/ 252

معرفة الإمام ج۵

1

معرفة الإمام ج۵

2
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الْحَادِي وَ السِّتّون وَ الثَّانِي وَ السِّتّون: دَرَاسَةٌ لَغوِيَّةٌ لِمَعْنَى الْوَلَايَة

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۵

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلى العظيم

  •  

  •  

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً.1

  • معنى الولاية في الكتب اللغويّة

  • جاءت كلمة الولاية- مصدراً كانت أو اسم مصدر- في القرآن المجيد و غيره بمشتقّات كثيرة نحو: الوليّ، و تَوَلّى، و وَالى، و أوْلِياء، وَ مَوالى، وَ مُوَلِّى، و توليّ، و تَوْلِيَةْ، و غيرها من المشتقّات.

  • و الآن ينبغي لنا أن نرى ما هو المعنى اللغويّ للولاية، ثمّ نتحدّث عن تفسير الآية المباركة.

  • بحث لغويّ حول معنى الولاية

  • أما معنى الكلمة لغويّاً، فهو كما يلي:

  • يقول في «المصباح المنير»: الْوَلْيُ مِثْلُ فَلْسِ: الْقُرْبُ. و في الفعل لغتان [أكثرهما] وَلِيَهُ يَلِيهِ بكسرتين [من باب حَسِبَ- يَحْسِبُ]؛ و الثانية من باب وَعَدَ [يَعِدُ]، و هي قليلة الاستعمال ... و وَلِيتُ على الصَّبِيّ وَ الْمَرْأةِ فالفاعل والٍ و الجمعُ وُلَاةٌ. و الصبيّ و المرأة مَوْلِيّ عَلَيْهِ ... و الوِلَايَةُ بالفتح و الكسر النُّصْرَةُ. و اسْتَوْلَى عَلَيْهِ غلب عليه و تمكّن منه.

  • و جاء في «صِحاح اللغة»: الْوَلْيُ- القرب و الدنوّ. يقال: تباعَدَ بَعْدَ

    1. الآية 44، من السورة 18: الكهف.

معرفة الإمام ج۵

5
  • وَلْيٍ؛ و كُلْ مِمّا يَليكَ، أي: مِمّا يُقَاربُكَ؛ إلى أن يقول: و الوَلِيّ ضدّ العدو، يقال منه تولّوه. و المَوْلَى المعتِق، و لمعتَق، و ابن العمّ، و الناصر، و الجار.

  • و الوَليّ الصهر؛ و كُلُّ مَنْ وَلِيَ أمْرَ واحِدٍ فَهُوَ وَلِيُّهُ. إلى أن يقول:

  • و الوِلَاية بالكسر السلطان؛ و الوِلَاية بالكسر و الفتح: النصرة؛ و قال سيبويه: الوَلَاية بالفتح المصدر؛ و بالكسر الاسم مثل: الإمارة و النِقابَة؛ لأنه اسم لما تولّيَته و قمتَ به؛ فإذا أرادوا المصدر فتحوا.

  • و جاء في «أقرب الموارد»: وَلَاهُ وَ وَلِيَهُ يَلِيهِ، من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ وَ حَسِبَ يَحْسِبُ، و الأوّل قليل الاستعمال؛ [و المصدر] وَلِي، أي دنا منه و قرب يقال: جَلَسْتُ مِمَّا يَلِيهِ؛ أي يقاربه؛ و يقال: الْوَلِيُ حُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ الأوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ.

  • وَلِى الشَّيءِ وَ عَلَيْهِ وِلَايَةً وَ وَلَايَةً: ملك أمره، و قام به. أو الوِلَايَة بالفتح و الكسر الخِطَّة و الإمارة و السلطان؛ و وَلِى فلَاناً و عَلَيْهِ: نصره، و وَلِى فُلَاناً وَلَايةً: أحبّه؛ و وَلِى الْبَلَدَ: تسلّط عليه.

  • و الوالى اسم فاعل، و منه: والى البَلَد للمتسلّط عليها و حاكمها، لأنه يلي القوم بالتدبير و الأمر و النهي؛ و الجمع وُلَاة. و الوَلَاءُ كسماء: الملك، و المحبّة، و النصرة، و القرب، و القرابة.

  • و الوَلاءَةُ بالفتح: القرابة، و الوَلَايةُ بالفتح: مصدر؛ و هي أيضاً بمعنى البلاد التي يتسلّط عليها الوالى، و الجمع: وَلَايَاتٌ.

  • و الوِلَايَةُ بالكسر: الخِطّة، و الإمارة و السلطان؛ و البلاد التي يتسلّط عليها الوالى، و هذه مولَّدة.

  • و الوَلِيّ كغنيّ: المطر يسقط بعد المطر، أو المطر بعد الوسمي، و الجمع: أوْلِيَةٌ، و النسبة إليه: وَلَويّ. و في «المصباح»: «الوَلِيّ فعيل بمعني فاعل من ولِيَهُ إذا قام به؛ و منه: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا»، و الجمع: أوْلِيآء؛

معرفة الإمام ج۵

6
  • قال ابن فارس: كُلُّ مَنْ وَلِى أمْرَ أحَدٍ فَهُوَ وَلِيُّهُ؛ و قد يطلق الوليّ على (المُعْتِق)، و (المُعْتَق)، و ابن العمّ، و الناصر، و حافظ النسب، و الصديق، ذكراً كان أو انثى. و قد يؤنّث بالهاء فيقال: هي وَلِيَّةٌ؛ قال أبو زيد: سمعتُ بعض بني عقيل يقول: هُنَّ وَلِيّاتُ اللهِ وَ عَدُوّاتُ اللهِ وَ أوْلِيَاؤُهُ وَ أعْداؤُهُ.

  • و يكون الوليّ بمعنى مَفعول في حقّ المطيع فيقال: «الْمُؤمِنُ وَلِيّ اللهِ».

  • و جاء في «مجمع البحرين»: أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ1 يَعْني: أحَقَّهُمْ بِهِ وَ أقْرَبَهُمْ مِنْهُ، مِنَ الْوَلِيّ؛ وَ هُوَ الْقُرْبُ.

  • و قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ2 هي بالفتح: الربوبيّة. يعني: يومئذٍ يتولّون الله و يؤمنون به و يتبرّأون ممّا كانوا يعبدون.

  • و الوَلَاية بالفتح أيضاً: النصرة؛ و بالكسر: الإمارة، مصدر وَلِيتُ؛ و يقال: هما لغتان بمعنى الدولة. و في «النهاية»: هي بالفتح: المحبّة، و بالكسر: التولية و السلطان. و مثله الوِلاء بالكسر- عن ابن السكّيت.

  • و الوَلِيّ و الوالى: و كلّ من ولى أمر أحد فهو وليّه.

  • و الوَلِيّ: هو الذي له النصرة و المعونة.

  • و الوَلِي: الذي يدبّر الأمر. يقال: فُلَانٌ وَلِيّ الْمَرأةِ إذا كان يريد نكاحها.

  • و وَلِيّ الدم: من كان إليه المطالبة بالقِوَد.

  • و السلطان وليّ أمر الرعيّة، و منه قول الكُمَيْت الشاعر في حقّ أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام:

  • وَ نِعْمَ وَلِيّ الأمْرِ بَعْدَ وَلِيِّهِ***وَ مُنْتَجَعُ التَّقْوَى وَ نِعْمَ الْمُقَرَّبُ

    1. الآية 68، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 44، من السورة 18: الكهف.

معرفة الإمام ج۵

7
  • و قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.1 نزلت في حقّ على (بن أبي طالب) عليه السلام. عند المخالف و المؤالف حين سأله سائل و هو راكع في صلاته فأومأ إليه بخنصره اليمني، فأخذ السائل الخاتم من خنصره؛ و رواه الثعلبيّ في تفسيره.

  • قال الشيخ أبو عليّ: و الحديث طويل، و فيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: اللَهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أمْرِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أهْلِي، عَلِيّاً أخِي، اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي.

  • قال أبو ذر: فوالله ما استتمّ الكلام حتى نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد! إقرأ:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • قال [أبو على]: المعنى: الذي يتولّى تدبيركم ويلي اموركم، الله و رسوله و الذين آمنوا، الذين هذه صفاتهم، الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون.

  • قال الشيخ أبو على: قال جار الله2: إنّما جيء به على لفظ الجمع- و إن كان السبب فيه رجلًا واحداً- ليرغّب الناس في مثل فعله، و لينبّه أنّ سجيّة المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ و الإحسان. ثمّ قال الشيخ أبو عليّ: و أقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم، فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه (من قِبل جار الله).

    1. الآية 55، من السورة 5: المائدة.
    2. جار الله لقب الزمخشريّ صاحب تفسير« الكشّاف» المعروف.

معرفة الإمام ج۵

8
  • فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحّة إمامة على (بن أبي طالب) عليه السلام بعد النبيّ (الأكرم) صلّى الله عليه و آله و سلّم بلا فصل.

  • و نقل أنه اجتمع جماعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: إن كفرنا بهذه الآية، كفرنا بسائرها! و إن آمنّا، صارت فيما يقول، و لَكِنَّا نَتَوَلّى وَ لَا نُطِيعُ عَلِيّاً فيما أمَرَ، فَنَزَلَتْ: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها.

  • و قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ1 روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنها نزلت في الإمرة. يعني في الإمارة أي: هو صلّى الله عليه و آله و سلّم أحقّ بهم من أنفسهم حتى لو احتاج إلى مملوك لأحد هو محتاج إليه، جاز أخذه منه.

  • و منه الحديث: النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أولى بكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ وَ كَذَا عليّ مِنْ بَعْدِهِ.

  • و قوله تعالى: لم يكن له و لي من الذل.2 الوليّ ما يقوم مقامه في امور تختصّ به لعجزه، كوليّ الطفل و المجنون.

  • [و بناءً على هذا] فيلزم أن يكون محتاجاً إلى الوليّ، و هو محال لكونه غنيّاً مطلقاً.

  • و أيضاً إن كان الوليّ محتاجاً إليه تعالى لزم الدور المحال، و إلّا كان مشاركاً له [و كلاهما محال].

  • و قوله تعالى: أنت و ليي في الدنيا و الآخرة3 أي: أنت تتولّى

    1. الآية 6، من السورة 33: الاحزاب.
    2. الآية 111، من السورة 17: الإسراء.
    3. الآية 101، من السورة 12: يوسف.

معرفة الإمام ج۵

9
  • أمري في الأولى و العُقبى، و أنت القائم به.

  • و قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ1.

  • قال الصادق عليه السلام: يَعْنِي مِنْ ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ إلى نُورِ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ لِولَايَتِهمْ كُلَّ إمامٍ عادِلٍ مِنَ اللهِ.

  • وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ2.

  • قال: «إنّما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام، فلمّا تولّوا كلّ إمام جائر ليس من الله، خرجوا بولايتهم إيّاه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب لهم النار مع الكفّار».

  • و جاء في «النهاية» لابن الأثير قوله: «في أسماء الله تعالى الولِيّ، و هو الناصر. و قيل: المتولّي لُامور العالم و الخلائق القائم بها.

  • و من أسمائه عزّ و جلّ الوالى، و هو مالك الأشياء جميعها المتصرّف فيها. و الوِلَاية تشعر بالتدبير و القدرة و الفِعل. و ما لم يجتمع ذلك فيها، لم ينطلق عليها اسم الوالى [إلى أن يقول:]

  • و قد تكرّر ذكر المَوْلَى في الحديث: و هو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الرَّبُّ، و المالِكُ، و السَيِّد، و المنْعِم، و المُعْتِق، و الناصِر، و المُحِبّ، و التابع، و الجار، و ابنُ العَمّ، و الحَلِيف، و العَقيد، و الصِهْر، و العَبد، و المُعْتَق، و المُنْعَمُ عَلَيْهِ، و أكثرها قد جاءت في الحديث، فيضاف كلّ واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه.

  • و كلّ من ولى أمراً أو قام به فهو مَوْلَاهُ وَ وَلِيُّهُ.

    1. ( 1 و 2)- الآية 257، من السورة 2: البقرة.
    2. ( 1 و 2)- الآية 257، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۵

10
  • و قد تختلف مصادر هذه الأسماء. فالوَلَاية بالفتح في النَّسَب، و النُّصْرَةَ، و المُعْتِق. و الوِلَاية بالكسر في الإمارَةَ، و المُعْتَق. و المُوالاة من الفعل و إلى الْقَوْمَ. و منه الحديث [عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم]: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. و يحمل [المَوْلَى في هذا الحديث] على أكثر الأسماء المذكورة.

  • قال الشافعيّ: يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ.

  • و قول عمر لعلى بن أبي طالب: أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مَؤْمِنٍ، أي وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ.

  • و قيل: سبب ذلك أنّ اسامَةَ قال لعلى: لَسْتَ مولاي، إنَّما مولاي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • و ذكر الزمخشريّ في «أساس البلاغة» هذا الكلام نفسه، أعني أنه تحدّث حول الوليْ، و الوَلَاءَ، و الوَلِيّ، و المَوْلَى.

  • و جاء في «تاج العروس»: للوَلِيّ معان كثيرة منها: المُحِبّ؛ و هو ضدّ العدوّ؛ اسم من وَالاهُ إذا أحبّه. و منها: الصديق، و منها: النصير من وَالاهُ إذا نصره.

  • و (وَلِى الشَّيء) و وَلِيَ (عَلَيْهِ وِلَايَةً وَ وَلَايَةً) بالكسر و الفتح؛ أو هي، أي: بالفتح، المصدر؛ و بالكسر: الاسم، مثل: الإمارة، و النِقابَةَ؛ لأنه اسم لما تولّيته و قمت به. فإذا أرادوا المصدر فتحوا، هذا نصّ سيبويه.

  • و قيل: الوِلَاية بالكسر: الخِطَّةُ، و الإمارَة. و نصّ «المُحْكَم» كالإمارة. قال ابن السكّيت: الوِلَاية بالكسر: السلطان.

  • و بعد أن يذكر معاني متنوّعة للمَوْلَى كما قلنا، يقول: المَوْلَى و كذلك

معرفة الإمام ج۵

11
  • الوليّ: الذي يَلَي عَلَيْكَ أمْرَكَ. و هما [المَوْلَي و الوَلِيّ] بمعنى واحد. و منه الحديث: أيُّما امْرَأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا. و رواه بعضهم: بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا.

  • و روى ابن سلام عن يونس أنه قال: انّ المَوْلَى في الدِّينِ هُوَ الْوَلِيّ؛ و ذلك قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ. أي: لَا وَلِيّ لَهُمْ. و منه الحديث: مَن كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ؛ أي: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ.

  • إلى أن يقول: [و من معاني الوليّ التي جاءت في أسمائه تعالى]:

  • الناصر. و قيل: الْمُتَوَلِّي لُامُورِ الْعَالَمِ الْقَائِمُ بِهَا. و قيل: معنى الوَلِيّ هنا الوالى، وَ هُوَ مالِكُ الأشْيَاءِ جَميعها الْمُتَصَرِّفُ فِيها.

  • و قال ابن الأثير: و كأنّ الوَلَاية تشعر بالتدبير، و القدرة، و الفِعل، و ما لم يجتمع فيها ذلك، لم يطلق عليها اسم الوالى.

  • و يقال: وَلِيّ اليتِيم لمن يقوم بشؤونه و يتكفّله؛ و وَلِيّ المرأة لمن يجري نكاحها بإشرافه و لا يقبل أن تنكح بإذنها و بدون إرادته؛ و جمع الوَلِيّ: أوْلِيَآءِ.

  • الوَلِيّ أو فعيل بمعنى الفاعل؛ أي: من توالت و تتابعت طاعاته لله دون أن يفصل بينها معصية و إثم؛ أو بمعنى المفعول، أي: من انصبّت عليه نعم الله متوالية متتابعة بلا فصل.

  • و ذكر «لسان العرب» ما نقلناه بذاته هنا عن «النهاية» لابن الأثير، و عن «تاج العروس»، لذلك نتجنّب تكراره هنا.

  • و يقول الراغب الإصفهانيّ في «المفردات» الْوَلاءُ و التَّوالى أنْ يَحْصُلَ شَيْئانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُما ما لَيْسَ مِنْهُمَا.

  • و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان، و من حيث النِّسبة، و من

معرفة الإمام ج۵

12
  • حيث الدِّين، و من حيث الصَّداقة، و النُّصرة، و الاعتقاد.

  • و الوِلَاية (بالكسر): النُّصْرَة؛ و الوَلَاية (بالفتح): تولّي الأمر؛ و قيل: الوِلَاية، و الوَلَاية نحو الدِّلالة و الدَّلالة، و حقيقته تَولِّي الأمر.

  • و الوَلِيّ و المَوْلَى يستعملان في ذلك كلُّ واحد منهما يُقال في معنى الفاعل، أي: المُوالى، و في معنى المفعول، أي، المُوالى.

  • يقال للمؤمن: هُوَ وَلِيّ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، و لم يَرِدْ مَوْلَاهُ؛ و قد يُقال: اللهُ تعالى وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَوْلَاهُمْ.

  • فمن الأوّل (يعني معنى الفاعل) قال الله تعالى: 1- اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا. 2- و لي الله. 3- وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. 4- ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا. 5- نِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ. 6- وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى. 7- قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ. 8- وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ. 9- ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ.

  • و الوالى الذي في قوله: وَ مَا لَهُم مِن دُونِهِ مِن والٍ بمعنى الوليّ.

  • ثمّ ذكر الراغب كثيراً من الآيات القرآنيّة التي جاء فيها اسم الولي، و نفت الولاية عن غير الله، و نهت عن اتّخاذ اليهود و النصارى أوليآء، و اتّخاذ أعداء الله أوليآء. و نقل كثيراً من الآيات التي وردت فيها مشتقّات هذه المادّة مع معانيها المناسبة.1

  • المعنى الاصليّ و الحقيقيّ للولاية

  • حقّاً فقد نقلنا هنا ما كان ضروريّاً من كتب اللغة حول معنى الولاية و مشتقّاتها لكي يطّلع الخبير البصير على خصوصيّات المعاني و مواضع استعمالها. و يستوعبها بالتدبير و التأمّل، و يفهم أنّ هذه المعاني المتنوّعة

    1. «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الإصفهانيّ، ص 533، مادّة« ولي».

معرفة الإمام ج۵

13
  • للولاية، و الوَليّ، و المَوْلَى و غيرها جميعها- حيث قال في «تاج العروس» بأنّ للوليّ واحداً و عشرين معنى- تحوم حول معنى واحد هو أصل معنى الولاية و جذره، و نقلت المعاني الأخرى أيضاً مستعارة من ذلك المعنى؛ أو أنّ أصل معنى الولاية في هذه المواضع جميعها محفوظ؛ و غاية الأمر إنّهم لاحظوا- لسبب من الأسباب- المعنى الأصليّ بانضمام خصوصيّة أخذوها بنظر الاعتبار في الاستعمال.

  • و أصل ذلك المعنى هو الذي أتى به الراغب في «المفردات» حيث قال في مادّة وَلْي. الْوَلَاءُ و التَّوالى أنْ يَحْصُلَ شَيئانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا. أي: لا حجاب، و لا مانع، و لا فصل، و لا افتراق، و لا غيريّة، و لا بينونة بينهما بحيث لو فرضنا وجود شيء بينهما فهو منهما؛ لا من غيرهما.

  • مثلًا، يسمّون مقام الوحدانيّة بين العبد و ربّه حيث لا حجاب في أيّ مرحلة من مراحل الطبع، و المثال، و النفس، و الروح، و السرّ: ولايةً.

  • و يسمّون مقام الوحدة بين الحبيب و المحبوب، و العاشق و المعشوق، و الذاكر و المذكور، و الطالب و المطلوب حين ينعدم أيّ انفصال بينهما بأيّ وجه من الوجوه: ولاية.

  • و في ضوء ذلك، فإنّ الله تعالى وليّ الكائنات جميعها في عالم التكوين بشكل مطلق. و إنّ الكائنات جميعها أيضاً و بلا استثناء وليّة الله تكويناً؛ لأنه لا حجاب بين الله الربّ و بين المربوبين إلّا أن يكون ذلك الحجاب منهما؛ و أمّا في عالم التشريع و العرفان، فإنّ ولاية الحقّ تخصّ الذين اجتازوا مراحل الشرك الخفيّ تماماً، و اخترقوا الحجب النفسانيّة كلّها، و قرّ قرارهم في النقطة الأصليّة و حقيقة العبوديّة.

  • و بهذا الميزان يقال لكلّ واحد من طرفي النسبة و الإضافة: وليّ،

معرفة الإمام ج۵

14
  • أيّ: زالت البينونة و الغيريّة تماماً، و ظهرت هُوَ الْهوِيَّة.

  • هذه هي حقيقة الولاية؛ و من هنا نرى: أوّلًا: أنّ جميع آثار و خصوصيّات الوليّ بمعنى الفاعل مشهودة في الوليّ بمعنى المفعول، و كالمرآة تعكس وجه صاحب الصورة كلّه دون أدنى حبّ للظهور.

  • و ثانياً: أنّ جميع المشتقّات المنبثقة عن الوليّ، و جميع المعاني المذكورة لهذه الكلمة ترتكز على هذا الأساس، و تقوم على هذا الميزان؛ و ذلك لأنّ شرط الولاية هو القُرب. و للقرب أشكال متنوّعة، حيث لوحظت حقيقة الولاية تلك في كلّ مظهر من مظاهر القرب، بكلّ ما للكلمة من معنى، مع ملاحظة هذه الخصوصيّة.

  • و على هذا لا يصحّ أن نقول بأنّ الوَلاية، و الوَلِيّ، و المَوْلَى و ما يتفرّع عنها من مشتقّات تستعمل في معانٍ متنوّعة هي على نحو الاشتراك اللفظي، لا، فالأمر ليس كذلك، بل هي على نحو الاشتراك المعنويّ و استعمال اللفظ في ذلك المعنى الواحد، حيث اخذ بنظر الاعتبار نوع من خصوصيّة القرب من ذلك المعنى العامّ بواسطة قرينة حالية أو لفظيّة. و هذا اللون من الاستعمال حقيقيّ في جميع موارد الاستعمال.

  • و في ضوء هذا الكلام، فإنّنا حيثما وجدنا مفردات الوَلاية، أو الوَليّ، أو المَوْلَى و غيرها، و ليست معها قرينة تدلّ على خصوص أحد مصاديقها، فلا مناص لنا أن نأخذ بعين الاعتبار المعنى العامّ دون أيّ قيد، فنعتبره المراد من تلك المفردات. فمثلًا لو قيل: الولاية لله، فلا بدّ أن نقول: أنّ المراد هو معيّة الله لجميع الكائنات. و لو قيل: بلغ فلان مقامَ الوَلاية، فلا بدّ أن نقول: إنّه بلغ مرحلة من مراحل السير و السلوك و العرفان و الشهود الإلهيّ زال معها كلّ حجاب من الحجب النفسانيّة بينه و بين الحقّ جلّ شأنه، و اضمحلّت شوائب الفرعونيّة و الربوبيّة كلّها في وجوده، و ظفر

معرفة الإمام ج۵

15
  • بمقام العبوديّة المطلقة المجرّدة للحقّ جلّ و عزّ.

  • و يتّضح في ضوء هذا الكلام الذي ذكرناه أنه حيثما استعملت الوَلاية، أو الوَلِيّ، فإنّ هناك لوناً من الاتّحاد و الوحدة قائم بين شيئين، و قد أتوا بهذه المفردة في ضوء ذلك الأصل. فهناك مثلًا نسبة بين المالِك و المَمْلُوك، و هذه النسبة قد ربطتهما و شدّت أحدهما بالآخر، لذا يقال لكلّ واحد منهما: وليّ. و كذلك النسبة بين السيّد و عبده، و النسبة بين المُنْعِمِ و المُنْعَمِ عليه. فإنّها جعلتهما تحت عنوان خاصّ، حيث يقال لكلّ واحد من هذين الاثنين: وليّ. و النسبة الموجودة بين المُعتِق و المُعتَق أتت بهذا العنوان تالياً لها. و هكذا النسبة القائمة بين الحليفين، و العقيدين، و بين الحَبيب و المُحِبّ.

  • و يسمّى الصِهْرُ وَلِيّاً لأنه يعتبر أحد أفراد الأسرة في كثير من شئونها بسبب القرابة الحاصلة من وراء مصاهرته؛ و يسمّى الجارُ وَلِيّاً لأنّ له أحكاماً و احترامات خاصّة بسبب القرب المكانيّ؛ و يسمّى ابْنُ العَمِّ وَلِيّاً لأنه أحد أفراد العاقلة، و تقع عليه دية الخطأ، و له في كثير من الحالات حكم الأخ، و المعين.

  • و حيثما كانت هناك قرينة خاصّة لإرادة أحد المعاني، فينبغي أن نحمل اللفظ عليه، و إلّا تبادر إلى الذهن معنى الولاية العامّة بلا قرينة؛ و كان ذلك المعنى هو مراد المتكلّم. و من المعلوم أنّ المالكيّة في التدبير، و ولاية الأمر، و القيام بمسائل المولّى عليه نتائج متمخّضة عن الولاية، و ليست أصل حقيقتها و معناها المطابق لها، و حيثما لوحظ أنهم فسّروا الولاية أحياناً بالحكومة، و الإمارة، و السلطان، و المراقبة و الحراسة، فإنّما كان تفسيراً بلوازم المعنى، لا تبياناً للمعنى الحقيقيّ.

  • بحث الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ حول معنى الولاية

  • و على هذه الوتيرة، فإنّ استاذنا الكريم سماحة آية الحقّ و العرفان

معرفة الإمام ج۵

16
  • و سند العلم و الإيقان المرحوم آية الله الطباطبائيّ أفاض الله علينا من بركات نفسه و تربته الشريفة قال في رسالة «الوِلَايَة»1 و في تفسير «الميزان»: الْوَلَاية هِيَ الْكَمالُ الأخيرُ الْحَقِيقِيّ لِلإنْسَانِ وَ إنَّهَا الْغَرَضُ الأخِيرُ مِنْ تَشْرِيعِ الشَّرِيعَةِ الْحَقَّةِ الإلَهيَّةِ.

  • و قال في التفسير: و الولاية و إن ذكروا لها معانٍ كثيرة، لكِنَّ الأصْلَ في مَعْنَاهَا ارْتِفَاعُ الْوَاسِطَةِ الْحَائِلَةِ بَيْنَ الشَّيْئَينِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا. ثمّ استعيرت لقرب الشيء من الشيء بوجه من وجوه القرب كالقرب نسباً، أو مكاناً، أو منزلة، أو بصداقة، أو غير ذلك.

  • و لذلك يطلق الوليّ على كلّ من طرفي الولاية، و خاصّة بالنظر إلى أنّ كلّا منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره. فالله سبحانه وَلِيّ عبده المؤمن، لأنه يلي أمره، و يدبّر شأنه فيهديه إلى صراطه المستقيم، و يأمره و ينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي، و ينصره في الحياة الدنيا و في الآخرة.

  • و المؤمن حقّاً وَلِيّ ربّه لأنه يلي منه إطاعته في أمره و نهيه، و يلي منه عامّة البركات المعنويّة من هداية، و توفيق، و تأييد و تسديد، و ما يعقّبها من الإكرام بالجنّة و الرضوان.

  • فأولياء الله- على أيّ حال- هم المؤمنون، فإنّ الله يعدّ نفسه وليّاً لهم

    1. و هي من نفائس الرسائل المؤلّفة للعلّامة التي ألّفها بصورة مستقلّة. و قد استنسختها من خطّ المؤلّف مع رسالة النبوّة و الإمامة التي الّفت بصورة مستقلّة أيضاً، مع سبع رسائل اخرى الّفت مجموعة في مجلّد واحد، و جلّدتها كلّها في مجلّد واحد، و لم تطبع هذه الرسائل أيّام حياة ذلك الفقيد العظيم. و لكن بعد رحيله، طبعت رسالة« الولاية» فقط ضمن رسالة في ذكراه عنوانها:« يادنامة مفسّر كبير استاد علّامه سيد محمّد حسين طباطبائي/ رسالة في ذكرى المفسّر الكبير الأستاذ العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ» من ص 251 إلى ص 305.

معرفة الإمام ج۵

17
  • في حياتهم المعنويّة، حيث يقول: وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.1

  • غير أنّ الآية التالية لهذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.2 و هي قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ المفسّرة لقوله: أوليآء الله، تأبي أن تكون الولاية شاملة لجميع المؤمنين، و فيهم أمثال الذين يقول الله سبحانه فيهم: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ.3

  • فإنّ قوله في الآية التالية: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ» يعرّفهم بالإيمان و التقوى مع الدلالة على كونهم على تقوى مستمرّة سابقة على إيمانهم من حيث الزمان؛ حيث قيل: ءَامَنُوا ثمّ قيل عطفاً عليه: وَ كَانُوا يَتَّقُونَ.

  • فدلّ على أنهم كانوا يستمرّون على التقوى قبل تحقّق هذا الإيمان منهم. و من المعلوم أنّ الإيمان الابتدائيّ غير مسبوق بالتقوى، بل هما متقاربان أو هو قبل التقوى، و خاصّة التقوى المستمرّة؛ فالمراد بهذا الإيمان مرتبة اخرى من مراتب الإيمان غير المرتبة الاولى منه. فقد تقدّم في الجزء الأوّل من الكتاب آية 130 من سورة البقرة أنّ لكلّ من الإيمان و الإسلام، و كذا الشِّرك و الكُفر مراتب مختلفة بعضها فوق بعض.

  • فالمرتبة الاولى من الإسلام إجراء الشهادتين لساناً و التسليم ظاهراً؛ و تليه المرتبة الاولى من الإيمان، و هو الإذعان بمؤدّى الشهادتين قلباً إجمالًا، و إن لم يسر إلى جميع ما يعتقد في الدين من الاعتقاد الحقّ.

  • و لذا كان من الجائز أن يجتمع مع الشرك من بعض الجهات، قال

    1. الآية 68، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 62، من السورة 10: يونس.
    3. الآية 106، من السورة 12: يوسف.

معرفة الإمام ج۵

18
  • تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ.

  • و لا يزال إسلام العبد يصفو و ينمو حتى يستوعب تسليمه لله سبحانه في كلّ ما يرجع إليه، و إليه مصير كلّ أمر.

  • و كلّما ارتفع الإسلام درجة ورقي مرتبة، كان الإيمان المناسب له الإذعان بلوازم تلك المرتبة حتى يسلم العبد لربّه حقيقة معنى إلوهيّته، و ينقطع عنه السخط و الاعتراض، فلا يسخط لشيء من أمره، من قضاء و قدر و حكم، و لا يعترض على شيء من إرادته، و بإزاء ذلك الإيمان اليقين بالله و جميع ما يرجع إليه من أمر، و هو الإيمان الكامل الذي تتمّ به للعبد عبوديّته.

  • قال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.1

  • و الأشبه أن تكون هذه المرتبة من الإيمان أو ما يقرب منه هو المراد بالآية، أعني: قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ فإنّه الإيمان المسبوق بتقوى مستمرّة دون الإيمان بمرتبته الاولى كما تقدّم.

  • على أنّ توصيفه أهل هذا الإيمان بأنهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبوديّة و المملوكيّة المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ الملك لله وحده لا شريك له، و أن ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته أو يحزن لفقده.

  • و ذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها، و الحزن إنما يطرأ عليها لفقد ما تحبه أو تحقّق ما تكرهه ممّا يعود إليها نفعه

    1. الآية 65، من السورة 4: النساء.

معرفة الإمام ج۵

19
  • أو ضرره. و لا يستقيم تحقّق ذلك إلّا فيما يرى الإنسان لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك.

  • و أمّا ما لا علاقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلًا، فلا يخاف الإنسان عليه، و لا يحزن لفقده البته.

  • و الذي يرى كلّ شيء ملكاً طلقاً لله سبحانه لا يشاركه في ملكه أحد، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء حتى يخاف في أمره أو يحزن.

  • و هذا هو الذي يصفه الله من أوليائه، إذ يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • فهؤلاء لا يخافون شيئاً و لا يحزنون لشيء لا في الدنيا و لا في الآخرة إلّا أن يشاء الله، و قد شاء أن يخافوا من ربّهم و أن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم. و هذا كلّه من التسليم لله.

  • و بعد بحث بليغ لسماحة العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه حول اتّصاف أوليآء الله بعدم الخوف و عدم الحزن، و أنّ القرائن تفيد بأنّ هاتين الصفتين تتحقّقان لهم في هذه الدنيا، و أنّ الآية تبيّن أحوالهم فيها، يقول في ختام بحثه:

  • و الآية تدلّ على أنّ هذا الوصف إنّما هو لطائفة خاصّة من المؤمنين يمتازون عن غيرهم بمرتبة خاصّة من الإيمان تخصّهم دون غيرهم من عامّة المؤمنين، و ذلك بما يفسّرها من قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ بما تقدّم من تقرير دلالته.

  • و بالجملة فارتفاع الخوف من غير الله و الحزن عن الأولياء ليس معناه أنّ الخير و الشرّ، و الضرر و النجاة و الهلاك، و الراحة و العناء، و اللذّة و الألم، و النعمة و البلاء متساوية عندهم و متشابهة في إدراكهم، فإنّ العقل

معرفة الإمام ج۵

20
  • الإنساني، بل الشعور العامّ الحيوانيّ لا يقبل ذلك. بل معناه أنهم لا يرون لغيره تعالى استقلالًا في التأثير أصلًا، و يقصرون الملك و الحكم فيه تعالى فلا يخافون إلّا إيّاه أو ما يحبّ الله و يريد أن يحذروا منه أو يحزنوا عليه.

  • إنّ التوحيد الكامل يقصر حقيقة الملك في الله سبحانه، فلا يبقى لغيره شيء من الاستقلال في التأثير حتى يتعلّق به لنفسه حبّ أو بغض، أو خوف أو حزن، أو فرح أو أسى، أو غير ذلك.

  • و إنّما يخاف هذا الذي غشيه التوحيد و يحزن أو يحبّ أو يكره بالله سبحانه و يرتفع التناقض حينئذٍ بين قولنا: إنّه لا يخاف شيئاً إلّا الله، و بين قولنا: إنّه يخاف كثيراً ممّا يضرّه و يحذر اموراً يكرهها، فافهم ذلك.1

  • و ذكر صاحب تفسير «بيان السعادة» أيضاً مجملًا للتفصيل الذي أتى به العلّامة في ذيل الآية: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ حول معنى الولاية، و قال:

  • الوَلَاية بالفتح: و التصرّف و النصرة و التربية؛ و بالكسر: السلطنة و الإمارة؛ و قرئ بهما [بالفتح و الكسر] و هُنَالِكَ اسم إشارة يشار به إلى المكان؛ و المراد به مرتبة من النفس لتشبيهها بالمكان؛ يعني في تلك الحال التي ينقطع آمال النفس من كلّ ما سوى الله، يظهر لها أنّ الولاية لله، الذي يظهر أنه كان حقّاً لا غير. لذلك كانت ولايته باقية و ولاية غيره باطلة.

  • إذن، ففائدة التوصيف الإشعار بظهور كونه تعالى حقّاً حينئذٍ و كون غيره باطلًا.2

    1. «تفسير الميزان» ج 10، من ص 89 إلي ص 93. مطبعة الحيدريّ بطهران.
    2. «تفسير بيان السعادة» الطبعة الحجريّة، ص 438.

معرفة الإمام ج۵

21
  • كلام العلّامة الطباطبائيّ في تفسير قوله تعالى: هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ ..

  • أمّا العلّامة نفسه فقد قال في مستهلّ كلامه عند تفسير الآية الكريمة المرقّمة 44 من سورة الكهف، و هي قوله: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً.

  • القراءة المشهورة بفتح الواو، و قري بكسرها، و المعنى واحد. و ذكر المفسّرون أنّ الإشارة بقوله: هُنالِكَ إلى معنى قوله: احِيطَ بِثَمَرِهِ. أي: في ذلك الموضع أو في ذلك الوقت، و هو موضع الإهلاك و وقته الولاية لله.

  • و أنّ الولاية بمعنى النصرة؛ أي: أنّ الله سبحانه و تعالى هو الناصر للإنسان حين يحيط به البلاء، و ينقطع عن كافّة الأسباب لا ناصر غيره.

  • و هذا معنى حقّ في نفسه لكنّه لا يناسب الغرض المسوق له الآيات،1 و هو بيان أنّ الأمر كلّه لله سبحانه و هو الخالق لكلّ شيء المدبّر لكلّ أمر، و ليس لغيره إلّا سراب الوهم و تزيين الحياة لغرض الابتلاء و الامتحان.

  • و لو كان كما ذكروه، لكان الأنسب توصيفه تعالى في قوله: لِلَّهِ الْحَقِ بالقوّة، و العزّة، و القدرة، و الغلبة و نحوها، لا بمثل الحقّ الذي يقابل الباطل، و أيضاً لم يكن لقوله: «هو خير ثواباً و خير عقبا» وجه ظاهر و موقع جميل.

  • و الحقّ- و الله أعلم- أنّ الوَلاية بمعنى مالكيّة التدبير، و هو المعنى

    1. هذه الآيات في سورة الكهف، و هي من الآية 32 إلى الآية 43. و مفادها إجمالًا:
      أنّ الله ضرب مثلًا، رجلين جعل لأحدهما جنّتين من أعناب و نخل لها أثمار مختلفة، و فجرّ خلالهما نهراً. فتباهى هذا الرجل و غرّ بكثرة ماله و نفره، و ظنّ أنّ القيامة لا تكون، و أنّ جنّته لا تبيد. و كان يقول( ما أظنّ إن) رُددت إلى ربّي لأجدنّ خيراً من جنّتي هذه. فنصحه صاحبه، فلم ينفع نصحه، حتى أباد الله جنّته على حين غفلة، و احيط بثمره فكان يقول:
      الويل لي كم أنفقت فيها، فيا ليتني لم اشرك بربّي أحداً.

معرفة الإمام ج۵

22
  • الساري في جميع اشتقاقاتها، كما مرّ في الكلام على قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.1

  • أي: عند إحاطة الهلاك، و سقوط الأسباب عن التأثير، و تبيّن عجز الإنسان الذي كان يرى لنفسه الاستقلال و الاستغناء أن ولاية أمره و كل شيء و ملك تدبيره لله، لأنه إله حقّ له التدبير و التأثير بحسب واقع الأمر.

  • و غيره من الأسباب الظاهريّة المدعوّة شركاء له في التدبير و التأثير باطل في نفسه لا يملك شيئاً من الأثر إلّا ما أذن الله له و ملّكه إيّاه، و ليس له من الاستقلال إلّا اسمه بحسب ما توهّمه الإنسان، فهو باطل في نفسه حقّ بالله سبحانه، و الله هو الحقّ بذاته المستقلّ الغنيّ في نفسه.

  • و إذا أخذ بالقياس بينه- تعالى عن القياس- و بين غيره من الأسباب المدعوّة شركاء في التأثير، كان الله سبحانه خيراً منها ثواباً، فإنّه يثيب من دان له ثواباً حقّاً، و هي تثيب من دان لها و تعلّق بها ثواباً باطلًا زائلًا لا يدوم؛ و هو مع ذلك من الله و بإذنه. و كان الله سبحانه خيراً منها عاقبة، لأنه سبحانه هو الحقّ الثابت الذي لا يفنى و لا يزول؛ و لا يتغيّر عمّا هو عليه من الجلال و الإكرام، و هي امور فانية متغيّرة جعلها الله زينة للحياة الدنيا، يتولّه إليها الإنسان، و يتعلّق بها قلبه حتى يبلغ الكتاب أجله، و إنّ الله لجاعلها صعيداً جرزاً.2

  • و ينبغي أن نعلم أنّ الوِلاية بالكسر في هذه القراءة المتداولة لم ترد في القرآن الكريم؛ بَيدَ أنّ الوَلاية بالفتح جاءت في موضعين: الأوّل: في الآية التي صدّرنا درسنا هذا بها و مرّ تفسيرها؛ و الثاني: في الآية 72 من

    1. الآية 55، من السورة 5: المائدة.
    2. «تفسير الميزان» ج 13، ص 340 و 341. طبع الآخوندي سنة 1386 ه-.

معرفة الإمام ج۵

23
  • السورة الثامنة: الأنفال:

  • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ.

  • ولاية المؤمنين لبعضهم مشروطة بالهجرة

  • المراد ب- «الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا» الطائفة الاولى من المهاجرين الذين هاجروا قبل نزول السورة؛ و المراد من قوله: وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا الأنصار الذين أووا النبيّ و المؤمنين المهاجرين و نصروهم؛ و كان المسلمون ينحصرون يومئذٍ في هاتين الطائفتين إلّا قليل ممّن آمن بمكّة فبقي فيها و لم يهاجر.

  • و قد جعل الله في هذه الآية ولاية بين المهاجرين و الأنصار، و بين المهاجرين أنفسهم، و بين الأنصار أنفسهم. و هذه الولاية أعمّ من ولاية الميراث، و ولاية النصرة، و ولاية الأمن.

  • فكلّ كافر آمن و هاجر ولايته نافذة عند الجميع. و بناءً على هذا، فالبعض من الجميع سيكون وَليّ البعض الآخر؛ و كلّ مهاجر وليّ كلّ مهاجر؛ و كلّ أنصاريّ وليّ كلّ أنصاريّ؛ و كلّ مهاجر وليّ كلّ أنصاريّ؛ و كلّ أنصاريّ وليّ كلّ مهاجر.

  • و كما قال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: لا شاهد على صرف الآية إلى ولاية الإرث بالمؤاخاة التي كان النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم جعلها في بدء الهجرة بين المهاجرين و الأنصار، و كانوا يتوارثون بها زماناً حتى نسخت [بآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ1].

    1. «تفسير الميزان» ج 9، ص 144 و 145.

معرفة الإمام ج۵

24
  • و الشاهد على عموميّة معنى الولاية في هذه الآية هو استثناء النصرة؛ لقولة: «و الذين آمنوا و لم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر»!

  • و على كلّ تقدير فلمّا لم يمكننا أخذ الولاية في هذه الآية بمعناها الحقيقيّ العامّ، و هو رفع الحجاب الكلّيّ، فإنّا مضطرّون إلى أخذها بمعناها العامّ الذي هو أقرب إلى المعنى الحقيقيّ، و هو هنا أعمّ من الولاية في الإرث، و الولاية في النصرة، و الولاية في الأمن من الضرر.

  • و إجمالًا، فإنّ المعنى الحقيقيّ للولاية ممّا نستنتجه من بحثنا هذا، هو أن يحصل شيئان فصاعداً حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما؛ و هذا هو المعنى الحقيقيّ لها، ثمّ استعاروا ذلك للقُرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و سائر صور القُرب؛ و هذا كلام الراغب، بَيدَ أنّ استاذنا العلّامة رضوان الله عليه قال بعد التأكيد و الإصرار على صحّة هذا المعنى في مجالات عديدة: «و الظاهر أنّ القرب الكذائيّ المعبّر عنه بالولاية، أوّل ما اعتبره الإنسان إنّما اعتبره في الأجسام و أمكنتها و أزمنتها؛ ثمّ استُعير لأقسام القرب المعنويّة على عكس ما ذكره الراغب لأنّ هذا هو المحصّل من البحث في حالات الإنسان الأوّليّة. فالنظر في أمر المحسوسات و الاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكّر في المعقولات و المعاني و أنحاء اعتبارها و التصرّف فيها.1

  • و لسنا هنا بصدد الخوض في الاختلاف بين الاتّجاهين؛ و إن كانت نظرية استاذنا العلّامة صائبة، و مدعومة بالدليل التجريبيّ و الحسّيّ، بَيدَ أنّ معنى الولاية- على التقديرين- واحد؛ و هو رفع الحجاب بين شيئين بحيث

    1. «تفسير الميزان» ج 6، ص 9.

معرفة الإمام ج۵

25
  • لا يفصل بينهما أيّ شيء آخر. و في ضوء ذلك فأينما قيل: لله وَلاية، و إنّه وَليّ و مَوْلى، فالقصد هو انعدام أيّ واسطة و حجاب بين ذاته المقدّسة و بين جميع الكائنات المُوَلّى عليها في عالم الإمكان تكويناً و تشريعاً غيره.

  • و لا يمكن لموجود أنّ يكون حاجباً بصورة مستقلّة؛ و يكون واسطة في الاتّصال بين ذاته، و نوره، و صفاته الجمالية و الجلالية، و بين الكائنات.

  • و كلّ ما يُفرض من حجاب و واسطة فهو منه، لا من غيره، و له معنى إليّ تبعيّ لا معنى استقلاليّ؛ و حيثما قلنا على نحو الإطلاق و بدون قيد و قرينة: رسول الله وليّ الله؛ و على وليّ الله، و الأئمّة الأطهار أوليآء الله، و لهم مقام الولاية، فمعنى ذلك أنهم بلغوا في مقام العرفان و الشهود درجة لم يبق معها أيّ حجاب و فصل بينهم و بين ربّهم غير أنفسهم و وجوداتهم؛ و لو كان هناك حجاب، فهو وجودهم نفسه، و هو الحجاب الأقرب، و واسطة الفيض على الموجودات.

  • و ليس هناك اختلاف في هذه المسألة سواء في الولاية التكوينيّة، أو التشريعيّة. و بكلمة بديلة، في الولاية الحقّة الحقيقيّة، أو الاعتباريّة. لأنّ من لوازم القرب الحقيقيّ- لا القرب المجازيّ و الاعتباريّ- هو الواسطة في الفيض، و تدبير الامور في عالم ما وراء الطبيعية. و هذا الأمر أمر قسريّ و ضروريّ بلغته ذواتهم المقدّسة. و طبيعيّاً فقد جاءتهم الولاية الاعتباريّة و التشريعيّة أيضاً تالية للولاية الحقيقيّة.

  • و بعد أن فرغنا من البحث اللغويّ للولاية إلى هنا بحمد الله و منّه، فإنّنا نعتزم الحديث عن كيفيّة الولاية التي كانت لُاولئك العظام، و عن أبعادها و جوانبها، في دروس عديدة قادمة، إن شاء الله تعالى.

معرفة الإمام ج۵

26
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّالِثُ وَ السّتّون وَ الرَّابِعُ وَ السّتُّون كِيفِيَّةُ الْوُصُولْ إلى مُقَامِ الْوَلَايَة

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۵

28
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلى العظيم

  •  

  •  

  • طيّ طريق الولاية منحصر في المواظبة على ذكر الله

  • قال الله الحكيم في كتاب الكريم:

  • أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.1

  • نجد في هذه الآيات أنّ الولاية الإلهيّة لا تتحقّق بمجرّد الإيمان البدائيّ، و ذلك في ضوء القرينة القائمة في تفسير قوله: أَوْلِياءَ اللَّهِ بقوله:

  • الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ. و إنّما تتحقّق بالإيمان الذي يأتى بعد ارتقاء معارج التقوى و العمل الصالح؛ فهو- إذَن- لون من الإيمان الراسخ الوطيد الذي يتلو الإيمان البدائيّ، و يكتسب بعد العمل في ضوئه، و بملازمة التقوى و العمل الصالح خلال مدّة مديدة. و يستوي الإيمان على سوقه قويّاً شيئاً فشيئاً بسبب ديمومته مقروناً بالعمل الصالح و التقوى، إلى أن تضمر الحجب النفسانيّة الحائلة بين العبد و الحقّ جلّ و عزّ تدريجاً؛ و تهزل نسائج الانشداد إلى المشتهيات المادّيّة و الأفكار و الهواجس الجسمانيّة، فإذا

    1. الآيات 62- 64، من السورة 10: يونس.

معرفة الإمام ج۵

29
  • الحجب تتمزّق، و حلقات الهوى تتفكّك تماماً نتيجة المثابرة و المواظبة على ذلك، فلا يظلّ أيّ حجاب بين العبد و ربّه. و هذا هو معنى الولاية؛ و كيفيّة الارتقاء إلى تلك الدرجة إجمالًا.

  • و لمّا كانت الولاية قائمة على ركيزتين: الله، و العبد؛ فإنّ الله يُسمّى وَلِيّاً و المؤمن يُسمّى وَلِيّاً إيضاً؛ الله من حيث الربوبيّة و الفاعلية، و العبد من حيث العبوديّة و التسليم و القابليّة. و هذه هي الولاية الإلهيّة، لأنّ رفع الحجاب بين العبد و المعبود قد تحقّق فعلًا.

  • و في المقابل ولاية الشيطان حيث لا يبقى حائل بينه و بين الشخص المتمرّد العاصي؛ فنرى الشيطان هو الذي يدير شئونه و يدبّرها و يتصرّف بها كيف يشاء؛ و يرتفع كلّ حجاب بينهما؛ فالشيطان ما فتئ فاعلًا، و هذا المسكين ما برح طيّعاً قابلًا، الشيطان وليّه، و هو وليّ الشيطان.

  • و إنّها لخسارة كُبرى أن يصبح الشيطان وليّ أحد، يتصرّف في شئونه بواسطة اتّحاده معه.

  • وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً.1

  • و قال جلّ من قائل:

  • قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.2

    1. الآية 119، من السورة 4: النساء.
    2. الآيتان 29 و 30، من السورة 7: الاعراف.

معرفة الإمام ج۵

30
  • و قال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.1

  • يدعو الشيطان إلى الفحشاء، و المنكر، و التباهي، و الاستكبار، و الشرك، و الكفر، و يجرف الإنسان إلى الضلال و الضياع، و يعده بالخلود في عالم الغرور؛ و يخيفه من الفقر و المصائب و المشاكل. و لكنّ الله يدعو إلى العدل، و المعروف، و الصلاح، و الإحسان، و التوحيد، و العرفان و الذوبان فيه.

  • و يهدي الإنسان إلى هذا الطريق، و يعده بالخلود في الآخرة، و البقاء و لقاء الله، و الفناء في أسمائه الحسنى و صفاته العليا، و ذاته القدسيّة المقدّسة؛ و يحذّر من الباطل، و العبث، و الغرور، و يدعو إلى دار السلام و مهد السعادة.

  • لذلك، فإنّ سبيل ولاية الله ينحصر في الابتعاد عن الشيطان و آرائه و أفكاره. أي: في الحركة من عالم الكثرات و الالتفات و الانشغال بعالم الغرور إلى عالم الوحدة، و العالم الأصيل و حقيقة العرفان و اللقاء الإلهيّ.

  • و اجتياز كثرات هذه العوالم و ظواهر هذه النشآت و الإعراض عنها و ذلك بالمضي قُدماً للورود في وادي العرفان الأيمن بنداء الله أكبر.

  • و لا يتحقّق هذا إلّا بنسيان الكثرة، و ذكر الله، و التفكّر المتواصل فيه، و البكاء على فراقه، و الاحتراق بنار هجرانه المتّقدة.

  • و ما أروع الآية المباركة إذ تكشف لنا هذه الحقيقة، و هي أنّ السبيل الوحيد للولاية هو ذكر الله، و أنّ الغفلة عن ذكره تؤدِّي إلى الانغماس في الضلالة، قال عزّ اسمه: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ

    1. الآية 27، من السورة 7: الاعراف.

معرفة الإمام ج۵

31
  • سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى.1

  • أوّلًا: نجد في هاتين الآيتين أنّ الحياة الوضيعة و الغرور الدنيويّ، و الانغماس في الشهوات، و الأفكار الباطلة، و الآراء السقيمة، كلّ ذلك ملازم للإعراض عن ذكر الله.

  • و ثانياً: نفهم من الآيتين أنّ غاية البلوغ العلميّ بنحو مطلق لا ترسو عند هذا المرفأ؛ بل أنّ هذا المرفأ هو غاية البلوغ العلميّ و الفكريّ لمن كان قصير النظر؛ و إنّ غاية البلوغ العلميّ للاشخاص الذين يذكرون الله دائماً ستكون في مكان آخر.

  • و ثالثاً: تبيّن الآيتان أنّ هؤلاء الأشخاص هم من أهل الضلالة؛ و أنّ الله أعلم بهؤلاء الضالين عن سبيله و مطّلع على أحوالهم؛ و كذلك تدلّ على أنّ هناك فئة غير هذه الفئة الغافلة عن ذكر الله؛ متّجهة إلى ذكره، و هي فئة المهتدين؛ و الله عالم بأحوالهم؛ و في ضوء ذلك فإنّ هذه الآية تكشف لنا بوضوح أنّ الضلال عن سبيل الله ناتج عن الغفلة عن ذكره؛ و أنّ الاهتداء إلى سبيله نابع عن ذكره. إذَن، فإنّ ذكر الله يؤدِّي إلى السلوك و بلوغ المقصود و مقام الولاية.

  • و تبيّن الآيات التي تضمّها سورة التكاثر بوضوح أنّ الاتّجاه إلى كثرات هذا العالم يحرم الإنسان من لقاء محبوبه، و من جنّة نعيم اللقاء و الولاية؛ و لذلك فإنّ الظفر بنعيم الولاية؛ و الحلول في منزل الأمن و الأمان الإلهيّين، و التمكّن في ذلك المقام الأمين دون أي حاجب و ساتر، يتوقّفان على نسيان الكثرات التي يعجّ بها هذا العالم.

  • أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا

    1. الآيتان 29، 30، من السورة 53: النجم.

معرفة الإمام ج۵

32
  • سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (التي هي حقيقة التوجّه إلى الكثرات، و باطن و حقيقة الالتفات لغير الله تعالى) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.1

  • لقد أثبتنا بحول الله و قوّته في الجزء الثامن من كتابنا «معرفة المعاد» في المجلس الثامن و الخمسين أنّ المُراد من النعيم هو مقام الولاية؛ و حيثما ورد في القرآن الكريم ذكر للنعيم و النعمة، فإنّ القصد هو الولاية؛ و في هذه الحالة تعتبر الآيات المشار إليها التكاثر، أي الالتفات إلى الكثرات و التكاثر مطلقاً، سواء كان في المال، أو الولد، أو النساء، أو المِلك و الضَيْعة، أو المُلك و الحكومة، أو العلم و المعرفة، أو الجاه و علوّ المنزلة، كلّه منبعث عن نسيان الوحدة؛ و لذلك يؤدّي إلى الضلال عن المقصود و نعمة الولاية و نعيمها؛ و بالتالى فإنّ الشخص الذي يُمنى بهذه الكثرات سيكون عرضة للسؤال و الاستنطاق عن فقدان الولاية؛ و بالملازمة فإنّها تعتبر النعيم، أي؛ الولاية و رفع حجاب الاثنينيّة و البينونة، و بلوغ مقام العبوديّة الخالصة متوقّفاً على نسيان الكثرات، و الإعراض عن عالم الاعتبار و الغرور و الباطل و الآمال الزائفة العابثة؛ و من المعلوم أنّ نسيان الكثرات لا يتيسّر إلّا بذكر الله؛ إذَن فذكر الله المتواصل يؤدّي إلى بزوغ نور الحقيقة، و الظفر بمقام الأمن، و التمكّن في مَنْزِلِ الوَلَاية.

  • طيّ طريق الولاية مبتنٍ على الإعراض التامّ عن غير الله

  • و إجمالًا فإنّ التحرّك نحو الله، و رفع الحجب النفسانيّة لا يتحقّقان بدون الإعراض التامّ عن الدنيا و زخارفها، و كسر صولة الشهوات، و قطع الارتباط مع عالم المجاز، و الاعتبار، و التفكير بالمصالح الخيالية، و الاعتباريّات الوهميّة، و التحلّي بالهمّة العالية. قال الله سبحانه

    1. آيات السورة 102: التكاثر.

معرفة الإمام ج۵

33
  • و تعالى: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.1

  • و الآية المباركة: وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا2. تدلّ على أنّ العازم على السفر تلقاء حرم الله ينبغي له أن يغضّ الطرف عن كلّ شيء غير الله و رضاه؛ و يتحرّى سبيل الإخلاص، و لا يلهث وراء شيء غير وجه الله و رضاه؛ و إلّا فإنّه سوف لن يصل إلى المقرّ المنشود.

  • قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.3

  • إنّ غفران الذنوب عبارة عن اقتلاع العقبات القائمة على الطريق، و إزالة عوامل التلويث النفسانيّة التي تبعث على تراكم الرين و الأوساخ على القلوب؛ و حبّ الله عبارة عن النفحة التي تصل إلى المؤمن؛ فتشدّه إلى الله دائماً.

  • ينبغي أن تكون عبادة طلّاب الولاية حبّاً للّه

  • و ينبغي أن نعلم بأنّ العبادة يمكن أن تكون على ثلاثة أوجه:

  • الأوّل: عبادة من أجل الطمع في الجنّة؛ الثاني: عبادة بسبب الخوف من النار؛ الثالث: عبادة لأجل حبّ الله و تقرّباً إليه ابتغاءً لِوَجْهِهِ؛ لا طمعاً و لا خوفاً. و ينبغي على السالكين إلى الله الذين يقصدون بلوغ الولاية و خالص العبوديّة أن يؤدّوا عباداتهم بل و أعمالهم جميعها على نحو الوجه الثالث الذي يعني الحبّ و العشق لله سبحانه تعالى.

    1. الآية 28، من السورة 18: الكهف.
    2. الآية 8، من السورة 73: المزّمل.
    3. الآية 31، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۵

34
  • ذلك لانّ الغاية من الوجهين الأوّلين هي إمّا الظفر بالراحة و الرخاء، و إمّا التخلّص و الابتعاد عن العذاب و الشقاء. فيكون القصد عندئذٍ بلوغ هوى النفس؛ و التوجّه إلى الله سبحانه هو من أجل تحقيق الرغبة النفسانيّة. و في هذه الحالة فإنّ الله واسطة للفوز و الفلاح و الرغبات النفسانيّة. و من المعلوم أنّ الواسطة من حيث الوساطة نفسها ليست الهدف الأساس؛ بل هي هدف عارض و تابع؛ و في ضوء ذلك فإنّ مثل هذه العبادة ليست لله حقيقة، بل هي من أجل إشباع الرغبات النفسانيّة؛ بَيدَ أنّ حقّ العبادة التي هي للحقّ حقّاً من النوع الثالث، حيث أنّ طلّاب الولاية يسيرون على تلك الوتيرة.

  • روى محمّد بن يعقوب الكُلَينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام أنه قال: [أنّ] الْعُبّادَ ثَلَاثَةٌ: قَوْمٌ عَبَدُوا اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَوْفاً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ؛ وَ قَوْمٌ عَبَدُوا اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى طَلَبَ الثَّوابِ، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأجَرَاءِ؛ وَ قَوْمٌ عَبَدُوا اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ حُبّاً لَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرارِ وَ هي أفْضَلُ الْعِبادَةِ.1

  • و جاء في «نهج البلاغة»: إنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجّارِ؛ وَ إنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ؛ وَ إنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرَارِ.2

  • و ذكر الصدوق في «الخصال» بسنده عن يونس بن ظبيان أنه قال:

  • قال الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: إنَّ النَّاسَ يَعْبُدُونَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ على ثَلَاثَةِ أوْجُهٍ: فَطَبَقَةٌ يَعْبُدُونَهُ رَغْبَةً في ثَوابِهِ، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْحُرَصَاءِ

    1. «اصول الكافي» طبع الحيدريّ، ج 2، باب العبادة ص 84.
    2. «نهج البلاغة» ج 2، الحكمة 237.

معرفة الإمام ج۵

35
  • وَ هُوَ الطَّمَعُ؛ و آخَرُونَ يَعْبُدُونَهُ فَرْقاً مِنَ النَّارِ، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبيدِ وَ هِيَ الرَّهْبَةُ؛ وَ لَكِنِّي أعْبُدُوهُ حُبّاً لَهُ عَزَّ وَ جَلَّ؛ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْكِرَامِ وَ هُوَ الأمْنُ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» وَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» فَمَنْ أحَبَّ اللهَ أحَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ مَنْ أحَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ مِنَ الآمِنِينَ.1

  • أجل حقّاً، فإنّ العبادة الحقيقيّة ليست معقولة بدون التوجّه إلى الله؛ لذلك يتضاعف التوجّه بمضاعفة العبادة المستمرّة؛ إلى أن تتراكم هذه التوجّهات تدريجاً فتصبح ملكة في النفس؛ و تورثها اليقين و المعرفة و الشهود. و هذا مبدأ عامّ و كلّيّ، فضلًا عن وجود الشواهد القرآنيّة و الروائيّة الجمّة عليه، فإنّ الاعتبار العقليّ يدعمه أيضاً؛ لأنّ حبّ كلّ شيء و الشوق إليه يؤدّي إلى الانشداد و التعلّق به؛ و هذا التوجّه الذي هو نفس العمل يوطّد ذلك الحبّ و الشوق و يرسّخه في القلب؛ و هذا الرسوخ الذي هو العلم يؤدّي إلى تأكيد رسوخ ذلك الشيء في القلب؛ و إذا ما استقرّ ذلك الشيء في القلب مؤكّداً، و أصبح ملكة، فإنّ ظهوراته ستنجلي، و آثاره و خواصّه كلّها ستشرق.

  • إلى أن يتمكّن الشخص العابد المتوجّه إلى محبوبه الحقيقيّ و معبوده الحقّ أن يشاهد ربّه تدريجيّاً؛ و يعرفه، و يعرف أيضاً نفسه و الكائنات كلّها في الله و مع الله؛ و في هذه الحالة فإنّ التوجّه العباديّ سيثبت في مكانه و يستقرّ في محلّه؛ لأنّ العبادة ما لم تتجسّد في رؤية المعبود على صعيد الشهود و الوجدان و الحضور، فإنّها ليست أكثر من عبادة تصوّريّة؛ و ليست حقّ عبادة المعبود؛ و ذلك لأنّ معبوده صورة فكريّة و ذهنيّة محدودة؛

    1. «الخصال» باب الثلاثة، الطبعة الحروفيّة، ص 188.

معرفة الإمام ج۵

36
  • و مطابق تلك الصورة أيضاً متوهَّم و محدود في الخارج؛ و ليس ذلك بالمعبود الحقيقيّ و المقصود الأصليّ؛ بل غير المقصود.

  • و من الطبيعيّ أنّ هذا اللون من العبادة ينبغي ألّا يحظى بالقبول من قبل الحقّ تعالى لكنّه قبله بفضله و برحمته. وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً.1

  • العارفون بالله يعبدون ذاته

  • و أمّا العارفون بالله و المقرّبون إلى حريمه المقدّس فإنّهم لا يعبدون الله بالمفهوم الفكريّ و الصورة الخيالية الذهنيّة أبداً، و لا يعبدون المعادل الخارجيّ لذلك المفهوم أبداً، بل أنّ عبادتهم تختصّ بالذات الحقيقيّة لربّهم جَلَّتْ عظمتُه؛ فهم يدعون الله حضوريّاً و شهوديّاً سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2 و سبيل الوصول إلى هذا الهدف هو تمكّن ذكر الله في القلب. قال تعالى:

  • فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.3

  • و هذا الشهود و العرفان له درجات و مراتب متنوّعة؛ و كلّما تحقّقت منه درجة، توفّرت المعرفة بقدرها؛ فالدرجة الأولى مشاهدة التوحيد الأفعالىّ، و الفناء فيه؛ و الدرجة الثانية مشاهدة التوحيد الاسميّ، و الفناء فيه؛ و الدرجة الثالثة مشاهدة التوحيد الذاتيّ، و الفناء في الذات المقدّسة للحقّ تعالى.

  • و لا يتحقّق الكمال لأحد إلّا إذا تحقّقت الدرجات الثلاث من الفناء فيه؛ و بكلام آخر، إذا فنى في فعل الحقّ و اسمه و ذاته؛ و لا بدّ للإنسان في

    1. الآية 21، من السورة 24: النور.
    2. الآيتان 159 و 160، من السورة 37: الصافّات.
    3. الآية 200، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۵

37
  • سيره إلى الحقّ تعالى أن يجتاز هذه المراحل الثلاث ليظفر بمقام التوحيد المطلق.

  • بَيدَ أنّ الموضوع اللافت للنظر هنا أنّ الإنسان لا يصل إلى أيّ مرقاة من مراقيه الكمالية هذه إلّا بفنائه و ببقاء ذلك الكمال في محلّه؛ لأنّ الفناء هو عبارة عن اجتياز الحدود العدميّة، لا اجتياز أصل الوجود.

  • لذلك فإنّ أصل الوجود باق في السير إلى الله، و في تحقّق هذه الدرجات من الفناء؛ و يتحقّق اجتياز الدرجات و المراتب حتى تخترق الحدود كلّها، فلا يبقى شيء إلّا الذات المقدّسة لوجود الحقّ المطلق تعالى شأنُهُ.

