58

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

2650
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتدبير و النظام الاجتماعي


التوضيح

تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتدرس ارتكاز النظام التربويّ الإسلاميّ إلى مبدأ حتميّة اختلاف أوضاع الناس أفرادًا ومجتمعًا في سيرهم التكامليّ إلى الله، ما بين صحّة ومرض، وشدّة ورخاء، وهزيمة ونصر، وكون ذلك واقعًا خارجًا عن اختيار المكلّفين ولا بدّ أن ينسجموا معه في المرحلة الأولى، وإن أمكن أن يدركوا بعض حكمه وعلله في المراحل اللاحقة، ومن تلك الحكم كون حالات الشدّة والعسر مخفّفة من غرور الإنسان ومزيلة للحجب عن قلبه، كما أنّها تثبّت الإنسان وتقوّيه تمامًا كالشجرة التي تكون في معرض الرياح فتتجذر في الأرض أكثر من التي تكون بعيدة عن الرياح. ومن علل ذلك اختلاف الأسماء والصفات الإلهيّة التي لا بدّ أن تظهر كلّها، ومن أهدافه وغاياته تحقيق رجوع الإنسان إلى المبدأ وتركه لكلا حالي الشدّة والرخاء والتوجّه إلى الله وحده.
أمّا رؤية أهل الظاهر فهي ضرورة أن تكون الحياة على نمط واحد من السلامة والفرح والنصر والظفر، وإن لم يحصل ذلك يشعرون بالخيبة والخسران.
ويترتّب على كلّ ذلك أنّ هدف الحكومة الإسلاميّة والحاكم الإسلاميّ هو التوحيد لا النصر والتكامل الظاهريّين، ولذلك فهي تقوم بالتكليف ـ ما يعيّنه الشرع والعقل والعرف العاقل ـ لا إرضاء الناس المتقلّبين في إقبالهم وإدبارهم، ومن أمثلة ذلك حركة أمير المؤمنين إلى صفّين من دون حتميّة التوفيق في اقتلاع معاوية بأيّ طريقة وثمن، وعزل شريح القاضي، وصلاة التراويح.
كما بيّنت بعض النقاط لمناسبة ما للمقام فبما أنّ نظام التربية يرتكز إلى اختلاف الحالات وأنّها ستمرّ على أيّ حال، لذلك فلا داعي لمعرفة المغيّبات وما سيجري، ولذلك لا تهتمّ مدرسة العرفان بذلك. ولا يسأل الإنسان عنه في القبر، وإنّما يسأل عن معرفته بإمامه معرفة لا تقتصر على الهويّة الشخصيّة فأعداء الأئمّة كعليّ بن أبي حمزة كان يعرف اسم الإمام واسم أبيه.
كما استشهدت لكثير من المبادئ بمواقف من سير الأئمة عليهم السلام وخصوصًا أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين ومع شريح القاضي وصلاة التراويح. وتحدّثت عن أسباب ابتلاء المرحوم العلاّمة بتمزّق الشبكيّة.
ثم ختمت المحاضرة بالحديث عن بعض خصوصيّات شهر رجب والوصايا المتعلّقة به.
/۱۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

1
  •  

  •  

  • هو العليم 

  •  

  • ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٥۸

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين 

  • والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وأشرف النبيّين محمّد 

  • وآله الطيّبين الطاهرين 

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين 

  •  

  •  

  • ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا

  • قال الإمام الصادق عليه السلام: ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا. 

  • ‌تقدّم في الجلسات السابقة أنّ التدبير هو أحد الأمور المهمّة، ويمكن أن نقول إنّه أكثر الأمور أساسيّة في حياة الإنسان، والسالك بوجه خاصّ والذي مقصده وغايته من مسيره هو الوصول إلى الفعليّات وتحوّل الاستعدادات إلى مراتب الفعليّة؛ فكيف يذكر الإمام الصادق عليه السلام في هذه العبارة عدم التدبير لعنوان كواحدة من خصائص العبوديّة؟

  • وكان البحث حول رؤية الإسلام في الحكومة وفي الاجتماع الإسلاميّ. وتقدّم أنّ الإسلام قد لاحظ عددًا من القواعد في إدارة المجتمع، تتحقّق بمراعاتها أهداف وغايات تشكيل الحكومة الإسلاميّة، وبدونها لن تكون الحكومة إسلاميّة، بل حكومة وفق إرادة وآراء جماعة أو فئة معيّنة، ولن يتحقّق بالطبع ما يهدف إليه الأولياء والأعا‌ظم، وإن كان باسم الإسلام.

  • قيام نظام التربية الإسلاميّ على اختلاف الأوضاع بين شدّة ورخاء ومرض وصحّة وهزيمة ونصر 

  • إنّ عالم التقدير وعالم المشيئة ونظام الخلقة قائم على أساس تدبير وإدارة وتنظيم خاص، وجميع الخصوصيّات الكماليّة مترتّبة على هذا التدبير في كيفيّة هذا النظام. فلا شكّ أنّ المقصود والمراد من خلق الإنسان، هو تحصيل الفعليّات، والوصول إلى الغايات، وتلك الأهدافِ الكماليّةِ والفعليّاتِ المترتّبةِ على خلق الحياة البشريّة. فإذن كلّ ما يقع طوال حياة واحد من الناس بما أنّه تحت التقدير والمشيئة الإلهيّة فهو للوصول إلى ذلك الهدف وذلك الكمال الإلزاميّ. فالمراد من كافّة الحوادث والظواهر التي تقع طوال حياة الإنسان والتي هي عبارة عن المدّ والجزر والشدّة والرخاء التي تحدث في حياة الإنسان، والأزمات وانحلال الأزمات التي تقع أثناء حياة الإنسان، اللذّات والآلام والأسقام التي تتفّق للإنسان، الصحّة والأمراض التي تحصل للإنسان، كلّ ذلك يأتي به الله في سبيل تحقّق تلك الأهداف. لقد جعل نظام العالم على هذا الأساس. أمّا أنّ هذا النظام صحيح أم غير صحيح؟ولماذا جعله الله هكذا ولم يجعله على نحو آخر؟ فبعض الناس يقولون: ما المشكلة في أن يجعل الله حياة أحد الناس كلّها كاملة بالصحّة والسلامة والسعة والراحة واللذّة وأمثال ذلك، ويوصله إلى المقصود؟ لماذا جعل على مدى الحياة أمراضًا؟ لماذا جعل مصاعب؟ لماذا جعل موتًا؟ جعل أزمات؟ جعل مشكلات؟ مشكلات اقتصاديّة؟ مشكلات نفسيّة، لماذا لم يجعل الأمر بنحو آخر؟

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

3
  • وجوابه هو أنّ نظام العالم ليس بيدي وبيدك {لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون}۱ لا يمكن لأحد أن يسأل عمّا يفعله الله، أمّا نحن فمحلّ تحقيق وسؤال وجواب. نحن لا نعلم لماذا يجب أن يكون النظام التربويّ يتضمّن المرض والصحّة، يتضمّن الضيق والسعة يتضمّن الهزيمة والنصر، نحن لا نعلم. ومرادنا من كوننا لا نعلم ليس رفع المسؤوليّة عن الجواب. فنحن لا نحيط بما يريده الله وبما تعلّقت به مشيئته، وكلّ من يقول أنّه محيط فهو مخطئ، كلاّ لا إحاطة لدينا. ولكنّ كلامنا هو في أنّ هذا ما هو موجود. فما دام الأمر كذلك، فهل علينا أن نواجه هذه الطريقة من التربية والتقدير؟ وما هي نتيجة المواجهة؟ أن نُلقى جانبًا ويضيع عمرنا، ولا نخسر ونخيب في هذه الدنيا فحسب، بل في ذلك العالم أيضًا، وهناك علينا أن نقدّم الجواب، ونحن نعلم أنّ قوّتنا لا تصل إلى شيء هناك. 

  • فإذن بناء على ذلك، الأفضل أن نتوافق مع هذا النظام، نتصالح مع مجرى المشيئة الإلهيّة، ونعمل بتقدير هذه المشيئة. وبالطبع ما أقوله لكم هو الدرجة الأولى من الأمر وشيئًا فشيئًا سنصل إلى الدرجات الأخرى. 

