدينيّة التي لديه، فنحن لو كنّا مع الإمام شهرًا واحدًا لفهمنا الأمر كلّه، شهر واحد، في كلّ يوم نرى الإمام ساعة، في حين أنّ مالكًا كان عند أمير المؤمنين لسنوات متمادية. كان مع ضحكات عليّ ومع غضب عليّ ومع التأديبات التي كانت من عليّ، وبالطبع هذا ما أقوله أنا، وليس... فأمير المؤمنين كان يؤدّبه ببعض التأديبات، وأمير المؤمنين كان يضحك معه، وأمير المؤمنين كان يمازحه، وأمير المؤمنين كان يأمر وينهى تعال واذهب، قم واجلس. كلّ هذه الأعمال لسنين متمادية رآها، ولكن بما أنّه يذهب إلى مصر الآن فماذا يقول له أمير المؤمنين؟ وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة۱ الحكماء اجلس مع العلماء، مع من يتكلّم الإمام؟ مع مالك هذا، أنا في النهاية لديّ حدودي!

  • (وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء). اجلس مع العلماء، وشاورهم في شؤون البلاد. فهل قال الإمام هزلاً في عهده؟ هل أراد المزاح؟ (ومنافثة الحكماء)، تحدّث مع الحكماء والعقلاء، والمراد من الحكمة هنا العقل، وليس المراد هذه الفلسفة الاصطلاحيّة. اجلس مع العقلاء الذين يحقّقون حول الأمور من منظار عقليّ، يا مالك الذي كنت معي سنين لا تغترّنّ، لا تغترّنّ بهذه السنوات التي كنت فيها معي؛ فأنت لست في تلك المرتبة ـ وبالطبع أنا أقول هذا ـ أنت لست في تلك المرتبة بحيث يكون لك إشراف على الواقع مثلي. أنت تحتاج إلى جليس حكيم، أنت تحتاج إلى جليس عالم. (في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك)، في تلك المسائل التي ترتبط بالأمور الاجتماعيّة للنّاس، لا في الأحكام الفقهيّة، اذهب وأفت الناس في الأحكام الفقهيّة. ولكنّ الأمر المهمّ هو الشؤون الاجتماعيّة، فيجب أن تكون مع العلماء. (في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك)۲. وأن تعمل على تثبيت تلك المبادئ

    1. المنافثة المحادثة.
    2. نهج البلاغة، ج۳، ص ۸٩.

الشورى في الموضوع لا في الحكم

13
  • التي كان الناس عليها قبلك، والتي يدبّر بها الناس أمر مجتمعهم، وكان على أساسها قوام مجتمعهم وصلاحه. فيجب أن تشاور الناس في هذه الأمور. فالإمام يقول هذا الكلام لنائبه الخاص، ثمّ يقول أمورًا أخرى.

  • فهذه المسألة مسألة مهمّة، وهي أنّه لا يمكن في الأمور الاجتماعيّة أن يفضّل الإنسان ويغلّب رأيه الخاصّ وفكره الخاصّ على سائر أفكار العقلاء والذين لديهم قدرة على التشخيص في الأمور. فالناس لم يأكلوا التبن، الناس يدركون. الناس يفهمون جيّدًا. هؤلاء العقلاء يشخّصون بشكل دقيق. لماذا؟ هناك دليل عقليّ، لأنّه إمّا أن يكون هذا الأمر الذي يجري مؤدّيًا إلى نتيجة، فيرى الجميع أنّهم شركاء في هذا الأمر، وإن لم يصل إلى نتيجة فإنّهم لا يلومون إنسانًا آخر وشخصًا معيّنًا. يقولون: اجتمع العقلاء في هذا الأمر، كما لو حصل هناك مرض، مرض عضال، صعب فيه أذى، مرض في الأمعاء، أو ما شابه. في النهاية: أحدهم يقول: إنّه الزائدة، والآخر يقول: انعقاد في الأمعاء، وأمثال ذلك. هنا ماذا يُصنع؟ القاعدة في ذلك أن تنعقد شورى طبّية، ثمّ وفق نظر الشورى يجرون له عمليّة. فإن مات، يقولون: حسنًا فالجميع قرّروا. وإن لم يمت، فبها ونعمت. أمّا لو أنّ طبيبًا واحدًا جاء وقال: أنا أشخّص هذا فاعملوا به. يقولون: لماذا لم تسأل عن رأي الآخرين؟ حبّذا لو أخذت صورة، أو أجريت اختبارًا.

  • في مسائل المسلمين، إن كان المقرّر أن يعمل الحاكم الإسلاميّ على أساس رأي العقلاء والمتخصّصين في ذلك الفنّ، فإمّا أن يصل إلى نتيجة فبها ونعمت، وإن لم يصل فإنّ المسؤوليّة ليست في عهدته هو وتكليفه هو فلا يلام.

  • أسلوب المرحوم العلاّمة في أحداث سنة اثنين وأربعين

  • ومن هنا فإنّ المرحوم الوالد رضوان الله عليه عام اثنين وأربعين شرع بهذه الثورة مع فقيدها وكان يخطّط للأمور على هذا الأساس. فالشرط الأوّل الذي شرطه للاستمرار والمتابعة في هذا المشروع هو الشورى الدائمة وفي كلّ أمر والتي كان يجب أن يلتزم بها. هو نفسه قال لي: إنّ أوّل شرط كان لي عليه هو ضرورة أن يكون كلّ أمر على أساس الشورى. وقد استمرّ هذا الأمر، ثمّ لاحقًا واجه بعض الموانع، وتغيّر الحال.

  • على كلّ حال، في نظام الشورى، لا بدّ من الاهتمام بمسألة الشورى كقاعدة مهمّة. إلى هنا تمّ هذا الموضوع. وبالطبع هناك مسائل أخرى، وما طرح هنا هو ذلك المقدار الذي ينبغي أن يطرح حول هذا الموضوع. وإن شاء الله سنتحدّث في الجلسات اللاحقة حول سائر الأمور.

  • نسأل الله تعالى أن يجعلنا في ذلك الطريق، وأن يجعل طريقنا طريق إنسان مسلم إنسان شيعيّ، من شيعة أمير المؤمنين، متابع لأمير المؤمنين، ففي النهاية نحن مدّعون أنّنا شيعة إمام الزمان، نحن ندّعي اتّباع إمام الزمان عليه السلام. ندّعي أنّنا شيعة. فمن الحيف والخسارة أن نطأطئ رؤوسنا خجلاً ونتغاضى عن الأمور، مع وجود كلّ هذه الأوامر والتعاليم النورانيّة، رعاية لبعض العوامّ، وكما يقول المرحوم الحاج: لأجل هذين اليومين من الدنيا وبعض المنافع فنحرم أنفسنا والآخرين من الوصول إلى هذا الماء المعين، وهذه العين النضّاخة، ومنبع الشمس.

  • أخذ الله بأيدينا جميعًا إن شاء، وجعل أمامنا خطوة بخطوة كلّ ما هو له رضا.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد