آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (2)

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (2) مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتدبير و النظام الاجتماعي

العدد التسلسلي55


الخلاصة

تستمرّ هذه المحاضرة في بيان آثار محوريّة التوحيد في الحكومات الإسلاميّة الإلهيّة ضمن شرح فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، فتذكر أثرين:
1ـ عدم استهداف الموقع والمكانة والتوسّع والسيطرة
2ـ انعدام الحدود والقوميّات بين المسلمين فليس هناك مسلم خارج عن الدولة الإسلاميّة.
وقد مثّلت لتلك الآثار بكلّ من حركتي الإمامين الحسنين عليهما السلام:
ـ سيّد الشهداء عليه السلام من خلال شرح الشعار الذي أطلقه في ثورته (لم يكن ما كان منّا منافسة في سلطان ولا التماسًا من فضول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك...)
ـ والإمام الحسن عليه السلام وبيّنت أنّ صلحه حقّق تلك الأهداف تمامًا كثورة الحسين عليه السلام وتوقّفت عند مظلوميّة الإمام الحسن عليه السلام حتّى من قبل شيعته بتفريقهم بينه وبين أخيه وتفضيلهم الانتساب إليه، ومعنى الرواية التي تجعل انتقال الإمامة إلى ذريّة الحسين عليه السلام بسبب ثورته.
ثمّ تحدّثت عن خصوصيّات شهداء كربلاء فذكرت لهم ثلاثًا:
1ـ عشّاق لا يرون إلا المعشوق
2ـ يريدون الحسين لنفسه لا لانتصاره
3ـ لا يفكّرون في بقاء اسم لهم بعد شهادتهم أو بناء قبّة أو ضريح. كلّ ذلك جعل تلك الثورة قدوة.
/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (٢)

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٥٥

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين

  • وأشرف النبيّين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجميعن إلى يوم الدين

  •  

  • أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا!

  • قلت يا أبا عبد الله! ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله، يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا.

  • الكلام هو في الفقرة الثانية من هذه الفقرات الثلاث التي يبيّنها الإمام الصادق عليه السلام، وآثار العبوديّة التي يعدّها هنا وهي أن لا يتمكّن العبد من التدبير لنفسه. وقد تقدّم في الجلسات السابقة معنى هذا الأمر وكيفيّة التدبير.

  • وكان بحثنا حول كيفيّة الحكومة والتدبير الاجتماعي وحكومة الناس في مدرسة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام وطريقة إدارة الأمر وفق مدرسة الأنبياء، وقد تقدّم أنّ محوريّة حكومة رسل الله وأوليائه هي التوحيد، أي إنّ اتّجاه الأمر ووجهته وتوجّهه في كافّة الحركات والسكنات والأوامر والنواهي في حكومة الأنبياء هو نحو التوحيد. أي نحو الحقّ بدون الأخذ بعين الاعتبار أيّة مصلحة شخصيّة ومنافع شخصيّة وتحزّب وتمايل إلى فئة معيّنة وإلى شخصيّة ما.

  • من آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإلهيّة: عدم استهداف الموقع والمكانة والسيطرة

  • انظروا إلى سيّد الشهداء عليه السلام عندما كان يخطب تلك الخطبة التي بيّن فيها نواياه وقصده في هذا السفر العظيم، لم يطرح فيها كلّها نفسه، وفي هذا المجال لم يكن يعتقد بفارق بين نفسه وبين الآخرين، أنا إمامكم فلا بدّ أن تسيروا أنتم نحوي، تعالوا إليّ، أطيعوا أوامري، دعوا سواي جانبًا، لم يكن في كلام سيّد الشهداء أصلاً هذا الكلام.

  • الإمام يقول: اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافسًا في سلطان ولا التماسًا من فضول الحطام.۱ أنت تعلم يا الله أنّ ما صدر منّا أو سيصدر لم يكن لأجل الوصول إلى المقام، ولا لأجل الوصول إلى موقعيّة دنيويّة، ليس هدفنا السلطة، ليس هدفنا الاستيلاء، نحن لا نريد الله للاستيلاء على الناس، نحن لا نستخدم الدين للسيطرة على نفوس الناس وأموالهم وأعراضهم. هذا كلام سيّد الشهداء في النهاية، مرادنا هو ذات الله في أيّ مظهر وفي أيّ تجلّ.

    1. لمعات الحسين، ص ۱٣؛ «تُحف العقول» ص ٢٣٩.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

3
  • وبالطبع هذه العبارة تشبه عبارة أمير المؤمنين حين يقول: اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام.۱ أي نحن لم نشرع بهذا العمل طلبًا للزيادة.

  • فهذا كلّه حطام، حطام الدنيا، فالآن بين الدول والشعوب أساس السيطرة وأساس الحركة هو طلب الزيادة، هل حصل أن رأيتم أنّ بلدًا في معاملته مع بلد آخر يريد الخير والبركة لذلك البلد؟ فمثلاً دولتان تتعاونان معًا تتبادلان البضائع، توقّعان اتّفاقًا، توقّعان على معاهدة، فما هو الأساس والأصل في كلّ ذلك؟ لأجل الوصول إلى الربح في النهاية، فمن كان أقوى جعل الآخر في الأسفل. هذا الأمر ملموس في كافّة حركات الدنيا وأهل الدنيا، هل تقوم دولة بمساعدة دولة أخرى لأجل الخير والمنفعة، ولو أدّى إلى الإضرار بها؟ هذا الأمر أصلاً لا يمكن طرحه. لأنّه واضح وبيّن ما هو عنوان الأمر.

  • هناك إحصاء لا يزال في ذاكرتي منذ مدّة، قامت به بعض الهيئات المرتبطة بالأمم المتّحدة، وهو أنّ فا ئض الغذاء التي تتلفه الولايات المتّحدة وحدها يمكن أن يؤمّن الغذاء لأهل أفريقيا إلى سنتين. وإضافة إلى ذلك ـ وبالطبع ما أقوله لكم أمر هم أنفسهم اعترفوا به ـ وفي كثير من السنوات يحصل أن يلقوا ما زاد من إنتاجهم في البحر؛ حتّى يبقى مستوى الصادرات والقيمة واحدًا، في حين أنّ الله يعلم أنّه في أفريقيا كم يموت الناس من الجوع والقحط. فلماذا لا تعطونهم؟ فبدلاً من أن تلقوها بعيدًا لماذا لا تقدّمونها إليهم مجّانًا؟

  • وهكذا نحن نرى هذا الأمر في كثير من الموارد. في كيفيّة تصدير التقنيّات إلى البلدان والتكنولوجيا، وفي كيفيّة استقطاب الأفراد، وفي كيفيّة تصديرهم، في كافّة المعاملات المحور هو على أساس المنفعة الشخصيّة وقد قُبل به الآن كقاعدة في الدنيا كلّها، يقولون: مسألة التساوي ورعاية حقوق الجانبين، أي لا أنتم تظلموننا ولا نحن نظلمكم. لقد قبلت هذه كقاعدة. ولو أنّ واحدًا من الطرفين تراخى قليلاً فإنّ الإنسان يرى ما هي الخدع التي ترتكب في حقّه؟ أمّا في الحكومة الإلهيّة وحكومة الأنبياء فلا تجد هذا الأمر.

    1. نهج البلاغة، ج٢، ص ۱٣.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

4
  • من آثار محوريّة التوحيد: انعدام الحدود والقوميّات بين المسلمين

  • في حكومة أولياء الله يعود الأمر إلى أرواح الناس ونفوسهم، في الحكومة الإلهيّة لا معنى للحدود، جميع المؤمنين بالله في أيّة نقطة هم جزء من الحدود الإسلاميّة والحكومة الإلهيّة. والأجنبيّ هو المعارض للعقيدة ومدرسة الإيمان ولو كان في البلد الإسلاميّ. وعلى هذا الأساس، لو كان هناك مسلم في إحدى نقاط الأرض، هو بالنسبة إلى المسلمين ودولة المسلمين جزء من المواطنين، ويعدّ عضوًا في ذلك المجتمع. انظروا كيف يرفع الإسلام الحدود، ويتجاوز الظاهر، ويجعل الباطن حدًّا، ويجعل العقيدة حدًّا، فترتفع هذه الحدود والثغور.

  • كلّ واحد من المؤمنين والمسلمين إذا أراد أن يأتي إلى البلد الإسلاميّ فلا ينبغي أن يحتاج إلى بطاقة دخول، لأنّه يريد أن يدخل إلى بلده، هذا الحدّ هو للخارجين عن العقيدة، للذين لا يؤمنون بالله. لذلك فإنّ المرحوم العلاّمة كان يقول: الأجنبي والمواطن هما اصطلاحان خاطئان شائعان بيننا، حيث يطلقون على البلدان الخارجة عن حدود البلد "الأجانب"، أمّا غير المؤمنين الذين هم في داخل هذه الحدود وفقط وجودهم المادّي له ارتباط بالبلد، فإنّهم يعدّون من المواطنين وأهل هذا البلد. هذا ليس صحيحًا.

  • إنّ جميع المسلمين الذين يعيشون في جميع البلدان هم مواطنون بالنسبة إلى هذا البلد، وليسوا أجانب، فإطلاق الأجنبيّ ـ انظروا كم المسألة رفيعة وكم هي دقيقة! ـ فبحثنا كان حول حكومة أولياء الله، وحكومة الأنبياء، ففي رسالة أحد الرسل لا دخل أبدًا للمدينة والحدود في حكومته، فلو سألنا رسول الله مثلاً هل دينكم هو لجميع الناس على الكره الأرضيّة أم لفئة خاصّة والذين هم في المدينة ومكّة مثلاً، أو في اليمامة والقطيف والأحساء؟

  • يقول الدين للجميع (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ).۱

  • جميع الناس مشمولون لرحمة رسول الله. وبالطبع نحن الآن ننظر إلى المسلمين والمعتقدين بالتوحيد في المدرسة الإسلاميّة، ولكنّا بعد ذلك سنوسّع الأمر قليلاً، وسندرس سائر المذاهب. في مدرسة الإسلام لو سألوا رسول الله هل رسالتك تختصّ بأهل يثرب وبأهل مكّة؟ أم لا؟ بل ذلك المسلم الذي يعيش الآن في الحبشة ويعتقد بالله، أو في إحدى الدول الأفريقيّة، أو في أوروبا أو في أميركا. هل هم أيضًا داخلون في مدرستكم وفي دينكم و... أم لا؟ يجيب رسول الله: بلى أنا لا أختصّ بقوم معيّنين.

    1. سورة الأنبياء (٢۱) الآية ۱۰۷.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

5
  • أوّل أمر طرحه رسول الله بعد فتح مكّة۱ ـ التفتوا! ـ أنّه صعد إلى أعلى جبل أبي قبيس٢ وخاطب الناس أن يا قريش لا تعترضوا عليّ يومًا وتقولوا إنّي لم أخبركم، اعلموا أنّ الفضل عند الله للمؤمنين فقط. لا فضيلة للنسب عند الله أبدًا، لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لعجميّ على عربيّ إلا بالتقوى.٣ الفضل فضل العقيدة، الفضل ليس بالنسب. هذا كان أوّل كلام لرسول الله لقد جاء وبيّن حقيقة الأمر، أوضح الأمر للنّاس وبرأ ذمّته، هذا أنا وهذه مدرستي، وعلى هذا الأساس نحن قبلنا النبيّ، وإلاّ لما قبلناه.

  • ليس في الحكومة الإلهيّة قوميّة إيرانيّة وقوميّة عربيّة، هذا للحكومات الظاهريّة. المطروح في حكومة رسول الله هو الإيمان بالله فقط، في أيّ مكان وفي أيّ موضع من الدنيا كنت. وعلّة ذلك أنّ كلّ إنسان يرتبط بنفس رسول الله ويستفيد منه ويرتبط بالإمام ويستفيد منه بمقدار إيمانه بالله، في أيّ موضع من الدنيا كان، فالأمر واضح كالشمس، واضح كالشمس، ورسول الله مطّلع على أبعد الناس بمقدار اطّلاعه على أقربهم وعلى جاره، بمستوى واحد، ولا معنى للقرب والبعد في المدارس الإلهيّة ومدارس الأنبياء ومدارس أولياء الله.

  • ومن هنا فإنّ تسمية المؤمنين الذين يعيشون خارج حدود الحكومة الإسلاميّة أو الداخلين إلى الحكومة الإسلاميّة بالأجانب تسمية خاطئة، فالأجنبيّ يطلق على من كان على تعارض مع مبادئ الإسلام والاعتقاد بالله. وعندما يكون الأمر كذلك بأن تعرف هذه المدرسة بهذا النحو من التعاطي حينها يمكن أن نقيم ذلك التجانس وتلك الوحدة الواقعيّة بيننا وبين سائر الدول الإسلاميّة، بأن نعلن للدنيا أنّ كلّ من يعتقد بالله ويؤمن بالله فهو منّا، وليس وبيننا وبينه أيّ فارق، ونثبت هذا الأمر عمليًّا.

  • أهداف حركة سيّد الشهداء نموذج لمحوريّة التوحيد

  • يقول سيّد الشهداء عليه السلام: نحن لم نأت لأجل حطام الدنيا، ولم يكن ما كان منّا للوصول إلى حطام الدنيا. ولكن لماذا جئنا؟ لنرى المعالم من دينك، لكي نرى الآثار القيّمة والذهبيّة لدينك. أو بعبارة أخرى أصحّ: لنُريَ المعالم من دينك، نريها للنّاس. إلى أين كنتم تذهبون؟ كنتم إلى الآن مشغولين بمسائل عالم الكثرة. ما كنتم ترونه من الحكومات كان على أساس الكثرات، على أساس الدنيا، على أساس التوغّل في مسائل الدنيا، على أساس بناء القيم حسب العلاقات لا حسب الضوابط. على هذا الأساس كنتم ترون الأمور إلى الآن. في حكومة أبي بكر كنتم ترون هذا، في حكومة عمر كنتم ترون هذا، في حكومة عثمان كان الأمر قد تطوّر كثيرًا، في حكومة معاوية كنتم ترون هذا، ولكن أنا أريد تلك الحكومة الواقعيّة حيث أساس وأصل القيم هو الضوابط لا العلاقات، هذا ما أريد أن أبيّنه.

    1. لم تقع هذه الحادثة بعد فتح مكّة ولكن قبل الهجرة. (م)
    2. لم يرد أنّه صعد أعلى الجبل ولكنّه ورد أنّه صعد إلى المروة وهي في الجزء الأسفل من جبل أبي قبيس.(م)
    3. صحيح البخاري، ج٣، ص ۱٩۱: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل وأنذر عشيرتك الأقربين قال يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا.
      وفي مسند أحمد ج٥، ص ٤۱۱: عن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال يا أيها الناس الا ان ربكم واحد وان أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لاحمر على أسود ولا أسود على أحمر الا بالتقوى أبلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

6
  • ونظهر الإصلاح في بلادك، إصلاح الأمور المعنويّة في البلاد، نريكم القيم والحقائق، ما هو الشيء الذي له قيمة عند الله؟ وما الشيء المرفوض وغير المناسب عند الله؟ وإن كان عند كثير من الناس مقبولاً ومحترمًا.

  • ثمّ ماذا يقول الإمام؟ ولندقّق من الآن فصاعدًا: فإنّكم إن لا۱تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيّكم. إن لم تتعاونوا معنا ونحن هكذا وخصوصيّاتنا هكذا، خصوصيّاتنا إظهار معالم الدين، وإظهار الإصلاح ـ هذه مزايانا ـ قوي الظلمة عليكم واستولوا عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيّكم يبدأون بالقضاء على نور النبيّ الذي بينكم والذي بقي في قلوبكم شيء يسير منه، فما معنى ذلك؟

  • يريد سيّد الشهداء هنا أن يقول: لست أنا المطروح، فأمري أنا ليس مطروحًا، الأمر هو أمر نبيّكم، أنتم أعلم، أنتم أعلم! النبيّ نبيّكم، وأنا واحد من الناس مثلكم. وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، نبيّكم أنتم، فلا يبقى لكم إلاّ الظاهر، الصلاة الظاهريّة، الصوم الظاهريّ، الحجّ الظاهريّ، الزكاة الظاهريّة، لا يبقى سوى ظاهر، أمّا نور النبيّ فلا يبقى بينكم. تصلّون ولكن لا تشعرون بالرَّوح والرضوان بينكم. تصومون ولكنّكم فقط مشغولون بعمل ظاهريّ، هذا الصوم لا يؤثّر بكم، تحجّون وفقط تقومون بمجموعة من الأعمال الظاهريّة، وكأنّكم في منازلكم، وكأنّكم في مدنكم. ما يسبّب أن يرسُخ العمل فيكم هو نور نبيّكم الذي بينكم. وما علاقتي أنا بنور نبيّكم؟ أنتم أعلم، أنتم انظروا إلى أوضاعكم، ماذا تريدون منّي؟ إن كنتم تشعرون بالحاجة فتعالوا، إن كنتم تشعرون بالاستغناء فلا تأتوا، لماذا تريدون أن تمنّوا عليّ؟ أنت ابن رسول الله، نريد أن نساعدك، نريد أن نعينك، نريد أن نقدّم لك. كلاّ دعوا ذلك إن شئتم! هذا نبيّكم أنتم، نور نبيّكم، إن شعرتم بالحاجة فأنا في خدمتكم، وإلا فاذهبوا إلى معاوية ويزيد. بكلّ وضوح وصراحة يتكلّم الإمام الحسين، ويقول: إن لم تأتوا إليّ فإنّي لا أنقص شيئًا، نور نبيّكم ينقص. تلك الحقيقة المستولية على أرواحكم، تلك الحقيقة تبتعد عنكم. هذا يرجع إلى أنّ ما هو موجود في مدرسة سيّد الشهداء عليه السلام هو الاتّجاه إلى الحقّ والحقيقة، بدون ملاحظة حتّى النفس، بدون ملاحظة حتّى مصالح النفس، بدون نظر إلى الشخصيّة، بدون ملاحظة مصيره الخاص، وبدون ملاحظة ما يجري بعد مماته، هذا في حركة الإمام الحسين عليه السلام وجميع أنبياء الله ورسله وخصوصًا الأئمّة الذين هم رأس سلسلة جميع أولياء الله.

    1. هكذا وردت في المحاضرة، ولكنّها في لمعات الحسين هكذا: فإن لم تنصرونا... وفي هامشه عن بعض نسخ تحف العقول فإنكم تنصرونا.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

7
  • بين صلح الحسن وثورة الحسين عليهما السلام

  • بالنسبة إلى الإمام عليه السلام الصلح والحرب سيّان؛ لقد كان الإمام المجتبى عليه السلام في صلحه على نفس مستوى النجاح الذي حقّقه الإمام الحسين عليه السلام ووصل إلى تلك النتائج. إنّ أكبر ظلم للإمام المجتبى حتّى بيننا نحن الشيعة هو أنّ نجعل بين حركته وحركة الإمام الحسين أدنى فارق. وما تلك التعبيرات التي يعبّر بها البعض فيقولون: نحن حسينيّون ولسنا حسنيّين؟! نحن كذا! فما معنى هذا؟! في مدرسة التشيّع جعل خاتم العصمة باسم أربعة عشر معصومًا فحسب، وجميعهم سواء في الاتّجاه إلى الحقّ والاتّجاه إلى الحقيقة ومحوريّة التوحيد. وكما أنّ سيّد الشهداء عليه السلام لم يكن له أيّ جهة وأيّ اتّجاه وأيّ توجّه سوى الله تعالى، فكذا الإمام المجتبى. بعد ذلك انظروا إلى مظلوميّة الإمام المجتبى التي تقضي بأن نأتي نحن وندافع عنه على المنبر. انظروا إلى أين بلغ الحال؟ إلى أن نأتي ونبرّر للإمام المجتبى عليه السلام وننزّهه، ونجعل حركته حركة لائقة ويمكن تبريرها. هذه أكبر مظلوميّة للإمام المجتبى.

  • لماذا صالح الإمام المجتبى؟ لأنّه كان عاقلاً ولم يكن مجنونًا، الإمام المجتبى له روح معصومة زكيّة ولم يكن يخضع للهوى والهوس مثلنا، الإمام المجتبى معصوم من كلّ خطأ، لا أنّه كان يجعل حركته تتمحور حول محور شخصه. هكذا كان، الإمام المجتبى لأنّه إمام قام بذلك، هل التفتّم الآن؟! لأنّه كان إمامًا ووحده الإمام يمكنه أن يقوم بذلك دون غيره، وحده الإمام الذي يمكنه أن يلاحظ تلك البصيرة الكافية لرعاية مصالح المسلمين، لا غير المعصوم. وحده الإمام المعصوم الذي يمكنه أن تخرج أفعاله ناجحة بدون تبرير عند الاختبار، وحده الإمام المعصوم. لقد كان هذا هو الإمام المجتبى.

  • كان أحد العلماء يقول ـ وذلك في العهد السابق حيث سمعتها قبل حوالي عشرين سنة ـ كان يقول: عندما كنت في النجف، كانت تختلج في ذهني هذه المسألة على الدوام ـ وكان من العلماء المعروفين وقد توفّي الآن ـ أن لماذا صالح الإمام المجتبى لماذا؟! وكانت هذه نقطة ضعف بيننا. ولدينا رواية في هذه المسألة. رواية لم أجد وقتًا للعثور عليها، فليبحث عنها الأصدقاء ويجدوها، وهي قطعًا في كتاب معرفة المعاد، قد ذكرها المرحوم العلاّمة۱. والرواية تفيد أنّه لهذا السبب جعل نسل الأئمّة من الإمام الحسين عليه السلام ـ وبالطبع لا يمكنني أن أقول أنّ هذا المضمون دقيق، وإن شاء الله يجد الرفقاء هذه الرواية٢ وفي الجلسة القادمة ربّما نأتي بها بشكل أصحّ ـ لأنّ الإمام الحسن عليه السلام صالح. يعني أتدرون أين هي الفاجعة؟ حسنًا لعلّ ظاهر هذه الرواية غير مناسب. فما معنى ذلك؟ ألأنّ الإمام عليه السلام صالح جعل الله نسل الأئمّة من الإمام الحسين؟ يعني له أفضليّة عليه؟! كلاّ فالرواية تريد أن تقول هذا والفاجعة هنا: إنّ نظرة الناس إلى الإمام المجتبى ضعيفة وبغير أساس بحيث لا تفرّق، هي دنيّة وسخيفة إلى درجة أنّ الأئمة لو كانوا من نسل الحسن فلربّما ظهر الأمر بنحو من الضعف ونحو من الانكسار. وليست حقيقة الأمر أنّ هناك أفضليّة.

    1. لم نعثر عليها في هذا الكتاب. (م)
    2. لعلّ سماحة السيّد رضوان الله عليه يقصد هذه الرواية التي في أمالي الشيخ الطوسي، ص٣۱۷: عن محمد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد ( عليهما السلام ) يقولان : إنّ الله ( تعالى ) عوض الحسين ( عليه السلام ) من قتله أن جعل الإمامة في ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعا عند قبره، ولا تعد أيام زائريه جائيًا وراجعًا من عمره.
      ولا يخفى أنّ هذه الرواية لا تتحدّث عن حرمان الإمام الحسن عليه السلام لأنّه صالح ولكن عن تعويض الإمام الحسين عليه السلام لأنّه قتِل، ولازمها أنّ من لم يُقتل فلا يعوّض ولا تجعل الإمامة في ذريّته، وحينها نحتاج إلى الجواب الذي طرح، وأنّ الأمر يرجع إلى مراعاة مستوى تفكير الناس وشعورهم بالضعف والانكسار فيما لو كانت الإمامة في ذريّة الحسن. (م)

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

8
  • مظلوميّة الإمام الحسن عليه السلام

  • فهل تعلمون مظلوميّة ذلك الرجل الذي هو من حيث الشجاعة إن لم يكن أعلى من الإمام الحسين فهو مثله، وقد أثبت هذا للجميع في معركة الجمل وفي معركة صفّين. فالإمام المجتبى هذا لو لم يكن أعلى من سيّد الشهداء فهو لم يكن أدنى. ومن حيث الموقع الاجتماعيّ كان أعلى من سيّد الشهداء؛ فهو كبير العائلة، الابن الأكبر لأمير المؤمنين عليه السلام، ومع كلّ تلك الظروف كان له حلم جعل مروان بن الحكم يبكيه عند تشييع جنازته. فقال له رجل: أنت الذي آذيته وتبكيه الآن؟! فقال: أنا أعلم كم آذيته وبقي حلمه هكذا كالجبل أمام أذيّتي ولم يقل شيئًا.۱ فمن الذي يقول هذا؟ والفضل ما شهدت به الأعداء، انظروا إلى الأعداء ماذا يقولون! ثمّ بعد ذلك يأتي ذلك الرجل الذي هو نفسه من العلماء يقول: كان في نفسي دائمًا محلّ سؤال أن لماذا صالح الإمام الحسن؟ انظروا لديه علم ولكن ليس لديه فهم. ليست لديه بصيرة حول الإمام ومعرفة بالإمام. لذلك قال المرحوم العلاّمة: أهمّ كتبي هو كتاب معرفة الإمام، لأنّ الإمام ظلم في هذا العصر، معرفة الإمام نسيت في هذا العصر، نحن لا نعرف الإمام، نحن لا نعرف الإمام.

  • لقد تذكّرت الآن هذه المسألة، في إحدى الجلسات، كان هناك أحد العلماء وهو لا يزال حيًّا الآن والتقى مع المرحوم الوالد في أحد مجالس العقد، وكان يريد أن يثبت مثلاً أنّ قائد الثورة ـ رضوان الله عليه ـ والذي قام بهذه الثورة وإنصافًا بذل جهودًا في تشكيلها وإخراجها من مظاهر الظلم ومظاهر التعدّي والفساد، رحمه الله وحشره مع الأولياء وأعاظم الدين والأئمة. لقد كان ذلك العالم يريد أن يثبت أنّ مكانة ومقام قائد الثورة أعلى من الجميع منذ صدر الإسلام حتّى يومنا. فقال له المرحوم العلاّمة: نحن ليس لدينا علم الغيب، وليست الأمور بأيدينا، وليس لدينا إشراف على النفوس والأرواح، ولكنّ هذا الادّعاء لا بدّ له من إثبات. نعم، لا كلام في أنّه رجل عظيم، رجل مجتهد عمل على أساس التكليف، والله يثيبه ويعطيه ما يراه صالحًا له من المواهب والنعم الإلهيّة، ولكنّ الكلام هو في أنّكم تريدون أن تثبتوا أنّه منذ صدر الإسلام وحتّى الآن ليس له مثيل في مقاماته وفضائله والجميع أدنى منه. فمن أين لكم أن تثبتوا ذلك؟

    1. المزّي، تهذيب الكمال، ج٦، ص: ٢٣٥: عن جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بن علي بكى مروان في جنازته، فقال له حسين: أتبكيه وقد كنت تجرّعه ما تجرّعه؟! فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

9
  • فقال في الجواب: العمل الذي قام به لم يسبق له نظير. فقال: لا بأس، موسى بن جعفر أيضًا لم يقم بعمل كهذا، والإمام السجّاد أيضًا لم يقم بعمل كهذا.

  • فقال في الجواب: هؤلاء أئمّة، هؤلاء أئمّة وأمرهم يختلف.

  • فقال: أنت تجرّ الكلام إلى العمل الظاهريّ، فإن كان الأمر حسب العمل الظاهريّ، فالأئمّة أيضًا لم يقوموا بشيء من حيث الظاهر، وإن كان الأمر حسب الباطن، فأنت لست مطّلعًا على الباطن. فلم يحر جوابًا. هل التفتّم؟ هذه هي المسألة، كما أقولها لكم.

  • مشكلتنا هي أنّا بين الشيعة وفي مدرسة التشيّع نفضّل الإمام الحسين عليه السلام على الإمام المجتبى، وليس فقط نفضّل، بل نعدّ والعياذ الله ولا سمح الله عمله نقطة ضعف في جهاز الإمامة. هذه هي الفاجعة!

  • ولكنّ ذلك الرجل كان يقول: كان هذا في ذهني هكذا إلى أن تغيّر الزمان وجاء عهد عبد السلام. وعبد السلام عارف كان أحد رؤساء جمهوريّة العراق والذي حكم العراق سابقًا لمدّة من الزمان، وكان رجلاً متعصّبًا وسنيًّا، وكان رجلاً لا أباليًّا، وقد سمعت أنّه عندما خطب في البصرة قال: يا أهل البصرة، أقول لكم خلافًا لما قال عليّ عندما جاءكم وذمّكم وقال: يا أشباه الرجال ولا رجال، فأنا أمجّدكم وأثني على رجولتكم وأفتخر بوجود أمثالكم. ثمّ ركب طائرة مروحيّة متوجّهًا نحو بغداد فانفجرت به. لا يمكن لأحد أن يتحدّى عليًّا يا عزيزي!

  • ولدى العرب مثال يقولون فيه طار لحمًا وهبط فحمًا! وقد رتّب أمره هناك في السماء.

  • كان ذلك العالم يقول: في زمان عبد السلام عاش العراق في ظرف كان فيه المرحوم آية الله الحكيم رضوان الله عليه، والذي كان رجلاً عظيمًا ومحترمًا، كان في ضغط شديد، وقد جاءه الجميع واصرّوا عليه أن يعلن المواجهة لهذا الأسلوب، ولكنّه لم يقدم على شي، وصار من المسلّم لدى الجميع أنّه لو أقدم على ذلك لانتهى الأمر فقط وفقط بالقضاء عليه هو، وليس له أيّة نتيجة إيجابيّة. كان يقول: حينها فهمنا مظلوميّة الإمام المجتبى. فالله أعانه والله ساعده.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