  • نحن لم نأت إلى هذه الدنيا باختيارنا، وهذا ما يعلمه كلّ واحد منّا، لم يكن اختيار المجيء إلى هذه الدنيا بأيدينا، ما إن وضعنا أرجلنا في الوجود انكشف لنا أنّ الله تعالى فتح سجلاًّ خاصًّا ‌لهذا الموجود في هذه الدنيا. فهذا الأمر محرز. فما إن يأت الإنسان إلى هذه الدنيا يُعلم أنّ لله عناية خاصّة به، له لطف خاصّ به، وإلاّ لما وجد، لما جاء. ما دمنا جئنا إلى هذه الدنيا فعلينا أن لا نحلّق عبثًا إلى ما هو أرفع من هؤلاء الموجودين هنا، علينا أن لا نسأل عبثًا، علينا أن لا نقول: "أنا أنا" عبثًا، علينا أن لا نقول عبثًا: "أنا أنا رستم البطل"، علينا أن نترك هذا الكلام. نحن أفراد في هذه الدنيا ليس لنا أيّ اختيار في الحدث الذي يحيط بنا، إلا بمقدار يسير، يسير جدًّا. 

    1. سورة الأنبياء (٢۱) الآية ٢٣. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

4
  • هل لدينا نحن اختيار في الأمراض التي أحاطت بنا؟ هل لدينا اختيار في الحوادث التي تقع لنا وحولنا؟ ليس أيّ منها تحت اختيارنا إلا قليل جدًّا. 

  • فهكذا وُجدنا، وهكذا جئنا إلى هذه الدنيا، فهل يمكننا أن نصل إلى المطلوب أم لا؟ حتمًا يمكننا، لأنّ هدف الخلقة سيبقى ناقصًا، هدف الخلقة سيبقى أبتر، وكما يقول الخواجة الشيرازي: 

  • بريز باده كه قسّام صنع قسمت كرد***در آفرينش از انواع نوش دارو نيش 
  • [يقول: اسكب الخمرة فإنّ المقدّر قدّر في خلقته التداوي بأنواع الشراب.] 

  • المقصود من اسكب الخمرة أو اشرب الخمرة هو أنّه إن كان الله قد وفّقك وألْفَتكَ إلى هذه الأمور... ما دمت غير ملتفت كان حكمك مختلفًا. ولكن بما أنّ الله وفّق وألفت إلى هذه الأمور والمسائل، فانطلق الآن إلى الخمرة وإلى تحصيل الكمالات وإلى جذب الجذبات وإلى تحصيل الإفاضات التي تأتي من عند الله، وهذه الإفاضات وهذه الجذبات هي بحكم الخمر التي إذا شرب منه الإنسان انخلع إلى حدّ ما عن التعلّق بالدنيا وبالكثرة وابتعد. هذه الجذبات تأتي، هذه الإفاضات تأتي وتقتلع الإنسان من التعلّق بالدنيا، وتخرجه من التعلّق بالدنيا، وتبقي له هدفًا واحدًا فحسب، وتمنعه من الالتفات إلى الكثرات أن لماذا أنا لم أصبح كذا؟ فلان أصبح هكذا؟ لماذا أنا لم أصل إلى هذا الأمر ووصل إليه فلان؟ لماذا أطرافي خالية الآن؟ ومثلاً أطراف فلان مليئة؟ لماذا يراجعه الناس ولا يراجعونني؟ لماذا لا يريدني الناس ويريدون غيري؟ كلّ هذه الكثرات مصائد ‌وسدود تمنع الإنسان من الالتفات إليه. 

  • يقول حافظ قم يا عزيزي ودع هذا الكلام جانبًا واشرب الخمرة فإنّ المقدّر قدّر في خلقته التداوي بأنواع الشراب. 

  • شئنا أم أبينا فقد أعدّوا لنا في الأزل سجلاًّ. كان في هذا السجلّ مرض، في اليوم كذا والساعة كذا كان فيه أيضًا سلامة. كان في هذا السجلّ شراب أو لدغة،‌ كان فيه شراب أيضًا، كان فيه موت وحياة أيضًا، كان في هذا السجلّ تضييق وضائقة اقتصاديّة، كان في هذا السجلّ سعة وسهولة أيضًا، كان في هذا السجلّ ضحك، وكان فيه بكاء، كلّ ذلك كتبوه في السجلّ. حيث جاء هذا إلى الحياة، كانت الورقة تلو الورقة تُتَصفّح، الورقة الأولى مضت بخير، الحمد لله، فلننظر إلى ورقة الغد ماذا سيحصل فيها؟ وجاء الغد ومضى، وهو يأتي الآن. فلننظر الآن إلى بعد غد أيّ ورقة ستكون؟ هل لديكم علم بأوراق الغد وما بعده؟ كلاّ ليس لدينا أيّ خبر عمّا سيجري غدًا. ماذا سيجري؟ أيّ أمر سيحدث لا علم لنا، ولو علمنا فهو ليس جيّدًا، ليس صحيحًا، لأنّ في هذه الأخبار سرّاء حينًا وضرّاء حينًا آخر. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

5
  • عدم اهتمام مدرسة العرفان بالاطّلاع على المغيّبات

  • ينقل أحدهم فيقول: منذ مدّة حصلت عندي حالة بنفسها بحيث كنت أرى الحوادث، أرى الغد وما بعد الغد، كنت أرى الأسبوع القادم، وهكذا كنت أرى حتّى سنة، سنتين بجميع خصوصيّاتها. فرأيت أنّ هذه ليست حياة، فهذا غدًا يمرض، وذاك بعد غد يموت، هذا يولد، وذاك يموت مثلاً، هذا يقع في مشكلة، أبدًا لم تكن كلّها أحداثًا سارّة. لم يكن في هذه الأوراق وهذه السجلاّت سرور فحسب، هذا الوقت تملؤه الصلاة، وذاك يلؤه النوم، آه يا ويلي غدًا يسوّى أمر فلان، آه في الأسبوع الآخر يرتّب أمر فلان. آه هكذا أمور من هذا القبيل. قال: ذهبت إلى المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه وبيّنت له حالتي، أن هذه هي قصّتي، لقد شغل فكري. فقال: لا هذه الحال ليست جيّدة. ما إن قال السيّد: ليست جيّدة، حتّى ذهبت تلك الحال واسترحت. 

  • بما أنّه من المقرّر أن تُتصفّح أوراق السجلّ، فلماذا أزعج نفسي إلى هذه الدرجة لأعرف ماذا سيحدث في هذا الأمر وماذا سيحدث في ذاك؟ هل التفتّم؟ فلماذا لا تبالي مدرسة العرفان بهذه الأمور؟ لأنّ هذه الأوراق ستفتح الواحدة تلو الأخرى، هذا السجلّ يأتي هكذا وينقضي شيئًا فشيئًا. لا بيدي ولا بيدك، فما دام كذلك، فلنسترح، ولنعش حياتنا براحة، لنسر في الشوارع براحة، ولنقم بعملنا براحة، الراحة هي التكليف. لم يقولوا لنا: قم بعمل يجعلك تكتشف أسرار الكون. 

  • وأنا أقدّم لكم ضمانًا إذا وضع الجميع في القبور، ونحن أيضًا إن شاء الله بحول الله وقوّته عاجلاً أم آجلاً سنذهب، وقولي إن شاء الله أقصد به أن نذهب إلى مكان حسن. ولذلك أنا أقول: هذه الدنيا يومان وتنتهي، إمّا بالسكتة ستنتهي، وإمّا بحادث سير، وإمّا بسقوط حجر على رأس الإنسان. في النهاية ستنتهي، وإن شاء الله نمضي إلى مكان جيّد.

  • أنا أضمن لكم أنّ منكرًا ونكيرًا لن يسألاكم عن هذا الأمر وأنّه لماذا لم يكن عندكم علم الغيب؟ لماذا لم تطّلعوا على أسرار الناس؟ لماذا لم تسلكوا طريقًا تحصّلون فيه الإشراف على هذه الأمور؟ هناك لن يسألوا عن هذه الأمور. عن أيّ شيء ستُسأَلون؟ كم حصّلت من المعرفة بالإمامة؟ بإمام زمانك؟ هذا ما يُسأل! هل معرفتك بإمام زمانك كانت معرفة بالهويّة الشخصيّة له أم لا؟ بل عن المسائل والحقائق التي تشكّل حقيقة إمامة أحد الأئمّة؟ كم لك اطّلاع حول كون إمام الزمان في أيّ حال هو وكيف ارتباطه بالله وبك؟ إلى أين أوصلت ارتباطك بإمام زمانك؟ إلى أيّ مرحلة أوصلت معرفتك بالله؟ يسألان عن هذا. إنّ منكرًا ونكيرًا يسألان ويقولان: من ربّك؟ من إمامك؟ لا الإمام حسب الهويّة الشخصيّة، كلاّ فالإمام حسب الهويّة الشخصيّة جميعنا نعرفه، وأهل السنّة يعرفونه أيضًا. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

