/ ۲۷۵

معرفة الإمام ج۷

1

معرفة الإمام ج۷

2
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الْحَادِيِ وَ الْتِّسْعُونَ إلى الدَّرْسِ الثَّالِثِ وَ التِّسْعِينَ نَصْبُ أمِير المُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلام في غَديرِ خُمٍّ بِالْوِلَايَةِ العَامَّةِ المُطْلَقَة

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۷

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا باللهِ العليّ العظيم

  •  

  •  

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.1

  • يَا سَائِلِي عَنْ حَيْدَرٍ أعْيَيْتَنِي***أنا لَسْتُ في هَذَا الْجَوَابِ خَلِيقَا

  • اللهُ سَمّاهُ عَلِيَّاً بِاسْمِهِ***فَسَمَا عُلُوّاً في الْعَلَا وَ سُمُوقَا 2

  • وَ اخْتَارَهُ دُونَ الْوَرَى وَ أمَامَهُ***عَلَماً إلَى سُبُلِ الْهُدَى وَ طَرِيقَا

  • أخَذَ الإلَهُ على الْبَرِّيةِ كُلَّهَا***عَهْداً لَهُ يَوْمَ الْغَدِيرِ وَثِيقَا

  • وَ غَداةَ وَافَى الْمُصْطَفَى أصْحَابُهُ***جَعَلَ الْوَصِيّ لَهُ أخاً وَ شقِيقَا

  • فَرَقَ الضَّلالَ عَنِ الْهُدَى فَرَقَى إلَى***أنْ جَاوَزَ الْجَوْزَاءَ وَ الْعَيُّوقَا 3

  • وَ دَعَاهُ أمْلَاكُ السَّماءِ بِأمْرِ مَنْ***أوحَى إلَيْهِمْ حَيْدَرَ الْفَارُوقَا

  • وَ أجَابَ أحْمَدَ سَابِقَاً وَ مُصَدِّقاً***مَا جَاءَ فِيهِ فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَا

    1. الآية 67، من السورة 5: المائدة.
    2. سَمَقَ النباتُ: إذا طال فهو سامق و سميق.( م)
    3. العيوق: كوكب أحمر مضيء بحيال الثريّا في ناحية الشمال.( م)

معرفة الإمام ج۷

5
  • فَإذَا ادَّعَى هَذي الأسَامِي غَيْرُهُ***فَلْيَأتِنَا في شَاهِدٍ تَوثِيقَا 1

  • روى الحافظ أبو نعيم الإصفهانيّ بسنده عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْيَى حَيَاتِي، وَ يَمُوتَ مَمَاتِي، وَ يَسْكُنَ جَنَّةَ عَدْنٍ غَرَسَها رَبِّي، فَلْيُوالِ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي وَ لْيُوالِ وَلِيَّهُ، وَ لْيَقْتَدِ بِالأئِمَّةِ مِنْ بَعْدِي؛ فَإنَّهُمْ عِتْرَتِي، خُلِقُوا مِنْ طِينَتِي، رُزِقُوا فَهْمَاً وَ عِلْمَاً؛ وَ وَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ امَّتِي، لِلْقَاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتِي، لَا أنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي.2

  • إنّ قصّة تنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في مقام الولاية الإلهيّة الكبرى و العامّة في غدير خمّ من القصص المهمّة للغاية في التأريخ الإسلاميّ. و لعلّنا لا نشهد واقعة بهذه الأهميّة و المواصفات التي سنتطرّق إليها. ذلك لأنّ هذه الواقعة تمثّل في الحقيقة خلود رسالة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم و استمرار مرحلة ولايته الإلهيّة متجلّية في الوجود المبارك لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

  • الغدير يرمز إلى تآصر الرسالة و الإمامة، و النبوّة و الولاية. و يحكى لنا أنهما كالثديين المتلازمين لإرضاع و إشباع الطفل، أو البرعمين المتلاصقين النابتين من جذر واحد.

  • الغدير معرض إلى: عَلِيّ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ أمام أنظار جميع الخلق و الامّة بأسرها. و إعلان و تبليغ الحقيقة لجميع أبناء العالم حتّى يوم القيامة.

  • الغدير محلّ ظهور الحقائق المخفيّة، و البواطن المختفية، و إرشاد

    1. «الغدير» ج 4، ص 150، الطبعة الثالثة، مطبعة الحيدري بطهران. من أشعار ابن حمّاد العبدي، محبّ أهل البيت عليهم السلام و شاعرهم في القرن الرابع، عليه التحيّة و الرضوان.
    2. «حلية الأولياء» ج 1، ص 86. طبعة مطبعة السعادة- مصر.

معرفة الإمام ج۷

6
  • الناس و هدايتهم إلى هذا الطريق.

  • الغدير هو الصراط المستقيم و السبيل الأعلى للإنسانيّة إلى مقام العرفان و ولاية الحقّ الكلّيّة.

  • الغدير مقام تجسيد القضاء الإلهيّ الكلّيّ في عالم القدر. و تشخيص النور اللامحدود للذات الأحديّة و تعيينه و تحديده و تعريفه من خلال الأسماء و الصفات المرئيّة و مشاهد الخلق، و ربط القديم بالحادث، و نزول التجرّد و البساطة في القيود و الحدود الإمكانيّة لتكون في متناول جميع الخلق. و ذلك ليرتشف الناس جميعهم من الماء المعين و المنهل العذب للفيض و الرحمة و السعادة و البركة.

  • مواصفات يوم الغدير

  • الغدير يوم تتويج مولى الموحّدين، و وضع رسول الله صلّى الله عليه و آله العمامة على رأسه بيده الشريفة.

  • الغدير يومُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • الغدير يوم: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.

  • الغدير يوم البيعة مع الحقّ. و يوم الطاعة و التسليم، و يوم معاملة النفس مع ربّها، و يوم المبارزة بين جنود الشيطان و جنود الرحمن، و يوم مفارقة الظلام و الدخول في عالم النور.

  • الغدير يوم المحكّ، و يوم تمايز الإيمان و الكفر، و الخلوص و النفاق، و الصفاء و الحيلة، و النور و الظلام.

  • الغدير يوم تألّق الشمس المنيرة للعالَم من وراء الغمائم المثقلة، و يوم إشعاعها في قلوب الكائنات.

  • الغدير يوم التعريف السويّ، و ذهاب الخوف من الشيطان، و انصرام عصر التقيّة، و وحي الأمر الإلزاميّ بضرورة كشف حجاب الحقيقة عن

معرفة الإمام ج۷

7
  • وجه الولاية، و إبراز هُوَ الهُويّة.

  • الغدير يوم بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا عَلِيّ أصْبَحْتَ وَ أمْسَيْتَ مَوْلَاىَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ.

  • الغدير يوم العيد الأكبر: يوم رفع رسول الله عليّ بن أبي طالب على رؤوس الأشهاد. و إلقاء الخطبة المشهورة، و أمر الامّة بالتسليم لأوامر مولى المتّقين و نواهيه.

  • و للّه الحمد، و له المنّة أن وفّقنا لعرض واقعة الغدير العظيمة على قدر جهدنا الضئيل هديّة منّا إلى ساحة رسول الله و ساحة أخيه و صاحب ذي الفقاره. و هي هديّة متواضعة كهديّة القبّرة التي أتت بضلع الجراد يوم العرض على سليمان.1 و لا بدّ لنا من ذكر عدد من المقدّمات قبل أن ندخل في أصل قضيّة الغدير.

  • إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام طيلة فترة النبوّة

  • المقدّمة الاولى: إنّ تعريف أمير المؤمنين عليه السلام إماماً لم يقتصر على يوم الثامن عشر من ذي الحجّة في السنة العاشرة من الهجرة ضمن حجّة الوداع في وادي غدير خمّ على بُعد ميلين عن أرض الجُحفة، بل كان ذلك اليوم يوم التنصيب الكلّيّ، و التعريف لجميع الناس، و الإعلان لعموم الامّة، و إلّا فإنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يصرّح بمقامات أمير المؤمنين عليه السلام و درجاته و إمامته و ولايته و وصايته و خلافته و اخوّته و سائر مناقبه و فضائله، و ذلك في مجالس و محافل عديدة، و في الخفاء و العلن، و في الصلح و الحرب، و في مكّة و المدينة، و لكلّ رهط و جماعة كانت على اتّصال به طيلة حياة أمير المؤمنين عليه


    1. 1- جَاءَتْ سُلَيْمَانَ يَوْمَ العَرْضِ قُبَّرَةٌ بِضِلْعِ جَرَادٍ كَانَ في فِيهَا نَاجَتْ خَفِيّ الصَّوْتَ وَ اعْتَذَرَتْ إنَّ الهَدَايَا على مِقْدَارِ مُهْدِيهَا

معرفة الإمام ج۷

8
  • السلام.

  • ولد أمير المؤمنين عليّ عليه في الكعبة؛ و حينما اعطي رسول الله صلّى الله عليه و آله قماطه، تلا سورة «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ». و نشأ في حجر الرسول الكريم. و هو أوّل من صدّقه يوم كان في العاشرة من عمره. و هو القائل: نزل الوحي على رسول الله يوم الاثنين، و آمنت يوم الثلاثاء. و عند ما كانت الدعوة في سنينها الثلاث أو السبع و حيث كانت دعوة الرسول في دور الخفاء، فإنّ أحداً لم يصلّ معه في الكعبة غير أمير المؤمنين، و غير خديجة.

  • و في اليوم الأوّل الذي صدع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله بدعوته في المجلس الذي أقامه لعشيرته الأقربين، إذ دعاهم لمؤازرته في حمل أعباء النبوّة، و معاضدته على القيام بشؤون الرسالة، لم يجبه إلّا ذلك الفتى اليافع، و العاشق المُستبسل، و النابه الواعي. و عندئذٍ اختاره للوزارة و الولاية و الخلافة.

  • و لقد قال صلّى الله عليه و آله و سلّم في ذلك اليوم: فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي على هَذَا الأمْرِ وَ أنْ يَكُونَ أخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي؟

  • و لم يجبه إلّا عليّ بقوله: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ!

  • قال: فَأنْتَ أخِي وَ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ!