10
  • في بعض الحالات يكون الأمر هكذا، وعلى الإنسان أن يسير وفق المصالح، لا أن يقوم بكلّ ما يحلو له، وكلّ ما يخطر في باله، وكلّ ما يريد، بأيّ نحو. فلو أنّ سارقًا دخل إلى بيتكم يحمل السلاح وليس في يدكم شيء وهو يهدّدكم، فلو واجهتموه فسيأخذ أموالكم كما سيقتلكم، فما هو عمل العقلاء هنا؟ تقول: تعال خذ المال وامض، إنّه في تلك الزاوية. فيأخذه ويمضي، فلا يأخذ إلاّ المال، ولا يأخذك أنت. فالإمام المجتبى كان في هكذا ظرف، ولو أنّ سيّد الشهداء كان بدلاً من الإمام المجتبى لقام بعين هذا العمل. ولو أنّ الإمام المجتبى عليه السلام كان بدلاً من سيّد الشهداء وفي تلك الظروف، لقام بنفس العمل بدون أيّ تغير زيادةً أو نقصانًا. هذا لأجل الرؤية الكونيّة لكل إمامٍ من الأئمّة عليهم السلام، وهنا الإنسان يؤدّي كلّ ما يأمرون به باطمئنان وبثقة كاملة، كلّ ما يلفتون نظره إليه، هنا فقط يمكنه أن يقدم، لأنّ هناك إمامًا، هناك معصوم، فلا يحسب لنفسه حسابًا. وإحدى الأمور والموضوعات المهمّة التي نراها في حادثة سيّد الشهداء عليه السلام مسألة بيان الحقائق في يوم عاشوراء. لا نرى من وجود سيّد الشهداء كلامًا واحدًا عن التفات الناس إليه هو، تصرّفًا يؤدّي إلى تلطيف القلوب وعطفها عليه، وإلى تليينها لحاله ولواقعه. يقول: إن شئتم أن تُبيدونا فأبيدونا، إن شئتم أن تأسروا فأسروا! هذه هي حالي وهذا واقعي، اتّجاهي هو اتّجاه الحقّ، لا معنى للهزيمة وعدم الهزيمة في مسيرتي، ليس عندي معنى للسرور إذا انتصرت والحزن إذا هزمت، ولو أنّي هزمت ألف مرّة فإنّي أقوم في المرّة المائة بعد الألف وأتابع عين هذا. هل نحن هكذا؟!

  • خصوصيّات شهداء كربلاء

  • عندما رجع أمير المؤمنين عليه السلام من صفّين مرّ على كربلاء، وله قصّة مفصّلة، وسنكتفي منها الآن بمقطع من كلامه تاركين ذاك المقدار، فبعد أن رأى الإمام رؤيا أحداث كربلاء ورأى سيّد الشهداء وكلّ شيء مفصّلاً، قال: هنا مناخ رِكَابٍ ومصارع عشّاق۱. لم يرد لفظ العشق في الروايات كثيرًا، ولكنّ أحد هذه الموارد هو هذا. يقول الإمام: هنا محلّ نزول وسقوط ومزار ومراقد أناس عشّاق، العاشق لا يراعي لنفسه أيّة مصلحة، لا يحتفظ لنفسه بمكان، كامل هدفه ونيّته هو الوصول إلى المعشوق، وتحقيق مطالب وحاجات المعشوق، هل هو غير ذلك؟! فلو أنّ الإمام استعمل هذا اللفظ في حقّ الذين كانوا مع سيّد الشهداء، فهؤلاء هم عشّاق سيّد الشهداء، عشّاق له، لا عشّاق انتصاره، لا عشّاق الوصول إلى المواهب والنعم والقِسم التي تأتيهم منه. كانوا يريدون سيّد الشهداء فقط، لذلك نجد فيهم زهيرًا يقوم ويقول: لو أحرقت ألف مرّة، وقتلت وأحرقت وذرّي رمادي في الهواء لما تركت يا حسين.٢ لماذا؟ لأنّا نحن نريدك، سواء كنت في هذه الدنيا أم لم تكن فيها، نحن نريدك، نحن لا نريد الحياة، نحن نريدك أنت، فزهير في تلك الحالة لم يكن يرى نفسه، وعندما لا يرى نفسه فلو قتل ألف مرّة لا يختلف الأمر لديه.

    1. معرفة الله، ص ٣٤٦؛ «بحار الأنوار» طبعة الكمبانيّ: ج ٩، ص ٥۸۰؛ و طبعة آخوندي: ج ٤۱، ص ٢٩٥، الرواية رقم ۱۸، و ذكر المرحوم الشيخ جعفر الشوشتريّ القسم الأوّل من الرواية في كتاب «خصائص الحسين» عليه السلام، ص ۱۱٥ و ۱۱٦، الطبعة الحجريّة.
    2. ابن شهراشوب، مقاتل الطالبيّين، ج٣، ص ٢٤٩: قال مسلم بن عوسجة الأسدي : والله لو علمت انى اقتل ثم أحيى ثم احرق ثم اذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما تركتك فكيف وإنما هي قتله واحدة ثم الكرامة إلى الأبد ، وتكلم سعد بن عبد الله الحنفي ، وزهير بن ألقين ، وجماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

11
  • لم يكن الظاهر هو المهمّ بالنسبة للذين كانوا في كربلاء، لم يكن البدن، كانت الروح وتلك الروح لها بقاء، سواء بقي البدن أم لم يبق. هذا الأمر مهمّ جدًّا، لماذا هؤلاء كانوا يقولون: نحن نريدك وحدك. لماذا؟ لأنّ هذا البدن لا قيمة له، لا أهميّة له، هل اللباس الذي على أبدانكم الآن له قيمة؟ فلو نزعوا لباسكم للبستم غيره، فأنتم موجودون، الأمر المهمّ هو النفس والروح، لذلك أصلاً لم يكن هؤلاء يفكّرون بمكانتهم. هل سيبقى اسمهم في التاريخ أم لن يبقى، هل كان يخطر ذلك في أذهانهم؟ هل سيجعل على قبرهم قبّة أم لا؟ لم يكن هذا مهمًّا لديهم! لا تبنوا، احرثوا، ألم يحرث المتوكّل كامل أرض كربلاء وأجرى عليها الماء؟! أفهل أنقص بذلك من مقامهم؟! هل تأثّروا حينها أن لماذا فعل المتوكّل ذلك؟! كلاّ بل كانوا مسرورين. لقد وصلنا إلى المقصود، فاصنعوا ما شئتم بمزارنا، ازرعوا القمح، ازرعوا الشعير، اصنعوا قبّة أو لا تصنعوا، أمّا عند الآخرين فهذا الأمر موجود، لماذا لم يسبق الذين كانوا في كربلاء ـ على حدّ قول أمير المؤمنين عليه السلام لا قولي أنا ـ سابق ولم يلحقهم لاحق. هذا كلام أمير المؤمنين وليس كلامي، فلا السابقون يصلون إليهم ولا اللاحقون، فما هي تلك الحالة التي كانت بين أصحاب سيّد الشهداء حتّى خاطبهم أمير المؤمنين هكذا؟ ماذا كانت؟ لقد كانوا عشّاقًا للحسين أمّا نحن فماذا؟ كلاّ نحن لسنا عشّاقًا، نحن نقول مزاحًا، وما دام هناك انتصار فنحن مسرورون، ولو حصلت خسارة يسيرة فيا للعجب ماذا حصل، ما الأمر؟ لقد وَعَدْنا بالنّصر، فلماذا حصل هذا؟ ليس عند أصحاب الإمام الحسين "لماذا حصل هذا؟!"، هو عندنا نحن، لم يكن عند أصحاب الحسين "لقد وَعدْنا هذا فلماذا حصل كذا؟!"، لم تكن عند أصحاب الحسين، فمن البداية صفّى الإمام الحسين حسابه معهم فقال: غدًا تقتلون جميعًا، تستشهدون جميعًا. ولذلك قام تسعمائة رجل ومضوا، قالوا ماذا كنّا نفكّر وماذا حصل؟ كنّا نظنّ أنّ هذا ابن رسول الله له يد بيضاء وعصا ويشقّ القمر، أبوه ردّ الشمس، وربّما هو يستطيع أيضًا أن يقوم ببعض الأعمال. في يوم عاشوراء جاء جنود الله والقوّات الإلهيّة والمظاهر الإلهيّة واستجازوا الإمام فلم يسمح لهم، جاءت القوى المدبّرة للعالم، جاءت الزلازل، فلم يسمح، جاءت الرياح فلم يسمح، جاءت الصواعق، وجاءت إلى سيّد الشهداء كافّة القوى التي هي وسائط نزول الأسماء والصفات الإلهيّة إلى عالم الكثرة، فلم يسمح لها، لماذا يسمح؟ فمن الأساس هو الذي يفعل ذلك، فالإمام نفسه هو الذي ينزّل الأسماء والصفات الإلهيّة. يريد أن يقول لهم: إنّ قدرتكم هي في يدي، أتيتم لتستأذنوني في إبادتهم؟! جاءت الوحوش لتستجيز من الإمام. لماذا [لم يسمح]؟ لأنّ وجهته وجهة التوحيد، لا ينظر إلى الكثرات، هو يريد أن يصل إليه، ويرى ذلك مانعًا. يأتي الملاك ليمنع قتله، ذلك القتل الذي يسبّب الشفاعة الكبرى، الشهادة التي توصله إلى الشفاعة الكبرى، فيقول للملاك: أنت تريد أن تحرمني هذا الفيض؟ هل أسمح لك؟ هل التفتّم أين هي المسألة وكم نحن بعيدون عنها؟ يقول للملائكة أنتم تمنعونني من الوصول إلى هذه المرتبة؟ حقًّا هذا لسان حاله. فالإمام لم يقل هذا لهم، لم يكسر قلوبهم، لسان حال الإمام معهم هو هذا: إن وصلت إلى هذه المرتبة فهو جيّد لكم، ونعمته تصل إليكم أيضًا، نصيبه يصل إليكم، دعونا نسير في هذا الطريق.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