  • و لهذا نجد الإنسان في كلّ مرحلة من هذه المراحل يطلّع على جميع أنواع الفيوضات المترشّحة عن تلك المرتبة إلى مراتبها الأوطأ و الأدنى؛ و يتحقّق بتلك الآثار و خواصّها، حتى يصل إلى التوحيد الذاتيّ؛ فلا يبقى منه أيّ اسم و رسم وَ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ. و في ضوء ذلك، فإنّ أوليآء الله في كلّ منزل من المنازل، و في كلّ مرحلة من المراحل يتحقّقون بفيوضات ذلك المنزل، و تلك المرحلة، غاية الأمر أنّ ذلك ليس منهم، و إنّما هو من الله.

  • و عند ما يصلون إلى الغاية المنشودة، أي: العبوديّة المطلقة و الخالصة، و مقام الولاية، و ارتفاع الحجب النفسانيّة و الروحيّة كلّها؛ فلا يبقى بينهم و بين المعبود حجاب، و هذا هو مقام الولاية، فإنّهم عندئذٍ يسمّون و يتّصفون بجميع أسماء الحقّ و صفاته. و هذا هو مقام أوليآء الحقّ سبحانه و تعالى.

  • و قد ذكر الكبار من أهل الحكمة في كتبهم فصلًا في مقامات

معرفة الإمام ج۵

38
  • الأولياء؛ بينهم الشيخ الرئيس ابن سينا الذي بسط الكلام حول ذلك عموماً في النمط التاسع من إشاراته. و لمّا كان قصدنا في هذا الكتاب «معرفة الإمام» الحديث عن ولاية الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين على وجه الخصوص، لذلك نكتفي بمقدار قليل من الآيات و الروايات حول آثار الوليّ و صفاته المطلقة، حتى تستبين حالات اولئك العِظام و صفاتهم؛ و حيثما عثرنا في ما بعد على آية أو حديث في فضائلهم و مناقبهم و كراماتهم و معجزاتهم الباهرة، فلا ننظر إليها بعين التأمّل، لأنّ حالهم حاصل مقامهم؛ و حالنا حاصل مقامنا.

  • كار پاكان را قياس از خود مگير

  • گر چه باشد در نوشتن شير شير و لمّا كانت أسماء أوليآء الله و رسومهم قد فنيت في ذات الحقّ، فمسك الحقّ زمام امورهم بيده، فالله هو المتجلّى في الحقيقة، إذ تجلّى في مرآة وجودهم، و ولاية أمرهم مع الحقّ، و لن يتسنّى لأحد أبداً أن يطلّع على كمالهم النهائيّ و الغائيّ، لأنه قال عزّ من قائل: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً.1

  • صفات أولياء الله و مقاماتهم

  • إنّ أوليآء الله لمّا بلغوا البحر الواسع اللّامتناهيّ من الرحمة، و الجود، و الوجود؛ فلا يلحظ أثر من النقص عندهم؛ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ فلا يخافون فوت شيء منهم على نحو اليقين أو الاحتمال في المستقبل؛ و لا يأسون على شيء فقدوه في الماضي. و لو كان لشخص إناء فيه ماء، فإنّه يخاف من احتمال إراقته كلّه أو بعضه في المستقبل؛ و يأسى على إراقته في الماضي؛ لأنّ الماء هو رأسمال وجوده، و بفقدانه، يرى أنه قد فقد حياته.

    1. الآية 110، من السورة 20: طه.

معرفة الإمام ج۵

39
  • بَيدَ أنّ أوليآء الله يموجون في بحر الرحمة و هم عائمون في ذلك المحيط الخضمّ؛ متمكّنون في منهل الرحمة و فيض الوجود؛ مستقرّون في محلّ الأمن و الأمان الأمين؛ فكيف يُتصوّر صدق الفقدان عليهم، سواء فيما فاتهم أو فيما سيأتيهم؟

  • و هل ينقص ماء البحر إذا اغترف منه أحد شيئاً؟ و هل يزيد إذا أضاف إليه ماءً؟ لا يكون ذلك أبداً. و هكذا حال أوليآء الله وصفتهم.

  • إنّ أوليآء الله هم وجه الله؛ فهم باقون ببقاء الله. قال عزّ اسمه:

  • ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ.1 و قال تعالى:

  • كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.2

  • أنّ وجه كلّ شيء هو عبارة عمّا يواجهه الإنسان بواسطته؛ و وجه الأشياء ليس بمنفصل عنها؛ و لذلك فإنّ أوليآء الله الذين يمثّلون وَجْهَ الله متمكّنون في سُبُحات وجه الله من خلال خطواتهم الصادقة، و منصهرون في غمار أنواره؛ خارجون عن تبعة الأعمال، و لا يخصّون بزمان خاصّ أو مكان خاصّ.

  • فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.3

  • كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.4

  • يتّفق قرّاء القرآن بأجمعهم على أنّ (ذُو الْجَلَالِ) مرفوعة نعتاً للوجه، لا للربّ. و ليس أن يقال إنّها نعت مقطوع على تقدير هُوَ؛ لأنها

    1. الآية 96، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 88، من السورة 28: القصص.
    3. الآية 115، من السورة 2: البقرة.
    4. الآيتان 26 و 27، من السورة 55: الرحمن.

معرفة الإمام ج۵

40
  • في مقام نعت الوجه، لا نعت الربّ.

  • و الشاهد على هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ، و قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ في مقام بيان جمال الاسم و تقديسه؛ لاجمال الذات و تقديسها.

  • و لمّا كان الإكرام بمعنى الجمال، فالجلال و الإكرام في الآية الشريفة جامعان لصفات الجمال و الجلال؛ و لذلك فلا صفة من صفات الله العليا و لا اسم من أسمائه الحسنى خارجاً عن هاتين الصفتين؛ و أولياء الله الذين يمثّلون وجه الله، و يتصّفون بصفة و اسم الجمال و الجلال و الجميل و الجليل، يتمتّعون بصفات الحقّ و أسمائه كلّها.

  • و قد تمكّنوا في هذه الصفات و الأسماء حتى لم يبق لهم اسم و رسم، غير صفات الله و أسمائه. و قد كشف الغطاء؛ و ليس معهم و فيهم سوى اسم وجه الله المتّصف بنعتي: الجلال و الإكرام.

  • و اثر عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام قوله: لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ إلَّا خَلْقُهُ، فَقَدِ احْتَجَبَ بَغَيْرِ حِجَابٍ مَحجُوبٍ، و اسْتَتَرَ بِغَيْرِ سَتْرٍ مَسْتُورٍ- الحديث.1

  • فلا حجاب لأولياء الله إلّا وجودهم المرآتيّ و الآيتيّ، فهم ينتمون إلى الممكن لا الواجب؛ و طبيعيّاً فنحن نعلم أنّ وجودهم ظلّيّ و تابع و مرآتيّ و شبيه بالمرآة، و له معنى حرفيّ.

  • و من هذا المنطلق، ما جاءت به الرواية المأثورة عن مجيء الملائكة عند قبض روح وليّ الله، و إتيانهم برسالة من الله تبشّره بالجنّة، و قد كتب

    1. نسخة مخطوطة من رسالة الولاية للُاستاذ الفقيد آية الله العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه و قد استنسختها بخطّي، ص 32.

معرفة الإمام ج۵

41
  • فيها: مِنَ الْمَلِكِ الْحَيّ الْقَيُّوم إلى الْمَلِكِ الْحَيّ الْقَيُّومِ- الحديث.1

  • و كما قيل، فإنّ أوليآء الله في مقام القرب، و في الحجاب الأقرب؛ و قد سمّاهم الله: المقرّبين؛ لأنه ذكرهم و وصفهم باسم السابقين، و أثنى عليهم بصفة السابقين إلى الخيرات. قال تعالى: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.2 و قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ.3

  • و قد نفي الله عنهم كلّ لون من ألوان الشرك العلميّ و العمليّ، و وصفهم بأنهم من الموقنين بآيات الله و المشفقين منه، و عدّهم من المسارعين في الخيرات.

  • إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. إلى أن قال: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ.4

  • و قد وعد الله المقرّبين أن يرفع عن قلوبهم حجاب الجهل بالنسبة إلى عوالم الغيب؛ و أن يطلعهم على أسرار عالم علّيّين و المُلك و الملكوت.

  • قال جلّ من قائل: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ، كِتابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ.5

  • و قد وعدهم الله أن يبدّل وجودهم بحياة خالصة؛ و يرحمهم بنور6

  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص41

    1. نسخة مخطوطة من رسالة الولاية للُاستاذ الفقيد آية الله العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه و قد استنسختها بخطّي، ص 42.
    2. الآيتان 10 و 11، من السورة 56: الواقعة.
    3. الآية 32، من السورة 35: فاطر.
    4. الآيات 57- 61، من السورة 23: المؤمنون.
    5. الآيات 18- 21، من السورة 83: المطفّفين.
    6. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

42
  • معنويّ يمشون به في الأرض. قال تعالى: أ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها.1

  • لاولياء الله نور إلهيّ

  • و لأولياء الله نور إلهيّ يعيشون به بين الناس وهم في معاشرتهم و مخالطتهم للناس يتمتّعون بالحواسّ و القوى الربّانيّة، و قد ميّزوا بين العلم و الجهل، و الحقّ و الباطل و السعادة و الشقاء، و الإلهامات الرحمانيّة و الإلقاءات الشيطانيّة، و فرزوا بعضها عن بعض.

  • و بيّن الله أنّ هذا النور هو الروح ذو الفهم و العقل، و قد جعله لهداية من يشاء من عباده. قال عزّ اسمه:

  • وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا.2

  • أنّ الله تبارك و تعالى يهدي أوليآءه بنوره الخاصّ، أي بالنور الذي ينسبه إلى نفسه، و هم يستمتعون بهذا النور. قال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ.3 و قال:

  • يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ.4 و قال: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ.5

  • تفسير آية النور، و النور الخاصّ لاولياء الله

  • و يهدي الله بهذا النور الخاصّ أفراداً من عباده أكملوا إيمانهم

  • ج

    1. الآية 122، من السورة 6: الأنعام.
    2. الآية 52، من السورة 42: الشوري.
    3. الآية 8، من السورة 61: الصفّ.
    4. الآية 28، من السورة 57: الحديد.
    5. الآية 22، من السورة 39: الزمر.

معرفة الإمام ج۵

43
  • و أصبحوا في عداد الذين يشملهم قوله عزّ من قائل: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.1

  • يهدي خاصّة عباده بهذا النور الذي تشرق به السماوات و الأرض؛ و هو نور معنويّ يختصّ به، و يفوق جميع الأنوار الموجودة في السماوات و الأرض علوّاً و غلبةً و قوّة.

  • و ما أروع و أسمى الآيات الواردة في سورة النور، إذ تتكفّل بشرح هذا النور و كيفيّة نزوله في عالم الإمكان؛ و منه يهدي الله خاصّة عباده، و قد جعله في بيوت رفيعة عظيمة من حيث الشأن و المنزلة. قال: جلّ شأنه:

  • اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ2 فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.3

    1. الآية 37، من السورة 24: النور.
    2. كان الناس في قديم الايّام يستضيئون بالفوانيس التي تُضاء بالزيت أو النفط. و كانوا يعملون فتحة في الجدار على هيئة الرفّ فيضعون الفانوس هناك، و كانوا يسمّون هذه الفتحة بالكوّة أو المشكاة.
    3. الآيات 35- 38، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۵

44
  • يلاحظ في هذه الآيات أنّ الله قد أخبر بقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، و أنه قال بأنّ نوره نور السماوات و الأرض.

  • ثمّ جعل لنوره حجابين؛ و هما من نور أيضاً، و يضيئان من نوره؛ و تضيء السماوات و الأرض منهما أيضاً. أحدهما المشكاة و نورها أقلّ إذ تأخذه ممّا في داخلها؛ و في داخلها زجاجة تنير بواسطة المصباح.

  • فالمصباح- إذَن- يشعّ بالنور على الزجاجة التي هو في داخلها؛ و نور الزجاجة أكثر من نور المشكاة، و هو القيّم على النور. و لعلّ نور الأرض مكتسب من المشكاة؛ و يفوق ذلك نورُ السماوات من الزجاجة، لأنه يقول جلّ شأنه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ.1

  • و لم يرد في هذه الآية الشريفة ذكر لما وراء السماوات و الأرض، حتى يعلم من أين نوره. و كذلك لم يرد ذكر لمواصفات المصباح، غير أنه قال فقط: من شجرة زيتونة مباركة لا شرقيّة و لا غربيّة، لتُشرق عليها الشمس في بعض الاوقات، و لا تشرق في بعضها الآخر؛ و بالتالى فإنّ ثمرتها ستكون غير طريّة؛ بل هي تستمتع بنور الشمس المشرقة على العالم و تؤتي أفضل الأكل.

  • و قال كذلك: زيتها يضيء باستمرار و لو لم تمسسه نار.

  • ثمّ قال: مثل هذه المشكاة و ما في داخلها في بيوت أذِن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه، و بالغدوّ و الآصال كناية عن الاستمرار و المواظبة، رجال لا يلهيهم أمر من امور الدنيا عن الصلاة و الزكاة و القيام بالاعمال الصالحة.

  • نعم هؤلاء الرجال هم أوليآء الله، لأنه تعالى يصفهم بقوله: إنّهم

    1. الآية 5، من السورة 32: السجدة.

معرفة الإمام ج۵

45
  • غير غافلين عن ذكر الله، و عن العمل الصالح. و هم غير محجوبين عن ذكره أبداً، و غير ملتفتين إلى غير الله؛ بل هم متوجّهون إلى الله فقط؛ و هذا هو معنى الولاية، و أصحابها هم أوليآء الله.

  • اولئكم من المخلصين الأطهار الذين قطعوا درجات الإخلاص، فبلغوا منزل الخُلُوص؛ و اجتازوا اسم المخلِصين فأصبحوا من المخلَصِين.

  • اولياء الله هم من المخلَصين

  • أنّ المقرّبين و أولياء الحقّ تبارك و تعالى هم من المخلَصين لا محالة؛ و قد نزلت فيهم آيات من القرآن الكريم و وصفتهم أوّلًا: بأنهم بلغوا مقاماً و درجة استطاعوا معها، و بسبب القرب و كشف الغطاء، أن يصفوا الله كما هو أهله: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.1

  • ثانياً: أنّ ربّهم استثناهم من أهوال يوم القيامة، و هولها و دهشتها، من الصَعْقَة، و الفَزَع، و نفخة الصور، و السؤال و الحساب، و الكتاب، و الوقوف، و الحضور؛ و ذلك لأنهم اجتازوا هذه المراحل في الدنيا قبل موتهم.

  • فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2

  • ثالثاً: أنّهم تحرّروا من ربقة الشيطان و أغوائه و مصيدته؛ فليس له عليهم سلطان، قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.3

  • و في ضوء ذلك، فقد صرف عنهم كلّ لون من ألوان الإثم و السوء و الفحشاء و المنكر.

    1. الآيتان 159 و 160 من السورة 37: الصافّات.
    2. الآيتان 127 و 128، من السورة 37: الصافّات.
    3. الآيتان 83 و 84، من السورة 38: ص.

معرفة الإمام ج۵

46
  • كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.1

  • رابعاً: أنّ جزاء كلّ أحد على أساس عمله؛ إلّا هذه المجموعة التي لا تنال جزاءً حيال عملها؛ لأنها لا عمل لها غير الذات الأحديّة المقدّسة جزاءً لها. وَ ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.

  • أجل، لقد كان هذا مِقدَراً ممّا مَنَّ الله به على أوليائه؛ و ممّا تقدّم أنّ من عنايات الحقّ و فضله على أوليائه: حصول الفناء في ثلاث مراحل الأفعال، و الصفات، و الذات.

  • أنّ أوّل شيء يصل فيهم إلى مرحلة الفناء هو الأفعال. و أقلّ شيء فيهم عدّه العلماء في الأفعال الفانية ستّة أشياء: المَوْت، و الحَياة، و المَرَض، و الصحَّة، و الفَقْر، و الغِنَى.

  • أي أنهم في هذه الأشياء الستّة لا يرون فعلًا من أنفسهم أو من غيرهم؛ بل يُشاهدون ذلك من الحقّ سبحانه، كالذي يرى حركة، بدون أن يرى محرّكها و يشاهده؛ بَيدَ أنه يعلم أنّ لها محرّكاً؛ و في هذه الحالة، فإنّ الحقّ سبحانه يقوم في مقام أفعالهم؛ و فعلهم- إذَن- هو فعل الحقّ عينه.

  • الآيات و الروايات الواردة في فناء الفعل في فعل الله

  • و فيما يخصّ التوحيد الأفعاليّ لأولياء الله الملازم للفناء في الأفعال، فقد جاء في كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام في الآية الشريفة: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ.2 قال:

  • إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى لَا يَأسَفُ كَأسَفِنَا وَ لَكِنَّهُ خَلَقَ أوْلِيآءَ لِنَفْسِهِ يَأسَفُونَ وَ يَرْضَوْنَ وَ هُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ فَجَعَلَ رِضَاهُمْ رَضَا نَفْسِهِ وَ سَخَطَهُمْ سَخَطَ نَفْسِهِ.

    1. الآية 24، من السورة 12: يوسف.
    2. الآية 55، من السورة 43: الزخرف.

معرفة الإمام ج۵

47
  • وَ ذَلِكَ لأنهُمْ جَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ إليه وَ الأدِلَّاءَ عليهِ فَلِذَلِكَ صَارُوا كَذَلِكَ وَ لَيْسَ أنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إلى اللهِ كَمَا يَصِلُ إلى خَلْقِهِ وَ لَكِنْ هَذَا مَعْنَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ. و قال بعد ذلك: وَ قَدْ قَالَ أيضْاً: مَنْ أهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ دَعَانِي إليها.

  • وَ قَدْ قَالَ أَيضاً: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ.1

  • و قد قال أيضاً: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.2

  • و كُلُّ هَذا وَ شِبْهُهُ على ما ذَكَرْتُ لَكَ وَ هَكَذَا الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ غَيْرُهُمَا مِنَ الأشْيَاءِ مِمّا يُشاكِلُ ذَلِكَ- الحديث.3

  • حقّاً فقوله عليه السلام و كلّ هذا و شبهه إشارة إلى الآيات و الروايات الجمّة المأثورة في هذا الحقل؛ كالآية الشريفة:

  • وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى.4

  • و قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.5

  • و قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.6

  • و كقول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذانِي فَقَدْ آذَى اللهَ- الحديث.7

    1. الآية 10، من السورة 48: الفتح.
    2. الآية 80، من السورة 4: النساء.
    3. «التوحيد» للشيخ الصدوق، باب 26، ص 168، 169؛ و ذكر الكليني هذه الرواية أيضاً في« الكافي» مسندة عن الإمام الصادق، ج 1 من الأصول، الطبعة الحروفيّة الحيدريّة، ص 144.
    4. الآية 17، من السورة 8: الأنفال.
    5. الآية 4. 3، من السورة 53: النّجم.
    6. الآية 128، من السورة 3: آل عمران.
    7. «بحار الأنوار» طبع كمباني ج 10، ص 13. الحديث بهذا اللفظ عن جابر.

معرفة الإمام ج۵

48
  • الآيات و الروايات الواردة في فناء الصفة في صفة الله

  • و يظهر الفناء في الاوصاف بعد الفناء في الأفعال. و اصول هذا الفناء، كما تفيده الروايات المأثورة عن الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، خمسة أشياء هي: الْحَياة، و الْعِلْم، وَ القُدْرَة، و السَّمْع، وَ الْبَصَر.

  • و يقوم الله بهذه الأشياء الخمسة بدل وليّه؛ أي: أنّ السالك يرى أنّ الحياة، و العلم، و القدرة، و السمع، و البصر من الله مطلقاً؛ و يدركها منه تعالى؛ فلا يستطيع أن ينسبها إلى نفسه، و لا يستطيع أن ينسبها إلى غيره من الممكنات.

  • و جاء في «الكافي» ضمن حديث روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: إنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ قالَ: ما تَقَرَّبَ إلىَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْءٍ أحَبَّ إلىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عليْهِ، وَ إنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلىَّ بِالنَّافِلَةِ حتى احِبّهُ، فَإذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَ بَصَرَهُ الذي يَبْصُرُ بِهِ، وَ لِسَانَهُ الذي يَنْطِقُ بِهِ، وَ يَدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، إنْ دَعَانِي أجَبْتُهُ، وَ إنْ سَألَنِي أعْطَيْتُه- الحديث.1

  • و هذا الحديث ممّا رواه الفريقان: الشيعة و السنّة، و هو من الأحاديث المتداولة الرائجة.

  • و ممّا يؤيّد صحّة متنه قوله تعالى في الآية المباركة:

  • قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.2

  • أجل، أنّ الإنسان قبل بلوغ هذه المرحلة، كان بين الناس، يعاشرهم و يتحدّث معهم بقواه النفسانيّة من عين، و اذن، و لسان، و يد؛ و ها هو الآن

    1. روى الكلينيّ هذا الحديث بسندين متّصلين.« اصول الكافي» ج 2، ص 352، عن الطبعة الحيدريّة.
    2. الآية 31، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۵

49
  • يعيش بينهم بنور الله؛ يعاشر و يخالط و يتحدّث، بَيدَ أنّ تلك القوى قد تغيّرت و تبدّلت؛ و استعيض عنها بنور الله؛ و ها هي العين، و الاذن، و اللسان، و اليد قد أضحت لله و ليس له فيها شيء.

  • چو تافت بر دل من پرتو جمال حبيب***بديد ديدة جان حسن در كمال حبيب 1

  • نقل المسعوديّ في «إثبات الوصيّة» ضمن خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام حول انتقال النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم من آدم إلى حين ولادته، أنه صلّى الله عليه و آله هكذا يخاطب ربّه:

  • سُبْحَانَكَ، أيّ عَيْنٍ تَقُومُ نُصْبَ بَهَاءِ نُورِكَ؟ وَ تَرْقَى إلى نُورِ ضِيآءِ قُدْرَتِكَ؟ وَ أيّ فَهْمٍ يَفْهَمُ مَا دُونَ ذَلِكَ إِلَّا أبْصَارٌ كَشَفْتَ عَنْهَا الأغْطِيَةَ؛ وَ هَتْكْتَ عَنْهَا الْحُجُبَ الْعَمِيَّةَ؛ وَ فَرَّقْتَ أرْوَاحَهَا إلى أطْرَافِ أجْنِحَةِ الأرْوَاحِ فَنَاجَوْكَ في أرْكَانِكَ، وَ وَلَجُوا بَيْنَ أنْوَارِ بَهَائِكَ، وَ نَظَرُوا مِنْ مُرْتَقَى التُّرْبَةَ إلى مُسْتَوَى كِبْرِيَائِكَ، فَسَمَّاهُمْ أهْلُ الْمَلَكُوتِ زُوّاراً، وَ دَعَاهُمْ أهْلُ الْجَبَرُوتِ عُمَّاراً- الخطبة.2

  • يلاحظ هنا أنه يقول بصراحة: أنّ تلك الأبصار التي كشفت عنها الاغطية تستطيع أن تنظر إلى بهاء نور عظمتك، و ضياء قدرتك؛ و هذا لا يكون إلّا بفناء الصفة في صفات الله و أسمائه. لأنه ما لم يتحقّق مقام الفناء في صفة الإبصار، فإنّ رؤية نور الواحد الأحد محال؛ و عند الفناء، لا يكون هناك شيء آخر يحيط به و يكتنفه غير الله؛ فهو و حسب؛ و هو

    1. الشعر للمغربيّ؛ و يقول الشاعر هنا:
      لمّا أشرق نور جمال الحبيب على قلبي، رأت عين قلبي الحسن في كمال الحبيب.
    2. «إثبات الوصيّة» الطبعة الحجريّة، ص 95.

معرفة الإمام ج۵

50
  • الذي يرى نفسه.

  • و من الروايات الدالّة على فناء الصفة، رواية نقلها الصدوق في «التوحيد» عن هِشام في حديث الزنديق الذي سأل الإمام الصادق عليه السلام عن نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا؛ فقال في جوابه: لَيْسَ كَنُزُولِ جِسْمٍ عَنْ جِسْمٍ إلى جِسْمٍ. و واصل كلامه إلى أن قال: وَ لَكِنَّهُ يَنْزِلُ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ مُعَانَاةٍ وَ لَا حَرَكَةٍ فَيَكُونَ هُوَ كَما في السَّمَاءِ السَّابِعَةِ على الْعَرْشِ كَذَلِكَ في سَمَاءِ الدُّنْيَا.

  • و أضاف هنا عليه السلام قائلًا: إِنَّمَا يَكْشِفُ عَنْ عَظَمَتِهِ، وَ يرى أوْلِيَآءَهُ نَفْسَهُ حَيْثُ شَاء؛ وَ يَكْشِفُ مَا شَاءَ مِنْ قُدْرَتِهِ؛ وَ مَنْظَرُهُ بِالْقُرْبِ وَ الْبُعْدِ سَوَاءٌ.1

  • أنّ كشف نفسه لأوليآئه ليس إلّا الفناء الوصفيّ، أي: الفناء في عالم البصر، و في عالم علم الله و بصيرته؛ لأنّ رؤية الله تعالى تستحيل مع البقاء و عدم حصول الفناء الممكن، و ذلك لأنّ معناه إحاطة المحدود بغير المحدود؛ و أمّا في الفناء، فليس شيء غير ذاته المقدّسة و هو البصير؛ و لذلك فهو يذكّر بأن هذا الكشف إنّما هو لأوليآئه الذين رفعوا عنهم كلّ حجاب و كشفوا كلّ غطاء.

  • و نقل المرحوم ابن فهد في «عُدَّة الداعي» عن وَهَب بن منبه فيما أوْحَي اللهُ إلى دَاوُدَ: يَا دَاوُدُ! ذِكْرِي لِلذَّاكرِينَ؛ وَ جَنَّتي لِلمُطيعينَ؛ وَ حُبِّي لِلمُشْتَاقِينَ؛ وَ أنَا خَاصَّةٌ لِلْمُحِبِّينَ.2

    1. «بحار الأنوار» كتاب الاحتجاج، الطبعة الكمباني، ج 4، ص 137. و قد نقل المجلسيّ هذه الجملات عن بعض نسخ« التوحيد» للصدوق.
    2. «عدّة الداعي» ص 186.

معرفة الإمام ج۵

51
  • دلالة المناجاة الشعبانيّة على الفناء الوصفيّ لاولياء الله

  • و في الأدعية المتعارفة و المتداولة كثير من هذه المواضيع و الطلبات التي يطرحها الداعون؛ فقد جاء في المناجاة الشعبانيّة لأمير المؤمنين عليه السلام قوله:

  • إِلَهِي و ألْهِمْنِي وَلَهاً بِذِكْرِكَ إلى ذِكْرِكَ! وَ اجْعَلْ هَمِّي إلى رَوْحِ نَجاحِ أسْمَائِكَ وَ مَحَّلِّ قُدْسِكَ!

  • إلى أن يقول: إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الْانْقِطَاعِ إلَيْكَ، وَ أنِرْ أبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إلَيْكَ، حتى تَخْرِقَ أبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَ تَصِير أرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ.

  • إِلَهِي وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأجَابَكَ وَ لَاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلَالِكَ، فَنَاجَيْتَهُ سِرّاً وَ عَمِلَ لَكَ جَهْراً.

  • و يقول له: إلَهي وَ ألْحِقْنِي بِنُورِ عِزِّكَ الأبْهَجِ فَأكُونَ لَكَ عارِفاً وَ عَنْ سِواكَ مُنْحَرِفاً وَ مِنْكَ خَائِفاً مُراقِباً.1

  • و تأتى المرحلة الثالثة من الفناء، بعد الفناء في الأوصاف، و هذه المرحلة هي الفناء في الذات؛ أي أنّ ذات وليّ الله تندكّ و تفنى في ذات الله؛ و يضمحلّ وجوده، حتى لا يبقى منه أثر.

  • وهنا يمحى و يزول كلّ اسم و رسم؛ فالحقّ يقوم مقامه.

  • و هذا المقام أكبر و أسمى من أن تستطيع الألفاظ استيعابه و التعبير عنه، أو أن تجد الإشارة إليه طريقها. و إنّ إطلاق المقام عليه- مبدئيّاً- مجاز؛ و هذه من مواهبه جلّ شأنه لرسوله الأكرم: محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو مفتوح من بعده لأبنائه الطاهرين؛ و كذلك فهو مفتوح لأولياء الله من امّته، بمدلول الروايات الجمّة التي تدلّ على أنّ

    1. «الإقبال» لابن طاووس ص 685 إلي ص 687، يروي ذلك عن ابن خالويه.

معرفة الإمام ج۵

52
  • الله سبحانه و تعالى يلحق شيعتهم بهم في الدرجات الاخرويّة.

  • و جاء حول الفناء في الذات رواية مأثورة في معراج رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم حول وليّ الله، أنّ الله يقول: وَ يُنْقَلُ مِنْ دارِ الْفَناءِ إلى دَارِ الْبَقاءِ، وَ مِنْ دارِ الشَّيْطَانِ إلى دارِ الرَّحْمَنِ.1

  • و يستبين لنا من هذا أنّ ما وعده الله سبحانه و تعالى للأمم من المقامات و الكرامات في الآخرة، قد عيّنه و رزقه لأوليائه في هذه الدنيا؛ و أنّ التحاقهم بإمامهم قد تحقّق هنا أيضاً.

  • و من المواهب التي مَنَّ بها الحقّ تبارك و تعالى على أوليآئه، تسييرهم في عوالم متوسّطة تتحقّق بين منطلق السير، و بين الوصول و الفناء في الههم و ربّهم.

  • و وردت في هذا المجال روايات جمّة في الكتب الأخلاقيّة و العرفانيّة المفصّلة، لا سيّما في كتاب «بحار الأنوار» للمرحوم المجلسيّ رضوان الله عليه. و نتطرّق فيما يلي إلى قدر من الرواية الواردة حول معراج رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم المُصَدَّرة بنداء «يا أحمد» كمثال على ما نقول:

  • فقد جاء في «إرشاد القلوب»2 مرفوعاً و في «بحار الأنوار» عن «إرشاد القلوب» و بسندين آخرين عن بعض كتب الحديث، و بعض الكتب القديمة التي عُثر عليها، جاء فيها رواية عالية المضمون للغاية، و فيها نقاط دقيقة و عجائب حول السير و السلوك إلى الله. و هي رواية جامعة و كاملة حقّاً، و لم تترك تعليماً مفيداً من التعاليم الخاصّة بالسير في مقام الولاية إلّا ذكرته؛ و ننقل فيما يلي ملخّصاً لها:

  • حالات اولياء الله في منازل السلوك حتى الفناء في الله في رواية المعراج

  • يا أحْمَدُ: هَلْ تَدْري أيّ عَيْشٍ أهْنَا، وَ أيّ حَياةٍ أبْقَى؟! قَالَ: اللَهُمَّ لَا؟

    1. «إرشاد القلوب» باب 54، حديث المعراج، ص 284 من طبع المصطفويّ.
    2. نفس المصدر.

معرفة الإمام ج۵

53
  • قال: أمَّا الْعَيْشُ الْهَنِيءُ، فَهُوَ الذي لا يفتُرُ صَاحِبُهُ عَنْ ذِكْرِي؛ وَ لا يَنسَى نِعْمتى؛ وَ لَا يَجْهَلُ حَقِّي؛ يَطْلُبُ رِضَأي في لَيْلَهِ وَ نَهَارِهِ!

  • وَ أمَّا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، فَهِيَ التي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، حتى تَهُونَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا؛ وَ تَصْغُرَ في عَيْنِهِ؛ وَ تَعْظُمَ الآخِرَةُ عِنْدَهُ؛ وَ يُؤثّرَ هَوَاي على هَوَاهُ؛ وَ يَبْتَغِي مَرْضَأتى؛ وَ يُعَظِّمَ حَقَّ عَظَمتى، وَ يَذْكُرَ عِلْمِي بِهِ، وَ يُراقِبَنِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ عِنْدَ كُلِّ سَيِّئَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ وَ يَنْقَي قَلْبَهُ عَنْ كُلِّ مَا أكْرَهُ؛ وَ يُبْغِضَ الشَّيْطَانَ وَ وَساوِسَهُ؛ وَ لا يَجْعَلَ لإبْلِيسَ على قَلْبِهِ سُلْطَاناً وَ سَبِيلًا.

  • فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ، أسْكَنْتُ قَلْبَهُ حُبّاً حتى أجْعَلَ قَلْبَهُ لِي؛ وَ فَرَاغَهُ وَ اشْتِغَالَهُ وَ هَمَّهُ وَ حَدِيثَهُ مِنَ النِّعْمَةِ التي أنْعَمْتُ بِهَا على أهْلِ مَحَبَّتِي مِنْ خَلْقِي! وَ أفْتَحَ عَيْنَ قَلْبِهِ وَ سَمْعَهُ حتى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ وَ يَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إلى جَلالى وَ عَظَمتى؛ وَ اضَيِّقَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ ابَغِّضَ إلَيْه ما فِيهَا مِنَ اللَّذَّاتِ؛ وَ احَذِّرَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا كَمَا يُحَذِّرُ الرَّاعِي غَنَمَهُ مِنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ.

  • فَإذَا كَانَ هَكَذَا يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ فِرَاراً، وَ يُنْقَلُ مِنْ دَارِ الْفَناءِ إلى دَارِ الْبَقَاءِ؛ وَ مِنْ دَارِ الشَّيْطَانِ إلى دَارِ الرَّحْمَنِ.

  • يَا أحْمَدُ! وَ لَا زَيِّنَنَّهُ بِالْهَيْبَةِ، وَ الْعَظِمَةِ؛ فَهذَا هُوَ الْعَيْشُ الهَنِيءُ وَ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ؛ وَ هَذَا مَقَامُ الرَّاضِينَ.

  • فَمَنْ عَمِلَ برِضَأي الْزِمُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: اعَرِّفُهُ شُكْراً لَا يُخَالِطُهُ الْجَهْلُ؛ وَ ذِكْراً لا يُخَالِطُهُ النِّسْيَانُ؛ وَ مَحَبَّةً لَا يُؤْثِرُ على مَحَبَّتِي مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِينَ.

  • فَإذَا أحَبَّني أحْبَبْتُهُ؛ وَ أفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ إلى جَلَالى؛ وَ لَا اخْفي عَلَيْهِ خاصَّةَ خَلْقِي؛ وَ انَاجِيهِ في ظُلَمِ اللَّيْلِ، وَ نُورِ النَّهَارِ؛ حتى يَنْقَطِعَ حَدِيثُهُ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ؛ وَ مُجَالَسَتُهُ مَعَهُمْ؛ وَ اسْمِعُهُ كَلَامِي وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِي؛ وَ اعَرِّفُهُ السِّرَّ الذي سَتَرْتُهُ عَنْ خَلْقِي؛ وَ الْبِسُهُ الْحَيَاءَ حتى يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ

معرفة الإمام ج۵

54
  • الْخَلْقُ كُلُّهُمْ؛ وَ يَمْشِيَ على الأرْضِ مَغْفُوراً لَهُ؛ وَ أجْعَلُ قَلْبَهُ وَاعِياً وَ بَصِيراً؛ وَ لَا اخْفي عَلَيْهِ شَيئاً مِنْ جَنَّةٍ وَ لَا نَارٍ.

  • وَ اعَرِّفُهُ مَا يَمُرُّ على الناس في يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْهَوْلِ وَ الشِّدَّةِ؛ وَ مَا احَاسِبُ الأغْنِيَاءَ وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْجُهَّالَ وَ الْعُلَمَاءَ.

  • وَ انَوِّمُهُ في قَبْرِهِ؛ وَ انْزِلُ عليهِ مُنْكَرَاً وَ نَكيراً حتى يَسْألَاهُ؛ وَ لَا يرى غَمْرَةَ الْمَوْتِ وَ ظُلْمَةَ الْقَبْرِ، و اللَّحْدِ، وَ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ؛ ثُمَّ أنْصِبُ لَهُ مِيزَانَهُ؛ وَ أنشُرُ دِيوَانَهُ؛ ثُمَّ أضَعُ كِتَابَهُ في يَمِينِهِ فَيَقْرَؤُهُ مَنْشُوراً.

  • ثُمَّ لَا أجْعَلُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ تَرْجُمَاناً؛ فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُحِبِّينَ.

  • يَا أحْمَدُ! اجْعَلْ هَمَّكَ هَمّاً وَاحِداً! فَاجْعَلْ لِسَانَكَ لِسَاناً وَاحِداً! وَ اجْعَلْ بَدَنَكَ حَيّاً لَا تَغْفُلُ عَنِّي؛ مَنْ يَغْفُلْ عَنِّي لَا ابَالى بِأيّ وَادٍ هَلَكَ- الحديث.1

  • و روي في «الكافي» بإسناده أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم صادف حَارِثَةَ بْن مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ الأنْصاريّ، فقال له: كيف أنت يا حارثة؟!

  • فقال: مُؤْمِنٌ حقّاً! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ و آلِهِ و سَلَّمَ:

  • لِكُلِّ شىْءٍ حَقِيقَةٌ؛ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ؟! فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأسْهَرْتُ لَيْلِي؛ وَ أظْمَأتُ هَوَاجِرِي؛ وَ كَأني أنْظُرُ عَرْشَ رَبِّي؛ وَ قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ؛ وَ كَأني أنْظُرُ إلى أهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ في الْجَنَّةِ؛ وَ كَأني أسْمَعُ عُوَاءَ أهْلِ النَّارِ في النَّارِ.

    1. «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني 8: 17 و 9 الطبعة الحروفيّة ج 28: 77 و 29. و ذكر هذا الحديث أيضاً الشيخ الحرّ العامليّ في« الجواهر السنيّة» الطبعة الحجريّة من ص 145 إلي ص 154.

معرفة الإمام ج۵

55
  • فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ و آلِهِ و سَلَّمَ: عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ؛ أبْصَرْتَ فَاثْبُتْ- الحديث.1

  • و قد ذكرنا بحول الله و قوته في الجزء الثاني من كتاب «معرفة المعاد» المجلس التاسع شيئاً من حالات أولياء الله. و هذه المواضيع التي ذكرناها هنا تنبئ عن موجز لعالم من الأخبار و الآثار و القصص و الحكايات الحيّة عن اولياء الله؛ و لو تدبّرناها بذهن صاف و فكر راسخ، فسنجد أن طريق الولاية و بلوغ مقام العبودية الخالصة للحقّ المتعال مفتوح؛ و غير موصد بوجه أحد، غاية الأمر أن أئمة الدين هم معلّمو هذا الطريق، و هداة هذا السبيل. فَلِلّهِ دَرُّهُمْ وَ عَلَيْهِ أجْرُهُم. و من لوازم مقام الإمامة أن يأخذوا بيد المأموم؛ فيقودونه تلقاء المكان الذي ذهبوا إليه؛ و السلام علينا و على عباد الله الصالحين.

    1. ذكر صاحب« الكافي» هذه الرواية بهذا المضمون عن الإمام الصادق عليه السلام في الجزء الثاني من« اصول الكافي» ص 54؛ و كذلك ذكرها بمضمون قريب لذلك المضمون في ص 53؛ و رواها المجلسيّ في« بحار الانوار» في ج 15 من الطبعة الكمباني، في القسم الثاني، و هو خاصّ بكتاب الإيمان و الكفر، في ص 63 و 64؛ و ذلك عن« الكافي»، و في ص 67 و 68 عن« المحاسن».

معرفة الإمام ج۵

56
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الْخَامِسُ وَ السِّتُّون إلى الدَّرْسُ السَّابِعُ وَ السِّتِّين الْوَلَايةُ التَّكْوِينِيَّةُ وَ التَّشْريِعِيَّةُ لِرَسُولَ اللهِ وَ الأَئِمَّةِ عَلَيْهِم السَّلَام

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۵

58
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلى العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ (في الوراثة) فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ (الذين تآخوا فيما بينهم) إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً (فتوصوا إليهم و حينذاك يُقدّمون في الإرث على اولي الأرحام) كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً.1

  • أنّ من جملة المسائل و الأحكام الشرعيّة ولاية رسول الله صلّى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام على الناس؛ و تقسم هذه الولاية إلى قسمين: القسم الأوّل: الولاية الحقيقيّة المعبّر عنها بالولاية التكوينيّة.

  • و القسم الثاني: الولاية الاعتباريّة المعبّر عنها بالولاية التشريعيّة.

  • و بعد أن استبان في الدروس الماضية معنى الولاية في اللغة و في المحاورات؛ لا بدّ أن نرى الآن كيف تكون ولاية اولئك العظام؟ هل هي مكتسبة أو ذاتيّة؟ مضافاً إلى ذلك كيف يكون تصوّر حقيقة هذا المعني

    1. الآية 6، من السورة 33: الاحزاب.

معرفة الإمام ج۵

59
  • بحقّهم؟ إنّنا بإذن الله سنتناول هذا الموضوع في درسنا الحالى بشكل تستبين فيه المسألة كالشمس الساطعة.

  • لا ريب أنّ حقيقة الذات الإلهيّة على أساس التوحيد؛ و أنّ الأدلّة العقليّة و البراهين الفلسفيّة من جهة، و الشهود الوجدانيّ و العرفان القلبيّ من جهة ثانية، و الآيات و الروايات المتواترة و المتظافرة من جهة ثالثة، كلّها على خطّ واحد، و تعتبر توحيد الذات المقدّسة للحقّ المتعال من البديهيّات، و الضروريّات، و اليقينيّات من جميع الجوانب.

  • معنى توحيد الله المتعال

  • أي: أنّ الله واحد بجميع مختصّاته من الذات، و الصفات، و الأسماء و الأفعال؛ و ليست شائبة الأثنينيّة و الغيريّة مشهودةً في أيّ مرتبة من هذه المراتب؛ و لا يمكن أن تكون مشهودة.

  • و الذات المستقلّة للقيّوم بالذات، و الوجود المحض البسيط الخارج عن كلّ لون من ألوان القيد و التعيّن واحد في عوالم الوجود كلّها، و ذلك هو الوجود الأقدس للحقّ تبارك و تعالى.

  • و كلّ صفة مثل: العلم، و القدرة، و الحياة، و غيرها؛ و كلّ اسم مثل:

  • العالم، و القادر، و الحي و غيرها تختصّ بالأصالة و الحقيقة بذات الحقّ في العوالم جميعها؛ و أنّ ذلك العلم واحد، و القدرة واحدة، و الحياة واحدة؛ و كذلك العالم، و القادر، و الحيّ فإنّه واحد في كلٍّ منها أيضاً؛ و هو الذات المقدّسة للحقّ الموصوفة بهذه الصفات. فصفة العلم واحدة، و اسم العالم واحد؛ و ذلك لذات الحقّ المتعال.

  • و كلّ فعل بالأصالة و الحقيقة يختصّ بالله في عوالم الوجود كلّها. كلّ موجود من الموجودات لا يمكن أن يكون له فعل بشكل مستقل؛ إلّا أن يكون ذلك الفعل بالأصالة لله؛ فالأفعال جميعها في العالم فعل واحد؛ و كلّها فعل الله.

معرفة الإمام ج۵

60
  • أنّ هذه المراتب الثلاث للتوحيد: أي: التوحيد في الذات؛ و التوحيد في الأسماء و الصفات، و التوحيد في الأفعال هي من خصائص الإلهيّين، و كلّهم متّفقون عليها؛ و في ضوء هذا المبدأ، فإنّ كلّ مدرسة من مدارس الإلهيّين التي كانت أرسخ، و استطاعت أن تأتي ببرهان أقوى؛ قد أوضحت التوحيد أكثر فأكثر. و من بين جميع الإلهيّين نجد أنّ توحيد الامّة الإسلاميّة هو الأفضل و الأرسخ لانّ حامله إليها هو محمّد بن عَبْد اللهِ عليه الصلاة و السلام الذي كان قد بلغ الدرجة القصوى من التوحيد، و ترك هذا الباب مفتوحاً لُامّته.

  • و كانت شعاراته تتجلّى في: اللهُ أكْبَرُ، و قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، و لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ وَحْدَهُ، و هُوَ الأوَّلُ وَ الآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ، وَ هُوَ الْعليمُ وَ هُوَ الْحَكِيمُ وَ هُوَ الْحَيّ وَ هُوَ السَّمِيعُ وَ هُوَ الْبَصِيرُ وَ الْحَمْدُ للهِ وَ سُبْحَانَ اللهِ و أمثالها. و هذه الشعارات صورة ناطقة تدلّ بوضوح على التوحيد الصرف الخالص لذات الحقّ المقدّسة في جميع المراتب.

  • لذلك فإنّ الموجودات من المُلكيّة و المَلكوتيّة، و من النفوس القدسيّة للعوالم المجرّدة حتى الهيولي الأوّليّة و مادّة المواد لا أصالة لها؛ بل الأصالة لذاته؛ أمّا الموجودات فظلّيّة و تبعيّة و مرآتيّة؛ أي: أنها مُظهرة لوجود الله.

  • و لم تصدر الموجودات عن ذات الحقّ المقدّسة على نحو التولّد؛ فيكون لها استقلالها، كولادة المولود من والده؛ بل هو جلّ شأنه لَمْ يَلِدْ؛ و كذلك فإنّ الاصالة الملحوظة فيها هي ليست أصالتها، بل هي أصالة الحقّ؛ لأنه تعالى لَمْ يُولَدْ؛ إذ له وجود خالص و بسيط و وحدة بالصرافة، و له تشخّص فهو لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، فَسُبْحَانَ اللهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.

  • أنّ تكوين الكائنات و الموجودات من العقول المجرَّدة و النفوس الكلّيّة، وصولًا إلى عالم الطبع و المادّة، كلّها لا تشكّل خروجاً عن الذات

معرفة الإمام ج۵

61
  • المقدّسة؛ أي: أنه تعالى لم يوجدها بإرادته الأزليّة مستقلّة، لأنّ الإيجاد الاستقلاليّ يُنأى الأحديّة و الواحديّة؛ بل أنّ إيجادها على نحو ظِلّيّ و تَبَعيّ وَ عَرَضِيّ؛ فكلّها تمثّل ظلّ الله. و لذلك فإنّ التكوين لا يعني الإيجاد الاستقلاليّ، و أنّ المخلوق لا يعني وجوداً مستقلًّا؛ بل أنّ التكوين يعني الإيجاد الظلّيّ و العَرَضيّ و الإظهار في مرآة التجلّي؛ و المخلوق يعني الوجود الظلّيّ و الظهور في التجلّي؛ فالمخلوق مظهر و مَجْلَي، و التكوين ظهور و تجلّي.

  • كلّ الموجودات آيات و مظاهر للحقّ ..

  • أنّ القرآن الكريم يعتبر الموجودات كلّها آيات الله؛ أي: دلالاته و علاماته و براهينه و مراياه، و أنى دار الحديث عن التغييرات و الحوادث و الظواهر المادّية، أو الموجودات الروحيّة و التجرّديّة، فإنّه يذكرها كلّها بوصفها آيات و دلالات.

  • أنّ خلق السماوات و الأرض؛ و اختلاف الليل و النهار؛ و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس؛ و نزول المطر من السماء؛ و إحياء الأرض به؛ و بثّ كلّ دابّة على الأرض؛ و تصريف الرياح؛ و السحاب المسخّر بين السماء و الأرض؛1 و تسخير الليل و النهار؛ و الشمس و القمر و النجوم؛2 و الزرع؛ و الزيتون و النخيل، و الأعناب، و من كلّ الثمرات؛3 و ثمرات

    1. إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِ وَ اختِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءَ مِن ماءٍ فَأحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ لأياتٍ لِقُومٍ يَعْقِلُونَ.
      ( الآية 164 من السورة 2: البقرة).
    2. وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.( الآية 12، من السورة 16: النحل).
    3. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.( الآية 11 من السورة 16: النحل).

معرفة الإمام ج۵

62
  • النخيل و الأعناب؛1 و النحل و حياتها و كيفيّة خروج العسل من بطونها،2 و ضياء النهار و ظلمة الليل،3 و خلق الإنسان من تراب4، و خلق الأزواج،5 و اختلاف الألسن و الألوان،6 و المنام في الليل و اليقظة في النهار7، و تسخير الطيور في جوّ السماء،8 و ظهور البرق في السماء خوفاً من الضرر و طمعاً في المنفعة،9 و ما ذرأ الله في الأرض مختلفاً ألوانه من الشجر و الثمر

    1. وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.( الآية 67، من السورة 16 النحل)
    2. وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.( الآيتان 68 و 69، من السورة 16:
      النحل).
    3. وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.( الآية 12، من السورة 17: الإسراء).
    4. وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ.( الآية 20، من السورة 30: الروم).
    5. وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.( الآية 21، من السورة 30: الروم).
    6. وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ،( الآية 22، من السورة 30: الروم).
    7. وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.( الآية 23، من السورة 30: الروم).
    8. أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.( الآية 79، من السورة 16: النحل).
    9. وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.( الآية 24، من السورة 30: الروم).

معرفة الإمام ج۵

63
  • و الحبوب و الخُضَر و غيرها؛1 و آلاف الحوادث و الظواهر كلّها آيات الله.

  • النبيّ عيسى و امّه آية،2 و ناقة النبيّ صالح آية أيضاً.3

  • و إجمالًا فإنّ كلّ شيء آية؛ سواء في الآفاق، أو في الأنفس؛ كلّها دلالات لله و مرآة لله؛ إذ يُظهر الله هذه الآيات ليُظهر نفسه؛ ذلك أنّ المرآة لا ذاتيّة لها؛ و ليس لها تجلٍّ ذاتيّ؛ و كلّ ما لها هو تقبّلها لانعكاس الصور فيها.

  • الحقّ يتجلّى في الموجودات

  • و ما أروع و أسمى ما توضّحه الآيتان 53 و 54 من السورة 41:

  • فصّلت؛ يقول جلّ من قائل: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.

  • و لمّا كان الضمير في «أَنهُ» عائداً إلى الله في الظاهر؛ و «شَهِيدٌ» إمّا بمعنى شاهد؛ و هو اسم فاعل؛ أو بمعنى مشهود، و هو اسم مفعول؛ فالآية- على كلّ التقديرين- تنبئنا أنّ الله مشهود في كلّ شيء؛ أو أنه شاهد و حاضر في كلّ شيء؛ فالأشياء- إذَن- مظهر لوجود الله؛ و ينبغي أن نرى الله فيها، لأنها لا وجود لها إلّا بالحقّ؛ و أصالتها و استقلالها وجود الحقّ سبحانه و تعالى.

  • بَيدَ أنّ هذا الموضوع خافٍ على العامّة، فهم ينظرون إلى الأشياء

    1. وَ مَا ذَرَ لَكُمْ في الأرْضِ مُخْتَلفا أَلْوَانُهُ إِنَّ في ذَلِكَ لأيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.( الآية 13، من السورة 16: النّحل).
    2. وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ.( الآية 50، من السورة 23: المؤمنون).
    3. هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ.( الآية 73، من السورة 7: الاعراف)

معرفة الإمام ج۵

64
  • نظراً استقلالياً، و لهذا فهم لا يرون الله؛ و من هذا المنطق فهم في خيبة و مرية من لقاء ربّهم؛ و ما أوهى هذا الشكّ، و أبين خطبه و خطأه! و ربّهم بكلّ شيء محيط؛ و كلّ شيء يوجد به أوّلًا، ثمّ يتّخذ له وجوداً و انتماءً.

  • و حاصل الكلام أنه ليس هناك موجود مؤثّر في عوالم الوجود كلّها إلّا الله تبارك و تعالى. و لو كان هناك موجود مؤثّر فبحوله و قوّته و ليس هناك إلّا ظهور الله تعالى و تجليّة؛ إذَن، كلّ ما هو قائم يستند على الحقّ سبحانه و تعالى.

  • و من هنا يستبين لنا بجلاء أنّ الوَلايَة هي مع الموجودات جميعها، صغيرها و كبيرها؛ ذرّتها و مجرّتها؛ و هي مع كلّ شيء، من الهيولي الأوّليّة حتى الحجاب الأقرب و الأعلى درجة من الموجودات القدسيّة المجرّدة.

  • لأنه ما لم تكن هناك ولاية، فلا وجود لايّ موجود، و لا يعقل أن يتقمّص موجود رداء الوجود.

  • ذلك لأننا قلنا أنّ الوَلاية هي عبارة عن حصول شيئين حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما.

  • و حيث ما يوجد كلّ موجود، فلا بدّ أن لا تكون بينه و بين الحقّ أيّ فجوة و ثغرة، سواء في وجوده أو في علمه و قدرته و حياته، و ذلك لكي يكون موجوداً، و إلّا فإنّ إيجاده محال.

  • و نحن نجد و ندرك بالوجدان موجودات كثيرة بأشكال و سجايا متنوّعة، في الآفاق و في الأنفس؛ و هذه كلّها خلقت مع الولاية؛ أي:

  • لا فجوة و لا حجاب بينها و بين ذات الحقّ المقدّسة إلّا وجودها و كيانها و تعيّنها. و لو صادف أحياناً وجود شيء بينها و بين الحقّ غير تعيّنها و ماهيّتها، لاستحال الخلق في هذه الحالة، و لفصمت عرى الارتباط بين الله و الموجودات.

معرفة الإمام ج۵

65
  • أنّ الموجودات كلّها مع الله؛ و مرتبطة به، بل أنّ وجودها هو عين ارتباطها؛ و هذا هو معنى الوَلاية. إذَن، وجود كلّ موجود ملازم للولاية؛ و الولاية لله الحقّ، و ولايته مع كلّ موجود. و من هنا نفهم حسناً قوله تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ1، و قوله تعالى: على كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.

  • و ندرك جيّداً أيضاً كيف يكون الوليّ أحد أسماء الله، لأنّ ما يلزمه هذا الاسم هو وجود ولايته مع الموجودات جميعها، كالعليم، و القدير، و السميع، و البصير، و نفهم جيّداً أيضاً ما هو المعنى الذي تحمله الآيات الكريمة التي تنسب الولاية إلى الله. قال تعالى: قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ2 أي: أنّ ما يلزمه و يفرضه الخلق هو الولاية.

  • إذَن، كيف يمكن أن نتّخذ وليّاً غير الله في عالم التكوين، أو في عالم التشريع؟

  • اختلاف ولاية الله في الموجودات، حسب مراتب الوجود.

  • و لمّا كنّا نعلم أنّ اختلاف الموجودات في قربها من الحقّ تعالى و بعدها عنه هو اختلاف حجبهم؛ أي: كثرة التعيّنات و قلّتها؛ أو بكلمة بديلة، اتّساع الماهيّات و الحدود و القيود الوجوديّة أو ضيقها، و أنّ عالم الكثرة و الوجود ظهر بهذا الشكل الباهر الجميل وفقاً لذلك الاختلاف، فلا يتكافأ- إذَن- حظّ الموجودات كلّها من الولاية، كما لا يتكافأ حظّها من علم الحقّ و حياته و قدرته. و كلّما كان الموجود إلى الحقّ أقرب، و ماهيّته أوسع، و وجوده أفسح، و تجرّده أكثر، كانت ولايته أكثر، أي: كان حجابه أقلّ؛ و كلّما كانت ماهيّته أضيق، و وجوده أصغر، و تجرّده أقل، كانت

    1. الآية 5، من السورة 57: الحديد.
    2. الآية 14، من السورة 6: الأنعام.

معرفة الإمام ج۵

66
  • ولايته أقل؛ أي: كان حجابه أكثر.

  • و لمّا كنّا نعلم أنّ شدّة الولاية متلازمة مع شدّة النور و العلم و الحياة و القدرة و سائر أسماء الله الاخرى؛ فإنّ ضعفها يتلازم مع ضعف النور و العلم و الأسماء الإلهيّة الأخرى. و لذلك فإنّ كلّ موجود أقرب إلى الله عموماً، أي: أنّ حجابه أقلّ و ولايته أقوى؛ فإنّ شعاع نوره و حياته و علمه و قدرته يمتدّ في العالم أكثر، و إحاطته أشدّ و أشمل و سيطرته و هيمنته على ما سوى الله أكثر، و تدبيره و تكفّله في عالم الإمكان أوسع؛ و بكلمة بديلة، فإنّ مقداراً كبيراً من الموجودات الممكنة يقع تحت إشعاع نوره، و في قبضته و تدبيره و العكس بالعكس.

  • و نحن نرى بالوجدان أنّ تأثيرات و تأثّرات تجري في هذا العالم؛ بعضها صغير كطيران الذباب، و حركة البعوض؛ و بعضها كبير كخلق الفيل.

  • بعضها كالذرّة، و بعضها كالشمس و القمر و الكواكب الثابتة و السيّارة.

  • بعضها كفهم و إدراك دابّة بسيطة مثل دودة بين طيّات التراب، و بعضها كعلم و إدراك جبرئيل و الروح و هو من الملائكة المقرّبين.

  • و في ضوء ذلك، لا بدّ أن يكون علم هذه المخلوقات المقرّبة و قدرتها، وسعة حياتها، و تألّق نورها المعنويّ أقوى، فهي تدير عالماً بذلك بأكمله، على عكس تلك الذرّة و الدودة اللتين ليس لهما هذا العلم و الحياة؛ و لا حاجة لهما طبعاً.

  • و في ضوء هذا الكلام فإنّ المخلوقات جميعها، من المادّة التافهة الضعيفة، إلى جبرئيل الروح الذي يحظى بمقام أفضل من سائر الملائكة.

  • لكلّ واحد منها درجة خاصّة، و له حدّ معيّن من العلم و الحياة و القدرة.

  • و بالتالى حدّ خاصّ من الوجود؛ و تبعاً لذلك فإنّ كلّ واحد في درجة خاصّة و منزل معيّن من الوَلَاية.

معرفة الإمام ج۵

67
  • أجل، لا ريب و لا شكّ في كلّ ما قلناه حتى الآن؛ و الأدلّة العقليّة معنا خطوة فخطوة، و شهود العارفين العظام و وجدانهم يدعم هذه المواضيع بكلّ تفاصيلها؛ كما جاءت بذلك الآيات و الروايات التي تفوق حدّ الإحصاء و إمكانيّة الاستقصاء.

  • و ينبغي الآن أن نرى: أين يكون موقع الإنسان على درب الولاية الطويل؟ و ما هو مقدار حصّته من الماء المعين لمنهل شريعة الوحدة؟

  • لا يخالجنا الشكّ أنّ الإنسان مهما كان شكله أو صورته أو مكانه أو عرقه، فهو يتمتّع بقابليّة يمكنه من خلال حركتها أن يوصل درجة استعداده إلى الفعلية و الظهور، و أن يوسّع نطاق وجوده بمقدار ملحوظ، و أن يزيد من علمه و قدرته.

  • فلم يحز أحد من الناس ملكة العلم و الطبّ، و أنواع المهن و الصناعات، و الكتابة و ما ماثلها منذ ولادته، بل حازها و تمكّن منها بواسطة التمرّس، و جهاد النفس، و التربية و التعليم في مدرسة خاصّة.

  • سير الإنسان في مراتب الولاية المتنوّعة

  • و يمكن أن يكون سير الإنسان باتّجاه الماديّات، و ازدياد الشهوات، و الجاه، و سائر الشؤون الاعتباريّة الدنيويّة، فيظفر بموقع مرموق في هذا المجال. كما يمكن أن يتركّز نشاطه على مضاعفة المعنويّات، و العلم و الفكر، و طهارة الباطن، وصفاء القلب، و تعزيز الفكر، و من ثمّ اجتياز المراحل المادّيّة الجزئيّة و بلوغ حقائق العلم و القدرة و الحياة في آخر المطاف.

  • أنّ السير إلى الله، و بلوغ مقام العزّ الشامخ للحقّ تعالى جبلّة فطر عليها الإنسان. و إمكان بلوغ هذه الدرجة، من ذاتيات النفس الناطقة.

  • و قد أثبتنا في الدروس السابقة أنّ الإنسان بوسعه أن يحظى بدرجات و كمالات في السير إلى الله. و أن يصل، في مراحل الفَنَاء في الله إلى،

معرفة الإمام ج۵

68
  • مرحلة الفَناء في الفعل، و الفناء في الاسم و الصفة، و الفناء في الذات.

  • و يبلغ بذلك مقام الوصول. فطريق العرفان و التكامل مفتوح أمامه.

  • و لا بدّ أن نعلم- طبعاً- أنّ الإنسان الذي نتكلّم عنه، لا نعني به ذلك الجسم المادّيّ و الطبيعيّ المحدود الذي يشغل حيّزاً من الفراغ يبلغ مترين، بل نعني به: نفسه الناطقة و روحه التي يتيسّر لها التحرّك و السير في تلك المراحل.

  • و عند ما يبلغ الإنسان مقام أيّ اسم من أسماء الحقّ تعالى، فإنّه يصبح مظهراً لذلك الاسم؛ و يتجلّى ذلك الاسم في وجوده. فلو كان مظهراً لاسم الجمال مثلًا، فإنّه يصبح جميلًا. و كذا لو كان مظهراً لاسم الجلال فإنّه يصبح جليلًا. و لو كان مظهراً لاسم العليم، فإنّه يصبح عالماً. و لو كان مظهراً لاسم القدير، فإنّه يصبح قادراً.

  • و كما تختلف المظهريّة تبعاً لتباين درجات الوصول. فالإنسان العادي هو بالمقدار الملحوظ مظهر اسم العليم، و السميع، و البصير، و القدير، و الحيّ.

  • و لذلك فقد اكتفى بهذا المقدار من الحياة، و العلم، و القدرة، و البصر، و السمع. فكلّما ازداد سير الإنسان نحو الحقّ، و اصّاعدت مظهريّة الأسماء و الصفات، فإنّ تجلّي هذه الأسماء و الصفات يتضاعف أكثر فيه.

  • أي: كلّما اجتاز الإنسان محدوديّة وجوده و مادّيّته، فإنّه يلج البحر الخضمّ للاسماء و الصفات أكثر، فينال بذلك حظّاً أكبر.

  • حتى يبلغ محلّا يكون فيه المظهر التامّ للاسم و الصفة. أي: يصل إلى مقام الفناء المطلق في الاسم و الصفة، كما في اسم العالم، و القادر، و الرحمن، و الرحيم، و غيرها. و في مثل هذه الحالة، فإنّ ذلك الاسم سيتجلّى في الإنسان بنحو أتمّ و أكمل.

معرفة الإمام ج۵

69
  • و إذا بلغ أحد مقام الفناء في اسم العالم و صفة علم الحقّ تعالى، فإنّه يصبح المظهر التامّ لاسم العالم و صفة علم الحقّ تعالى. أي: يطّلع على كلّ مكان، و كلّ أحد، و كلّ شيء، و يصبح ما كانَ وَ ما يَكُونُ وَ مَا هُوَ كَائنٌ عنده سواء. فالعلم بالمجرّدات، و العلم بالمادّيّات، و العلم بالدنيا، و العلم بالآخرة، سيكون بأجمعه حاضراً عنده. أي: أنه يدرك الموجودات بالعلم الشهوديّ، و الحضوريّ و الوجوديّ.

  • و إذا بلغ أحد مقام الفناء في اسم الحيّ، و صفة حياة الحقّ تعالى فإنّه يصبح المظهر التامّ لذلك الاسم، و لصفة حياة الحقّ تعالى. أي: أنه موجود مع جميع الموجودات بحياة الحقّ. و تكون له المعيّة في الحياة مع كلّ شيء اعتباراً من الذرّة الصغيرة حتى الأشياء الكبيرة.

  • و كذلك إذا بلغ أحد مقام الفناء في اسم القادر، و صفة قدرة الحقّ تعالى، فإنّه يصبح المظهر التامّ لذلك الاسم و الصفة، و يكون قادراً على القيام بكلّ شيء، الكبير و الصغير عنده سواء. و يصبح قادراً على كلّ شيء بقدرة الحقّ المتعال، كالإحياء و الإماتة، و شفاء الأمراض، و إحداث تغيير و تبديل في الأمور و الأوضاع بإذن الحقّ تعالى.

  • و إذا بلغ أحد مقام الفناء في اسم «الله» أو في اسم «هُوَ» فلان الله اسم جامع لصفات الحقّ كلّها فإنّه لذلك سيكون مظهراً لكلّ صفة و اسم.

  • و سيكون له الإحياء، و الإماتة، و القدرة على كلّ أمر من الامور، و العلم بكلّ حادثة من الحوادث.

  • و من الطبيعيّ فإنّ علينا أن لا ننسى بأنّ هذه الأعمال تتحقّق تحت عنوان: المظهريّة و التجلّي. أي: بإذن الله تعالى. و بكلمة بديلة، العمل هو عمل الله ذاته الذي يتجلّى في هذه الآية و هذه المرآة، لأنّ كلّ موجود عدا الحقّ مهما كان العنوان و التعبير- ليس له استقلال في الوجود، أو استقلال

معرفة الإمام ج۵

70
  • في الاسم و الصفة. و في هذه الحالة، فإنّ الحقّ هو الذي يهب ظهور اسمه وصفته.