  • و نلاحظ هنا أنّ تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الوزارة و الخلافة و الوصاية كان في إبّان البعثة، و منذ ذلك اليوم الذي اعلنت فيه النبوّة لقريش وفقاً لتعيين رسول الله صلّى الله عليه و آله إيّاه عملًا بآية الإنذار: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ،1 و حديث العشيرة.

    1. الآية 214، من السورة 26: الشعراء.

معرفة الإمام ج۷

9
  • و يدلّ هذا المعنى بكلّ وضوح أنّ مقام الرسالة، و مقام الإمامة متلازمان متّصلان، و لا يقبلان الانفصال و الانفكاك، و لا أساس للرسالة بدون الوزارة و الخلافة، و لا أصل و لا جذور للنبوّة بدون الولاية. فالولاية خفيرة الرسالة، و الإمامة حافظة للنبوّة، و أنَّ الوجود المحدِث للوحي و الإنزال من قِبَل الرسول الكريم يصل إلى كماله بواسطة الوجود الحافظ و الخفير و المخلّد لأمير المؤمنين، فقد قال عزّ من قائل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.1

  • و قد تكلّمنا عن حديث العشيرة و آية الإنذار بشكل واف في الدرس الخامس من الجزء الأوّل من كتابنا هذا «معرفة الإمام».

  • هذا و قد دعا النبيّ الأكرم أمير المؤمنين صلوات الله عليهما و آلهما كراراً و مراراً ب-:

  • أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، وَ سَيِّدُ المُسْلِمِينَ، وَ الإمَامُ، وَ الحُجَّةُ، وَ الوَصِيّ، وَ سَيِّدُ العَرَبِ، وَ سَيِّدٌ في الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ، وَ سَيِّدُ الأوصِيَاءِ، وَ سِيِّدُ الخَلائِقِ، وَ سَيِّدُ الوَصِيِّينَ، وَ أميرُ البَرَرَةِ، وَ إمَامُ البَرَرَةِ، وَ خَيْرُ البَشَرِ، وَ خَيْرُ الامَّةِ، وَ خَيْرُ الوَصِيِّينَ، وَ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ.

  • و عند ما ترك رسول الله المدينة في غزوة تبوك، و استخلف عليها عليّاً، فإنّه قال له: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.

  • أي: أنّ كلّ ما كان لهارون من مواصفات فهي لك إلّا النبوّة، فإنّه لا يأتي نبيّ بعدي، و لن تكون نبيّاً- أنت كهارون! أي: أنت أخي؛ أنت وصيّي! أنت خليفتي من بعدي! أنت وزيري و معيني و حافظ نبوّتي!

  • و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ

    1. قسم من الآية 3، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

10
  • اللهِ وَ عِتْرَتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا على الحَوْضَ.

  • و قال: مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبهَا نَجَى، وَ مَنْ تَخَلَّف عَنْهَا غَرِقَ.

  • و المراد من أهل الذكر في الآية: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.1 هم أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم.

  • و المراد من حبل الله في آية: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا.2

  • فهم الصراط المستقيم، و العروة الوثقى إذ لَا يَقْبَلُ اللهُ الأعْمَالَ مِنَ العِبَادِ إلَّا بِوِلَايَتِهِمْ عَلِيّاً.

  • و المقصود من النعيم في الآية الشريفة: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.3 هو نعيم الولاية.

  • و المقصود من المؤاخذة و السؤال في آية: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ.4 هي المؤاخذة و السؤال عن الولاية.

  • و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَا يَجُوزُ أحَدٌ عَنِ الصِّرَاطِ إلَّا وَ كَتَبَ لَهُ عَلِيّ الجَوازَ.

  • و قال النبيّ: عَلِيّ قَسِيمُ الجَنَّةِ وَ النَّارِ.

  • و قال: عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ وَ القُرْآنُ مَعَ عَلِيّ.

  • و قال: عَلِيّ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ.

    1. مقطع من الآية 43، من السورة 16: النحل.
    2. صدر الآية 103، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 8، من السورة 102: التكاثر.
    4. الآية 24، من السورة 37: الصافّات.

معرفة الإمام ج۷

11
  • و قال: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي وَ كَرَأسِي مِنْ بَدَنِي.

  • و قال: عَلِيّ مَعَ الحَقِّ وَ الحَقُّ مَعَ عَلِيّ: اللهُمَّ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.

  • و قال: عَلِيّ خَيْرُ البَشَرِ، مَنْ أبى فَقَدْ كَفَرَ.

  • و المراد من اولي الأمر في قوله: تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ،1 هم أمير المؤمنين و الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.

  • و نزلت آية التطهير: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً2 في رسول الله، و أمير المؤمنين، و الزهراء، و الحسن، و الحسين عليهم السلام، و في الأئمّة الاثنى عشر المعصومين عموماً.

  • و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: أهْلُ بَيْتِي أمَانٌ لأهْلِ الأرْضِ.

  • و جاء في آية المباهلة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.3 و المقصود من «أنفُسَنَا» هنا هي نفس أمير المؤمنين التي جعلتها الآية نفسَ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و في قوله تعالى: في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ،4

    1. صدر الآية 59، من السورة 4: النساء
    2. قسم من الآية 33، من السورة 33: الأحزاب.
    3. الآية 61، من السورة 3: آل عمران.
    4. قسم من الآية 36، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۷

12
  • حيث إنّ تجلّيات النور الإلهيّ المشعّة و المنتشرة في شبكات عالم الإمكان هي في البيوت التي «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ». و المراد من البيوت هنا هي قلوب الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم و أرواحهم المقدّسة.

  • و المقصود من ذَوِي الْقُرْبى في قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى،1 هم قربى الرسول الكريم صلّى الله عليه و آله و سلّم من نسل الصدّيقة الكبرى عليها السلام و أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و المقصود من خَيْرُ الْبَرِيَّةِ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ،2 هم أمير المؤمنين و شيعته.

  • و لمّا نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنَّ عَلِيَّاً وَ شِيعَتَهُ هُمُ الفَائِزُونَ.

  • و المراد من النبأ العظيم في قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ.3 هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

  • و المقصود من قوله: (مِنَ النَّاسِ) في الآية: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ.4 هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

  • و الذي كان شريكاً لرسول الله في سرّه، و عمل بآية النجوي من خلال تقديمه الصدقة و الهديّة إلى رسول الله هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام طبق الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ

    1. قسم من الآية 23، من السورة 42: الشوري.
    2. الآية 6، من السورة 98: البيّنة.
    3. الآيتان 1 و 2، من السورة 78، النبأ.
    4. الآية 207، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۷

13
  • يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً.1

  • و في الآية الشريفة: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.2

  • اعتُبر أمير المؤمنين عليه السلام في مصافّ الذات الإلهيّة المقدّسة تعالى شأنها، في الشهادة و الدلالة على صدق الرسالة و أحقّيّة الرسول.

  • و جُعل عليه السلام وليّاً و مَوْلَىً و ظهيراً و نصيراً و شريكاً لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في سرّه، و ذلك في قوله تعالى: وَ إِنْ تَظاهَرا (أي عائشة و حفصة) عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (أي أمير الموحّدين عليه السلام) وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.3

  • و في إعلان البراءة من المشركين عند ما دفع رسول الله صلّى الله عليه و آله الصحيفة التي تضمّ البراءة إلى أبي بكر ليقرأها على الناس في موسم الحجّ في السنة التاسعة للهجرة في منى فنزل عليه الوحي يأمره بأن يقرأها هو أو رجل منه، فانتدب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أميرَ المؤمنين عليه السلام و أرسله خلف أبي بكر ليأخذ منه الصحيفة و يذهب بنفسه إلى مكّة فيقرأها على المشركين في موسم الحجّ.

  • أخذ أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان نفس النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم الصحيفة من أبي بكر، و توجّه إلى مكّة، و قرأها على المشركين في موسم الحجّ بعقبة" منى"! وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ ...4- الآيات. و انتقلت هذه

    1. الآية 12، من السورة 58: المجادلة.
    2. الآية 43، من السورة 13: الرعد.
    3. قسم من الآية 4، من السورة 66: التحريم.
    4. قسم من الآية 3، من السورة 9: التوبة.

معرفة الإمام ج۷

14
  • المهمّة إلى أمير المؤمنين الذي كانت نفسه و روحه من النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و المراد من الاذُن الواعية في قوله تعالى: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ،1 هو الوجود المقدّس لأمير المؤمنين عليه السلام.

  • و المقصود من آل ياسين في قوله جلّ شأنه في الآية: سلام على آلياسين،2 هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.

  • و المراد من الذي شُرِح صدره بنور الله في قوله تبارك اسمه: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ،3 هو أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و المراد من الصراط في قوله تعالى: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ،4 هو صراط الله المستقيم، صراط عليّ بن أبي طالب.

  • و المقصود ب- «أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» في الآية الشريفة: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ،5 هو أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في خيبر: لُاعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ، لَمْ يَرْجِعْ حتّى يَفْتَحِ اللهُ بِيَدَيْهِ.

    1. قسم من الآية 12، من السورة 69: الحاقّة.
    2. الآية 130، من السورة 37: الصافّات.
    3. قسم من الآية 22، من السورة 39: الزمر.
    4. قسم من الآية 153، من السورة 6: الأنعام.
    5. قسم من الآية 22، من السورة 67: الملك.

معرفة الإمام ج۷

15
  • و لمّا حان الغد، طلب عليّاً، و كان أرمد العين، فتفل في عينه، و أعطاه الراية، فذهب بها حيدر الكرّار و لم يرجع حتّى اقتلع باب خيبر فاتحاً ظافراً.

  • و كانت هذه الواقعة بعد فشل أبي بكر و عمر و رجوعهما خائبين خاسِرَين، إذ لم يستطيعا القيام بالمهمّة التي كلّفهما بها النبيّ صلّى الله عليه و آله في اليومين اللذين سبقا هذه الواقعة.

  • من هذا المنطلق، آخى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بينه و بين عليّ عليه السلام مرّتين. الاولى: في مكّة عند ما آخى بين المهاجرين أنفسهم. و الثانية: بعد دخوله المدينة، عند ما آخى بين المهاجرين و الأنصار. فجعل عليّاً عليه السلام أخاه في كلا المرّتين.