12
  • ماذا كان يجري في وجود الإمام وفي وجود أبي الفضل عليهما السلام في يوم عاشوراء حتّى قال الإمام السجّاد: إنّ لعمّي العبّاس مرتبة يغبطه عليها جميع الشهداء۱، فماذا كانت تلك المرتبة؟ هل كانت لأجل قطع اليد؟! فالكثير من الأيدي تقطع. هل فقط لأجل العطش؟ فالكثير من الناس يعطشون. أيّ حادث كان يجري في داخل أبي الفضل؟ وفي أيّة مرتبة كان أبو الفضل بحيث أنّ النظر إلى تلك المصائب يعدّ عارًا على أبي الفضل بسبب وجود تلك المرتبة؟ فوجود أبي الفضل في يوم عاشوراء كان فانيًا في سيّد الشهداء، هذه هي حقيقة الأمر، فليقطعوا يده ألف مرّة فليس الأمر مهمًّا، وليضربوه بعمود الحديد على رأسه ألف مرّة، ليس مهمًّا عنده. ما جعل أبا الفضل أبا الفضل هو فناؤه في وجود أخيه، وأنّه لا يرى لنفسه وجودًا. لذلك انظروا ماذا يصنع، هم ثلاثة إخوة وهو رابعهم، يرسلهم قبله جميعًا إلى الميدان ويرى شهادتهم. يقول لأخيه: لا يحصلنّ عندهم شيء من الضعف أو الخطور أو التصوّرات إن لم أكن موجودًا. كلاّ يريد أن يطمئنّ. فأين يوجد إنسان كهذا؟ أي هو يريد أن يفدي أسرته وإخوانه الذين من أمّه، هذه الأسرة يريد أن يقدّمها فداء لإمامه، لا مرّة واحدة، بل ألف مرّة، ولو حصلت مائة مرّة. هذا الأمر مهمّ جدًّا.

  • الأمر الذي لم يكن يفكّر فيه سيّد الشهداء عليه السلام

  • أو حول سيّد الشهداء عليه السلام... ـ والآن ليس هناك مجال للدخول في هذه المسألة، كنت أريد أن أتحدّث حول أمور أخرى، ولكنّا دخلنا. إن شاء الله نتحدّث حول خصوصيّات حركة سيّد الشهداء عليه السلام في وقت آخر، وفي مقام آخر ـ الأمر الوحيد الذي لم يكن سيّد الشهداء عليه السلام يفكّر به في واقعة كربلاء وفي يوم عاشوراء هو مكانته بعد الشهادة، وهل أنّهم سيصنعون لنا قبّة وحرمًا وكذا ويأتي الشيعة ويزورونا وماذا يصنعون؟ أصلاً لم يكن يفكّر بذلك. كافّة هذه الأمور التي هي دون توجّه الإنسان إلى الله ليست سوى الخسران، ونحن علينا أن نتأسّى بالإمام الحسين علينا أن نتّبع الإمام الحسين.

    1. أمالي الصدوق، ص ٥٤۸؛ بحار الأنوار ج٤٤، ص ٢٩۸: رحم الله عمي العباس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه ، حتى قطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين ، يطير بهما مع الملائكة في الجنة ، كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وأن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

13
  • وصيّة العلاّمة الطهراني حول موضع دفنه وما يرتبط به بعد وفاته

  • عندما أشرف المرحوم العلاّمة على الوفاة أوصاني أن يحرم أن تدفنوني فوق رأس الإمام، يحرم أن تدفنوني أمام الإمام، لست راضيًا، ادفنوني أسفل أقدامه، إن لم تجدوا مكانًا فخلفه، وإلاّ فأخرجوني خارج المدينة حيث هناك مشهد ومزار خذوني إلى هناك. وبعد وفاته لم يدفن إلا حيث هو الآن في ذلك المدخل لزوّار الإمام الرضا عليه السلام. وكان كثيرون يسألوننا: لماذا دفنتموه هنا؟ لماذا لم تأخذوه إلى داخل الحرم، لماذا هناك؟

  • كنّا نقول: هذه إرادته هو، وما دام هو يقول ادفنوني تحت أقدام الإمام فماذا يمكننا أن نتدخّل نحن؟ الأمر يرجع إلى إرادته. وجاء بعضهم وقالوا: لو كان في الحرم لكان أفضل لكان هناك لوحة وكذا. إنّ كلّ ذلك يا سيّدي كثرات، كلّ ذلك تخيّلات، شرف وفخر أبينا أن يكون تحت أقدام الإمام الرضا، ولو كان غير ذلك فإنّا لا نقبل به، فما رأيناه منه هو هذا، ما رأيناه منه في حياته هو هذا، وكان يثبت هذه المسألة عمليًّا، لقد أوصانا أنّي إذا ما متّ فلا تنشروا لي نعيًا، ولا تقيموا لي فاتحة في المساجد، فقط ثلاثة أيّام في المنزل، وحتّى لا تخبروا الأقارب، فلماذا يأتون من هذه الناحية ومن تلك؟ لماذا؟ فقط أخبروهم ليقرأوا لي الفاتحة. نعم الفاتحة أمر جيّد جدًّا ومستحبّ أيضًا، وعلى الإنسان أن يطلب الرحمة والخير والبركة للنّاس، ولم يكن يقول هذه الأمور ممازحًا بل كان جادًّا. فقد كنّا نعرفه في النهاية، وكنّا نعرف منه ثبات الأقدام والمتانة في الموازين والأسس. لم يكن ذلك مزاحًا، قال أقيموا العزاء ثلاثة أيّام وذلك في المنزل أيضًا، وبعد ثلاثة أيّام ينتهي الأمر. لا تقيموا لي ذكرى أربعين، إقامة ذكرى الأربعين حرام، الأربعين مختصّ بسيّد الشهداء، وأنتم لا تشاركوا أيضًا في ذكرى أربعين. ذكرى الأربعين هي فقط لسيّد الشهداء، حتّى النبيّ ليس له ذكرى أربعين، أمير المؤمنين ليس له ذكرى أربعين. هل له؟ هل كان للإمام الصادق ذكرى أربعين؟ هل كان للإمام الباقر ذكرى أربعين؟ أين ورد في الإسلام أمر بذكرى الأربعين للميّت؟! في أيّ رواية فقهيّة لدينا أمر بهذه السنّة ولو رواية واحدة؟! أين كان هكذا أمر؟! الأربعين لسيّد الشهداء فقط، يقولون ما الإشكال في إقامة مجلس عزاء؟! لا بأس فلتقيموا ذكرى مرور ثلاثين يومًا لماذا تقيمون ذكرى أربعين؟! أقيموا مجلسًا بعد عشرة أيّام، بعد خمسين يومًا، بعد مائة يوم، فالمجلس مجلس في النهاية، وطلب الرحمة هو طلب الرحمة. حتّى قال لنا: لا تقيموا لي ذكرى سنويّة، الذكرى السنويّة هي للإمام، لقد كان دقيقًا بالنسبة إلى الموازين إلى هذا الحدّ.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

14
  • لقد كنت أودّ أن أخصّص جلسة اليوم للشعارات التي ينبغي أن تطرحها الحكومة الإسلاميّة، ما هي الألفاظ والعناوين التي في الحكومة الإلهيّة وحكومة الأنبياء؟ ما هي العبارات التي ينبغي أن تستخدم؟ ما هي الكلمات التي ينبغي أن تقال للنّاس؟ ما هي التعابير التي ينبغي أن تستخدم في الحكومة الإسلاميّة، ولكن في النهاية انجرّ البحث إلى مكان آخر.