  • كما أنّ الاسم و الصفة في جميع الموجودات مختصّان بالحقّ و حسب. غاية الأمر، أنهما يظهران و يتجلّيان في ماهيّات و تعيّنات متباينة بأشكال متنوّعة. و إلّا فإنّ الحقّ المتعال لا يتنازل أبداً عن مقام عزّ قدسه الشامخ، و لا يمنح أيّ موجود صفة أو اسماً بصورة مستقلّة، فإنّ هذا المنح يتنأى مع سعة عزّه، و هو تبارك و تعالى لا يُذلّ و لا ينكسر و لا يعجز أبداً، و ما برح ثابتاً في مقام عِزّه.

  • الإنسان الكامل متحقّق بالولاية المطلقة لله

  • و بعد أن بلغ الإنسان مقام الفناء التامّ، و تيسّر له الفناء في الذات، و الصفة، و الاسم، و الفعل، و طوى أسفاره الأربع. الأول: السَّفَرُ مِنَ الْخَلْقِ إلى الْحَقِّ؛ و الثاني: السَّفَرُ في الْحَقِّ بِالْحَقِّ في الأسماء و الصفات مع الحق؛ و الثالث: السَّفَرُ مِنَ الْحَقِّ إلى الْخَلْقِ بِالْحَقِّ؛ و الرابع: السَّفَرُ في الْخَلْقِ بِالْحَقِّ، فإنّه يصبح إنساناً كاملًا، و يبلغ درجة كماله المطلق، و تبلغ جميع القوى و القابليّات الإلهيّة المودعة في وجوده مقام الفعل المحض، و يكون إنساناً بالفعل، و يصبح مرآة مَجْلُوَّة لصفات الجمال و الجلال و الذات الأحديّة، و تكتمل ولايته، أي أنه يصبح وليّاً مطلقاً بالولاية الإلهيّة الحقّة. إذَن، يكون مع جميع الموجودات بولاية الحقّ تعالى، و يتصرّف في كافّة الامور بإذن الله، لأنّ هذا ما يلازم مقام الولاية المطلقة.

  • بل أنّ الولاية المطلقة للحقّ سبحانه و تعالى ليست شيئاً غير هذه الولاية. و في ضوء هذا الأساس، يقول جلّ من قائل:

  • لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.1

    1. الآية 4، من السورة 95: التين.

معرفة الإمام ج۵

71
  • و هذه هي الدرجة العليا من القوام الإنسانيّ، و هي صلاحيّته وفقاً لخلقه، للعروج إلى الرفيق الأعلى، و الظفر بالحياة الأبديّة السرمديّة عند الله، و التحقّق بأسمائه عزّ و جلّ و صفاته الكلّيّة.

  • و من هذا المنطلق يقول الله أيضاً:

  • وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.1

  • و هذا هو معنى خليفة الله؛ و مؤدّى الحديث الشريف المأثور عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورَتِهِ.2

  • و في مقام هذا الإنسان و منزلته و مرتبته و درجته، يقول الإمام جعفر ابن محمّد الصادق عليهما السلام:

  • أنّ الصُّورةَ الإنسانِيَّةَ هِيَ أكْبَرُ حُجَّةِ اللهِ على خَلْقِهِ؛ وَ هِيَ الْكِتَابُ الذي كَتَبَهُ بِيَدِهِ؛ وَ هِيَ الْهَيْكَلُ الذي بَنَاهُ بِحِكْمَتِهِ؛ وَ هِي مَجْمُوعُ صُورَةِ الْعَالَمِينَ؛ وَ هِيَ الْمُخْتَصَرُ مِنَ الْعُلُومِ في اللَّوحِ الْمَحْفُوظِ؛ وَ هِي الشَّاهِدُ على كلّ غَائِبٍ؛ وَ هِيَ الْحُجَّةُ على كلّ جَاحِدٍ، وَ هِيَ الطَّريقُ الْمُسْتَقِيمُ إلى كُلِّ خَيْرٍ؛ وَ هِيَ الصِّرِاطُ الْمَمْدُودُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ.3

  • و من هذا المنطلق أيضاً، تميّز الإنسان بوقوع الملائكة ساجدين له؛ وفاق في مقامه و منزلته جمع الملائكة،4 و بلغ الحجاب الأقرب الذي يمثّل أقرب الموجودات و هو الروح- و هو أعظم من الملائكة- و لهذه المناسبة

    1. الآية 31، من السورة 2: البقرة.
    2. «جامع الأسرار» للسيّد حيدر الآمليّ ص 135.
    3. «جامع الأسرار» ص 383، و ذكر في« تفسير الصافي» ذيل ذلك الكلام في ص 55، طبع المكتبة الإسلاميّة
    4. راجع الجزء الأوّل من كتاب« معرفة المعاد»، المجلس الأوّل.

معرفة الإمام ج۵

72
  • يقولون لحقيقة الإنسان: روح الإنسان، لأنه قابل للوصول إلى مقام الروح، و إلّا فإنّ الروح ليست اسماً و عَلَماً لحقيقة الإنسان.1

  • يقول السيّد حيدر الآمليّ: و صاحب هذا المقام هو مرجع الكلّ، و مبدؤه و مصدر الكلّ و منشؤه.

  • هو المبدأ و إليه المنتهى المعبّر عنه: لَيْسَ وَراءَ عَبَّادَانَ قَرْيَةٌ.2 و إليه تستند كلّ العلوم و الأعمال؛ و إليه تنتهي جميع المراتب و المقامات، نبيّاً كان (صاحب هذا المقام) أو وليّاً أو وصيّاً أو رسولًا.

  • الولاية المطلقة لامير المؤمنين عليه السلام

  • و باطن هذه النبوّة هو الولاية المطلقة؛ و الولاية المطلقة هي عبارة عن حصول مجموع هذه الكمالات بحسب الباطن في الأزل؛ و إبقاءها إلى الأبد؛ كقول أمير المؤمنين عليه السلام:

  • كُنتُ وَلِيّاً وَ آدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَ الطِّينِ. و كقول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنا وَ على مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ. و كقوله فيه: خَلَقَ اللهُ رُوحِي وَ رُوحَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِألْفي عامٍ- الحديث.

  • و كقوله فيه: بُعِثَ عَلِيّ مَعَ كُلِّ نَبِيّ سِرّاً وَ مَعِيَ جَهْراً.

  • و لاقتضاء هذه المرتبة، قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان:

  • أنَا وَجْهُ اللهِ؛ أنَا جَنْبُ اللهِ؛ أنَا يَدُ اللهِ؛ أنَا الْقَلَمُ الأعلى؛ أنَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ؛ أنَا الْكِتابِ الْمُبِينِ؛ أنَا الْقُرآنُ النّاطِقُ؛ أنا كهيعص؛ الم ذلِكَ الْكِتابُ؛ أنَا طَاءُ الطَّوَاسِيمِ؛ أنَا حَاءُ الْحَوامِيم؛ أنَا الْمُلَقَّبُ بِيَاسِينِ؛ أنَا صادُ

    1. لقد نقلنا في كتابنا« مهر تابان»( الشمس الساطعة) مواضيع نفيسة عن العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه حول معني الروح و أفضليّتها على الملائكة.( القسم الثاني- رقم التسلسل- 240- 241).
    2. مثل معروف في إيران.

معرفة الإمام ج۵

73
  • الصَّافَّاتِ؛ أنا سِينُ الْمُسَبِّحَاتِ؛1 أنا النُّونُ وَ الْقَلَمِ؛ أنَا مَائِدَةُ الْكَرَمِ؛ أنا خَلِيلُ جَبْرَئِيلَ؛ أنَا صِفْوَةُ مِيكَائِيلَ؛ أنا الْمَوصُوفُ بِ «لا فَتَى»؛ أنَا الْمَمْدُوحُ في «هَلْ أَتى»؛ أنَا النباء العظيم؛ أنَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؛ أنَا الأوَّلُ؛ أنَا الآخِرُ؛ أنَا الظَّاهِرُ؛ أنَا الْبَاطِنُ؛ إلى آخِرِهِ.2

  • حذار من أن تبدو هذه المطالب مستبعدة؛ لأنّ بُعْدَها فيما لو قام الإمام بهذه الأفعال بصورة مستقلّة؛ أمّا إذا كان الإمام مرآة محضة و الآية الأكمل للحقّ، و كانت هذه الأفعال مظهراً للذات الأحديّة تجلّت في مرآة وجوده، إذا كان كلّ ذلك، فكيف يمكن أن نستبعد قيام الإمام بتلك الأفعال؟ و إذا كان العمل في باب التوحيد منحصراً بالحقّ المتعال؛ فما هو الفرق- عندئذٍ- بين عمل صغير من أعمال الإمام، كقلع باب خيبر، و قتل عَمْرو بن عَبْد ود، و مَرْحَبْ، و صناديد قريش في خَيْبَر، و الأحزاب، و بَدْر؛ و بين عمل كبير، كطوفان نوح، و إرسال الريح السموم على عاد، و أمثالهما، لأنّ الفعل في كلتا الحالتين هو فعل الحقّ تبارك و تعالى.

  • مقامات أهل العرفان بالله تعالى

  • كلام ابن سينا في شأن العرفاء

  • يقول ابن سينا في «الإشارات»: فَإذَا عَبَرَ الرِّياضَةَ إلى النَّيْلِ، صارَ سِرُّهُ مِرْآةً مَجْلُوَّةً مُحاذِياً بِهَا شَطْرَ الْحَقِّ؛ وَ دَرَّتْ عليهِ اللَّذَّاتُ الْعلى؛ وَ فَرِحَ بِنَفْسِهِ لِمَا بِهَا مِنْ أثَرِ الْحَقِّ، وَ كَانَ لَهُ نَظَرٌ إلى الْحَقِّ وَ نَظَرٌ إلى نَفْسِهِ

    1. و هي خمس سور في القرآن الكريم تبدأ بكلمة سَبَّحَ و كلمة يُسَبِّحُ و تسمّى سُوَر المُسَّبِحَاتِ. و هي: سورة الحديد، و الحشر، و الصفّ، و الجمعة، و التغابن. و في المأثور أنّ الرسول الاكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يقرأ هذه السور قبل النوم. و عند ما سئل عن السبب. قال: في كلّ سورة من هذه السور آية تعادل ألف آية من القرآن.( مهر تابان: مذكّرات العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه، القسم الثاني ص 13).
    2. «جامع الأسرار» ص 382، 383.

معرفة الإمام ج۵

74
  • وَ كَانَ بَعْدُ مُتَرَدِّدَاً.1

  • ثمّ يقول: ثُمَّ إنَّهُ لَيَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَيَلْحَظُ جَنَابَ الْقُدْسِ فَقَط؛ وَ إن لَحِظَ نَفْسَهُ فَمِنْ حَيْثُ هِيَ لَاحِظَةٌ؛ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ بِزِينَتِهَا؛ وَ هُنَاكَ يَحِقُّ الْوُصُولُ.2

  • و هذه آخر درجات السلوك إلى الله، أي: مقام الوصول. ثمّ يقول:

  • الْعِرْفَانُ مُبْتَدِيٌ مِنْ تَفْرِيقٍ وَ نَفْضٍ وَ تَرْكٍ وَ رَفْضٍ مُمْعِنٌ في جَمِعٍ هُوَ جَمْعُ صِفَاتِ الْحَقِّ؛ للِذَّاتِ الْمُرِيدَةِ بِالصِّدْقِ مُنْتَهٍ إلى الْوَاحِدِ؛ ثُمَّ وُقُوفٌ.3

  • (التفريق هو أن ينفصل العارف عن كلّ شيء يشغله عن الحقّ؛ و النَّفْض تحريكه لنفسه و نفضها من آثار تلك الشواغل، بحيث لا تلتفت إليها أيّ التفات، و هذا لتكميل النفس من أجل التجرّد عمّا سوى الحقّ.

  • و التَّرك يعني الانقطاع عن كلّ شيء و نسيانه وصولًا للحقّ، و الرَّفض يعني ترك جميع اللذّات وصولًا للحقّ).

  • يقول الخواجه نصير الدين الطوسيّ رضوان الله عليه في شرح هذه المواضيع: «أنّ العارف إذا انقطع عن نفسه و اتّصل بالحقّ، رأى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات، و كلّ علم مستغرقاً في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، و كلّ إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبي عليها شيء من الممكنات.

  • بل كلّ وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه.

  • و في هذه الحالة، صار الحقّ حينئذٍ بصره الذي به يبصر، و سمعه

    1. «الإشارات»، الطبعة الحروفيّة ج 3، ص 91 إلي ص 93.
    2. نفس المصدر.
    3. نفس المصدر ص 96 إلي 98.

معرفة الإمام ج۵

75
  • الذي به يسمع، و قدرته التي بها يفعل، و علمه الذي به يعلم، و وجوده الذي به يوجد.

  • فصار العارف حينئذٍ متخلّقاً بأخلاق الله تعالى بالحقيقة؛ و هذا معنى قول الشيخ: الْعِرْفَانُ مُمْعِنٌ في جَمِيعِ صِفَاتٍ هِيَ صِفَاتُ الْحَقِّ لِلذَّاتِ المُريدَةِ بِالصِّدْقِ.

  • ثمّ إنّه بعد ذلك يعاين كون هذه الصفات و ما يجري مجراها متكثّرة بالقياس إلى الكثرة، متّحدة بالقياس إلى مبدئها الواحد؛ فإنّ الذاتيّ هو بعينه قدرته الذاتيّة، و هي بعينها إرادته؛ و كذلك سائرها.

  • و إذ لا وجود ذاتيّاً لغيره فلا صفات مغايرة للذات و لا ذات موضوعة للصفات؛ بل الكلّ شيء واحد كما قال عزّ من قائل:

  • إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ1.

  • فهو هو لا شيء غيره. و هذا معنى قوله: مُنْتَهٍ إلى الْوَاحِدِ؛ وَ هناك لا يبقى واصف و لا موصوف، و لا سالك و لا مسلوك، و لا عارف و لا معروف، و هو مقام الوقوف.2

  • و قال ابن سينا أيضاً في النمط العاشر من «الإشارات»: وَ إذَا بَلَغَكَ أنّ عَارِفاً حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ فَأصَابَ مُتَقَدِّماً بِبُشْرَى أوْ نَذِيرٍ فَصَدِّقْ! وَ لَا يَتَعَسَّرَنَّ عليكَ الإيمانُ بِهِ!3

  • ثمّ قال: التَّجْرِبَةُ وَ الْقِياسُ مُتَطابِقَانِ علَى أنّ لِلنَّفْسِ الإنسانِيَّةِ أن تَنالَ

    1. الآية 171 من السورة 4: النساء.
    2. «الإشارات» و شرحها، الطبعة الحجريّة، أواخر النمط التاسع و هو في مقامات العارفين، و في الطبعة الحديثة ج 3 ص 389 إلي 390 الطبعة الاولى: في المطبعة الحيدريّة سنة 1379 ه-.
    3. «الإشارات» الطبعة الحديثة ج 3، ص 119.

معرفة الإمام ج۵

76
  • مِنَ الْغَيْبِ نَيْلًا مَا في حالَةِ الْمَنَامِ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ النَّيْلُ في حَالِ إليقَظَةِ؛ إلَّا ما كانَ إلى زَوَالِهِ سَبِيلٌ؛ وَ لِارْتِفَاعِهِ إمْكَانٌ.1

  • إلى أن قال: وَ لَعَلَّكَ قَدْ تَبْلُغُكَ عَنِ الْعَارِفِينَ أخْبَارٌ تَكادُ تَأتى بِقَلْبِ الْعادَةِ فَتُبَادِرُ إلى التَّكْذِيبِ؛ وَ ذَلِكَ مِثْلُ مَا يُقَالُ: أنّ عَارِفاً اسْتَسْقَى لِلنَّاسِ فَسُقُوا؛ أوِ اسْتَشْفى لَهُمْ فَشُفُوا؛ أوْ دَعَا على هِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وَ زُلْزِلُوا؛ أوْ هَلَكُوا بِوَجْهٍ آخَرَ.

  • وَ دَعَا لَهُمْ، فَصُرِفَ عَنْهُمُ الْوَبَاءُ؛ وَ الْمَوَتَانُ؛ وَ السَّيْلُ، و الطُّوفَانُ؛ أوْ خَشَعَ لِبَعْضِهِمْ سَبُعٌ، أوْ لَمْ يَنْفِرْ عَنْهُمْ طَائِرٌ؛ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُؤْخَذُ في طَرِيقِ الْمُمْتَنِعِ الصَّرِيحِ فَتَوَقفْ، وَ لَا تَعْجَلْ! فَإِنَّ لأمْثَالِ هَذِهِ أسْبَاباً في أسْرَارِ الطَّبِيعَةِ.2

  • ثمّ قال: أنّ الامورَ الْغَريبَةَ تَنْبَعِثُ في عَالَمِ الطَّبِيعَةِ مِنْ مَبَادِي ثَلَاثَةَ:

  • أحَدُهَا الْهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ. و عندها قال: وَ السِّحْرُ مِنْ قَبيلِ الأوَّلِ، بَلِ الْمُعْجِزَاتُ وَ الْكَرَامَاتُ.

  • كلام الشيخ محي الدين بن عربي حول الإنسان الكامل

  • يقول مُحي الدين بن عربي في كتابه «فصوص الحِكَم» في فَصِّ الآدميّ و هو يتحدّث عن حقيقة آدم و خلافته:

  • فَهُوَ مِنَ الْعَالَمِ كَفَصِّ الْخَاتَمِ مِنَ الْخَاتَمِ الذي هُوَ مَحَلُّ النَّقْشِ وَ الْعَلَامَةِ التي بِهَا يَخْتِمُ الْمَلِكُ على خَزَائِنِهِ؛3 وَ سَمَّاهُ خَلِيفَةً مِنْ أجْلِ هَذَا:

    1. «الإشارات» ج 3، ص 119 و 120.
    2. «شرح الإشارات» النمط العاشر في أسرار الآيات، و في الطبعة الحديثة ج 3، ص 150.
    3. كانت العادة جارية في السابق أن ينقش الناس و لا سيّما الكبار و العلماء و السلاطين أسماءهم أو علاماتهم التي يختصّون بها على فصّ خاتمهم، و متى شاءوا ختم كتاب أو سند فإنّهم يخرجونه من أيديهم و يختمون به ثمّ يرجعونه إلى مكانه؛ و لذلك عرف بالخاتم: أي: ما يُخْتَمُ بِهِ.

معرفة الإمام ج۵

77
  • لأنهُ الْحَافِظُ خَلْقَهُ كَمَا يَحْفَظُ بِالْخَتْمِ الْخَزَائِنُ؛ فَمَا دَامَ خَتْمُ الْمَلِكِ عليهَا لا يَجْسُرُ أحَدٌ على فَتْحِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، فَاسْتَخْلَفَهُ في حِفْظِ الْعَالَمِ؛ فَلَا يَزالُ الْعَالَمُ مَحْفُوظاً مَا دَامَ فِيهِ هَذَا الإنسانُ الْكَامِلُ.1

  • و قال القيصريّ في شرح هذه الفقرة: الْحَقُّ يَحْفَظُ خَلْقَهُ بِالإنسَانِ الْكَامِلِ؛ عِنْدَ اسْتِتَارِهِ بِمَظَاهِرِ أسْمَائِهِ وَ صِفَاتِهِ عِزَّةً؛ وَ كَانَ هُوَ الْحَافِظُ لَهَا قَبْلَ الاسْتِتارِ وَ الاخْتِفَاءِ وَ إظْهَارِ الْخَلْقِ.

  • فَحِفْظُ الإنْسَانِ لَهَا بِالْخِلَافَةِ فَتُسَمَّى بِالْخَلِيفَةِ لِذَلِكَ؛ وَ حِفْظُهُ لِلْعَالَمِ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْقَاءِ صُوَرِ أنْوَاعِ الْمَوْجُودَاتِ على مَا خُلِقَتْ عليهَا الْمُوجِبِ لإبْقَآءِ كَمالاتِهَا وَ آثَارِهَا بِاسْتِمْدَادِهِ مِنَ الْحَقِّ التَّجَلِّياتِ الذَّاتِيَّةِ؛ وَ الرَّحْمَةَ الرَّحْمَانِيَّةَ وَ الرَّحِيمِيَّةَ بِالأسْمَاءِ وَ الصِّفَاتِ التي هَذِهِ الْمَوْجُوَدَاتُ صَارَتْ مَظَاهِرَهَا وَ مَحَلَّ اسْتِوائِهَا.

  • إذِ الْحَقُّ إِنَّمَا يَتَجَلَّى لِمِرْآةِ قَلْبِ هَذَا الْكَامِلِ، فَيَنْعَكِسُ الأنوارُ مِنْ قَلْبِهِ إلى الْعَالَمِ؛ فَيَكُونُ بَاقِياً بِوُصُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ إليها؛ فَمَا دَامَ هَذَا الإنْسَانُ الْكَامِلُ مَوْجُوداً في الْعَالَمِ؛ يَكُونُ مُحْفُوظاً بِوُجُودِهِ وَ تَصَرُّفِهِ في عَوَالِمِهِ الْعِلْويَّةِ وَ السِّفْلِيَّةِ.

  • فَلَا يَجْسُرُ أحَدٌ مِنْ حَقَائِقِ الْعَوَالِمِ وَ أرْوَاحِهَا على فَتْحِ الْخَزَائِنِ الإلَهيَّةِ وَ التَّصَرُّفِ فِيهَا إلّا بِإذنِ هَذَا الْكَامِلِ، لأنهُ صَاحِبُ الاسمِ الأعظَمِ الذي بِهِ يُرْبِي الْعَالَمَ كُلَّهُ.

  • فَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَاطِنِ إلى الظَّاهِرِ مَعْنى مِنْ مَعَانِي إلَّا بِحُكْمِهِ؛ وَ لَا يَدْخُلُ مِنَ الظَّاهِرِ في الْبَاطِنِ شَيْءٌ إلَّا بِأمْرِهِ، وَ إن كَانَ يَجْهَلُهُ عِنْدَ غَلَبَةِ

    1. «شرح فصوص الحكم» القيصريّ، الطبعة الحجريّة، ص 72.

معرفة الإمام ج۵

78
  • الْبَشَريَّةِ عَلَيْهِ.1

  • إلى أن يقول: وَ قَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في كِتَابِ «الْمِفْتَاحِ» أنّ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَامِلِ أنْ يَقْدِرَ على الإحْيَاءِ وَ الإمَاتَةَ وَ أمْثَالِهِمَا.2

  • كلام الشيخ عبد الكريم الجيليّ حول الإنسان الكامل

  • و يقول الشيخ عبد الكريم الجيليّ في كتاب «الإنسان الكامل»: «اعلم أنّ (الإنسان) هو نسخة الحقّ تعالى كما أخبر صلّى الله عليه و آله و سلّم حيث قال: خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورَةِ الرَّحْمَنِ. و في حديث آخر:

  • خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورَتِهِ.

  • و ذلك أنّ الله تعالى حَيّ عليمٌ قادِرٌ مُريدٌ سَمِيعٌ بَصيرٌ مُتَكلِّمٌ، و كذلك الإنسان حيّ عليم إلخ، [إلى آخر الصفات]. ثمّ يقابل الهويّة بالهويّة، و الأنيّة بالأنيّة، و الذات بالذات، و الكلّ بالكلّ، و الشمول بالشمول، و الخصوص بالخصوص.

  • و له مقابلة اخرى يقابل الحقّ بحقائقه الذاتيّة.

  • و اعلم أنّ الإنسان الكامل هو الذي يستحقّ الأسماء الذاتيّة و الصفات الإلهيّة استحقاق الأصالة و الملك بحكم المقتضى الذاتيّ، فإنّه المعبّر عن حقيقته بتلك العبارات و المشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلّا الإنسان الكامل. فمثاله للحقّ مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلّا فيها، و إلّا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه إلّا بمرآة الاسم: الله، فهو مرآته و الإنسان الكامل أيضاً مرآة الحقّ؛ فإنّ الحقّ تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه و صفاته إلّا في الإنسان الكامل، و هذا معنى قوله تعالى:

    1. «شرح الفصوص» للقيصريّ 7 ص 72، 73.
    2. «شرح القيصريّ» ص 74.

معرفة الإمام ج۵

79
  • إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.1

  • يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها من تلك الدرجة جهولًا بمقداره، لأنه محلّ الأمانة الإلهيّة و هو لا يدري.

  • إلى أن يقول: وَ لِلإنْسَانِ الْكَامِلِ تَمَكُّنٌ مِنْ مَنْعِ الْخَوَاطِرِ عَنْ نَفْسِهِ جَليلِهَا وَ دَقِيقِهَا؛ ثُمَّ أنّ تَصَرُّفَهُ في الأشْيَاءِ لَا عَنِ اتِّصَافٍ وَ لَا عَنْ آلَةٍ وَ لَا عَنِ اسْمٍ وَ لَا عَنْ رَسْمٍ؛ بَلْ كَمَا يَتَصَرَّفُ أحَدُنَا في كَلَامِهِ وَ أكْلِهِ وَ شُرْبِهِ- الخ.2

  • كلام الحكيم السبزواريّ حول الإنسان الكامل

  • و قال الملّا هادي السبزواريّ رحمة الله ضمن بحثه في علم البأرى تعالى بالأشياء بالعقل البسيط و الإضافة الإشراقيّة: «اعلم أنّ هاهنا مقامين:

  • مقام الكثرة في الوحدة، يعني أنّ المرتبة الأعلى من الوجود بوحدتها و بساطتها جامعة لكلّ الوجودات، و يترتّب عليها بفردانيّتها من الكمال ما يترتّب على الجميع». ثمّ قال:

  • مِثالُهُ الإنْسَانُ الْكَامِلُ بِالْفِعْلِ حَيْثُ إنَّهُ بِوَحْدَتِهِ جامِعٌ لِكُلِّ ما في الْوُجُودِ مِنَ الصُّوَرِ وَ الْمَعَانِي وَ الأشْبَاحِ وَ الأرْواحِ؛ لَيْسَ مِنَ اللهِ بِمُسْتَنْكَرِ أنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ في وَاحِدٍ؛ فَهُوَ بِحَيْثُ كَانَ الْكُلُّ مِنَ الدُّرَّةِ إلى الذَّرَّةِ مَرآئيّ ذاتِهِ كَمَا هُوَ مِرْآةُ الْحَقِّ وَ مَقَامُ الْوَحْدَةِ في الْكَثْرَةِ.3

  • و قال السبزواريّ أيضاً:

  • فَلَك دوران زند بر محور دل***وجود هر دو عالم مَظْهر دل

    1. الآية 72، من السورة 33: الأحزاب.
    2. «الإنسان الكامل» ج 2 طبع مطبعة الأزْهر في مصر، سنة 1316 ه-، ص 48.
    3. «شرح المنظومة» طبع ناصري، ص 166.

معرفة الإمام ج۵

80
  • هر آن نقشى كه بر لوح از قلم رفت***نوشته دست حقّ بر دفتر دل 1

  • و قال أيضاً:

  • جمله عالم چون تن، و انسان دل است***هر چه مىجوئى ز انسان حاصل است

  • هر دو عالم جسم، و جانش آدم است***زانكه آدم اصل جمله عالم است 2 هست انسان مركز دور جهان

  • نيست بي انسان مَدار آسمان***هر دو عالم گشته است اجزاى او

  • برتر از كَوْن و مكان مأواى او***لا مكان اندر مكان كرده مكان

  • بي نشان گشته مقيّد در نشان***صد هزاران بحر در قطره نهان

  • ذرّهاى گشته جهان اندر جهان***اين أبَد عين ازَل آمد يقين

    1. و تعريبهما: يدور الفلك حول محور القلب[ قلب العارف]، و وجود الدنيا و الآخرة مظهر للقلب.
      و كلّ ما قدّر في اللوح، فقد خطّته يد الحقّ على دفتر القلب( قلب العارف مظهر المعرفة).
    2. و تعريبهما: العالم كلّه كالجسم و الإنسان قلبه، و كلّ ما تنشده، فإنّه يتأتّي من الإنسان.( الإنسان مركز الوجود).
      الدنيا و الآخرة كالجسم و روحه الإنسان لانّ الإنسان أصل العالم كلّه
    3. و تعريب هذه الابيات: الإنسان هو محور العالم، و لا يقرّ مدار السماء بدونه.
      غدت الدنيا و الآخرة أجزاءه، و سما مكانه على الكَوْن و المكان.
      و قد استقرّ هذا الإنسان المجرّد عن المكان في مكان. و أصبح المطلق مقيّداً في العنوان.
      و قد اختفت مئات الآلاف من البحار في قطرة( القطرة هنا تعني الإنسان الكامل). و أصبح العالَم كلّه ذرّة اختفت في عالم( و كأنّ الدنيا استقرّت في ذرّة، و هذا يشبه البيت المشهور: أ تزعم أنك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر).
      و أصبح هذا الأبد( الذي لا آخر له) كالأزل( الذي لا أوّل له) على نحو اليقين، و أصبح الباطن عين الظاهر، فتأمّل.

معرفة الإمام ج۵

81
  • و قال المرحوم السبزواريّ المتخلّص بالأسرار أيضا:

  • اختران پرتو مِشكات دل انور ما***دل ما مَظهر كُلّ، كل همگى مظهر ما 1

  • نه همين اهل زمين را همه باب اللهيم***نُه فلك در دَوَانند به گرد سر ما

  • بَرِ ما پير خرد طفل دبيرستان است***فلسفي مُقتبِسي از دل دانشور ما

  • گر چه ما خاكنشينان مرقّع پوشيم***صد چو جَم خفته بدريوزهگري بر در ما

  • چشمه خضر بود تشنه سراب ما را***آتش طور شرارى بود از مجمر ما

  • أي كه انديشة سردارى و سر مىخواهى***به كدوئى است برابر سر و افسر بر ما

  • گو به آن خواجة هستي طلب و زهد فروش***نبود طالب كالاى تو در كشور ما

  • بازي بازوي نصريم نه چون نَسر به چرخ***دو جهان بيضه و فَرْخ است به زير پر ما 2

  • 3
  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص81

    1. و تعريبه: أنّ الكواكب شعاع من مشكاة قلبنا المنوّر. فقلبنا مظهر العالم كلّه و العالم كلّه مظهرنا.
    2. و تعريبها: لسنا باب الله لأهل الأرض جميعهم فحسب، بل و تدور الافلاك التسعة على رؤوسنا.
      العقل امامنا كالطفل الذاهب الي المدرسة. و الفيلسوف هو الذي يقتبس نوره من قلبنا المتنور.
      نحن و إن جلسنا على التراب و ارتدينا خرق الثياب، لكن مائة من أمثال جمشيد( أحد ملوك إيران) ينامون عند بابنا للاستجداء.
      إنّ عين الخضر ظامئة لسرابنا( تودّ أن ترتوي من مائنا)، و نار الطور جذوة من موقدنا.
      فيا من تفكّر بالعلوّ و السيادة و تريد التحكّم و الاستكبار، اعلم أنّ الرأس و التاج يساويان عندنا يقطينة واحدةً.
      قل لذاك الثريّ الساعي وراء الوجود و البائع للزهد أن ليس في مُلكِنا من يشتري بضاعتك.
      نحن كالعُقاب أهل النصر و المعونة و لسنا كالنسر في السماء. و الدنيا و الآخرة كالبيضة و فرخ الدجاج تحت جناحنا.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

82
  • ماه گر نور و ضيا كسب نمود از خورشيد***خور بود مكتسب از شعشعة اختر ما

  • خسرو ملك طريقت به حقيقت مائيم***كُلَه از فقر به تارك زِ فنا افسر ما

  • عالم و آدم اگر چه همگى اسرارند***بود اسرار كميني ز سگان در ما 1

  • كلام صدر المتألّهين حول الإنسان الكامل

  • و في حاشيته على «الأسفار الاربعة» للحكيم المتألّه صدر المتألّهين

    1. و تعريبها: إذا اكتسب القمر نوره و ضياءه من الشمس فإنّ الشمس تكتسب نورها من شعاع كوكبنا.
      إنّنا ملوك مملكة الطريقة في الحقيقة لا غيرنا، و على رأسنا قبّعة الفقر، و تاج الفناء في الله في آن واحد.
      إنّ العالم و الإنسان و إن كانا من الأسرار بَيدَ أنّ الأسرار( الاسم الذي أطلقه الملّا هادي على نفسه) هو شخص تافه من البوّابين على أعتابنا.

معرفة الإمام ج۵

83
  • الشيرازيّ أعلى الله درجته ضمن بحثه في العلّة الغائيّة حيث قال: ثُمَّ إلى عِبَادَةِ الإنسانِ وَ تَشَبُّهِهِ بِالْمَبْدَإ الأعلى في الْعِلْمِ وَ الْعَمَلِ وَ إدْرَاكِهِ لِلْمَعْلُومَاتِ وَ تَجَرُّدِهِ عَنِ الْجِسْمَانِيَّاتِ؛ فَعِبَادَتُهُ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الأرْضِيَّةِ، وَ مَعْرِفَتُهُ أعْظَمُ الْمَعَارِفِ الْحَيْوَانِيَّةِ؛ وَ لَهُ فَضِيلَةُ النُّطْقِ وَ شَرَفُ الْقُدْرَةِ وَ كَمَالُ الْخِلْقَةِ. يقول السبزواريّ: «قيّد [الملّا صدرا] في عبارته عبارة الإنسان بالأرضيّة و الحيوانيّة، لأنه أين عبادته من عبادات الأفلاك و الفلكيّات اللاتى لا يغشاها نوم العيون و لا فترة الأبدان.

  • عبدت الله تعالى على الدوام و ما مسّها أعياء و لا لغوب، و أين معرفته من معرفة الملائكة المعصومين، سيّما المقرّبين كما قيل:

  • دوست كجا و تو كجا أي دَغَل***نور أزل را چه به بَلْ هُمْ أضَلّ 1

  • لكن في هذا النوع الأخير صنف أفضل المَلَك فضلًا عن الفلك.

  • نه فلك راست مسلّم نه ملك را حاصل***آنچه در سِرّ سويداى بني آدم ازوست 2

  • و هم خلاصة عباد الله المعبود و نخبة عالم الوجود سيّما المحمّديّون منهم الذين قالوا: رُوحُ الْقُدُسِ في جِنَانِ الصَّاقُورَةِ، ذَاقَ مِنْ حَدَائِقِنَا الْبَاكُورَةِ.3

    1. و تعريبه: شتّان بين الحبيب( الله) و بينك أيّها المضلّل، و شتّان بين نور الله و بين الذين هم أضل.
    2. و تعريبه: الأفلاك و الملائك لا تدرك شيئاً، فما في سرّ الإنسان هو منه جلّ شأنه.
    3. روي هذا الحديث كما هو أعلاه، و قد وجد بخطّ الإمام العسكريّ عليه السلام؛ و هذا قسم من الحديث؛ و كلّه موجود في« بحار الأنوار» طبع كمباني 337: 7، و الطبعة الحديثة 264: 26، 265. و أوردوا الصاقورة بالغين أيضاً،: بَيدَ أنّ المناسب هنا هو الصاقورة بالقاف، و معناها كما في« لسان العرب»: السماء الثالثة.

معرفة الإمام ج۵

84
  • و قيل في رئيسهم و سيّدهم:

  • احمد ار بگشايد آن پرّ جليل***تا أبد مدهوش ماند جبرئيل 1

  • بل مطلق هذا الصنف من الإنسان هم على هذا النحو، قال الشيخ فريد الدين العطّار النيسابوريّ قدّس سرّه:

  • روز و شب اين هفت پرگار أي پسر***از برأي توست بر كار أي پسر

  • طاعت روحانيان از بهر توست***خُلْد و دوزخ عكس لطف و قهر توست

  • قدسيان يكسر سجودت كردهاند***جزء و كلّ، غرق وجودت كردهاند

  • از حقارت سوي خو منگر بسي***ز انكه ممكن نيست پيش از تو كسي

  • ظاهرت جزو است و باطن كلِّ كلّ***خويش را قاصر مبين در عين ذُلّ

  • چون درآيد وقت رفعتهاى كلّ***از وجود توست خلقتهاى كلّ 2

    1. لو كشف أحمد( نبيّنا الكريم صلّي الله عليه و آله) أسرار المعراج، لدهش جبرئيل إلي الابد.
    2. أيّها الفتى؟ إنّ السماوات السبع منهمكة في عملها ليل نهار من أجلك.
      و طاعة الملائكة هي من أجلك، و الجنّةُ و النار انعكاس للطفك و قهرك( لو تلطّفت فالجنّة هي المأوى، و لو قهرت فالنار هي المأوى).
      سجد لك الملائكة أجمعون، و العالم، كلّه و جزءه قد استقرّ في وجودك.
      لا تنظر إلي نفسك بعين الحقارة، فلم يسبقك أحد في الوجود( أنت السبّاق قبل الجميع).
      ظاهرك جزء واحد، بَيدَ أنّ باطنك هو كلّ الكلّ، فلا تنظر إلي نفسك من وحي المذلّة و تعدّها قاصرة.
      عند ما يأن وقت الرفعة و السموّ للعالم كلّه، فإنّه كلّه يتمتّع بالرفعة و السموّ بفضل وجودك.

معرفة الإمام ج۵

85
  • و السرّ في ذلك أنّ الإنسان الكامل بالفعل واقع تحت الاسم الأعظم و هو اسم الجلالة و الملك تحت الأسماء التنزيهيّة كالسبّوح و القدّوس أمّا الفلك تحت الدائم و الرافع و الربّ و نحوه، فالإنسان معلّم بجميع الأسماء التنزيهيّة و التشبيهيّة.

  • أ لا ترى أنّ روح الفلك دائماً روح مضاف، و روح هذا الإنسان روح مرسل يطلق عن وثاق الجسم الطبيعيّ، بل المثاني بل عن العالمين الصوريّين فيخلع النعلين و يطرح الكونين؟ و الملك المقرّب و إن كان روحاً مطلقاً إلّا أنه ليس معلماً بجميع الأسماء التنزيهيّة و التشبيهيّة. هؤلاء الصنف هم الخواتم في السلسلة الصعوديّة، و هم العقول الصاعدة الغنيّة عن استعمال البدن و آلاته.

  • و كأنهم وهم في جلابيب أبدانهم قد أنضوها1، فهم بإزاء العقول التي هي فواتح السلسلة النزوليّة و إن بقي حجاب ما، فسيرفع رأساً كما قال على عليه السلام عند الخلع: فُزْتُ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ. فعبادتهم كيفاً أجلّ من عبادة الفلك، فربّ قليل من خالص العمل يرجح على الكثير كثرة وافرة كذا المعرفة بالنسبة إلى الملك، فإنّ الإنسان الكامل يعرف الله تعالى بجميع أسمائه، و حينئذٍ فلعلّ مراده قدّس سرّه الإنسان البشريّ بما هو بشر».2

    1. أنضوها: نزعوها أو أبلوها.
    2. «الأسفار الأربعة» ج 2، ص 275 و 276.

معرفة الإمام ج۵

86
  • و أمّا صدر المتألّهين قدّس الله سرّه فإنّه لم يذكر مقامات الإنسان الكامل و درجاته في موضع واحد أو موضعين من كتبه، بل ذكرها في أغلب المواضع، و لا سيّما في «الأسفار» فإنّه ذكرها في مواضع كثيرة منها، بل يمكن أن نعتبر «الأسفار الأربعة» مقامات الإنسان الكامل و درجاته و نضع لكتاب «الأسفار» عنوان الإنسان الكامل، و يمكن القول حقّاً إنّه أحسن ما صنّف في هذا الموضوع لغاية الآن من حيث شموليّته؛ و نذكر فيما يلي مقطعاً موجزاً منه كمثال:

  • وَ هَذَا أيضاً مِنْ لَطَائِفِ صُنْعِ اللهِ وَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِ الإنْسَانِ الْكَامِلِ؛ وَ صَيْرُوُرَتِهِ إنْسَاناً كَبيراً بَعْدَ مَا كَانَ عَالَماً صَغيراً، فَكَأنَّ الْوُجُودَ كُلُّهُ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ دَارَ على نَفْسِهِ؛ وَ كَأنهُ كِتَابٌ كَبيرٌ، فَاتِحَتُهُ عَيْنُ خَاتِمَتِهِ؛ وَ الْعَالَمُ كُلُّهُ تَصْنِيفُ اللهِ، وَ ابْتَدَأ بِالْعَقْلِ وَ اخْتَتَمَ بِالْعَاقِلِ؛ كَمَا قَالَ تَعَإلى:

  • أ و لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده و ان ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ان الله على كل شيء قدير.1

  • مقولة ابن الفارض في الإنسان الكامل

  • مقولة ابن الفارض في مقام الفناء و التوحيد المطلق

  • أنّ الشاعر العربيّ ابن الفارض يشبه الشاعر الفارسيّ حافظ الشيرازيّ في شعره العرفانيّ، و له في نظم السلوك قصيدة تعرف بالتائيّة الكبرى، وصف فيها مقام الإنسان الكامل بشكل باهر. تقع هذه القصيدة في سبعمائة و واحد و ستّين بيتاً، ذكر فيها مراحل السلوك كلّها بنظم بديع و اسلوب لطيف، و نكتفي هنا بذكر مقدار موجز من أواخرها حيث يتحدّث الشاعر عن تحقّق الأسماء و الصفات الإلهيّة في الإنسان الكامل.

    1. «الأسفار الأربعة» ج 7، ص 18.

معرفة الإمام ج۵

87
  • وَ إنِّي وَ إنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً***فَلِي فِيهِ مَعْنى شَاهِدٌ بابُوَّتي 1

  • وَ نَفْسِي على حَجْرِ التَّجَلِّي بِرُشْدِهَا***تَجَلَّتْ وَ في حِجْرِ التَّجَلَّي تَرَبَّتِ

  • وَ في الْمَهْدِ حِزْبي الأنْبيَاءُ وَ في عَنَا***صِبري لَوْحِيَ الْمَحْفُوظُ وَ الْفَتْحُ سُورَتي

  • وَ قَبْلَ فِصَ إلى دُونَ تَكْلِيفِ ظَاهِرِي***خَتَمْتُ بِشَرْعِيَ الْمُوضِحي كُلَّ شِرْعَةِ

  • فَهُمْ وال إلى قَالُوا بِقَوْلِهِمْ على***صِرَاطِي، لَمْ يَعْدُوا مَوَاطِيَ مِشْيَتي

  • فَيُمْنُ الدُّعَاةِ السَّابِقِينَ إليّ في***يَميني وَ يُسْرُ اللّاحِقينَ بِيَسْرَتي

  • وَ لَا تَحْسَبَنَّ الأمْرَ عَنِّيَ خَارِجاً***فَمَا سَادَ إلَّا دَاخِلٌ في عُبُودَتي

  • وَ لَوْلاي لَمْ يُوجَدْ وُجُودٌ وَ لَمْ يَكُنْ***شُهُودٌ وَ لَمْ تُعْهَدْ عُهُودٌ بِذِمَّةِ

  • فَلَا حَيّ إلَّا مِنْ حَيَأتى حَيَاتُهُ***وَ طَوْعُ مَرَادِي كُلَّ نَفْسٍ مُرِيدَةِ

  • وَ لَا قَائِلٌ إلَّا بِلَفْظِي مُحَدِّثٌ***وَ لَا نَاظِرٌ إلَّا بِنَاظِرِ مُقْلَتِي

  • إلى أن يقول:

    1. هذا البيت هو البيت الحادي و الثلاثون بعد الستمائة من التائيّة الكبرى.

معرفة الإمام ج۵

88
  • تَسبَّبْتُ في التّوحِيدِ حتى وَجَدْتُهُ***وَ وَاسِطَةُ الأسْبَابِ إحْدَى أدِلَّتِي

  • وَ وَحَّدْتُ في الأسْبَابِ حتى فَقَدْتُهَا***وَ رَابِطَةُ التَّوْحِيدِ أجْدَى وَسِيلَةِ

  • وَ جَرَّدْتُ نَفْسِي عَنْهُمَا فَتَجَرَّدَتْ***وَ لَمْ تَكُ يَوماً قَطُّ غَيْرَ وَحِيدَةِ

  • وَ غُصْتُ بِحَارَ الْجَمْعِ بَلْ خُضْتُهَا على انْ***فرَادِي فَاسْتَخْرَجْتُ كُلَّ يَتِيمَةِ

  • لأسْمَعَ أفعَالي بِسَمْعٍ بَصِيرَةِ***وَ أشْهَدَ أقْوَالى بِعَيْنٍ صَحِيحَةٍ

  • فَإنْ نَاحَ في الأيْكِ الْهَزَارُ وَ غَرَّدَتْ***جَوَاباً لَهُ الأطيَارُ في كُلِّ دَوْحَةِ

  • وَ أطْرَبَ بِالْمِزْمَارِ مُصْلِحُهُ على***مُنَاسَبَةِ الأوتَارِ مِنْ يَدِ قِينَةِ

  • وَ غَنَّتْ مِنَ الأشْعَارِ مَا رَقَّ فَارْتَقَتْ***لِسِدْرَتِهَا الأشرَارُ في كُلِّ شَدْوَةِ

  • تَنَزَّهْتُ في آثَارِ صُنْعِي مُنَزِّهاً***عَنِ الشِّرْكِ بِالأغْيَارِ جَمْعِي وَ الْفَتِي

  • فَبِي مَجْلِسُ الأذْكَارِ سَمْعُ مُطَالِعٍ***وَ لي حَانَةُ الْخَمَّارِ عَيْنُ طَلِيعَةِ

  • وَ مَا عَقَدَ الزُّنَّارَ حُكْماً سِوَى يَدِي***وَ إنْ حُلَّ بِالإقْرَارِ بِي فَهيَ حَلَّتِ

معرفة الإمام ج۵

89
  • وَ إنْ نَارَ بِالتَّنْزِيلِ مِحْرابُ مَسْجِدٍ***فَمَا بَارَ بِالإنْجِيلِ هَيْكَلُ بِيعَةِ

  • وَ أسفَارُ تَوْرَاةِ الْكَلِيمِ لِقَوْمِهِ***يُنَاجِي بِهَا الأخْبَارُ في كُلِّ لَيْلَةِ

  • وَ إنْ خَرَّ لِلْاحْجَارِ في الْبِدِّ عَاكِفٌ***فَلَا وَجْهَ لِلإنْكَارِ بِالْعَصَبيَّةِ

  • فَقَدْ عَبَدَ الدِّينارَ مَعْنى مُنَزَّهٌ***عَنِ الْعَارِ بالإشْرَاكِ بِالْوَثَنِيَّةِ

  • وَ قَدْ بَلَغَ الإنْذَارُ عَنِّيَ مَنْ بَغَى***وَ قَامَتْ بِيَ الأعْذَارُ في كُلِّ فِرْقَةِ

  • وَ مَا زَاغَتِ الأبْصَارُ مِن كُلِّ مِلَّةِ***وَ مَا رَاعَتِ الأفْكَارُ مَن كُلِّ نِحْلَةِ

  • وَ مَا اخْتَارَ مَنْ لِلشَّمْسِ عَنْ غِرَّةٍ صَبَا***وَ إشْرَاقُهَا مِنْ نُورِ أسْفَارِ غُرَّتي

  • وَ إنْ عَبَدَ النَّارَ الْمَجُوسُ وَ مَا انْطَفَتْ***كَمَا جَاءَ في الأخْبَارِ في ألْفِ حِجَّةِ

  • فَمَا قَصَدُوا غَيرى وَ إنْ كَانَ قَصْدُهُمْ***سِوَأي وَ إنْ لَمْ يُظْهِرُوا عَقْدَ نِيَّةِ

  • رَأوْا ضَوْءَ نُورِي مَرَّةً فَتَوَهَّمُو***هُ نَاراً فَضَلُّوا في الْهُدَى بِالأشِعَّةِ

  • وَ لَوْ لا حِجَابُ الْكَوْنِ قُلْتُ وَ إنَّمَا***قِيَامي بِأحْكَامِ الْمَظَاهِرِ مُسْكِتي

معرفة الإمام ج۵

90
  • فَلَا عَبَثٌ وَ الْخَلْقُ لَمْ يُخْلَقُوا سُدًى***وَ إنْ لَمْ يَكُنْ أفْعَالُهُمْ بِالسَّدِيدَةِ

  • على سِمَةِ الأسْمَاءِ تَجْرِي امُورُهُمْ***وَ حِكْمَةُ وَصْفِ الذَّاتِ لِلْحُكْمِ أجْرَتِ

  • يُصَرِّفُهُمْ في الْقَبْضَتَيْنِ وَ لَا وَ لَا***فَقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وَ قَبْضَةُ شِقْوَةِ

  • ألَا هَكَذَا فَلْتَعْرِفِ النَّفْسَ أوْ فَلَا***وَ يُتْلَ بِهَا الْقُرْآنُ كُلَّ صَبِيحَةِ

  • وَ لِي مِنْ مُفِيضِ الْجَمْعِ عِنْدَ سَلَامِهِ***عليّ بِأوْ أدنى، إشَارَةُ نِسْبَةِ 1

    1. الحجر بالفتح: المنع، و بالكسر: الحضن.
      و الموضحي كانت في الاصل: و المُوضِحُ لي.
      اليتيمة: الدرّة الثمينة.
      الأيك: الشجر الكثير الملتفّ، و الدوحة: الشجرة الكبيرة.
      الهزار: البلبل.
      حانة الخمّار: موضع بيع الخمر.
      الزُّنَّار: ما يشدّ على الوسط.
      الهيكل: موضع في صدر الكنيسة يقرّب فيه القُبان، كالمحراب في المسجد.
      الأحبار: علماء اليهود.
      البِدّ بكسر الباء،: المثال، و التمثال و الصنم. و المقصود هنا موضع الأصنام.
      وَ لَا وَ لَا إشارة إلى الحديث الذي رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنّ الله خلق آدم فضرب بيمينه على يساره فأخرج درّيّة بيضاء كالفضّة، و من اليسرى سوداء كالحُتْمَة، ثمّ قال: هؤلاء في الجنّة و لا أُبالى، و هؤلاء في النار و لا أُبالى.
      ( شرح تائيّة الملّا عبد الرزّاق الكاشانيّ، الطبعة الحجريّة، ص 466).
      المقصود هنا السلام علينا و على عباد الله الصالحين إذ كان يقرأها النبيّ في صلاته و لذلك فقد كان يسلّم على جميع عباد الله الصالحين.

معرفة الإمام ج۵

91
  • وَ مِنْ نُورِهِ مِشْكَاةُ ذَأتى أشْرَقَتْ***علىَّ فَنَارَتْ بِي عِشَائِي كَضَحْوَتي

  • وَ آنَسْتُ أنْوَأرى فَكُنْتُ لَهَا هُدًى***وَ نَاهِيكَ مِنْ نَفْسٍ عليهَا مُضِيئَةِ

  • وَ بَدْرِيَ لَمْ يَأفُلْ وَ شَمْسِيَ لَمْ تَغِبْ***وَ بِي تَهْتَدِي كُلُّ الدَّرارى الْمُنِيرَةِ

  • في لوازم و آثار الولاية الكلّيّة التي هي الفناء المطلق

  • أنّ الامور التي نقلناها في هذا الدرس عن الفلاسفة الكبار و العرفاء العظام من المسلمين حقائق تنكشف للسالك و هو يعيش العرفان و شهود الحقّ جلّ و عزّ في عالم الفناء المطلق الذي يتمثّل في الفناء في الذات، و الفناء في جميع أسمائه و صفاته؛ أي في مقام الولاية الكلّيّة إذ لا حجاب و لا غشاوة، و حتى حجاب الإنّيّة للسالك قد تمزّق و زال بما للكلمة من معنى؛ و في هذا المقام تتحدّث ذات الحقّ المقدّسة نفسها، و ترى، و تسمع، و تأخذ و تبطش.

  • و حذارِ من أن لا يصدّق الإنسان هذه الأمور، فيحملها على المجازفة و المبالغة، لأنّ هذه الحقائق كلّها هي في مقام العرفان و التوحيد؛ أي أنها في الحقيقة تصدر عن الشخص المتحقّق بالتوحيد، أي: عن الشخص الفاني، الباقي ببقاء الحقّ؛ أي: من الحقّ جلّ و عزّ نفسه؛ لأنّ مصدر الفعل و الاصالة في العالم ليس غيره؛ غاية الأمر، أنّ الناس قبل مقام اللقاء و العرفان و الفناء يخالون أنفسهم مستقلّين في امورهم، و ذلك من وحي جهلهم. أمّا الآن فقد فهموا في عالم التوحيد أنهم كانوا على خطأ في فعلهم

معرفة الإمام ج۵

92
  • و قولهم؛ فالوجود المؤثّر و المستقلّ الوحيد ليس إلّا الذات الأحديّة فحسب تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ. و غاية سيرنا إلى الله مقام التوحيد؛ أمّا إنكار هذه المعارف فإنّه يحول دون سيرنا إلى الله، و يوصد طريق العرفان الإلهيّ بوجوهنا، و يبخس حقّنا بنقصان حظّنا من المواهب الإلهيّة المعطاءة و اللامتناهيّة، و يحدّ من الاستعداد غير المتناهي لبلوغ مقام عزّه الشامخ، و يقيّده بأغلال الدنيا و حطامها التافه و الأمور الاعتباريّة الخادعة الملهية، إلى أن يحين الأجل بغتة فيتلى علينا قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ.

  • و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم هو الرائد على طريق الولاية المطلقة، و السبّاق الفريد في هذا المضمار، و من مشكاة نوره استمدّ الأنبياء السابقون المكرّمون، بما فيهم اولو العزم.

  • و قد فتح طريق التوحيد المطلق و العرفان المحض و الشهود الأسمائيّ و الصفاتيّ و الذاتيّ لأمّته بشكل مطلق و مرسل؛ و قد حظيت امّته بمواهب لم تحظ بها امم الأنبياء السابقين.

  • و انتقل هذا الفيض من بعده لمولى الموحّدين و أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام و بنيه الكرام الأحد عشر واحداً بعد الآخر، و أصبح هذا المقام بشكل أكمل و أتمّ لبقيّة الله الحجّة بن الحسن العسكري أرواحنا له الفداء. و وجود سائر الأولياء و العرفاء الإلهيّون الحقيقيّون من بركات وجود اولئك العظام، و في عصر الغيبة ينالون نصيبهم من بركات هذه المرآة الإلهيّة التامّة؛ فيبلغون الكمال؛ و يقطفون ثمرة الوصول و الفناء.

  • أجل، فإنّ نبيّنا المقدّس صلّى الله عليه و آله و سلّم هو فاتح هذا الطريق لأمّته، و كان و لا يزال لأئمّة الحقّ و الهدى عليهم السلام جميعاً هذا

معرفة الإمام ج۵

93
  • المقام؛ فالولاية التكوينيّة أمر بسيط من منظار أهل البصائر و الفضائل و العرفاء الحقيقيّين؛ و يظفر بها كلّ من وطأت قدمه هذا المضمار بفضل الحقّ و رحمته.

  • و حينئذٍ أ فلا نأسف أن ننكر على رسول الله و الأئمّة هذا المقام؟

  • و نكتفي بالألفاظ الجوفاء وحدها لبلوغ المقامات، و نخال أنّ كلّ فضيلة و كرامة هي أمر اعتباريّ وهميّ فحسب؟

  • أنّ الولاية التكوينيّة هي من الامور الضروريّة و اللوازم الحتميّة للسير في طريق المعرفة، و العرفان، و شهود الحقّ. و المنكرون لها أيديهم خالية من المعارف الإلهيّة؛ و لم تترطّب شفاههم بماء حياة الولاية، و لم ينهلوا من الماء المعين للشهود و الوجدان، أكبادهم حرّى، مثلهم كالكلاب العاوية في البيداء القاحلة، حائرة في تيه الجهل و أرضه الحصباء.

  • مَه فشاند نور و سگ و عوعو كند***هر كسي بر باطن خود مىتند 1

  • ولاية الائمّة على هم السلام و كلام الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ

  • كلام الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ في الولاية

  • ذكر العلّامة الفقيد استاذنا المعظّم آية الله الطباطبائيّ رضوان الله عليه في رسالة الولاية موجزاً عن مقامات و درجات ولاية الأئمّة الاثني عشر للشيعة، الخلفاء المنصوبين من قبل رسول الله صلّى الله عليه و آله ننقله فيما يلي نصّاً:

  • و من الأخبار في هذا الباب، ما في «البحار»، عن «المحاسن» عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنه قال: إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ نُكَلِّمُ النَّاسَ على قَدْرِ عُقُولِهِمْ.

  • و هذا التعبير إنّما يحسن إذا كان هناك من الامور ما لا يبلغه فهم

    1. و تعريبه: يبسط القمر نوره و ينبح الكلب، فكلّ أحد ينسج تبعاً لباطنه.( يشبه هذا البيت ما جاء عن العرب: و كلّ إناء بالذي فيه ينضح).

معرفة الإمام ج۵

94
  • السامعين من الناس، و هو ظاهر. لأنه قال: نُكَلِّمُ، و لم يقل: نَقُولُ أو نُبَيِّنُ أو نَذْكُرُ، و نحو ذلك. و في هذا دلالة على أنّ المعاف التي بيّنها الأنبياء عليهم السلام إنّما وقع بيانها على قدر عقول اممهم و ما تستوعبه و تتّسع له أفكارهم، لأنهم شاءوا الميل من الصعب إلى السهل، لا أنهم اقتصروا بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقاً بالعقول، اقتصاراً من المجموع بالبعض.

  • و بعبارة اخرى: فإنّ تعبير رسول الله ناظر إلى الكيف دون الكمّ، فيدلّ على أنّ حقيقة هذه المعارف درايةٌ وراءها ما تسير العقول لإدراكه في المعارف بالبرهان و الجلال و الخطابة، و قد بيّنها الأنبياء عليهم السلام بجميع طرق العقول من البرهان و الجدل و الوعظ كلّ البيان، و قطعوا في شرحها كلّ طريق ممكن.

  • و من هنا يعلم أنّ للمعارف الإلهيّة مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظيّ؛ لو نزلت إلى مرتبة البيان لدفعتها العقول العاديّة، أمّا لكونها خلاف الضرورة عندهم، أو لكونها منافية للبيان الذي بيّنت لهم به و قبلته عقولهم.

  • و من هنا يظهر أنّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول. و هو الإدراك الفكريّ، فإنّهم ذلك!

  • و منها الخبر المستفيض المشهور:1 انّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ

    1. هذه الأحاديث كثيرة؛ و جاءت بتعابير متنوّعة بلغت حدّ الاستفاضة. ذكرها المجلسيّ في الجزء الأوّل من« بحار الأنوار» طبع كمباني من ص 117 إلي ص 126 تحت عنوان:« باب إنّ حديثهم عليهم السلام صعب مستصعب و إنّ كلامهم ذو وجوه كثيرة، و فضل التدبّر في أخبارهم و التسليم لهم، و النهي عن ردّ أخبارهم»

معرفة الإمام ج۵

95
  • لا يَحْتَمِلُهُ إلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أوْ نَبِيّ مُرْسَلٌ أوْ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ.

  • و منها، و هو أدلّ على المقصود من سابقه، ما في «البصائر» مسنداً عن أبي الصامت، قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: انّ مِنْ حَدِيثِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيّ مُرْسَلٌ وَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ. قلتُ: فمن يحتمله؟ قال: نَحْنُ نَحْتَمِلُهُ.

  • و الاخبار في هذا المساق أيضاً مستفيضة، و في بعضها: قلتُ: فمن يحتمله، جعلت فداك؟! قال: مَنْ شِئنَا.

  • و في «البصائر» أيضاً عن المفضّل، قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

  • أنّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ، مُسْتَصْعَبٌ، ذَكْوَانٌ، أجْرَدُ، وَ لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَ لَا نَبِيّ مُرْسَلٌ، وَ لَا عَبْدٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمانِ.

  • أمَّا الصَّعْبُ فَهُوَ الذي لَمْ يُرْكَبْ بَعْدُ؛ وَ أمَّا الْمُسْتَصْعَبُ فَهُوَ الذي يُهْرَبُ مِنْهُ إذا رُئيَ، وَ أمَّا الذَّكْوَانُ فَهُوَ ذَكَّاءُ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَ أمَّا الأجْرَدُ فَهُوَ الذي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لَا مِنْ خَلْفِهِ وَ هُوَ قَوْلُ اللهِ:

  • «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» فَأحْسَنُ الْحَدِيثِ حَدِيثُنَا، وَ لَا يَحْتَمِلُ أحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ أمْرَهُ بِكَمَالِهِ حتى يَحُدَّهُ لأنهُ مَنْ حَدَّ شَيْئاً فَهُوَ أكْبَرُ مِنْهُ؛ وَ الْحَمَدُ للهِ على التَّوْفِيقِ؛ وَ الإنْكَارُ هُوَ الْكُفْرُ.1

    1. الصَعْبْ هو الحيوان الشموس الذي لا يركب؛ في مقابل الذَّلُول و هو الحيوان الذي يسهل انقياده، و المُسْتَصْعَب هو الحيوان الذي يفرّ منه الإنسان خوفاً من حدّته و خشية من ضرره. و قد شبّه الإمام حديثهم هنا بهذا الحيوان، أي: لا قبل لكلّ أحد بالاقتراب من أسرار آل محمّد؛ و الذكوان من ذَكَتْ تَذْكُو النَّارُ: اشتدَّ لَهِيبُها. و كما ذكر المجلسيّ حديثاً مماثلًا له جاء فيه: ذَكّاء المؤمنين، أي: هو متّقد و يهيّج الناس على الدوام. و الاجْرَد: هو الذي ليس في جسمه شعر؛ فهو نظيف و وسيم للغاية. و يؤتي بهذه الكلمة تعبيراً عن النضارة و الحسن من باب الاستعارة.

معرفة الإمام ج۵

96
  • قوله: لَا يَحْتَمِلُ، إلى قوله: حتى يَحُدَّهُ مع ما في صدر الحديث من نفي الاحتمال، يدلّ على أنّ حديثهم عليهم السلام أمر ذو مراتب، يمكن أن يحتمل بعض مراتبه بواسطة التحديد، و يشهد له تعبيره عن الحديث في رواية أبي الصامت بقوله عليه السلام: مِنْ حَدِيثِنَا. فيكون حينئذٍ مورد هذه الرواية مع الرواية الاولى: لَا يَحْتَمِلُهُ إلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ مورداً واحداً لكونه مشكّكاً ذا مراتب؛ و يكون أيضاً كالتعميم النبويّ السابق إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبيَاءِ نُكَلِّمُ النَّاسَ على قَدْرِ عُقُولِهِمْ.

  • و العلّة في عدم تحديد الخلائق حديثهم لأنّ ظروفهم التي بها يحتملون ما يحتملون، و هي ذواتهم و حدود وجودهم، محدود، فيصير ما يحتملونه محدوداً، و هو السبب في عدم إمكان أحد احتمال حديثهم بكماله، لأنه أمر غير محدود و خارج عن حدود الإمكان، و هو مقامهم من الله سبحانه حيث لا يحدّه حدّ، و هو الوَلَاية المُطْلَقَة. و سيجيء إن شاء الله العزيز في بعض الفصول الاخيرة كلام فيه أبسط من هذا.

  • و منها أخبار اخر تؤيّد ما مرّ، كما عن «بصائر الدرجات» مسنداً، عن مُرازِم، قال أبو عبد الله عليه السلام: انّ أمْرَنَا هُوَ الْحَقُّ؛ و حَقُّ الْحَقِّ؛ وَ هُوَ الظَّاهِرُ؛ وَ بَاطِنُ الظَّاهِرُ؛ وَ بَاطِنُ الْبَاطِنِ؛ وَ هُوَ السِّرُّ؛ وَ سِرُّ السِّرِّ؛ وَ سِرُّ الْمُسْتَسِرِّ؛ وَ سِرٌّ مُقَنَّعٌ بِالسِّرِّ.

  • و ما في بعض الأخبار: انّ لَلْقُرْآنِ ظَهْرَاً وَ بَطْنَاً، وَ لِبَطْنِهِ بَطْنَاً، إلى سَبْعَةِ أبْطُنٍ. و ما في خبر آخر: انّ ظَاهِرَهُ حُكْمٌ، وَ بَاطِنَهُ عِلْمٌ.

  • و ما في بعض أخبار الجبر و التفويض، كما عن «توحيد» الصدوق مسنداً عن مُرازم، عن الصادق عليه السلام في حديث، قال: فَقُلتُ لَه:

معرفة الإمام ج۵

97
  • فأيّ شَيءٍ هُوَ، أصْلَحَكَ اللهُ؟! قَالَ: فَقَلَّبَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ عَلَيهِ السَّلامُ: لَوْ أجَبْتُكَ فِيه لَكَفَرْتَ!