  • و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: عَلِيّ أقْضَاكُمْ.

  • و فتح النبيّ لعليّ ألف باب من العلم؛ و قال: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَ عَلَيّ بَابُهَا.

  • و قال: أنَا دَارُ الحِكْمَةِ وَ عَلِيّ بَابُهَا.

  • و قال: أنَا مَدِينَةُ الجَنَّةِ وَ عَلِيّ بَابُهَا.

  • و لهذا قال صلّى الله عليه و آله: أنَا وَ عَلِيّ أبَوَا هَذِهِ الامَّةِ.

  • و قال: حَقُّ عَلِيّ على هَذِهِ الامَّةِ كَحَقِّ الوَالِدِ على وَلَدِهِ.

  • و قال: عَلِيّ وَزِيرِي وَ وَارِثِي.

  • و قال: يَا عَلِيّ لَا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ و لَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ.

  • و قال: عِنْوَانُ صَحِيفَةِ المُؤْمِنِ: حُبُّ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.1

  • و قال: النَّظَرُ إلَى وَجْهِ عَلِيّ عِبَادَةٌ.

    1. «تاريخ بغداد» للحافظ الخطيب، ج 4، ص 410. طبعة مطبعة السعادة- مصر.

معرفة الإمام ج۷

16
  • و قال: مَثَلُ عَلِيّ في هَذِهِ الامَّةِ مَثَلُ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ». من قرأها مرّة، فكأنما قرأ ثلث القرآن؛ و من قرأها مرّتين، فكأنما قرأ ثلثي القرآن؛ و من قرأها ثلاث مرّات، فكأنما ختم القرآن كلّه. و من أحبّ عليّاً بقلبه، فقد حاز ثلث الإيمان؛ و من تبعه بقلبه و لسانه، فقد حاز ثلثي الإيمان؛ و من أحبّه بقلبه و لسانه و جوارحه، و اتّبعه، فإنّ إيمانه أكمل الإيمان.

  • و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي؛ طَاعَتُهُ طَاعَتِي وَ مَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتِي.

  • و قال: يَا عَلِيّ! أنْتَ تُبْرِئُ ذِمَّتِي، وَ أنْتَ خَلِيفَتِي على امَّتِي.

  • و قال: يَا عَلِيّ أنْتَ تَقْضِي دَيْنِي.

  • و قال: إنَّ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ مُنْجِزَ وَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.

  • و قال: ... يَا عَلَيّ! أنْتَ تُؤدِّي عَنِّي، وَ تُسْمِعُهُمْ صَوْتِي، وَ تُبَيِّنُ لَهُمْ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي.1

  • يضاف إلى ذلك كلّه أنّ آية الولاية قد نزلت عند التصدّق بالخاتم أثناء الركوع، و ذلك في مسجد النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم. و قد جعلت الآية عليّاً عليه السلام في مصافّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم وليّاً للمسلمين بالولاية الإلهيّة على سبيل الحصر بكلّ صراحة. فقد قال عزّ من قائل: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.2

    1. «حلية الأولياء» للحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ، ج 1، ص 63 و 64، طبعة مطبعة السعادة- مصر.
    2. الآية 55، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

17
  • و هذه الآية في سورة المائدة؛ و كما نعلم فإنّ هذه السورة هي آخر سورة نزلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. حيث اوحيت إليه في المدينة بعد حجّة الوداع طيلة سبعين يوماً اعتباراً من يوم غدير خمّ حتّى اليوم الذي توفّي فيه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و في أيّام مرضه، أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بغلق جميع أبواب الصحابة الملاصقة للمسجد النبويّ الشريف، و ذلك لكي لا يكون هناك طريق من دورهم إلى المسجد. و لم يترك باباً مفتوحاً إلّا باب أمير المؤمنين عليه السلام الذي لم يُغْلَق بأمره صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و من الأبواب التي تمّ إغلاقها: باب العبّاس عمّ النبيّ، و باب عمر، و باب أبي بكر، فجاء العبّاس إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و استأذنه أن يترك بابه مفتوحاً. فقال له رسول الله: ليس الأمر بيدي، بل الله لم يأذن بذلك. و قال عمر: يا رسول الله، إئذن لي بكوّة من أعلى بيتي لأري قدومك إلى المسجد! فقال صلّى الله عليه و آله و سلّم: أوحى لي ربّي أن أغلق جميع الأبواب إلّا باب عليّ بن أبي طالب. لذلك أمر بغلق جميع الأبواب بما فيها خَوفَة1 دار أبي بكر.

  • فهذه الامور وقائع حصلت لأمير المؤمنين عليه السلام في زمن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم. و هذه و أمثالها ممّا لا يحيطها الإحصاء تدلّ على القرب الشديد لأمير المؤمنين من رسول الله، و على روحانيّته الأكيدة و اقتران ولايته بولاية رسول الله. و لو لم يسبق أحد أيّ سابقة ذهنيّة أو معرفة بمهفوم وصاية الإمام عليه السلام و خلافته، كالشخص الغريب على

    1. الخَوفَةَ أو الكوَّة، نافذة صغيرة تترك مفتوحة في الغرفة ليؤدي الضوء إلي البيت.

معرفة الإمام ج۷

18
  • الإسلام مثل: اليهوديّ أو النصرانيّ، ثمّ يرى هذه الأشياء، فلا ريب أنه سيقول: لا جرم إنّ هذا المقام هو مقام الخلافة و الولاية و الإمامة بعد رسول الله. و قد أتينا عليها كلّها بالتفصيل في المباحث المتقدّمة أو التي ستأتي في كتاب «معرفة الإمام» بأسانيد معتبرة عن كتب الشيعة، و عن كتب العامّة كحفّاظهم. و كلّ من رغب أن يرجع إلى أسانيدها عاجلًا، غير التي جاءت لحد الآن في كتاب «معرفة الإمام»، فليراجع كتاب «غاية المرام» للسيّد هاشم البحرانيّ، و «شواهد التنزيل» للحاكم الحَسْكَاني، و «فرائد السمطين» للحَمّوئيّ، و الأجزاء الثلاثة من تأريخ أمير المؤمنين عليه السلام من «تاريخ دمشق» لابن عساكر.

  • و يستفاد من هذه المقدّمة أنّ التمهيد لخلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان مشهوداً و ملموساً تماماً منذ بدء البعثة النبويّة الشريفة، و على امتداد ثلاث و عشرين سنة من نبوّة الرسول العظيم صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و كان بيّناً واضحاً لكلّ جماعة و فريق. بَيدَ أنّ الرسول الكريم لمّا أوشك أن يُدعى فيجيب بناءً على ما أخبره به جبريل من ارتحاله لذلك جاء الإعلان العامّ، و التنصيب العلنيّ، و إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام و إمامته لجميع طوائف المسلمين بوجه عامّ في غدير خمّ، إذ مهّد رسول الله الأرضيّة في حجّة الوداع. و كان يتحدّث في خطبة عن كتاب الله و عترته، حتّى حان موعد الغدير و هبط جبريل بهذه الآية: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.

  • حديث الإمام الرضا عليه السلام في مجلس المأمون

  • و نختم هذه المقدّمة الشريفة بحديث شريف روى عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه الصلاة و السلام في مجلس المأمون، ننقله عن كتاب «غاية المرام»:

معرفة الإمام ج۷

19
  • روى السيّد البحرانيّ عن ابن بابويه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذَوَيه المؤدّب، و جعفر بن محمّد بن مسرور، قالا: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أبيه، عن الريّان بن الصَّلْت، قال:

  • حضر [الإمام] الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو. و قد اجتمع في مجلسة جماعة من علماء أهل العراق و خراسان.

  • فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.1

  • فقالت العلماء: أراد الله تعالى بذلك الامّة كلّها.

  • فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟!

  • فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا: و لكنّي أقول: أراد الله بذلك العترة الطاهرة.

  • فقال المأمون: و كيف عني العترة من دون الامّة؟

  • فقال الرضا: عليه السلام: لو أراد الامّة، لكانت بأجمعها في الجنّة لقول الله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.2

  • ثمّ جمعهم كلّهم في الجنّة، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.3

  • [ (و لمّا لم تكن الامّة كلّها في الجنّة، فلا محالة أنّ المراد من المصطفين الذين يشملون الأصناف الثلاثة هم العترة)]. فَصَارَتِ الوِرَاثَةُ لِلعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ لَا لِغَيْرِهِمْ.

  • فقال المأمون: مَنِ العترة الطاهرة؟!

    1. ( 1 الى 3)- الآيتان 32 و 33، من السورة 35: فاطر.
    2. ( 1 الى 3)- الآيتان 32 و 33، من السورة 35: فاطر.
    3. ( 1 الى 3)- الآيتان 32 و 33، من السورة 35: فاطر.

معرفة الإمام ج۷

20
  • فقال الإمام: الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: فَقَالَ: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»؛ وَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: «إنِّي مَخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ ألَّا وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ؛ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا! أيُّهَا النَّاسُ! لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ»!

  • قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة أ هُمُ الآل أم غير الآل؟ فقال الرضا عليه السلام: هُمُ الآل.

  • و يبدأ هنا نقاش الإمام عليه السلام فيعرض مواضيع نفيسة و قيّمة جدّاً تشغل ثلاث صفحات تقريباً من كتاب «غاية المرام» و هي صفحات مليئة و من القطع الرحليّ و مشحونة بالكلمات. و قد تجنّبنا ذكر ذيلها مراعاة للاختصار.1

  • اختلاف درجات المسلمين في زمن رسول الله صلّى الله عليه و آله في الإيمان به

  • المقدّمة الثانية: إنّ صحابة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و كافّة الذين أسلموا في عصر النبيّ الأكرم عموماً لم يكونوا متساوين من كلّ الجهات، بل كانوا على درجات و مستويات مختلفة من حيث وعي النبوّة، و استيعاب معنى الوحي، و إدراك الدرجات و المقامات التي كان يتمتّع بها رسول الله، و فهم عالم الغيب، و اليقين بخلوص رسول الله و إخلاصه في جميع الأعمال و السلوكيّات الشخصيّة و الاجتماعيّة، و العباديّة و غير العباديّة، و النظر إلى ذلك الإنسان العظيم من حيث الطهارة المعنويّة، و الاتّصال بالملأ الأعلى و جبريل، و بالتالى و إجمالًا في النظر إليه من حيث التجرّد عن النفس و الاتّصال بالله جلّ اسمه في كلّ أمر من الامور.