6
  • قصّة عليّ بن أبي حمزة البطائني وعذابه في القبر

  • لقد تذكّرت الآن أمرًا، كان عليّ بن أبي حمزة البطائني من الأصحاب الثقاة للإمام الكاظم عليه السلام بل والإمام الصادق، والروايات التي كان يرويها كانت تنتقل بين الشيعة يدًا بيد، وفي ذلك الزمان، عندما توفّي موسى بن جعفر طالب الإمام الرضا عليه السلام بتلك الأموال التي كانت عند عليّ بن أبي حمزة. فقال الإمام: هذه الأموال هي أموال أبي، وهذه الحقوق يجب أن تكون بيد الإمام. ففي ذلك الزمان كان الإمام هو الإمام الرضا عليه السلام، وعلى الوكلاء أن يوصلوا هذه الأموال إلى الإمام عليه السلام. وقد أوصلها كثير منهم، وأبقى الإمام على كثير منهم، أبقى عليهم. فالإمام ليس لديه عداوة مع أحد، ليس لدى الإمام حقد وغلّ، الإمام يريد أن ينفق هذه الأموال في مواضعها، فجاء بعضهم وسلّمه، وبعضهم لم يسلّم. وكان ابن أبي حمزة من الذين لم يسلّموا، فالأموال في يده، وكان وكيل الإمام الكاظم عليه السلام، كان الناس يراجعونه، فقال الإمام الرضا: أعطني الأموال، أنا أريد أن أنفقها في مواضعها. فلم يسلّمه، فما هو تبرير عدم التسليم هذا؟ في النهاية هذه الأموال لم تكن لك، لمن هذه الأموال؟ للإمام، فلماذا لا تسلمّها إليه؟ هنا تشرع النفس بالتبرير، والوقوف أمام الحقّ، وهذا أمر خطير جدًّا! نحن علينا أن نعدّ أنفسنا لهذه اللحظات، اللحظات التي نقف فيها على مفترق طرق، ليس أمامنا طريق للعودة ولا للتقدّم، نريد أن نتقدّم والنفس لا تسمح. وإن أردنا أن لا نتقدّم فماذا نفعل بحكم الله؟ هنا تأتي النفس وتصطنع الأدلّة وتنحت الحجج، وتأتي بالأدلّة. هذا الرجل الذي كان إلى اليوم يقول هذا، يبدأ من الغد فيقول ما يقابله بدرجة مائة وثمانين درجة، ماذا حصل يا عزيزي بالأمس كنت تقول هذا؟ فماذا يقول؟ يقوم باختلاق الحجج، احتجّ وقال: نحن إمامتنا إلى موسى بن جعفر، وليس لدينا إمام بعد موسى بن جعفر، علينا أن ننتظر المهديّ الموعود. يجب أن يظهر. يا للعجب! وجرّ خلفه جماعة. حينها لم يسر هؤلاء الحمقى خلف الإمام الرضا، فلتذهب يا عزيزي ولتنظر! هذا ليس أمرًا اعتباريًّا. فلتقم ولتذهب إلى المدينة ولتر الإمام، انظر هل يقول صوابًا أم لا؟ هل يتكلّم هذا الرجل بالصواب أم لا؟ هكذا ما إن يتكلّم كلمة واحدة نقبل به بسرعة. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

7
  • مرّت عدّة سنوات على هذه القضيّة. وذات يوم يأتي أحد أتباع علي بن أبي حمزة البطائني لزيارة مكّة، فيأتي إلى المدينة لزيارة الإمام الرضا عليه السلام. كان الإمام جالسًا، فبدأ بالحديث عن أوضاع الناس، ثمّ قال: ما أخبار عليّ بن أبي حمزة؟ فقد كان جاره، فيقول: عندما جئت كان بخير، عندما جئت كان في حال جيّدة جدًّا، كان بخير، وباختصار كان وضعه إلى الأمام، ولديه مكانة وأمر ونهي. 

  • فقال الإمام: لقد توفّي هذا الرجل اليوم، علي بن أبي حمزة. قال الإمام الرضا: وضعوه في القبر. فجاء منكر ونكير وسألاه: من ربّك؟ قال: الله. ما قرآنك؟ قال: هذا القرآن الذي نقرؤه. من إمامك؟ بدأ يقول حتّى وصل إليّ، وعندما وصل إليّ صمت ولم يستطع أن يقول شيئًا. وحينها ضربته ملائكة العذاب على رأسه بعصًا من نار، فاهتزّ لضربته المشرق والمغرب.۱ كلام من هذا؟ إنّه كلام الإمام الرضا. أفلم يكن عليّ بن أبي حمزة هذا يعرف اسم الإمام الرضا؟ كان يقول الإمام الرضا في النهاية! ولكن هناك لا معنى لهذا الكلام، فهناك يسأل منكر ونكير عن باطني وباطنك لا عن اللسان، أي أنّهم يحلّلون تلك الحقيقة الباطنيّة التي أنسنا بها نحن، لذلك لا يمكن اللعب هناك، ولا يمكن التملّق، فهنا يمكن للإنسان أن يقوم بألف عمل، يأتي إلى فلان فيتظاهر بشيء، ويأتي إلى آخر فيتظاهر بشيء آخر، ليس لدينا باطنان، لدينا باطن واحد. يأتون بهذا الباطن ويضعونه أمامك، من إمامك؟ موسى بن جعفر، فهو لا يقبل بإمامة الإمام الرضا، لا بأس تفضّل معنا لنكون في خدمتك. لقد كنت تجمع الناس لنفسك في الدنيا إلى الآن، فالآن تفضّل لنكون في خدمتك بضعة أيّام. ولكن الويل من ذلك اليوم الذي سيكونون فيه في خدمتنا. هذا هو المهمّ، تتّضح حقيقة هذا الأمر، تتّضح حقيقة هذه المسألة. 

  • دور الابتلاء في تكامل الإنسان والتخفيف من الذنوب والحجب

  • هذا النظام يسير على هذا الأساس، والإنسان طوال هذا المسير، يصل إلى حركته التكامليّة التي هي عبارة عن قطع تعلّق النفس بعالم الكثرات وعالم الدنيا والتركيز في الارتباط بالتوحيد والتوجّه إلى حقيقة التوحيد، بواسطة مواجهة الأحداث المختلفة، فبمواجهتها يصل إلى هذه النقطة. فإذن كلّ إنسان يجعله الله في مجموعة من الأمور المختلفة والأحداث التي هي في مجرى التغيير وذلك وفق مقتضياته النفسيّة. فلو أنّ الإنسان اعتبر من هذه الأمور، وعمل بها، فيمكن أن تكون جزءًا من مسيرته التكامليّة، وإن لم يعتبر ولم يعمل، فلن يمكن أن توصل الإنسان إلى تلك النقطة وفق مقتضياته النفسيّة، وهذا الأمر موجود عند جميع الناس. 

    1. بحار الأنوار، ج٦، ص ٢٤٢: رجال الكشي : روى أصحابنا أن أبا الحسن الرضا عليه السلام قال بعد موت ابن أبي حمزة إنه أقعد في قبره فسئل عن الأئمة عليهم السلام فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إلي فسئل فوقف، فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره نارا .

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

8
  • لدينا الكثير من الروايات حول أنّ الله تعالى يمتحن المؤمنين بواسطة الأمراض، ومعنى الامتحان هو التغيير والتبديل والتحويل من مرتبة إلى مرتبة أخرى. لدينا روايات حول أنّ المؤمن يخفّف عنه من خطاياه وذنوبه بواسطة المرض۱، وهذا الأمر يختلف من إنسان لآخر، يختلف بين الناس. يمكن لأيّ إنسان في أيّ مرتبة كان أن يرتكب خطأ منسجمًا مع تلك المرتبة من الدقّة واللطف. وبالطبع فإنّ الذين هم في مراتب عالية كما يقول القرآن الكريم في آياته والرواية عن الإمام عليه السلام من أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين٢، فبواسطة ذلك الخطأ الذي يرتكبته تسيطر عليه مرتبة من مراتب الحجب، وهذا البلاء هو لرفعها. لذلك كان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه يقول: لن يؤدّي المرض إلى الارتقاء الروحي في وقت من الأوقات، المرض يسبّب التخفّف من الذنوب والأثقال التي تلقيها الأخطاء والزلّات على النفس، فيأتي هذا المرض ويقلّل من هذا الحمل، ويخفّف، أمّا ما يؤدّي إلى الرقيّ هو العمل الاختياريّ. أي أن يقوم الإنسان باختياره. كما لو فرضنا أنّ إنسانًا يشرع بالاشتغال بالأمور باختياره، فيضع مالاً ما جانبًا، فيحصّل استطاعة للحجّ، ثمّ يتشرّف بالحج. هذا ما يصبح أمرًا اختياريًّا، وهذا الحجّ يسبّب له ترقيًّا، يسبّب رقيًّا. أمّا لو حملوا إنسانًا ووضعوه في مكّة، أمسكوا بيده وأركبوه في إحدى وسائل النقل وجعلوه في مكّة، حسنًا فهذا المقدار الذي لا اختيار له فيه، حيث يجعلونه في المسجد الحرام، ثمّ يركبونه في وسيلة أخرى ويطوفون به حول الكعبة، ثمّ يجعلونه مثلاً في سرير سريع يسعون به بين الصفا والمروة، فيقول الإنسان: لقد أدّيت العمرة إذن! كلاّ هذا لم يؤدّ العمرة، والحجّ أيضًا لم يسقط عنه، ولا بدّ أن يأتي بنفسه مستطيعًا إلى مكّة، باختياره وبإرادته. 