  • و في الأبيات المنسوبة إلى السجّاد عليه السلام قوله:

  • وَ رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ

  • لَقِيلَ لِي أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْوَثَنَا و من الروايات، أخبار الظهور التي تفضي بأنّ القائم المهديّ عليه السلام بعد ظهوره يبثّ أسرار الشريعة، فيصدّقه القرآن. و ما في «بصائر الدرجات» مسنداً عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر (الصادق) عليه السلام عن أبيه (الباقر) عليه السلام، قال: ذَكَرْتُ التَّقِيَّةَ يَوْمَاً عِنْدَ على بْنِ الْحُسَيْنِ عليهِ السَّلامُ. فَقَالَ لِي: لَوْ عَلِمَ أبُو ذَرٍّ ما في قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ وَ قَدْ آخَى بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ- الحديث.

  • و في الخبر أنّ أبا جعفر عليه السلام حدّث جابراً1 بأحاديث، و قال:

  • لو أذعتَها، فعليك لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.

  • و ما في «بصائر الدرجات» أيضاً عن المفضّل، عن جابر، حديث ملخّصه: أنه شكى ضيق نفسه عن تحمّلها، و إخفائها بعد أبي جعفر عليه السلام إلى أبي عبد الله عليه السلام فأمره أن يحضر حفيرة و يدلي رأسه فيها، ثمّ يحدّث بما تحمّله، ثمّ يطمّها فإنّ الأرض تستر عليه.

  • و ما في «بحار الأنوار» عن «الاختصاص»، و «بصائر الدرجات»، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، في حديث: يَا جَابِرُ، مَا سَتَرْنَا عَنْكُمْ أكْثَرُ مِمّا أظْهَرْنَا لَكُمْ.

    1. هو جابر بن يزيد الجُعفيّ من أعاظم أصحابه عليه السلام، لا جابر بن عبد الله الأنصاريّ.

معرفة الإمام ج۵

98
  • و متفرّقات الأخبار في هذه المعاني أكثر من أن تحصى، و قد عدّوا جمعاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم من أصحاب الأسرار، كسَلْمَان الفارسيّ، و أوَيْسِ الْقَرَنِيّ، و كُمَيْل بن زياد النخعيّ، و مَيْثَم التمّار الكُوفيّ، و رُشَيْد الهَجَريّ، و جَابِرِ الْجُعْفِيّ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.1

  • تدلّ الآية الكريمة التي صدّرنا بها درسنا هذا، أعني: قوله تعالى:

  • النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ على ولاية رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم على جميع المؤمنين، و إطلاق هذه الولاية في المجال التكوينيّ و التشريعيّ، بل حقيقة الولاية في مجال التكوين و الحقيقة، و بعد ذلك في مجال التشريع و الاعتبار.

  • في معنى الولاية التكوينيّة و الولاية التشريعيّة

  • و معنى الولاية التكوينيّة: أنّ رسول الله- حقّاً- هو الواسطة و الحجاب بين العبد و ربّه؛ و أنّ جميع الفيوضات تفاض من الله على العباد، كالحياة و العلم و القدرة و غيرها بواسطته حيث يمثّل مرآة الحقّ، و هو في مقام الولاية و بدون واسطة.

  • و معنى الولاية التشريعيّة: أنّ إرادة رسول الله مقدّمة على كلّ إرادة في مقام اتّخاذ القرار، و الاختيار للمؤمنين، و تحلّ إرادته بديلة عن إرادة المؤمن. أي: أنّ المؤمن إذا أراد أن ينجز عملًا، و منعه رسول الله، أو إذا لم يرد، و أمره به، فيجب عليه أن يقدّم أمر الرسول و نهيه على إرادته و خيرته. و يطبّق أوامره، سواء في الحرب أو في السلم، و سواء في أخذ المال أو إعطائه. و سواء في النكاح أو الطلاق أو الجلاء عن الوطن، أو

    1. رسالة« الولاية» للعلّامة الفقيد آية الله الطباطبائيّ رضوان الله عليه، و هي من مخطوطاتي، ص 3 إلي 6.

معرفة الإمام ج۵

99
  • كسب الرزق، أو سائر الشؤون الحياتيّة. و أنّ التعاليم الدينيّة و التكاليف الإلهيّة، كلّها تصدر عن رسول الله، و طاعتها واجبة.

  • قصّة زواج زينب من موارد إعمال الولاية التشريعيّة لرسول الله

  • زواج زيد بن حارثه من زينب و طلاقه لها

  • و من الحقول التي طبّقت فيها الولاية التشريعيّة لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قصّة زينب. فقد زوّجها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بأمره الوَلائيّ من غلامه ودعيّه زيد بن حارثة، و بعد أن طلّقها زيد، تزوّجها رسول الله بأمره الوَلائيّ أيضاً.

  • و توضيح ذلك: أنّ زَيْنَب و هي بنت عمّة النبيّ، و امّها امَيْمَة بنت عبد المطّلب، و كانت قد تزوّجت رجلًا اسمه جَحْش فأنجبت منه بنتاً تدعى زَيْنَب، فزَيْنَبِ بِنْتُ جَحْشْ هي بنت امَيمَة بنت عبد المطلّب، و بنت عمّة رسول الله.

  • و كان زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ غلام رسول الله؛ و أعْتقه النبيّ، و سمّاه بعد عتقه: ابنه. و كانت قضيّة الابن بالتبنِّي معروفة و مشهورة و متداولة بين الناس آنذاك.

  • و من الطبيعيّ فقد كانت أعمال رسول الله كلّها تنطلق من الحكمة و المصلحة، و ها نحن نقف على قسم منها.

  • كان العرب في العصر الجاهليّ يعتبرون الابن بالتبنّي، و هو الدَّعِيّ كما يعبّرون عنه، ابناً حقيقيّاً في الأحكام، و في جميع الخصوصيّات من نكاح، و إرث، و سائر الامور، فهو كالابن الحقيقيّ. و إذا كانت بنتاً، فهي كالبنت الحقيقيّة.

  • و لذلك فإنّهم عند ما كانوا يزوّجونه، فقد كانوا يعتبرون زوجته زوجة حقيقيّة تشملها أحكام المحارم. و إذا ما طلّق الدعيّ زوجته، فإنّهم كانوا لا يتزوّجونها، و ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أنها زوجة ابنهم، و أنها كنّتهم، و لها حرمة مؤبّدة.

معرفة الإمام ج۵

100
  • و من جهة اخرى، كانت الحياة الأرستقراطيّة شائعة بين العرب؛ فكانت المرأة ذات النفوذ و الشخصيّة فيهم تأبي الزواج من عبد مُعتق ليس له شأن من حيث الحسب و النسب.

  • و كان كبار العرب يزوّجون بناتهم لأشخاص معروفين، من أهل البيوتات و من ذوي القبائل و العشائر و ممّن لهم مكانة و منزلة في المجتمع، و يرون تزويجهُنّ للفقراء، و العبيد المعتقين أكبر عار عليهم. و كانوا يؤثرون الموت أو تطليق بناتهم على مثل هذا الزواج.

  • و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم مكلّفاً من ربّه أن ينسف هذه الأحكام الجاهليّة نسفاً.

  • أوّلًا: أن يعلن للناس أنّ شرف المؤمن بالإيمان و التقوى؛ لا بالمال و الحَسَب و النَّسَب؛ و لذلك فكلّ مسلم فقير، حتى لو كان عبداً معتقاً، له الحقّ أن يتزوّج من بنات المتنفّذين و الوجهاء؛ و كذلك يمكن لبنات المتنفّذين و الوجهاء الزواج من المؤمنين الفقراء.

  • فالتكافؤ في الزواج و اختيار الزوج و الزوجة هو الإيمان و التقوى، لا التكافؤ في المال و الاعتبار و العشيرة و القوم و القبيلة.

  • و ثانياً: أن يعلن للناس أنّ الابن بالتبنّي ليس ابناً حقيقيّاً، و أنّ التبنّي لا يترتب عليه أيّ أثر من آثار النسب؛ فالدعيّ ليس ابناً؛ و الدعيّة ليست بنتاً. و أنّ الدعيّ لا يرث و لا يورث؛ و هو ليس محرماً؛ و البنت الدعيّة ليست محرماً؛ و الابن الدعيّ ليس محرماً بالنسبة إلى زوجة الإنسان؛ و زوجته لا تعتبر كنّة للإنسان، و لا تكون محرماً بالنسبة إليه؛ فأن طلّق الابن الدعيّ زوجته، فللإنسان أن يتزوّجها بعده؛ لأنها امرأة أجنبيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، و هي ليست من المحارم. قال تعالى: وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي

معرفة الإمام ج۵

101
  • السَّبِيلَ.1

  • و كان رسول الله يريد تطبيق هذه الأحكام، بَيدَ أنه كان يخشى الناس، و يخشى ممّن كانوا حديثي عهد بالإسلام، فربّما كانوا سيستوحشون، و لا يتنازلون للرسالة، و ربّما يرتدّون عن الدين و هم يقولون: جاء محمّد بشريعة تحلّل نكاح المحارم كشريعة المجوس، و العياذ بالله.

  • فخشيته الناس كانت لله و بدافع الحرص على الدين، بَيدَ أنّ الله أمره أن لا يخشى الناس! و أن يخشاه، و ينفّذ هذا الأمر.

  • كأمْرِهِ له في بيعة الغدير: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.2

  • و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم عند نزول الأحكام العسيرة على الذين لا قبل لهم بها في بادئ الأمر، يطبّقها في البداية على نفسه و عشيرته الأقربين، ليعلم الناس أنّ رسول الله بنفسه المقدّسة يجري عليه هذا الحكم، و أنه يطبّقه على نفسه؛ فتزول بذلك كلّ وحشة و قلق، أو تخفّ وطأتهما.

  • و على سبيل المثال، فعند ما أراد أن يضع الربا، ويحكم بحرمته، و يفسخ الأموال الربويّة التي كان يأخذها الناس بعضهم من بعض في الجاهليّة، و لا يضع لها اعتباراً، فقد بدأ بربا عمّة العبّاس. و طبّق عليه هذا الحكم، فأسقط جميع الأموال الربويّة التي كان قد أقرضها للناس، كما جاء ذلك في خطبة حجَّة الوداع التي ألقاها في عرفات فقا جاء: وَ وَضَعَ رِبَا

    1. الآية 4، من السورة 33: الأحزاب.
    2. الآية 67، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۵

102
  • الْجَاهِلِيَّةَ وَ أوّلُ رِباً وَضَعَهُ رِبا عَمِّهِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.1

  • و عند ما أراد أن يضع دماء المشركين و غير المسلمين، فقد بدأ بدم ابن عمّه: رَبيعَة بن الحارث بن عبد المطّلب الذي اريق أيّام الشرك في الجاهليّة، حيث قتله هُذَيْل. كما جاء في خطبته، حيث ورد:

  • وَ وَضَعَ الدِّماءَ في الْجَاهِلِيَّةِ وَ أوَّلُ دَمٍ وَضَعَهُ دَمُ ابْنِ عَمِّهِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلَهُ هُذَيْلٌ.

  • فَقَالَ: أوّلُ دَمٍ أبْدَا بِهِ مِنْ دِمَآءِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ فَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الإسْلَامِ.2 و قال في الخطبة: انّ دِمَاءَكُمْ وَ أمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عليكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا3 في بَلَدِكُمْ هَذَا. ألَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ؛ وَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وَ أوّلُ رِبا أضَعُ رِبا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

  • و عند ما أراد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يطبّق الأمر الأوّل، و هو التزاوج بين الأشراف و الضعفاء، فإنّه أراد أن يطبّقه على عشيرته الأقربين، فذهب عند زَيْنَب بنت جَحْش (بنت عمّته) و خطبها لزَيد بن حَارِثَةِ غلامه ودعيّه، فعزّ على زينب هذا الأمر كما جاء في تفسير «الدرّ المنثور»:

  • أخرج ابن جرير عن ابن عبّاس، قال: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه [وَ آلِهِ] وَ سلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَاسْتَنْكَفَتْ مِنْهُ

    1. «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 298.
    2. نفس المصدر.
    3. اليوم الحرام هو يوم عرفة، و هو محترم للغاية، و الشهر الحرام هو شهر ذي الحجّة و هو شهر محترم، و البلد الحرام مكّة، كانت لها حرمتها، و لا يمكن الدخول فيها بدون إحرام.

معرفة الإمام ج۵

103
  • وَ قَالَتْ: أنا خيْرٌ مِنْهُ حَسَباً، وَ كَانَتْ امْرَاةً فِيها حِدَّةٌ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالى:

  • وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً.1

  • و في ضوء الأمر الوَلائيّ لرسول الله، قبلت زينب بالزواج من زيد، و أصبحت زوجة له؛ غير أنّ هذا الزواج لم يكن مقروناً بالهدوء و السكينة، إذ كانت زينب ترى في نفسها الشرف و العظمة، و ترى زوجها غلاماً معتوقاً لابن خالها: محمّد رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ.

  • و ضاق زيد ذرعاً لفقدان الانسجام النفسيّ مع زوجته، و جاء إلى رسول الله مِراراً، و طلب منه أن يطلّق زينب، فلم يسمح له النبيّ بذلك و كان يقول له: أمسك عليك زوجك، و لا تطلّقها.

  • وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ.2

  • إلى أن تفاقم الوضع و تأزّمت الحياة حتى بلغ الأمر درجة نفد معها صبر زيد، و شعر بالتعب، فجاء إلى رسول الله و قال له: لا طاقة لي على العيش مع زينب، فأْذَنْ لي بطلاقها، فأذِن له النبيّ، و طلّقها.

  • وهنا كلّف النبيّ أن يطبّق الحكم الثاني، و هو إلغاء الآثار المترتّبة على التبنّي؛ فبدأ بنفسه في المرحلة الأولى إذ امِر بزواج زينب، امرأة دعيّه التي هي في حكم كنّته؛ ليتّضح للناس عمليّاً أنّ زوجة الدعي ليست كنّة، و أنّ زواجها ليس فيه إشكال. بَيدَ أنّ النبيّ كان يخشى الناس، لأنّ الأمر جديد عليهم، فإذا تزوّج زينب، فإنّ الناس سيقولون: تزوّج كنّته، فيرتدّوا

    1. الآية 36، من السورة 33: الأحزاب.
    2. النصف الأوّل من الآية 37، من السورة 33: الأحزاب.

معرفة الإمام ج۵

104
  • عن الدين، و لعلّ الأمر ينقلب على الإسلام في تلك الظروف.

  • جاءت هذه الآية لتخاطبه صلّى الله عليه و آله قائلة: أ تخشى الناس! لا تخش! طبّق أمر الله، و الله أحقّ أن تخشاه! إنّك تخفي في نفسك ما الله مبديه: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. (تتمّة الآية)

  • تزوّج رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم زينب بأمر الله مع خشيته الناس، و ذلك رفعاً لهذه البدعة الجاهليّة؛ و قد سدّده الله و أعانه؛ و استبان ضعف المؤاخذة التي طرحها الناس؛ و قد نُفّذ هذا الحكم بحمد الله، و لم تعد آثار الابن الحقيقيّ مترتّبة على الابن بالتبنّي (الدعي).

  • فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. (بقيّة الآية 37).

  • جاء قضاء الوَطَر- الذي يعني الاستمتاع و الدخول- مرّتين في هذه الآية لتفهمنا على أنّ الزواج من امرأة الدعي حتى بعد المضاجعة و المواقعة صحيح لا غبار عليه؛ و أنّ هذا الحكم لا يقتصر على عدم المواقعة فقط.

  • هذه هي حقيقة قصّة زينب، و قد تبيّن الأمر الولائيّ لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم وفقاً للآية القرآنيّة الشريفة و التفاسير الشيعيّة؛ بَيدَ أنّ كثيراً من تفاسير أهل السنّة نقل القصّة بصورة غير مستحسنة.

  • قصّة زينب في نظر تفاسير العامّة و المستشرقين

  • و لمّا استند المستشرقون على تواريخ أهل السنّة و تفاسيرهم لمعرفة الإسلام؛ فلهذا صاروا ينظرون إلى الإسلام من منظار سنّيّ، و بالتالى استشكلت الأمور عليهم.

  • يقول غوستاف لوبون الفرنسيّ في كتاب «تاريخ الحضارة الإسلاميّة و العربيّة»:

معرفة الإمام ج۵

105
  • «بلغ حبّ النبيّ للمرأة درجة أنه وقعت عينه ذات يوم على زوجة دعيّه زيد صدفة، و كانت عارية؛ فرغب فيها. و عند ما علم زيد ذلك، طلّقها، فتزوّجها النبيّ. و كان لهذا الخبر صدى سيّئ بين الناس، فاعترض بعضهم على ذلك؛ إلّا أنّ جَبرَئيلَ الذي كان ينزل على النبيّ كلّ يوم، أتى بالوحي من عند الله على أنّ هذا العمل الذي قام به النبيّ لم يخلو من المصلحة؛ فسكت الناس بعد ذلك.»1

  • و استبان ممّا قدّمناه أنّ صورة هذه القضيّة كانت بشكل آخر تماماً؛ و على عكس هذه النظريّة و في الجهة المقابلة لها تماماً.

  • يقول العلّامة الطباطبائيّ: إعتذر جمع من المفسّرين عن عمل رسول الله بأنها حالة جبلّيّة لا يكاد يسلم منها البشر، فإنّ فيه:

  • أوّلًا: منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهيّة.

  • ثانياً: أنه لا معنى حينئذٍ للعتاب على كتمانه و إخفائه في نفسه، فلا مجوّز في الإسلام لذكر حلائل الناس و التشبّب بهنّ.2

  • و يلاحظ في تواريخ أهل السنّة و تفاسيرهم مثل هذه الطعون و التهم الرخيصة المشينة منسوبة إلى رسول الله. بينما تخلو منها تواريخ الشيعة و تفاسيرهم بشكل عامّ. و لعلّ السبب في ما يلاحظ عند العامّة هو أنهم أرادوا- وفقاً لآرائهم- أن يهبطوا بمقام رسول الله عن القدسيّة و الطهارة و العصمة، و يطابقوا ما عندهم في رسول الله مع الأحاديث المجعولة في مدح الشيخين التي ترفع مقامهما و منزلتهما إلى أبعد مدى ممكن؛ و حينئذٍ لا يكون هناك فرق بين رسول الله و بينهما. و لو كان موجوداً، فهو قليل؛

    1. «تاريخ الحضارة» ص 121، 122، ضمن الفصل الرابع.
    2. «تفسير الميزان» ج 16، ص 343.

معرفة الإمام ج۵

106
  • و هذه أكبر خيانة للتأريخ، و أكبر تجنّ على الحقيقة إذ يُتّهم النبيّ بأمر غير صحيح إعلاءً لشخص آخر.

  • و لو قال أحد: أنّ الشيعة قد انتهجوا في مدح على بن أبي طالب و تمجيده كما فعل السنّة في اختلاق الروايات لمدح الشيخين و عثمان. فإنّنا نجيب قائلين: هذا كلام خاطئ، لانّ مقاليد الأمور و الحكومة السياسيّة كانت بِيَدِ أنصار الخلفاء و مؤازريهم بعد رسول الله؛ و كان أنصار على بن أبي طالب بين منبوذ، و طريد، و حبيس، و مضروب، و مقتول.

  • و لم يكن هذا الأمر في يوم أو يومين بل استمرّ حتى عصر رفع التقيّة أيّام الصفويّين و ذلك بفتوى العالم الكبير و الشيخ الجليل: الشيخ عبد العالى الميسيّ الكَرَكيّ العامليّ، المعروف بالمحقّق الكركيّ و المحقّق الثاني.

  • فالسلطة و الحكومة و بيت المال و التبليغ و الإعلام كلّها كانت بأيدي المعارضين من جميع الجهات، فأنى للشيعة أن يختلقوا رواية أو حديثاً؟

  • و متى استطاعوا ذلك؟ إنّهم لم يستطيعوا أن ينقلوا الروايات المأثورة في فضائل أئمّتهم و مناقبهم للآخرين وجهاً لوجه، و الشواهد التأريخيّة على ذلك جمّة، فكيف يتسنّى لهم أن يزيدوا على المرويّات في فضائل الأئمّة روايات يختلقونها و يبثّونها بين الناس؟ و قد سُئل الشافعيّ عن أمير المؤمنين عليه السلام و هو من كبار المخالفين و أئمّتهم، فقال: مَا أقُولُ في رَجُلٍ أسَرَّ أوْلِيَاؤُهُ مَناقِبَهُ تَقِيَّةً وَ كَتَمَها أعْداؤهُ حَنَقاً وَ عَدَاوةً وَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ شَاعَ مِنْهُ مَا مَلأتِ الْخَافِقَيْنِ.

  • و قد أخذ السيّد تاج الدين العامليّ هذا المفاد من الشافعيّ، فنظم قائلًا:

  • لَقَدْ كَتَمَتْ آثارَ آلِ محمّد***مُحِبُّوهُمْ خَوْفاً وَ أعْدَاؤهُمْ بُغْضا

معرفة الإمام ج۵

107
  • فَأبْرِزَ مِنْ بَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ نَبْذَةَ***بِهَا مَلأ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضا 1

  • و هذا كلام جدير بالدقّة و التمعّن. و السلام علينا و على عباد الله الصالحين.

    1. «الكني و الألقاب» ترجمة الشافعيّ ج 2، ص 316، طبع صيدا.

معرفة الإمام ج۵

108
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّامِنُ وَ السِّتُّون إلى الدَّرْسِ الْحَادِيَ وَ السَّبْعِينَ الْوَلَايَةُ عَيْنُ التّوحِيد؛ وَ ضَرُورِية لِقَوَامِ الْعَالَم وَ نَظَامِه

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۵

110
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلى العظيم

  •  

  •  

  • الآيات الدالّة على انحصار الولاية على الله عزّ و جلّ.

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • إن و ليي الله الذي نزل الكتاب و هو يتولي الصالحين.1

  • لدينا آيات في القرآن الكريم تقصر الولاية على الله؛ و تجعلها له بصورة تامّة و بدون أيّ استثناء، كالآيات التالية:

  • قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.2

  • و نرى في هذه الآية أنّ الولاية ملازمة لخلق السماوات و الأرض.

  • و أنّ واجب الوجود هو الحقّ بذاته؛ يطعم الناس و يرزق العالم؛ و هو لا يُطعَم و لا يُرزَق؛ فالولاية منحصرة به مقصورة عليه.

  • أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَ هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.3

    1. الآية 196، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 14، من السورة 6: الأنعام.
    3. الآية 9، من السورة 42: الشوري.

معرفة الإمام ج۵

111
  • وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ.1

  • وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ.2

  • و نلحظ في هذه الآيات كلّها و آيات اخرى غيرها أنّ الولاية من الصفات المختصّة بالبأرى عزّ و جلّ، و أنّ الوليّ من أسمائه المختصّة به.

  • و نلحظ من جهة اخرى وجود آيات تنسب الولاية إلى غير الله، نحو قوله:

  • وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.3

  • حيث نرى أنّ هذه الآية المباركة قد ألحقت جبريل و أمير المؤمنين عليهما السلام بالله، و جعلتهما وليّين لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.4

  • نرى أنّ هذه الآية قد حدّدت ولاية رسول الله، و ولاية أمير المؤمنين عليه السلام الذي تصدّق بخاتمه راكعاً، مضافاً إلى ما نلحظه من ولاية الله فيها أيضاً.

  • أنّ جوابنا لحلّ هذه المسألة و علاج هذا الخلاف الذي يبدو خلافاً في

    1. الآية 28، من السورة 42: الشوري.
    2. الآية 107، من السورة 2: البقرة؛ و الآية 22، من السورة 29: العنكبوت؛ و الآية 31، من السورة 42: الشوري.
    3. الآية 4، من السورة 66: التحريم.
    4. الآية 55، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۵

112
  • ظاهره هو نفس الجواب الذي قدّمناه في مجالات متعدّدة؛ و هو: أنّ صفات الله هي صفات لله بالأصالة، و لغيره بالتبعيّة. فالله نور و الآخرون شعاع من هذا النور: و الله نور و ما عداه ظلّ.

  • فلا تناقض عندئذٍ، لأنّ ولاية رسول الله و أمير المؤمنين هي من ولاية الله و بها.

  • و مثل هذه المسألة كثير في القرآن الكريم. و من ذلك قوله جلّ اسمه:

  • أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.1

  • و قوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً.2 بينما يقول في موضع آخر: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.3

  • عزّة الله هي لله و لذاته؛ و عزّة رسول الله و المؤمنين هي من الله، و عرضيّة بالنسبة إليهم. كذلك الولاية فهي لله ذاتيّة، و لغيره عرضيّة. كوجه صاحب الصورة، فهو له ذاتيّ، و للمرآة التي ينظر فيها عرضيّ.

  • و ليس لأحد أن يسلب شكله و صورته من نفسه؛ بَيدَ أنه يستطيع أن ينظر في المرآة فينعكس فيها وجهه، و يستطيع أن يرفع وجهه عن المرآة؛ فلا يرى فيها حينئذٍ وجه ملحوظ.

  • الولاية للّه ذاتيّة و لغيره عَرَضيّة

  • أنّ وَلاية الله من الصفات و الأسماء من لوازم ذاته؛ و هي ولاية بالاصالة و الحقيقة؛ بَيدَ أنّ الولاية الإلهيّة الكلّيّة و العامّة و المطلقة

    1. الآية 139، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 10، من السورة 35: فاطر.
    3. الآية 8، من السورة 63: المنافقون.

معرفة الإمام ج۵

113
  • لرسول الله و الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم تَبَعيّة وَ عَرَضيّة؛ و مرآتيّة و آيتيّة، و هي من الله، و قد تجلّت في هذه المرايا المتلالئة و الآيات المتألّقة.

  • و ما لم تكن الولاية موجودة، فلن يتحقّق العالم و لن يقرّ له قرار، و لن يكون له وجود و ثبات، بل هو معدوم فان.

  • ذلك لأنّ نزول نور الهويّة الإلهيّة في اسم الله و سائر صفات الجمال و الجلال يتحقّق بواسطة انعكاس نور الذات و المرايا المختلفة؛ لكي تتحقّق الكثرة في عالم الإمكان و تتّصل الموجودات بعضها ببعض، و يرتبط الحادث بالقديم؛ و هذا الأمر محال بغير الولاية.

  • كما أنّ الخلق و المخلوقيّة بدون صفة الخلّاقيّة و اسم الله الخلّاق محال، و كذلك المرزوق و المطعوم بدون صفة الرازقيّة و الطاعميّة لله محال؛ و المعلوم بدون العلم؛ و الرحمة بدون الرحمن و الرحيم محال؛ و كذلك إيجاد الموجودات و تربيتها فإنّه محال بدون ولاية؛ لأنّ الإيجاد و الإحياء و الإماتة و التربية كلّها في ظلّ الاسم و صفة الوليّ و الولاية؛ و لا إمكان لتحقّقها بدون ذلك.

  • الولاية قائمة في كلّ كائن و موجود وفقاً لسعة هويّته الوجوديّة و ضيقها، لأنّ الولاية هي عبارة عن عدم وجود حجاب و مسافة بين الخلق و الخالق؛ و إذا ما وجد الحجاب و المسافة، فالخلقة ممتنعة.

  • فكلّ موجود هو مع الولاية و لها اعتباراً من التبنة إلى الجبال الراسيات؛ و من الذرّة إلى الشمس و منظومتها؛ أي: على ارتباط بحت بالله القادر، و الموجِد، و العالم، و الرازق.

  • غاية الأمر، أنّ الموجودات الضعيفة هي تحت ولاية الموجودات

معرفة الإمام ج۵

114
  • القويّة؛ و هذه أيضاً تحت ولاية الموجودات التي هي أقوى؛ إلى أن تصل إلى نقطة، توجِد فيها الولاية الإلهيّة الكلّيّة و المطلقة و العامّة جميع الموجودات تحت هذه الصفة و الاسم، و ترزقها؛ و تميتها و تحييها؛ و تفيض عليها بالعلم، و السمع، و البصر، و القدرة.

  • و ما يلزم خلقة كافّة الموجودات الكثيرة على اختلاف درجاتها في الوجود هو الارتباط بالولاية الكلّيّة ذات السعة و الإحاطة الأكثر، و القدرة و التناهي الأوسع من جميع الجهات.

  • و هي التي يقال لها أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ، و هي الحجاب الأقرب و المرآة التامّة للذات، و صفات الجمال و الجلال لله جلّ و علا. و منها ينطلق عالم الكثرة من المُلك و الملكوت، و العقول، و النفوس، و عالم الطبع؛ و بواسطة اتّساع الولاية في شبكات عالم الإمكان المختلفة تتقمّص الموجودات لباس الوجود تدريجاً، من الأعلى إلى الأسفل، و من القويّ إلى الضعيف، و من الوسيع إلى الماهيّة الضيّقة.

  • و أنّ أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ التي مرآتها أوسع من الموجودات كلّها، يمكنها أن تعبّر عن الذات و الصفات بدون نقص و بخس، و هي الولاية المطلقة و الكلّيّة؛ لأنها- وفقاً للافتراض- الحجاب الأقرب، و أقرب موجود إلى ساحة الكبرياء المقدّسة من حيث القرب.

  • و فرقها عن ذات البأرى تعالى هو أنها عَرَضِيّة و مجازيّة، و الذات المقدّسة ذاتيّة و حقيقيّة، و ذلك لعدم وجود أيّ مؤثّر في عالم الوجود غير الذات الإلهيّة. فالفرق بين أوَّلِ مَا خَلَقَ، و بين الموجودات الأخرى هو أنّ سعة ذلك أكثر، لا أنّ له وجوداً من ذاته؛ لا، ليس الأمر كذلك.

  • أنّ الكائنات و الموجودات جميعها اعتباراً من أوَّلِ ما خَلَقَ إلى آخر درجة في الماهيّات الإمكانيّة الضعيفة و الوضعيّة، كلّها فقيرة و محتاجة إلى

معرفة الإمام ج۵

115
  • الله؛ بل هي عين الفقر و الحاجة. و الروح الأمين و سائر الملائكة المقرّبين كلّهم على هذه الشاكلة أيضاً. و لا يستثنى من هذه القاعدة شيء في عالم الإمكان. و كلّ شيء في العالم هو ممكن الوجود غير ذات واجب الوجود.

  • أنّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ، في الوقت الذي يتفوّق على الكائنات و الموجودات جميعها إنشآءً و إعداداً و قدرة، إلّا أنه يظلّ مرآة. غير أنها مرآة أوسع و أتمّ و أدلّ. و لن تنفصل عنها صفة الآيتيّة و المرآتيّة أبداً.

  • إذَنْ، الولاية الإلهيّة الكلّيّة هي ولاية الله عينها. فالأصل واحد، إلّا أنّ لها أصالة في الله، و تبعيّة في الوَلِيّ. الله يدلّ على نفسه؛ و الوليّ يدلّ على الله.

  • و معاذ الله أن يخال أحد أنّ الولاية تتمّ بإعطاء الله و الاستقلال في وجود وَليّ الله، فهذا الكلام خاطئ و هو الشرك عينه.

  • ميان ماه من تا ماه گردون***تفاوت از زمين تا آسمان است

  • دانة فلفل سياه و خالِ مهرويان سياه***هر دو جان سوزند امّا اين كجا و آن كجا؟

  • شكَر مازندران و شكَر هندوستان***هر دو شيرينند امّا اين كجا و آن كجا؟ 1

  • و من هذا المنطلق ما جاء في الرسالة 28 من رسائل الإمام

    1. التعريب:« إنّ بين قمري معشوقي و بين القمر في السماء فرقاً كفرق الأرض إلي السماء.
      إنّ حبّة الفلفل سوداء و الخال في وجه المحبوب الوسيم أسود و كلاهما يحرق الروح، لكن شتّان بينهما.
      سكّر مازندران حلو و سكّر الهند حلو، و لكن شتّان بينهما».

معرفة الإمام ج۵

116
  • أمير المؤمنين على عليه السلام في «نهج البلاغة»، و هي رسالته التي كتبها إلى معاوية، يقول فيها: فَإنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَ النَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا.1

  • يقول المجلسيّ رحمة الله عليه في الجزء الثامن من «بحار الأنوار»، ص 536، طبع كمباني: هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرايب شأنهم التي تعجز عنها العقول. و لنتكلّم على ما يمكننا إظهاره و الخوض فيه، فنقول: صَنِيعَةُ الْمَلِكِ مَنْ يَصْطَنِعُهُ وَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ. وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَإلى:

  • «وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» أي: اخْتَرْتُكَ وَ أخذْتُكَ صَنيعِتي لِتَتَصَرَّفَ عَنْ إرَادَتِي وَ مَحَبَّتِي.

  • فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى أنعم علينا، فليس بيننا و بينه واسطة، و الناس بأسرهم صنايعنا، فنحن الوسائط بينهم و بين الله سبحانه.

  • و يقول ابن أبي الحديد في شرح «نهج البلاغة» المطبوع في عشرين جزءاً، و ذلك في ج 15 ص 194: «هذا كلام عظيم، عال على الكلام، و معناه عال على المعاني؛ وَ صَنِيعَةُ الْمَلِكِ مَنْ يَصْطَنِعُهُ وَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ. يقول الإمام: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا و بينه واسطة، و الناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم و بين الله تعالى. و هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت، و باطنه أنهم عبيد الله و أنّ الناس عبيدهم- انتهى».

  • و يقول الشيخ محمّد عبده في هامش ص 32: آلُ النَّبِيّ اسَرَاءُ إحْسَانِ اللهِ عَلَيْهِمْ وَ النَّاسُ اسَرَاءُ فَضْلِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.

    1. «نهج البلاغة» ج 2، طبعة عبدة ص 32، و« الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف ج 2 ص 260.

معرفة الإمام ج۵

117
  • ولاية وليّ الله كالصورة الظاهرة في المرآة

  • أنّ الولاية الإلهيّة الكلّيّة هي ولاية من منظار صفة الله و اسمه؛ بَيدَ أنا إذا تغاضينا عن ذلك، فلا يعني ذلك عدم وجود الولاية؛ بل يعني العدم المحض، و الصفر، و المعدوم، و الفناء.

  • و كما أنّ للولاية الكلّيّة و المطلقة الأثر التامّ في التكوين و الإيجاد، فإنّ لها كذلك تمام الأثر في مجال الصعود و الوصول. أي: لا يبلغ أحد درجة المعرفة و القرب من ذات الحقّ المقدّسة إلّا عبر هذه المرآة، و هذه الآية الكبرى. لأنّ المرآة على سبيل الفرض كبيرة؛ و لمّا كان جمال المحبوب و معرفة المعبود، بلا مرآة و حجاب متعذّرين على السالك في الوهلة الاولى؛ و نور الذات و تشعشعها يعمي بصر كلّ راءٍ، و يقوده إلى حضيض الضلال، لذلك فإنّ الوصول إلى هذه المرآة و شرطيّتها للسير في مراحل المعرفة من ألزم اللوازم. و كلّنا نعلم أنه لا يمكن النظر إلى الشمس، و لكن يمكن النظر إليها في المرآة.

  • أشعار الشبستريّ في لزوم وساطة ولاية وليّ الله لبلوغ التوحيد.

  • و ما أروع قول العارف المعروف: الشيخ محمّد الشبستريّ في بيان هذه الحقيقة و توضيحها:

  • نگنجد نور ذات اندر مَظاهر***كه سُبْحاتِ جَلالش هست قاهر

  • در آن موضع كه نور حقّ دليل است***چه جاى گفتگوى جبرئيل است؟

  • بود نور خرد در ذات أنور***بسان چشم سَر در چشمه خُورْ 1

    1. و تعريبها: إنّ نور الذات الإلهيّة لا تستوعبه المظاهر، و ذلك لأنّ سبحاتها و أنوارها و عظمة جلالها كلّها قاهرة.
      عند ما يكون نور الحقّ دليلًا، فما هو تأثير كلام جبرئيل؟ أنّ نور العقل في الذات الإلهيّة النيّرة كعين الإنسان في عين الشمس.

معرفة الإمام ج۵

118
  • چه نسبت خاك را با عالم پاك***كه ادراكست عجز از درك ادراك

  • در اين مشهد كه أنوار تجلّي است***سخن دارم ولى ناگفتن أولي است

  • اگر خواهى كه بيني چشمه خُور***ترا حاجت فتد با چشم ديگُر

  • چو چشم سر ندارد طاقت و تاب***توان خورشيد تابان ديد در آب

  • ازو چون روشنى كمتر نمايد***در ادراك تو حالى مىفزايد

  • عدم آئينه هستي است مطلق***كزو پيداست عكس تابش حقّ

  • عدم چون گشت هستي را مقابل***در او عكسي شد اندر حال حاصل 1

    1. و تعريبها: شتّان بين التراب و بين عالم الطهر و النقاء إذ أنّ غاية إدراك الإنسان هو العجز عن إدراكه.
      عندي كلام في هذا المشهد الذي تتجلّى فيه الأنوار و لكن من الأفضل أن لا أبوح به.
      إذا أردت أن تنظر إلى عين الشمس( النور الإلهيّ) فإنّك تحتاج إلى عين اخرى تنظر بها.
      و ذلك لأنّ هذه العين لا طاقة لها على النظر، لكنّها تستطيع أن ترى الشمس المشرقة في الماء.
      و هذه الشمس المنعكسة في الماء لمّا كان نورها أقل، فهي تضاعف من إدراكك و بصيرتك. إنّ العدم هو مرآة الوجود المطلق، و منه تشعّ أنوار الحقّ المتألّقة.
      عند ما يكون العدم في مقابل الوجود، تتجلّى فيه صورة آناً.

معرفة الإمام ج۵

119
  • شد آن وحدت ازين كثرت پديدار***يكي را چون شمردى گشت بسيار

  • عدد گر چه يكي دارد بَدايت***و ليكن نبودش هرگز نهايت

  • عدم در ذات خود چون بود صأي***وزو با ظاهر آمد گنج مخفي

  • حديث كُنْتُ كَنْزاً را فرو خوان***كه تا پيدا ببيني گنج پنهان

  • عدم آئينه، عالم عكس، و انسان***چو چشم عكسْ در وى شخص پنهان

  • تو چشم عكسي و او نور ديده است***بديده ديده را ديده كه ديده است؟

  • جهان انسان شد و انسان جهانى***ازين پاكيزةتر نبود بياني 1

    1. و تعريبها: تظهر الوحدة من هذه الكثرة، و إذا عددت واحداً، فإنّ الواحد يتعدّد.
      إنّ العدد و إن كان في البداية واحداً، بَيدَ أنه ليس له نهاية مطلقاً.
      و لمّا كان العدم بذاته نقيّاً صافياً، فقد ظهر منه الكنز المخفي.
      اقرأ الحديث القدسيّ: كنتُ كنزاً ... لترى الكنز المخفي واضحاً أمام عينيك.
      العدم( الذات الاحديّة- م.) كالمرآة، و العالم صورة قد انعكست في تلك المرآة، و الإنسان كإنسان عين ذلك العالم و قد اختفت فيها كلّ الصور.( فصار الإنسان محوراً للعالم الكبير، و مِن ثَمَّ مرآةً للذات الاحديّة- م).
      أنت أيّها الإنسان عين العالم و هو[ الله] نور الباصرة، و من يستطيع أن يرى عينه بواسطة عينه نفسها؟
      لقد جمع العالم في وجود الإنسان و أصبح الإنسان عالميّاً، و لن يكون هناك كلام أفضل و أنقى من هذا الكلام.

معرفة الإمام ج۵

120
  • چو نيكو بنگري در اصل اين كار***هم او بيننده، هم ديده است، و ديدار

  • الولاية شرط عرفان الله و توحيده

  • و يستبين ممّا تقدّم أنه لا شبهة و لا إشكال في ضرورة مقام الولاية في عالم التكوين، و ضرورته للصعود و بلوغ مقام التوحيد و عرفان الله؛ و أمّا ولاية رسول الله و الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، فهي ظاهرة و مشهودة من آثارهم و خصائصهم و تطبيق تلك المبادئ العامّة المذكورة على أحوالهم العرفانيّة و ملكاتهم الإلهيّة. و هذا يتحقّق عن طريقين:

  • الأوّل: النصوص المأثورة في مقام ولايتهم المسلّم بها؛ و الثاني:

  • المعجزات و الكرامات التي تصدر عن وليّ الله خاصّة؛ و من المحال أن تصدر عن غير الواجد لمقام الولاية، كإحياء الموتى.

  • و قد ألف الشيخ الجليل محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ عامله الله برحمته كتاباً نفيساً قيّماً في هذا الباب سمّاه: «إثباتُ الْهُدَاةِ بِالنُّصُوصِ وَ الْمُعْجِزَاتِ». أثبت فيه ولاية و إمامة رسول الله و الأئمّة الاثني عشر، خلفاء ذلك النبيّ العزيز بالحقّ. و ذلك في فصول مستقلّة، عن طريق

    1. «گلشن راز» منشورات مكتبة أحمدي في شيراز سنة 1954 م، من ص 12 إلي ص 14.
      و تعريبها: عند ما تنظر جيّداً في أصل خلق العالم، ترى أنّ الله هو البصير، و هو البصر، و هو البصيرة.
      قد بيّن الحديث القدسيّ هذا المعني و وضّحه بقوله: بي يسمع، و بي يبصر.

معرفة الإمام ج۵

121
  • المعجزة، و النصّ المأثور؛ جزاه الله عن الإسلام و الولاية خير الجزاء.

  • و ألف المرحوم المحدّث السيّد هاشم البحرانيّ تغمّده الله برحمته كتاباً نفيساً و قيّماً سمّاه: «مَدِينَةُ الْمَعَاجِز» في معجزات اولئك العظام، و كذلك ألف كتاب «غاية المرام» في خصوص ولاية أمير المؤمنين عليه السلام و هو غنيّ عن التعريف حقّاً؛ و كتاب «غاية المرام» مفخرة من مفاخر الشيعة، و لا مثيل له في عالم العلم و الأدب الشيعيّ من حيث الشموليّة التي يمتاز بها.

  • أجل، فمن أجل ضرورة الولاية و شرطيّتها في مسير عرفان ربّ العزّة و توحيده، كان الحديث الشريف المشهور بحديث سلسلة الذَّهَب الذي لا يرتاب أحد في صدوره عن الإمام الثامن من أئمّة أهل البيت عليهم السلام أعني الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام.

  • و كذلك لا ريب في دلالته على لزوم الولاية؛ لأننا سنأتى هنا بالنصّ في شرطيّته. ثمّ نخوض في الحديث عنه بحول الله و قوّته.

  • جاء في كتاب «كشف الغمّة» لمؤلّفه على بن عيسى الإربليّ: قال الفقير إلى الله تعالى جامع هذا الكتاب: نقلت من كتاب لم يحضرني اسمه الآن ما صورته:

  • حديث سلسلة الذهب حسب نقل «تاريخ نيسابور».

  • حدّث المولى السعيد إمام الدنيا و عماد الدين محمّد بن أبي سعد بن عبد الكريم الوزّان في محرّم سنة 596 قال: أورد صاحب كتاب «تاريخ نيسابور» في كتابه:

  • أنّ عليّ بن موسى الرِّضا عليهما السلام لمّا دخل إلى نيسابور في السفر التي فاض فيها فضيلة الشهادة كان في مهد على (بَغْلَة شَهْبَاء) عليها مركب من فضّة خالصة.

  • فعرض له في السوق: الإمامان الحافظان للأحاديث النبويّة:1

  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص121

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

122
  • أبو زُرْعَة، و محمّد بن أسلم الطوسيّ رحمهما الله، فقالا:

  • أيّها السيّد ابن السادة! أيّها الإمام ابن الأئمّة! أيّها السلالة الطاهرة الرضيّة! أيّها الخلاصة الزاكية النبويّة، بحقّ آبائك الأطهرين، و أسلافك الأكرمين إلّا ما أريتنا وجهك المبارك الميمون، و رويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدّك نذكرك به.

  • فاستوقف البغلة، و رفع المظلّة. و أقرّ عيون المسلمين بطلعته المباركة الميمونة، فكانت ذؤابتاه كذؤابتي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و الناس على طبقاتهم قيام كلّهم.

  • و كانوا بين صارخ و باك، و ممزّق ثوبه، و ممرّغ في التراب، و مقبّل حزام بغلته، و مطوّل عنقه إلى مظلّة المهد إلى أن انتصف النهار، و جرت الدموع كالأنهار، و سكنت الأصوات و صاحت الأئمّة و القضاة: مَعَاشِرَ النَّاسِ اسْمَعُوا، وَ عُوا، وَ لَا تُؤذُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في عِتْرَتِهِ، وَ أنْصِتُوا.

  • فأملي صلّى الله عليه هذا الحديث، و عدّ من المحابر أربع و عشرون ألفاً سوى الدويّ.

  • و المستملي أبُو زُرْعَة الرازيّ، وَ محمّد بن أَسْلَم الطوسيّ رحمهما الله. فقال صلّى الله عليه: حدّثني أبي موسى بن جعفر الكاظم، قال: حدّثني أبي جعفرُ بن محمّد الصادق، قال: حدّثني أبي محمّد بنُ عليّ الباقر، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين زَيْنُ العابدين، قال:

  • حدّثني أبي الحسينُ بن عليّ شَهيدُ أرض كَرْبَلاء، قال: حدّثني أبي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب شهيد أرض الكوفة، قال: حدّثني أخي و ابن عمّي محمّد رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ قال: حدّثني جَبْرَئيل عليهِ السَّلَامُ قَالَ: سَمِعْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ سبحانه و تعالى يَقُولُ:

معرفة الإمام ج۵

123
  • كَلِمَةُ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ حِصْنِي، فَمَنْ قَالَهَا دَخَلَ حِصْنِي؛ وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أ مِنَ مِنْ عَذَأبي، صَدَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَ صَدَقَ جَبْرَئِيلُ، وَ صَدَقَ رَسُولُهُ، وَ صَدَقَ الأئمَّةُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.1

  • ذكر هذا الحديث الشريف بنصّه المتقدّم كلّ من: المحدّث القمّيّ في «سفينة البحار» عن «كشف الغمّة»،2 و ابن الصبّاغ المالكيّ في «الفصول المُهمَّة»3، و المحدّث الأمين السيّد محسن الجبل العامليّ في «أعيان الشيعة».4

  • حديث سلسلة الذهب بناءً على ما نقل قدماء الاصحاب ..

  • بَيدَ أنّ المرحوم الشيخ الصدوق ذكر هذا الحديث في «معاني الأخبار»، و «عيون أخبار الرضا»، و كتاب «التوحيد». و رواه الشيخ الطوسيّ في «الأمالى»، و الشيخ الحُرّ العامليّ في «الجواهر السنيَّة» بألفاظ مختلفة؛ و بأسناد متفاوتة؛ و فيما يلي ما جاء في تلك الكتب نصّاً:

  • 1- في «معاني الأخبار» ص 370 روي سند الحديث بعينه عن محمّد ابن موسى المتوكّل، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسديّ، عن محمّد ابن الحسين الصوفيّ، عن يوسف بن عقيل، عن إسحاق بن رَاهَوَيْه؛ إلى أن قال: سَمِعْتُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أ مِنَ [مِنْ] عَذَأبي؛ فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا: بِشُرُوطِهَا وَ أنَا مِنْ شُرُوطِهَا.

  • و ذكر المرحوم الصدوق هذا الحديث بعينه في كتاب «ثواب الأعمال» ص 7.

    1. « كشف الغمّة» ص 271.
    2. « سفينة البحار» مادّة حدث ج 1، ص 299، 230.
    3. « الفصول المهمّة» مطبعة العدل، النجف، ص 235، 236.
    4. « أعيان الشيعة» ج 4، القسم الثاني ص 118.

معرفة الإمام ج۵

124
  • 2- روي في «معاني الأخبار» ص 371 عن محمّد بن الحسن القطّان، عن عبد الرحمن بن محمّد الحسينيّ، عن محمّد بن إبراهيم بن محمّد الفزاريّ، عن عبد الله بن بحر الأهوازيّ، عن أبي الحسن عليّ بن عمرو، عن الحسن بن محمّد بن جمهور، عن عليّ بن بلال، عن الإمام عليّ بنِ مُوسَى الرِّضا عليهما السلام بالسند نفسه عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسْرَافِيل، عن اللوح، عن القَلَم:

  • يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى: وَلَايةُ على بنِ أبي طالِبٍ صَلَواتُ اللهِ عليهِ حِصْنِي، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أ مِنَ نَاري.

  • و جاء الحديث في «الجواهر السنيّة» ص 225 عن الصدوق في «الأمالى»، إلّا أنّ الراوي فيه هو أحمد بن الحسن.

  • 3- و نقل الصدوق في «عيون أخبار الرضا» ص 315 هذا الحديث نفسه الذي نقله في «معاني الأخبار» ص 370، و ذلك عن محمّد بن موسى ابن المتوكّل بدون زيادة و نقصان. و لا يختلف عنه إلّا في ثلاثة مواضع جزئيّة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالاختلاف في المعنى. الأوّل: جاء اسم محمّد بن الحسين الصَوْلي في سلسلة الرواة. الثاني: قال فيه: سَمِعْتُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ. الثالث: قال فيه: أ مِنَ مِنْ عَذَأبي، و جعل كلمة مِنْ في النصّ، و لم يأت في نسخة البدل.

  • و نقل هذا الحديث في «عيون أخبار الرضا» ص 313 و 314 بثلاثة أسناد اخرى مع اختلاف يسير؛ و هذه الأسناد هي:

  • 4- عن أبي سعيد محمّد بن الفضل بن محمّد بن إسحاق المذكّر النيسابوريّ في نيسابور، عن أبي على الحسين بن عليّ الخزرجيّ الأنصاريّ السعديّ، عن عبد السلام بن صالح أبي الصَّلْت الهَرَويّ قال: كُنتُ مع عليّ ابن موسى الرضا عليهما السلام في نيسابور؛ و كان على بغلة شهباء أخذ

معرفة الإمام ج۵

125
  • بلجامها محمّد بن رافع، و أحمد بن الحارث، و يحيى بن يحيى، و إسحاق ابن رَاهَوَيْهْ، و غيرهم من أهل العلم، في المربَعَة و قالوا: ... يذكر الحديث هنا بسلسلة سنده المذكور، إلى أن يصل بالسند إلى جبرئيل الذي قال:

  • قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: إنِّي أنَا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا فَاعْبُدونِي، مَن جاءَ مِنْكُمْ بِشَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ بِالإخْلَاصِ دَخَلَ في حِصْني، وَ مَنْ دَخَلَ في حِصْنِي أ مِنَ مِنْ عَذَأبي.

  • 5- عن أبي الحسين محمّد بن عليّ بن شاه فقيه مَرَوْرديّ، في بيته بَمَروْرود، عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عبّاس عامر الطائيّ في البصرة، عن أبيه، عن عليّ بن موسى الرِّضَا عليهما السلام و هكذا يستمرّ بالرواية ذاكراً نفس السند إلى أن يقول:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ و سَلَّمَ يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ حِصْنِي؛ فَمَنْ دَخَلَهُ أ مِنَ مِنْ عَذَأبي.

  • 6- عن أبي النصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عُبَيد الضَبِّيّ، عن أبي القاسم محمّد بن عبيد الله بن بابَوَيْه الرجل الصالح، عن أبي محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن هاشم الحافظ، عن الحسن بن عليّ بن محمّد ابن عليّ بن موسى بن جعفر السيّد المحجوب الذي كان إمام عصره في مكّة، عن أبيه عليّ بن محمّد النقيّ، عن أبيه محمّد بن عليّ بن التقيّ، عن أبيه عليّ بن موسى الرضا عليهم السلام؛ إلى أن يصل إلى هذا السند؛ ثمّ يقول:

  • قَالَ اللهُ سَيِّدُ السَّادَاتِ جَلَّ وَ عَزَّ: إنِّي أنا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا؛ فَمَنْ أقَرَّ لي بِالتَّوْحِيدِ دَخَلَ حِصْني وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أ مِنَ مِنْ عَذَأبي.

  • و نقل صاحب «الجواهر السنيّة» هذه الرواية عن «عيون أخبار الرضا» في ص 147.

  • 7- يروى الصدوق في كتاب «التوحيد» ص 25 الرواية التي نقلناها

معرفة الإمام ج۵

126
  • في الرقم (1) عن «معاني الأخبار»، و في الرقم (3)- عن «العيون» بدون أيّ اختلاف؛ عن محمّد بن موسى بن المتوكّل، إلى آخرها، لمّا مرّت الراحلة، قال عليه السلام: بِشَرْطِهَا وَ أنا مِنْ شُرُوطِهَا.

  • ثمّ قال الصدوق: يقول مصنّف هذا الكتاب: مِنْ شُرُوطِهَا الإقْرَارُ لِلرِّضَا عليهِ السَّلَامُ بِأنهُ إمَامٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ عزَّ وَ جَلَّ على الْعِبَادِ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ عليهِمْ.

  • و ذكر الصدوق هذا التفسير ذاته في ذيل هذه الرواية في كتاب «العيون».

  • 8- يروى الصدوق في «التوحيد» ص 24 الرواية التي نقلناها في الرقم (5) عن أبي الحسين محمّد بن عليّ بن الشاه فقيه في مرورود.

  • يرويها نصّاً بلا زيادة و نقصان. و نقلها الحرّ العامليّ في «الجواهر السنيّة» ص 156 عن «التوحيد».

  • 9- يروى الصدوق في «التوحيد» ص 24 الرواية التي نقلناها عن أبي سعيد محمّد بن الفضل بن محمّد بن إسحاق المذكّر النيسابوريّ، يرويها نصّاً بلا زيادة و نقصان.

  • 10- يقول الشيخ الطوسيّ في «الأمالى» ج 2، ص 201: روى لنا جماعة عن أبي المفضّل، قال: حدّثنا أبو نصر لَيْث بن محمّد بن لَيْث العنبريّ إملاءً عن أصل كتابه، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الصَّمد بن مُزَاحم الهَرَويّ سنة 261 ه-، قال: حدّثنا أبو الصَّلْت عبد السلام بن صالح الهَرَويّ، قال: كنت مع الرضا عليه السلام عند دخوله نيسابور؛ ثمّ يذكر القضيّة نفسها مع سلسلة السند، إلى أن يقول: أخبر الروح الأمين جبرئيل عن الله تَقَدَّسَتْ أسْمَاؤهُ وَ جَلَّ وَجْهُه قال: إنِّي أنَا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا وَحْدِي، عِبَادِي فَاعْبُدُونِي، وَ لْيَعْلَمْ مَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ بِشَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ اللهُ مُخْلِصاً بِهَا أنهُ قَدْ

معرفة الإمام ج۵

127
  • دَخَلَ حِصْنِي وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أ مِنَ مِنْ عَذَأبي.

  • قَالُوا: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! وَ مَا إخْلَاصُ الشَّهَادَةِ للهِ؟!

  • قَالَ: طَاعَةُ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ وَلَايَةُ أهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

  • 11- ذكر (الحرّ العامليّ) في «الجواهر السَّنيّة» طبع النجف ص 222 الرواية التي نقلناها في الرقم (1) عن «معاني الأخبار» ص 370؛ و قد نقلها بالأسناد نفسها عن الصدوق في كتاب «الأمالى»؛ و لكنّه قال عليه السلام:

  • وَ أَنَا في شُرُوطِهَا.

  • ثمّ قال الشيخ الحرّ العامليّ: هذا على تقدير تخفيف النون من قوله:

  • أَنَا في شُرُوطِهَا، و على تقدير تشديدها، تشتمل جميع الأئمّة المعصومين عليهم السلام و المقصود من هذا الباب حاصل على التقديرين.

  • 12- و يقول في «الجواهر السَّنِيّة» ص 158: قال رسول الله: قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ حِصْنِي، مَنْ دَخَلَهُ أ مِنَ عَذَأبي.

  • و مقصود الشيخ الحرّ العامليّ من هذا السند كما بيّنه في الصفحة السابقة، هو «أمالى» الشيخ أبي عليّ الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسيّ، عن الشيخ الطوسيّ، قال: حدّثنا أبو محمّد الفحّام السُرَّمَرَّائيّ، قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عبد الله المنصوريّ، قال: حدّثنا عمّ أبي موسى بن عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوريّ، قال: كنت مرافقاً للإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام- و روى عنه كثيراً- قال عليّ بن موسى؛ و يذكر سلسلة الرواية حتى آخرها.

  • 13- في «الجواهر السنيّة» ص 262 يروى عن أبي على الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسيّ في أماليه، عن أبيه الشيخ الطوسيّ، قال: حدّثنا أبو الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفّار، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد ابن عيسي الواسطيّ، قال: حدّثنا محمّد بن معمّر الكوفيّ في واسط، قال

معرفة الإمام ج۵

128
  • حدّثنا أحمد بن مُعَافَا في قصر صبيح، قال: حدّثنا عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم، عن الله تعالى قال: وَلَايَةُ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ حِصْنِي؛ مَنْ دَخَلَهُ أمِنَ نَارى.

  • دراسة حول حديث سلسلة الذهب

  • هذه مجموعة من الروايات التي ظفرنابها؛ و كما يلاحظ طبعاً، فإنّها ذات مضامين متنوّعة.

  • جاء في بعضها أنّ كلمة لَا إلَهَ إلَّا اللهُ حصن الله، و من قالها، دخل الحصن. و في بعضها الآخر: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ نفسها حصن بشروطها و الإمام من شروطها؛ و في قسم منها: من لقى الله بشهادة لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مخلصاً، دخل الحصن. و في قسم آخر: وَلَايةُ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ حصن الله، و من دخله، أمن ناره.

  • بَيدَ أننا عند ما ندقّق و نتمعّن فيها، فإنّنا نقتطف منها ثمرة تمثّل الحقيقة التي عرضناها في تضاعيف البحث، و هي الوصول إلى مقام العرفان و التوحيد الذي لا بدّ أن يتحقّق عبر الولاية.

  • أي: أنّ ما يعصم الإنسان و يصونه هو الوصول إلى مقام التوحيد الذي يعبّر عنه بكلمة لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ و يتعذّر بلوغ هذا المقام بدون العبور من جسر الولاية التي تمثّل المعنى المرآتيّ لله. و في ضوء ذلك فإنّ الروايات جميعها تتكفّل بتبيان موضوع واحد؛ و تهدينا إلى اتّجاه واحد.

  • ذلك لأنّ قول لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مقدّمة للوصول إلى لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. و لا يتمّ هذا الوصول الذي يمثّل حقيقة التوحيد إلّا بالاخلاص؛ و روايات أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا تبيّن الإخلاص، إذ ينبغي أن يتحقّق لقاء الله بهذا النسق؛ و إذا اعتبرنا التوحيد بالمعنى المرآتيّ و الآيتيّ هو الحجاب الأقرب، فإنّه هو الولاية نفسها. و هذا هو مؤدّى الرواية القائلة: وَلَايَة عليّ بن أبي طالب حصن، و هو يفضي إلى الأمن من النار.

معرفة الإمام ج۵

129
  • الولاية هي المراد بالتوحيد الذي يمثّل ركناً من أركان الإسلام

  • فشرط الوصول إلى التوحيد هو العبور من الولاية؛ و لذلك فإنّ التوحيد و الولاية للسالك شيء واحد. و التوحيد عين الولاية؛ و الولاية عين التوحيد.

  • و هذه هي الحقيقة التي دلّت عليها الروايات و أشارت إليها بعبارات خاصّة في كلٍّ منها.

  • و ما يماثل هذه الروايات من حيث اختلافها في اللفظ و وحدتها في المفاد و المعنى، الروايات التي تدلّ على أنّ الإسلام بُني على خمس.

  • فالروايات الشيعيّة تعتبر الولاية أحد هذه الاركان؛ و الروايات المأثورة عن طريق العامّة ترى أنّ ذلك الركن هو التوحيد. و فيما يلي بعض هذه الروايات، نذكرها هنا ثمّ نتطرّق إلى مؤدّاها.

  • أمّا عن طريق الشيعة: فقد روي في «الكافي» عن فُضَيل، عن أبي حمزة، و في «المحاسن» عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام قال:

  • بُنِيَ الإسْلَامُ على خَمْسٍ: على الصَّلَاةِ، و الزَّكَاةِ، وَ الصَّوْمِ، و الْحَجِّ، وَ الْوَلَايَةِ؛ وَ مَا نُودِيَ بِشَيءٍ- وَ لَمْ يُنَادِ بِشَيءٍ- كَمَا نُودِيَ بِالْوِلَايَةِ.1

  • و أمّا عن طريق العامّة: فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: بُنِيَ الإسْلَامُ على خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أنّ محمّداً

    1. «اصول الكافي» ج 2، ص 18: و« المحاسن» ج 1، حديث 429، ص 286. و جاء في« الكافي» أيضاً من ص 18 إلي ص 21، و في« المحاسن» ص 286 عدد من الروايات الأخري بهذا المضمون مع سلسلة من رواة آخرين رووها عن الباقر، و الصادق عليهما السلام.

معرفة الإمام ج۵

130
  • عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ إقَامِ الصَّلَاةِ، وَ إيتاءِ الزَّكَاةِ، وَ حِجِّ الْبَيْتِ، وَ صَوْمِ رَمَضَانَ.1

  • تفيد هذه الروايات أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم جعل الإسلام مرتكزاً على هذه الأركان الخمسة التي يمثّل التوحيد أحدها؛ و لكن لمّا اكتفي العامّة بظاهر الشهادتين، و جعلوا الإقرار بالنبوّة مجرّداً حتى لو كان مقروناً بمخالفة النبيّ في أمر الولاية، فقد جعلوه أساس الإسلام مكتفين بذلك، لذلك فإنّ الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين فسّروا الروايات المأثورة عن النبيّ صلّى الله عليه و آله على أنّ ما ورد فيها من الإقرار بالتوحيد و النبوّة بدون الإقرار بالولاية ليس إلّا شيء ظاهر؛ و حقيقة الاعتراف بذلك يستلزم الإقرار بالولاية؛ و الدخول في عالم التوحيد مشروط بالعبور من الولاية. و هذان أمران لا ينفصلان بعضهما عن بعض.

  • أنّ حقيقة الإسلام ترتكز على الولاية، التي تمثّل مفتاح التوحيد في مظاهر الأسماء و الصفات و الأفعال؛ و تمثّل كذلك باطن النبوّة و جوهرها.

  • كان ما تقدّم بحثاً حول حقيقة الولاية، و عدم انفصالها عن توحيد البأرى تعالى شأنه.

  • و قد ضلّ في هذه المسألة طائفتان: الاولى: هي الطائفة الوَهَابيَّة؛ و الثانية: هي الطائفة الشيخيّة.

  • ضلال الوهّابيّة في توحيد ذات الحقّ ..

  • ضلال الوهّابيّة عن التوحيد و اتّجاهها إلى الشرك

  • أمّا الوَهَّابيَّة، فإنّهم يرون أنّ صفات الحقّ تعالى من قدرة، و عظمة، و علم، و إحاطة، و حياة، و غيرها من الصفات و الأسماء، منفصلة عن

    1. «صحيح مسلم» ج 1، كتاب الإيمان ص 35، و في ص 34، و 35 ثلاث روايات اخرى عن رسول الله بهذا المضمون.

معرفة الإمام ج۵

131
  • الموجودات؛ أي: أنهم يلغون عنوان الوساطة من الوسائط، و المرآتيّة من مرايا الوجود التي تمثّل مظاهر و مجالى ذات الحقّ؛ و لذلك فهم لا يرون معنى الظهور و التجلّي في عالم الإمكان.

  • فيُمْنَون بإشكال لا منجى لهم منه أبداً إلى يوم القيامة حتى لو فكّروا بذلك؛ و هذا الإشكال يتمثّل بما يلي:

  • نحن نشاهد موجودات كثيرة في هذا العالم على سبيل الوجدان و الشهود، و نراها متّصفة بالحياة و العلم و القدرة. و لا شبهة و شكّ في ذلك؛ فلا نستطيع أن ننكر الموجودات المؤثّرة في هذا العالم.

  • و نقول الآن: إذا اعتبرنا الحياة و القدرة و العلم في ذات الحقّ الأزليّة بدون هذه الموجودات و الكثرات، فهذا كلام خاطئ وجداناً و شهوداً، لأنّ وجود هذه الصفات في الموجودات هي من الضروريّات و إليقينيّات.

  • و إذا اعتبرنا هذه الموجودات ذات قدرة مستقلّة و حياة و علم مستقلّ، حتى لو كان ذلك بعطاء من الحقّ، فإنّ ذلك الاعتبار خاطئ أيضاً، لأنّ هذا الكلام هو عين الشرك و الثنويّة و تعدّد الآلهة، و إشكالات اخرى لا تحصى.