  • فبعضهم كسَلْمَان، وَ عَمَّار، و المِقْدَاد، و أبي ذَرّ، و عُثْمَان بنِ

    1. «غاية المرام»، تحت الحديث رقم 9، من ص 219 إلي 222.

معرفة الإمام ج۷

21
  • مَظْعُونَ، وَ خَبَّابَ بن الأرَتّ، و كثير من شهداء بدر، و احد، و الأحزاب، و غيرها من الغزوات، كانوا يؤمنون به إيماناً صلباً جعلهم بلا إرادة و اختيار أمام إرادته و اختياره صلّى الله عليه و آله و سلّم. و كانوا من الفانين فيه فناءً محضاً إذ كانوا يرونه متّصلًا بالغيب متجرّداً عن هوى النفس، منقطعاً إلى الله.

  • و هؤلاء لا فرق عندهم بين أن يقرأ عليهم رسول الله آيات القرآن، أو يأمرهم و ينهاهم بأوامره و نواهيه الشخصيّة. و لا فرق عندهم بين أن يكون فعله عباديّاً، أو سياسيّاً، أو شخصيّاً، أو اجتماعيّاً. أو أن يكون نكاحاً، أو صوماً، أو حجّاً. و لا فرق عندهم بين أن تتعدّد زوجاته، أو أن يتزوّج زوجه ابنة بالتبنّيّ، أو غير ذلك. و لا فرق عندهم بين الهجرة و الإقامة، و الحرب و السلم. فكلّ ما كان و بأيّ شكل كان هو فعل الله، و من الله، طهارة محضة، و حقيقة خالصة لا تشوبها شائبة من عشّ عالم الاعتبار و المجاز و غلّه.

  • الحالات التي أبدى فيها عمر اعتراضه الصريح على رسول الله صلّى الله عليه و آله

  • و كان البعض يفرّق بين الآيات القرآنيّة و الوحي المنزل، و بين آرائه و أفكاره صلّى الله عليه و آله و سلّم. فكانوا يقولون: نحن نعتبر الآيات النازلة في القرآن الكريم واجبة الاتّباع؛ أمّا آراء النبيّ فليست كذلك، و بالنتيجة، فإنّنا لا نلزم أنفسنا باتّباعه في آرائه و أفكاره الشخصيّة، و لا نجعل إرادتنا تابعة لإرادته و فانية فيها. فرسول الله له رأيه. و نحن لنا رأينا أيضاً. و نقدّم رأيه حيناً، و نقدّم آراءنا حيناً آخر.

  • و صفوة القول، إنّ كلامهم ككلام كثير من العامّة إذ يقولون: كان رسول الله مجتهداً في شئونه الشخصيّة و آرائه، أو في تجهيز الجيوش، و بعث الجند في غزوة أو سريّة، أو في تنسيق و تنظيم الشؤون الإداريّة و المدنيّة و تنظيمها، فهو معرّض للخطأ أحياناً. و الآخرون مجتهدون أيضاً

معرفة الإمام ج۷

22
  • يصيبون و يخطئون.

  • لهذا يلاحظ أنهم كانوا يقولون له في كثير من الحالات: هل هذا كلام الله أو كلامك؟! و هل هذا الأمر منك أو من الله؟! و هل أنت قلت هذا أم الله أمرك به؟!

  • و الملاحظ أكثر في التواريخ المعتبرة أنّ هذا السلوك كان يبدر في الأغلب من أبي بكر، و عمر. و فيما يلي عدد من النماذج:

  • شكّ عمر في نبوّة رسول الله صلّى الله عليه و آله في الحديبيّة

  • الأوّل: في السنة السادسة من الهجرة، و في شهر ذي القعدة تحرّك رسول الله مع جماعة من أصحابه نحو مكّة قاصدين الطواف حول بيتالله الحرام. و ساقوا معهم البدن للهدي. فلمّا بلغ أرض الحديبيّة، منعه كفّار قريش من الذهاب. و عُقد بينه و بينهم صلح. و أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بحلق الرءوس، و نحر البدن، و الحلّ من الإحرام في الحديبيّة نفسها.

  • فعزّ ذلك على بعض الصحابة، فلم يبدوا استعداداً للحلق و النحر، و اغتمّ رسول الله و شكى ذلك إلى امّ سلمة. فقالت امّ سلمة: يا رسول الله! احلق و انحر؛ فحلق رسول الله و نحر. و حلق المعترضون و نحروا شاكّين في نبوّته.

  • فلمّا التأم الأمر و لم يبق إلّا الكتاب وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر و حدّثه بهذا الموضوع و شكى إليه عدم الدخول إلى مكّة لأداء العمرة، و النحر و الحلق في الفلاة، و شروط الصلح التي كانت ثقيلة و صعبة على المسلمين. و قال له: أ لم يكن رسول الله، يفعل كذا و كذا؟!

  • و بعد تبادل الكلام بينه و بين أبي بكر أتى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول الله! أ لستَ برسول الله؟

  • قال: بلى! قال: أ وَ لَسنا على الحقّ، و عدوّنا على الباطل؟! قال: بلى!

معرفة الإمام ج۷

23
  • قال: فَعَلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ قال: أنا عبد الله و رسوله، لن اخالف أمَره، و لن يضيّعني و هو ناصري.

  • قلتُ: أو لست كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت و نطوف حقّاً؟!

  • قال: بلى! أ فأخبرتك أن تأتيه العام؟! قلتُ: لا!

  • قال: فانّك تأتيه و تطوف به.

  • يقول عمر: ما شككت مذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ [في الحديبيّة].1

  • الثاني: في السنة العاشرة من الهجرة، و في حجّة الوداع، وقف رسول الله على جبل المروة، و نزل عليه جبرئيل بالوحي، فأمر الذين لم يسوقوا معهم الهدي (كالبدن مثلًا) أن يستبدلوا نيّة الحجّ بنيّة العمرة، و يحلّوا من إحرامهم. و كان عمر من الذين اعترضوا اعتراضاً شديداً على هذا الأمر، و قال: أ يَرُوحُ أحَدُنَا إلَى عَرَفَةَ وَ فَرْجُهُ يَقْطُرُ مَنِيَّاً؟2 فقال رسول الله: لن يؤمن بها حتّى يموت.

  • و لمّا بلغ رسول الله كلام عمر و أصحابه، بدت عليه علامات الغضب، حتّى جاء و خطب في الناس فقال: أمَّا بَعْدُ؛ فَتُعَلِّمُونَ أيُّهَا النَّاسُ! لأنَا وَ اللهِ أعْلَمُكُمْ وَ أتْقَاكُمْ لَهُ! وَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ هَدْياً وَ لأحْلَلْتُ.3

    1. ملخّص ما جاء في« سيرة ابن هشام» ج 3، ص 781 إلي 784؛ و في تفسير« مجمع البيان» ج 5، ص 116 إلي 119، طبعة صيدا؛ و في« بحار الأنوار» طبعة الكمباني ج 6، ص 562؛ نقلًا عن« تفسير عليّ بن إبراهيم».
    2. «إعلام الوري» ص 138؛ و« علل الشرائع» ص 413، طبعة دار إحياء التراث العربيّ؛ و« فروع الكافي» ج 4، ص 249 و 246 طبعة الآخونديّ.
    3. «الوفاء بأحوال المصطفي» ج 2، ص 210؛ و كتاب« حياة محمّد» لمؤلّفة هيكل، ص 461.

معرفة الإمام ج۷

24
  • و عند ما سألوه عن سبب غضبه، قال: ما لي لا أغضب و أنا آمر أمراً فلا يُتَّبَع؟ أو ما شعرت أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردّدون؟!1

  • لم يَرُقْ لعمر أمر الله و رسوله، حتّى إذا تسلّم زمام الامور، رفع هذا الحكم بصراحة، و قال: ليس لأحد أن يتمتّع في الحجّ، و مَن فعل، أجريت عليه الحدّ. يقول عمر: أنا اقِرُّ أنّ التمتّع سُنّة رسول الله، و لكنّي أرى أن لا يعمل به.

  • يقول أبو موسى [الأشعريّ]، إنّ عُمَرَ قَالَ: هي سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ- يَعْنِي المُتْعَةَ- وَ لَكِنِّي أخْشَى أنْ يُعَرِّسُوا بِهِنَّ تَحْتَ الأرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُوا بِهِنَّ حُجَّاجَاً.2

  • و لقد استعرضنا هذا الموضوع بحول الله و قوّته استعراضاً وافياً و الحمد للّه، و ذلك في بداية الجزء السادس من كتابنا هذا «معرفة الإمام».

  • منع عمر من جلب القلم و الورق لرسول الله صلّى الله عليه و آله

  • الثالث: في «الطبقات الكبرى» لابن سعد روايات كثيرة حول طلب رسول الله الكتف و الدواة و هو في الاحتضار ليكتب شيئاً لُامّته لا يضلّوا بعده أبداً، فقال عمر، إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ، كَفَانَا كِتَابُ اللهِ. و كان يمانع باستمرار، حتّى كثر اللغط بين الحاضرين عنده، فمنهم من قال: آتوه، و أنصار عمر قالوا: لا حاجة إلى ذلك، إلى أن امتعض رسول الله كثيراً، فقال: قوموا! لا ينبغي عند نبيّ نزاع؛ فودّع الدنيا و هو في غاية الحزن و الألم.

  • و كان ابن عبّاس يكرّر هذا الكلام دائماً: الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ وَ بَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ

    1. «حياة محمّد» لهيكل، ص 460 و 461، طبعة مطبعة مصر.
    2. «تفسير الميزان» ج 2، ص 90؛ عن« مسند» أحمد بن حنبل. طبعة الآخونديّ.

معرفة الإمام ج۷

25
  • الكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَ لَغْطِهِمْ.1

  • يقول محمّد حسنين هيكل: وَ فِيمَا هُوَ في هَذِهِ الشِّدَّةِ وَ في البَيْتِ رِجَالٌ قَالَ: هَلُمُّوا أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدَاً.