  • لقد كان قدّس سرّه يقول: حتّى لا تقيموا لي ذكرى سنويّة، الذكرى السنويّة هي للإمام، لوفاة الإمام، لميلاد الإمام، هي للإمام. ولذلك نحن لم نقم له ذكرى سنويّة، نعم فقط في السنة الأولى، وكان ذلك مختصرًا أيضًا وكانت هناك ضغوط شديدة ومحاذير. على كلّ حال حتّى لم يكن الأمر باختيارنا، وبعدها لم نقم له ذكرى سنويّة أبدًا. حتّى ولو كانت هناك مجالس أحيانًا باسمه ولكنّها ليست في اليوم التاسع من صفر الذي هو يوم وفاته، فهذا [إحياء الذكرى السنويّة] مخالف لرأيه في النهاية، ونحن لا يمكننا أن نعمل خلاف رأيه، هذا ما يسمّى ثبات الأقدام، يعني أصلا [هو لا يرى شيئًا] لنفسه، هذا هو وليّ الله! انظروا، وليّ الله لا يفكّر في أنّه كيف ستكون شخصيّتي بعد وفاتي؟ ماذا سيحدث من أمور بعدي؟

  • قال أحد الأصدقاء: منذ مدّة طويلة وفي ذهني أمر يؤرقني ـ وكان من أهل المعنى وأهل المشاهدات ـ أن لماذا يجب أن يدفن هنا؟ قال: ذهبت في يوم من الأيّام إلى قبره، وشكوت إليه كثيرًا، أن أوّلاً هذا المكان لا يمكننا أن نأتي إليه لأنّه في النهاية مدخل النساء، وطبعًا حتّى أنا في كثير من الأحيان عندما أتشرّف بزيارة مشهد تقريبًا في ثمانين بالمائة من الزيارات أقرأ الفاتحة من بعيد. لماذا أزعج الناس؟! هناك من يكون جالسًا يطلب الفيض، فلا أمنعه أنا، أقرأ فاتحة من بعيد وأمضي. نعم أحيانًا عندما لا يكون هناك أحد، أجلس هناك لبضع دقائق. جيّد لماذا هكذا ولماذا تحت الأقدام، ولماذا في الصحن والمكان هنا بارد، أو حارّ، وفيه موانع؟ كانت تخطر في ذهنه أمور كهذه، قال: وبينما أنا في هذه الحال، قال لي قدّس سرّه ـ وقد قلت إنّه من أهل المعنى ـ أن ماذا تقول أنت؟ أصلاً ماذا تقول؟! أصلاً أنت في أيّ نوع من الأفكار؟! أصلاً في أيّ تخيّل؟! أنا بنفسي أردت أن أكون في هذا المكان، هل الأمر بيد أحد آخر؟! في ذلك اليوم الذي تقرّر أن يدفن، عدّدوا لنا كافّة المواضع التي كانت في الحرم، عدّدوا لنا بعضها فرأيناها جميعًا مخالفة لرضاه ولم نقبل، فقالوا: هناك مكان واحد فقط، قلنا: جيّد فليكن هنا. هل تلتفتون؟ على الإنسان أن لا يتخطّى القواعد، أن لا يتخطّى المبادئ، في أيّ موضع سيكون لا إشكال، ففي أيّ موضع كان والدنا فإنّ فخره في أنّ يأتي الزوّار ويعبروا عن قبره إلى زيارة عليّ بن موسى الرضا، وهذا فخرنا، هذا الأمر بالنسبة إلينا وبالنسبة لي شخصيًّا، فقط عليّ بن موسى الرضا هو المطروح لا إنسان آخر. اعلموا أنّ ما ينبغي أن يكون مطروحًا عند الشيعيّ هو الأربعة عشر معصومًا. لا يمكن لأحد آخر أن يدخل في الحدود المعرفيّة للإنسان، ولو كان هناك أحد فلا بدّ أن يكون في ضمن دائرة ولايتهم، عندها ستكون له قيمة. الأصل هو الإمام، الأصل فقط عليّ بن موسى الرضا وكفى، ولا شيء آخر معه! إنّ ما أقوله لكم بهذا الإحكام وبهذا الإصرار إنّما أقوله لأنّي مأمور أن أقوله، ولا يوجد شيء آخر، اعلموا أنتم أنّ ما يدور في مخيّلتي وفي كلامي مع الأصدقاء لا يوجد سوى الإمام عليه السلام، ولا يوجد أيّ شيء آخر، هذا فحسب. وهو نفسه لديه في قصيدته:

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

15
  • آن كه سرود اين دُرر پاك را *** خاك ره كوى حسين است و بس

  • أي: إنّ من أنشد هذه الدرر الصافية تراب طريق زقاق الحسين وحده

  • فهذا هو في النهاية، نحن أيضًا يجب أن نكون كذلك. ثمّ يقول: فماذا تتخيّل أنت؟ لقد كانت عبارته له هكذا: لقد جعلوني حبيب ابن مظاهر عليّ بن موسى الرضا. هل التفتّم؟ لقد كان ذاك بوّاب الإمام الحسين، وهذا أيضًا بوّابه، لماذا؟ لأنّه مثل حبيب لا يملك شيئًا من نفسه، هناك فرق كبير بين هذه المدرسة وتلك المدرسة التي تقول لقد دفنّا فلانًا في ذاك المكان لأنّا لو أخذناه إلى مشهد لعدّ الرجل الثاني. الفرق كبير والمسافة الفاصلة شاسعة، وما علّمونا إيّاه هو هذا. في المدرسة الإلهيّة، وفي المدرسة... ونحن الآن لا ندري هؤلاء الأموات وهؤلاء الأعاظم عندما توفّوا ربّما لم يكونوا راضين بكثير من الأمور، وربّما لا يكون الأمر كذلك، فهذه القبب وهذه الأضرحة وهذه الأمور الموجودة ربّما لم يريدوها هم. وعلى كلّ حال، فبعد الموت يخرج الاختيار من يد الإنسان. وعلى كلّ حال هذا هو الأمر.

  • أي: اقطع الطريق كما قطعه سالكوه.

  • هل التفتّم؟ هكذا كان السالكون، ومضوا ووصلوا.