  • أنّ عنوان الإعطاء لا ينسجم مع عنوان الاستقلال؛ لأنّ ما يستلزمه هذا الكلام هو تولّد الموجودات من ذات الحقّ، و هذا الكلام هو التفويض عينه، و نحن نعلم أنّ الله لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

  • و في ضوء ذلك، فليس أمامنا أيّ حلّ علميّ و فلسفيّ، إلّا أن نعتبر الكثرات و الموجودات في هذا العالم مَظاهر و مَجالى لذات الحقّ القدسيّة، أي: أنّ القدرة و الحياة و العلم تختصّ بذات الحقّ، و تظهر في هذه الموجودات بالتناسب مع سعتها و ضيقها و ماهيّتها و هويّتها؛ أي: أنّ الاستقلال في الوجود منحصر بذات الحقّ القدسيّة، و الاستقلال في الحياة،

معرفة الإمام ج۵

132
  • و العلم، و القدرة، و سائر الأسماء و الصفات كلّها تختصّ بذات الحقّ، و هي تبعيّة و عرضيّة في غير ذاته؛ و أصيلة في ذاته، و مرآتيّة و آيتيّة في الموجودات.

  • و من الطبيعيّ أنها تظهر أكثر في الأرواح المجرّدة، و النفوس القدسيّة لملائكة الملأ الأعلى، و النفوس الناطقة المطهّرة للأنبياء، و الأئمّة عليهم السلام، و في المهديّ قائم آل محمّد، إذ أنّ استيعاب هؤلاء أكثر، و تعبّر هذه المرايا عن ذات الحقّ و صفاته المقدّسة بصورة تامّة.

  • و من هذا المنطلق، فإنّ القدرة، و العلم، و الحياة، في الوقت الذي تختصّ فيه بذات الحقّ، فإنّ ظهورها في هذه المرايا لا يُنكر شهوداً، و لازم و ثابت عقلًا.

  • أنّ الظهور و الظاهر، و الحضور و الحاضر شيء واحد؛ و المعنى الحرفيّ مندكّ في المعنى الاسميّ.

  • و الموجودات جميعها بدون استثناء آيات و علامات و معاني حرفيّة بالنسبة إلى ذات الحقّ المتعال؛ و تصوّر معنى الاستقلال للمعنى الحرفيّ لا يعقل، و يفضي إلى الخُلف في القياس البرهانيّ.

  • أنّ المعنى الحرفيّ، و المعنى الاسميّ ليسا شيئين مستقلّين؛ فالمعنى الحرفيّ يدلّ على كيفيّة المعنى الاسميّ و خصوصيّته.

  • أنّ التوسّل بالنبيّ الأكرم، و الأئمّة المعصومين لقضاء الحاجة هو نفس التوسّل بالله لقضائها، و هذا هو التوحيد عينه.

  • و قد ثبت في الفلسفة المتعالية و الحكمة الإسلاميّة وجود الوَحْدة في الكَثْرة، و الكَثرة في الوَحْدَة لذات الحقّ. و كما أنّ لله تبارك و تعالى اسم الأحَديَّة، إذ إنّه مُبرّأ من جميع الأسماء و التعيّنات، و مُنزَّه من كلّ اسم و رسم، و إنّ تلك الأحديّة تدلّ على الذات البسيطة الصرفة و المجرّدة العارية

معرفة الإمام ج۵

133
  • من كلّ التعلّقات، و المنطبقة عليها المفهومات، فكذلك له اسم الوَاحِديَّةِ الملاحَظ بملاحظة ظهوره و طلوعه في عالم الأسماء و الصفات الكلّيّة و الجزئيّة، و ظهور جميع العوالم سواء من المُلْكِ أو من المَلَكُوت.

  • يقول الوَهّابيَّة: خلق الله العوالم بلا واسطة؛ و ليس للموجودات العِلْويّة، و الملائكة، و الأرواح القدسيّة المجرَّدة أيّ تأثير في الخلق؛ و لا تتّخذ طابع الوساطة؛ لذلك فإنّ الاستغاثة بروح رسول الله، و الأئمّة، و الملائكة بما فيهم الملائكة المقرّبون- شرك.

  • و نجيب: أ ليس الاستغاثة بالأرواح الحيّة، مثل النبيّ الحيّ، و الإمام الحيّ شركاً؟ أ ليس الاستغاثة بالعالم، و الطبيب، و المتخصّص، و الفلّاح، و الصانع شركاً؟

  • فإذا كانت شركاً، لما ذا تستغيثون؟! اتركوا كلّ استغاثة في عالم الطبع، و في الحياة الدنيا، لتموتوا كلّكم بعد لحظات، و تعودوا إلى ديار العدم حيث موطنكم الأصليّ!

  • و إن لم تكن شركاً؛ فما الفرق بين الاستغاثة بالنبيّ الحيّ، أو بروحه بعد الموت! أو الاستغاثة بالطبيب الجرّاح لاستئصال الزائدة الدوديّة مثلًا! أو الاستغاثة بجبرئيل! و ما الفرق بين تلك الاستغاثة و هذه!

  • هم يقولون: تلك الاستغاثة شرك؛ و هذه ليست شركاً! لأنّ أرواح اولئك لا ترى، و لا تتقولب في قالب حسّيّ؛ و خلاصة الكلام الاستغاثة بالأسباب الطبيعيّة و المادّيّة بعيدة عن الشرك؛ بَيدَ الاستغاثة بالأمور المعنويّة و الروحانيّة شرك. إنّه لشيء عجاب أن لا نعتبر الاستغاثة بالمادّة القذرة ليست شركاً، و نعتبر الاستغاثة بالنفوس العالية القدسيّة المجرّدة شرك!

  • و نجيب: القاعدة العَقْليَّة لا تقبل الاستثناء؛ و لو كانت الاستغاثة

معرفة الإمام ج۵

134
  • بغير الله شركاً، فالشرك قائم في كلّ شيء؛ و الخطأ موجود في كلّ شيء.

  • إذَن، كيف تريدون إثبات التوحيد للحقّ بالدليل العقليّ، و أنتم تستثنون في الأمور المادّيّة و الطبيعيّة؟!

  • أ ليس هذا مضحكاً؟ أو هو مبكٍ على مسكنتكم و إفلاسكم و خلوّ ذات يدكم من علم الحقّ و عرفانه؟!

  • يقولون: الطواف حول قبر المعصوم شرك؛ و تقبيل ضريحه المطهّر شرك؛ و تقبيل أعتابه شرك؛ و السجود على تربة سيّد الشهداء عليه السلام شرك؛ و التوسّل بالأئمّة و الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء لقضاء الحوائج شرك.

  • و نجيب: لما ذا تعدّون هذه الأشياء شركاً؟ ما الفرق بين تقبيل الحَجَر الأسْوَد و تقبيل الضريح؟ و ما الفرق بين البيت الذي بناه إبراهيم الخليل عليه السلام باسم الكعبة، و بين المرقد المطهّر للآية الإلهيّة الكبرى و صاحب مقام أوْ أدنى، و صاحب الشفاعة الكبرى، و حامل لواء الحمد؟

  • لما ذا يجوز الطواف هناك، و لا يجوز هنا مع له ميزاته من حيث الأهميّة؟1

    1. استدلّ البعض على عدم جواز الطواف حول القبور برواية الحَلَبيّ عن الإمام الصادق. و رواية محمّد بن مسلم عنه أو عن أبيه الباقر عليهما السلام إذ قال: وَ لَا تَطُفْ بِقَبْرٍ.
      بَيدَ أنّ هذا الاستدلال باهت ضعيف لا يُعوَّل عليه؛ لانّ المقصود بالطَوْف في هاتين الروايتين هو التغوّط عند القبر لا الدوران حوله! و الشاهد على ذلك ما قاله أئمّة اللغة في كتبهم مثل:
      « صحاح اللغة»، و« تاج العروس»، و« لسان العرب» و غيرها. يقول صاحب« شرح القاموس» في مادّة طَوْف: و الطَوْف: الغائط. طاف: إذا ذهب إلى البراز ليتغوّط مثل إطَّافَ من باب الافتعال. و في« مجمع البحرين»: و الطَّوْفُ: الْغَائِطُ و منه الخبر: لا يُصَّلِّ أَحَدُكُمْ وَ هُوَ يُدافِعُ الطَّوْفَ؛ و جاء في الحديث أيضاً: لَا تَبُلْ في مَاءٍ مُسْتَنْقَعٍ وَ لَا تَطُفْ بِقَبْر! و ضمن بحثنا في بعض المسائل الفقهيّة، ألفنا رسالة موجزة في هذا الموضوع مشفوعة بالادلّة. و قد بيّنا فيها بما لا يبقى معه شكّ أنّ الطواف حول القبور لا إشكال فيه؛ و أنّ القصد منه في هذه الروايات هو التغوّط.

معرفة الإمام ج۵

135
  • لما ذا يجوز السجود على الأرض و على كلّ شيء غيرها، و لا يجوز على التربة المطهّرة للشهيد الحقيقيّ الاوحد للدين و الحقّ أبي عبد الله الحسين؟ و إذا كان السجود على شيء شركاً، فَلِمَ يجوز على الفراش، و السجّاد، و الأرض، و الحصير؟ و لكنّه حرام هنا على وجه الخصوص! يمثّل التوحيد هناك، و الشرك هنا؟!

  • استغاثتكم بكلّ حيّ هي استغاثتكم بروحه لا بجسمه، فَلِمَ لا تعتبر الاستغاثة بالنفوس الخبيثة الكافرة في الدنيا شركاً، بينما تعتبر شركاً إذا كانت بروح الصدّيقة الطاهرة؟

  • هذه أسئلة لا يقدرون على جوابها، و لم و لن يقدروا على ذلك.

  • و الجواب هو: إذا كان لهذه الأشياء طابع الاستقلال، فكلّها شرك؛ سواء كانت طوافاً حول بيت الله، أو تقبيلًا للحجر الأسود؛ أو سجوداً على الفراش و الأرض العاديّة؛ أو توسيطاً للطبيب و الجرّاح و العالم الاخصّائيّ و إذا لم يكن لها طابع الاستقلال، فليست شركاً؛ بل هي التوحيد نفسه.

  • أ ليس النظر إلى الموجودات في هذا العالم نظراً مستقلًّا شركاً؟ إنّه الشرك عينه، فالوهّابيّة- عبر هذا التنزيه و التقديس الذي يريدونه لذات الحقّ- وقعوا في فخّ الشرك من حيث لا يعلمون؛ و أصبحوا مِن مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ.1

  • النظر إلى الآيات الإلهيّة من حيث الآيتيّة هو النظر ذاته إلى

    1. الآية 11 من السورة 22: الحج. أيّ أنّ هؤلاء ينظرون إلي الله من نافذة واحدة، و يرون قدرته و عظمته في بعض الاشياء، لا في جميعها.

معرفة الإمام ج۵

136
  • التوحيد؛ و تقبيل الإمام من حيث الإمامة هو الاحترام ذاته لله؛ و عرض الحاجة على الأرواح المقدّسة من حيث معنويّتها و روحانيّتها و قُربها إلى الله هو نفس عرض الحاجة على الله، و هو عين التوحيد؛ و حبّ أحبّاء الله هو حبّ الله نفسه.

  • هذا من منظار الدليل العقليّ،

  • مذهب الوهّابيّة ملازم لإنكار آيات القرآن الصريحة

  • و أمّا من منظار الدليل النقليّ، فنقول:

  • الآيات و الروايات جميعها زاخرة بالمفاهيم السليمة من قبيل:

  • الموجودات وسائط في الوجود و الإيجاد، و الخلق يتحقّق بالسببيّة، و إلغاء الواسطة في عالم التكوين. مضافاً إلى ذلك، فإنّ إنكار الأمر الوجدانيّ هو إنكار للمأثورات الشرعيّة من الكتاب و السنّة.

  • ألسنا نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (الآية 5 من السورة 79: النازعات)، و قوله:

  • وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (الآية 22، من السورة 15: الحجر. و قوله:

  • وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ. (الآية 9، من السورة 35:

  • فاطر) و قوله:

  • وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ (الآية 99، من السورة 6: الأنعام).

  • حيث نرى في هذه الآيات الملائكة تدبّر الأمر؛ و أنّ الرياح تثير السحاب، و أنها لواقح، تلقّح الأشجار فتثمر؛ و أنّ نبات كلّ شيء يخرج بواسطة الماء المنزل من السماء. و كذلك الأمر في آيات اخرى كثيرة تصرّح المكوَّنات في الوجود تتكوّن من هذه الأسباب.

  • إذَنْ، كيف يتسنّى لنا أن ننفي السببيّة، و هذه الآيات تثبتها بصراحة؟

معرفة الإمام ج۵

137
  • أجل، ينبغي أن نقول: هذه الأسباب كلّها مقهورة و مأمورة لله تأتمر بأمره، و لا تستقلّ بشيء دونه؛ و نقول في هذه الأسباب، و غيرها من الأسباب المادّيّة و المعنويّة الأخرى: إنّها لا تستقلّ بنفسها؛ بل هي تمثّل الشفعاء و الوسائط للاخذ من الله و الإفاضة على العوالم.

  • يقولون: الاستغاثة بأرواح الأنبياء و الأئمّة هي استغاثة بالموتى، و هذا لون من التوجّه و النزوع إلى الموتى؛ و يمثّل ظاهرة صنميّة إذ يطلب الإنسان من الميّت شيئاً بلا أثر محسوس، و يجعله شفيعاً إلى الله؛ و ما هو الفرق بين طلب الحاجة من الصنم، و بين طلبها من موجود بلا أثر؟

  • و نجيب: الآيات القرآنيّة و البراهين العقليّة تنصّ على روح الإنسان لا تموت بموته، بل هي حيّة. و بناءً على تجرّد النفس، فهي لا يمكن أن تكون معدوماً بحتاً؛ و الموت هو عبارة عن انتقال من الدنيا إلى الآخرة. ثمّ أ لَمْ نقرأ في القرآن الكريم الشهداء أحياء عند ربّهم يُرزقون!

  • وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. (الآية 169، من السورة 3: آل عمران).

  • يقولون: هذه الآية تخصّ الشهداء؛ شهداء غزوة احُد مثل: حَمْزَة و غيره.

  • و نقول: أ لم يكن حَمْزَةُ و غيره من الشهداء تحت نبوّة رسول الله؟

  • و هل مقام حمزة أعلى من مقام رسول الله، فيكون حيّاً، و رسول الله ميّتاً؟!

  • لا، ليس كذلك، فرسول الله هو الشهيد على الشُّهَداء، و الموكَّل على أرواح الأنبياء. و نحن نسلّم عليه في صلواتنا جميعها قائلين: السَّلَامُ عليكَ

معرفة الإمام ج۵

138
  • أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. و هل يكون المخاطب إلّا حيّاً سامعاً كلامنا؟

  • حوار المؤلّف مع بعض علماء السنّة في المسجد الحرام

  • إلغاء عمر متعة الحجّ خلافاً لامر رسول الله الصريح

  • حديث مع الشيخ عمر في المسجد الحرام

  • أتذكّر جيّداً أني تشرّفت بالذهاب إلى بيت الله الحرام للمرّة الثانية سنة 1390 هجرية، و معي اثنان من أبنائي لاداء مناسك الحجّ. و في صباح ذات يوم جلسنا في زاوية من المسجد الحرام بعد القيام بالطواف المستحبّ لعدّة مرّات؛ و ذلك للزيارة، و النظر إلى البيت، و مراقبة كيفيّة طواف الناس.

  • و بينما نحن كذلك فإذا أحد علماء السنّة أقبل علينا و عانقنا، و جلس إلى جانبنا؛ و قدّم لنا نفسه على أنه من مدينة حَلَب في سوريا، و اسمه عُمَرْ عادِل مَلَا حِفْجي، ثمّ تجاذبنا معه أطراف الحديث.

  • و كان التعرّف عليه مناسبة أفضت إلى مجيء عالم آخر من علماء العامّة، كان يقول: إنّه من أئمّة الجماعة في المدينة؛ سلّم و جلس أمامي؛ تلا ذلك مجيء جماعة كثيرة من أهل السنّة تدريجاً، كلّهم جلسوا إلى جنبنا، فتشكّل من الجمع مجلس تقريباً.

  • عند ذلك سألت عن مُتعة الحجّ فقالوا: لا نتمتّع ما لم نحجّ.

  • قلتُ: نحن نعلم أنّ رسول الله أعلن للناس في حِجَّة الوَداع من على الصفا أنّ الحجّ قد صار حجّ التمتّع من الآن حتى يوم القيامة لمن كانت بيوتهم بعيدة عن المسجد الحرام. أي: عند ما يحرمون من الميقات، فإنّهم ينوون حجّ العُمْرَة، و يُحِلّون بعد دخولهم مكّة و أداء مناسك العمرة؛ و لهم عند ذلك التمتّع بالنساء؛ ثمّ يبقون في مكّة إلى أن يُحرموا منها لأداء مناسك الحجّ و الوقوف في عرفات و المشعر.

  • و اعترضوا على النبيّ أنهم جاءوا لأداء مناسك الحجّ و شبابهم معرّسون تحت شجر الأراك و رءوسهم تقطر من غسل الجنابة!

معرفة الإمام ج۵

139
  • فقال رسول الله: ما قلته من تلقاء نفسي، إنّما هو حُكم أتى به جبرئيل الآن! ثمّ شَبَّكَ أصَابِعَهُ، و قال: دخلت العمرةُ في الحجّ إلى يوم القيامة.

  • فمن جاء من مكان بعيد، فعليه أداء الحجّ و العمرة معاً، و يحلّ بينهما؛ هذا هو حكم الله!

  • قالوا: نعم، هو كذلك و لكنّ عمر غيّر ذلك لمصلحة؛ أي: رفع المتعة؛ و أمر قائلًا بأنّ كلّ من أحرم من الميقات، فبنيّة الحجّ؛ و لا يجوز له التمتّع بالنساء حتى آخر منسك من مناسك الحجّ.

  • قلتُ: دعونا من قولكم أنّ عُمَر قام بهذا العمل لمصلحة رآها، و لا نخوض في هذا البحث؛ بَيدَ أني أقول: هل أنّ عمل عُمَر حُجّة؟ و هل يجب علينا اتّباعه حتى يوم القيامة؟!

  • لم يكن عُمَر نبيّاً؛ و لم ينزل عليه الوحي. فكيف يسوغ لنا أن نُعرض عن كلام رسول الله، و هو وحيٌ من الله يُوحى يأتيه به جبرئيل، و نأخذ بكلام عمر؟!

  • أنّ عمر قال للناس كلاماً في عصره؛ فما ذا يعنينا نحن منه؟!

  • و هل أنّ كلام عمر مقدّم على كلام رسول الله، و جبرئيل، و آيات القرآن؟! و هل يشترك عمر مع رسول الله في حُجّيّة الكلام، حتى إذا تعارض كلامهما، فإنّا قدّمنا كلام عمر عليه مثلًا؟ أو أنّ كلامه ينسخ كلام الرسول؟ و بالتالى، ما لم يتحقّق أحد هذه الامور، و لم يثبت؛ فليس لنا أن نعرض عن حجّيّة كلام رسول الله من وحي تفكيرنا الخاصّ و أذواقنا النفسيّة!

  • وهنا آثر العالمان السنّيان الصمت؛ و لم يجيبا بشيء؛ و خيّم الوجوم على المجلس برهة. فالتفتُّ إلى الشيخ عُمَر عَادِل، و هو- كما قلت- من

معرفة الإمام ج۵

140
  • أهل حَلَب، و كان وسيماً للغاية. و استبان أنه وافقني على ما قلت. التفتُّ إليه و قلتُ: لما ذا لا تقولون لهؤلاء أن يكفّوا عن إيذاء الزوّار؟!

  • لقد وزّعوا أفراد الشرطة حول قبر رسول الله، و ليس لأحد أن يقبّل القبر المطهّر، فأيّ عمل هذا؟ يفد الحجّاج من شتّى بقاع المعمورة مشتاقين لزيارة قبر نبيّهم، و لعلّهم لا يفلحون بالمجيء إلّا مرّة واحدة في حياتهم فهم يريدون التعبير عن حبّهم لنبيّهم من خلال تقبيل قبره المقدّس، و لأنهم قد حرموا لقاء رسول الله فإنّهم يقبّلون الباب، و الضريح، و هم يبكون في عواطف جيّاشة فيّاضة تملا الرحب.

  • و إذا ما حاولوا التقبيل؛ فإنّ أسواط الشرطة تنهال على رؤوسهم بغتةً أن: لا تقبّل يا مشرك! هذا الضريح من حديد! الحديد لا يقبّل! تقبيل الحديد شرك؛ و يؤيّد الآمرون بالمعروف هذه التخرّصات أيضاً و يقولون:

  • هذه الأعمال شرك.

  • يقف الحجّاج المساكين إلى ناحية حائرين مدهوشين، و هم في حالة يرثي لها كالخشبة اليابسة؛ و يتحدّثون مع أنفسهم: أيّ خطب هذا؟! أيّ شرك هذا؟!

  • اناشدكم بصاحب هذا البيت، هل يقبّل الحجّاج الحديد و الفولاذ أو يقبّلون جسم رسول الله، أو نفس رسول الله؟! هل يقبّلون الحديد و الخشب، أو يقبّلون النفس المقدّسة للصدّيقة الطاهرة؟ أ لا يخطر ببالكم أن تقبّلوا يد أبيكم أو امّكم أو استاذكم أو معلمّكم أو مربيّكم من العلماء؟

  • هل تحترمون روحه، أو تحترمونه كقطعة من لحم فقط؟!

  • أ لم تقرءوا شعر قيْسِ بنِ المُلَوَّحِ العامِرِيّ، إذ قال في معشوقته لَيْلى العامِريّة:

  • أمُرُّ على جِدَارِ دِيَارِ لَيْلى***اقَبِّلُ ذَا الدِّيَارَ وَ ذَا الْجِدَارَا

معرفة الإمام ج۵

141
  • وَ مَا حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلْبِي***وَ لَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارَا

  • فالتفت إلى الشيخ عُمَر عَادِل في تلك الحال، و كان في قمّة الغضب و الامعاض: و قال لي: يا سَيِّدُ! وَ اللهِ هُمْ مُشْرِكُونَ؛ هُمْ مُشْرِكُونَ. يقصد الوهّابيّين، ثمّ أردف قائلًا:

  • بعد فراغي من صلاة الصبح و الطواف هذا اليوم رأيت جماعة من الإيرانيّين واقفين، و معهم شخص كان يقرؤهم الدعاء، و هم يردّدون معه.

  • كان يقول في دعائه: إلَهي بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَ أبِيهَا وَ بَعْلِهَا وَ بَنِيهَا وَ السِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا كَذَا وَ كَذَا.

  • فمرّ عليهم إمام جماعة هذا المسجد، أعني: المسجد الحرام، و صاح بهم: هذا شرك! لا تقولوا هكذا! أنّ طلب شيء من فاطمة شرك!

  • فامتعضت من كلامه للغاية، و تقدّمت إليه قائلًا: إخْسَأ! إخْسَأ! ثمّ قلت له: عندي سؤال (قسماً بالله و بهذا البيت، ما رأيت هذا السؤال من قبل في كتاب قطّ، و لم يخطر ببالى فيما مضى؛ بل كأنه القي في روعي تلك اللحظة أن أقوله) و سؤالى هو: هل تعلم أنّ إخوة يوسف أتوا بقميصه من مصر، و ألقوه على وجه أبيهم يعقوب في كَنْعان فارتدّ بصيراً؟ و قال جلّ من قائل: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً.

  • (الآية 96، من السورة 12: يوسف).

  • فقال إمام المسجد: نعم، أعلم هذا!

  • قلتُ: ممّ كان ذلك القميص؟!

  • قال: من القطن أو من الكتّان!

  • قلتُ: و هل للقطن أو الكتّان هذا الأثر القويّ الذي يعيد البصر إلى عين يعقوب، و ليس لفاطمة الزهراء التي سمّاها النبيّ: سيّدة نساء العالمين. هذا الأثر إذ تكون شفيعة عند الله، و تقضي حوائج المؤمنين؟!

معرفة الإمام ج۵

142
  • ثمّ قال: يَا سَيِّد! وَ اللهِ خَسَأ خَسَأ.

  • و قال: نحن السنّة كلّنا بُرَاء من الوهّابيّين! لقد ابتدعوا مذهباً خاصّاً، و هو مذهب جامد متزمّت لا محتوى له. نحن أيضاً جئنا من مكان بعيد متلهّفين لتقبيل قبر رسول الله، و هؤلاء يحولون بيننا و بين ذلك!

  • و بعد ذلك، دعانا إلى حَلَب، لنذهب إلى هناك و ننزل ضيوفاً عنده.

  • و كان يقول: نحن نحبّ أهل البيت حبّاً جمّاً؛ و نساؤنا يعتقدن أنّ أعمالهنّ لا تقبل ما لم يرين فاطمة الزهراء في المنام. و على وجه الخصوص كان يقول: «تعال. و انظر ما ذا تفعل نساؤنا! ثمّ تحدّث عنهنّ! و أنا عندي أخوات ملا حبّ أهل البيت قلوبهنّ».

  • الوهّابيّة قائلة بجسمانيّة الله

  • و من المفاسد المهمّة الأخرى للمذهب الوهّابيّ قولهم بالتجسيم؛ ذلك لأنهم يرون أن لا نتجاوز ظواهر القرآن؛ و أنّ المعنى الظاهريّ هو المعنى الاعتيادي و المتعارف الذي يتداوله الناس؛ و لذلك فإنّ الآيات القرآنيّة التي تنسب اليد، و العين، و الجَنْب، و الوَجْه، و غير هذه الأشياء إلى الله، فالمقصود هو هذه المعاني الظاهريّة المتعارفة. و ما يلزم هذا المعنى هو تجسيم الله سبحانه و تعالى.

  • فهم يقولون: أنّ الآيات القرآنيّة كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (الآية 10، من السورة 48: الفتح).

  • و قوله: وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا. (الآية 37، من السورة 11: هود).

  • و قوله: وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. (الآية 39، من السورة 20: طه).

  • و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ. (الآية 30، من السورة 6:

  • الأنعام).

  • و قوله: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ. (الآية 56، من السورة 39: الزمر).

معرفة الإمام ج۵

143
  • و قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. (الآية 88، من السورة 28:

  • القصص).

  • و قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. (الآية 115، من السورة 2:

  • البقرة).

  • و قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. (الآية 5، من السورة 20:

  • طه).

  • و قوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. (الآية 50، من السورة 16:

  • النحل).

  • و قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ. (الآية 22، من السورة 89: الفجر).

  • و قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. (الآية 15، من السورة 2: البقرة).

  • و قوله: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. (الآية 93، من السورة 4: النساء).

  • و قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ. (الآية 42، من السورة 44: الدخان).

  • و أمثالها من الآيات الأخرى المبثوثة في القرآن المجيد؛ كلّها لها معنى ظاهريّ؛ فلله يد، و جنب، و عين؛ و هو جالس على العرش؛ و يغضب؛ و يرحم؛ و يستهزئ».

  • هذه هي عقائد الوهّابيّين؛ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً.

  • و السبّاق إلى هذه الأباطيل و العقائد الكافرة هو ابن تيميّة الحَرَّانيّ الشاميّ؛ و كان من أتباع أحمد بن حنبل. و لم يقرّ له قرار في عناده و عدائه لأهل البيت و لا سيّما لأمير المؤمنين عليه السلام. و هو ينكر الضروريّات و المسلّمات و اليقينيّات في كتابه «منهاج السُّنَّة» الذي ألفه للردّ على براهين و أدلّة مفخرة الإماميّة: العلّامة الحلّيّ. يرفض فيه كلّ حديث ورد في فضائل أمير المؤمنين و أهل البيت؛ و يعتبره كذباً و باطلًا: أو مرسلًا أو ضعيفا أو مجعولًا، مهما كان في غاية الإتقان و الصحّة، و مهما كان

معرفة الإمام ج۵

144
  • مستفيضاً و متواتراً، و حتى لو رواه الكبار من حفّاظ أهل السنّة و مشايخهم و رواتهم بطرق عديدة، و نصّوا على صحّة متنه و أسناده و رجاله. لقد كان هذا الرجل حسّاساً إلى درجة لو ورد ذكر لمولى الموحّدين على بن أبي طالب في حديث، فإنّه يرميه بالجعل و الاختلاق، و يفترى على الشيعة؛ و حتى لو كان راوي ذلك الحديث من مشايخ «الصحاح الستّة» للعامّة. فإنّ روايته ضعيفة عند ابن تيميّة بسبب ذكر هذا الحديث لا غير؛ و بصورة عامّة، فإنّ الملاك عنده في صحّة الحديث و عدم صحته هو التشيّع و نقل فضائل على بن أبي طالب؛ ثمّ إنّه يتحيّز بكلّ صراحة لسلاطين الامويّين و ملوكهم، و حتى لمعاوية و يزيد، و كذلك يتحيّز لسلاطين العبّاسيّين.

  • أنّ ظلامة أهل البيت. لا تتمثّل في التشريد، و السجن، و التعذيب، و القتل، و الصلب، و الحرق، و النهب فحسب، بل تتمثّل أيضاً في إخفاء فضائلهم، و إلصاقها بأعدائهم. و هذه من أخطر المؤامرات المكشوفة و الخفيّة لقمعهم و استئصال شأفتهم، و محو اسمهم و ذكرهم من الوجود؛ فأمثال هذا الرجل الشاميّ ذي النزعة الامويّة الرافع لواء التأييد و الدعم للسياسة السيّئة التي كان يتّبعها سلاطين الجور، من أمثال معاوية و من حذا حذوه، كان لهم باع طويل في هذه المؤامرات. بَيدَ أنهم لم يقطفوا من وراء ذلك ثمرة على الرغم من كلّ ما قاموا به من أعمال دنيئة. إذ أنّ فضائل علىّ بن أبي طالب قد ملأت الآفاق. و اعترف بها الصديق و العدوّ و القريب و البعيد بما فيهم اليهود و النصارى و المادّيّون، فقد أذعنوا كلّهم لعظمة ذلك الرجل العملاق و شخصيّته و أصالته و حقيقته، خضعوا بأجمعهم أمام عظمة ذلك الإمام المظلوم، و جعلوا لحبّه مكاناً في أعماق قلوبهم. و من بين هؤلاء: وامق النصرانيّ و هو: بقراط بن أشوط، من أهل أرمينيّة، و من الأمراء العسكريّين المهمّين في عصر المتوكّل. نظم قصيدة عصماء في

معرفة الإمام ج۵

145
  • فضائل أمير المؤمنين عليّ و محامده، ذكر ابن شهرآشوب شيئاً منها في «المناقب» الطبعة الحجريّة ص 286 و 532. و كذلك نظم عبد المسيح الانطاكيّ قصيدته العلويّة التي تربو على 5595 بيتاً، و نظم بولس سلامة قاضي النصارى في بيروت قصيدته المسمّاة: عيد الغدير في فضائل علي بن أبي طالب و مناقبه، و قد بلغت أكثر من 3085 بيتاً، دافع فيها عن حقّ الإمام. و لأحد شعراء النصارى، و هو زينبا بن إسحاق الرسعني الموصليّ، قصيدة تستحقّ التأمّل، يقول فيها:

  • عَدِيّ وَ تَيْمٌ لَا احَاوِلُ ذِكْرَهَا***بِسُوءٍ وَ لَكِنِّي مُحِبٌّ لِهَاشِمَ

  • وَ مَا تَعْتَريني في عَلَيّ وَ رَهْطِهِ***إذا ذُكِرُوا في اللهِ لَوْمَةُ لَائِمِ

  • يَقُولُونَ مَا بَالُ النَّصَارى تُحِبُّهُمْ***وَ أهْلُ النُّهَى مِنْ أعْرُبٍ وَ أعَاجِمِ

  • فَقُلْتُ لَهُمْ إنِّي لأحْسِبُ حُبَّهُمْ***سَرَى في قُلُوبِ الْخَلْقِ حتى الْبَهائِمِ 1

  • كلام ابن حجر في شأن ابن تيميّة

  • أنّ الكبار من العامّة قد رفضوا ابن تيميّة، و دحضوا حجّته، و أفتوا بضلاله و كفره. و يقولون: إنّه يعترف بتجسيم الله صراحة. و فيما يلي نصّ كلام الحافظ ابن حَجَر في كتابه المسمّى: «الفتاوى الحديثة» ص 86:

  • ابن تيميّة عبدٌ خَذَله الله و أضَلَّه و أعْماه و أصَمَّه و أذَلَّه، و بذلك صَرَّح الأئمّة الَّذين بيَّنوا فَسادَّ أحواله، و كِذْبَ أقواله؛ وَ مَن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتَّفق على إمامته و جلالته و بلوغه

    1. «الغدير» ج 3، ص 7 و 8.

معرفة الإمام ج۵

146
  • و مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكيّ وَ وَلَدِهِ التاج و الشيخ الإمام العزّ بن جَمَاعَة و أهل عصرهم و غيرهم من الشَّافعيّة و المالكيّة و الحنفيّة؛ و لم يقصر اعتراضه على متأخّري الصُّوفيّه بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب و على بن أبي طالب رضي الله عنهما.

  • و الحاصل أنه لا يقام لكلامه وزنٌ بل يُرمى في كلِّ وَعْرٍ و حَزْنٍ، و يُعتقد فيه أنه مبتدع ضالٌّ مضلٌّ غالٍ؛ عامله الله بعدله و أجارنا من مثل طريقته و عقيدته و فعله، آمين (إلى أن قال)

  • ابن تيميّة قائل بتجسيم الله صراحة

  • إنّه قائل بالجهة و له في إثباتها جزءٌ؛ و يلزم أهل هذا المذهب الجسميّة و المحاذاة و الاستقرار؛ أي فلعلّه في بعض الأحيان كان يصرّح بتلك اللَّوازم فنسبت إليه؛ سيّما و ممّن نسب إليه ذلك من أئمّة الإسلام المتّفق على جلالته و إمامته و ديانته و أنه الثّقة العدل المرتضى المحقّق المدقّق؛ فلا يقول شيئاً إلّا عن تثبُّتٍ و تحقّق و مزيد احتياط و تحرٍّ سيّما إن نسبت إلى مسلم ما يقتضي كفره و ردّته و ضلاله و إهدار دمه؛ الكلام.1

  • كلام العلماء و المورّخين حول ابن تيميّة

  • كلام علماء العامّة حول كفر ابن تيميّة في تجسيم الله

  • يقول العالم الجليل آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ: أنّ الوهّابيّة و مؤسّس دعوتهم محمّد بن عبد الوَهَّاب، و باذر بذورها أحْمد ابن تيميَّة، و تلميذه ابن القَيِّمِ الْجَوْزيّ، و أتباعهم ادّعوا أنهم موحّدون، و أنهم باعتقاداتهم التي خالفوا بها المسلمين حموا جناب التوحيد عن أن يتطرّق إليه شيء من الشرك. و ادّعى الوهّابيّون أنهم هم الموحّدون و غيرهم من جميع المسلمين مشركون.

  • و لكنّ الحقيقة أنّ ابْنَ تَيْميَّة، و ابْنَ عَبْدِ الْوَهَّابْ و أتباعهما قد أباحوا حمى التوحيد؛ و هتكوا ستوره، و خرقوا حجابه؛ و نسبوا إلى الله تعالى ما

    1. «الغدير» ج 3، ص 217.

معرفة الإمام ج۵

147
  • لا يليق بقدس جلاله، تقدّس وَ تعالى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً.

  • فأثبتوا لله تعالى من جهة الفوق و الاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات و الأرض؛ و النزول إلى سماء الدنيا، وا لمجيء، وا لقرب، و غير ذلك بمعانيها الحقيقيّة.

  • و أثبتوا له تعالى الوجه، و اليدين: اليد اليمني، و اليد الشمال و الأصابع، و الكفّ، و العينين، كلّها بمعانيها الحقيقيّة من دون تأويل معانيها و هو تجسيم صريح.

  • و حملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقيّة، فأثبتوا لله تعالى المحبّة، و الرحمة، و الرضا، و الغضب، و غير ذلك بمعانيها الحقيقيّة من غير تأويل، و أنه تعالى يتكلّم بحرف، و صوت، فجعلوا الله تعالى محلّا للحوادث، و هو يستلزم الحدوث.

  • أمّا ابْنُ تيْميَّة فقال بالجهة، و التجسيم و الاستواء على العرش حقيقة و التكلّم بحرف و صوت.

  • و هو أوّل من زقا بهذا القول، و صنّف فيه رسائل مستقلّة، مثل رسالة «العقيدة الحَمَويَّة»، و رسالة «العقيدة الوَاسِطِيَّة»، و غيرهما. و اقتفاه في ذلك تلميذاه: ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيّ، و ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي، و أتباعهم.

  • و لذلك حكم علماء عصره بضلاله و كفره؛ و ألزموا السلطان بقتله، أو حبسه؛ فاخذ إلى مصر، و نوظر فحكموا بحبسه، فحبس. و ذهبت نفسه محبوساً بعد ما أظهر التوبة ثمّ نكث. و نحن ننقل ما حكوه عنه في ذلك و ما قالوه في حقّه، لتعلم ما هي قيمة ابن تيميّة عند العلماء:

  • قال أحْمَدُ بْنُ حَجَرِ الْهَيْتَمِيّ الْمَكِّيّ الشَّافِعِيّ صاحب كتاب «الصَواعِقُ الْمُحْرِقة» في كتابه «الْجَوْهَرُ الْمُنَظَّمُ في زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ»: أنّ ابن تيميّة تجاوز إلى الجناب المقدّس؛ و خرق سياج عظمته بما أظهره

معرفة الإمام ج۵

148
  • للعامّة على المنابر من دعوى الجهة و التجسيم، إلخ.

  • و قال ابْنُ حَجَر أيضاً في كتاب «الدُّرَرُ الْكَامِنَة» على ما حكى: أنّ الناس افترقت في ابن تيميّة، فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكره في «العقيدة الحمويّة»، و «العقيدة الواسطيّة» و غيرهما. من ذلك بقوله: أنّ اليد و القدم و الساق و الوجه صفات حقيقيّة لله، و إنّه مستو على العرش بذاته.

  • فقيل له: يلزم بذلك التحيّز و الانقسام. فقال: أنا لا أسلم أنّ التحيّز و الانقسام من خواصّ الأجسام. فالزم بأنه يقول بالتحيّز في ذات الله.

  • و منهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: أنّ النَّبِيّ لَا يُسْتَغَاثُ بِهِ و انّ في ذلك تنقيصاً و منعاً من تعظيم رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و كان أشدّ الناس عليه في ذلك النُّورُ البكْرِيّ؛ فإنّه لمّا عقد له المجلس لمحاكمته بسبب ذلك، قال بعض الحاضرين: يعزّر. فقال البكريّ: لا معنى لهذا القول، فإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها؛ و إنّما قاتل للرئاسة، لا للديانة؛ و إنّه كان يحبّ الرئاسة، و أنّ عثمان كان يحبّ المال.

  • و لقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، و على أسلم صبيّاً، و الصبي لا يصحّ إسلامه على قول.

  • و لكلامه في قصّة خطبة بنت أبي جهل و ما نسبه من الثناء على قصّة أبي العاص بن الربيع، و ما يؤخذ من مفهومها فإنّه شنّع في عليّ بن أبي طالب، فألزموه بالنفاق لقوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ.

  • و نسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى؛ فإنّه كان يلهج بذكر

معرفة الإمام ج۵

149
  • ابنِ تُومَرْتْ1 و يطريه. و كان ذلك مولّداً لطول سجنه. و له وقائع شهيرة.

    1. ابن تومَرْتْ ممّن ادّعى المهدويّة في المغرب، أي: في مناطق شمال إفريقيا في أواخر القرن الخامس، و أوائل القرن السادس الهجريّ؛ و عظم أمره؛ و التفّ حوله أنصار كثيرون، فنهض بهم؛ و أسّس دولة الموحّدين؛ و قد عرفوا بعده بالسلسلة المؤمنيّة الكوميّة.
      جاء في« معجم دهخدا»[ فارسيّ]: ابن تُومَرْتْ: أبو عبد الله، محمّد بن عبد الله بن تومرت المعروف بالمهديّ الهرغيّ. و سمّاه ابن خلدون أمغار، و هي في لغة البربر: الرئيس.
      مولده بين سنة 470 و 480 ه- في قرية من جبل سُوس الاقْصى بالمغرب. سافر إلى المشرق أيّام شبابه. و تعلّم هناك العلوم الدينيّة. و يقول ابن خلّكان: أدرك حديث أبي حامد الغزاليّ أيضاً. ثمّ رجع إلى المغرب؛ و كان مذهب التجسيم شائعاً في المغرب آنذاك؛ و أهلها جامدون متعصّبون. و قد أحرقوا ذات مرّة كتب الغزاليّ. ادّعى ابْنُ تُومَرْتْ المهدويّة هناك.
      و قام بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر. ألحق نسبه بالإمام علي بن أبي طالب. و كان أحد أنصاره يعرف بعبد المؤمن بن على. بثّ دعوته من بعده؛ و قويت دعوتهم. و في سنة 517 ه- أشخص ابن تومرت عبد المؤمن إلى حرب المُرابِطين، فاندحر. بَيدَ أنه صلب عوده مرّة ثانية بسبب ضعف المرابطين، إلى أن مات ابن تُومَرْت سنة 522 أو 524( قبره في مدينة يتنملّ) و خلفه عبد المؤمن بناءً على وصيّته، فصار رأس سلسلة الموحّدين( الجزء الاوّل، ص 297، مادّة ابن تومرت).
      و ذكر الزرْكُلِيّ في« الاعلام» معلومات نوجزها كما يلي: الْمَهْدِيّ ابْنُ تُومَرْتْ 485- 524 ه/ 1092- 1130 م:
      محمّد بن عبد الله بن تُومرت المصموديّ البَربَريّ أبو عبد الله المتلقّب بالمهديّ.
      و يقال له: مَهْدِيّ الْمُوَحِّدين؛ و هو صاحب دعوة السلطان عبد المؤمن بن عليّ ملك المغرب، و واضع اسس الدولة المؤمنيّة الكوميّة. و هو من قبيلة« هَرْغَه»، من« المصامدة»، من قبائل جبل السوس بالمغرب الاقصى. و تنتسب هَرْغَه إلى الحسن بن على. و في نسب ابن تومرت أقوال يأتى ذكرها في هامش هذه الترجمة. رحل إلى المشرق، فانتهى إلى العراق، و حجّ، و أقام بمكّة زمناً، ثمّ خرج منها إلى مصر، فطردته حكومتها، فعاد إلى المغرب. و جمع حوله الانصار، و حضر مجلس على بن يوسف بن تاشفين( و كان ملكاً حليماً). فأنكر عليه ابن تومرت بدعاً و منكرات، ثمّ خرج من حضرته، و نزل بموضع حصين من جبال تِيْنَملَّلْ. فجعل يعظ سكّانه حتى أقبلوا عليه. فحرّضهم على عصيان« ابن تاشفين» فقتلوا جنوداً له و تحصّنوا. و قوي بهم أمر ابن تومرت، و تلقّب بالمَهْدِيّ القائم بأمر الله. و عاجلته الوفاة قبل أن يفتح مراكش. و لكنّه قرّر القواعد و مهدّها: فكانت الفتوحات بعد ذلك على يد صاحبه عبد المؤمن، و صار سلطان المغرب. يقول السلاويّ:
      إنّه زاد في أذان الصبح:« اصْبِحُ وَ لله الْحَمْدُ»-« الاعلام» للزركليّ، ج 7، ص 104- 105.

معرفة الإمام ج۵

150
  • و كان إذا حوقق و الزم، يقول: لم أرد هذا، إنّما أردت كذا فيذكر احتمالًا بعيداً. «انتهى كلام ابن حَجَر في كتاب «الدُّرر الكامنة».

  • و عن «مُنْتَهَى الْمَقَالِ في شَرْحِ حَدِيثِ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ» للمفتي صدر الدين أنه قال فيه: قال الشيخ الإمام الحبر الهمام سند المحدّثين الشيخ محمّد البُرلُسيّ في كتاب «إتْحَافُ أهْلِ الْعِرْفَانِ بِرُؤيَةِ الأنْبِياءِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ الْجَانِّ»: و قد تجاسر ابن تيمّية عامله الله بعدله و ذكر تحريمه للسفر إلى زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى أن قال:

  • حتى تجاوز الجناب الأقدس المستحقّ لكلّ كمال أنفس، و خرق سياج الكبرياء و الجلال، و حاول إثبات ما ينأي العظمة و الكمال بادّعائه الجهة و التجسيم، و نسبة من لم يعتقدهما إلى الضلالة و التأثيم. و أظهر هذا الأمر على المنابر، و شاع و ذاع ذكره بين الأكابر و الأصاغر.

  • و عن صاحب كتاب «أشْرَفُ الْوَسَائِلِ إلى فَهْمِ الشَّمَائِلِ» أنه قال في بيان إرخاء العمامة بين الكتفين:

  • قال ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيّ عن شيخه ابْنِ تيْميَّة إنّه ذكر شيئاً بديعاً، و هو أنه صلّى الله عليه و آله و سلّم لمّا رأي ربّه واضعاً يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. قال العراقيّ: و لم نجد لذلك أصلًا. أقول: بل هذا من قبيل رأيهما و ضلالهما إذ هو مبنيّ على ما ذهبا إليه و أطالا في الاستدلال له، و الحطّ على أهل السنّة في نفيهم له، و هو إثبات الجهة و الجسميّة لله تَعَالَي

معرفة الإمام ج۵

151
  • عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَ الْجَاحِدُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً.

  • و لهما (ابن تيميّة، و ابن الجوزيّ) في هذا المقام من القبائح و سوء الاعتقاد ما يصمّ عنه الآذان و يقضي عليه بالزور و الكذب و الضلال و البهتان، قبّحهما الله، و قبّح من قال بقولهما.

  • و الإمام أحمد بنُ حَنْبَل و أجلّاء مذهبه مبرّءون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف و هي كفر عند كثيرين. انتهى كلام صاحب «أشرف الوسائل».

  • و عن الْمَوْلَوِيّ عَبْدِ الْحَلِيمِ الْهِنْدِيّ في كتاب «حَلُّ الْمَعَاقِدِ» في حاشية «شَرْح الْعَقَائِد»: كان ابن تيميّة حنبليّاً، لكنّه تجاوز الحدّ، و حاول إثبات ما ينأي عظمة الحقّ؛ فأثبت له الجهة و الجسم؛ و له هفوات اخر؛ إلى أن يقول:

  • و انعقد مجلس في قلعة الجبل، و حضر العلماء الاعلام و الفقهاء العظام. و رئيسهم قاضي القضاة زَيْنُ الدِّينِ المالِكِيّ؛ و حضر ابن تيميّة.

  • فبعد القيل و القال، بهت ابن تيميّة. و حكم قاضي القضاة بحبسه سنة 705.

  • ثمّ نودى بدمشق و غيرها: من كان على عقيدة ابن تيميّة، حلّ ماله و دمه.

  • كذا في «مرآة الجنان» للإمام أبي محمّد عبد الله اليافعيّ، ثمّ تاب و تخلّص من السجن سنة 707 و قال: إنّي أشعريّ، ثمّ نكث عهده، و أظهر مرموزه، فحبس حبساً شديداً، ثمّ تاب و تخلّص من السجن، و أقام في الشام، و له هناك واقعات كتبت في كتب التاريخ.

  • و ردّ أقاويله و بيّن أحواله الشيخ ابن حجر في المجلّد الأوّل من «الدُّرر الكامنة»، و الذهبيّ في تأريخه، و غيرهما من المحقّقين.

  • و حاصل المرام أنّ ابن تيميّة لمّا كان قائلًا بكونه تعالى جسماً، قال بأنه ذو مكان، فإنّ كلّ جسم لا بدّ له من مكان على ما ثبت. و لمّا ورد في

معرفة الإمام ج۵

152
  • الفرقان الحميد: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، قال: أنّ العرش مكانه.

  • و لمّا كان الواجب أزليّاً عنده، و أجزاء العالم حوادث عنده، اضطرّ إلى القول بأزليّة جنس العرش و قدمه و تعاقب أشخاصه الغير المتناهيّة. فمطلق التمكّن له تعالى أزليّ، و التمكّنات المخصوصة حوادث عنده، كما ذهب المتكلّمون إلى حدوث التعلّقات. «انتهى».

  • و عن اليافِعيّ في «مِرآة الجنان» أنه قال في ذكر فتنة ابن تيميّة:

  • و كان الذي ادّعى عليه بمصر أنه يقول: أنّ الرحمن على العرش استوى حقيقة، و إنّه يتكلّم بحرف و صوت. ثمّ نودي بدمشق و غيرها: من كان على عقيدة ابن تيميّة، حلّ ماله و دمه. «انتهى».

  • و عن «تاريخ أبي الفِداء» في حوادث سنة 705: و فيها استدعى تقيّ الدين أحمد بن تيميّة من دمشق إلى مصر، و عقد له مجلس، و أمسك، و اودع الاعتقال بسبب عقيدته، فإنّه كان يقول بالتجسيم:

  • و جاء في المنشور الصادر بحقّه من السلطان: و كان الشقيّ ابن تيميّة في هذه المدّة قد بسط لسان قلمه، و مدّ عنان كلمه، و تحدّث في مسائل القرآن و الصفات. و نصّ في كلامه على امور منكرات. و أتى في ذلك بما أنكره أئمّة الإسلام و انعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام، و خالف في ذلك علماء عصره و فقهاء شامه و مصره. و علمنا أنه استخفّ قومه فأطاعوه حتى اتّصل بنا أنهم صرّحوا في حقّ الله بالحرف و الصوت و التجسيم.

  • «انتهى كلام أبي الفداء».

  • و عن «كَشْفُ الظُّنون» عن بعضهم: أنه بالغ في ردّ ابن تيميّة، حتى صرّح بكفر من أطلق عليه: شيخ الإسلام. «انتهى».1

    1. «كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عَبْد الوهّاب» الطبعة الثالثة؛ ص 129 إلي ص 133.

معرفة الإمام ج۵

153
  • عقيدة محمّد بن عبد الوهّاب مماثلة لابن تيميّة

  • إلى هنا فرغ المرحوم آية الله العامليّ رضوان الله عليه من حديثه عن ابن تيميّة. ثمّ بدأ الحديث عن محمّد بن عَبد الوَهَّاب1 الذي اقتفى أثر ابن تيميّة في زيارة القبور، و التشفّع، و التوسّل، و غير ذلك. فقال: و قد أثبت ابن عبد الوهّاب لله تعالى جهة الفوق و الاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات، و الأرض، و الجسميّة، و الرحمة، و الرضا و الغضب و اليدين اليمنى و الشمال، و الأصابع، و الكفّ كلّها بمعانيها الحقيقيّة من دون تأويل.

  • قال محمّد بن عبد الوهّاب في كتاب «التَّوْحِيدُ الذي هُوَ حَقٌّ على الْبَعِيدِ» على ما حكى عنه في باب قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ2: لله علوٌّ، و غضب و رضا، و استواء على العرش، ثمّ استدلّ على ذلك بالآية: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.3

  • و قال: لله أصابع، يجعل السماوات في إصبع، و الأرضين في إصبع،

    1. جاء في كتاب« خلاصة الكلام في امراء البلد الحرام» للشيخ أحمد بن زيْني دَحْلان: ولد محمّد بن عبد الوهّاب سنة 1111 ه- و توفي سنة 1207 ه- فكان عمره 96 سنة.
      و أظهر دعوته سنة 1143 ه-؛ إلّا أنه اشتهر بعد سنة 1150 ه-.« كشف الارتياب» ص 3 و ص 5.
      و جاء في الكتاب الذي ألفه الجاسوس البريطانيّ في الوطن الإسلاميّ: همفر و هو بعنوان« مذكّرات مستر همفر» و ترجمه الدكتور ج خ باللغة العربيّة أنّ بريطانيا العظمى و حلفاءها المستعمرين كانوا وراء حركة محمّد بن عبد الوّهاب ضدّ الإسلام و فرق المسلمين كافّة. و أنّ وزارة المستعمرات البريطانيّة كانت وراء تأسيس ذلك المذهب الجديد. و جاء في ص 83 من الكتاب أنّ رغبة محمّد بن عبد الوهّاب في تنشيط دعوته قد قويت سنة 1143 ه-. و جمع حوله أنصاراً كثيرين؛ و بدأ دعوته لاخصّ خواصّه بكلمات غامضة و ألفاظ مجملة.
    2. الآية 23، من السورة 34: سبأ.
    3. الآية 67، من السورة 39: الزمر.

معرفة الإمام ج۵

154
  • و الشجر على إصبع، و الماء على إصبع، و الثري على إصبع، و سائر الخلق على إصبع.

  • ثمّ نقل رواية عن ابن مسعود في حبر من الأحبار جاء إلى رسول الله و طرح عليه ما مرّ من كلام، فضحك رسول الله. يرى ابن عبد الوهّاب أنّ ضحك النبيّ تصديق لقول الحبر. و بذلك يثبت التجسّم، و الجهة، و الكيف لله.

  • عقائد أتباع محمّد بن عبد الوهّاب

  • و بعد موت محمّد بن عبد الوهّاب، أثبت أتباعه لله تعالى جهة العلوّ و الاستواء على العرش. و الوجه، و اليدين، و العينين، و النزول إلى سماء الدنيا و المجيء و القرب، و غير ذلك بمعانيها الحقيقيّة.

  • و في الرسالة الرابعة من الرسائل الخمس المسمّى مجموعها ب- «الهَدِيَّةِ السَّنِيَّة» لعبد اللطيف حفيد محمّد بن عبد الوهّاب عند ذكر بعض اعتقادات الوهّابيّة، و انّها مطابقة لعبارة أبي الحسن الأشعريّ، قال:

  • و إنّ الله تعالى على عرشه كما قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. و إنّ له يدين بلا كيف كما قال: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ. و أنّ له عينين بلا كيف؛ و إنّ له وجهاً، كما قال: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.

  • و قال: و يصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟

  • إلى أن قال: و يقرءون أنّ الله يجيء يوم القيامة كما قال: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. و إنّه يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.

  • و جاء في الرسالة الخامسة لمحمّد بن عبد اللطيف المذكور: و نعتقد أنّ الله تعالى مستو على عرشه، عال على خلقه، و عرشه فوق السماوات.

معرفة الإمام ج۵

155
  • قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. فنؤمن باللفظ، و نثبّت حقيقة الاستواء، و لا نكيّف، و لا نمثّل.

  • قال إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ: مالِك بْنُ أنَسْ- و بقوله نقول- و قد سأله رجل عن الاستواء، فقال: الاستواءُ مَعْلُومٌ وَ الْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَ الإيمانُ بِهِ وَاجِبٌ وَ السُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.

  • إلى أن قال: فمن شبّه الله بخلقه كفر، و من جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، و نؤمن بما ورد من أنه تعالى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنيَا حِينَ يَبْقَى ثُلْثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ ...

  • وهنا قال المرحوم الأمين العامليّ: يلزم من ذلك أحد أمرين:

  • التجسيم أو القول بالمحال، و كلاهما محال؛ لأنّ حصول حقيقة الاستواء مع عدم الكيف محال بحكم العقل. و مع الكيف تجسيم، فلا بدّ من التأويل و المجاز، و القرينة العقل.1

  • و يقول دهخدا: ينسب ابن تيميّة إلى تَيْما، مدينة صغيرة في الشام:

  • و هو تقيّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمّد بن تيميّة الحَرَّانيّ (الولادة 661، الوفاة 728 ه-). ولد في حرّان بالقرب من دمشق. (إلى أن يقول):

  • و قد عارض ابن تيميّة الأشاعرة، و الحكماء، و الصوفيّة، و جميع الفرق الإسلاميّة ما عدا السلفيّة، و يراها باطلة. و كان يعتقد بالتجسّم؛ و لا يجيز للمسلم أن يتجاوز ظاهر اللفظ في القرآن و الحديث. و كان يعتبر زيارة قبور الأولياء بدعة؛ و يمكن القول إنّه رائد الوهّابيّين في هذا الأمر.2

    1. «كشف الارتياب» من ص 133 إلي ص 137.
    2. «معجم دهخدا» بالفارسيّة؛ كلمة ابن تيميّة ج 1 ص 297.

معرفة الإمام ج۵

156
  • ابن بطوطة في الشام و كلام ابن تيميّة

  • و عند ما سافر ابنُ بطوطة إلى دمشق، التقي ابن تيميّة هناك؛ و بعد حديثه عن قضاة دمشق، يقول: حِكَايَةُ الْفَقِيهِ ذِي اللَّوْثَةِ. ثمّ قال:

  • و كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقيّ الدين بن تيميّة كبير الشام؛ يتكلّم في الفنون إلَّا أنّ في عَقْلِهِ شَيئاً.

  • و كان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، و يعظهم على المنبر؛ و تكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء، و رفعوه إلى الملك الناصر، فأمر بإشخاصه إلى القاهرة. و جُمَع القضاةُ و الفقهاء بمجلس الملك الناصر؛ و تكلّم شرف الدين الزَّوَاويّ المالكيّ، و قال: أنّ هذا الرجل قال كذا و كذا، و عدّد ما أنكر على ابن تيميّة، و أحضر العقود بذلك، و وضعها بين يدي قاضي القضاة.

  • و قال قاضي القضاة لابن تيميّة: ما تقول؟ قال: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ فأعاد عليه، فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً؛ و صنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه ب- «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلّداً.

  • ثمّ أنّ امّه تعرّضت للملك الناصر، و شكت إليه، فأمر بإطلاقه، إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية؛ و كنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة و هو يعظ الناس على منبر الجامع، و يذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: أنّ اللهَ يَنْزِلُ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَنُزُولِي هَذَا، وَ نَزَلَ دَرَجَةً مِنْ دَرَجِ الْمِنْبَرِ.

  • فعارضه فقيه مالكيّ يعرف ب- ابنِ الزَّهْراء، و أنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه، و ضربوه بالأيديّ و النعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته، و ظهر على رأسه شاشة حرير، فأنكروا على لباسها و احتملوه إلى دار عزّ الدين ابن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه و عزّره بعد ذلك، فأنكر

معرفة الإمام ج۵

157
  • فقهاء المالكيّة و الشافعيّة ما كان من تعزيره.

  • و رفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز، و كان من خيار الأمراء و صلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك، و كتب عقداً شرعيّاً على ابن تيميّة بامور منكرة. و بعث العقد إلى الملك الناصر، فأمر بسجن ابن تيميّة بالقلعة، فسجن بها حتى مات في السجن.1

  • يستبين لنا ممّا تقدّم بكلّ صراحة: أنّ ابن تيميّة كان يقول بالتجسيم؛ و تمثيله بنزوله درجة من المنبر يفيدنا جيّداً أنّ القصد من النزول هنا هو النزول المكانيّ تَعَإلى الله عَنْ ذَلِكَ. و في ضوء ذلك فإنّ ما ذكره محمّد بَهْجَت الْعَطَّار في كتاب «حياة ابن تيميّة»- من أنّ ابن بطوطة عند ما كان في دمشق، كان ابن تيميّة محبوساً في قلعة دمشق، فالذي تكلّم بذلك الكلام على منبر دمشق شخص آخر غيره ظنّه ابن بطوطة أنه ابن تيميّة- كلام في غير موضعه، و تبرير لا يمكن قبوله.

  • إذ كيف يخفي ابن تيميّة على ابن بطوطة فلا يعرفه، و يظنّه شخصاً آخر، و هو معروف بالفراسة و الكياسة و السوابق؟ هذا مع كافّة المواصفات التي ذكرها ابن بطوطة في هذه القصّة.

  • ناهيك عن أنّ ابن بطوطة كان رحّالة؛ و له كتاب «رحلة ابن بطوطة» حول هذه الأسفار و أمثالها. و من المعلوم أنّ السوّاح الذين يدوّنون رحلاتهم و أسفارهم، يسجّلون مشاهداتهم اليوميّة في حينها و لا يؤخّرونها لئلّا ينسوا شيئاً منها، و يضبطون كافّة الخصوصيّات. و قد أقام ابن بطوطة مدّة في دمشق؛ و لو كانت هذه القضيّة غير مرتبطة بابن تيميّة. فإنّها لم تكن لتخفى، بل ينشر خبرها في دمشق فيسجّلها ابن بطوطة في رحلته.

    1. «رحلة ابن بطوطة» طبع دار صادر، دار بيروت، 1384 ه-، ص 95 و 96.

معرفة الإمام ج۵

158
  • و هذه الرحلة تحظى بالاهميّة عند المؤرّخين، و مع هذا كلّه فإنّ غفلة ابن بطوطة عن هذا الأمر الواضح البيّن لا تغفر له.

  • مضافاً إلى كلّ ما مرّ من كلام، فما هو الدافع لنا أن نقدّس ابن تيميّة إلى هذه الدرجة سالكين طرقاً وعرة و مطبّات عويصة بغية تبرير أخطائه! و هو الذي شهد بزيغه الفكريّ علماء الإسلام كافّة؛ حتى أنّ ابن بطوطة نفسه قد رأي خللًا و نقصاً في عقله، و ذكره تحت عنوان الْفَقِيهُ ذُو اللَّوْثَة.

  • هذه أخطاء ابن تيميّة، و ابن عبد الوهّاب، كلّها ناتجة عن التزمّت، و التعنّت، و الجمود على الظاهر، و عدم التعقّل في آيات الله.

  • فلقد تعلّما كلمة واحدة و هي: لا يمكن أن نتجاوز القرآن و السنّة النبويّة؛ و لكن ما هو القرآن، و كيف يجب أن نفهمه منه؟ و كيف نفسّر القرآن، و هو كتاب للعمل و منهج للعلم يستضيء به الحكماء و ذوو الالباب في العالم حتى فناء الدنيا و قيام القيامة؟ إنّهما و أمثالهما لا يفهمون أبداً.

  • يقولون: وَ جَاءَ رَبُّكَ، أي أنّ الله يمشي و يذهب و يجيء.

  • الالفاظ الموضوعة للمعاني العامّة

  • أنّ هؤلاء لو خطوا على طريق الأدب الصحيح، و الفلسفة الإسلاميّة خطوة واحدة، لما تقوّلوا هذه الأقاويل، و نسجوا هذه الأباطيل.

  • لقد وضعت الألفاظ للمعاني العامّة. فالمجيء بمعنى الإتيان، أي الأقتراب التدريجيّ. و تتمثّل هذه الحقيقة في الإنسان برجليه، و في الحيوان ذي الأربع بأربع، و في الطير بتحريك جناحيه؛ و في الحوادث الأرضيّة و السماويّة لمناسبتها. أنتم تقولون: جاء المطر، و جاء الثلج، و جاءت الرياح، و جاءت الزلزلة، فهل لهذه الأشياء أرجل تمشي بها؟! و تقولون: جاءت الشمس، و جاء النور، فهل لهما أرجل؟ و تقولون في الأمور المعنويّة: جاء عقل زيد إلى موضعه (ثاب إلى رشده)؛ و جاء حبّه؛ و جاء إدراكه؛ و جاء سخاؤه؛ و جاء جبرئيل؛ و تقولون في الأمور المادّيّة

معرفة الإمام ج۵

159
  • غير المعنويّة كالكهرباء، و الماء، و غيرهما: جاءت الكهرباء، و جاء الماء؛ و جاءت حرارة زيد إذا حُمَّ بدنه. فهل لهذه الأشياء أرجل؟ فمجيء كلّ شيء يتناسب مع ماهيّته. و لم يذكر أحد من اللغويين قطّ أنّ المجيء ملازم لحركة الارجل.

  • و معنى قولنا: جاءت رحمة الله، اقتربت، و رفع الحجاب، و تجلّت للناس صفة الرحمة.

  • و جاء الله، تعني أنّ حجاب الإنّيّة الذي عليه الناس قد رفع، فشاهدوا ذاته المقدّسة متجلّية بالهيمنة، و الإحاطة، و الاستيلاء؛ و أدركوا جماله و جلاله بدون حجاب؛ هذا هو المعنى الحقيقيّ للمجيء. فالالفاظ قد وضعت للمعاني العامّة؛ و المواصفات الخاصّة بموضع الاستعمال لا علاقة لها بموضوعها العامّ.

  • و في ضوء ذلك نقول: أنّ لفظ المجيء قد استعمل في معناه الحقيقيّ؛ غاية الأمر أنّ معناه الحقيقيّ عامّ؛ و لو يؤخذ بنظر الأعتبار في تلك الخصوصيّات المستعملة.

  • و لا نقول: إنّه لا يمكن استعمال لفظ المجيء في هذه الحالات في معناه الحقيقيّ و هو الإتيان على الاقدام، و ينبغي أن نؤوّله، و نحمله على معناه المجازيّ. فهذا الجواب غير صحيح.