  • قَالَ بَعْضُ الحَاضِرِينَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ؛ وَ عِنْدَكُمْ القُرْآنُ؛ وَ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؛ وَ يَذْكُرُونَ أنَّ عُمَرَ هُوَ الذي قَالَ هَذِهِ المَقَالَةَ. وَ اخْتَلَفَ الحُضُورُ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ؛ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَأبَى ذَلِكَ مُكْتَفِياً بِكِتَابِ اللهِ؛ فَلَمَّا رَأي مُحَمَّدٌ خُصُومَتَهُمْ قَالَ: قُومُوا!2

  • و يقول هيكل بعد هذا الكلام مباشرة: وَ مَا فَتِئَ ابنُ عَبَّاسٍ بَعْدَهَا يَرَى أنهُمْ أضَاعُوا شَيْئاً كَثِيراً بِأنْ لَمْ يُسَارِعُوا إلَى كِتَابِةِ مَا أرَادَ النَّبِيّ إمْلَاءَهُ.

  • أمَّا عُمَرُ فَظَلَّ وَ رَأيَهُ، أنْ قَالَ اللهُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ».3

  • الرابع: ذكر ابن عساكر ستّ روايات جاء فيها أنّ رسول الله و أمير المؤمنين صلوات الله عليهما كانا يتناجيان فترة في يوم الطائف. و لمّا بدت الكراهيّة على وجوه بعض الصحابة (أبي بكر و عمر) بسبب طول المناجاة، و سئل النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم فيما بعد عن نجواه مع أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما أنا انتجيته، و لكنّ الله انتجاه.

  • و جاء في رواية: فَرَأى الكَرَاهِيةَ في وُجُوهِ رِجَالٍ فَقَالُوا: قَدْ أطَالَ مُنَاجَاتَهُ مُنْذُ اليَوْمِ فَقَالَ: «مَا أنَا انْتَجَيْتَهُ وَ لَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».

    1. «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 244. طبعة دار صادر، بيروت.
    2. «حياة محمّد» لمحمّد حسنين هيكل، ص 474 و 475.
    3. «حياة محمّد» ص 475.

معرفة الإمام ج۷

26
  • و في رواية اخرى: فَلَحِقَ أبُو بَكْرٍ (ظ) وَ عُمَرُ فَقَالا: طَالَتْ مُنَاجَاتُكَ عَلِيَّاً يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «مَا أنَا انَاجِيهِ (كذا) وَ لَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».1

  • الخامس: يقول ابن أبي الحديد: قال ابن عبّاس: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته. فانفرد يوماً يسير على بعيره، فاتّبعته، فقال لي: يا ابن عبّاس! أشكو إليك ابن عمّك (عليّ بن أبي طالب) سألته أن يخرج معي، فلم يفعل.

  • و لم أزل أراه واجداً، فيم تظنّ موجدته؟!

  • قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّك لتعلم!

  • قال: أظنّه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.

  • قلت: هو ذاك. إنّه يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له.

  • فقال: يا ابن عبّاس! لو أراد رسول الله الأمر له، فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟! إنّ رسول الله أراد أمراً، و أراد الله غيره، فنفذ مراد الله، و لم ينفذ مراد رسوله. أ وَ كلّما أراد رسول الله كان؟!

  • و قد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، و هو قوله: إنّ رسول الله أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة، و انتشار أمر الإسلام.

  • فعلم رسول الله ما في نفسي و أمسك، و أبي الله إلّا إمضاء ما حتم.2

  • و يقول عبد الفتّاح عبد المقصود: قال عمر لابن عبّاس: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و الخلافة، فنظرتْ لنفسها فاختارت، و وفّقتْ فأصابت.

    1. «تاريخ دمشق» لابن عساكر، ج 2، ص 307 إلي 311، طبعة دار التعارف، بيروت.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج 12، ص 78 و 79.

معرفة الإمام ج۷

27
  • فقال ابن عبّاس: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله قال لقوم [يستحقّون الهلاك لكراهتهم حكم الله]: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ».1

  • و أمّا قولك: إنّ قريشاً اختارت، فإنّ الله يقول: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ.2

  • فلم يجبه عمر غير أنه غضب عليه.3

  • و نرى هنا أنّ عمر قد خلط بين الإرادة التكوينيّة و الإرادة التشريعيّة للّه، و أخطأ؛ و جواب ابن عبّاس المفحم قد قطع عليه الطريق. و جواب عمر هذا كقول عبيد الله بن زياد للسيّدة زينب سلام الله عليها في مجلس دار الإمارة بالكوفة: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَتَلَكُمْ وَ أكْذَبَ احْدُوثَتَكُمْ.

  • فقال زينب سلام الله عليها: «كَتَبَ اللهُ عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم» لا ينافي ارتكابك و ارتكاب يزيد للقتل من وحي الجريمة. و إرادة الله لا تمنع قبح فعلكما؛ و لا تسلب منكما الاختيار. و يزيد أيضاً في الشام ينسب قتل أهل البيت إلى الله، و يرى أنّ حكومته من الله.

  • و كثيراً ما نجد في تأريخ بني العبّاس سلاطينهم قد مُنوا بهذا الخبط؛ فعزوا أعمالهم القبيحة إلى الله، و اعتبروا سلطتهم و حكومتهم من الله لما رأوا من وجودها بأيديهم. و أمّا عدم خلافة أئمّة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم اعتبروا ذلك ناتجاً عن عدم التقدير الإلهيّ، و نابعاً من عدم أحقّيّتهم.

    1. الآية 9، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم.
    2. قسم من الآية 68، من السورة 28: القصص.
    3. «الإمام عليّ بن أبي طالب» لعبد الفتّاح عبد المقصود، ج 1، ص 220، طبعة منشورات مكتبة الوفاق، بيروت.

معرفة الإمام ج۷

28
  • و كم أنشد الشعراء المتملّقون من قصائد في وصف العبّاسيّين و حكومتهم الإلهيّة العادلة على حدِّ زعمهم، و ذلك على امتداد خمسة قرون من الحكم العبّاسيّ! و كم نظموا القصائد الكثيرة في مجالس الحكّام و الامراء و أبناء الامراء للحطّ من شأن أهل البيت، و التصريح بعدم أحقّيّتهم استناداً إلى عدم التقدير الإلهيّ بالنسبة لحكومتهم، فسوّدوا بذلك وجه التأريخ.

  • يقول أبو شَمْط: مَرْوَانُ بْنُ أبِي الجَنُوب: أنشدت المتوكّل شعراً ذكرت فيه الرافضة (أئمّة الشيعة)، فعقد لي على البحرين، و اليمامة، و خلع عَلَيّ أربع خلع. و خلع عَلَيّ ابنه المنتصر. و أمر لي المتوكّل بثلاثة آلاف دينار من الذهب، فَنُثِرَتْ عَلَيّ. و أمر ابنه المُنتَصِرَ وَ سَعْداً الإيتَالِي أن يلقطاها لي، ففعلا.

  • و الشعر الذي قلته:

  • مُلْكُ الخَلِيفَةِ جَعْفَرٍ***لِلدِّينِ وَ الدُّنْيَا سَلَامَه

  • لَكُمُ تُرَاثُ مُحَمَّدٍ***وَ بِعَدْلِكُمْ تُنْفَى الظُّلَامَه

  • يَرْجُوا التُّرَاثَ بَنُو البَنَا***تِ وَ مَا لَهُمْ فِيهَا قُلَامَه

  • وَ الصِّهْرُ لَيسَ بِوَارِثٍ***وَ الْبِنْتُ لَا تَرِثُ الإمَامَه

  • مَا لِلَّذِينَ تَنَحَلُّوا***مِيرَاثَكُمْ إلَّا النَّدَامَه

  • أخَذَ الوِرَاثَةَ أهْلُهَا***فَعَلَامَ لَوْمُكُمُ عَلَامَه

  • لَوْ كَانَ حَقُّكُمْ لَمَا***قَامَتْ على النَّاسِ القِيَامَه

  • لَيْسَ التُّرَاثُ لِغَيْرِكُمْ***لَا وَ الإلَهِ وَ لَا كَرَامَه

  • أصْبَحْتَ بَيْنَ مُحِبِّكُمْ***وَ الْمُبْغِضِينَ لَكُمْ عَلَامَه 1

    1. «الكامل في التاريخ» ج 7، ص 101، من الطبعة الثانية؛ و« تاريخ الطبريّ» طبعة السعادة، 1358 ه-، ج 7، ص 397. و نقل ذلك في« أعيان الشيعة» ج 15، ص 291، عن الطبعة الثانية في ترجمة جعفر بن الحسين، نقله عن القاضي أبي المكارم محمّد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن جرادة الحلبيّ في شرح قصيدة أبي فراس الميميّة المعروفة ب- الشافية، فإنّه حكي فيه عن مروان بن أبي حفصة، أنه قال:« أنشدت المتوكّل شعراً ذكرت فيه الرافضة. فعقد لي[ المتوكّل] على البحرين و اليمامة، و خلع عَلَيّ أربع خلع. ثمّ ذكر صاحب« الأعيان» شعراً عن جعفر بن الحسين في ردّ مروان بن أبي حفصة و مطلعه:
      قُلْ لِلَّذِي بِفُجُورِهِ--في شِعْرِهِ ظَهَرَتْ عَلَامَه
      --
      و نقل في كتاب« الغدير» ج 4، ص 175، 176 شعر مروان بن أبي حفصة، و شعر جعفر بن الحسين في ردّه؛ و ذلك في شعراء الغدير في القرن الرابع نقلًا عن« أعيان الشيعة».

معرفة الإمام ج۷

29
  • يقول أبُو الشَّمْط: ثمّ نثر عَلَيّ بعد ذلك لِشِعْرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.1

  • لقد فتح عمر بهذا المنطق الخاطئ طريق المغالطة لجميع حكّام الجور الذين جاءوا بعده؛ فلو كان الحصول على المنصب و الإمارة و الولاية في الإرادة الإلهيّة التكوينيّة دليلًا على الأحقيّة و الواقعيّة في الإرادة التشريعيّة، لما كان- مِن ثَمَّ- للظلم، و القبح، و الاعتداء، و الخيانة، و الجريمة، و أمثالها أيّ مفهوم. و كان التسلّط و نيل القدرة بأيّ! شكل و أيّ عنوان، دليلًا على الإرادة الإلهيّة و شاهداً على أحقّيّته.