  • العمل الذي يقوم به الإنسان باختياره وبإرادته ذلك العمل يؤدّي إلى الارتقاء، أمّا التضييقات والأمراض والمشكلات التي تحدث للإنسان، فإنّها تخفّف من أثقال ذنوب الإنسان، كلّ إنسان بحسبه. وحتّى يمكن أن يحدث هذا الأمر أيضًا للأولياء. عجيب جدًّا.

  • سبب ابتلاء المرحوم العلاّمة بتمزّق الشبكيّة

    1. كنز العمّال، ج٣، ص ٣۱٢: إن العبد ليمرض فيرق قلبه ، فيذكر ذنوبه ، فيقطر من عينيه مثل الذباب من الدموع ، فيطهره الله من ذنوبه ، فان بعثه بعثه مطهرا ، وإن قبضه قبضه مطهرا .
      إن المؤمن إذا مرض لم يؤجر في مرضه ، ولكن يكفر عنه . 
    2. قال العلامة الطهراني في حاشيته على رسالة السير والسلوك المنسوبة لبحر العلوم ص ۱٤۰: ليست عبارة حَسَنَاتُ الأبْرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ مضمون رواية، على الرغم من أنّها حكم صحيح و مطلب واقعيّ و حقيقيّ.

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

9
  • فقد ابتلي المرحوم العلاّمة بمرض في العين، وتمزّقت شبكيّته، فجاء إلى طهران، وبعد طيّ مراحل، أجريت عمليّة جراحيّة لعينه، وبقي مدّة في المستشفى مريضًا. تقريبًا بقي أسبوعين في طهران تحت الرعاية في مستشفى لبّاف، وكنت أحسّ كم هو متأذٍّ، ولكن أصلاً لم يكن يظهر ذلك أبدًا، وكان يتعامل مع الأمور بشكل معتاد. 

  • وفي أواخر وجوده في المستشفى سألته يومًا: سيّدنا هذا الابتلاء الذي يأتي به الله للأولياء لأجل أيّ شيء؟ أي في النهاية نحن نعلم أنّه إن كان هناك مرض فهو لنا، فلماذا أنتم؟! طبعًا لم أقل هذا؟ لكن على شكل سؤال. ففكّر قليلاً، وكأنّه لم يكن يريد أن يجيبني، لأنّه كان قد وقع في محظور، ثمّ بعد مدّة قال: يا جناب السيّد محسن أنت لا تدري ماذا هنا من الأسرار! أنت فقط تنظر فترى أنّه قد تمزّق ستار وابتلي إنسان ما بمرض التمزّق وأجرى عمليّة ودخل المستشفى وأمثال هذه الأمور، ولكن أنا أقول لك أحد هذه الأسرار، أحد هذه الأسرار، ثمّ قال: عندما كنّا نبني منزلاً في محلّة الأحمديّة، ذلك المنزل الموجود الآن في طهران، والذي بني قبل حوالي واحد وأربعين سنة أو اثنتين وأربعين سنة، هناك كنّا نختلف في وجهات النظر في بعض الأمور مع البنّاء الذي كان يبني المنزل، فهو كان يقول: يجب أن يكون العمل من هذا الجانب، ونحن كنّا نقول: لا بل من هذا الجانب. وفي يوم من الأيّام كنت على خلاف معه حول الدرج المؤدّي إلى السطح، كنت أقول له إنّ عليك أن تتراجع بهذه الدرجة نصف متر، وكان هو يقول: كلاّ نحن لا نتراجع. فلم أقل له شيئًا، رأيت أنّي إن أردت أن أتكلّم سيقول: اذهب يا مولانا إلى المسجد وصلّ صلاتك! فأحيانًا كان يقول ذلك. كان يقول: يا سيّد طهراني، أنت اذهب إلى صلاتك في المسجد، ما شأنك أنت بأعمال البنّائين؟ وكنت أقول: حاضر سأذهب إلى صلاتي. قال: لم أقل له شيئًا. فرأيت أنّه من جديد يقول: اذهب إلى صلاتك! لا أدري ماذا أيضًا، دع هذا. وبدأ ببناء الدرج وانطلق به، فتورّط في سفرة الدرج، ولم يتمّ له بناؤها، كان عليه أن يتقدّم إلى نصف متر، كان يقول وكنت واقفًا في الخلف، فرأيته واقفًا يقول لآخر: ماذا سأقول للسيّد؟ فقد كان يقول ذلك دائمًا. في النهاية كان الوالد مطّلعًا على هذه الأمور، بسبب التخصّص الذي كان له في أمور الخرائط وأمثال ذلك. ودرج مسجد القائم هذا لم يكن هكذا، ولا أدري ما إن كان الرفقاء رأوه أم لا، فلم يكن هكذا في البداية، لم يكن هكذا. لا شكّ أنّ أصدقاءنا الحاضرين يذكرون أنّ درج النساء والرجال كان واحدًا سابقًا، ولم يكن الأمر كذلك صحيحًا، فقام بفصل البابين، وجاء المهندسون وواجهوا مشكلة، كلّ من جاء لم يتمكّن. وأنا بنفسي كنت حاضرًا آنذاك، حتّى أحد البنّائين رحمة الله عليه الميرزا أبو القاسم المعمار، الأستاذ أبو القاسم المعمار، والذي كان منزله قرب منزلنا، حتّى هو لم يستطع، فجاء إلى السيّد وقال له: كلّ من جاء لم يتمكّن، إنّه معقّد إلى درجة أنّه لا يمكن القيام به. فقال المرحوم العلاّمة: دعني أصلّي وآتي وأرى! فصلّى صلاة الظهر والعصر، وجاء إلى ذلك الموضع وقال: ائتوني بقلم وورقة، وأخذ الطول والعرض والارتفاع وتلك الزاوية وذهب إلى المنزل. رسم الخارطة وأحضرها، وسلّمها إليه، وعمل الأستاذ أبو القاسم على أساسها، فهذا الدرج الموجود الآن هو وفق خارطته هو، ثمّ كان يأتي المهندسون وينظرون. فكان يقول لهم بعض الأمور. وعلى كلّ حال فقد كان صاحب خبرة في هذه الأمور. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

10
  • عندما رأى أنّ الأمر هكذا ذهب. كان يقول: في اليوم التالي رأيت أنّ هذا البنّاء ينظر إليّ بحال من الندم والحياء. ولمّا رأيت ـ في النهاية رغم أنّ الحقّ كان معه، كان الحقّ معه ـ ولكن لمّا رأيت أنّه ينظر إليّ بتلك الحالة، قال: حصلت لديّ حالة، حصلت لديّ حالة، مثلاً حالة أن ليتك... أصلاً لم أتكلّم بذلك وتركت الأمر. وهو ذهب بنفسه لمّا انتهى إلى ذلك فخرّب كافّة الدرجات السبع أو الثمان أو العشر، وشرع ببنائها من البداية. ما المشكلة في ذلك؟! كان يقول: كلاّ. ثمّ قال لي: يا سيّد محسن! تمزّق الشبكيّة هذا هو جزاء حالة الخجل تلك التي كان يعانيها ذلك اليوم السيّد أبو القاسم أمامي. هل التفتّم كم الأمر دقيق؟!

  • هذا واحد من تلك الأسرار، فهل نحن نتصوّر شيئًا كهذا؟! رغم أنّ الإنسان محقّ في أمر من الأمور إلى درجة مائة في المائة، صحيح أنّ الحقّ معه، وذاك أخطأ، أخطأ في مهنته، ولكن العمل دقيق إلى درجة، هنا يقولون أنت تريد العبور من هنا أو لا تريد، إن كنت تريد فلا بدّ أن تدفع ضريبة ذلك العمل الذي قمت به حينها وإن كنت محقًّا، ولكن كان الأفضل أن لا تقوم به، فما هذا الأمر؟! لقد كان هذا بعد أن تجاوز المرحوم العلاّمة الفناء ووصل إلى البقاء. هل التفتّم؟ لقد وقعت هذه الحادثة في أواخر عمر المرحوم العلاّمة، لا في الثلاثين أو الأربعين من عمره وأمثال ذلك، بل في السنين الأخيرة. 