  • لقد استعمل لفظ العرش في معناه الحقيقيّ؛ و هو عامّ؛ و يلزمه أنّ العرش ليس مادّيّاً، و عرش كلّ شيء يتناسب مع ذاته: فعرش الله مجرّد، و ليس مادّيّاً، كما أنّ الله مجرّد و ليس مادّيّاً.

  • أنّ عرش الله هو عالم المشيئة و الإرادة و الاختيار المهيمن على العوالم كلّها.

  • الله سميع؛ و معنى أنه يسمع، أي: يدرك المسموعات بعلمه

معرفة الإمام ج۵

160
  • المحيط؛ و هو بصير و له عين، أي: يدرك المُبصرات بعلمه المحيط؛ و لله يد، أي: قدرة، و وسيلة لممارسة القدرة؛ و يداه، تعنيان صفة الجمال، و الجلال؛ و اسمي: الجميل، و الجليل. هذه معان غير مؤوّلة و غير مجازيّة.

  • و لا قرينة عندنا على المجاز حتى يقول أحد شيئاً يدلّ عليه؛ و ينبغي أن نحمل اللفظ على المعاني الحقيقيّة عند عدم وجود قرينة؛ و القرينة العقليّة لا تكفى أيضاً؛ لأنّ العقول تتباين فيما بينها هنا.

  • أنّ هذا النمط من البحوث السطحيّة يسوقنا آخر المطاف إلى الجمود و التعنّت و التجسّم؛ إلّا أنّ وضع الألفاظ للمعاني العامّة يحلّ كافّة المشاكل؛ ذلك لأنّ حقيقة الموضوع هي على هذا النسق أيضاً.

  • ضلال الوهّابيّة في فهم الحقائق القرآنيّة

  • أنّ التعبّد بالمعاني المتعارفة و المستعملة للآيات القرآنيّة، التي يتداولها الناس في محادثاتهم و محاوراتهم إليوميّة يُفقد الكتاب الإلهيّ شأنه تماماً؛ و يبدّل هذه الآيات العالية و الرفيعة بمحمولات دانية و معان مبتذلة. و هذا التعبّد لا ينسجم مع تعليم القرآن الذي يدعونا إلى الجدّ و الاجتهاد و التنقيب و التعقّل و التفكّر. فالابتعاد عن العرفان الإلهيّ، و مقام الولاية، و السير العمليّ في عوالم الحبّ و الاتّصال بالباطن، و الاحتراز من العلوم العقليّة و البراهين الفلسفيّة و القواعد الحِكَميّة، هو الذي يسبّب لنا هذه الكوارث.

  • لقد أراد ابْنُ تَيْميَّة أن يستهدي بالقرآن و السُنَّة غير أنه ضلّ سبيله؛ و لذلك تزهق روحه في الفيأي المجدبة بكبد ملتهب، و قلب ذائب منصهر متحسّراً متأوّهاً على ما فرّط في جنب الله و جنب رسوله إذ يفتي بعدم قصر الصلاة للمسافر الذي يقصد المدينة لزيارة قبر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.1 لأنّ هذا السفر سفر معصية، و زيارة رسول الله بدعة. أ ليس

  • 2
  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص160

    1. «رحلة ابن بطوطة» ص 96.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

161
  • هذا تفتيتاً للكبد و مسكنةً للروح أن يقول الإنسان: أنّ السفر للنزهة و التفرّج و لايّ ضرب من ضروب اللذّة و السعادة؛ أو السفر إلى أيّ بقعه من بقاع العالم للتجارة حلال، و يقصر المسافر صلاته فيه؛ أمّا السفر إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله فإنّه حرام، و يتمّ المسافر صلاته في هذا السفر؟!

  • أنّ هؤلاء يريدون أن يبلغوا القرآن و لا يتجاوزوه؛ إلّا أنّ أدمغتهم المتحجّرة تزيّن لهم أن يسلّوا سيوفهم على المسلمين بذريعة محاربة الشرك الذي ينهجونه في حياتهم، بزعمهم، و يُنشئوا حمّاماً من الدم في الحجاز، و نجد، و مكّة، و جدّة، و العراق، و سوريا و غيرها من الأقطار، و يذبحوا الأطفال الرضّع، و يرتكبوا من الجرائم ما يُبيّضوا به وجه المغول، و قد بيّضوه حقّاً؛ و بعد هذا كلّه يزعمون أنّ هذه الأعمال الإجراميّة تمثّل الدعوة إلى التوحيد؛ و هل أنّ تكفير المسلمين جميعهم هو التوحيد! و هل أنّ إباحة سفك الدماء البريئة للمسلمين هي التوحيد؟ هذه هي طريقة الوَهَّابِيَّة التي ابتدعها مؤسّسها محمّد بن عبد الوهّاب، و وضع لبناتها الاولى ابن تيميّة قائدها الفكريّ الأوّل.

  • و على كلّ من أحبّ الاطّلاع الكأي على الوهّابيّة، أن يطالع الكتب التي تتحدّث عنها و عن تأريخ رجالها، لكي يعلم أنّ الابتعاد عن ولاية الإمام الصادق و مذهبه الحقّ يولّد هذه المسكنة.

  • و لكم أن تطالعوا كتاب: «كَشْف الارْتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهّاب» للمرحوم السيّد محسن الأمين العامليّ؛ و كتاب: «هَذِهِ هِيَ الْوَهَّابِيَّةِ» للشيخ محمّد جواد مغنية حتى تطّلعوا على سخافة هؤلاء القوم و حماقتهم.

  • أنّ من أراد أن يستهدي بالقرآن دون الاستضاءة بأهل البيت فإنّ

معرفة الإمام ج۵

162
  • عاقبته أنه يُمنى بمثل هذه الأباطيل و التخرّصات. فحبّة الفيروز و جوهرة الماس ينبغي شراؤها من بائع المجوهرات، لا من بائع الخضروات.

  • أنّ المواضيع التي ذكرناها حول توحيد الذات، و توحيد الصفات، و توحيد الأفعال سواء في هذا الكتاب أو في غيره، أو في هذا الدرس على نحو الخصوص هي من فيوضات رافعي لواء مدرسة التشيّع، و حملة لواء الحمد و مقام الشفاعة، على بن أبي طالب و أبنائه الأمجدين. و قد نقلناها عن «التوحيد» للشيخ الصدوق، و «عيون الأخبار»، و «نهج البلاغة» و غيرها.

  • و ما قدّمناه من آراء العرفاء الكبار و الحكماء العظام الذين ظفروا بهذه النقاط الدقيقة و العميقة بسبب اتّباعهم لهذه المدرسة، نقلناها عنهم نصّاً.

  • و لكم أن تقارنوا بينها و بين آراء الوهّابيّة و أفكارها سواء في اصول العقائد كالتجسيم، أو في الفروع كالحكم بحرمة زيارة رسول الله، أو في العمل كرفع الحراب و ارتكاب جرائم القتل بأقسى شكل متصوّر، و ذلك كلّه يجري باسم الله، و باسم رسول الله، قارنوا لتروا بعد ما بينهما: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.1

  • تقول الوَهَّابِيَّة: أنّ النور المذكور في القرآن هو النور الظاهريّ؛ و الظلمة هي نفسها؛ و لا معنى للمعاني الباطنيّة و التأويل و التفسير؛ و ينبغي أن نأخذ بظاهر القرآن فحسب؛ و هذا هو الطريق لا غير.

  • فانظروا ما ذا أفرزت هذه الأفكار السقيمة من المفاسد العظيمة سواء على الصعيد العقيديّ أو على صعيد الأحكام العمليّة و المسائل الفقهيّة.

  • قصّة العميد قريب مع الشيخ الوهّابيّ

  • الوهّابيّون لا يتجاوزون المعنى البسيط العادي و الرائج للقرآن

  • و من المناسب هنا أن ننقل قصّة مأثورة عن استاذنا فقيد العلم

    1. الآية 40، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۵

163
  • و العرفان آية الله العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه و نختم بها موضوعنا هذا.

  • فقد نقلها لنا قبل ما يقارب خمس عشرة سنة،1 فقال: قبل مدّة جاءنا العميد قريب، و نقل لنا قصّة وقعت له في مناسبة من المناسبات و هي معجبة و مسرّة للغاية.

  • قال: في السنة التي تشرّفت خلالها بحجّ بيت الله الحرام. ذهبنا بالباخرة عن طريق الشام حتى وصلنا جدّة؛ و استغرقت الرحلة أكثر من اسبوع، و كان معي عدد من الأصدقاء الذين هم غالباً من زملائي. و كان لدينا متّسع الوقت الكأي و المكان الهادي لكي نتعلّم مناسك الحجّ.

  • و كان في الباخرة أحد العلماء قاصداً بيت الله الحرام أيضاً، و كان دائماً يجلس لوحده، صامتاً، مراقباً، و منقطعاً إلى نفسه.

  • و كنّا في الأيّام الاولى نذهب إليه لمدّة ساعة لنسأله عن المسائل التي نحتاج إليها، ثمّ أكثرنا من الذهاب إليه في الأيّام التالية حتى طلبنا منه أن يأتى و يشاركنا في طعامنا لكي نستفيد من وجوده أكثر فأكثر. فوافق على اقتراحنا و جاء معنا. فاضيف إلى مجموعتنا شخص آخر.

  • وصلنا إلى المدينة المنوّرة، و أني ذهبنا كنّا معاً لم نتفارق. و معنا ذلك العالم، و قد استفدنا منه كثيراً و سررنا غاية السرور بوجوده معنا. كان رجلًا خليقاً هادئاً صبوراً عالماً مفكّراً.

  • ذات يوم ذهبنا بمعيّته لزيارة مكتبة المدينة المنوّرة المعروفة. و كان أمينها شيخاً أعمى من أتباع المذهب الوهّابيّ. فجلس معنا، و أخذنا

    1. تاريخ كتابة هذه القصّة يعود إلي عيد الفطر من سنة 1403 هجريّة و لذلك فإنّ القصّة وقعت قبل ما يقارب خمس عشرة سنة، أي: حوالي سنة 1388 هجريّة.

معرفة الإمام ج۵

164
  • نتجاذب معه أطراف الحديث؛ و لمّا فهم أننا من إيران و من أتباع المذهب الجعفريّ، لم يترك شيئاً إلّا و قاله ضدّ الشيعة بكلمات نابية غير مؤدّبة، فأخذ يوبّخ، و يمتهن، و يهين، و يفترى بنسبتهم إلى الشرك، و اليهوديّة، و المجوسيّة. و ينتقد الأصول و الفروع كلّها؛ و يقرأ رواية بلهجة عصبيّة و يبرّرها؛ و يتلو آيات قرآنيّة و يشرحها. و هو يقصد إدانتنا في كلّ ذلك مستنتجاً أننا غير مسلمين؛ لا نصلّي؛ و لا نصوم، و أنّ حجّنا للنزهة و السياحة، لا للعبادة. و أنّ سجودنا على تربة الإمام الحسين نوع من عبادة الأصنام؛ و أنّ زيارة القبور، و الطواف حول المشاهد المشرّفة، و تقبيل الأضرحة و الأبواب، كلّ ذلك شرك و عبادة للموتى.

  • و كان يقول: الشيعة لا تعرف القرآن و لا تتلوه، و تؤوّل معانيه؛ و هذا دمار للقرآن؛ و يجب أن يفسّر القرآن بمعناه الظاهر، و أساساً فإنّ القرآن لا يجوز أن يُفسّر، بل يجب الاكتفاء بظاهره.

  • أنّ النور المقصود في قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.1 هو هذا النور الظاهريّ.

  • بينما يقول الشيعة و يكتبون في تفاسيرهم أنّ المراد من النور هو الحقيقة؛ و هذا تفسير بالرأي، و هو حرام.

  • يقول الشيعة: أنّ المقصود هو أنّ الله منير السماوات و الأرض؛ و هذا خلاف الظاهر.

  • القرآن يقول بصراحة: وَ جاءَ رَبُّكَ. يقول الشيعة: القصد هو وَ جَاءَ أمْرُ رَبِّكَ. و هذا المعنى غير صحيح.

  • و أطال الأعمى حديثه في هذا المجال. و كان العالم الذي معنا صامتاً

    1. الآية 35، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۵

165
  • مثلنا، لا ينبس ببنت شفة.

  • و أصابنا فتور؛ و امتعضنا من سكوت صاحبنا. لما ذا لا يجيب؟ لما ذا يُدان هنا، و هو الذي نخاله عالماً واعياً، و لم يكن هكذا من قبل؟ حتى أنّ بعضنا همّ أن يقوم بوجهه و يصرخ قائلًا له: كلامك كلّه اتّهام باطل، و لا نصيب له من الصحّة. و تفسير آية النور، و قوله: وَ جَاءَ رَبُّكَ بهذا الشكل يعني تجسيم الله؛ و هذا خطأ؛ يجب أن نتعلّم القرآن من أهله، لا من الغرباء عليه؛ و أهله هم رسول الله و أهل بيته؛ و أنتم لستم من أهله حتى يحلو لكم أن تفسّروا القرآن و تفهموه بهذا الشكل.

  • بيد أنا لم نحسن العربيّة حتى نردّ عليه أوّلًا؛ و ثانياً: كنّا نحسب لحضور العالم الجليل الكبير بيننا حساباً إذ أنّ كلامنا لا يستحسن مع وجوده؛ و قرّرنا أن نفترق عنه إذا خرجنا.

  • و خلاصة القول أنّ ذلك الشيخ الوهَّابيّ أبرمنا بكثرة كلامه حتى أنه هو نفسه شعر بالإرهاق و أزبد فمه، و صاحبنا لا زال يستمع له بكلّ هدوء دون أن ينطق حرفاً واحداً.

  • و ما إن أتمّ كلامه حتى التفت إليه شيخنا و قال له: لا بدّ أنك تهدف من وراء هذا الكلام الذي أغضبك و أتعبك، و هذا الدفاع عن القرآن و النبيّ، أن تتشرّف برؤية رسول الله و زيارته يوم القيامة! و تكون أعمالك مقبولة و مشكورة؟!

  • فقال الشيخ الوَهَّابيّ: نعم! نعم!

  • فقال شيخنا: و لكنّي آسف أنك لن ترى رسول الله يوم القيامة أبداً!

  • فقال الوهّابيّ بنبرة غاضبة: و لِمَ ذلك؟! ما هو السبب؟

معرفة الإمام ج۵

166
  • فقال شيخنا: لمّا كنت أعمى! و كنت تفسّر القرآن الذي تدافع عنه كما تهوى، فإنّ القرآن ينطق بالحقّ قائلًا: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا.1

  • و يقول أيضاً كما ردّدت بنفسك: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.2

  • و في ضوء هذا كلّه فأنتَ في هذه الدنيا أعمى! و في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلًا! و لم يجعل الله لك نوراً، فما لك من نور! فلن ترى رسول الله أبداً!

  • قال شيخنا هذا الكلام و لم ينطق بشيء غيره.

  • فاضطرب الشيخ الوهّابيّ أيّ اضطراب؛ و انزعج و فقد صوابه و كأنه طير مذبوح يتلوّى من حرارة السكّين، و آثر الصمت فلم يتكلّم بشيء.

  • و كان يرعد، و جسمه يرتجف.

  • و لقد سررنا بجواب شيخنا أيّما سرور و ابتهجنا كثيراً؛ و قمنا عائدين إلى مكاننا و كنّا في الطريق نكثر من تقبيل الشيخ. و تعلّقنا به كثيراً حتى أنّ بعضنا كان يريد أن يحتضن الشيخ عند عبوره من الشارع بلا شعور. و قلنا له:

  • لقد آذيتنا بصمتك الطويل. و قلنا في أنفسنا: لقد افحمتَ و ادنتَ! و لكنّك بحمد الله أبطلت ثرثرته بكلمتك الشافية جَزَاكَ اللهُ عَنِ الإسلَامِ وَ الْقُرْآنِ خَيْراً.

  • فهذا موجز عن مذهب الوهّابيّة.

    1. الآية 72، من السورة 17: الإسراء.
    2. الآية 40، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۵

167
  • الانحرافات العقائديّة لطائفة الشيخيّة

  • و أمّا طائفة الشيخيّة؛ فإنّهم لا يرون غاية سير الإنسان إلى ذات الحقّ الأقدس؛ و ينكرون بصراحة بلوغه مقام العزّ الشامخ للأحديّة، و فناء وجوده و اندكاكه في ذاته عزّ و جلّ.

  • و بناءً على هذا، فهم ينكرون إمكان العرفان الإلهيّ و معرفة ذات الحقّ بالنسبة إلى الإنسان، و يقولون:

  • أنّ غاية السير العرفانيّ و الكم إليّ للإنسان هي باتّجاه الوليّ الأعظم الذي يمثّل الحجاب الأقرب و واسطة الفيض.

  • و يقولون: أنّ ذات الحقّ الأقدس براء من كلّ اسم و رسم؛ و من كلّ صفة؛ لذلك فإنّ أسماء الحقّ و صفاته ليست عين ذاته؛ بل هي في مرحلة أوطأ؛ و بالتالى فإنّ ذات الحقّ تفقد كلّ صفة و كلّ اسم.

  • أنّ الوليّ الأعظم و قطب دائرة الإمكان هو: إمام العصر و الزمان، و هو اسم الله، و في درجة أوطأ من ذات الحقّ؛ لأنّ السير نحو الذات الخارجة عن كلّ اسم و رسم، الأزليّة الأبديّة التي ما لا نِهَايَةَ لَهَا محال؛ لذلك فإنّ غاية سير الإنسان هي باتّجاه الاسم الأعظم للحقّ، و هو الوليّ الأعظم الذي يمثّل الفاصلة بين الله و بين عالم الخلق.

  • كلام الشيخيّة يستلزم وجوداً استقلاليّاً للإمام

  • يقول الشيخيّة: ذلك لأنّ إمام العصر و الزمان وحده يستطيع أن يظفر بوصال الله؛ و نحن أيضاً لا نستطيع أن نظفر بوصال الإمام إلّا بواسطة؛ و لا بدّ من هذه الواسطة التي تربطنا به؛ و هذه الواسطة هي الشيخ الذي يسمّونه: الرُّكْن الرابِع. فالركن الأوّل هو: الله؛ و الثاني هو: النبيّ؛ و الثالث: الإمام؛ و الرابع: الشيخ. فالغاية- إذَن- هي سيرنا إلى الفناء في الشيخ؛ و غاية سير الشيخ هي الفناء في الإمام؛ و غاية سير الإمام هي الفناء في الحقّ؛ و هذه الأركان الأربعة لا بدّ منها.

  • و فساد هذه العقيدة واضح للأسباب التالية:

معرفة الإمام ج۵

168
  • أوّلًا: إذا اعتبرنا صفات الحقّ و أسماءه منفصلة عن ذاته، و أنّ ذاته هي بلا اسم و رسم؛ فمؤدّى هذا الكلام هو أنّ ذات الحقّ فاقدة للحياة و العلم و القدرة؛ و بناءً على ذلك فهي ذات جامدة و ميّتة و جاهلة، وَ تَعَإلى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.

  • و ثانياً: أنّ الآيات القرآنيّة و الروايات جميعها تدعونا إلى ذات الحقّ في السير و المعرفة؛ و تعتبر غاية السير و الوصول و العرفان هو الوصول إلى ذات الحقّ، لا الوصول إلى الوليّ الاعظم و عرفانه.

  • و ثالثاً: لعلّ هناك من يسأل قائلًا: لما ذا يتمتّع الإمام و الوليّ الأعظم بإمكانيّة العرفان و الوصول إلى ذات الحقّ الأقدس، و لا يتمتّع غيره بذلك؟

  • و إذا كان ممكناً له ذلك، فهو ممكن للجميع. و إذا كان لغيره محال، فكيف يكون ممكناً له؟

  • يقول الشيخيّة: الوليّ الأعظم ليس ممكناً و ليس واجباً؛ بل هو في مرتبة بين الإمكان و الوجوب.

  • و الجواب هو: أننا لا نتعقّل وجود مرتبة بين الإمكان و الوجوب؛ فكلّ الناس في دائرة الإمكان؛ و غاية سيرهم فناؤهم و اندكاكهم في ذات وَاجِبِ الْوُجُودِ.

  • و رابعاً: في ضوء هذا الكلام، فإنّ الوليّ الأعظم ينبغي أن يكون له وجود مستقلّ؛ لكي يتحقّق فناء الموجودات التي لها اسم و رسم فيه، لا أن يكون له وجود تبعيّ و ظلّيّ و مرآتيّ؛ و إلّا فإنّ الهدف ينبغي أن يكون ذات الحقّ. و ما يتطلّبه هذا الافتراض هو الشرك و الثنويّة و التفويض و التولّد وَ تَعَإلى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.

  • و أخيراً، فإنّ هذه الطائفة لم تعلم أنّ الولاية قائمة في كلّ موجود؛ و هي عبارة عن ارتفاع الفاصلة و الحجاب بين ذلك الموجود و ذات الحقّ؛

معرفة الإمام ج۵

169
  • و أنّ هذه الولاية في الله أصليّة، و في جميع الموجودات تبعيّة و ظلّيّة و مرآتيّة.

  • أنّ القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات آية و مرآة؛ و الروايات أيضاً تأبي أن يكون للائمّة مقام مستقلّ؛ وترى ذلك تفويضاً و خطأ؛ بل أنّ كلّ مقام و كلّ درجة و كمال يتمتّعون به هو من الله؛ و مع الله؛ و لله؛ و إنّما هم ممثّلون و مظهرون لذلك فحسب.

  • إنّهم صراط الهداية التكوينيّة و التشريعيّة و جسرها للوصول إلى مقام العزّ الشامخ للحقّ جَلَّ وَ عَزَّ.

  • القصد و المقصود هو الله؛ و ذاته المقدّسة و أسماؤه و صفاته. و الأئمّة وسطاء الفيض و الرحمة في قوسي النزول و الصعود.

  • و في ضوء ما تقدّم فإنّ لوجود بقيّة الله أرواحنا فداه مرآتيّة و آيتيّة لوجود الحقّ الأقدس تعالى. و لذلك فإنّ معرفته أيضاً يجب أن تحمل صفة الآيتيّة و المرآتيّة لمعرفة الحقّ تعالى.

  • و بلغة علميّة: فإنّ وجوده بالنسبة إلى وجود الحقّ هو معنى حرفيّ بالنسبة إلى معنى اسميّ.

  • و على هذا فإنّ طريق السير إلى الله المتعال هو الإمام نفسه؛ بَيدَ أنّ الهدف هو الله تبارك و تعالى نفسه. و من المعلوم أننا إذا حسبنا الطريق هدفاً، فكم يكون حجم خطأنا!

  • ينبغي أن نسير إلى الله، و نجعل لقاءه، و الوصول إليه، و عرفانه، و الفناء و الاندكاك في ذاته غايتنا المنشودة؛ غاية الأمر لمّا كان هذا المقصد لا يطوى بدون هذا الطريق. و أنّ الغاية المنشودة تتعسّر بدونه، لذلك ينبغي لنا أن نخطو على هذا الطريق لبلوغ الهدف المنشود.

  • و لمّا كنّا عاجزين عن رؤية الشمس بلا مرآة، فلننظر إلى جمالها في

معرفة الإمام ج۵

170
  • الماء و في المرآة.

  • فالمرآة بالنسبة إلى الشمس لها معنى حرفيّ؛ فهي لا تتجلّى بذاتها، بل تتجلّى الشمس فيها.

  • إنّنا لا نستطيع أن نستغني عن النظر إلى الشمس، و أنوارها و حرارتها، و لمعانها لأنها تهب الحياة؛ و لا نستطيع أن ننظر في المرآة على نحو الاستقلال؛ لأنها في هذه الحالة لا تمثّل الشمس، و لا تشكّل مظهراً لها؛ و لا تعكس وجهها فيها. بل أنّ المرآة في هذه الحالة مظهر لنفسها؛ إنّها زجاجة؛ صقيلة؛ و ليس لها عنوان المرآتيّة حقّاً.

  • أمّا لو نظرنا في المرآة و الماء على نحو تمثيليّ و مرآتيّ؛ فلن نراهما آنذاك، بل سنرى الشمس فيهما؛ إذَن لا بدّ أن ننظر في المرآة كي نرى الشمس؛ و لا سبيل لنا غير ذلك؛ و بعبارة علميّة فإنّ المرآة ما بِهِ يُنْظَرُ لا مَا فِيهِ يُنْظَرُ.

  • و هكذا فإنّ الوجود المقدّس لبقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه مرآة تامّة الظهور للحقّ؛ و ينبغي أن نرى الحقّ في تلك المرآة؛ لا أن نراها، لأنها لا ذاتيّة لها؛ و لا يمكن أن نرى الحقّ بلا مرآة، لتعذّر رؤيته بدونها.

  • و في ضوء ذلك؛ لا بدّ من البحث و التنقيب عن الحقّ و السعي الدؤوب باتّجاهه، و ذلك عن طريق وليّه الأعظم و مرآته و آيته.

  • أنّ المخاطَب في الأدعية و المناجاة هو الله عن طريق ذلك الإمام و سبيله و صراطه؛ و لهذا فلو عرضنا حاجتنا على الإمام نفسه، و جعلناه المخاطب؛ فلا بدّ أن نلتفت إلى أنه لا يتّخذ طابعاً استقلاليّاً؛ و لا يتقمّص الاستقلال؛ بل له عنوان الوساطة و المرآتيّة و الآيتيّة، و لنعش هذا المعنى في أذهاننا باستمرار، و نأخذه بعين الاعتبار. و سنكون في عملنا هذا قد جعلنا الله- في الحقيقة- هو المخاطَب؛ لأنّ المرآة بِمَا هِيَ مِرْآة لا تقبل

معرفة الإمام ج۵

171
  • النظر الاستقلالىّ؛ بل النظر التَّبَعيّ؛ و يرجع النظر الاستقلاليّ إلى نفس الصورة المنعكسة فيها.

  • و هذه المسألة من أهمّ المسائل في باب العرفان و التوحيد: إذ أنّ كَثَرات هذا العالم لا تتنأي مع وحدة ذات الحقّ؛ ذلك لأنّ الوحدة أصليّة، و الكَثَرات تَبَعيّة و ظِلّيّة و مرآتيّة؛ و تستبين مسألة الولاية جيّداً في أنّ حقيقة الولاية هي نفس حقيقة التوحيد؛ و قدرة الإمام و عظمته و علمه و إحاطته، هي عين قدرة الحقّ تبارك و تعالى و عظمته و علمه و إحاطته، فلا اثنينيّة هنا.

  • بل لا معنى للطلب من الله بلا وساطة الإمام و مرآتيّته؛ كما أنّ الطلب من الإمام مستقلّا لا معنى له بدون عنوان الوساطة و المرآتيّة لذات الحقّ المقدّسة أيضاً.

  • و الطلب من الإمام و من الله شيء واحد في الحقيقة؛ و ليس شيئاً واحداً في اللفظ و التعبير، و من الوجهة الأدبيّة و البيانيّة فحسب، بل هو شيء واحد من منظار الحقيقة و الواقع؛ ذلك لأنه لا شيء في الوجود غير الله. قال عزّ من قائل:

  • تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.1

  • لقد أخطأت هاتان الطائفتان (الوَهّابيَّة، و الشَيْخيَّة)؛ لأننا إذا رفعنا عنوان المرآتيّة عن الممكنات سواء كانت مادّيّة أو مجرّدة؛ أو أضفينا عليها عنوان الاستقلال، فقد أخطأنا في كلتا الحالتين. و الصواب هو لا هذا و لا ذاك؛ بل الموجودات لها أثر الحقِّ؛ و هي صاحبة صفات الحقّ، و هي مظاهر و مجالى ذاته و أسمائه الحسنى و صفاته العُليا.

    1. 1- الآية 78، من السورة 55: الرحمن.

معرفة الإمام ج۵

172
  • أنّ مذهب الوهَّابيَّة يميل إلى الجبر، و مذهب الشَيْخِيَّة إلى التفويض؛ و كلاهما على خطأ بَلْ أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ؛ و ذلك هو إشراق نور ذات الحقّ الأقدس في الكثرات المادّيّة و المجردّة.

  • ينكر مذهب الوَهَّابيَّة قدرة الحقّ و علمه في الموجودات؛ و ينكر مذهب الشَيْخِيَّة قدرة الحقّ و علمه في ذاته نفسها؛ فكلاهما قال بالتعطيل، و كلاهما ضلّ السبيل.

  • أنّ وجود الحجّة بن الحسن أرواحنا فداه هو الظهور الأتمّ للحقّ.

  • و المجلي الأكمل لذات ذي الجلال؛ و الغاية هو الله، و الإمام دليل مرشد إليه. و نحن إذا نظرنا في توسّلاتنا إلى الإمام مستقلّا، و أردنا لقاءه مستقلًّا، فلا نحن ظفرنا بفيضه، و لا نحن ظفرنا بلقاء الله و زيارة المحبوب.

  • أمّا فيضه فلا نبلغه، لأنّ وجوده ليس مستقلّا. و نحن قد ذهبنا وراء وجود استقلاليّ؛ و أمّا لقاء الله فلا نظفر به؛ لأننا لم نتوجّه إلى الله؛ و لم نر الله في الإمام.

  • و لهذا فإنّ أغلب الذين يذوبون في عشق وليّ العصر و الزمان؛ و حتى لو أفلحوا في زيارته، فإنّهم أيضاً لا يتجاوزن الأهداف البسيطة و الجزئيّة؛ و الحوائج المادّيّة و المعنويّة؛ من هذا المنطلق فإنّهم لم ينظروا إلى الإمام على أنه مرآة الحقّ و آيته؛ و إلّا فإنّهم ينبغي أن يروا الله بمجرّد الرؤية و الزيارة؛ و يظفروا بوصال الحقّ عن طريق وصال الإمام؛ لا أن يكون الإمام حجاباً بينهم و بين الحقّ؛ فيرجونه قضاء حوائجهم الدنيويّة، و غفران ذنوبهم، و إصلاح امورهم.

  • و ما أكثر الذين تشرّفوا بالحضور عنده، و عرفوه؛ لكنّهم لم يحترزوا من عرض مثل هذه الحاجات؛ فطلبوا هذه الأشياء! فلم يعرفوه حقّاً لأنّ معرفته هي معرفة الله؛ مَنْ عَرَفَكُمْ فَقَدْ عَرَفَ الله.

معرفة الإمام ج۵

173
  • و من رام التشرّف بخدمته، فعليه أن يزكّي نفسه، و ينشغل بتطهير سريرته؛ و في هذه الحالة يبلغ لقاء الله الذي يتطلّب لقاء الإمام؛ و يصل إلى لقاء الإمام الذي يعني الظفر بلقاء الله بالملازمة؛ حتى لو لم يتشرّف في العالم الطبيعيّ الخارجيّ بالرؤية الحسيّة لجسم الإمام.

  • فالحجر الأساس في العمل هو معرفة حقيقة الإمام؛ لا التشرّف برؤية جسمه المادّيّ الطبيعيّ. و ما يظفر به من التشرّف بالحضور المادّيّ و الطبيعيّ هو هذا المقدار اليسير من الرؤية فحسب. بَيدَ أنّ ما يظفر به من التشرّف بمعرفة حقيقته و ولايته هو خلوص سريرته و طهارتها؛ و الحظوة بلقاء المحبوب: الله القادر المتعال. لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.1

  • و ممّا يؤثر عن العلّامة بحر العلوم قدّس الله نفسه أنه قضى عمراً في مجاهدة النفس الأمّارة و تزكية السريرة و تطهيرها و ذلك للاستمتاع بالعرفان الإلهيّ، و بلوغ مقام المعرفة و الفناء و الاندكاك في ذات الحقّ؛ و مقامه في مراحل العرفان و منازله مشهود من رسالته في السير و السلوك.

  • و كان يتشرّف بخدمة الإمام عبر هذا المنظار؛ منظار رؤية الحقّ و هو الله، لا منظار رؤية النفس.

  • حقّ بين نظري بايد تا روي تو را بيند***چشمى كه بود خود بين كي روي تو را بيند؟ 2

  • و نقل عنه أنه كان مشغولًا ذات يوم بقراءة النصّ الموجود في باب الحرم الحسينيّ الشريف المتعلّق بإذْنِ الدخول للتشرّف بزيارة سيّد الشهداء عليه السلام. و ما إن أراد الدخول حتى وقف فجأة، و كان يحدّق

    1. الآية 61، من السورة 37: الصافّات.
    2. و تعريبه: لا بدّ أن ينظر من منظار الحقّ كي نري وجهك[ الشاعر يخاطب الله تعالى] فالعين التي لا ترى إلّا نفسها. أني لها أن تراك؟!

معرفة الإمام ج۵

174
  • النظر إلى زاوية من زوايا الحرم المطهّر؛ و ظلّ على وقفته برهة، و هو يترنّم بهذا البيت:

  • چه خوش است صوت قرآن ز تو دلربا شنيدن***به رخت نظاره كردن سخن خدا شنيدن 1

  • بعد ذلك سألوه عن سبب توقّفه؛ فأجاب: كان الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه جالساً في تلك الزاوية، و هو يتلو القرآن.

  • هذا هو معنى الوصول؛ و هذه هي حقيقة الآيتيّة و المرآتيّة.

  • و ما علينا إلّا أن نسعى جاهدين لترسيخ اعتقاداتنا؛ و تشييد صرحها على أساس أصالة الواقع بأحسن وجه.

  • لقد أثار الوَهَّابِيَّة و الشَيْخِيَّة فتناً عظيمة من وحي التفكير الخاطئ، و سفكت الدماء، و قُتل المسلمون. و طفق محمّد بن عبد الوهّاب يبثّ دعوته مهتدياً بابن تيميّة الذي كان بدوره والهاً و مولعاً بابن تُومَرْت مدّعي المهدويّة في شمال إفريقية، الذي استولى على قسم من إسبانيا، و الجزائر، و المغرب، و تونس خلال مائتي سنة، و سمّوه: مَهْديّ المُوَحِّدين. و كان محمّد بن عبد الوهّاب شريكاً لمحمّد بن سُعود. و سيفاهما مع سيوف أتباعهما تقطر دماً. و أني كانوا يمرّون فإنّهم يسفكون الدماء البريئة. و قد كفّروا المسلمين كافّة، و كلّ من لا ينصاع لدعوتهما فإنّه كافر و يجب أن يقتل. أنّ فتنة الوهّابيّة هي فتنة عظيمة و غريبة حقّاً، لا يزال العالم الإسلاميّ عاجزاً عن تضميد ما تركته من قرح، و تعويض ما نجم عنها من أضرار و خسائر للمسلمين.

    1. ما أحلي أن نسمع صوتك و أنت تتلو القرآن! و ما أسعدنا إذ ننظر إلي وجهك و نسمع منك كلام الله و أنت تتلوه بصوت رخيم!

معرفة الإمام ج۵

175
  • خَبْط و خطأ الشيخ أحمد الاحسائيّ

  • الانحراف الفكريّ للشيخ أحمد الاحسائيّ

  • و أمّا الشيخ أحمد الأحسائيّ فإنّه لم يدرس الفلسفة. و لم يُلمّ بالعلوم العقليّة؛ و أراد الاطّلاع على الحكمة المتعالية و العرفان الإسلاميّ؛ فاندفع إلى ذلك ذاتيّاً بلا استاذ يُعلّمه و يوجّهه؛ فلا هو مسّ العرفان، و لا هو لمس الحكمة. و قد رأي بنفسه أن يطلق على نفسه مجتهداً في هذا الفنّ؛ و أضحى مؤسّساً لمدرسة عقائديّة خاصّة. و كان يتكلّم في كتبه ببذاءة عن الكبار من حكماء الإسلام كالمولى صدر المتألّهين الشيرازيّ، و عرفاء الإسلام كمحي الدين بن عربي. و لم يسلم منه حتى بعض العلماء الذين كان لهم مقام الشمول في التفسير و الحديث كالملّا محسن فيض الكاشانيّ.

  • و كان الاحسائيّ يتهجّم على هؤلاء و أمثالهم، و يلصق بهم التهم الرخيصة التافهة.

  • فكان يطلق على مُحي الدين بن عربي: مُمِيتُ الدِّين، و يسمّي فُتُوحاتِهِ: حُتُوفات، و يقول: هو كافِر و مُلْحِد، و يعتبر عباراته:

  • مُزَخْرَفَات. و يرى أنّ الفَيْض الكاشانيّ من أهل الغيّ و الضلال، و يسميّه:

  • الملّا مُسيء بديلًا عن الملّا محسن، و يخاله و أمثالَه من المخالفين لمذهب أهل البيت و العصمة الذين أَذْهَبَ الله عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً، و يرى نفسه من أهل الكشف و الشهود و المعاينة، و من السائرين على مذهب أهل بيت العصمة،1 و يشير في هذه الافتراءات غير الصحيحة إلى مواضيع تدل على أنه لم يستوعبها و لم يهضمها كما هي، و هذا ممّا يقف عليه كلّ من درس العلوم العقليّة و الإلهيّة.

  • كان الشيخ أحمد الأحسَائيّ واضع حجر الأساس لطائفة الشَيْخيِّة؛ و هو معلّم السيّد كاظم الجيلانيّ الرشتيّ و مربّيه؛ و هذا كان معلّم و مربّي

    1. «شرح الزيارة الجامعة الكبيرة» للشيخ الاحسائيّ، الطبعة الحجريّة، ص 315.

معرفة الإمام ج۵

176
  • السيِّد على محمّد البَاب مؤسّس الطائفة البابيّة، و أخيراً البهائيّة.1

  • و إنّ ما قام به هؤلاء من أعمال كادّعاء المهدويّة و الإلوهيّة، و إثارة الفتن و الاضطرابات و النكبات، و إراقة الدماء، و الفساد، و المنكرات، لا زالت معالمه قائمة.

  • و كان الشيخ أحمد زاهداً؛ و زهده هذا هو الذي غرّ البعض و أوقعهم في لبس، فهؤلاء لم يفرّقوا بين الزهد و العرفان. لذلك بالغوا في مدحه و تمجيده للوهلة الأولى؛ ثمّ اعتذروا متراجعين عن كلامهم السابق.

  • يقول صاحب كتاب «روضات الجنّات» في ترجمته: تَرْجُمَانُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَألِّهِينَ وَ لِسَانُ الْعُرَفَاءِ وَ الْمُتَكَلِّمِينَ. و بعد تمجيد و ثناء كثيرين2 في ترجمة الحافظ رَجَب البُرْسِيّ، يعرّج على نقد الاحسائيّ و الطعن فيه و تعييره و ذمّه إلى أن بلغ من ذلك مبلغاً فقال: وَ لَا يَذْهَبْ عَلَيْكَ غِبَّ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ أنّ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الشَّيْخِ الْمُقَدَّمِ مِنْ هَذِهِ الْمُقَلَّدَةِ الْغَاوِيَةِ إنَّمَا هِيَ مَنْزِلَةُ الْعُلُوجِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ادَّعَوُا النَّصْرَانِيَّةَ وَ أفْسَدُوهَا بِإظْهَارِهِمُ الْبِدَعَ الثَّلَاثَ مِنْ بَعْدِ أنْ عُرِجَ بَنَبِيِّهِمُ الْمَسيحِ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ عليهِ السَّلَامُ.3

  • و يرى أنّ طائفة الشيخيّة البُشّت سَريِّة طائفة ضالّة، و أنّ مخالفيهم

    1. يذكر العلّامة الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ في« أعلام الشيعة» في جزء( الكرام البررة) ص 88 أنّ ولادة الاحسائيّ كانت في سنة 1166 ه- و وفاته في سنة 1241 ه-. و يقول: إنّ وفاة السيّد كاظم الرشتيّ كانت في سنة 1259 ه-؛ و ذكر دهخدا في الجزء الثالث من معجمه- كلمة الباب، ص 32 أنّ ولادة السيّد على محمّد الباب كانت في سنة 1236، و مقتله في سنة 1266 ه-.
    2. «روضات الجنّات» الطبعة الحجريّة، ص 25.
    3. «روضات الجنّات» ص 286.

معرفة الإمام ج۵

177
  • المعروفين بالبالاسريّة من أهل الاستقامة؛1 و بعد ذلك يذكر شرحاً مفصّلًا حول فتنة البابيّة.2

  • أنّ هاتين الطائفتين منفصلتان عن الإسلام: الوَهَّابيَّة و الْبَهَائِيَّة. و كما أننا لا نستطيع أن نعتبر البهائيّة من فِرَق الشيعة، كذلك لا نستطيع أن نعتبر الوَهَّابيَّة من فِرَق العامّة، لانّ هؤلاء مخالفون للعامّة؛ و العامّة أيضاً تنظر إليهم على أنهم ليسوا منها. و هدم قبور الأئمّة الطاهرين من أجلى الصور التي تدلّ على مخالفتهم للإسلام. و هناك كثير من الأشخاص لا ينسجمون مع العرفان و الحكمة و يندّدون بهما بذريعة المحافظة على مدرسة أهل البيت عليهم السلام و إسنادها. و يرى هؤلاء أنّ مدرسة أهل البيت بريئة من هذه الأشياء، و لا علاقة لها بها. و هؤلاء هم ذوو الافق الضيّق الذين انتهجوا الخطّ الأخباريّ و اكتفوا بظواهر الأخبار دون دراية و دقّة تامّة في محتواها و مغزاها، و أرادوا الانتهال و الارتواء من علوم آل محمّد وَ هَيْهَاتَ وَ أنى لَهُمْ ذَلِكَ؟

  • و هل جاءت علوم آل محمّد لغير ذوي الألباب حتى لا نحتاج إلى المسائل العقليّة و المعقولة لفهمها و إدراكها؟ لا، ليس كذلك. بل هم منهل العقل و الدراية، و لهم كلمات يتعذّر علينا أن نستضيء بها ما لم نتعرّف على العلوم العقليّة و المقدّمات البرهانيّة؛ و شرح الحديث و الرواية على ظاهرهما هو غير فهم حقيقتهما و استيعابها. و لقد ظنّ هؤلاء المساكين

    1. يسمّي الشيخيّة:« بُشْت سَرِيَّة»، لأنّ رئيسهم يقيم صلاة الجماعة مع أتباعه خلف الضريح المقدّس لسيّد الشهداء عليه السلام؛ و كان الشيخيّة من الأخباريّة. و كانوا مخالفين للأصوليّين. و يُسمّي اصوليّو كربلاء:« بالاسريّة» لانّ إمامهم يقيم صلاة الجماعة مع أتباعه من قبل رأس الإمام الحسين عليه السلام داخل الحرم الشريف
    2. «روضات الجنّات» ص 280 و 286.

معرفة الإمام ج۵

178
  • أنهم استوعبوا الحديث من خلال شرح عباراته، فهم يقولون: هل درس أصحاب الأئمّة الفلسفة؟

  • أنّ متكلّمين من أمثال هِشَامِ بْنِ الْحَكَمْ و محمّد بْنِ النُّعْمَان الأحوَل:

  • مُؤمِن الطَّاق كانوا على إلمام تامّ بالعلوم العقليّة؛ و كان لهم باع طويل في مفردات ذلك العصر.

  • حقيقة التشيّع مرتكزة على الدراية لا مجرّد الرواية

  • يقول المرحوم العلّامة الأمينيّ في كتابه الشريف «الغدير» في كتاب زيد الزَّرَّاد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

  • يَا بُنَيّ اعْرِفْ مَنَازِلَ شِيعَةِ عَلِيّ على قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ وَ مَعْرِفَتِهِمْ، فَإنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرَايَةُ لِلرِّوَايَةِ؛ وَ بِالدِّرَايَاتِ لِلرِّوَايَاتِ يَعْلُو الْمُؤمِنُ إلى أقْصَى دَرَجَةِ الإيمَانِ.

  • إنِّي نَظَرْتُ في كِتَابِ عَلِيّ عليهِ السَّلَامُ فَوَجَدْتُ فِيهِ: أنّ زِنَةَ كُلِّ امْرِيٍ وَ قَدْرُهُ مَعْرِفَتُهُ؛ أنّ اللهَ يُحَاسِبُ الْعِبَادَ على قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ.

  • و جاء في كتاب «غيبة النعمانيّ» ص 70 في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

  • خَبَرٌ تَدْرِيه خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ تَرْويهِ، أنّ لِكُلِّ حَقٍّ حقيقَةً وَ لِكُلِّ صَوَابٍ نُوراً.

  • و جاء في كتاب «كشف الغُمّة» للشعرانيّ ج 1، ص 40:

  • كَانَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: كُونُوا لِلْعِلْمِ وُعَاةً! وَ لا تَكُونُوا لَهُ رُواةً.

  • أنّ ما يحكيه تأريخ الفلسفة هو أنّ الحكماء جميعاً إمّا كانوا يقولون بأصالة الوجود أو بأصالة الماهيّة؛ لأنّ لكلّ مذهب مناوئيه؛ و كلّ منهما يقيم الادلّة لصالحه ضدّ الآخر؛ و مع أنّ أصالة الوجود هذا اليوم أوضح من

معرفة الإمام ج۵

179
  • الشمس و الحمد لله؛ إلّا أنّ الشيخ أحمد الاحسائيّ الذي درس الحكمة وحدها، و دوّخته الشبهات القويّة التي يطرحها الطرفان، قال: ما هو الإشكال المثار إذا كان كلا الاصالتين صحيحاً؟ أي أن يكون لاصلي الوجود و الماهيّة في العالم أصالة و واقعيّة. و هذا الكلام على درجة من السخف عند الفلاسفة، بل و عند كلّ عاقل؛ بل و كلّ مجنون؛ بل و كلّ بهيمة همّها علفها- إذ أنّ النعجة ترى باقة العلف شيئاً واحداً لا شيئين- نعم، على درجة من السخف بحيث إنّه لا يستحقّ الذكر أبداً.

  • و حينئذٍ يشيعون اطروحاتهم من وحي هذا التفكير، و يوسّعون من دائرة أفكارهم و يبدءون بانتقاد الفلسفة و العرفان؛ و يقولون: لا وجود لفلسفة في القرآن و علوم أهل البيت؛ و العرفان أمر مخترع مبتَدع و لا أساس له في الشريعة.

  • و ينبغي أن نقول لهؤلاء المساكين من ذوي الأفق الضيّق: أ لم يدعُ القرآن الكريم إلى التعقّل؟ أ لم تدلّ الحكمة على طريق التعقّل، و تفرز الصواب من الخطأ؟ ثمّ أ لم يدعُ القرآن الكريم إلى الحكمة؟ أَ وَ ليست الحكمة هي معرفة حقائق الأشياء وفقاً لوسع الإنسان و حجم استعداده؟

  • أَ وَ لم يدلّ العرفان على طريق شهود البأرى تعالى بالبصيرة و إدراك أسمائه و صفاته الحسنى؟ أ وَ لم يزخر القرآن الكريم و روايات أهل البيت بالدعوة إلى لقاء الله و تزكية النفس و تهذيبها و طيّ طريق الإخلاص و الخلوص؟

  • فكيف يروق لنا- إذَن- أن نفصل الدين الذي يرتكز على التفكّر العقلانيّ و الشهود الوجدانيّ عن هذين الأصلين الأصيلين و الركنين الركينين؟! ثمّ نقول: حسبنا ظواهر الروايات؟

  • فهم كلام الإمام يحتاج إلى العقل و الدراية

  • يقولون: يجب اتّباع مدرسة الباقر و الصادق و السير وراء ما قالاه

معرفة الإمام ج۵

180
  • و صرّحا به دائماً و أبداً. و هذا الكلام صحيح، لأنه مضافاً إلى ما يحمله من دعوة إلى التعبّد بالمذهب و الانشداد إليه، فإنّه ينطق بالحقّ، إذ ليس في العالم مدرسة تماثل مدرسة الإمام الصادق من حيث النظرة الواقعيّة، و الاصالة و النزوع إلى الأصالة؛ إلّا أنّ زبدة الكلام هنا هي: هل يتسنّى لكلّ أحد أن يفهم ما قال الباقر و ما قال الصادق؟ و هل يستوعب العاميّ كُنْه ما يقولانه؟ لا، ليس كذلك.

  • فأخبارهما كالقرآن الكريم لها محكم و متشابه، و ناسخ و منسوخ، و مطلق و مقيّد، و مجمل و مبيّن، و عامّ و خاصّ، و باطن و ظاهر؛ فمن يمكنه أن يزعم أنه يحمل كتاب الأخبار معه دائماً و يقرأ فيه باستمرار و يستوعب ما يضمّه من مغزى و محتوى؟ هذا كلام فيه مبالغة حقّاً.

  • يقول الجميع: قال الصادق؛ كلمة يقولها الشيخيّ، و الأخباريّ و الأصوليّ، و الإسماعيليّ؛ فلما ذا إذَن اتّسعت شقّة الخلاف في الخطّ و العقيدة إلى هذه الدرجة؟ فقول: قال الصادق وحده لا يكفى ما لم نستوعب معناه و محتواه، و نوظّف العقل لأجل ذلك. أَ وَ لم يتكلّم معنا اولئك العظماء عن طريق قوانا العقليّة، و عن طريق تفكّرنا و درايتنا؟ إذَن، كيف يمكننا أن نطلّق العقل تماماً و نقول: حسبنا مدرسة أهل البيت؟! اناشدكم الله، أ ليس هذا الكلام مرتكزاً على تفكير عقليّ؟ أ لا يلزم من وجوده عدمه؟ أ لا يبطل نفسه بنفسه؟

  • إذَن، ما أقصر التفكير الذي يقتنع بالظواهر؛ و ينأى عن كُنه المعاني التي أدلى بها صاغة الكلام المنطقيّون و نحارير البلاغة و ليوث أجمة العرفان و المعرفة؛ و يكتفي بذلك!

  • كذلك فإنّ الفرق الإسلاميّة جميعها تقول: كتاب الله، كتاب الله.

  • الشيعة تقول ذلك، و السنّة، و الأشاعرة، و المعتزلة، و الوهّابيّة، و غيرهم؛

معرفة الإمام ج۵

181
  • لكن، هل اقتفي الجميع طريق الحقّ؟! و هل استوعبوا كتاب الله كما هو؟! أنّ اولئك الذين قالوا: كتاب الله. أرادوا أن يدينوا أمير المؤمنين بذلك، و أرادوا من وراء كلمتهم لَا حُكْمَ إلَّا للهِ، و هي كلمة حقّ يُرادَ بِهَا الْبَاطِلُ، أن يضربوا مصدر التشريع و حقيقة الحكم، على الأرض، أ وَ لم يكن هذا التوجّه خاطئاً؟

  • لقد تذرّعوا برواية لا سند لها أو ضعيفة ورد فيها النهي عن الخوض في الفلسفة، مستغلّين ذلك بنحو خاطئ، و صاروا يدينون كلّ طريق من طرق التفكّر و التعقّل، و ذلك لما ورد من نهي عن الفلسفة على حدّ زعمهم.

  • ألا يقول أحد لهؤلاء: أيّ فلسفة تقصدون؟! هل هي فلسفة المادّيّين و الدهريّين و الحكماء الذين عاشوا قبل الإسلام من الفرس و المصريّين و الهنود و اليونانيّين؟ أو أنها فلسفة الإسلام اللامعة المتألّقة ذات العظمة و الأبَّهة و الجلال؟ أنّ كتب صدر المتألّهين الشيرازيّ رضوان الله عليه تبعث على الفخر و الاعتزاز لعالم التشيّع بل و للعالم الإسلاميّ أجمع.

  • فدراسات هذه العقليّة الجبّارة و تنقيباتها و تدقيقاتها في زوايا الآيات و الروايات مفتاح مهمّ لحلّ المشاكل الاساسيّة في طريق المعرفة و التقدّم.

  • إذَن، ليس من الشهامة و المروءة أن نستبدل الفلسفة بالفلسفة الإسلاميّة في شعوذة نتيجة للتشابه اللفظيّ بينهما، و نصبّ ذلك الشكل المنهيّ عنه في هذا الشكل المقبول و المعروف.

  • و كم هو بعيدٌ عن الشهامة و المروءة أن ندين أمير المؤمنين بكلمة لا حُكْمَ إلّا للهِ. و نُحاجّ رسول الله و نخاصمه بآيات القرآن التي جاء بها.

  • كم هو بعيدٌ عن الشهامة و المروءة أن نستغلّ التشابه اللفظيّ للتصوّف و الصوفيّة، فنوصد طريق الشهود و الوجدان و العرفان و لقاء الله تماماً. و كم هو بعيد عن الشهامة و المروءة أن نوازن بين المدرسة التي تضمّ أمثال

معرفة الإمام ج۵

182
  • السيّد ابن طاووس، و الشهيدين، و النراقيّين، و السيّد مهدي بحر العلوم، و ابن فَهْد الحلّيّ، و المجلسيّ الأوّل، و السيّد عليّ الشوشتريّ، و الشيخ الأنصاريّ، و الآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ، و تلاميذها الذين تزخر بهم، و بين مدرسة تضمّ أمثال الحسن البصريّ، و محمّد بن المُنكدر، و سفيان الثوريّ و أمثالهم من الذين يظنّون التصوّف طريقاً مستقلًّا و ذلك للانفصال عن الأئمّة. و عن طريق كلمة الصوفيّة التي ورد ذمّها في بعض الروايات، نجعل الجميع تحت مهماز هذه الكلمة جهلًا أو عمداً و تجاهلًا من خلال تطبيق هذا العنوان، و نضربهم بسوط الإبعاد و التكفير و التفسيق و الكلمات النابية الجارحة و التهم الهوجاء الجوفاء.

  • الاخذ بظواهر الآيات و الروايات دون إكمال القوّة العاقلة يؤدّي إلى الهلاك

  • أنّ التعرّف على ظواهر القرآن و ظواهر الروايات بدون تكميل القوّة العاقلة، يعقبه ظنّ الإنسان بنفسه أنه مستنبط و ذو رأي لا ينتج غير التخبّط في الممارسات، و الخطأ في الأعمال، كما نجد ذلك عند مؤسّسي الوهّابيّة و الشيخيّة، و هو ممّا يفضي إلى الدمار و المحق.

  • و ما علينا- بحمد الله و حسن توفيقه- إلّا أن نلتفت إلى أننا لا نسير وراء آراء الشيخيّة و أفكارها من حيث لا نشعر؛ ذلك لأنّ مخالفة السير إلى الله، و معاداة العرفان، و النظر إلى إمام الزمان على نحو الوجود المستقلّ، كلّ ذلك من مختصّات الشيخيّة، و لو كان هذا، دأبنا، فإنّنا انتحلنا عقيدتهم مِنْ حَيْثُ لَا نَشْعَرُ.

  • يجب طلب اللقاء بإمام العصر عليه السلام من أجل كشف الولاية و لقاء الله

  • أنّ مجالس التوسّل بوليّ العصر و محافله هي في غاية الحسن و الجودة. بَيدَ أنّ التوسّل الذي يُقْصَدُ من ورائه الحقّ؛ و الوصول إلى الحقّ؛ و رفع الحجب الظلمانيّة و النورانيّة؛ و كشف حقيقة الولاية و التوحيد؛ و حصول العرفان الإلهيّ و الفناء في ذاته المقدّسة، هو التوسّل المرغوب و المحمود. و لذلك فإنّ انتظار الفرج حتى في عصر الأئمّة عليهم السلام

معرفة الإمام ج۵

183
  • أنفسهم كان يعتبر من أعظم الأعمال و أكثرها فضيلة.

  • أنّ التوسّل بحقيقة ولاية الإمام لكشف حجب الطريق من أفضل الأعمال؛ لأنّ توحيد الحقّ من أفضل الأعمال. كما أنّ انتظار الظهور الخارجيّ للإمام بوصفه مقدّماً على ظهوره الباطنيّ و كشف ولايته مفيد.

  • و انتظار الظهور الخارجيّ محبوب و محمود في ضوء ذلك.

  • و إذا كنّا نرمي إلى الظهور الخارجيّ وحده دون القصد إلى تلك الحقيقة و محتواها، فقد بعنا الإمام بِثَمَنٍ بَخسٍ حينئذٍ؛ و بالتالى فنحن المتضرّرون كثيراً؛ لأنّ المراد و المقصود ليس التشرّف بحضوره الطبيعيّ؛ و إلّا فإنّ كثيراً من الناس كانوا يرون الأئمّة في عصورهم و يحضرون عندهم؛ و يتكلّمون معهم؛ بَيدَ أنهم كانوا لا خلاق لهم من حقيقتهم. و لو كنّا في مجالس التوسّل، أو عند الاختلاء بأنفسنا توّاقين إلى لقائه؛ و رزقنا الله ذلك، و لم تكن غايتنا لقاء الله و حقيقة الولاية، فإنّنا نتشرّف برؤيته على نفس النسق الذي كان الناس به يتشرّفون برؤية الأئمّة و الحضور عندهم آنذاك. و أنه لغَبْن و ضرر كبير أن نتشرّف بخدمته بعد الجدّ و الجهد و الكدّ و السعي، بينما ليس لدينا هدف أعلى و أسمى من اللقاء الظاهريّ- و هذا اللقاء في الحقيقة لرفع الشكّ و الشبهة عن وجوده و طول عمره- أو أن نتوجّه إليه في قضاء حوائجنا المادّيّة و رفع ما يهمّنا من امورنا الخاصّة أو العامّة؛ و هو أمر كان متيسّراً لجميع الناس الذين شهدوا عصر الأئمّة عليهم السلام بدون مشقّة التوسّل.

  • على أنّ الشيء القيّم حقّاً هو التشرّف بحقيقة الإمام و بلوغها، و الشوق إلى لقائه من حيث آيتيّة الحقّ سبحانه و تعالى؛ و هذا هو المهمّ؛ و هو من أفضل الأعمال؛ و مثل هذا الانتظار للفرج يحيى القلوب و ينعش النفوس و يطيّب الأرواح رَزَقَنَا اللهُ وَ إيّاكُمْ إن شَاءَ اللهُ بِمحمّد وَ آلِهِ

معرفة الإمام ج۵

184
  • الطّاهِرِينَ.

  • ما هي القيمة من وراء العلم بزمن ظهوره الخارجيّ لنا؟ و لذلك فقد ورد في الأخبار النهي عن التفحّص و التجسّس في مثل هذه الامور.

  • افرضوا أننا عرفنا زمن ظهوره عن طريق علم الجَفْر و الرَمْل الصحيح، فما ذا نفعل حينئذٍ؟ و ما هو واجبنا؟ أنّ واجبنا هو تهذيب النفس الأمّارة و تزكيتها و إعدادها للقبول و التضحية و الإيثار.

  • إنّنا مكلّفون بهذه الأمور دائماً؛ و ما علينا إلّا أن نعيش أجواء تهذيب النفس و تزكيتها، و تطهير الضمير؛ سواء عرفنا وقت ظهوره أو لم نعرف ذلك؛ و لو أخلصنا نيّاتنا و تأهبّنا لذلك فسيحالفنا الحظّ و التوفيق بلقائه الحقيقيّ؛ و لو لم نكن كذلك، فإنّنا لن نقطف شيئاً ذا بال من وراء لقاء جسمه العنصريّ و المادّيّ؛ و لا نحصل على نتيجة من هذا اللقاء.

  • و لذلك نرى كثيراً من الأشخاص الذين أقاموا في مسجد السهْلَةَ أو في مسجد الكوفة أو في غيرهما من الأماكن المقدّسة أربعينيّات متعدّدة لزيارة الإمام و ظفروا بذلك، إلّا أنهم لم يحصلوا على شيء مهمّ من تلك الزيارة.

  • و ما ينبغي ذكره أكثر من غيره هو أنّ الظهور الخارجيّ و العامّ لم يقع للإمام بعد؛ و مرتبط بأسباب و علامات لا بدّ من تحقّقها؛ إلّا أنّ الظهور الخاصّ و الباطنيّ ممكن للبعض؛ و بكلمة بديلة: أنّ سبيل الوصول إلى الإمام و التشرّف بخدمته مفتوح للجميع، غاية الأمر أنه يحتاج إلى تهذيب الأخلاق و تزكية النفس.

  • و كلّ من نوى لقاء الله هذا اليوم، و جاهد نفسه لهذا الهدف، فيستحظي بظهور الإمام الشخصيّ و الباطنيّ دون أدنى شكّ، ذلك لأنّ لقاء الحقّ لا يتحقّق بدون اللقاء الآيتيّ و المرآتيّ للإمام.

معرفة الإمام ج۵

185
  • اللقاء الواقعيّ لإمام الزمان أرواحنا له الفداء

  • وَ مُحَصَّلُ الْكَلَامِ هو: أنّ طريق التشرّف بحقيقة ولاية الإمام مفتوح؛ و هذا هو المهمّ؛ إلّا أنه يحتاج إلى مجاهدة النفس الأمّارة و تزكية الأخلاق و تطهير الباطن؛ و كذلك يحتاج إلى السير و السلوك في طريق عرفان الحقّ سبحانه و تعالى و توحيده؛ سواء تحقّق الظهور الخارجيّ و العامّ للإمام عاجلًا أو لم يتحقّق.

  • و ذلك لأنّ الله جلّ شأنه غير ظالم؛ و لا يمنع فيضه؛ و لم يوصد طريق الوصول أمام المشتاقين التوّاقين.

  • هذا الباب مفتوح دائماً؛ و يرحّب بدعوة المحبّين و المشتاقين و العاشقين ملبياً لها.

  • فما على عشّاق الجمال الإلهيّ و المشتاقين إلى لقائه جَلَّ وَ عَلَا إلّا أن يجدّوا في طريق سير عرفانه و سلوكه بخطى ثابتة وطيدة: و يوصلوا أنفسهم إلى النقطة المنشودة بالتهذيب و التزكية، و المراقبة الشديدة، و الاهتمام بالواجبات الإلهيّة، و التكاليف السبحانيّة، و حينئذٍ- شاء الإنسان أم أبي فإنّهم سيحبرون بالطلعة المنيرة لإمام الزمان و قطب دائرة الإمكان الذي يمثّل وسيلة الفيض و واسطة الرحمة الرحمانيّة و الرحيميّة للحقّ.

  • و يتمتّعون بكلّ السبل المفيدة لتكميل نفوسهم؛ و يستثمرون جميع الاستعدادات الفطريّة من أجل التطبيق العمليّ لها بغية الوصول إلى نقطة الكمال.

  • وَفَّقَنَا الله تعالى وَ إيَّاكُم بِمَحَمَّدٍ وَ آلِهِ صَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ.

  • و ينبغي هنا أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاث نقاط: الاولى: أنّ غيبة الإمام هي من جانبنا لا من جانبه. أي: أننا حرمنا أنفسنا من زيارته بسبب ذنوبنا و أنانيّاتنا و توجّهاتنا الاستكباريّة، لا أنه هجر نفسه و أخفاها عنّا، و بعبارة اخرى، هو غائب عنّا، و نحن غير غائبين عنه.

معرفة الإمام ج۵

186
  • الثانية: أنّ قدرة الإمام و علمه و إحاطته و سيطرته على الامور، كلّ ذلك لا يتوقّف على عصر الظهور بحيث نتصوّر أنها ليست له قبل الظهور، و إذا ما ظهر فسوف تكون له. بل هو في الحالين يتمتّع بالهيمنة و السيطرة و الإحاطة التكوينيّة، و هي كلّها لازمة لولايته الكلّيّة؛ إلّا أنّ هذا الأمر محجوب عن أنظار الناس، و عن إدراك العقول و النفوس قبل الظهور، و سيتجلّى بعد الظهور.

  • الثالثة: أنّ القدرة العمليّة للإمام وسعته العلميّة و إحاطته التكوينيّة بالأمور لا تنحصر في أعمال الخير و البرّ و الإحسان التي نراها خيراً؛ بل هي الهيمنة و السَيْطَرة على جميع الأمور خيرها و شرّها، و بشكل عامّ على كلّ عمل، و كلّ فعل، و كلّ موجود من الموجودات؛ لأنّ العالم كلّه خيرات على أساس النظام الكلّيّ لعالم التكوين، و لا شرّ فيه أبداً، و الشرّ أمر عَدَميّ ليس من الله، و ليس من وليّه؛ و الشَّرُّ لَيْسَ إليك.