  • السرّ في كون حركة سيّد الشهداء عليه السلام قدوة خلوّها ممّا سوى الله

  • إنّ سيّد الشهداء عليه السلام كان على هذا الأساس. صنعوا له قبّة أم لم يصنعوا، ذكروه أم لم يذكروه، نحن الآن نذكره في هذا المجلس، نحن الآن نذكر سيّد الشهداء في هذا المجلس، هذا نفع نحن نجنيه. فالإمام نفسه جاء الآن واستولى على هذا المجلس لكي تصبح لدينا قدرة بمقدار رأس إبرة، بمقدار رأس إبرة، وإلاّ فإنّ القابل لا يمكنه أن يوصل نفسه إلى الفاعل أبدًا. لا بدّ للفاعل أن يفيض الفيض، هذه المعرفة هي معرفة الإمام. لذلك فإنّ مدرسة سيّد الشهداء تصبح أسوة، هذا هو الأسوة، في مدرسة سيّد الشهداء لا يوجد ذرّة من طريق الكثرات، لا يوجد ذرّة من طريق الدنيا، ذرّة من الأهواء، ذرّة من ما دون الله، مهما كان ولو باسم الشعائر، هنا يعمرون، هنا يبنون قبّة، يأتي الناس إلى هنا فيدعون، كلّ هذا كثرات. إنّ ما جعل سيّد الشهداء متلألئًا على قمّة التاريخ إلى الأبد هو أنّه ليس في مدرسته إلا الله وحده، ليس هناك أيّ شيء آخر، وذاك ما يظهر في الطريق، ففي طريقه عليه السلام ظهر كلّ ذلك. وإلاّ فإنّ القتل كثير، كثير من الناس يأتون ويقدّمون بدنهم فداء، ولكن فداء لأيّ شيء؟ يفدون بدنهم لأجل شخصيّتهم. فالشخصيّة هي حقيقة الإنسان. أنت يا من تفدي شخصيّتك ببدنك لم تصنع أمرًا عظيمًا! من يأتي ويقضي على نفسه ويقوم بأعمال يهلك فيها ذاته، إمّا في السجن وإمّا في غيره ليُعلم الدنيا بهدفه، ليُطلع الناس على مدرسته، ليُعلم الناس بذاتيّة ذاته، ما هي قيمته؟ وفي الزمان السابق أيضًا كان منهم، فعندما أراد ذلك الرجل أن يقتل أبا لهب۱ ويقطع رأسه قال له: اقطع رأسي من أسفله، حتّى إذا أخذته إلى رسول الله تبقى عظمتي وجلالتي محفوظتين.٢ لقد كان حين الموت ومفارقة الدنيا يفكّر في شخصيّته. هل للقضاء على البدن قيمة عنده؟ ليس له قيمة. إنّه يبحث عن شخصيّته، إنّه يبحث عن مكانته، ليس له قيمة بعد الموت، حتّى في العهود السابقة كان الأمر كذلك. ينقل في التاريخ ـ وقد قرأت في تاريخ العرب ـ أنّ كثيرًا من زعمائهم وشجعانهم كانوا يتعيّبون بأن يقتل أحدهم من ظهره عند لقائهم بالعدو، كان عارًا عندهم، فكانوا يقولون: إن كنت رجلاً فتعال وهاجم وجهًا لوجه! إنّه لعار عليّ أن أهاجم رجلاً سافلاً إلى هذه الدرجة يريد أن يهاجمني من الخلف ويقتلني، فأنا أصلاً لا ألتفت إلى تلك الجهة، بل حتّى كان يأتي ويقضي عليه! ولكنّه متكبّر وأنانيّ ومتمحور حول ذاته وشخصيّته إلى درجة أنّه لا يحرّك رأسه حتّى يموت. فما معنى ذلك؟ هل هذا الموت هو فخر له؟ هل هذا القتل هو فخر له؟ كلا ليس فخرًا. ولكنّ سيّد الشهداء والأصحاب لم يكونوا يفكّرون هكذا، لم يكونوا يفكّرون بأنّه ماذا سيحدث بعد موتهم. نحن نؤدّي عملنا، ثمّ إن شئتم فاصنعوا فوق قبورنا قبّة أو لا تصنعوا، نحن نسير في طريقنا. وسواء كان لنا زوّار أم لم يكن فنحن نسير في طريقنا. الإمام الحسين يقول ذلك، وما ينبغي أن نصل إليه هو هو، وقد وصلنا إليه والباقي حطام. وهنا تغدو عاشوراء أسوة، هنا تغدو قدوة، كون الإمام الحسين أسوة في يوم عاشوراء هو لأجل هذا، لأجل هذا الأمر، لأنّه ليس هناك أمور أخرى، لا سبيل للدنيا هناك، لا سبيل للتصوّرات والتخيّلات. سواء جاء الناس أم لم يأتوا، لا سبيل للتفكير بأنّهم أحيانًا يأتون وأحيانًا لا يأتون.

    1. يبدو أنّ سماحة السيّد رضوان الله عليه يريد أبا جهل، لأنّه هو الذي قتل في بدر أمّا أبو لهب فلم يقتل، بل مات بمرض في مكّة.
    2. السيرة الحلبية، ج٢، ص ٤٢۰: وفي رواية رويت عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال لما ضربته بسيفي لم يُغنِ شيئًا فبصق في وجهي وقال خذ سيفي فاحتزّ به رأسي من عرشي ليكون أنهى للرقبة ـ والعرش عرق في أصل الرقبة ـ ففعلت كذلك.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

16
  • في زمان المرحوم العلاّمة أذكر أنّه ذات يوم كنت في المنزل وجاء أحد الطلاّب ليلتقي بالمرحوم العلاّمة، ولم يكن لديه مجال، وعندما ألحّ وفي النهاية دخل والتقى به بضعة دقائق كنت أنا حاضرًا، فكان من كلامه وكان ذلك أثناء الحرب: سيّدنا لقد التفتّ أخيرًا أنّ في قصدي وفي نيّة القربة عندي خلل. فقال له: كيف؟

  • قال: عندما كنت هناك في الجبهة وساحة القتال كنت قد ذهبت مرّة لتجديد الوضوء، وأثناء ذلك أحسست في نفسي أنّه لو حصل الآن أن رمينا بسلاح أو بقنبلة وأنا أموت على هذه الحال فهذا سيّء، قال: على الإنسان مثلاً أن يموت في أثناء القتال، لا أن يكون جالسًا مثلاً أو نائمًا، فهذا ليس صحيحًا، ماذا سيقولون عنّي؟ يقولون: لقد كان نائمًا وحصل ما حصل، بل ينبغي أن يكون أثناء هجوم أو ما شابه. والآن أنا أشعر أنّي... في النهاية كانت نيّته جيّدة والتفت إلى هذا الأمر والتفت إلى هذا النقص، التفت إلى نقصه. ولكنّ هذا الأمر لا معنى له عند أصحاب الإمام الحسين. مع أنّ هذا الرجل الذي جاء كان رجلاً محترمًا جدًّا، كان رجلاً تقيًّا جدًّا، لو لم يكن كذلك لما فكّر بتلك الأمور، أراد الله أن ينبّهه، أمّا أصحاب سيّد الشهداء فأصلاً لم يكن هناك معنى لهذه الأمور، لقد سقط حبيب بن مظاهر أمام الإمام الحسين، فعندما كان يصلّي، وقف اثنان أمامه كيلا تصيبه السهام، كان حبيب بن مظاهر أحدَهما، ففي النهاية لم يقتل في ميدان المعركة، ولم يقاتل، ففي النهاية لم يقاتل، لقد كان يريد أن يفدي إمامه بنفسه فقط، هذه المسألة مهمّة.

  • فالنتيجة التي نخرج بها من الكلام اليوم هي أنّه في المدارس الإلهيّة كلّ ما هو موجود هو التوجّه إلى التوحيد، وليس هناك أيّ التفات إلى النفس ومنافعها وشخصيتها، وما يجري بعدها أو لا يجري.

  • إن شاء الله نرجو من الله أن يروينا من رأس نبع الماء المعين لمعارف أهل البيت عليهم السلام وأن يجعلنا منجحين مفلحين، ويعجّل في فرج إمام الزمان عليه السلام، ويؤيّد أولياء الأمور في حفظ مبادئ الإسلام، ويرحم الأموات من شيعة أمير المؤمنين ويغرقهم بالرحمة الواسعة لمقام الولاية آمين.

آثار محوريّة التوحيد في الحكومة الإسلاميّة (۲)

17
  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.