  • بَيدَ أنّ عمر كان يفهم جيّداً أنه يخلط و يغالط، و لو كانت الطوارئ الخارجيّة و الوقائع و الأحداث التي تجري على أساس الاعتداء و الظلم و الخلاف لأمر الله و رسوله دليلًا على أحقيّة الأمر الواقعيّ الخارجيّ و حقيقته، فلما ذا اعترض عمر على رسول الله في قضيّة الحديبيّة، و شكَّ في نبوّته؟ فكان له أن يقول: أراد رسول الله أمراً، و أراد الله غيره. و التسليم في هذه الحالة لأمر الله. و أراد رسول الله العمرة و الطواف حول

    1. «الكامل في التاريخ» ج 7، ص 101.

معرفة الإمام ج۷

30
  • بيت الله، و أراد الله صدّ الكفّار، و الحلق، و نحر البُدن في وسط الصحراء، و الرجوع إلى المدينة بلا عمرة.

  • و لا دخل لنا بهذا المنطق العُمَرِيّ؛ فعمر كان يعرف منهجه الفكري. إلّا أنَّ ما نريد معرفته هنا أنّ هذا المنطق مخالف لمنطق الإسلام، و معاكس لمنطق القرآن، و مغاير لدأب رسول الله و ديدنه، و مناهض لآراء أرباب الأديان السماويّة.

  • و في ضوء الآراء العمريّة، فإنّ سَوْقَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حاسر الرأس ليبايع، و كسر ضلع الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، و إجهاض جنينها البريء: المحسن، و غصب فدك و هي نحلة الزهراء الصدّيقة، كلّ ذلك إرادة الله. و لو لم يرد الله، لما وقع. و بوجه عامّ، فلا معنى لغصب الولاية في رأيه، ذلك لأنّ عنوان الغصب في هذه الحالة ليس له تحقّق خارجيّ أبداً. فكلّ من تسنّم منصباً بأيّ شكل و عنوان، فإنّه على الحقّ، و أنّ ذلك قد جرى بإرادة الله!

  • و هكذا فإنّ الجرائم الواقعة في سقيفة بني ساعدة، و سَوق الناس إلى البيعة، في وقت كان جثمان رسول الله ملقى على الأرض لم يدفن بعد، و الأحداث التي أعقبت السقيفة خلال مدّة حُكم الخلفاء الثلاثة التي امتدّت خمساً و عشرين سنة، ثمّ تمرّد معاوية و بغيه، و اغتيال أمير المؤمنين عليه السلام في المحراب، و الظلامات التي عانى منها الإمام الحسن عليه السلام، و الأحداث الدامية المؤلمة في كربلاء، و المشاهد الموجعة المتمثّلة في سبي الحوراء زينب عليها السلام على مرأى من أهل الكوفة و الشام و البقاع الاخرى و ... و ... و ... قد جرى بأجمعه بإرادة الله! و لو لم يشأ ذلك، لم يحدث! و لهذا فقد كان الحقّ مع الذين ارتكبوا تلك الجرائم، و بالملازمة فقد كان الحقّ مجانباً لُاولئك المظلومين المشرّدين الذين نهشتهم السيوف

معرفة الإمام ج۷

31
  • من أجل إعلاء كلمة الحقّ، و الذين طووا تلك الفيافي و القفار جياعاً ظامئين على جمال بغير غطاء و لا وطاء، تلفح وجوههم الشمس المحرقة.

  • و من هنا يستبين للقارئ الكريم جيّداً أنّ منطق عمر كان الباعث على استبدال نبوّة الإسلام و رسول الله بالسلطنة و الملكيّة و الكسرويّة و القيصريّة، و كان الباعث على تحكّم الأمويّين و العبّاسيّين في رقاب المسلمين طيلة ستّة قرون متوالية و بالتالى افول دين الإسلام المقدّس و انكدار نجم النبوّة المصحوبة بولاية الرسول الأعظم و طهارته التي انبثقت عنها طهارة أهل البيت و أئمّة الحقّ. و هو الذي جعل الحكومة الجائرة و الظالمة لكسرى و قيصر تتقمّص شكل الخلافة الإسلاميّة، و يظهر الحكّام بمظهر خلفاء المسلمين.

  • نظريّة عمر في الإمامة هي نظريّة ماكيافيلّي

  • و ما الفرق بين نظريّة عمر و نظريّة الناهبين و الطامعين الدوليّين في عالم اليوم؟ فهؤلاء يقولون أيضاً: من كانت الحكومة بيده، فله السيادة و الحقيقة و الأصالة التي لا تمثّل إلّا القبض على مقاليد الامور.

  • و نظريّة عمر في الإمامة هي نفس نظريّة" ماكيافيلّي" الإيطالىّ، أو بتعبير أصحّ: نظريّة" ماكيافيلّي" هي نظريّة عمر نفسها. ف" ماكيافيلّي" يقول أيضاً: الملاك في الشرف و الأصالة و الواقعيّة عند الإنسان هو القبض على مقاليد الامور، و من كانت له الحكومة، فهو عزيز و منصور، و قد بلغ هدفه. و من كان فاقداً لها، فهو متخلّف عن قافلة الوجود؛ و ناءٍ عن موكب الظافرين الذين بلغوا الهدف.

  • و الفارق بينهما فقط في اختلاف التعبير. فعمر يعبّر عن القدرة الفعليّة، و الاستيلاء على المنصب بأنهما يتحقّقان عمليّاً في الخارج بإرادة الله. أمّا" ماكيافيلّي" فيعبّر عن ذلك بالواقعيّة و الأصالة و ملاك الشرف، و مثالها من المفردات.

معرفة الإمام ج۷

32
  • و لكم أن تقارنوا بين هذا المنطق و منطق سيّد الموحّدين و مولى المتّقين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول: وَ اللهِ لَوْ اعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أفْلَاكِهَا على أنْ أعْصِيَ اللهَ في نَمْلَةٍ أسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ؛ وَ إنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فم جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا! مَا لِعَلِيّ وَ لِنَعِيمٍ يَفْنَي وَ لَذَّةٍ لَا تَبْقَى؟!1

  • و منطق عمر يقارب منطق أبي سفيان الذي كان يخال أنّ الحكومة تمثّل ابّهة و جلالًا و عظمة من منظار هذه الدنيا و هذه النشأة. و كان ينكر الرابطة بين النبوّة و الاتّصال بعالم الغيب، و الحكومة الإلهيّة الحقّة. و بعبارة اخرى، كان يقول: إنّ ما قاله محمّد عن هذه الدنيا و حكومتها و إمارتها يتعلّق بشؤون هذه الدنيا. و الحكومة؛ و السلطنة، فلا خبر من عالم الغيب. و لا معنى للارتباط به، و لا معنى لخضوع هذا العالم لأحكام ذلك العالم.

  • و لم يستطع أبو سفيان أن يتصوّر معنى الشهامة و التضحية و الجهاد و الإيثار للّه و الحقيقة و بلا أيّ توجّه مادّيّ؟ و لم يستطع أن يتصوّر أنّ جنود الإسلام الذين يضربون بسيوفهم ليس لهم هدف مادّيّ، و لا طموح إلى الرئاسة و الحكومة على الناس، فعملهم للّهِ و في اللهِ.

  • و الطابور العظيم من المنافقين- سواءً الذين أسلموا في فتح مكّة، أو الذين بهرتهم عظمة الإسلام فلم يجدوا بدّاً من أن يظهروا إسلامهم- يتألّف من أمثال هؤلاء الأشخاص.

  • و كان المنافقون جماعة كثيرة تعدّ من الصحابة. أسلموا في الظاهر و شهدوا بوحدانيّة و رسالة النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم إلّا أنّ قلوبهم لم تسلم و لم تؤمن، و كانوا ينظرون إلى الإسلام في باطنهم كحكومة قوميّة

    1. «نهج البلاغة» الخطبة 216، عبده.

معرفة الإمام ج۷

33
  • أو إمارة دنيويّة.

  • كلام أبي سفيان لعثمان في أمر الخلافة

  • و لمّا تسلّم عثمان مقاليد الامور، دخل أبو سفيان إلى مجلسه فقال:

  • يَا بَنِي امَيَّةَ! تَلَقَّفُوهَا تَلَقُّفَ الكُرَةِ! وَ الذي يَحْلِفُ بِهِ أبُو سُفْيَانَ: مَا زِلْتُ أرْجُوهَا لَكُمْ، وَ لَتصِيرَنَّ إلَى صِبْيَانِكُمْ وِرَاثَةً!

  • وَ قَالَ لِعُثْمَانَ: أدِرْهَا كَالكُرَةِ! وَ اجْعَلْ أوْتَادَهَا بَنِي امَيَّةَ! فَإنَّمَا هُوَ المُلْكُ؛ وَ لَا أدْرِي مَا مِنْ جَنَّةٍ وَ لَا نَارٍ! وَ أتَى قَبْرَ حَمْزَةَ سَيِّد الشُّهَدَاءِ عَلَيهِ السَّلَامُ فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا حَمْزَةُ! إنَّ الأمْرَ الذي كُنْتَ تُقَاتِلُنَا عَلَيهِ بِالأمْسِ قَدْ مَلَكْنَاهُ اليَوْمَ وَ كُنَّا أحَقَّ بِهِ مِنْ تَيْمٍ وَ عَدِيّ!1 و2

  • نستنتج ممّا ذكرناه في هذه المقدّمة إلى أيّ مدى كان المسلمون متفاوتين في عصر الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله؛ و في مستويات مختلفة من حيث الجنوح القلبيّ و الإيمان الحقيقيّ. و كان رسول الله في نبوّته يواجه هؤلاء الأشخاص المتفاوتين ذوي الاتّجاهات الفكريّة المتضاربة. و كم كانت الحياة مع هؤلاء شاقّة و صعبة بكلّ ما كان فيها من مجاراة و اتّصال و معاشرة و انس و تردّد و علاقات مع الكثيرين منهم.