  • يعني أنّ مراتب التوحيد دقيقة إلى درجة، مراتب المعرفة دقيقة إلى درجة أنّهم يأتون ويوقفون الإنسان في مكان ويقولون: إن كنت تريد أن تتابع فعليك بهذه العمليّة، إن لم تكن تريد فلا! ولا حديث عن تمزّق العين. بل تبقى صحيحًا وسالمًا مثل الحالة السابقة، فهو لا يريد، إن أراد أن يتجاوز، إن أراد أن يعبر هذه المرتبة. هل التفتّم؟ كلّ هذا التمزّق والألم والألم العجيب بحيث أنّهم كانوا يعطونه أيّ مسكّنات لأنّ العين كانت تؤلم كثيرًا وتلك العمليّة، وأسبوع بعدها ينبغي فيه النوم بطريقة معيّنة، ثمّ أسبوع بعده مستلقيًا، ثمّ مشكلات دائمة، والمجيئ كلّ شهر إلى طهران، وإجراء المعاينة والرجوع، ثمّ كلّ شهرين، ثمّ كل ثلاثة أشهر، بحيث تعذّب بالمجيء إلى طهران حوالي عشرة أو خمسة عشر مرّة لمراجعة طبيب العيون، ثمّ أجرى عمليّة الماء الأزرق لهذه العين، ثمّ عمليّة بواسطة الليزر. كلّ ذلك لأجل العبور من معبر، وهو تلك القصّة التي ترجع إلى اثنين وأربعين سنة مضت، لقد وجدت في هذا المعبر مشكلة، فلا بدّ من رفعها. هل التفتّم؟ الآن هذا النظام الذي جعله الله لعالم التربيّة هل يمكن أن نقول إنّه ظلم، واقع نظام التربية، التربية على أساس كلّ مرتبة وكلّ مرحلة على هذا الأساس. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

11
  • رؤية أهل الظاهر ضرورة أن يكون الحال على نمط واحد من الصحّة و السلامة والفتح و..

  • الآن هل يمكن أن نقول النظام الصحيح هو أن يكون دائمًا هناك صحّة، دائمًا هناك سهولة في هذا النظام، دائمًا هناك سعة في ذلك النظام؟ دائمًا هناك ضحك ونشاط، دائمًا هناك فتح وظفر؟ هل يمكننا أن نقول ذلك؟ فهذا خطأ في النهاية. هذه النظرة وهذه الرؤية هي رؤية أهل الظاهر، رؤية الكفّار.۱

  • تقول الآية القرآنيّة: {فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‌ إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذيرٌ وَ اللَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكيل‌}٢ 

  • ربّما لا تتمكّن من رؤية نفسك في ضيق، في مواجهة هؤلاء الكفّار، في مواجهة هؤلاء المشركين الذين يطلبون منك بعض المطالب التي لا يمكنك أن تأتي بها. هؤلاء أهل الظاهر، هؤلاء يرون الفلاح في الثروة والسعة، هؤلاء يرون الفلاح في القوّة وفي الفتح والظفر، هؤلاء يرون السكينة وعلوّ المرتبة في الخدم والحشم، في المريدين الكثر، من هم هؤلاء؟ هؤلاء هم أهل الظاهر، هؤلاء يرون التقدّم في كثرة المحيطين والاجتماعات والتكتّلات، ويرون التخلّف في الانعزال والانزواء وعدم اهتمام الناس بالإنسان، هؤلاء أهل الظاهر. هذا منطق الكفّار ومنطق المشركين. 

  • لولا أنزل عليه كنز! لماذا لم ينزل عليه كنز؟ لماذا هو فقير هذا النبيّ؟ أين ماله، بدلاً من أن يكون لديه ناقة، أو يكون لديه حصان كان لديه حمار، كان يركب الحمار، ومع ذلك أيضًا كان يردف خلفه٣، لماذا هو هكذا؟ لماذا بيته هكذا؟ لماذا أشراف قريش لديهم هذه الخصوصيّات؟ لماذا لا تأتي الملائكة ولا يحيطون به؟ يسير وحده في الطريق، لا يمشي معه أحد؟ عندما كان السيّد جمال الدين الكلبايكاني في النجف، كان كلّما تحرّك وقف إلى جانبه أحد، فكان يقول: إن كان لديك سؤال فاطرحه هنا، ولا تسر إلى جانبي، لا تأت معي. فما ذاك؟ إنّه قواعد أهل الظاهر! إنّهم يرون التقدّم في الفتح والنصر. 

  • وهذا المنطق هو منطقنا نحن أيضًا، لا تتصوّروا... سنصل شيئًا فشيئًا، {قل... إنّما أنا نذير}٤. قل ما جئت إلا لأنقل إليكم الأمر. و{لست عليكم بوكيل}٥، إن شئتم فاسمعوا أو فلا تسمعوا! {والله على كلّ شيء وكيل}٦، الله يعلم أين يجعل السلطان وأين يجعل المسكنة، الله يعلم أين يجعل العزّة وأين يجعل الذلّة، أين يجعل الضيق وأين يجعل السعة، كلّ ذلك يعلمه الله، وهو متوكّل بالأمور ومتكفّل بها. هذا المنطق منطق أهل الظاهر. هذا المنطق منطق أهل الدنيا. هذا المنطق منطق أهل الكثرة، أهل الظاهر، إنّه منطقنا نحن أيضًا المسلمين! نحن نظنّ أنّا بمجرّد أن جئنا نحو الله فلا بدّ أن تكون الأمور على أساس الصحّة، كلّ الأمور على أساس السهولة، كلّ الأمور على أساس السعة، كلّ الأمور على أساس الفتح والنصر، ننوي في الليل وفي الصبح نفتح القارّة كذا، ننوي في الليل وفي الصبح نسيطر على البلد كذا، ننوي في الليل وفي الصبح يسلّم لنا البلد كذا، هذا تصوّرنا نحن، ولكنّا غافلون عن أنّ نظام التربية قائم على أساس المدّ والجزر. ليست القاعدة أنّ الفتح والانتصار هو للمسلمين. كلاّ بل أحيانًا يكون للجانب الآخر. فالنظام التربويّ والتكامليّ للعالم يقتضي أن تتحقّق الحركة التكامليّة في هذا المدّ والجزر، وكما يقول المرحوم العلاّمة: إن كنت تتصوّر أن تجلس على كرسيّ متحرّك وتطوي طريق الله قرب نهر الماء وتحت ظلال الصفصاف وقربك الخادم المطلوب والمراد، وتضيّف بالطعام الجاهز والأشربة المعطّرة، فلم يطوه أحد إلى الآن هكذا، كلاّ بل هناك كافّة الأنواع، هناك عسر وهناك يسر، هناك ضحك وهناك بكاء، هناك سعة وهناك ضيق، لماذا؟ لأنّ النظام التربويّ لله هو هكذا؟ 

    1. جاء في كنز العمّال ج٣، ص ٣۱٤: أيكم يحب أن يصح فلا يقسم ؟ قالوا : كلنا يا رسول الله قال : أتحبون أن تكونوا كالحمير الصيالة ؟ ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء ، وأصحاب كفارات ؟ والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن بالبلاء ، وما يبتليه به إلا لكرامته عليه...
      ويراجع حول السبب في عدم كون العالم خيراً محضاً بلا شرور معرفة الله ج‌٣، ص: ۱٤٢.
    2. سورة هود، الآية ۱٢. 
    3. نهج البلاغة، ج٢، ص ٥٩: ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه .
    4. سورة الملك (٦۷) مقطع من الآية ٢٦: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذيرٌ مُبين‌
    5. سورة الأنعام (٦) جزء من الآية ٦٦. 
    6. سورة هود (۱۱) جزء من الآية ۱٢. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

12
  • منشأ اختلاف الحالات في نظام التربية اختلاف الأسماء والصفات وهدفه رجوع النفس إلى المبدأ

  • فبناءً على تضارب الأسماء والصفات الجماليّة والجلاليّة لله، فإنّ هذا التضارب والتصادم يقتضي أن تظهر للإنسان حوادث مختلفة في نظام الكثرة هذا، وفي ظلّ هذه الاختلافات يصحّح تفكير الإنسان. ولو كان على منوال واحد، لما صحّ تفكير الإنسان، لما رجعت النفس، لأنّها لم ترَ الحالة المخالفة، لم ير الفكر الحالة المخالفة لكي يضع الأمرين جانبًا ولا يتوجّه إلإ إلى المبدأ. هذا ما يحصل على أثر الاختلاف. فهل التفتّم أيّ نعمة هو هذا الاختلاف؟! 