  • إذَا سَفَرَتْ في يَومِ عِيدٍ تَزَاحَمَتْ***على حُسنِهَا أبْصَارُ كُلِّ قَبِيلَةِ

  • فَأرْوَاحُهُمْ تَصْبُو لِمَعْنَى جَمَالِها***وَ أحْدَاقُهُمْ مِنْ حُسْنِهَا في حَدِيقَةِ

  • وَ عِنْدِيَ عِيدِي كُلُّ يَوْمٍ أرى بِهِ***جَمَالَ مُحَيَّاهَا بِعَيْنٍ قَرِيرَةِ

  • وَ كُلُّ اللَّيالى لَيْلَةُ الْقَدْرِ إنْ دَنْتَ***كَمَا كُلُّ أيَّامِ اللِّقَا يَوْمُ جُمْعَةِ

  • وَ سَعْيِي لَهَا حَجٌّ بِهِ كُلُّ وَقْفَةٍ***على بَابِهَا قَدْ عَادَلَتْ كُلَّ وَقْفَةِ

معرفة الإمام ج۵

187
  • وَ أيّ بِلَادِ اللهِ حَلَّتْ بِهَا فمَا***أرَاهَا، وَ في عَيْنِي حَلَتْ، غَيْرَ مَكَّةِ

  • وَ أيّ مَكَانٍ ضَمَّهَا حَرَمٌ كَذَا***أرى كُلَّ دَارٍ أوطَنَتْ دَارَ هِجْرَةِ

  • وَ مَا سَكَنَتْهُ فَهوَ بَيْتٌ مُقَدَّسٌ***بِقُرَّةِ عَيْنِي فِيهِ أحْشَأي قَرَّتِ

  • وَ مَسْجِدِيَ الأقْصَى مَسَاحِبُ بُرْدِهَا***وَ طِيبي ثَرَى أرْضٍ عَلَيْهَا تَمَشَّتِ

  • نَهَارى أصِيلٌ كُلُّهُ إنْ تَنَسَّمَتْ***أوَائِيلُهُ مِنْهَا بِرَدِّ تَحِيَّتي

  • وَ لَيْلِيَ فِيهَا كُلُّهُ سَحَرٌ إذَا***سَرَى لِيَ مِنْهَا فِيهِ عَرْفُ نُسَيْمَةِ

  • و إنْ طَرَقَتْ لَيْلًا فَشَهرِيَ كُلُّهُ***بِهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ابْتِهَاجَاً بِزَوْرَةِ

  • وَ إِنْ قَرُبَتْ دَأرى فَعَامِيَ كُلُّهُ***رَبِيعُ اعْتِدَالٍ في رِياضٍ أريضَةِ

  • وَ إنْ رَضِيَتْ عَنِّي فَعُمْرِيَ كُلُّهُ***زَمَانُ الصَّبَا طِيباً وَ عَصْرُ الشَّبِيْبَةِ 1

    1. «ديوان ابن الفارض» التائيّة الكبرى، من البيت 353 فما تلاه، ص 80 و ص 81.

معرفة الإمام ج۵

188
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّانِي وَ السَّبْعُونَ إلى الْخَامِسُ وَ السَّبْعِينَ الْوَلَاية الْمُطْلَقَة لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبِ عَلَيْهِ السَّلام

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۵

190
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلى العظيم

  •  

  •  

  • إجماع المفسّرين على نزول آية الولاية في أمير المؤمنين عليه السلام

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ، وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.1

  • أجمع الشيعة، مفسّروهم، و رواتهم و محدّثوهم و من ألف منهم الكتب في الفضائل و المناقب و التواريخ أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام تصدّق بخاتمة راكعاً لفقير كان يسأل في المسجد أن يعطوه شيئاً؛ و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في بيته، فنزل جبرئيل بهذه الآية التي تصرّح بولاية عليّ عليه السلام؛ و قرأها رسول الله في نفسه حتى وصل إلى المسجد و معه عدد من أصحابه، فسأل: هل تصدّق أحد راكعاً؟! فقال السائل و هو يشير إلى الخاتم: نعم، هذه صدقة تصدّق بها ذلك المصلّي و هو راكع، و أنا الذي أخرجت هذا الخاتم من إصبعه! فكبّر الصحابة الذين كانوا حاضرين عندئذٍ؛ و حمد النبيّ الله و شكره على ما أنعم

    1. الآيتان 55 و 56، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۵

191
  • به من نعمة الولاية على أمير المؤمنين بعد ولاية الله و رسوله.

  • روايات أعيان العامّة في تفسير آية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ.

  • و لو تركنا اتّفاق الشيعة و إجماعهم جانباً، فإنّ كثيراً من العامّة قد ذكروا هذا الموضوع في تفاسيرهم و كتبهم، و عدّوه من المسلّمات سَنَداً و اعتباراً تاريخيّاً؛ و من حيث المجموع فإنّ مَن كان مِن أهل التتبّع و التدقيق لن يخالجه أيّ شكّ في شأن نزول هذه الآية المباركة في ولاية عليّ بن أبي طالب.

  • و تثبت هذه الآية ولاية أمير المؤمنين و إمامته بلا فصل على نحو الإطلاق و بلا قيد و شرط؛ و تعتبر من الآيات الواضحة في هذا المجال. ذلك لأنها تجعل ولاية الإمام في مستوى ولاية الله و رسوله؛ و من المعلوم أنّ الولاية أمر واحد، و هي لله بالأصالة، و لغيره بالتَّبَع. و من هنا يستبين لنا أنّ الإمام قد فاز بكمال درجات القرب كرسول الله، و ارتوى من ينبوع الماء المعين لتوحيد الحقّ المطلق و عرفانه الخالص. فسيطرته و إحاطته التكوينيّة و التشريعيّة بالنسبة إلى الناس على أساس قابليّته و فعليّة وصوله و اندكاكه في ذات الحقّ؛ و تجلّيه بجميع أسمائه و صفاته الجمالية و الجلالية.

  • كلام ابن شهرآشوب في شأن آية الولاية

  • يقول ابن شهرآشوب: أجمعت الأمّة على أنّ هذه الآية نزلت في عليّ عليه السلام لمّا تصدّق بخاتمه و هو راكع؛ [و] لا خلاف بين المفسّرين في ذلك [و] ذكره: الثَّعْلَبيّ، و المَاوَرْديّ، و القُشَيْرِيّ، و القزْوِينيّ، و الرَّازيّ، و النيسابوريّ، و الفَلَكيّ، و الطُّوسِيّ، و الطَّبَرِيّ في تفاسيرهم عن السدِّي، وَ مُجَاهِد، و الحَسَن، و الأعْمَشْ، و عُتْبَة بْنِ أبي حِكِيم، وَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَ قَيْسِ بْنِ الرَّبيعِ، وَ عَبَايَة الرَّبْعِيّ، وَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاس، وَ أبي ذرَّ الْغِفَارِيّ.

  • [و كذلك ذكره ابْنُ البَيِّعِ في كتاب «مَعْرِفَةِ الأصُول» عن عبد الله بن عبيد الله بن عُمَر بن علي بن أبي طالب؛ و الوَاحِدِيّ في كتاب «أسْبَابُ

معرفة الإمام ج۵

192
  • نُزُول الْقُرآن» عن الكلبيّ، عن صالح، عن ابن عبّاس؛ و السمْعَانِيّ في كتاب «فَضَائل الصَّحَابَة» عن حَميد الطويل، عن أَنَس؛ و سَلْمَان بن أحمد في «الْمُعْجَم الأوْسَط» عن عمّار؛ و أبُو بَكْرِ الْبَيْهَقِيّ في «الْمُقَنَّفْ» (الْمُصَنَّف خ ل)؛ و محمّد الْفَتَّال في كتاب «التَّنْوير» و كتاب «الرَّوْضَة» عن عبد الله بن سلام، و أبي صالح، و الشَّعْبِيّ، و مجاهد، و زرارة بن أعين عن محمّد بن عليّ؛ و النَّطنْزي في كتاب «الخصائص» عن ابن عبّاس؛ و أبَابَه عن الفَلَكِيّ عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، و ناصح التميميّ، و ابن عبّاس، و الكَلْبِيّ في روايات مختلفة الألفاظ متّفقة المعاني.

  • و جاء في كتاب «أسْبَابُ النُّزُول» ص 148 عن الوَاحِدِيّ:1 أقبل

    1. قال الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ في كتاب« ينابيع المودّة»: ذكر الواحديّ أنّ قوله: إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ نزل في أمير المؤمنين على.( طبعة إسلامبول سنة 1301 ه-، ص 212؛ و عن الطبعة السابعة في النجف، ص 251، في الباب 56). و ذكر ذلك يحيى بن جابر البلاذريّ في« أنساب الأشراف» ج 2 في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام، ص 150 في الحديث رقم 151 عن حمّاد بن سلمة، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. و رواه عليّ بن الحسن بن هبّة الله الشافعيّ المعروف بابن عساكر في« تاريخ دمشق» في ج 2 من ترجمة أمير المؤمنين، من المجلّد المطبوع ص 409 و 410، و ذلك بسندين عن عليّ بن أبي طالب و عن سلمة. و ذكره الحاكم الحسكانيّ أيضاً في« شواهد التنزيل» من ص 161 إلى ص 169 بأربعة عشر سنداً تحت رقم 216 إلى رقم 230 عن ابن عبّاس، و أنس بن مالك، و محمّد بن الحنفيّة، و عطاء بن سائب، و عبد الملك بن جريح المكيّ، و الإمام أبي جعفر محمّد الباقر عليه السلام.
      و ذكره كذلك المولى عليّ المتّقي الهنديّ في« كنز العمّال» ج 15 ص 95 عن الطبعة الثانية تحت رقم 269. و ذكره أيضاً عليّ بن محمّد الواسطيّ الجُلابيّ الشافعيّ المشهور بابن المغازليّ في مناقبه، من ص 311 إلى ص 314 بخمسة أسناد مختلفة من العامّة تحت رقم 354 إلى 358 عن ابن عبّاس، و أمير المؤمنين و الباقر عليهما السلام. و رواه في« غاية المرام» ص 105، الحديث 11 عن موفّق بن أحمد الخوارزميّ، و ذكر في آخره تكبير رسول الله و أبيات حسّان بن ثابت. و رواه المجلسيّ أيضاً في البحار، ط كمباني ج 9، ص 34 عن« كشف اليقين»، عن محمّد بن جرير الطبريّ بأسناده المتّصلة عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، و في ص 35 عن« تفسير العيّاشيّ»، عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام الباقر عليه السلام. و ذكره الشيخ الطوسيّ أيضاً في« تفسير التبيان» الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 564 عن الكلبيّ. أنّ الآية نزلت في عبد الله بن سلام و أصحابه الذين أسلموا و قاطعهم اليهود، و هي تدلّ على ولاية عليّ. و قال الشيخ: روى أبو بكر الرازيّ في كتاب« أحكام القرآن» على ما حكاه المغربيّ عنه، و الطبريّ، و الرمّانيّ، و مجاهد، و السدّيّ أنها نزلت في عليّ عليه السلام حين تصدّق بخاتمه و هو راكع. و جاء ذلك في« مجمع البيان» أيضاً، طبع صيدا ج 2، ص 210 و 211 عن أبي القاسم الحسكانيّ. و أورده صاحب« غاية المرام» أيضاً في ص 205، الحديث 11 عن موفّق بن أحمد الخوارزميّ. و ذكره العلّامة الطباطبائيّ في« تفسير الميزان» ج 6 ص 23 عن الحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ.

معرفة الإمام ج۵

193
  • عبد الله بن سلام و معه نفر من قومه و شكوا بُعد المنزل عن المسجد.

  • و قالوا أنّ قومنا [وهم يهود] لمّا رأوا آمنّا بالله و رسوله و صدّقناه، رفضونا و آلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا و لا يناكحونا و لا يكلّمونا.

  • و نزلت هذه الآية.

  • ثمّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم خرج إلى المسجد، فنظر سائلًا، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، خاتم من فضّة. و في رواية:

  • خاتم من ذهب!

  • قال: من أعطاكه؟! قال: ذلك القائم!1

    1. ذكر هذه الرواية بالمضمون جلال الدين السيوطيّ في« الدرّ المنثور» ج 2، ص 293 و 294، عن تخريج ابن مردويه، عن طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس؛ و جاء في ذيلها أنّ رسول الله قال للسائل: على أيّ حال أعطاكه؟ قال: و هو راكع؛ و كان ذلك الشخص عليّ بن أبي طالب فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ( وَ آلِهِ) وَ سَلَّمَ و هو يقول: وَ مَن يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهَ هُمُ الْغَالِبُونَ. و رواها السيوطيّ أيضاً في« الدرّ المنثور» في هذا الموضع بثمانية أسناد اخرى عن الخطيب، عن ابن عبّاس؛ و عن عبد الرزّاق، و عبد بن حميد، و ابن جُرَير، و أبي الشيخ، و ابن مَرْدَوَيْه عن ابن عبّاس؛ و عن الطبرانيّ في« المعجم الاوسط» و ابن مردويه عن عمّار بن ياسر، و عن أبي الشيخ، و ابن مردويه، عن عليّ؛ و عن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن عساكر عن سلمة بن كهيل، و عن ابن جرير عن مجاهد، و عن الطبرانيّ و ابن مردويه، و أبي نعيم عن أبي رافع؛ و عن ابن مردويه عن ابن عبّاس.

معرفة الإمام ج۵

194
  • و جاء في «تفسير الثعلبيّ» عن أبي ذرّ أنّ السائل قال: اللهُمَّ اشْهَدْ أني سَألْتُ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَ آلِهِ و سَلَّم وَ لَمْ يُعْطِنِي أحَدٌ شَيئاً وَ كَانَ عَلِيّ رَاكِعَاً فَأومَى بِخِنْصِرِهِ اليمنَى فَأقْبَلَ السَّائِلُ حتى أخَذَهُ مِنْ خِنْصِرِهِ، وَ ذَلِكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ.

  • و لمّا فرغ رسول الله من الصلاة، رفع رأسه إلى السماء، و قال:

  • اللهُمَّ أنّ أَخِي موسى سَألَكَ فَقَالَ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.1

  • فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما.2

  • اللهُمَّ وَ أنَا محَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَ صَفِيُّكَ! اللهم اشرح لي صدري، و يسر لي أمري، و اجعل لي وزيرا من أهلي، عليّاً، اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي.

  • قال أبو ذرّ: فما استتمَّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم الكلمة حتى نزل جبرئيل من عند الله تعالى فقال: يا محمّد اقرأ! قال: و ما أقرأ! قال: اقرأ:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ

    1. الآيات 25- 32، من السورة 20: طه.
    2. الآية 35، من السورة 28: القصص.

معرفة الإمام ج۵

195
  • وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.1

  • و عن أبي جعفر عليه السلام: أنّ رهطاً من اليهود أسلموا منهم:

  • عَبد الله بنَ سَلَام، وَ اسَيْد، وَ ثَعْلَبَة، و ابْنُ يامِين، و سَلَام، و ابن صُورِيا، فأتوا النبيّ. فقالوا: يا نبيّ الله، أنّ موسى أوصى إلى يُوشَعِ بْنِ نُونْ، فمن وصيُّكَ؟ و من وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية.

  • قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: قوموا! فقاموا و أتوا المسجد، فإذا سائل خارج؛ فقال رسول الله: يا سائل، ما أعطاك أحد شيئاً؟!

  • قال: نعم! هذا الخاتم!

  • قال: من أعطاكه؟! قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي!

  • قال رسول الله: على أيّ حال أعطاك؟! قال: كان راكعاً!

  • فَكَبَّرَ النَّبِيّ وَ كَبَّرَ أهْلُ الْمَسْجِدِ؛ فَقَالَ: صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ:

  • عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي! فَقَالُوا: رَضِينَا بِاللهِ رَبّاً وَ بِالإسْلَامِ دِيناً وَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً وَ بِعَلِيّ وَلِيّاً فَأنْزَلَ الله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.2

    1. ذكر المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الأنوار» طبع كمباني ج 9، ص 36 عن« المناقب» و عن« كشف اليقين» عن الثعلبيّ في تفسيره، و جاء في صدرها: بينما عبد الله بن عبّاس جالس على شفير زمزم[ في مكّة]، يقول قال رسول الله[ أي يحدّث الناس بحديث رسول الله] إذ أقبل رجل متعمّم بعمامة فجعل ابن عبّاس لا يقول قال رسول الله صلّى الله عليه و آله إلّا قال الرجل: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله؛ فقال ابن عبّاس: سألتك بالله من أنت، فكشف العمامة عن وجهه، قال: يا أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدريّ أبو ذرّ الغفاريّ. و نحن نذكر هذه الرواية بتمامها نقلًا عن« غاية المرام». و نقلها الفخر الرازيّ في تفسيره أيضاً؛ ج 3، ص 618 من الدورة ذات المجلّدات الثمانية، طبعة دار الطباعة العامرة.
    2. ذكر المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الانوار» طبع كمباني ج 9، ص 33 و ص 34 عن« أمالى الصدوق»؛ و جاء في تتمّتها: روي عن عمر بن الخطّاب أنه قال:
      و الله لقد تصدّقت بأربعين خاتماً و أنا راكع لينزل فيّ ما نزل في عليّ بن أبي طالب فما نزل.
      و كذلك ذكرها السيّد هاشم البحرانيّ في« غاية المرام» ص 107، الحديث السادس عن طريق الخاصّة، و ذكر تتمّتها أيضاً. و نصّ عليها الشيخ الطوسيّ في« تفسير التبيان» الطبعة الحجريّة ج 1، ص 548 مشيراً في استدلاله إلى سؤال رسول الله السائل و تكبيره. و كذلك ذكرها البحرانيّ في« تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 293؛ و العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في« الميزان» ج 6، ص 14.

معرفة الإمام ج۵

196
  • ثمّ يواصل ابن شهرآشوب كلامه و يقول: جاء في كتاب أبي بَكْر الشيرازيّ أنه لمّا سأل السائل، وضع أمير المؤمنين عليه السلام يده على ظهره إشارة إليه أن ينزعها فمدّ السائل يده و نزع الخاتم من يده، و دعا له.

  • فباهى الله تعالى ملائكته بأمير المؤمنين، و قال:

  • ملائكتي، أ ما ترون عبدي، جسده في عبادتي، و قلبه معلّق عندي، و هو يتصدّق بماله طلباً لرضأي؟! اشهدكم أني رضيت عنه و عن خلفه، يعني ذرّيّته، و نزل جبرئيل بالآية.

  • و في كتاب «المِصْبَاح»: تصدّق به يوم الرابع و العشرين من؛ ذي الحجّة؛ و في رواية أبي ذرّ أنه كان عليه السلام في صلاة الظهر؛ و روي أنه كان في نافلة الظهر.

  • و في «أمالى ابن بابويه الصدوق»: قال عمر بن الخطّاب: لقد تصدّقت بأربعين خاتماً و أنا راكع لينزل فيّ ما نزل في عليّ بن أبي طالب، فما نزل.

  • و في «أسْباب النّزول» عن الواحديّ: «وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ» يعني: يُحِبُّ اللهَ وَ رَسُولَهُ؛ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» يعني: عَلِياً؛ «فَإِنَّ حِزْبَ» اللهِ يعني: شِيعَةَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ وَلِيِّهِ؛ «هُمُ الْغالِبُونَ»، يعني: هُمُ الْغَالِبُونَ على جَمِيعِ الْعِبَادِ.

  • فَبدأ في هذه الآية بنفسه؛ ثمّ بنبيّه؛ ثمّ بوليّه «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ»- إلخ.

معرفة الإمام ج۵

197
  • و كذلك في الآية الثانية «وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ»- إلخ.

  • و في علم الحساب: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و وزنه مُحَمَّدٍ المصطفى رَسُولُ اللهِ وَ بَعْدَهُ الْمُرْتَضَى عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ وَ عِتْرَتُهُ؛ و عدد حساب كلّ واحد منهما ثلاثة آلاف و خمسمائة و ثمانون. (3580).1

  • و في «الكأي» عن الباقر عليه السلام عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال:

  • لَمَّا نَزَلَتْ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ» اجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ في هَذِهِ الآيةِ؟!

  • قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَفَرْنَا بِهَذِهِ الآيَةِ نَكْفُرْ بِسَائِرِهَا (كَفَرْنَا خ ل) وَ إنْ آمنّا فَإنَّ هَذَا ذُلٌّ حِينَ يُسَلَّطُ عَلَيْنَا عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ!

  • فَقَالُوا: نَعْلَمُ أنّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ؛ وَ لَكِنْ نَتَوَلَّاهُ وَ لا نُطِيعُ عَلِيّاً فِيمَا أمَرَنَا، فَنَزَلَ: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها» يَعْنِي وَلَايَةَ مُحَمَّدٍ (عليّ خ ل) وَ أكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ بِوَلَايَةِ على.2

  • و روى عليّ بن جعفر عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ:

  • أوْحَى اللهُ إلَيهِ: يَا مُحَمَّدٍ! إِنِّي أمَرْتُ فَلَمْ اطَعْ فَلَا تَجْزَعْ أنْتَ إذَا أمَرْتَ

    1. هذا الحساب على أساس الابجد الكبير الذي يبدأ بالواحد و ينتهي بالألف.
      و مضافاً إلي أنّ ابن شهرآشوب ذكر هذا الموضوع؛ فنحن أيضاً حسبنا هذا الحساب فكان الناتج من الآية و الجملة عدداً واحداً.
    2. روي هذا الحديث في« غاية المرام» ص 107 تحت الرقم( 2) عن محمّد بن يعقوب الكلينيّ.

معرفة الإمام ج۵

198
  • فَلَمْ تُطَعْ في وَصِيَّكَ!

  • فقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. أثبت الولاية لمن جعله وليّاً لنا على وجه التخصيص و نفي معناها عن غيره.

  • و يعني بوليّكم القائم باموركم و من يلزمكم طاعته. و إذا ثبت ذلك، ثبتت إمامته! لأنّ لا أحد يجب له التصرّف في الأمّة و فرض الطاعة له بعد النبيّ إلّا من كان إماماً لهم، و ثبتت أيضاً عصمته، لأنه سبحانه إذا أوجب له فرض الطاعة مثل ما أوجب لنفسه و لنبيّه صلّى الله عليه و آله سلّم اقتضى ذلك طاعته في كلّ شيء. و هذا برهان عصمته.

  • و لأنه لو لم يكن كذلك لجاز منه الأمر بالقبيح، فيقبح طاعته. و إذا قبحت، كان الله تعالى قد أوجب فعل القبيح. و في علمنا أنّ ذلك لا يجوز عليه سبحانه و دليل على وجوب العصمة.

  • كلام المبرّد في أنَّ الوليّ بمعنى الاولى في التصرّف

  • و الدليل على أنّ لفظة وليّ في الآية تفيد الأَوْلَى ما ذكره المُبَرِّد في كتاب «الْعِبَارَةُ عَنْ صِفَاتِ اللهِ» أنّ الْوَليّ هُوَ الأوْلَى. و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: أيّمَا امْرَأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا. و منه أوْلِيَآءُ الدَّم، وَ فُلَانٌ وَلِيّ أمْرِ الرَّعِيَّةِ.

  • وَ نِعْمَ وَلِيّ الأمْرِ بَعْدَ وَلِيِّهِ***وَ مُنْتَجَعُ التَّقْوَى وَ نِعْمَ الْمُؤَدِّبُ 1

  • و ما يعترض به السائل فلا يلتفت إليه.

  • و اختصاص الآية ببعض المؤمنين حيث وصفهم بإيتاء الزكاة يوجب خروج من لم يؤتها، و من حيث خصّ إيتاءهم بحال الركوع و لم يحصل ذلك لجميع المؤمنين؛ و من حيث نفي الولاية عن غير المذكورين في الآية

    1. هذا البيت للكميت« تفسير أبي الفتوح» ط مظفري، ج 2، ص 176.

معرفة الإمام ج۵

199
  • بإدخال لفظة إنَّما، و إيتاء الزكاة في حال الركوع لم يدّع لأحد غير عليّ بن أبي طالب.

  • و الرواية متواترة من طريق الشيعة؛ و ظاهرة من طرق المخالفين.

  • و يجري الإخبار بلفظ الجمع و هو واحد مجري الإخبار بذلك عن الواحد، قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ1.2

  • و قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ.3 و المقصود هو ثابت بن قَيس بن شِماس. و قوله: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ.4 و القائل هو: عَبْدُ الله بْنُ ابَيّ بْنُ سَلُول.

  • ثمّ أنّ قوله: وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا ليس على العموم بل بعضهم لأنه وصف بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة في حال الركوع.5

  • ما أنشده الشعراء في عصر صدر الإسلام حول التصدّق بالخاتم

  • و قد نظم الشعراء الكبار منذ عصر صدر الإسلام إلى الآن مدائح كثيرة بحقّ مولانا أمير المؤمنين لتصدّقه بخاتمه. و ننقل هنا مختارات منها ذكرها ابن شهرآشوب في مناقبه. قال خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِت:6

    1. المقصود بالناس في الآية الشريفة نعيم بن مسعود الأشجعيّ الذي جاء المسلمين بخبر احتشاد جيوش الكفّار.
    2. الآية 173، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 4، من السورة 49: الحجرات.
    4. الآية 8، من السورة 63: المنافقون.
    5. «مناقب» ابن شهرآشوب، باب النُّصوص على إمامته عليه السلام، ج 1، الفصل الاوّل، عن الطبعة الحجريّة، ص 514 إلي ص 517.
    6. خُزيْمَة بن ثابت الأنصاريّ ذو الشهادتين من أفاضل الصحابة. و كان في ولائه لامير المؤمنين كالمقداد، و جابر بن عبد الله الأنصاريّ، و أبي الهيثم بن التَّيِّهَان. اشترك في الجمل و صفّين. و جاء في« رجال الكشّيّ» ط بومبي، ص 35: بعد استشهاد عمّار بن ياسر في صفّين، ذهب إلى خيمته و اغتسل غسل الشهادة ثمّ رجع إلى ساحة الحرب فقاتل حتى استشهد. و نقل عن محمّد بن عمّار بن خزيمة حفيده أنه قال: ما زال جدّي بسلاحه يوم الجمل و يوم صفّين حتى قتل عمّار. فلمّا قتل عمّار، سلّ سيفه و قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: عمّار تقتله الفئة الباغية فقاتل حتى قتل.

معرفة الإمام ج۵

200
  • فَدَيْتُ عَلِيّاً إمامَ الْوَرَى***سِرَاجَ الْبَرِيَّةِ مَأوَى التُّقَى

  • وَصِيّ الرَّسُولِ وَ زَوْجَ الْبَتُولِ***إمَامَ الْبَرِيَّةِ شَمْسَ الضُّحَى

  • تَصَدَّقَ خَاتَمَهُ رَاكِعاً***فَأحْسِنْ بِفِعْلٍ أمَامَ الْوَرَى

  • فَفَضَّلَهُ اللهُ رَبُّ الْعِبَادِ***وَ أنْزَلَ في شَأنِهِ هَلْ أتَى

  • و أنشد خُزَيْمَة أَيضَاً:

  • أبَا حَسَنٍ تَفْدِيكَ نَفْسِي وَ اسْرَتِي***وَ كُلُّ بَطيءٍ في الْهُدَى وَ مُسَارِعِ

  • أ يَذْهَبُ مَدْحٌ مِنْ مُحِبِّكَ ضَايِعاً***وَ مَا الْمَدْحُ في جَنْبِ الإلَهِ بِضَايِعِ

  • فَأنْتَ الذي أعْطَيْتَ إذْ كُنْتَ رَاكِعاً***عَلِيّ فَدَتْكَ النَّفْسُ يَا خَيْرَ رَاكِعِ

  • فَأنْزَلَ فِيكَ اللهُ خَيْرَ وَلَايَةٍ***وَ بَيَّنَها في مُحْكَمَاتِ الشَّرَائِعِ

  • و قال حَسَّانُ بْنُ ثَابِتْ1 كما جاء في ديوان الحِمْيَرِيّ:

    1. حسّان بن ثابت الانصاريّ الشاعر المعروف و المشهور بشاعر رسول الله. و قال فيه النّبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَا تَزَالُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ ما دُمْتَ نَاصِرَنَا. و أنشد حسّان قصيدتة المعروفة في الغدير و له قصائد اخرى غيرها؛ كان في غاية الجبن و نقل الجزريّ عن جبنه قصّة عجيبة في غزوة الخندق؛ مال إلى عثمان في آخر أمره و ارتدّ عن أمير المؤمنين عليه السلام. و وضع القيد الذي ذكره رسول الله في آخر دعائه، و أصبح هو نفسه مقصوداً بشعره الذي قال فيه: وَ كُنْ لِلَّذِي عَادَي عَلِيّاً مُعَادِيَا.( ملخّص عن« قاموس الرجال» ج 3، ص 117 إلى 120.

معرفة الإمام ج۵

201
  • عَلِيّ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أخُو الْهُدَى***وَ أفْضَلُ ذِي نَعْلٍ وَ مَنْ كَانَ حَافِيا

  • وَ أوَّلُ مَنْ أدَّى الزَّكَاةَ بِكَفِّهِ***وَ أوَّلُ مَنْ صَلَّى وَ مَنْ صَامَ طَاوِيَا

  • فَلَمَّا أتَاهُ سَائِلٌ مَدَّ كَفَّهُ***إلَيهِ وَ لَمْ يَبْخَلْ وَ لَمْ يَكُ جَافِيَا

  • فَدَسَّ إليه خَاتَماً وَ هوَ رَاكِعٌ***وَ مَا زَالَ أوَّاهاً إلى الْخَيْرِ داعِياً

  • فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ النَّبِيّ مُحَمَّداً***بِذَلِكَ وَ جَاءَ الْوَحْيُ في ذَاكَ ضَاحِيَا

  • أشعار الحِميريّ و السيّد الرضيّ حول التصدّق بالخاتم

  • و قال الْحَمْيَرِيّ1 شاعر أهل البيت:

  • مَنْ كَانَ أوَّلَ مَنْ تَصَدَّقَ رَاكِعَاً***يَوْماً بِخَاتَمِهِ وَ كَانَ مُشِيرا

  • مَنْ ذَاكَ قَوْلُ اللهِ أنّ وَليَّكُمْ***بَعْدَ الرَّسُولِ لِيُعْلِمَ الْجُمْهُورا

  • و له أيضاً:

  • نَفْسِي الْفِدَاءُ لِرَاكِعٍ مُتَصَدِّقِ***يَوْماً بِخَاتَمِهِ فَآبَ سَعِيدا

  • أعْنِي الْمُوَحِّدَ قَبْلَ كُلِّ مُوَحِّدٍ***لَا عَابِدَاً صَنَماً وَ لَا جُلْمُودَا

  • أعْنِي الذي نَصَرَ النَّبِيّ مُحَمَّداً***وَ وَقَاهُ كَيْدَ مَعَاشِرٍ وَ مَكِيدَا

  • سَبَقَ الأنَامَ إلى الْفَضَائِل كُلِّهَا***سَبْقَ الْجَوَادِ إلى الرِّهَانِ بَلِيدَا

  • 2
  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص201

    1. هو السيّد إسماعيل بن محمّد الحِمْيَرِيّ من أعاظم الشيعة و من شعراء أهل البيت؛ كان في البداية يقول بإمامة محمّد بن الحنفيّة؛ و لكنّه تشيّع في أعقاب لقائه الإمام الصادق عليه السلام، و مات على ولاية أهل البيت، و كانت وفاته في عصر الإمام الصادق عليه السلام. جاء ذلك في« رجال الكشّيّ» طبعة بومبي ص 184 إلى 186 عند ترجمته.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

202
  • و له كذلك:

  • مَنْ أنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِيهِمْ هَلْ أتى***لَمَّا تَحُدُّوا لِلنُّذُورِ وَفَاءَا

  • مَنْ خَمْسَةٌ جِبْرِيلُ سَادِسُهُمْ وَ قَدْ***مَدَّ النَّبِيّ على الْجَمِيعِ عَبَاءَا

  • مَنْ ذَا بِخَاتَمِهِ تَصَدَّقَ رَاكِعَاً***فَأثَابَهُ ذُو الْعَرْشِ مِنْهُ وَلاءَا

  • و أنشد الشريف الرَّضِيّ1 قائلًا:

  • وَ مَنْ سَمِحَتْ بِخَاتَمِهِ يَمِينٌ***تَضِنُّ بِكُلِّ عَالِيَةِ الْكِعَابِ

  • أ هَذَا الْبَدْرُ يُكْسَفُ بِالدَّيَاجِي***وَ هَذَا الشَّمْسُ تُطْمَسُ بِالْضُّبَابِ

  • و أنشد شاعر أهل البيت: «دِعْبِل الْخُزَاعِيّ»2 قائلًا:

  • نَطَقَ الْقُرْآنُ بِفَضْلِ آلِ مُحَمَّد***وَ وَلايَةٌ لِعلِيِّه لَمْ تُجْحَدِ

  • بِوَلَايَةِ الْمُخْتَارِ مِنْ خَيْرِ الذي***بَعْدَ النَّبِيّ الصَّادِقِ الْمُتَوَدِّدِ

  • إذْ جَاءَه الْمِسْكِينُ حَالَ صَلَاتِهِ***فَامْتَدَّ طَوْعاً بِالذِّرَاعِ وَ بِالْيَدِ

  • فَتَنَاوَلَ الْمِسْكِينُ مِنْهُ خَاتَماً***هَبَطَ الْكَريمُ الأجْوَدِيّ الأجْوَدِ

  • فَاخْتَصَّهُ الرَّحْمَنُ في تَنْزِيلِهِ***مَنْ حَازَ مِثْلَ فِخَارِهِ فَلْيُعْدَدِ

  • أنّ الإلَهَ وَلِيُّكُمْ وَ رَسُولَهُ***وَ الْمُؤمِنينَ فَمَنْ يَشَأ فَلْيَجْحَدِ

    1. الشريف الرضيّ أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم عليه السلام. أخو الشريف المرتضى. من أكابر العلم و الأدب. و هو جامع« نهج البلاغة». توفي سنة 406 ه- عن سبعة و أربعين عاماً([ ملخّص عن]« الكني و الألقاب»، طبعة صيدا، ج 2، ص 244).
    2. جاء في« رجال الكشّيّ» طبع بومبي ص 313 و 314:[ كان دعبل يعيش في عصر الإمام الرضا عليه السلام و له قصيدة في فضائل أهل البيت و مناقبهم و غصب حقوقهم] وفد على عليّ أبي الحسن الرضا عليه السلام بخراسان، فلمّا دخل عليه، قال له: إنّي قد قلتُ قصيدة و جعلت في نفسي أن لا انشدها أحداً اولى منك ... فلمّا فرغ من إنشادها ... بعث إليه بخرقة خزّ فيها ستمائة دينار ... و بعث بجبّة من ثيابه. و قصّة هذه الجبّة مفصّلة، يراجع« رجال الكشّيّ». ولد دعبل سنة 148 و توفي سنة 246 ه-.

معرفة الإمام ج۵

203
  • يَكُنِ الإلَهُ خَصِيمَهُ فِيها غَدَاً***وَ اللهُ لَيْسَ بمُخْلفٍ في الْمَوْعِدِ

  • و أنشد الصَاحِب بْنُ عَبَّاد1 يقول:

  • أ لَمْ تَعْلَمُوا أنّ الْوَصِيّ هُوَ الذي***أتى الزَّكَاةَ وَ كَانَ في الْمِحْرَابِ

  • أ لَمْ تَعْلَمُوا أنّ الْوَصِيّ هُوَ الذي***حُكْمُ الْغَدِيرِ لَهُ على الأصْحَابِ

  • و أنشد بعض الأدباء:

  • لَيْسَ كَالمصطفى وَ لَا كَعلىٍ***سَيِّدُ الأوْصِيَاءِ مَنْ يَدَّعِيهِ

  • مَنْ يُوَ إلى غَيْرَ الإمَامِ عَلِيّ***رَغْبَةً مِنْهُ فَالتُّرَابُ بِفِيهِ

  • هَذِهِ إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ***أتَتْ بِالْوَلَايَةِ مِنَ اللهِ فِيهِ

  • فَإذَا مَا اقْتَضَى بِهِ اللَّفْظُ مَعْنَى***الْجَمْعِ كَانَتْ مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِيهِ 2

  • هذا نزر يسير نقلناه عن كتاب «المناقب» لابن شهرآشوب. و قال السيّد هاشم البحرانيّ: قال ابن شهرآشوب في كتاب «الفضائل» في باب

    1. و هو إسماعيل بن أبي الحسن العبّاد، ولد سنة 326 ه-. اشتهر في العلم، و الفضل و العربيّة، و الكياسة، و الدين، و التقوى، و السماحة. و صار مضرب الامثال. قال: مدحتُ بمائة ألف قصيدة عربيّة و فارسيّة. و ألّف الشيخ الصدوق لأجله كتاب« عيون أخبار الرضا» و ألّف حسن بن محمّد القمّيّ لأجله كتاب« تاريخ قم». و ألّف باسمه حسين بن عليّ بن بابويه القمّيّ كتاباً، و ألّف الثعالبيّ« يتيمة الدهر» و قال في حقّه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علوّ محلّه. توفي الصاحب سنة 385 ه-، و نقلوا جثمانه من الري إلى أصفهان.
      و ممّن رثاه من الشعراء: الشريف الرضيّ جامع« نهج البلاغة» في قصيدة يقول في أوّلها:
      أ كَذَا الْمَنُونُ يَقْطُرُ الأبْطَالا--أ كَذَا الزَّمانُ تُضَعْضِعُ الأجْبَالا
      أ كَذَا تُصابُ الأسْدُ وَ هِيَ مُذِلَّةٌ--تَحْمِي الشُّبُولَ وَ تَمْنعُ الأغْيَالا
      --
      إلى أن يقول:
      وَ أقِمْ على بَأسٍ فَقَدْ ذَهَبَ الذي--كانَ الأنَامُ على مُدَاهُ عَيَالا
      --
      ( ملخّص عن« الكنى و الألقاب» طبع صيدا، ج 2، ص 365 إلى ص 371).
    2. «مناقب» ابن شهرآشوب، الطبعة الحجريّة ج 1، ص 517 إلي ص 519.

معرفة الإمام ج۵

204
  • النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام في فصل قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا: اجْتَمَعَتِ الأمَّةُ أنّ هَذِهِ الآيَةِ نَزَلَتْ في أمير الْمُؤْمِنِينَ عليه السَّلَامُ.1

  • تفسير الشيخ أبي الفتوح و بيان جابر في شأن الخاتم

  • و بعد أن نقل الشيخ أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره هذه القصّة عن الثَّعْلَبِيّ في تفسيره مفصّلًا، عن أبي ذرّ الغفاريّ و هو في مكّة على شفير بئر زمزم. روي عن طريق جابر بن عبد الله الأنصاريّ بسند آخر قوله:

  • كان رسول الله عليه السلام يصلّي في المسجد ذات يوم، فورد أعرابيّ أشعث الحال، عليه أثواب رثّة، و الفقر بين عينيه، فلمّا دخل و سلّم قال شعراً:

  • أتَيْتُكَ وَ الْعَذرَاءُ تَبْكِي بِرَنَّةٍ***وَ قَدْ ذَهَلَتْ امُّ الصَّبِيّ عَنِ الطِّفْلِ

  • وَ اخْتٌ وَ بِنْتَانٍ وَ امٌّ كَبِيرَةٌ***وَ قَدْ كَادَ فَقْرِي أنْ يُخَلِّطَ في عَقْلِي

  • وَ قَدْ مَسَنِّي عُرِى وَ ضُرٌّ وَ فَاقَةٌ***وَ لَيْسَ لَنَا ما إن يُمِرُّ وَ مَا يُحْلِي

  • وَ مَا الْمُنْتَهَى إلَّا إلَيْكَ مَفَرُّنَا***وَ أيْنَ مَفَرُّ الْخَلْقِ إلَّا إلى الرُّسل

  • قال رسول الله: من يواسي هذا الفقير، و الجزاء من الله غرف في الجنّة تضاهي غرفي و غرف إبراهيم الخليل؟! فلم يجبه أحد.

  • رجع الاعرابيّ، و كان في ناحية المسجد أمير المؤمنين على بن أبي طالب يصلّي ركعات التطوّع. و كان راكعاً، فرفع إليه الخاتم من يده، فأخذه

    1. «غاية المرام» ص 106 و ص 107.

معرفة الإمام ج۵

205
  • الأعرابيّ و نظر فيه؛ فسرّ به و أنشد هذه الأبيات:

  • مَا أنَا إلَّا مَوْلَيً لآلِ يَس***أرْجُو مِنَ اللهِ إقَامَةَ الدِّينِ

  • هُمْ خَمْسَةٌ في الأنَامِ كُلِّهِمُ***لأنهُمْ في الْوَرَى مَيَامِينِ

  • فأتى جبريل بهذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، و قرأها على النبيّ فقال للاعرابيّ: من أعطاكه؟! قال: أخوك و ابن عمّك على بن أبي طالب.

  • قال الرسول عليه السلام: هَنِيئاً لَكَ يَا عَلِيّ، أَنت في درجتي و درجة إبراهيم الخليل!

  • و لمّا رأى الصحابة ذلك، أعطى كل واحد منهم خاتمه، حتى ورد في الخبر أنّ الأعرابيّ جمع ذلك اليوم أربعمائة خاتم، فسرّ و علم أنّ ذلك من بركات أمير المؤمنين عليه السلام و قال شعراً:

  • هَا أنَا مَوْلَيً لِخَمْسَةٍ نَزَلَتْ فِيهُمُ السُّوَرْ***أهْلَ طه وَ هل أتى فَاقْرَءوا تعْرِفُوا الْخَبَرْ

  • و الطَّواسِينِ بَعْدَهَا وَ الْحَوامِيمِ وَ الزُّمَرْ***أنَا مَوْلَيً لِهَؤلَاءِ عَدُوٌّ لِمَنْ كَفَرْ 1

  • و كان حسّان حاضراً، فأراد أن يكون له دور في ذلك، فأنشد قائلًا:

  • عَلِيّ أميرُ المُؤمنينَ أخو الهُدَى***و أفْضَلُ ذِي نَعْلٍ و مَن كانَ حافِيَا

  • و أوّلُ مَن أدَّى الزكاةَ بِكَفِّهِ***و أوّلُ مَن صَلَّى وَ مَن كانَ زَاكِيَا

    1. ذكر المجلسيّ هذه الرواية إلي هنا في« بحار الأنوار» ج 8، كمباني ص 35 و 36 عن( يل، فض) أي: كتاب« الفضائل» لابن شاذان، و كتاب« الروضة».

معرفة الإمام ج۵

206
  • فَلَمَّا أتاهُ سائلٌ مَدَّ كَفَّهُ***إليه فَلَم يَبْخَلْ و لَمْ يَكُ جافِيَا

  • فَدَسَّ إليهِ خَاتَمَاً و هوَ راكِعٌ***وَ مَا زالَ أوَّاهاً إلى الخَيْرِ داعِيَا

  • فَبَشَّرَ جَبْرَئِيلُ النَّبِيّ مُحَمَّداً***بِذاكَ و جاءَ الوَحْيُ في ذاكَ ضاحِيَا

  • و روى طاووس عن ابن عبّاس، و قد سئل: ما معنى هذه الآية؟ و فيمن نزلت؟ قال: نزلت في علي بن أبي طالب. و معناها أنّ الحُكْمَ و الولايةَ لله الحقّ، لا شريك له في ذلك من المخلوقين؛ و احتجّ الرسول عليه السلام بهذه الآية.

  • تفسير أبي الفتوح في نزول آية الولاية

  • و روى الكَلْبِيّ عن أبي صالح، عن عبد الله بن عبّاس، قال: أقبل عبد الله بن سلام و معه نفر من قومه فيمن قد آمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، قالوا: يا رسول الله، أنّ منازلنا بعيدة و ليس لنا مجلس و لا متحدّث دون هذا المجلس. و إنّ قومنا لمّا رأوا آمنّا بالله و رسوله و صدّقناه، رفضونا و آلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا و لا يناكحونا و لا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ».

  • و كان عليّ عليه السلام قد أعطى خاتمه سائلًا و هو راكع؛ قال عبد الله ابن عبّاس: لمّا أعطى عليّ عليه السلام الخاتم، نزلت هذه الآية؛ و قرأها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم؛ و سأل السائل: من أعطاكه؟ فقال:

  • ذاك القائم و أومى بيده إلى عليّ بن أبي طالب.

  • قال: على أيّ حال أعطاكه؟ قال: أعطاني و هو راكع. فسُرَّ النبيّ

معرفة الإمام ج۵

207
  • و علم أنها نزلت في عليّ.

  • و نقل أبو الفتوح الرازيّ هذه الأبيات الأربعة التي ذكرناها فيما تقدّم منسوبة إلى خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتْ. و نسبها الرازيّ إلى حسّان بن ثابت؛1 ثمّ قال:

  • و ذكر أبو بكر بن مَرْدَوَيْه الحَافِظ- و هو من أصحاب الحديث- في كتاب «الفضائل» هذا الحديث بطرق مختلفة، عن جماعة كثيرة من الصحابة؛ و ذكر هذه الأبيات:

  • أ و في الزَّكَاةَ مَعَ الصَّلاةِ أقَامَهَا***وَ اللهُ يَرْحَمُ عَبْدَهُ الصَّبَّارَا

  • مَنْ ذَا بِخَاتَمِهِ تَصَدَّقَ رَاكِعَاً***وَ أسَرَّهُ في نَفْسِهِ إسْرَارَا

  • مَنْ كَانَ بَاتَ على فِرَاشِ محَمَّدٍ***وَ محَمَّدٌ يَسْرِي وَ يَنْحُو الْغَارَا

  • مَنْ كَانَ جِبْرِيلٌ يَقُومُ يَمِينَهُ***فِيهَا وَ مِيكَالٌ يَقُومُ يَسَارَا

  • مَنْ كَانَ في الْقُرآنِ سُمِّيَ مُؤْمِنَاً***في تِسْعِ آيَاتٍ جُعِلْنَ كِبَارَا

  • و قال الصاحب هذين البيتين:

  • وَ لَمَّا عَلِمْتُ بِمَا قَدْ جَنَيْتُ***وَ اشْفَقْتُ مِنْ سَخَطِ الْعَالَمِ

    1. جاءت هذه الرواية أيضاً في« مجمع البيان» و نسبت هذه الأبيات الاربعة أيضاً إلى حسّان بن ثابت.( طبع صيدا، ج 2، ص 210 و ص 211.
      و وردت أيضاً في« غاية المرام» ص 106، الحديث 17 عن العامّة. نقلها صاحب هذا الكتاب عن الحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ في كتابه الموسوم« نزول القرآن في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام». و ينسب هذه الابيات أيضاً إلى حسّان بن ثابت.
      و نقل العلّامة الطباطبائيّ هذه الرواية أيضاً في« تفسير الميزان»، ج 6، ص 21 و 22 عن الخطيب الخوارزميّ، و نسب هذه الأبيات إلى حسّان بن ثابت. و ما وقفنا عليه طيلة بحثنا هو أنّ جميع الكبار و الأعلام يرون أنّ هذه الأبيات لحسّان، و تفرّد بينهم ابن شهرآشوب فنسبها إلى خُزيْمَة بنِ ثابت.

معرفة الإمام ج۵

208
  • نَقَشْتُ شَفِيعِي على خَاتَمِي***إمَاماً تَصَدَّقَ بِالْخَاتَمِ

  • و قد صاغه بعض الشعراء بالفارسيّة:

  • چون جُرم خويش ديدم، ترسيدم از خدا***راندم بسي ز ديده به رخسار از دموع

  • نام شفيع خود به نگين بر نوشتم آنگه***انگشترى خويش ببخشيد در ركوع 1

  • لقد استبان هاهنا شأن نزول الآية و أبعاد الولاية إلى حدّ ما. و من المناسب أن نتطرّق إلى بعض الروايات الواردة، يعقب ذلك تبيان الآية الشريفة و تفسيرها.

  • يروي صاحب كتاب «غاية المرام» أربعاً و عشرين رواية عن طريق العامّة؛ و تسع عشرة رواية عن طريق الخاصّة حول الآية، و فيما يلي بعض هذه الروايات:

  • ذكر الثعلبيّ لرواية أبي ذرّ الغفاريّ عند زمزم حول الولاية و الخاتم

  • 1- قال الثعلبيّ: قال السدّيّ، و عُتْبَةُ بْنُ أبي حَكِيم وَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إنَّما عني بقوله سبحانه و تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ، عليّ بن أبي طالب عليه السلام لأنه مرّ به سائل، و هو راكع في المسجد و أعطاه خاتمه.

  • ثمّ قال الثعلبيّ: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن القاسم الفقيه؛ قال:

  • حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعرانيّ؛ قال: أخبرنا أبو على أحمد بن على بن رَزين؛ قال: حدّثنا مظفّر بن الحسن الأنصاريّ؛ قال: حدّثنا السريّ بن على بن الورّاق؛ قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحمانيّ، عن قيس بن

    1. تفسير« رَوح الجِنان و رُوح الجَنان»، الشيخ أبو الفتوح الرازيّ، طبع مظفّري، الطبع الرحليّ، ج 2، ص 174 إلي 176.

معرفة الإمام ج۵

209
  • الربيع، عن الأعْمَش، عن عباية بن الربعيّ؛ قال: حدّثنا عبد الله بن عبّاس و هو جالس بشفير زمزم. يقول قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول الله، إلّا و قال الرجل: قال رسول الله.

  • فقال له ابن عبّاس: سألتك بالله، ممّن أنت؟

  • قال: فكشف العمامة عن وجهه، و قال: يا أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني؛ و من لم يعرفني فأنا جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ الْبَدْرِيّ: أبُو ذَرِّ الْغِفَارِيّ، سمعت رسول الله بهاتين و إلّا صُمّتا. و رأيته بهاتين و إلّا عميتا يقول: على إمَامُ الْبَرَرةِ؛ وَ قَاتِلُ الْكَفَرَةِ؛ مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ.

  • أمّا انّي صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيّام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، و كان عليّ راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختّم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بعين النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • فلمّا فرغ من صلاته، رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهمّ موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، و اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، و أشركه في أمري!

  • فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا!

  • اللهمّ و أنا محمّد نبيّك و صفيّك، اللهمّ و اشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به ظهري!

معرفة الإمام ج۵

210
  • قال أبو ذر: فما استتمّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى فقال: يا محمّد، إقرأ. قال: و ما أقرأ؟!

  • قال: اقرأ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.1

  • جمع كثير من أئمّة التفسير و الحديث الذين أخرجوا رواية التصدّق بالخاتم

  • روايات العامّة في آية الولاية و قصّة الخاتم

  • و قد ذكر كثير من المفسّرين العظام و العلماء الأعلام في كتبهم هذا الحديث الشريف بهذا المضمون و الكيفيّة، منهم: الشيخ أبو الفتوح الرازيّ،2 و الشيخ أبو عليّ: الفضل بن الحسن الطبرسيّ،3 و السيّد هاشم البحرانيّ صاحب «غاية المرام» في «تفسير البرهان»4، و ابن طاووس،5 و العلّامة الأمينيّ رضوان الله عليه الذي قال في ذيله بعد نقله بعينه عن أبي إسحاق الثعلبيّ في تفسيره:

  • أخرج هذه الأثارة و نزول الآية فيها جمع كثير من أئمّة التفسير و الحديث منهم: الطبريّ في تفسيره ج 6، ص 165 من طريق ابن عبّاس، و عتبة بن أبي حكيم، و مُجاهد؛ و الوَاحِدِيّ في «أسباب النزول» ص 486

    1. «غاية المرام»، ص 103 و ص 104، الحديث الأوّل عن العامّة. و ذكره بسند آخر في ص 105 و ص 106 تحت عنوان: الحديث الرابع عشر و ذلك عن الحموينيّ في« فرائد السمطين» عن العامّة. و نقله صاحب« تفسير الميزان» في ج 6، ص 19 و ص 20 عن الثعلبيّ.
    2. «تفسير أبي الفتوح»، طبعة مظفّري، ص 174 و ص 175.
    3. «تفسير مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 2، ص 210.
    4. «تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 294.
    5. كتاب« الطرائف» الطبعة الحديثة، ص 47 و ص 48. و ذكر أيضاً في« إحقاق الحقّ»، ج 4، ص 59 عن الثعلبيّ بناءً على نقل عبد الله الشافعيّ في« المناقب» ص 112، نسخة مخطوطة.
    6. «غاية المرام»، ص 103 و ص 104، الحديث الأوّل عن العامّة. و ذكره بسند آخر في ص 105 و ص 106 تحت عنوان: الحديث الرابع عشر و ذلك عن الحموينيّ في« فرائد السمطين» عن العامّة. و نقله صاحب« تفسير الميزان» في ج 6، ص 19 و ص 20 عن الثعلبيّ.

معرفة الإمام ج۵

211
  • من طريقين؛ و الرازيّ في تفسيره ج 3، ص 431 عن عطاء، عن عبد الله ابن سلام، و ابن عبّاس، و حديث أبي ذرّ المذكور؛ و الخَازِن في تفسيره ج 1، ص 496؛ و ابُو الْبَرَكَات في تفسيره ج 1، ص 496؛ و النَيْسَابُورِيّ في تفسيره ج 3، ص 461؛ و ابن صَبَّاغ المَالِكِيّ في «الفصول المهمّة» ص 123 حديث الثعلبيّ المذكور؛ و ابن طَلْحَة الشَافِعيّ في «مطالب السؤول» ص 31 بلفظ أبي ذرّ المذكور؛ و سِبْط بْن الْجَوْزِيّ في «التذكرة» ص 9 عن تفسير الثعلبيّ، عن السدّيّ، و عتبة، و غالب بن عبد الله؛ و الكنجيّ الشافعيّ في «الكفاية» ص 106 بإسناده عن أنس، و ص 122 عن ابن عبّاس من طريق حافظ العِرَاقَيْنِ، و الخوارزميّ، و ابن عساكر عن أبي نعيم و القاضي أبي المع إلى؛ و الخوارَزْميّ في مناقبه ص 178 بطريقين؛ و الحَمُّوئيّ في «فَرَائد السِّمْطيْن» في الباب الرابع عشر من طريق الواحديّ، و في التاسع و الثلاثين عن أنس، و من طرق اخرى عن ابن عبّاس، و في الباب الأربعين عن ابن عبّاس، و عمّار بن ياسر؛ و القَاضِي عَضُد الإيجِيّ في «المواقف» ج 3، ص، 276؛ و مُحِب الدِّينِ الطَّبَرِيّ في «الرياض النَّضِرَةَ» ج 2، ص 227 عن عبد الله بن سلام من طريق الواحديّ، و أبي الفرج، و الفضائليّ، و في ص 206، و في «الذخائر» ص 102 من طريق الواقديّ، و ابن الجوزيّ؛ و ابن كَثير الشاميّ في تفسيره ص 71 بطريق عن أمير المؤمنين، و من طريق آخر عن ابن أبي حاتم عن سَلَمة بن كُهَيْل، و عن ابن جرير الطبريّ بإسناده عن مجاهد، و السدّيّ، و عن الحافظ عبد الرزّاق بإسناده عن ابن عبّاس، و بطريق الحافظ ابن مردويه بإسناده عن سفيان الثوريّ عن ابن عبّاس، و من طريق الكلبيّ عن ابن عبّاس.

  • فقال: هذا إسناد لا يقدح به، و عن الحافظ ابن مردويه بلفظ أمير المؤمنين، و عمّار، و أبي رافع؛ و ابن كُثير أيضاً في «البداية و النهاية»

معرفة الإمام ج۵

212
  • ج 7، ص 357 عن الطبرانيّ بإسناده عن أمير المؤمنين، و من طريق ابن عساكر، عن سلمة بن كهيل؛ و الْحَافِظ السيُوطيّ في «جمع الفوائد» كما في «كنز العمّال» ج 6، ص 391 من طريق الخطيب في «المتّفق» عن ابن عبّاس، و ص 405 من طريق أبي الشيخ و ابن مردويه عن أمير المؤمنين؛ و ابن حَجَر في «الصواعق» ص 25؛ و الشَّبْلَنجيّ في «نور الأبصار» ص 77 حديث أبي ذرّ المذكور عن الثعالبيّ؛ و الآلوسيّ في «روح المعاني» ج 2، ص 329، و غيرهم.1

  • 2- و روى البحرانيّ أيضاً عن كتاب «الْجَمْعُ بَيْنَ الصِّحَاحِ السِّتَّة» لرزين: في الجزء الثالث في تفسير سورة المائدة، قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. من «صحيح» النسائيّ، عن [عبد الله] بن سلام، قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فقلت: أنّ قومنا حادّونا لمّا صدقنا الله و رسوله، و أقسموا أن لا يكلّموننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ أذّن بلال لصلاة الظهر، فقام الناس يصلّون، فمن بين ساجد و راكع إذ سائل يسأل، و أعطى عليّ خاتمه و هو راكع. فأخبر السائل رسول الله، فقرأ علينا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ، وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.2

  • و ذكر السيّد ابن طاووس هذه الرواية بعينها من كتاب «الجمع بين

    1. «الغدير» ج 2، ص 52 و ص 53.
    2. «غاية المرام» ص 104، الحديث الثاني من العامّة، و تحت عنوان: الحديث الثامن بسند آخر؛ و« تفسير الميزان» ج 6، ص 20.

معرفة الإمام ج۵

213
  • الصِّحاح الستَّة»؛ و قال عقب ذلك: و رواها ابن المغازليّ الشافعيّ أيضاً بخمسة طرق.1 و جاء في بعض هذه الطرق عن عبد الله بن عبّاس: مرّ سائل برسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم و في يده خاتم. فقال رسول الله:

  • من أعطاك هذا الخاتم؟!

  • قال: ذاك الراكع! و كان عليّ عليه السلام يصلّي.

  • فقال النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: الْحَمْدُ للهِ الذي جَعَلَهَا فِيّ و في أهْلَ بيتيّ.

  • و من روايات ابن المغازليّ الشافعيّ في هذا الموضوع رواية ينسبها مرفوعة إلى عليّ بن عَابِس، قال: دخلت أنا و أبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الذي حدّثتني عند أبي جعفر.

  • قال عبد الله بن عطاء: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام. قلتُ: جعلني الله فداك: هذا ابن الذي عنده علم الكتاب.

  • قال الإمام: لا، و لكنّه صاحبكم علىُّ بْنُ أبي طالِبٍ عليه السلام الذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عزّ و جلّ، منها: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.2 و منها: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ.3 و منها: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.4

    1. «مناقب ابن المغازليّ»، ص 311 إلي ص 314، و ذكر هذه الروايات الخمس في« غاية المرام» ص 104 تحت عنوان: الحديث الثالث حتّى السابع، عن العامّة.
    2. الآية 43، من السورة 13: الرعد.
    3. الآية 17، من السورة 11: هود.
    4. ذكر ابن المغازليّ هذه الرواية في ص 313 و ص 314 تحت الرقم 358. و نقلها عنه في« غاية المرام» تحت الرقم 7 عن العامّة و ذلك في ص 104. و ذكرها العلّامة الطباطبائيّ في« تفسير الميزان» ج 6، ص 21. عن« مناقب ابن المغازليّ».

معرفة الإمام ج۵

214
  • و ذكر السدّيّ في تفسيره أنّ هذه الآية نزلت في عليّ عليه السلام.1

  • و قال العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه بعد نقله هذه الروايات عن كتاب «الطرائف»: أنّ ما ذكرناه هنا من روايات السيّد ابن طاووس و غيره، و ذكره ابنُ بطريق في كتاب «الْعُمْدَة» بأسانيد كثيرة من الصحاح. و من أراد أن يحصل على هذه الاسانيد، فليراجع كتاب «العُمْدَة».

  • ثمّ يضيف العلّامة المجلسيّ أنّ صاحب «جَامِعُ الأصُول» ذكر الخبر الأوّل الذي نقلناه عن السيّد ابن طاووس، و ذلك من «صحيح النسائيّ»، عن ابن سلام (مع اختلاف يسير في اللفظ).

  • و ذكر ابن البطريق في «المُسْتَدْرك» عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن زيد بن الحسن، عن أبيه قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وَقَفَ لِعلىٍّ سَائِلٌ وَ هُوَ رَاكِعٌ في صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَنَزَعَ خَاتَمَهُ فَأعْطَاهُ. فجاء السائل إلى رسول الله و أخبره، و نزلت هذه الآية.

  • و روى ابن البطريق أيضاً بإسناده عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قول الله عزّ و جلّ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا يريد على بن أبي طالب في قوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، أنا رأيت عليّ بن أبي طالب تصدّق بخاتمه و هو راكع على محتاج، فنحن نتولّاه!2

  • و روى بإسناده أيضاً عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس:

  • كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يتوضّأ فنزلت الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ؛ فقصد المسجد، و قبل دخوله فيه رأي سائلًا، قال: من كان في

    1. «الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف» الطبعة الحديثة، ص 48 و 49.
    2. جاءت هذه الرواية في« غاية المرام» ص 106، الحديث التاسع عشر عن العامّة، عن أبي نعيم الحافظ الإصفهانيّ، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس.

معرفة الإمام ج۵

215
  • المسجد؟! قال السائل: رجل تصدّق عليّ بخاتمه و هو راكع؛ فدخل النبيّ إلى المسجد، و رأي عليّاً عليه السلام.

  • و روى بإسناده أيضاً عن ابن الزبير مرفوعاً عن جابر: جاء عبد الله ابن سلام مع جماعة و هم يشكون مجانبة قومهم أيّاهم منذ أسلموا.

  • فقال لهم رسول الله: ابغوا إليّ سائلًا! فدخلنا المسجد، فدنا سائل إليه، فقال له: أعطاك أحد شيئاً؟! قال: نعم مررتُ برجل راكع، فأعطاني خاتمه.

  • قال: فاذهب فأرني! قال عبد الله بن سلام: فذهبنا فإذا عليّ قائم يصلّي. قال السائل: هذا هو الرجل. فنزلت الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.

  • و روى أيضاً بإسناده مرفوعاً عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ. نزل في شأن عليّ بن أبي طالب.

  • و روى بإسناده أيضاً مرفوعاً عن موسى بْنِ قَيْسِ الحَضْرَميّ، عن سلمة بن كهيل أنّ عليّاً عليه السلام تصدّق بخاتمه و هو راكع، فنزلت الآية:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.

  • و يضيف العلّامة المجلسيّ هنا قائلًا: قال السيِّد ابن طاووس في كتاب «سَعْدُ السُّعود»: رأيت في تفسير محمّد بن عبّاس بن عليّ بن مروان أنه روى بإسناده نزول الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ في على عليه السلام من تسعين طريقاً. و جميع رجالها و رواتها أو أغلبهم من المخالفين لأهل البيت عليهم السلام، و من الرواة: علىّ عليه السلام، و عُمَر بن الخَطَّاب، و عُثْمان، و الزُّبَير، و عَبْدُ الرَّحْمَن بن عَوْف، و سَعْد بن أبي وَقّاص، و طَلْحَة، و ابن عبّاس، و أبُو رافع، و جَابر بن عبد الله الأنصاريّ، و أبو

معرفة الإمام ج۵

216
  • ذرّ، و خَليل بن مُرَّة، و عليّ بن الحسين، و البَاقِر، و الصَّادِق عليهم السلام، و عَبْدُ الله بن محمّد بن الحَنَفِيَّة، و مُجَاهِد، و مُحَمَّد بن السَّرِيّ، و عَطَاء بن سَائِبْ، و مُحَمَّد بن سَائب، و عبد الرَّزَّاق.

  • و من الروايات التي يرويها رواية عن إسماعيل بن إسحاق الراشديّ، عن يحيى بن هاشم، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عون بن عبيد الله، عن أبيه، عن جدّه أبي رافع أنه قال:

  • دخلت على رسول الله يوماً، و هو نائم أو أنه كان يوحى إليه، فرأيت حيّة في جانب البيت، فكرهت أن أقتلها فأوقظ النبيّ، فظننت أنه يوحى إليه. فاضطجعت بينه و بين الحيّة، فقلت: إن كان منها سوء، كان إليّ دونه.

  • فاستيقظ النبيّ و هو يقرأ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا.

  • ثمّ قال: الْحَمْدُ للهِ الذي أكْمَلَ لِعليّ نِعَمَهُ وَ هَنِيئاً لِعَلِيّ بِتَفضِيلِ اللهِ.

  • ثمّ قال لي: مالك هاهنا؟! فأخبرته بخبر الحيّة. فقال لي: اقتلها.

  • ففعلتُ، ثمّ أخذ بيدي و قال: يَا أبَا رَافِعٍ لِيَكُونَنَّ عَلِيّ مِنْكَ بِمَنْزِلَتِي غَيْرَ أنهُ لا نَبِيّ بَعْدِي! إنَّهُ سَيُقَاتِلُهُ قَوْمٌ يَكُونُ حَقّاً في اللهِ جِهَادُهُمْ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ جِهَادَهُمْ بِيَدِهِ فَجَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَجَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ؛ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيءٌ؛ وَ هُوَ على الْحَقِّ وَ هُمْ على الْبَاطِلِ.1

  • ثمّ خرج رسول الله من المنزل، و قال: أيّها الناس! من كان يحبّ أن

    1. جاءت هذه الرواية في« غاية المرام» ص 106، الحديث الحادي و العشرون عن العامّة، عن الحافظ أبي نعيم الإصفهايّ مرفوعاً. و ذكرها المجلسيّ في« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني ص 34 عن« أمالي» الشيخ الطوسيّ. و كذلك رواها السيّد البحرانيّ في« غاية المرام» ص 108 الحديث التاسع عن الخاصّة، عن« أمالي الشيخ الطوسيّ». و ذكر السيوطيّ أيضاً صدر هذه الرواية في« الدرّ المنثور» ج 2، ص 294.