  • عصمة الانبياء لا تنافي اختيارهم

  • المقدّمة الثالثة: إنّ جميع الأنبياء و المرسلين الذين بعثهم الله، و كافّة الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين و جميع المعصومين و المطهّرين من أولياء الله المقرّبين هم كسائر الناس مكلّفون و متأدّبون بتأديب إلهيّ.

  • و ينبغي لهم أن يجسّدوا عمليّاً كافّة الاستعدادات و القوى الفطريّة المودعة فيهم الواحدة بعد الاخرى بقدم المجاهدة و الاستقامة على الطريق،

    1. أيّ من أبي بكر و عمر.
    2. كتاب« الفردوس الأعلى» للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، و تعليقة السيّد محمّد على القاضي الطباطبائي، ص 20 و 21.

معرفة الإمام ج۷

34
  • و تقديم رضا الله على رضا النفس، و الصبر و تحمّل الأذى في طريق الوصول إلى المطلوب سبحانه و تعالى. و بهمّة عالية و عزم وطيد و إرادة صلبة لا تلين. و أن يقطعوا المنازل و المراحل المقرّرة في طريق القرب، و لقاء الذات الأحديّة، و الفناء في ذاته المقدّسة، و البقاء بالله بعد حصول مقام الفناء، و يطووا هذا الطريق باختيارهم و إرادتهم.

  • إنّ الاختيار الربّانيّ، و الارتضاء و الاصطفاء و الاجتباء في عوالم الغيب و عالم الذرّ و المثال و في العوالم النوريّة و المجرّدة و البسيطة في بدء الخليقة لا يؤدّي إلى سلب اختيارهم و إرادتهم، بل يؤيّد و يسدّد و يدعم الاختيار و الإرادة.

  • ذلك لأنّ الله شاء أن يبعث هؤلاء الأشخاص المطهّرين و المصطفين لتبليغ رسالته و هداية عباده، و هم يقطعون هذا الطريق و يسيرون في هذا الاتّجاه باختيارهم و قبولهم عبر حبّهم لمعبودهم. فكيف يمكن- و الحال هذه- أن نتصوّر أنهم يؤدّون ما عليهم من تكليف مكرهين بعصمة اضطراريّة و جبريّة بإرادة الله، و ليس ذلك إلّا خُلفاً1، و الخُلف يستلزم تغيير الإرادة الإلهيّة، و هو محال.

  • و لقد شاء الله أن يقوموا بالأعمال الصالحة الطاهرة من وحي اختيارهم، و يجتنبوا المعاصي و المحرّمات من وحي اختيارهم أيضاً. فلو كانت إرادة الله سبباً في سلب اختيارهم، و كانت طهارتهم و عصمتهم بشكل إجباريّ و قسريّ، فإنّ ذلك يستدعي اختلاف الإرادة عن المراد، و هو محال.

  • فالأنبياء و المرسلون- إذاً- مختارون كسائر الناس، و ينتهجون طريقهم بإرادتهم و اختيارهم. و يقومون بطائفة من الأعمال، و يتركون طائفة اخرى.

    1. خلفاً: يعني حمق و قلة عقل.

معرفة الإمام ج۷

35
  • لذلك ما برحوا يبلغون بقواهم و استعداداتهم تدريجيّاً إلى مقام الفعليّة؛ ثمّ يبلغون بتلك الفعليّة (التي هي القوّة و الاستعداد بالقياس إلى الدرجة العليا)، إثر الإرادة و الاختيار و قبول أمر الله إلى فعليّة أعلى و درجة أسمى و هكذا يواصلون طريقهم باستمرار و تدريجيّاً فيبلغون بكلّ قوّة من القوى المودعة فيهم إلى الكمال النسبيّ، ثمّ إلى الكمال المطلق، حتّى يصل وجودهم إلى الكمال المطلق، فيظفروا بمقام الإنسان الكامل.

  • و هذه المناصب و الدرجات جاءت من الطريق الذي انتهجوه باختيارهم، و من المقام الذي بلغوه بطوعهم و رغبتهم و إرادتهم و رضاهم.

  • و بلغ إبراهيم الخليل عليه السلام مقام الإمامة الذي منّ الله به عليه، و ذلك بعد حيازة مقام النبوّة، و تحطيم الأصنام في معبد الأصنام ببابل، و إلقائه في النار، و معارضته للنمرود و النمروديّين، و إبعاده من بابل إلى فلسطين، و اضطلاعه بأعباء النبوّة في تلك الربوع، و بعد أن تعرّض إلى امتحانات و ابتلاءات عديدة و بسبب صبره و تحمّله مع زوجته سارة بلا ولد يؤنسهما، ثمّ منّ الله عليه بالولد، و بعد بناء الكعبة مع نجله البارّ إسماعيل، و تَرك زوجته هاجر و ولده إسماعيل وحيدين في أرض مكّة الحارّة الكأداء القفر غير ذات زرع، و بعد البلاء الذي مرّ به متمثّلًا بأمره بذبح ولده الرشيد إسماعيل عَلَم التوحيد، و تقديم إسماعيل على مذبح المحبوب. و صفوة القول بعد أربعة و عشرين اختباراً نجح في اجتيازها. و كان صلوات الله عليه في سنّ الشيخوخة و الهرم إذ كان شعره الأبيض يتدلّى من رأسه و وجهه. قال عزّ من قائل:

  • وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.1

    1. الآية 124، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۷

36
  • و بلغ موسى عليه السلام مقام الكمال، و أصبح من أنبياء اولي العزم، و من أصحاب الشريعة و الكتاب بعد اختبارات عسيرة شاقّة في الدعوة مع الأسباط في مقابل الأقباط، و مواجهة فرعون مصر، و النزوح إلى فلسطين، و قضاء الأسباط أربعين سنة في التيه، و الذهاب إلى جبل الطور جائعاً ظامئاً أربعين ليلة لمناجاة الله، و تحمّل آثار العظمة و الجلال الإلهيّ.

  • و كان الرسول الأكرم محمَّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و سلّم وحيداً غريباً في مكّة أربعين سنة بحيث إنّه كان مرغماً على ترك بيت الله الحرام- مع أنه كان من أهل مكّة مجاوراً لبيت الله- للاختلاء مع الله في جبل النور في غَارِ حرَاء. ذلك الغار الذي كان على سفح الجبل. و كان الذهاب إلى ذلك المكان شاقّاً و خطيراً جدّاً. و كان يقيم في ذلك الغار وحده أيّاماً أو اسبوعاً أو اسبوعين أو أكثر.

  • و لا يخامرنا الشكّ- طبعاً- أنّ جوهرة وجود اولئك الرجال العظام تتفوّق و تمتاز عن الآخرين، كما أنّ الناس العاديّين يتباينون في الخلق من حيث الصفات و الغرائز و الملكات. و كذلك يتباينون من حيث الجهات الطبيعيّة كالطول و الحجم و اللون و الشمائل المتنوّعة. إلّا أنّ هذا التباين لا يجعلهم في صفٍّ مستقلّ متميّز من حيث التكليف و العصمة الاختياريّة. فالجميع ينبغي أن يكدحوا إلى الكمال، و يبلغوا غايتهم المنشودة، و ذلك بطاعة أمر الله، و قبول التوحيد، و بالمجاهدة و الكدّ و السعي في طيّ الطريق إلى الله.

  • النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ.1

    1. جاء في« إحياء العلوم» ج 1، ص 6: أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ، فَخِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا. و كذلك جاءت هذه العبارة نفسها عن رسول الله في« جامع السعادات» طبعة النجف، ج 1، ص 24 بدون قيد« إذَا فَقِهُوا».

معرفة الإمام ج۷

37
  • فالناس كالمعادن مختلفون في الغرائز و الصفات، و التألّق و اللمعان، و ايضاً في الدرجات و الاستعدادات. و كما أنّ المعادن فيها النحاس، و الحديد، و الذهب، و الفضّة، و الألماس، و هي تختلف فيما بينها، فكذلك أصناف الناس تختلف فيما بينها في الصفات و الغرائز و الملكات. إلّا أنّ النكتة هنا هي كما أنّ كلّ معدن ينبغي أن يستخرج، و يؤخذ إلى الفرن، و يتحمّل النار، و يذوب، و يفصل الغشّ من الخالص. و كما أنّ الألماس ينبغي أن يبري أيضاً على يد الخرّاط ليستفاد منه بما فيه من قابليّة، فكذلك طبقات الناس و أصنافهم ينبغي لها المجاهدة و التسليم لأمر الله لتتحرّر من العُجب و هوي النفس، و تظفر برؤية الله و لقائه.

  • و كلّ فرد من الناس مكلّف بإكمال القابليّة التي عنده و الاستعداد المودع فيه، و البلوغ بهما إلى مقام الفعل لا أن يصيّر نفسه كالآخرين. و الأنبياء مكلّفون أن يطهّروا جوهرتهم الذاتيّة؛ و الأئمّة مكلّفون أن يبلغوا مقام الولاية المطلقة في التعاليم الإلهيّة في مقام الخلوص و الإخلاص؛ و أولياء الله مكلّفون أن ينيروا سريرتهم الذاتيّة، و يجتازوا الحجب النورانيّة؛ و الناس العاديّون مكلّفون أيضاً أن يطهّروا سريرتهم الذاتيّة مهما كان الأمر، و يبعدوا عنها كلّ غشّ و غلّ، و يخرجوا من هوى النفس، و يظفروا بمقام رضا المحبوب، و هو الربّ المعبود. و لم يكلّف أحد أن يصير كالآخرين. و في يوم القيامة لا يسألون الشمر: لما ذا لم تكن كسيّد الشُّهداء؟! لما ذا لم تكن إماماً؟! بل يؤاخذونه قائلين: لما ذا ذبحتَ الإمام طواعية؟!

معرفة الإمام ج۷

38
  • و لا يسألون سلمان الفارسيّ: لما ذا لم تكن كأمير المؤمنين؟! بل يسألونه: هل استخدمت جميع القابليّات و القوى التي أودعها الله فيك على طريق رضا الله أو لا!

  • و لا يسألون أبا ذرّ الغفاريّ: لما ذا لم تكن كسلمان الفارسيّ؟! بل يسألونه: هل اكتملتَ يا أبا ذر أو لا؟!