  • ليس هناك كمال بدون الاختلاف في النظام التكامليّ للبشر ، ليس هناك حركة بدون المدّ والجزر، ليس هناك تكامل بدون المدّ الجزر ، تمامًا كشجرة تضعها في مكان لا تهبّ عليها فيه الريح، فبعد مدّة ترى أنّ جذورها تتلاشى، فالهواء هو الذي يحرّك هذه الشجرة، أتعلمون ما هو أثره؟ أثره هو أنّ تلك الجذور تتشبث في الأرض، لو لم يكن هناك ريح، فإنّ الشجرة بعد مدّة تتلاشى وتسقط. والريح أيضًا لا تراعي، بل تأخذها نحو هذا الاتّجاه ونحو ذاك، حتّى تتمكّن هذه الشجرة من التكامل، فهذا الأمر هو هكذا. 

  • هدف الحكومة الإسلاميّة الوصول إلى التوحيد لا إلى التكامل والنصر في الظاهر

  • إذن على هذا الأساس، فإنّ أحد قواعد الحكومة الإسلاميّة وأحد الأصول القعائديّة في الحكومة الإسلاميّة عدم النظر إلى التكامل الظاهريّ وإلى الكمّ في عالم الكثرات، وعدم النظر إلى الفتح والنصر في نظام الحكومة الإسلاميّة، فهذا أحد القواعد. ففي الحكومة الإسلاميّة المبدأ والغاية هو الوصول إلى التوحيد، لا إلى النصر الظاهريّ، والظفر الظاهريّ. في الحكومة الإسلاميّة، لا ينبغي التفكير في التغلّب والسيطرة والنصر والاستيلاء وجعل ذلك محورًا. لا وجود لذلك في الحكومة الإسلاميّة، بل إراءة الطريق إلى الواقع وفتح الطريق للحركة نحو التوحيد. هذا الأمر هو المهمّ. سواء تغلّب الإنسان أو لم يتغلّب، سواء انتصر أو لم ينتصر.

  • هدف أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين

  • لم يكن أمير المؤمنين أبدًا يفكّر بهذا النحو في حكومته وفي علاقته مع أصحابه، نعم كان الإمام يقول: نحن نذهب لنعزل معاوية عن عمله، لأنّه ظالم، أمّا أنّا نحن سنغلب ويجب أن نغلب وإن لم نغلب فلا نكون قد أدّينا عملنا ونرجع خجلين إلى بلدنا، فلم يكن أمر كهذا في حكومة أمير المؤمنين. يقوم ويجمع المقاتلين، يجمع الناس، يخطب، يسير نحو صفّين، يقاتل معاوية ثمانية عشر شهرًا، ثمّ يرجع. يقول: الحمد لله لقد أدّيت ما أمرت به. هذا يصبح أمير المؤمنين! أمّا إذا قام وقال: يا ويلتي، إلهي أنت الذي وظّفتني بهذه الوظيفة، أنت جعلتني خليفة المسلمين، ثمّ نحن ننهزم من قبل معاوية، فهل يصحّ ذلك؟! أنت تجعلني خليفة المسلمين، وتقول ليَ أمُر بالعدل، وانْهَ عن المنكر، وأمر بالمعروف، فلماذا لا تؤمّن لي وسائل ذلك؟ لماذا لا تزوّدني بالقنابل والدبّابات؟ لماذا لا تزوّدنا بوسائل تخوّلنا ليس فقط من السيطرة على جميع الدنيا فحسب، فهذا أمر بسيط، بل على جميع أجرام المنظومة الشمسيّة؟ نعم إن كان لا بدّ أن نؤسّس حكومة، وأن نعرض الإسلام في جميع الدنيا، فلا بدّ أن تهيّئ لنا أدوات ذلك! فيقول الله: أنت عليك أن تقوم بواجبك! عليك أن تؤدّي ما كلّفت به! والسيطرة والفتح والظفر والهزيمة ليست بيدك. أنت عليك أن تسير وفق التكليف ووفق الدليل. عليك أن تسير وفق ما قال الله. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

13
  • ذات يوم كنت في إحدى صلوات الجمعة في ذلك الزمان، ففي ذلك الزمان أثناء الحرب بين إيران والعراق كانت الأحوال تختلف فتارة كانت إيران تتقدّم، وتارة كان العراق، تارة كنّا نحن نغلب وتارة كنّا ننهزم، فهذا أمر يعلمه الجميع. فعندما كنت أشارك في صلاة الجمعة هنا في قم، كان الخطيب يبرّر تلك الخسارات ويقول: نعم يا سيديّ، في زمان النبيّ كان الأمر كذلك أيضًا، في زمان النبيّ كان النصر تارة للمسلمين وتارة أخرى للكفّار، ولكن في النهاية، الفتح والنصر حليف المسلمين. حسنًا فماذا حصل!؟ لقد رأينا جميعًا أنّ هذا الأسلوب ليس صحيحًا، هذا النحو من البيان للأمر ليس صحيحًا، وهو أن نجعل أساس حركتنا هو الفتح والنصر. كلاّ، فالفتح والنصر لم يكن أمرًا محتومًا في حركتنا. إنّ ما هو وظيفة المسلم ووظيفة المؤمن ووظيفة الموحّد هو أنّ الحركة التي يقوم بها لا بدّ أن تكون على أساس التكليف، سواء أثمرت تلك الحركة أم لم تثمر. وليس مرادي أن يقوم الإنسان بالتحرّك من دون الالتفات إلى أيّ شيء، وبدون الاهتمام والبحث والسعي، وأن يطأطئ رأسه ويمشي، كلاّ فهذا خطأ أيضًا. بل على الإنسان أن يعمل بتكليفه ويتقدّم بالالتفات إلى الظروف، بالالتفات إلى الإمكانات، بالالتفات إلى الخصوصيّات، بالالتفات إلى الأمور التي يؤيّدها العقل والوجدان السليم، وفي الطريق الذي يختاره العقل والعرف العاقل. وأمّا أنّه إن لم يبلغ الغاية فسيكون قد انهزم، فهذا ما لا وجود له في النظام التربويّ الإسلاميّ، لا وجود لهذا الأمر في النظام التربويّ الإسلاميّ. 

  • هدف الحاكم في الحكومة الإسلاميّة القيام بالتكليف لا إرضاء الناس المتقلّبين

  • رحم الله المرحوم الشيخ مطهّري، لقد جاء يومًا إلى المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، ويبدو أنّه كان ذلك في أواخر أيّام حياته، وكنت أنا جالسًا هناك. كنت جالسًا في جانب من الغرفة. كان يريد أن يأتي إلى قم ويزور قائد الثورة، فكان المرحوم العلاّمة يتحدّث معه ويقول: بما أنّك تريد أن تذهب إلى قم فقل هذه الأمور، وبعد أن ذكر عددًا من الأمور، قال في النهاية: حتمًا ألفتوا نظره إلى هذا الأمر وهو أنّك الآن حاكم الإسلام ومرجع ينظر إليه جميع الناس، فليكن اهتمامك في تلك الأمور التي تريد أن تلفت النظر إليها فقط وفقط رعاية التكليف الإلهيّ. أمّا يكون في ذلك التكليف رعاية حال الناس وجماعة الناس، والتقاطر الذي قام به شعب إيران عليكم لأجل الوصول إلى أغراضه فهذا ما يجب أن لا يكون! عليك أن تقوم بالتكليف. أمّا أنّ الناس الآن قد ازدحموا فلا ينبغي أن يؤثّر في هذا الأمر، لماذا؟ لأنّ الأمور والأحداث عرضة للتغيّير والتبدّل. فيومًا تكون هكذا، ويومًا آخر تكون بنحو آخر. وهذا التكليف لا بدّ أن يكون محفوظًا في مكانه. ففي يوم يأتي الناس وفي يوم آخر يذهبون، وفي يوم يشتاق الناس، وفي يوم لا يشتاقون. في يوم يصابون بصداع، وفي يوم لا يصابون. في يوم يشعرون بألم... هل التفتّم؟

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

14
  • إنّ ما هو وظيفة الحاكم الإسلاميّ هو أن يجعل اهتمامه في التكليف فحسب، أمّا أن يجعل هذا التكليف وفق ازدحام الناس ووفق توجّه الأنظار، فيمكن أن لا يوجد هذا الازدحام في وقت من الأوقات. ويمكن أن لا يكون هناك تقاطر من الناس في وقت آخر. 