معرفة الإمام ج۵

217
  • ينظر إلى أميني، فهذا أميني، يعني: أبا رافع.

  • قال محمّد بن عبيد الله: لمّا بويع علي بن أبي طالب عليه السلام و سار طلحة و الزبير إلى البصرة، و خالفه معاوية و أهل الشام. قال أبو رافع:

  • هذا قول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إنّه سيقاتل علياً قوم يكون حقّاً في الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، و من لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيء.

  • فباع أبو رافع داره و أرضه بخيبر، ثمّ خرج مع على بقبيلته و عياله و هو شيخ كبير ابن خمس و ثمانين سنة. ثمّ قال:

  • الْحَمْدُ للهِ، لَقَدْ أصْبَحْتُ وَ مَا أعْلَمُ أحَداً بِمَنْزِلَتِي؛ لَقَدْ بَايَعْتُ الْبَيعَتَينِ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ وَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ؛ وَ لَقَدْ صَلَّيْتُ الْقِبْلَتَيْنِ؛ وَ هَاجَرْتُ الْهِجَرَ الثَّلَاثَ.

  • فقيل له: ما الهجر الثلاث؟

  • قال: هجرة مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي إذ بعثه رسول الله؛ و هجرة إلى المدينة مع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و هذه هجرة مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى الكوفة.

  • ثمّ لم يزل معه حتى استشهد أمير المؤمنين عليه السلام و رجع أبو رافع مع الحسن عليه السلام إلى المدينة و لا دار له و لا أرض.

  • فقسّم له الحسن عليه السلام دار عليّ بن أبي طالب نصفين و أعطاه بينبع أرضاً أقطعها أيّاه. فباعها عبيد الله بن أبي رافع بعدُ من معاوية بمائتي ألف درهم و ستّين ألفاً.

  • قال أبو رافع: كان خاتم عليّ الذي تصدّق به و هو راكع حلقة فضّة فيها مثقال، عليها منقوش: الْمُلْكُ للهِ. و روي عن الحسن بن محمّد العلويّ، عن جدّه يحيى، عن أحمد بن يزيد، عن عبد الوهّاب، عن مخلّد،

معرفة الإمام ج۵

218
  • عن المبارك، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطّاب: أخرجت من مالي صدقة يتصدّق بها عنّي و أنا راكع أربعاً و عشرين مرّة على أن ينزل فيّ ما نزل في عليّ، فما نزل.1

  • و ذكر السيّد هاشم البحرانيّ قصّة أبي رافع و نزول آية الولاية على نفس النسق المذكور، و ذلك في «تفسير البرهان» نقلًا عن الشيخ الطوسيّ في أماليه بإسناده عن أبي رافع.2 و ذكر موجزاً لها في «غاية المرام» عن الحافظ أبي نعيم مرفوعاً، عن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه أبي رافع. و لذلك يمكن أن نعتبرها الحديث رقم (3) من «غاية المرام»، فلا حاجة عندئذٍ إلى إعادة عبارة «غاية المرام».3

  • كتاب عمرو بن العاص إلى معاوية حول التصدّق بالخاتم

  • 4- يقول موفّق بن أحمد الخوارزميّ، هو الذي يلقّبه مخالفونا في التشيّع: صَدْر الأئمّةِ، و أخْطَب خُطَبَاء خوارزم: في جواب مكاتبة معاوية إلى عمرو بن العاص، الذي دعاه إلى مساعدته ضدّ أمير المؤمنين عليه السلام، قال عمرو بن العاص:

  • لَقَدْ عَلِمْتَ يَا مُعَاوِيَةُ مَا انْزِلَتْ في كِتَابِهِ في عليّ مِنَ الآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ في فَضَائِلِهِ التي لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعَإلى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ».4 و قوله:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ

    1. «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، ج 9، ص 37 و ص 38.
    2. «تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، ج 1 ص 293 و ص 294.
    3. «غاية المرام» ص 106، الحديث 24 من الخاصّة. و قد ذكر العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه هذا الحديث كلّه في« تفسير الميزان» ج 6، ص 15 و ص 16، و روي صدره أيضاً في ص 23 عن الحمُّوئيّ.
    4. الآية 8، من السورة 76: الدهر.

معرفة الإمام ج۵

219
  • وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. و قوله: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ.1

  • و نحن نعلم أنّ الله قال فيه: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.2

  • و قد قال الله تعالى لرسوله فيه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.3

  • الولاية من أُصول الإسلام الثلاثة

  • 5- و روى الشيخ إبراهيم بن محمّد الحمّوئيّ، [و هو] من أعيان علماء العامّة [و أكابرهم]، بسنده عن سفيان بن إبراهيم الحريريّ، عن أبيه، عن أبي صادق، قال: قالَ عَلِيّ:

  • اصُولُ الإسْلَامِ ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ وَاحِدةٌ مِنْهُنَّ دُونَ صَاحِبِهِ: الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ الْوَلَايَةُ.

  • قال الواحديّ: و هذا منتزع من قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. و ذلك أنّ الله تعالى أثبت الموالاة بين المؤمنين، ثمّ لم يصفهم إلّا بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ. فمن و الى علياً، فقد و إلى الله و رسوله. و ذكر تعالى في آية اخرى أنه حبّبه إلى عباده المؤمنين، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا.4

  • ثمّ قال الواحديّ: [و لدينا رواية بإسناد متّصل] عن عطاء، عن ابن

    1. الآية 17، من السورة 11: هود.
    2. الآية 23، من السورة 33: الأحزاب.
    3. الآية 23، من السورة 42: الشوري.« غاية المرام» ص 103 و ص 104، الحديث العاشر عن العامّة؛ و« تفسير الميزان» ج 6، ص 21.
    4. الآية 96، من السورة 19: مريم.

معرفة الإمام ج۵

220
  • عبّاس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا. قال: نزلت في على بن أبي طالب، مَا مِنْ مُسْلِمٍ إلَّا وَ لِعلىِّ في قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ.

  • و قال الواحديّ [بعد ذلك، و لدينا رواية بإسناد متّصل] عن البراء [ابن عازب] قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: يَا عَلِيّ قُلِ اللهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْداً، وَ اجْعَلْ لِي في صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً! فَأنْزَلَ اللهُ: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» قَالَ: نَزَلَ في عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.1

  • 6- روى إبراهيم بن محمّد الحمّوئيّ بسنده المتّصل عن زيد بن عليّ ابن الحسين، عن أبيه، عن جدّه سيّد الشهداء عليه السلام، قال: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ: وقف لعليّ بن أبي طالب سائل و هو راكع في صلاة التطوّع فنزع خاتمه و أعطاه السائل. فأتى رسول الله فأعلمه بذلك، فنزلت على النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم. هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ. فقرأها رسول الله، ثمّ قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.2

  • و روى السيّد هاشم البحرانيّ في «تفسير البرهان» هذه الرواية بسند آخر عن «تفسير العيّاشيّ»، عن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن جدّه.3

  • و جاءت هذه الرواية عينها في «تفسير العيّاشيّ» عن خالد بن يزيد، عن معمّر بن مكّيّ، عن إسحاق بن عبد الله بن عليّ بن الحسين عليهما

    1. «غاية المرام» ص 105، الحديث 12 عن العامّة. و جاءت هذه الرواية نصّاً في« فرائد السِّمْطِينِ» ج 1، ص 79 و 80، الحديث 49 و 50 و 51.
    2. «غاية المرام» ص 106، الحديث 16 عن العامّة، و رواه بسند آخر عن الخاصّة في ص 108 نقلًا عن العيّاشيّ، الحديث 10.
    3. «تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة ج 1، ص 294؛ و« تفسير الميزان» ج 6، ص 22.

معرفة الإمام ج۵

221
  • السلام عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن جدّه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. و يضيف في ذيلها هذا الدعاء: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَ عَادِ مَن عَادَاهُ.1

  • و رواها المجلسيّ مع تتمّتها و ذيلها نقلًا عن «تفسير العيّاشيّ».2

  • و رواها المحدّث البحرانيّ أيضاً عن الحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ مرفوعة عن زيد بن الحسن، عن أبيه، عن عمّار بن ياسر.3

  • روايات الخاصّة في آية الولاية و قصّة الخاتم

  • 7- و عن محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده المتّصل، عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:

  • قال زرارة: سألته عن قول الله عزّ و جلّ: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.4 قال:

  • أنّ اللهَ أعْظَمُ وَ أعَزُّ وَ أجَلُّ مِنْ أنْ يُظْلَمَ وَ لَكِنَّهُ خَلَّطَنَا بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ ظُلْمَنَا ظُلْمَهُ، وَ وَلَايَتَنَا وَلَايَتَهُ حَيْثُ يَقُول: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» يَعْني الأئمَّةَ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: «وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ».5 ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.6

  • و ذكر هذه الآية أيضاً في موضع آخر قاصداً المعنى نفسه.

    1. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 327، الرقم 137. و جاء أيضاً في« غاية المرام» ص، 108، الحديث 10 عن الخاصّة، عن العيّاشيّ؛ و كذلك رواه العلّامة في« تفسير الميزان» ج، 6 ص 16.
    2. «بحار الأنوار» ج 9، طبعة كمباني ص 34 و 35؛ و ذكرها البحرانيّ أيضاً في« تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، ص 294 نقلًا عن« الاحتجاج».
    3. «غاية المرام» ص 106، الحديث الثامن عشر عن العامّة.
    4. الآية 57، من السورة 2: البقرة.
    5. الآية 160، من السورة 7: الاعراف.
    6. «غاية المرام» ص 107، الحديث الثالث عن الخاصّة.

معرفة الإمام ج۵

222
  • 8- عن محمّد بن يعقوب، عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذَيْنة، عن زُرَارَة، وَ فُضَيْل بن يَسَار، و بُكَيْربن أعْيُن، و محمّد بن مُسْلِم، و يزيد بن مُعَاوية، و أبو الْجَارُود جميعاً عَنِ البَاقِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: أمر الله عزّ و جلَّ رسوله بولاية على أمير المؤمنين، و أنزل عليه:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ؛ و فرض من ولاية اولي الأمر، فلم يدروا ما هي فأمر الله محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ.

  • فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله، و تخوّف أن يرتدّوا عن دينهم، و أن يكذبّوه، فضاق صدره و راجع ربّه عزّ و جلّ فأوحى الله إليه:

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.1

  • فصدع بأمر الله عزّ ذكره فقام بولاية على عليه السلام يوم غدير خمّ، فنادى: الصَّلَاةُ جَامِعَةً، و أمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب.

  • قال عُمَرُ بْنُ اذَيْنَة: قالوا جميعاً غير أبي الجارود: قال الباقر عليه السلام: و كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزّ و جلّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.2 قال الإمام: يقول الله عزّ و جلّ: لا انزل عليكم بعد هذه فريضةً،

    1. الآية 67، من السورة 5: المائدة.
    2. الآية 3، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۵

223
  • قد أكملت لكم الفرائض.1

  • 9- عن محمّد بن يعقوب بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن على بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام: الأوصياء أنّ طاعتهم مفترضة؟ قال، فقال: نعم، هم الذين قال الله فيهم: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.2 و هم الذين قال الله فيهم:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.3

  • 10- عن «تفسير على بن إبراهيم»، عن أبيه، عن صفوان، عن أبان ابن عثمان، عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم جالس و عنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول الله إلى المسجد، فاستقبله سائل، فقال صلّى الله عليه و آله و سلّم: هل أعطاك أحد شيئاً؟

  • قال: نعم، ذلك المصلّي، فجاء رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فإذا هو

    1. جاء ذلك في« غاية المرام» ص 107، الحديث الخامس عن طريق الخاصّة، و رواه أيضاً في« تفسير البرهان» ص 293 من الطبعة الحجريّة بهذه الاسناد نفسها. و رواه في« تفسير الميزان» ج 6، ص 14 عن« الكافي». و ذكر الكلينيّ في« الأصول من الكافي» ج 1، ص 289.
    2. الآية 59، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 55 من السورة 5: المائدة.« غاية المرام» ص 107، الحديث الرابع عن الخاصّة، و كذلك ذكره في ص 108 في الحديث السابع عن« اختصاص» المفيد، و ذكر الكلينيّ هذا المفاد بسند آخر و ذلك في« اصول الكافي» ج 1، ص 187. و ص 189 أيضاً.
      و نقله العلّامة في« تفسير الميزان» ج 6، ص 19 نقلًا عن« اختصاص» المفيد و رواه أيضاً عن« الكافي» عن الحسين بن أبي العلاء، و كذلك ذكره البحرانيّ في« تفسير البرهان» ج 1، ص 293.

معرفة الإمام ج۵

224
  • على [بن أبي طالب] عليه السلام.1

  • و ذكر المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» عن «تفسير على بن إبراهيم».2 و نقلها البحرانيّ أيضاً في «تفسير البرهان» عن على بن إبراهيم.3

  • رواية ابن أبي يعفور في شأن الولاية

  • 11- و عن «تفسير العيّاشيّ» عن ابن أبي يعفور قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: أعرض عليك ديني الذي أدين الله به؟!

  • قال: هاته.

  • قلتُ: أَشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أشْهَدُ أنّ محَمَّداً رَسُولُ اللهُ؛ و اقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللهِ. [قال ابن أبي يعفور]: ثمّ وصَفت له الأئمّة حتى انتهيت إلى أبي جعفر عليه السلام، قلتُ:

  • و أقول فيك ما أقول فيهم.

  • فقال: أنهاك أن تذهب باسمي في الناس.

  • قال أبان، راوي هذه الرواية: قال ابن أبي يعفور: قلتُ له مع الكلام الأوّل، و أزعم أنهم الذين قال الله في القرآن: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

  • فقال أبو عبد الله: و الآية الأخرى!

  • قلتُ له: جعلت فداك! أيّ آية؟!

    1. «غاية المرام» ص 107 و 108، الحديث السابع عن الخاصّة، و« تفسير على بن إبراهيم» ص 158، و« تفسير الميزان» ج 6، ص 15.
    2. «بحار الأنوار» طبعة كبماني ج 9، ص 34.
    3. «تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة ص 293. و ذكر الفخر الرازيّ في تفسيره رواية عبد الله بن سلام( الجزء الثالث من الدورة المطبوعة في ثمانية أجزاء، ص 618، طبعة دار الطباعة العامرة).

معرفة الإمام ج۵

225
  • قال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • ثمّ قال لابن أبي يعفور: رحمك الله!

  • قلتُ: تقول: رحمك الله على الإقرار بهذا الأمر؟!

  • قال: رحمك الله على هذا الأمر!1

  • و روى المجلسيّ رضوان الله عليه هذا الحديث عن «تفسير العيّاشيّ» حتى بيان الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ و لم يذكر ذيله.2

  • 12- عن «تفسير العيّاشيّ» بإسناده عن المفضّل بن صالح، عن بعض الأصحاب، عن أحدهما: الباقر أو الصادق عليهما السلام: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» شُقَّ ذَلِكَ على النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ خَشِيَ أنْ يُكَذِّبَهُ قُرَيْشٌ فَأنْزَلَ اللهُ.

  • «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» فَقَامَ بِذَلِكَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ.3

  • و ذكر المجلسيّ رضوان الله عليه هذا الحديث كلّه.4

  • 13- عن «تفسير العيّاشيّ» عن أبي جميلة، عن بعض الأصحاب، عن أحد الإمامين، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: انّ اللهَ أوْحَى إليّ أنْ احِبَّ أرْبَعةً: عَلَيّاً وَ أبَا ذَرًّ وَ سَلْمَانَ وَ مِقْدَادَ؛ فَقُلْتُ: ألَا فَمَا كَانَ مِنْ

    1. «غاية المرام» ص 108، الحديث 11 عن الخاصّة؛ و في« تفسير العيّاشيّ» ص 327 ج 1، الحديث 138؛ و في« تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 194.
    2. «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، ج 9، ص 35.
    3. «غاية المرام» ص 108، الحديث 13 عن الخاصّة، و« تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 328؛ و جاء في« تفسير البرهان» ص 195، و« تفسير الميزان» ج 6، ص 16.
    4. «بحار الأنوار» ج 9، ص 35.

معرفة الإمام ج۵

226
  • كَثْرَةِ النَّاسِ؟ أ مَا كَانَ أحَدٌ يَعْرِفُ هَذَا الأمْرَ؟ فَقَالَ: بلى ثَلَاثَةٌ!

  • قُلْتُ: هَذِهِ الآيَاتُ انْزِلَتْ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا»، و قولُهُ: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، أ مَا كَانَ أحَدٌ يَسْألُ فِيمَ نَزَلَتْ؟!

  • فَقَالَ: مِنْ ثَمَّ أتَاهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَسْألُونَ.1

  • و أورد المجلسيّ هذه الرواية كلّها في «بحار الأنوار».2

  • 14- عن «تفسير العيّاشيّ» بإسناده عن الفضيل، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا، قال:

  • هُمُ الأئِمَّةُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.3

  • و ذكر المجلسيّ هذه الرواية أيضاً.4

  • مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر في شأن آية الولاية

  • 15- عن ابن بابويه بإسناده، عن أبي سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه في حديث مُنَاشَدة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر حين ولى أبو بكر الخلافة، و ذكر فضائله عليه السلام لابي بكر و النصوص عليه من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فكان فيما قال له عليه السلام:

  • أنْشُدُكَ باللهِ إلى الْوَلَايَةُ مِنَ اللهِ مَعَ وَلَايَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ

    1. «غاية المرام» ص 108، الحديث الرابع عشر عن الخاصّة، و« تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 328، و« تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة ج 1، ص 295، و« تفسير الميزان» ج 6، ص 16 و 17.
    2. «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني ج 9، ص 35.
    3. «غاية المرام» ص 108، الحديث الخامس عشر عن الخاصّة، و« تفسير العيّاشيّ» ج 1 ص 328 و ص 329؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 295.
    4. «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، ج 9، ص 35.

معرفة الإمام ج۵

227
  • وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في آيَةِ زَكَاةِ الْخَاتَمِ، أمْ لكَ؟! قَالَ: بَلْ لَكَ!1

  • 16- [عن] الشيخ الطوسيّ في كتاب «المجالس» بإسناده إلى أبي ذرّ في حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام عُثمَان، و الزُّبَيْر، و عَبْدَ الرَّحمنِ بْنَ عَوْف، و سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص يوم الشورى، و احتجاجه عليهم بما فيه من النصوص من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و الكلّ منهم يصدّقه فيما يقوله، فكان ممّا ذكره:

  • فَهَلْ فِيكُمْ أحَدٌ أتى الزَّكَاةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» غَيرى؟ قَالُوا: لَا.2

  • رواية الإمام الهاديّ عليه السلام في شأن الولاية و قصّة الخاتم

  • 17- عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسيّ في كتاب «الاحتجاج» في رسالة [الإمام] أبي الحسن الثالث: عَلِيّ بْنِ محَمَّد الهَادِيّ عليه السلام إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض: قال عليه السلام:

  • اجتمعت الامّة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، و على تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَا تَجْتَمِعُ امتى على ضَلَالَةٍ. فأخبر عليه السلام أنّ ما اجتمعت عليه الامّة و لم يخالف بعضها بعضاً هو الحقّ.

  • فهذا معنى الحديث لا ما تأوّله الجاهلون، و لا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، و اتّباع أحكام الاحاديث المزوّرة، و الروايات

    1. «غاية المرام» ص 108، الحديث السادس عشر عن الخاصّة. و جاءت هذه الرواية في« تفسير الميزان» ج 6، ص 17.
    2. «غاية المرام» ص 108، الحديث السابع عشر عن الخاصّة. و جاءت هذه الرواية في« تفسير الميزان» ج 6، ص 17.

معرفة الإمام ج۵

228
  • المزخرفة، و اتّباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نصّ الكتاب، و تحقيق الآيات الواضحات النيّرات، و نحن نسألُ الله أن يوفّقنا للصلاة و يهدينا إلى الرشاد.

  • ثمّ قال عليه السلام: فإذا شهد الكتاب بصدق خبر و تحقيقه فأنكرته طائفة من الامّة و عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزوّرة، فصارت بإنكارها و دفعها الكتاب ضلالًا. و أصحّ خبر ممّا عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال:

  • إِنِّي مُسْتَخْلِفٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَينِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي. مَا إن تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوْضَ.

  • و اللفظة الاخرى عنه في هذه المعنى بعينه، قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي: أهْلَ بَيْتِي، وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوضَ، مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا.

  • فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصّاً في كتاب الله، مثل قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • ثُمّ اتّفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام أنه تصدّق بخاتمه و هو راكع، فشكر الله ذلك له، و أنزل الآية فيه.

  • ثمّ وجدنا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قد أنابه من أصحابه بهذه اللفظة: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَن عَادَاهُ!1 و قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: عَلِيّ يَقْضِي دَيْنِي، وَ يُنْجِزُ

    1. ذكر المولي جلال السيوطيّ في تفسير« الدرّ المنثور» إحدي عشرة رواية بأسناد مختلفة في شأن نزول آية الولاية، و تصدّق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه. و قد خرّج الطبرانيّ في« الاوسط» و ابن مَرْدَوَيْه عن عمّار بن ياسر ما جاء في ذيل إحداها قوله( مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ)- تفسير« الدرّ المنثور» ج 2، ص 293 و 294.
      و ذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسير« جامع البيان عن تأويل آية القرآن» حول تفسير هذه الآية المباركة و شأن نزولها في على بن أبي طالب عليه السلام و تصدّقه بخاتمه خمس روايات عن السدّيّ، و الإمام أبي جعفر عليه السلام، و عتبة بن حكيم، و مجاهد.-(« تفسير الطبريّ»، الطبعة الثانية 1373، ص 288 و ص 289 من الجزء السادس).

معرفة الإمام ج۵

229
  • مَوْعِدِي، وَ هُوَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ بَعْدِي.

  • و قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم حين استخلفه على المدينة، فقال:

  • يَا رَسُولَ اللهِ! أ تُخَلِّفُنِي عَلى النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أ مَا تَرْضَى أن تكونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لا نَبِيّ بَعْدِي.

  • فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، و تحقيق هذه الشواهد فيلزم الأمّة الإقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن و وافق القرآن هذه الأخبار. فلمّا وجدنا ذلك موافقاً لكتاب الله، و وجدنا كتاب الله موافقاً لهذه الأخبار، و عليها دليلًا كان الاقتداء فرضاً لا يتعدّاه إلّا أهل العناد و الفساد.1

  • احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام و سائر الائمّة عليهم السلام بآية الولاية و التصدّق بالخاتم

  • 18- عن الطبرسيّ في «الاحتجاج» في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: قال المنافقون لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: هل بقيّ لربّك علينا بعد الذي فرض علينا شيء آخر يفترضه فتذكر فتسكن أنفسنا إلى


    1. 1-« غاية المرام» ص 109، الحديث 18 عن الخاصّة، و« الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف، ج 2، ص 251 إلي ص 253، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 295 الطبعة الحجريّة، و« تفسير الميزان» ج 6، ص 17 و ص 18، و« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني ج 8، ص 34.

معرفة الإمام ج۵

230
  • أنه لم يبق غيره؟!

  • فأنزل الله في ذلك: «قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ» يَعْنِي الْوَلَايَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ». وَ لَيْسَ بَيْنَ الامَّة خِلَافٌ أنهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ يَؤْمَئذٍ وَ هُوَ رَاكِعٌ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَوْ ذُكِرَ اسْمُهُ في الْكِتَابِ لُاسْقِطَ مَعَ مَا اسْقِطَ مِن ذِكْرِهِ.

  • وَ هَذَا وَ مَا أشْبَهَهُ مِنَ الرُّمُوزِ التي ذَكَرْتُ لَكَ ثُبُوتَهَا في الْكِتَابِ لِيَجْهَلَ مَعْنَاهَا الْمُحَرِّفُونَ فَيَبْلُغَ إلَيْكَ وَ إلى أمْثَالِكَ؛ وَ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

  • «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً».1

  • يقول السيّد هاشم البحرانيّ هنا: كفى بالإمام على بن محمّد الهاديّ عليه السلام ناقلًا الإجماع على أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، و قوله أيضاً حجّة فلا مزيد على ذلك.2

  • لقد احتجّ أمير المؤمنين عليه السلام و سائر الأئمّة الطاهرين عليهم السلام بآية الولاية و التصدّق بالخاتم في مواضع كثيرة؛ و ذكروا ذلك شاهداً و دليلًا عند مخاصمتهم المنكرين و الزاعمين خلافه. و لم يُر أحد قطّ أنكر دلالة الآية على ولاية أمير المؤمنين.

  • و ممّا ذكره الطبرسيّ: احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بآية الولاية

    1. «غاية المرام» ص 109، الحديث 19 عن الخاصّة؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 295؛ و« الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف، ج 1، ص 379؛ و« تفسير الميزان» ج 6، ص 18 إلي هنا إذ يقول: غير رجُلٍ وَاحِدٍ بعينه.
    2. «غاية المرام» ص 109.

معرفة الإمام ج۵

231
  • يوم الشورى على أصحاب الشورى (الزُّبَير، وَ طَلْحَة، وَ عُثْمَان، وَ سَعْد، وَ عَبْد الرَّحْمَن) و ذلك ضمن مناشدة و احتجاج مفصّل:

  • قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ: هَلْ فِيكُمْ أحَدٌ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» غَيرى؟! قَالُوا: لَا.1

  • و ممّا نقله الطبرسيّ ضمن احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على المهاجرين و الأنصار:

  • قَالَ: فَأنْشُدُكُمْ بِاللهِ: أ تَعْلَمُونَ حَيْثُ نَزَلَتْ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»،2 وَ حَيْثُ نَزَلَتْ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ». وَ حَيْثُ نَزَلَتْ: «وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً».3

  • قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ خَاصَّةٌ في بَعْضِ الْمُؤمِنِينَ أمْ عَامَّةٌ لِجَمِيعِهِمْ؟!

  • فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يُعْلِمَهُمْ وُلَاةَ أمْرِهِمْ وَ أنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ مِنَ الْوَلَايَةِ مَا فَسَّرَ لَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَ زَكَاتِهِمْ وَ صَوْمِهِمْ وَ حَجِّهِمْ، فَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ عَلَماً بِغَدِيرِ خُمٍّ؟ الحديث.4

  • و ممّا أورده الطبرسيّ من احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على المهاجرين و الأنصار، رواية يرويها عن سُليم بن قَيس يقول فيها «سأل

    1. «الاحتجاج» طبعة النجف ج 1، ص 202.
    2. الآية 59، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 16، من السورة 9: التوبة.
    4. «الاحتجاج» ج 1، ص 213.

معرفة الإمام ج۵

232
  • رجل على بن أبي طالب عليه السلام، فقال- و أَنا أسمع-: أخبرني بأفضل منقبة لك!

  • قال: ما أنزل الله في كتابه.

  • قال: و ما أنزل الله فيك؟!

  • قال: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ.1

  • [قال] أنا الشاهد من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم!

  • و قوله: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.2

  • أ إيّأي عني بمن عنده علم الكتاب؛ فلم يدع شيئاً أنزل الله فيه إلّا ذكره. مثل قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • و قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. و غير ذلك- الحديث.3

  • أوصاف و قيمة الخاتم الذي تصدّق به

  • يقول البحرانيّ: روى عَمَّار السَّابَاطِيّ عن الإمام الصادق عليه السلام «أنّ الخاتم الذي تصدّق به أمير المؤمنين عليه السلام وزن أربعة مثاقيل حلقته من فضّة، و فصّه خمسة مثاقيل، و هو من ياقوتة حمراء. و ثمنه خراج الشام، و خراج الشام ثلاثمائة حمل من فضّة و أربعة أحمال من ذهب. و كان الخاتم لمران بن طوق، قتله أمير المؤمنين عليه السلام و أخذ الخاتم من إصبعه، و أتى به إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم من جملة

    1. الآية 17، من السورة 11: هود.
    2. الآية 43، من السورة 13: الرعد.
    3. «الاحتجاج» ج 1، ص 231 و ص 232.

معرفة الإمام ج۵

233
  • الغنائم. و أمره النبيّ أن يأخذ الخاتم!1 فأخذ الخاتم، و أقبل و هو في إصبعه و تصدّق به على السائل في أثناء صلاته و هو يصلّي خلف النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و قال الغَزَالىّ في كتاب «سِرُّ الْعَالَمِينَ» أنّ الخاتم الذي تصدّق به أمير المؤمنين عليه السلام كان خاتم سُلَيمان بن دَاوُد عليه السلام. و قال الشيخ الطوسيّ: أنّ التصدّق بالخاتم كان في يوم الرابع و العشرين من ذي الحجّة. و ذكر ذلك صاحب كتاب «مَسَارُّ الشِّيعة». و ذكر انه أيضاً من المُبَاهَلَة.2

  • و ذكر العلّامة الامينيّ في الجزء الثالث من كتاب «الغدير» من ص 156 إلى ص 162 أسماء ستّة و ستّين شخصاً من حفّاظ أهل السنّة و مشايخهم الكبار مع عناوين كتبهم، كلّهم ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام. و حينئذٍ فإنّ إنكار ابن تيميّة المعاند للشيعة و المروّج للحزب الامويّ ليس إلّا مكابرة للحقّ و إنكاراً لامر بديهيّ واضح.

  • مجمل كلام العلّامة الطباطبائيّ في شأن آية الولاية

  • هذا و قد استعرض سماحة الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه آية الولاية و ناقشها مناقشة بليغة مركّزة، مُقتطفاً من كلّ مجموعة من الروايات الواردة رواية تناسب هذا المقام. و قال في آخر كلامه:

    1. لأنّ القاعدة في الإسلام عند الحرب مع الكفّار تقول: مَنْ قَتَل قَتيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ مِن لباس، و خاتم، و قلنسوة، و درع، و سيف، و رمح و غيرها، فهذه كلّها للقاتل و ليس لاحد فيها حقّ غيره. و هذه هي غير الغنائم الحربيّة التي تؤخذ من جميع الكفّار، و تقسّم على المسلمين.
    2. «غاية المرام» ص 109، و ذكر البحرانيّ هذا الموضوع أيضاً في ج 1 من« تفسير البرهان»، ص 296 من الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۵

234
  • «و الروايات في نزول الآيتين في قصّة التصدّق بالخاتم كثيرة أخرجنا عدّة منها من كتاب «غَايَةُ الْمَرام» للبحرانيّ، و هي موجودة في الكتب المنقول عنها، و قد اقتصرنا على ما نقل عليه من اختلاف اللحن في سرد القصّة.

  • و قد اشترك في نقلها عدّة من الصحابة كأبي ذَرّ الغِفاريّ، وَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبّاس، و أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَ عَمَّار بْنِ يَاسِرِ، وَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأنصارِيّ، وَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، وَ أبي رَافِعٍ، وَ عَمْرو بْنِ العَاصِ، وَ عليّ بنِ أبي طَالِبٍ، وَ الْحُسَيْنِ بْنِ عليّ، و كذا من غير الصحابة كالسجّاد، و البَاقِر، و الصَّادِقِ، و الْهَادِيّ، و غيرهم من أئمّة الحديث و الرواية.

  • و قد اتّفق على نقلها من غير ردٍّ أئمّة التفسير المأثور كأحمد بن حَنْبَل، و النَسائيّ، و الطَّبَرِيّ، و الطَّبَرانيّ، و عَبد بن حَمِيد، و غيرهم من الحفّاظ و أئمّة الحديث.

  • و قد تسلّم ورود الرواية المتكلّمون، و أوردها الفقهاء في مسألة الفعل الكثير من بحث الصلاة، و في مسألة «هل تسمّى صدقة التطوّع زكاة» و لم يناقش في صحّة انطباق الآية على الرواية فحول الادب من المفسّرين كالزَّمَخْشَرِيّ في «الكَشّاف» و أبي حَيّان في تفسيره، و لا الرواة النقلة و هم أهل اللسان.

  • فلا يعبأ بما ذكره بعضهم: أنّ حديث نزول الآية في قصّة الخاتم موضوع مختلق. و قد أفرط بعضهم كابن تيميّة فادّعى إجماع العلماء على كون الرواية موضوعة؟ و هي من عجيب الدعاوى، و قد عرفت ما هو الحقّ في البيان المتقدّم.1

    1. «تفسير الميزان» ج 6، ص 23 و ص 24. و قد ناقش سماحة الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ هذا الموضوع من أوّل هذا الجزء حتى ص 24 منه. و خصّص تلك الصفحات للحديث حول هذا الموضوع و إثبات صحّته، و تحقّق قصّة الخاتم، و تفسير الآيتين الواردتين في هذا الباب.

معرفة الإمام ج۵

235
  • بيان آية الولاية و تفسيرها

  • كان ما تقدّم من حديث في صدد شأن نزول آية الولاية. و علمنا أنّ ثمّة روايات كثيرة و مستفيضة بل و متواترة حول نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام مضافاً إلى الإجماع و ادّعاء الإجماع و الاتّفاق؛ و لنر الآن: ما هي دلالة الآية؟ و ما هي دلالتها من منظار فقه القرآن؟

  • الوَّليّ كما ذكرنا صيغة فَعِيل من مصدر الولاية. و كما قال الراغب الاصفهانيّ في «مفردات القرآن» الْوَلاء (بفتح الواو) وَ التَّوَالى أنْ يَحْصُلَ شَيْئانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا.

  • فهذه هي حقيقة معنى الولاية؛ و أمّا المعاني الأخرى لها كالنصرة، و المحبّة، و المودّة، و التصرّف في الأمور، و ولاء العتق و أمثالها فترجع إلى ذلك الاصل. و قد اطلق كلّ واحد منها مع الخصوصيّات التي يحملها في موضوعه و ذلك في أيّ موضع من المواضع، مع الاحتفاظ بالمعنى الاصليّ المذكور.

  • و من هذا المنطلق، فإنّ لفظ الوَلَاية ليس له معان عديدة على نحو الاشتراك اللفظيّ، بل له معنى واحد على نحو الاشتراك المعنويّ. و قد استعمل في هذه المواضع و العناوين المتنوّعة من باب انطباق ذلك الامر الواحد على هذه المصاديق. و متى لم تكن هناك قرينة لصرف المعنى الحقيقيّ إلى المجازيّ، و ملاحظة خصوصيّة الحالة التي يستعمل فيها عينها، و استهداف خصوصيّة التصرّف، و المحبّة، و العِتق و أمثالها، فإنّ المقصود هو المعنى الاصليّ و الحقيقيّ؛ و حيثما لم نستطع أن نترك المعنى الاصليّ و العامّ و شأنه، فإنّنا نقتصر على أحد المعاني الموضوعيّة

معرفة الإمام ج۵

236
  • و المصاديق المعيّنة، مع وجود القرينة.

  • هذا هو معنى لفظ الولاية مع مشتقّاته التي تمّ اشتقاقها من هذا المصدر؛ و لذلك يستعار للقرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و الصداقة، و النصرة، و الاعتقاد.

  • قال الراغب: و قولهم تَولّي إذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية و حصوله في أقرب المواضع، منه يقال: وَلَّيْتُ سَمْعي كَذَا؛ وَ وَلَّيْتُ عَيْنِي كَذَا، وَ وَلَيْتُ وَجْهِي كَذَا. قال الله عَزَّ وَ جَلَّ: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها.1

  • و قال: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.2 و قال: وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.3

  • و إذا عُدِّي بعن لفظاً أو تقديراً، اقتضى معنى الإعراض و ترك قربه- انتهى.4

  • و يستفاد ممّا قيل أنّ الوَلَاية هي القرب الخاصّ. و إذا ما لوحظت في الأمور المعنويّة، فهي تتطلّب أن يكون للوليّ حقّ لا يكون لغيره إلّا بواسطته.

  • و لذلك فإنّ جميع ما يخصّه من تصرّفات في شئونه و اموره، يستطيع أن يقوم بها شخص ذو شأن. و تكون قابلة للنيابة و الاستخلاف عند ما يقوم الوَليّ بها كوليّ الميّت؛ لأنّ للوارث ولاية. حيث أنّ جميع ما كان يتصرّف به الإنسان في أمواله قبل موته، يتصرّف به وليّه الذي هو وارثه. و تسمّى هذه الولاية: وَلاية الوِراثة.

  • و كوَليّ الصغير فإنّه عند ما يتصرّف في شئون الصغير، فإنّه

    1. ( 1 و 2 و 3)- الآية 144، من السورة 2: البقرة.
    2. ( 1 و 2 و 3)- الآية 144، من السورة 2: البقرة.
    3. ( 1 و 2 و 3)- الآية 144، من السورة 2: البقرة.
    4. «المفردات» طبعة سنة 1381 ه-، ص 534.

معرفة الإمام ج۵

237
  • يتصرّف فيها بولايته.

  • و كوليّ النصرة فإنّة يقدّم كلّ أنواع العون و المساعدة بغية الدفاع في الحالات المستوجبة لذلك.

  • و من الواضح، فإنّ الله تعالى وليّ العباد في تدبير امورهم الدنيويّة و الأخرويّة؛ و هو وليّ المؤمنين في تدبير أمر الدِّين و الدعوة و هدايتهم نحو الكمال، من خلال منّه بالتوفيق و رفع الموانع و اقتلاع الحواجز. و النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم وليّ العباد و المؤمنين بولاية الله و بإذنه.

  • و أمير المؤمنين عليه السلام له الولاية على امّة رسول الله بولاية الله تعالى، و لذلك ينبغي لنا أن نأخذ الولاية بمعناها الحقيقيّ و الاصليّ في الآية الكريمة: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا و هو ما يتطلّب التصرّف في الأمور، و الاولويّة في النفس و المال و العرض و الدين.

  • لقد جاءت هذه الولاية في الآية المباركة بصيغة المفرد، حيث قالت: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ» و الخبر هو «وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا»، إذ أنّ الولاية أمر واحد لا يقبل التعدّد و التكثّر إلّا بلحاظ الظروف التي تدعو إلى ذلك مجازاً و اعتباراً، و من المعلوم أنّ أصل الولاية ينحصر في ذات الحقّ تبارك و تعالى، و هو لرسول الله و غير رسول الله بالتَّبَعِ و المجاز.

  • و ما جاءت أداه الحصر «إِنَّما» إلّا لتبيّن أنّ هذه الحقيقة مقصورة على الله و رسوله و خلفائه بالحقّ، فقد رفعت كلّ الحجب؛ فلم يبق بين ذات الحقّ المقدّسة و بينهم فاصلة و حجاب.

  • و من هذا المنطلق، فإنّ الولاية أمر واحد، و ولاية الله و رسوله و المتصدّق راكعاً هي ولاية واحدة ذات معنى واحد. و الشاهد على هذا المعنى هو ما جاء في ذيل الآية: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ. أي أنّ الذين قبلوا ولاية الله و رسوله و أمير المؤمنين كلّهم حِزْبُ الله، لأنهم يستظلّون

معرفة الإمام ج۵

238
  • بهذه الولاية التي تمثّل أمراً واحداً و هي لله، و حزبه- طبعاً- هم الغالبون.

  • و ينبغي أن نعلم أنّ قوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. كان مقصوراً في عصر رسول الله على أمير المؤمنين الذي يمثّل وحده مصداقه الخارجيّ، لكن هذا لا يعني أنه قد استعمل خاصّاً به، أي: أنّ لفظ الجمع قد استعمل في معنى المفرد، بل أنّ مصداق ذلك اللفظ كان واحداً. و هذا النوع من الاستعمال شائع و رائج كثيراً، و هو متداول في كلام أهل البلاغة و الفصاحة، و لعلّه يعتبر من المحسّنات في الكلام أحياناً إذ يقال أنّ للفظ الكلّيّ معنى عامّاً. و هذا هو المقصود، إلّا أنّ هذا الكلّيّ ليس له في الخارج غير مصداق واحد أو مصداقين.

  • من الطبيعيّ أنّ استعمال الجمع في المفرد غير صحيح، بَيدَ أنه لا إشكال في استعمال الجمع بمعنى الجمع مع إرادة فرد خاصّ من باب انطباق ذلك الجمع على هذا المفرد؛ و المسلّم هو أنّ المراد من قوله:

  • وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا هو معنى الجمع من حيث الاستعمال الأدبيّ، إلّا أنّ مصداقه الخارجيّ لم يكن أكثر من إنسان واحد، و هو أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و لعل السرّ من وراء التعبير بلفظ الجمع هو: أوّلًا: ليشعر أنّ إعطاء هذا المنصب لم يكن جزافاً و اعتباطاً، بل بسبب ملكات و صفات تفرّد بها سيّدنا على بن أبي طالب عليه السلام.

  • و ثانياً: و من هذا المنطلق فقد ظلّت الآية الشريفة على كلّيّتها و شملت الأئمّة الأثني عشر، خلفاء رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بالحقّ، و جعلتهم جميعاً تحت هذا العنوان.

  • و ذكر الشيعة هذا الموضوع في تفاسيرهم بشكل واضح و مفصّل، و برهنوا على ولاية أمير المؤمنين على بن أبي طالب من خلال الروايات الكثيرة المسلّمة الواردة في شأن النزول. و ذكروا هذه الآية كإحدى الآيات

معرفة الإمام ج۵

239
  • القرآنيّة الكريمة الواردة في ولايته الملازمة للإمامة.

  • الردّ على العامّة و الفخر الرازيّ في تفسير الآية الشريفة

  • و أمّا العامّة الذين ينتهجون مذهباً أساسه مخالف لهذه الولاية، فإنّهم مع إقرارهم و اعترافهم بشأن نزول الآية في أمير المؤمنين عليه السلام وفقاً للروايات الكثيرة التي يرويها حفّاظهم و أعلامهم و الاخصائيّون منهم في هذا العلم، كما جاء ذلك في مصادرهم، إلّا أنهم ذهبوا مذاهب شتّى في تأويل الآية و تبريرها لكي يصرفوا دلالتها على ولايته الملازمة لامامته إلى ما ينسجم مع توجّهاتهم.

  • و من هؤلاء الفخر الرازيّ الذي بذل قصارى جهده في تفسيره ليحول دون استنتاج إمامة و ولاية مولى المتّقين و إمام الموحّدين من هذه الآية، و لكن- و كما سترى فإنّ هذه المحاولات العاثرة سوف لا تكون إلّا حسرة عليه، و كما قال عزّ من قائل: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً.1

  • إذ متى استطاع الذباب بحركاته أن يغطّي وجه الشمس؟ و يحجب شعاعها المتألّق؟ و أنى له ذلك؟

  • از همه محرومتر خفّاش بود***كو عَدُوي آفتاب فاش بود 2

  • و فيما يلي مؤاخذات الفخر الرازيّ واحدة بعد الأخرى مشفوعة

    1. جاءت هذه الفقرة في الآية 36، من السورة 8: الانفال. و الآية هي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ.
      فأموالهم ذهبت منهم و لم يبغلوا هدفهم. و قد استشهدنا بهذه الآية ليتبيّن لنا أنّ أمثال الفخر الرازيّ المعاندين للشيعة قد وظّفوا علومهم و أفكارهم في سبيل صرف معاني الآيات عن أهل البيت، و بالتالي يكون ذلك عليهم حسرة، لانهم يندحرون أمام المنطق، و تذهب علومهم هباءً منثوراً، دون أن يقتطفوا منها ثمرةً؛ ذلك لانّ الشمس قد أشرقت متلألئة لذي عينين.
    2. يقول الشاعر هنا: إنّ الخفّاش أكثر حرماناً من جميع الكائنات، لانه عدوّ مكشوف للنور.

معرفة الإمام ج۵

240
  • بأجوبتنا عليها، نذكرها هنا ليتبيّن لكم كم نكب عن الصراط و قسط حائداً عن الطريق المستقيم!

  • 1- يقول: لمّا كانت هاتان الآيتان بين آيتين من الآيات التي تنهى عن ولاية اليهود و النصارى، و كان المراد من ولايتهم نصرتهم و إعانتهم؛ لذلك فإنّ المقصود من الولاية في هاتين الآيتين أيضاً هو النصرة. و الآيتان هما: الأولى: آية 51 من هذه السورة، سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

  • الثانية: الآية 57 منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

  • فوحدة السياق تقتضي أنّ المراد من الولاية في هذه الآيات جميعها معنى واحد. و لا يمكن أن يكون المراد من آيات النهي عن اتّخاذ اليهود و النصارى أوليآء هو النصرة و المراد من آية اتّخاذ ولاية الله و رسوله و المؤمنين الموصوفين بالاوصاف المذكورة هو جعلهم أصحاب التصرّف في الشؤون المختلفة، و جعلهم أئمّة.

  • و الجواب هو: ما هو الدليل على أن نجعل الولاية في الآيات السابقة و اللاحقة بمعنى النصرة، حتى يحلو لنا أن نحمل هذه الآية على المعنى نفسه؟! فهذا الاحتمال رجم بالغيب و زعم بلا دليل. فالولاية في هذه الآيات كلّها هي بنفس معناها الاصليّ و الحقيقيّ، و هو رفع الحجاب و الفاصلة، و عدم البينونة بين شيئين.

  • و في آيات النهيّ عن اتّخاذ الكفّار و اليهود و النصارى أوليآء، يحذّرنا الله من مجاراتهم و مودّتهم و محبّتهم، كما أنّ هذه المعاني هي

معرفة الإمام ج۵

241
  • مؤدّى آيات اخر أيضاً. و ما تتطلبّه المجاراة و القرب منهم هو إفساح المجال لهم أن يتدخّلوا في امور المسلمين و يتصرّفوا في شئونهم. و نحن نجد في هذه الآيات شواهد تدلّ على أنّ المراد من الولاية هنا هو ليس النصرة؛ لقوله: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أو قوله: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ.

  • و هذا اللون من التعبير ينسجم مع الولاية بمعنى رفع الحجاب و الوحدة و السيطرة الروحيّة و التصرّف في الأمور، لا بمعنى استنصارهم و استنجادهم فقط. و من الطبيعيّ أنّ ما تتطلّبه ولايتهم هو استنصارهم و استنجادهم في الحالات الضروريّة. و الشاهد على أنّ ولايتهم هي غير استنصارهم ما جاء في الآية 22 من السورة 48: الفتح، إذ قال جلّ من قائل: وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.

  • نجد هنا أنّ الآية جعلت الوليّ قسيماً للنصير، و عطفته على أساس العطف المفيد للمغايرة.

  • و نرى في آية الولاية أنّ الذين ليس بينكم و بينهم حجاب، و هم قريبون منكم من كلّ الجهات بحيث لا تلحظ أيّ بينونة اثنينيّة، هم الله و رسوله و من تصدّق راكعاً. و ما يتطلّبه هذا القرب هو التصرّف في الأمور، و جعلهم يتدخّلون في جميع مناحي الحياة. فالإمامة ضرورة لولايتهم، لا أنها عين الولاية.

  • 2- يقول: تدلّ الآية على أنّ المؤمنين موصوفون بالولاية عند نزول الآية؛ فلو كانت الولاية بمعنى التصرّف في الأمور، و هو ما يعني الإمامة، فإنّه يتطلّب أن يكون عليّ بن أبي طالب [عليه السلام] إماماً عند نزول الآية و لمّا لم يكن كذلك، و حتى بناءً على ما يعتقده الشيعة من أنه كان إماماً بعد رسول الله، فالولاية تحمل على المحبّة و النصرة في هذه الآية.

  • الجواب: لقد كان للإمام مقام الولاية في عصر رسول الله. و قلنا أن1

  • معرفة الإمام ؛ ج5 ؛ ص241

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۵

242
  • الولاية هي غير الإمامة؛ غاية الأمر أنّ ما تستدعيه ولايته بعد رسول الله هو تسلّم مقاليد الأمور، و الزعامة، و الحكومة، و الاولويّة في الأمور.

  • 3- يقول: ذكر الله المؤمنين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع هي: الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • و حمل ألفاظ الجمع، و إن جاز على الواحد على سبيل التعظيم، لكنّه مجاز لا حقيقة. و الأصل حمل الكلام على الحقيقة.

  • و الجواب هو: لم يحمل الجمع على الواحد هنا، بل حمل على معناه العامّ و الجامع، و قد اريد المعنى العامّ و الكلّيّ؛ غاية الأمر أنّ المعنى الكلّيّ ليس له في الخارج أكثر من شخص واحد، و ذلك الشخص هو علىّ بن أبي طالب عليه السلام.

  • و إنّ ما لا يجوز في اللغة إلّا على نحو المجاز هو القسم الأوّل لا القسم الثاني. و قد تبسّط استاذنا سماحة آية الله العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في توضيح هذا المعنى عند تفسيره آية المباهلة في «تفسير الميزان».1

  • و نحن نرى في كثير من المواضع في القرآن الكريم أنّ الحكم قد جاء على نحو العموم و على سبيل الجمع، في حين أنّ المقصود هو شخص واحد. كقوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.2

  • و المراد من الناس القائلين هنا هو نَعيمُ بْنُ مَسْعُود الأشْجعِيّ. و قوله:

  • ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.3

    1. «تفسير الميزان» ج 3، ص 224، و ص 225.
    2. الآية 173، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 199، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۵

243
  • و المراد من الناس هنا هو رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و قوله: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا.1

  • و المراد من القائلين هنا هو عَبْدُ اللهِ بْنُ ابَيّ بن سَلُول رأس المنافقين في المدينة.2

  • و قد ذكرنا أنّ المخاطب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ. هو حاطِبُ بْنُ أبي بُلْتَعَة الذي كان يتجّسس لصالح كفّار مكّة. و أنّ المقصود من المنفقين في قوله تعالى:

  • الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً.3 هو علي بن أبي طالب عليه السلام خاصّةً.

  • و أنّ المراد من القائلين في قوله تعالى: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ.4

  • هو عَبْدُ الله بْنُ نَبْتَل أحد المنافقين.5

  • و العجيب هو أنّ بين هذه الآيات ذات الصلة بموضوعنا آية جاءت بلفظ الجمع في حين أنّ المقصود هو شخص واحد كما اتّفق على ذلك مفسّرو العامّة جميعهم، و هذا الشخص هو: عَبْدُ اللهِ بْنُ ابَيّ.

  • و الآية هي: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ.6

    1. الآية 168، من السورة 3: آل عمران.
    2. «تفسير التبيان» للشيخ الطوسيّ ج 1 من الطبعة الحجريّة، ص 547 و ص 548.
    3. الآية 274، من السورة 2: البقرة.
    4. «تفسير الميزان» ج 6، ص 7.
    5. «تفسير الميزان» ج 9، ص 337.
    6. الآية 52، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۵

244
  • و كيف يجوز أن يأتى لفظ الجمع في هذه الآية و الآية التي تليها في أحد عشر موضعاً1 هي: الذين- قلوبهم- يسارعون- فيهم- ي قولون- ن خشى- تصيبنا- فيصبحوا- أسروا- أنفسهم- نادمين، في حين أنّ المقصود هو شخص واحد، و لا يجوز ذلك في آية الولاية الخاصّة بعلى بن أبي طالب؟ مع أنّ بين هذه الآية و آية الولاية آيتين فقط! و كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.2 فقد ذكر العلّامة الأمينيّ في كتاب «الغدير» ج 1، ص 372 أنّ ابن المغازليّ في «المناقب»، و ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 236، و الحضرميّ الشاميّ في «الرَّشفة» ص 27 ذكروا أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب و علومه المختصّة به؛ و ذكر العلّامة الأمينيّ في الجزء الثالث من «الغدير» من ص 163 إلى ص 167 عشرين آية من كتب تفسير العامّة جاءت بصيغة الجمع في حين أنّ المقصود هو شخص واحد.

  • و نرى أنّ كثيراً من الآيات القرآنيّة تطرح الموضوع مصدّراً بكلمة يَسْئَلُونَكَ؛ ثمّ تبيّن الحكم، بينما نحن نعلم أنّ السائلين هنا هم شخص واحد. كما في الآية الكريمة: يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ؟3 و الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ4. و الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها.5

  • و إذا قيل: أنّ المقصودين في هذه المواضع الكثيرة هم جماعة من

    1. هذا إذا اعتبرنا كلمتيّ: قُلُوبِهِمْ و أنْفُسِهِمْ، و كلّ منهما مضاف و مضاف إليه، كلمة واحدة، و إلّا فإنّها ثلاثة عشر موضعاً.
    2. الآية 54، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 215، من السورة 2: البقرة.
    4. الآية 189، من السورة 2: البقرة.
    5. الآية 187، من السورة 7: الاعراف. و الآية 42، من السورة 79: النازعات.

معرفة الإمام ج۵

245
  • الناس كانوا يتّفقون مع السائل رأياً، و ينسجمون مع الفاعل فعلًا، و قد أجابه الله بصيغة الجمع و الحكم شامل لهم؛ فنقول في الجواب: أنّ حصيلة هذا الموضوع هي أنّ استعمال هذا اللون من الألفاظ في معاني الجمع جائز لنكتة صحيحة؛ و هذه النكتة موجودة طبعاً في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ. و لعلّ السرّ فيها هو أنّ أنواع الكرامات الدينيّة و المعنويّة و منها مقام الولاية في هذه الآية، لم ترتكز على بعض أعمال المؤمنين جزافاً و اعتباراً، بل هي نابعة من التقدّم في مقام الإخلاص في العمل. و لعلّ السرّ فيها أيضاً هو من أجل أن تشمل أشخاصاً آخرين كأئمّة الحقّ و الهدى من أهل البيت الذين ينالون مقام الولاية تدريجاً.

  • مضافاً إلى ذلك كلّه، فإنّنا نرى أنّ كثيراً من ناقلي هذه الأخبار كانوا من الصحابة و التابعين الذين كان عصرهم متّصلًا بعصر الصحابة، و هؤلاء ينحدرون من اصول عربيّة، و لغتهم العربيّة سليمة لم تتغيّر و لم يعتريها خلل؛ و لو لم يجدوا هذه الاستعمالات مناسبة في اللغة أحياناً، فإنّ طباعهم كانت ستمجّها و لا تستسيغها، و كانوا أحقّ من غيرهم بإثارة الإشكال، و الاعتراض، إلّا أننا لم نألف أحداً منهم قد اعترض و أثار حولها إشكالًا، أو ارتاب في نقل هذه الروايات عند تفسير آية الولاية.

  • يقول الزمخشريّ استاذ العربيّة و آدابها في «الْكَشَّاف»:

  • فإن قلتَ: كيف صحّ أن يكون لعلي بن أبي طالب و اللفظ لفظ الجماعة؟!

  • قلتُ: جيء به على لفظ الجمع- و إن كان السبب فيه رجلًا واحداً- ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه؛ و لينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ و الإحسان و تفقّد الفقراء، حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير و هم في الصلاة،

معرفة الإمام ج۵

246
  • لم يؤخّروه إلى الفراغ منها.1

  • 4- يقول: أنّ علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل، و ليس للروافض أن يقولوا: إنّه تركه للتقيّة؛ فإنّهم ينقلون عنه أنه تمسّك يوم الشورى بخبر الغدير، و خبر المباهلة، و جميع فضائله و مناقبه، و لم يتمسّك ألبتة بهذه الآية في إثبات إمامته، و ذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض، لَعَنَهُمُ اللهُ.

  • و الجواب هو: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد احتجّ بهذه الآية يوم الشورى، و قد أنشد سَعْدَ بْنَ أبي وَقّاص، و عُثْمَانَ، وَ عَبْدَ الرَّحمن بْنَ عَوْف، و طَلْحَةَ، و الزُّبَيْر بالله و قال لهم: فَهَلْ فِيكُمْ أحَدٌ أتى الزَّكَاةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.» غَيرى؟! قَالُوا: لَا.

  • علماً أننا نقلنا استدلال الإمام يوم الشورى في هذا المجلس من البحث، ضمن الروايات الواردة تحت الرقم 16 من «غاية المرام»2 و نقلناه عن احتجاج الشيخ الطبرسيّ أيضاً.3

  • و لم يحتجّ الإمام بها يوم الشورى فحسب، بل احتجّ بها مع أبي بكر في الأيّام الأولى لغصب الخلافة أيضاً، فقال له:

  • أنْشُدُكَ بِاللهِ إلىَ الْوَلَايَةُ مِنَ اللهِ مَع وَلَايَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ

    1. «تفسير الكشّاف» في تفسير آية الولاية، الطبعة الأولي في مطبعة الشَّرَفيّة، ج 1، ص 264.
    2. ص 226 من هذا الكتاب عن« غاية المرام»، عن الشيخ الطوسيّ في كتاب« الامالي».
    3. ص 231 من هذا الكتاب عن« احتجاج» الطبرسيّ.

معرفة الإمام ج۵

247
  • وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في آيَةِ زَكَاةِ الْخَاتَمِ أمْ لَكَ؟! قَالَ: بَلْ لَكَ.

  • علماً أننا نقلنا هذا الاستدلال بعد غَصْب الخلافة ضمن الروايات الواردة تحت الرقم 15 من «غاية المرام» عن الشيخ الصدوق.1 و كذلك نقلناه عن «احتجاج» الشيخ الطبرسيّ.2

  • 5- يقول: هب أنّ الآية دالّة على إمامة علي بن أبي طالب، لكنّا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلّت على حصول الإمامة في الحال، لأنّ عليّاً ما كان نافذ التصرّف في الأمّة حال حياة الرسول عليه و آله الصلاة و السلام فلم يبق إلّا أن تحمل الآية على أنها تدلّ على أنّ عليّاً سيصير إماماً بعد ذلك، و متى قالوا ذلك، فنحن نقول بموجبه و نحمله على إمامته بعد أبي بكر، و عمر، و عثمان؛ إذ ليس في الآية ما يدلّ على تعيين الوقت.

  • و جوابنا هو: أنّ الآية تدلّ على ولايته الفعلية التي تستلزم الإمامة و نفوذ التصرّف، و الأمر و النهي. و لمّا توفي رسول الله، فإنّ الإمامة و الزعامة من اللوازم الحتميّة المترتّبة على الولاية.

  • 6- يقول: أنّ اللائق بعليّ [عليه السلام] أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، و الظاهر أنّ من كان كذلك، فإنّه لا يتفرّغ لاستماع كلام الغير و لفهمه.

  • و الجواب هو: أنّ عدم الاستماع هو في حال الفَنَاء في الله؛ لأي حال البقاء بالله؛ و كانت حالات ذلك الإمام العظيم جامعة للفَناء و البَقَاء؛ و الواضح أنّ البقاء بعد الفناء أشرف و أفضل.

  • 7- يقول: أنّ دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير، و اللائق بحال

    1. ص 226 من هذا الكتاب عن« غاية المرام» عن الشيخ الصدوق.
    2. ص 230 من هذا الكتاب عن« الاحتجاج» للطبرسيّ.

معرفة الإمام ج۵

248
  • عليّ [عليه السلام] أن لا يفعل ذلك.

  • و الجواب هو: أنه ليس عملًا كثيراً؛ و هذا العمل نفسه يدلّ على تجويز نظائره حال الصلاة

  • 8- يقول: أنّ المشهور أنه [عليه السلام] كان فقيراً، و لم يكن له مال تجب الزكاة فيه.1 و لذلك فإنّهم يقولون إنّه لمّا أعطى ثلاثة أقراص، نزل فيه «سورة هل أتى»، و ذلك لا يمكن إلّا إذا كان فقيراً. فأمّا من كان له مال تجب فيه الزكاة، يمتنع أن يستحقّ المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص.

  • مضافاً إلى ذلك أنّ دفع الزكاة واجب فوريّ، فكيف يتأخّر الإمام عن دفعها في أوّل الوقت، و يدخل في الصلاة؟

  • و الجواب هو: أنّ اعطاء الخاتم كان صدقة مستحبّة، و لم يكن زكاة

    1. إنّ قوله: كان على عليه السلام فقيراً لا يخلو من حَزَازَة؛ لانّ الفقير شرعاً هو الذي ليس له مال يستعين به على حياته، أو ليست له قدرة على الكسب و العمل. و أمير المؤمنين عليه السلام و إن لم تكن له قدرة ماليّة، فقد كانت له قدرة على الكسب و العمل. و كان يعيش بكدّ يده. و ما كان يأخذ درهما واحداً صدقة طيلة عمره، بل جاء في الاخبار المأثورة أنه كان يشترى بعمل يده ألف غلام و يعتقهم في سبيل الله. و أوقف الترع و البساتين و النخيل صدقات في الأمور الخيريّة. و كيف يكون فقيراً من يحمل الجراب على ظهره و يتجوّل بين بيوت الفقراء في الليإلى المظلمة، و يتفقّد الارامل و الايتام، يوزّع عليهم الخبز و التمر ما كان حيّاً في هذه الدنيا؟ أجل، لنا أن نقول فقط: إنّه لم يدّخر لنفسه مالًا قطّ، و كان ينفق كلّ ما يقع في يده المباركة بلا تأخير، فهو غنيّ في أعلى درجات الغنى و الثراء. و لم يفهم الفخر الرازيّ المسكين أنّ عدم وجود المال الناتج عن الإنفاق المتواصل هو الغني عينه و الثراء نفسه لا الفقر الذي يمثّل، في معناه الشرعيّ و العرفيّ، العوز و الفاقة. إنّها مظلوميّة عليّ حقّاً إذ يصفه هؤلاء المعاندون بالفقر حتى عند تصدّقه بخاتمه للفقير، ذلك التصدّق الذي يدلّ على كمال الغني.

معرفة الإمام ج۵

249
  • واجبة بالمعنى المصطلح، ذلك لأنَّ تعيّن لفظ الزكاة بمعناها الاصطلاحيّ قد تمّ في عرف المتشرّعة بعد نزول القرآن و أمره بوجوبها و تشريعها في الدين. و أمّا في اللغة فإنّ لفظ الزكاة أعمّ من الزكاة المصطلحة عند المتشرّعة؛ و متى ما اطلقت أو قيلت في مقابل الصلاة، فالقصد هو إنفاق المال في سبيل الله.

  • و نحن نرى في كثير من الآيات القرآنيّة الكريمة تمجيداً بالأنبياء السابقين و ثناءً عليهم بسبب دفع الزكاة. و من الواضح أنها لم تكن الزكاة بمعناها الاصطلاحيّ الذي أصبح متداولًا، و يقع على الأشياء التسعة:

  • الحنطة، و الشعير، و الزبيب، و التمر، و الذهب، و الفضّة، و البقر، و الابل، و الضأن، فيما لو بلغت حدّ النصاب، و كان المقدار معيّناً.

  • فالزكاة، إذَن، هي الصدقة و إنفاق المال في سبيل الله.

  • قال عزّ من قائل في إبراهيم، و إسحاق، و يعقوب: وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ.1

  • و قال في إسماعيل: وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا.2

  • و قال في عيسى ابن مريم و هو في المهد وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا.3

  • و كذلك ورد لفظ الزكاة في كثير من آيات السورة المكيّة كقوله جلّ شأنه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى.4

    1. الآية 73، من السورة 21، الأنبياء.
    2. الآية 55، من السورة 19: مريم.
    3. الآية 31، من السورة 19: مريم.
    4. الآيتان 14 و 15، من السورة 87: الأعلى.

معرفة الإمام ج۵

250
  • و قوله: الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.1

  • و قوله: وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ.2

  • و غيرها من الآيات الواردة في السور المكيّة؛ و لا سيّما السور النازلة في أوّل البعثة، كسورة حم السجدة و غيرها؛ و لم تشرّع الزكاة بالمعنى الاصطلاحيّ حينئذٍ قطّ.

  • و لا أدري ما ذا يفهم هؤلاء المنكرون للولاية و آية الولاية من لفظ الزكاة في هذه الآيات؟ بل أنّ آية الزكاة الاصطلاحيّة الواردة في القرآن جاءت بلفظ الصدقة، فقد قال تبارك اسمه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ.3

  • فهذه الآية تدلّ على أنّ الزكاة المصطلحة هي من أفراد الصدقة أيضاً، و يعبّر عنها زكاة لأنها مطهّرة و مزكّية كالصدقة؛ ثمّ شاعت كلمة الزكاة تدريجاً في الصدقة المصطلحة و الزكاة العاديّة بسبب كثرة الاستعمال.4

  • 9- يقول: لا نسلّم أنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامّة، و لا نسلّم أنّ كلمة إنَّما للحصر، و الدليل عليه قوله: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ.5

  • و لا شكّ أنّ الحياة الدنيا لها أمثال اخرى سوى هذا المثل. و قال: انما