  • قيام أمير المؤمنين عليه السلام بالتكليف عند استلامه الخلافة

  • لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام هكذا. لم يكن يتخّذ قرارًا على أساس تقاطر الناس وازدحامهم. كان ينظر أن ما هو التكليف؟ ماذا قدّر الله هنا؟ هل التقدير الإلهيّ هو أن ينجز هذا العمل؟ لأنّه في كثير من الموارد يجب العمل خلافًا لرغبة الناس، فالناس يخطئون، يجب القول: إنّ الأمر هكذا هل تريدون أم لا؟ 

  • عزل شريح القاضي

  • عندما جاء أمير المؤمنين عليه السلام كان يريد أن يعزل شريحًا القاضي، فاعترض جميع الناس، أن شريحًا لا يزال قاضيًا منذ خمس وعشرين سنة في زمان حكومة هذا وذاك، وأنت تريد أن تعزله؟ 

  • فقال الإمام أنا بعنواني حاكمًا إسلاميًّا أريد أن أعزله، فإن لم تكونوا تريدون فهذا الأمر في عهدتكم أنتم. 

  • إلغاء الجماعة من صلاة التراويح

  • وعندما وصل أمير المؤمنين إلى الخلافة ألغى الجماعة من صلاة التراويح التي هي ألف ركعة في شهر رمضان، لأنّ هذه الصلاة جعلت في زمان رسول الله صلاة فرادى، وجاء عمر وجعلها جماعة، ليجمع الناس، أتدرون ماذا قال؟ لا يمكن أن يقوم كلّ إنسان وحده ويصلّي منفردًا، لا بدّ من الاجتماع، لا بدّ من الجمع، لا بدّ أن يكون المنظر واسعًا، حتّى يأتي ناظر وينظر من هذا الجانب ومن ذاك، فالآن انظروا كم يقفون في المسجد الحرام ويصلّون صلاة التراويح هذه في جماعة في شهر رمضان، فما هو هذا؟ إنّه حرام، صلاة التراويح مستحبّة، وفقط ليس هناك إلا صلاتان مستحبّتان يمكن أن تصلّيا جماعة إحداهما صلاة عيد الفطر والأخرى صلاة عيد الأضحى. وكافّة الصلوات المستحبّة الأخرى لا بدّ أن تصلّى فرادى. ولكنّه هو بنفسه نبيّ يأتي ويشرّع في مقابل النبيّ. فذاك النبيّ ينظر إلى الباطن إلى ارتباط الإنسان بالله، وهذا ينظر إلى الظاهر. كلّما كان العدد أكثر كان أفضل. والنبيّ يقول: لا داعي للعدد، قم في زاوية المسجد الحرام وصلّ صلاتك بهدوء. هذا يقول لا بل لا بدّ من جمع الناس حتّى يأتوا ويروا. ما شاء الله! انظروا كم هي جماعة كبيرة! الجميع يقومون معًا، والجميع يركعون معًا، والجميع يسجدون معًا، والجميع يقومون معًا، هذه الأبّهة هي أبّهة الإسلام، هذا الأمر خاطئ. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

15
  • إنّ أبّهة الإسلام هي بأن يقوى ارتباط أفراد المسلمين بالله. لا أن تزيد الكثرة، نعم في صلاة الجماعة قالوا: يجب أن يشارك الإنسان، فعلى الإنسان أن يشارك في المسجد. لدينا "يد الله مع الجماعة".۱ اتّحاد الصفوف يسبّب اتّحاد القلوب ولكن في أيّ شيء؟ في الصلاة الواجبة، لا في الصلاة المستحبّة، في الصلاة المستحبّة انتح جانبًا واجلس وصلّ. الصلاة المستحبّة مسألة شخصيّة. لكنّه جعلها جماعة فجاء أمير المؤمنين وألغاها. فلأنّ أمير المؤمنين حقّ فإنّه يأتي ويطبّق سنّة النبيّ. قال الإمام: لقد كانت هذه الصلاة فرادى في زمان رسول الله، لم تكن جماعة، والآن يجب أن تعود. فارتفع صوت الناس! كلاّ، لقد كنّا نصلّي هذه الصلاة جماعة مدّة خمس وعشرين سنة. لقد صارت عادة لنا، فكيف يمكن لنا أن نترك هذه العادة؟ 

  • قال الإمام: هذا في عهدتكم، أنتم وما ترون. فهذا ما يسمّى عملاً بالتكليف، عمل بالتكليف ولو أنّ جميع الناس أدلوا بآراء مخالفة. يقول هذا في عهدتكم. الأمر هو هكذا. إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل. 

  • أمّا أن نأتي ونجعل الأمر في المسائل الاجتماعيّة على نحو واحد، فهذا حصر لنزول الأسماء الإلهيّة في ضمن دائرة خاصّة. إنّ الأسماء والصفات الإلهيّة فعّالة في جميع الدوائر، والموحّد والعارف ينظر إلى المسألة من منظار التوحيد أن بأيّ شيء تعلّقت إرادته ومشيئته، هل تعلّقت إرادته ومشيئته بالهزيمة أم تعلّقت بالنصر، هل تعلّقت إرادته ومشيئته بالسلامة، فحسن، هل تعلّقت بالمرض، فحسن.

  • هناك قصّة، قصّة الإمام الصادق وأبي بصير، فقد كان مريضًا. وجاء الإمام لعيادته، قال: كيف حالك؟ قال: جيّد. وواقعًا كان له هكذا حال حيث كان يشعر بأنّه ما دام مريضًا فهو أقرب إلى الله، وهو يريد المرض. لأنّه أحيانًا تظهر لدى الإنسان هكذا حالة، فالإنسان يرى أنّه ليس سليمًا، وبدون أن يمنّ على الله يشعر من نفسه أنّه سعيد. لا سمح الله يأتيكم حال كهذا! فما دام الإنسان سليمًا يقول الله جعلني سليمًا. ولكن يرى أنّه صار مريضًا الآن، فليس لله عليه منّة الآن، الآن نحن نمنّ على الله، انظر يا الله نحن مرضى! تعال وانظر! انظر فعبدك ظهره يؤلمه، سقط مريضًا في البيت، انظر فقد أصيب بديسك، انظر فقد انزلقت رجله وانكسرت. تعال وانظر! لقد أصيب بجلطة، فماذا تريد منّي بعد ذلك؟ ماذا تريد من روحي بعد ذلك؟ هذه كلّها حالات باطنيّة. هذا يغدو صنمًا! هو مريض ويفتخر على الله بمرضه، يفتخر على الله بمرضه وسروره به، إلهي أنا الآن مريض! نعم فلا تطلب منّي... وأنت مريض! لا بأس الآن أعالجك. تريد أن تمنّ علينا! يا عبد الله أيّها المسكين، ألا تدري أيّ عوالم تمضي عليك في كلّ دقيقة من هذا المرض؟! ألا تدري كم من الموانع في كلّ دقيقة من هذا المرض تتجاوز؟! افتح عينيك. وبعد ذلك لا تمنن علينا. فأحيانًا يكون الإنسان هكذا، إذا مرض فإنّه يحصل على نورانيّة، وقد رأينا بأنفسنا ذلك، وبالطبع إن لم يكن كذلك فإنّه يكون على نحو آخر. فهذه حالته الأخرى. 

    1. سنن الترمذي، ج٣، ص ٣۱٦.

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

16
  • لم يكن أبو بصير هكذا يمنّ على الله أنّي الآن مريض فتلطّف يا ربّ على عبدك المريض، اهتمّ بعبدك المريض. نعم تكرّم وتفضّل فالبيت بيتك. حينما كنت سليمًا لم تكن تأتي، الآن أنا مريض. كلاّ بل كان شاكرًا، ولكنّه كان مسرورًا بهذا المرض. رأى أنّه يشعر بخفّة في حاله، كثير من الناس عندما يمرضون يشعر الإنسان أنّهم حصلوا على نورانيّة عندما يتعاطى معهم، لقد خفّت الأحمال، حتّى سائر الأزمات، حتّى سائر الأزمات. 

  • كان هناك رجل، وهو لا يزال الآن على قيد الحياة، ولكنّه كان شيخًا هرمًا. كان قد تشرّف في الزمان السابق بزيارة العتبات، وهناك ألقوا القبض عليه، لا أدري ما السبب، ولكن هذا ما أعلمه، هناك قبضت عليه قوى الأمن العراقي وألقته في السجن مدّة، ومهما حاول هنا وهناك لم يؤثّر إلى أن خرج في النهاية، ثمّ بعد أن ذهبنا لزيارته برفقة المرحوم العلاّمة، رأينا أن يا للنورانيّة التي حصّلها! فأوّلاً كانت لحيته هكذا، وكلّها بيضاء، ثمّ نورانيّته. وعندما خرجنا التفت إليّ المرحوم العلاّمة وقال: أرأيت كم كان السجن جيّدًا لهذا الرجل! نحن نقول السجن سيّء، السجن سيّء، هل رأيت كم حصل على نورانيّة. كانت زوجته قد ذهبت إلى المرحوم الحدّاد وقالت: ادعوا له الله أن يخلّصه بسرعة، فقال المرحوم الحدّاد: اصبري سيخرج قريبًا، ولكنّ السجن خير له. دعيه يصبر قليلاً حتّى تتمكّن حالته. ثمّ عندما كان يحكي لنا، قال: لقد وضعوني في مكان أصلاً غير قابل للحياة، لقد كانت الظروف صعبة إلى درجة أنّه عندما نقلوني من مرتبة إلى مرتبة أخرى كنت مسرورًا لرؤيتي الحيوانات تتحرّك، أن عجيب هنا تتحرّك الحيوانات! مثلاً هناك ذباب. كان يقول: كانت الظروف المحيطة غير قابلة للتحمّل. هكذا كان الوضع. ولكنّ هذه النفس لها خصوصيّات لا تزول بواسطة مائدة الأرز المزيّن بالزعفران والحلوى. يأتي الله ببعض صفاته وأسمائه الجلاليّة إلى أن تزول هذه الأنانيّات شيئًا فشيئًا وتلك المشكلات. يعرف الإنسان نفسه قليلاً. يقول: ماذا كنت؟ لو كنت صادقًا فقل لهم أن يخرجوك، فأنت كنت صاحب المركز كذا، أنت ماذا كنت؟ فقل لهم أن يخرجوك! الله يقول: لا لا مصلحة في ذلك، ابق هنا قليلاً، فهو جيّد لك. عندما يبقى قليلاً، تستقرّ حالته. الآن انقلوه إلى زنزانة أخرى أفضل بقليل، ثمّ يطوي هنا دورة. ثمّ يقولون: نعتذر منك يا سيّد فقد حصل خطأ. الآن أين حصل الخطأ هل حصل في الأعلى أم في الأسفل؟! ففي الأعلى لا يحصل اشتباه، في الأعلى صواب. هؤلاء المساكين يقولون: نعتذر حصل خطأ. ليس لديهم اطّلاع على أنّ المسألة صحيحة في الأعلى. لو أنّ هؤلاء المتّصدّين والمسؤولين موحّدون بمقدار ما مثلنا، وكان لديهم شيء من الاطّلاع على الأمور، لقالوا حين الخروج: لا يا سيّد لم يحصل أيّ خطأ، حصل خير، عندما دخلت إلى هناك كان خيرًا لك، كان خيرًا لك. ولكنّ هؤلاء المساكين لا خبر لديهم، فهم يقولون: نعتذر يا سيّد، يعتذرون ويقولون: تفضّل. ولكن على الإنسان أن يجعل في حسبانه أنّ في حركة السالك إلى الله لا بدّ أن تكون هذه الحركة مع تربية النفس. وهذه التربية لا تحصل بنحو واحد من السير، تحتاج إلى كافّة الأنواع، من هذا النوع ومن ذاك، فيها صعود وهبوط، ولا بدّ من الاهتمام بهذا الأمر كقاعدة في نظام الحكومة الإسلاميّة.

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

17
  • لقد انتهى الوقت في النهاية، ولم نصل إلى نصف الموضوعات التي في كنا نريد طرحها، قال: 

  • مطلب تمام گشت و به آخر رسيد عمر***ما همچنان در اوّل وصف تو مانده‌ايم‌
  • [والمعنى: انتهى الأمر ووصل العمر إلى نهايته *** ونحن لا زلنا حيارى في بداية وصفك]

  • وحول الخصوصيّات التي لا بدّ من ملاحظتها في هذا المجال، وتكليفنا في هذا الموضوع، كانت هناك أمور تبقى ـ إن شاء الله وأراد لولا البداء ـ إلى الجلسة القادمة.

  • خصوصيّات شهر رجب وبعض الوصايا حوله 

  • أمامنا شهر رجب، ووفق المعتاد في السنوات السابقة فإنّ الرفقاء والأصدقاء ملتفتون إلى هذا الأمر، فنتحدّث إجمالاً ببضع كلمات حول خصوصيّات شهر رجب. 

  • شهر رجب شهر مهمّ جدًّا، والخصوصيّات التي يتميّز بها شهر رجب، لا وجود لها حتّى في شهر رمضان. فكما أنّ الأسماء والصفات الإلهيّة مختلفة، ولكلّ اسم أثر خاصّ، وكلّ صفة لها أثر خاصّ، فإنّ نزول الأسماء والصفات الإلهيّة إلى هذا العالم وإلى النفس، لكلّ منها جانب تربويّ وتكامليّ لدى الإنسان. فلهذا نرى أنّ هناك آثار مختلفة للإنسان في القضايا المختلفة. فالحوادث المختلفة التي تتّفق للإنسان لها آثارها الخاصّة. فالصلاة لها أثر على الإنسان لا وجود له في الصوم، والصوم له أثر لا وجود له في الصلاة. لكلّ منها أثره الخاصّ. وللحجّ أثر لا وجود له في الصوم، فلو أنّكم صمتم بدل الحجّ فلا فائدة، لماذا؟ لأنّ الجهات الوجوديّة للنفس مختلفة وكثيرة، وهذه العبادات قد وضعت وشرّعت لتكميل وترميم وتدبير جهة من الجهات المختلفة للنفس. وهكذا الأيّام والأوقات أيضًا لها آثارها الخاصّة بها. فلعشرة محرّم أثرها الخاصّ الذي لا يوجد في شهر رمضان، ولشهر رمضان أثره الخاصّ هل التفتّم؟ فالخصوصيّة التي يتميّز بها شهر رجب هي أنّه له نوع من الأثر العميق على خصوصيّات النفس وكيفيّة ارتباط الإنسان بحقيقة التوحيد. ومرادي من ذلك الأثر العميق هو أنّه قد يشعر الإنسان أحيانًا بشعور حسن، بشعور بالراحة، بشعور بالانبساط، بشعور من الروحانيّة، يصلّي فيشعر بنوع من الروحانيّة، يصوم فيشعر بنوع من الروحانيّة، يريد أن يستمرّ، يريد أن يتابع في الصلاة، فهذه الحالة هي حالة من الشعور بالروحانيّة والنورانيّة نشعر بها في أنفسنا، ولكنّ بعض هذه العبادات وبعض هذه الأعمال لها أثر عميق. يعني من الممكن أن لا تظهر هذه الحالة من الروحانيّة، ولكن في الباطن تبدّل الأمر بنحو من الأنحاء وتقلبه رأسًا على عقب، برنامج شهر رجب هو هكذا، أي إنّه يغيّر خصوصيّات النفس وكيفيّة ارتباط الإنسان بالله في العمق، ولذلك فإنّ بعض الناس ـ كما كان المرحوم العلاّمة يقول ـ كانوا يعدّون أنفسهم قبل عدّة أشهر ويضاعفون من مراقبتهم، يقلّلون من كلامهم، يقلّلون من مزاحهم، يخفّفون من ارتباطاتهم، حتّى يتمكّن شهر رجب من التأثير أكثر بخصوصيّاته. 

ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ

18
  • وهناك أعمال لشهر رجب ذكرناها في السنوات السابقة، فلو تمكّن إنسان ما من الصيام كامل الشهر فليفعل، وإلاّ فليصم يومًا بعد يوم، وإلاّ فليصم الأيّام الثلاثة في كلّ شهر، ومن لم يستطع فهناك ذكر خاصّ ذكر للرفقاء سابقًا يقال مائة مرّة. وباقي الأمور والخصوصيّات التي جعلها الله في هذا الشهر، كما كان المرحوم العلاّمة يقول: هذا الفرس وهذا الميدان، في النهاية نحن ذكرنا الأمور، وذكرنا عددً من هذه الآثار للرفقاء، في النهاية من شاء فليشمّر ثوبه وليشمّر عن ساعديه، ويشدّ ظهره لكي يتسفيد من تلك الفيوضات التي جعلها الله في هذا الشهر، ليستفيد هو وليفيض على الآخرين وفق قاعدة الأواني المترابطة.

  • نأمل أن يوفّقنا الله لكي نتمكّن برعايته وعنايات صاحب مقام الولاية للاستفادة القصوى من بركات هذا الشهر وكذلك الأشهر الآتية بعده. 

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.