  • فعلى هذا نرى أنّ العصمة و الطهارة الموجودتين في الأنبياء، المودعتين فيهم بإرادة الله، لا تستلزمان العصمة القهريّة و الطهارة القسريّة، بل هما منافيتان لذلك، و يمكن أن نعتبر العصمة و الطهارة الاختياريّتين معلولتين للنفس الشريفة التي يحملها المطيع، و مُسبّبتين عن الملكات الحميدة التي يتّصف بها اولئك العظماء بواسطة السجايا المباركة الناتجة عن أعمالهم الصالحة.

  • و الروايات المأثورة التي تنبئنا أنّ الله خلقهم قبل آدم أو قبل خلق العوالم الاخرى بألفي سنة، أو سبعة آلاف سنة، أو سبعين ألف سنة لا تعني السبق الزمنيّ، بل تعني السبق الرُّتبي و العِلّيّ في العوالم المجرّدة؛ و القصد من طول المدّة سعة العوالم النوريّة و المجرّدة بالنسبة إلى عوالم الطبع و الطبيعة.

  • الانبياء كغيرهم من الناس في الصفات البشريّة

  • و نفهم من هذا العرض أنّ الأنبياء كغيرهم من الناس لهم غرائز و صفات و اختيار و شئون معنويّة و حسّيّة و مادّيّة اخرى، و هم بشر بكلّ ما للكلمة من معنى. و يتمتّعون بغريزة العفّة و الحياء، و يتّصفون بالهيبة و الخشية، و يفرحون و يحزنون، و يضحكون و يبكون و لهم جسم مادّيّ، فهم يأكلون، و يجوعون، و يعطشون، و يرتوون و يشبعون، و فيهم غريزة النكاح و حبّ الجنس.

  • كما أنهم يشعرون بالألم، و بالفراق و الهجران. و كذلك يشعرون

معرفة الإمام ج۷

39
  • بالسرور. غاية الأمر أنهم استخدموا هذه الأعمال كلّها، و هذه الصفات و الغرائز، و هذه المشاعر في طريق رضا الله معبودهم الحقّ، و ما رسوها ابْتِغَاءً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.

  • و لم يُستثنَ رسول الله نبيّنا الكريم: خاتم الأنبياء و المرسلين من هذه القاعدة، بل كان كغيره من الأنبياء ذا صفات بشريّة. و كان حريصاً على تبليغ الأحكام. و كان يرهق نفسه و يتعبها في السعي لتبليغ القرآن الكريم و إرشاد الناس و هدايتهم. و كانت نفسه تذهب حسرات على فتور الكفّار و إعراضهم و صدّهم و عدم اهتمامهم. و لقد بالغ في الجهد لبيان الآيات الإلهيّة و اهتمّ اهتماماً مركّزاً لإيصال نداء القرآن الكريم. و كم كان يغضبه ما يواجهه من انتها كات كانت تصدر في بعض الأحيان إلى الحدّ الذي كان وجهه المبارك يحمرّ و أوداجه تنتفخ. و كان يستحيي أشدّ الاستحياء في مواضع الحياء و الخجل حتّى سمّوه: الحَييّ. و جاء في القرآن الكريم أنه كان يشقّ على نفسه كثيراً في إيصال الأحكام. قال جلّ من قائل: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.1 و قال:

  • لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.2 و قال:

  • فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً.3

  • و ورد عن حيائه صلّى الله عليه و آله و سلّم: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي

    1. الآية 1 و 2، من السورة 20: طه.
    2. الآية 128، من السورة 9: التوبة.
    3. الآية 6، من السورة 18: الكهف.

معرفة الإمام ج۷

40
  • النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ.1

  • و جاء حول تصديقه كلام الناس إذ كلّما كانوا يطرحونه من كلام لا يردّه إلى أن قالوا: محمّد اذُن فقط، يصدّق كلّ ما يقولون؛ يسمع كلاماً متناقضاً فلا يردّه و لا يجادل و لا يناقش و لا يعترض: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ.2

  • و حول زواج زينب ابنة عمّته التي طلّقها ابنه بالتبنّيّ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ و كان هذا العمل مستقبحاً عند العرب إلى درجة أنهم كانوا يعتبرونه في حكم الزواج من زوجة الولد الحقيقيّ، فقد كُلّف النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم بتحطيم هذه السنّة الجاهليّة، و هو أوّل من قام بهذا العمل مع أنه كان يخشى ذلك حتّى نزل قوله تعالى: وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.3

  • و ورد بشأن لزوم رسالات الله و عدم تغييرها قوله: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ.4

  • خوف النبيّ من التبليغ العامّ لولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليهما

  • و بعد أن استبانت لنا هذه المقدّمات، نقول حول الإعلان العامّ عن ولاية مولى الموحّدين و أمير المؤمنين عليه السلام أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم كان حذراً خائفاً، و ذلك لما عرفناه من الحالة العامّة للصحابة و المعارضين إجمالًا. كان رسول الله خائفاً من عواقب إعلانه عن ولاية الإمام عليه السلام؟

    1. الآية 53، من السورة 33: الأحزاب.
    2. الآية 61، من السورة 9: التوبة.
    3. الآية 37، من السورة 33: الأحزاب.
    4. الآية 45 إلي 47، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة الإمام ج۷

41
  • و لم يخف نبيّنا الأكرم على نفسه من القتل، أو الرمي من شاهق، أو سقيه السمّ؛ ذلك لأنه كان لا يرى لنفسه أيّ قيمة أمام أمر الله، إذ سلّم أمره للّه كاملًا و نذر نفسه الشريفة للّه كأسهل ما يكون بكلّ إخلاص، بل كان خائفاً من تمرّد الناس؛ من أن يعمد المعارضون الذين كانوا من الشخصيّات الاجتماعيّة المتنفّذة و لهم مكانتهم المرموقة بين الناس و يعرفون كيف يحرّكونهم و قد ملكوا قلوبهم و دخلوا في نفوسهم، إلى إنكار النبوّة دفعةً واحدة و إلى الارتداد عن الإسلام، و يعلنون للناس أنّ هذه الخطوة التي أقدم عليها النبيّ العظيم تترجم حبّه للجاه و الرئاسة. و أنّ النبوّة حكومة مادّيّة و رئاسة ظاهريّة، و يقولون للناس: ها هو يودّع الحياة جاعلًا الرئاسة و الإمامة لصهره و ابن عمّه. إذ ليس للنبيّ ولد يرثه، و الصهر عند انتفاء الولد في حكم الولد و الوارث. و ها هو قد فوّض الرئاسة التي هي في حكم التاج و العرش إلى زوج ابنته.

  • و لو كانوا قد فعلوا ذلك، و عارضوا في ذلك المجلس العلنيّ، و تجاوزوا حدودهم بالامتهان و التمرّد و إثارة الفتن، فما الذي كان سيحدث؟ إنّ النبوّة و الجهود الشاقّة التي بذلها النبيّ خلال ثلاث و عشرين سنة كانت ستذهب سدىً و تضيع و لا يبقى منها شيء و سيشعر النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم بالخجل و المسئوليّة في مقابل العهد الذي قطعه لربّه أن يضطلع بعبء النبوّة مع جميع ما يكتنفها من مشاكل و مصاعب، لذلك كان النبيّ ينتظر الفرصة المناسبة و الوقت الملائم، و يقوّي الأرضيّة و يمهّد الأجواء أكثر فأكثر. و على الرغم من أنّ جبريل الأمين قد هبط و أمره بتبليغ ولاية ابن عمّه للناس، غير أنه لم يحدّد وقتاً للتبليغ. و مع كافّة تلك الخصوصيّات و الكيفيّات و السفر العظيم المتمثّل بحجّة الوداع التي كان أساسها لتعليم مناسك الحجّ، و بالأخص للإعلان عن الولاية العامّة، كان1

  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص41

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

42
  • النبيّ يعمل دائباً و باستمرار لإعداد الأرضيّة المناسبة و يخطّط لها.

  • فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام و كان قد أرسله إلى اليمن أن يرجع إلى مكّة و معه جزية أهل نجران. و التقيا في مكّة؛ و أصبحا شريكين في الحجّ، و نحرا مائة من البُدن في منى. و كان الفخر في المشاركة في الحجّ من نصيب مولى الموالى فحسب. و قد ثقل ذلك على البعض؛ بخاصّة اولئك الذين رفعوا عقيرتهم بالاعتراض في العمرة و حجّ التمتّع. فأرهقوا النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و أغضبوه و أزعجوه كثيراً.

  • و خطب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في مكّة و عرفات و منى خمس خطب. و كلّما أراد أن يعلن للملأ بصراحة عن ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عملا بتعليمات جبرئيل في هذا الصدد. و شعوراً بالمسؤوليّة حيال عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لم يجد الفرصة مؤاتية لذلك. فلهذا كان يوصي بعترته و أهل بيته في تلك الخطب.

  • فهذه درجة متقدّمة، إذ تمهّد الأرضيّة للإعلان و التعريف الشخصيّ؛ و حتّى أننا نجد النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم في آخر خطبة خطبها بمنى يوصي بكتاب الله و عدم افتراقه عن العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة. و أنهما متلازمان متلاصقان لا يفترقان؛ و أنهما مترافقان إلى قيام الساعة حتّى يردا على رسول الله الحوض في تلك العرصات. و أنهما معاً يضمنان سعادة الإنسان دوماً و أبداً.

  • ثمّ خرج النبيّ الكريم صلّى الله عليه و آله و سلّم من مكّة يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجّة. و توجّه إلى المدينة مع تلك المواكب و المحامل، و في غد ذلك اليوم و قبل يوم الغدير بثلاثة أيّام نزل جبرئيل بقوله عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ

معرفة الإمام ج۷

43
  • الْكافِرِينَ.1

  • نزلت الآية المذكورة بهذه الشدّة و التهديد بأنه لا يوجد وقت للتفكير بالمصلحة و إعداد الأرضيّة؛ إذ ينقضي الوقت و تمرّ الفرصة مرّ السحاب؛ و الله جلّ شأنه هو المتكفّل لحفظ الإسلام و صيانته من تلاعب الكفّار، و هو الذي يحول بينهم و بين مآربهم.

  • إنّ الولاية على درجة من الأهميّة بحيث جعلت مكافئة للنبوّة و في منزلتها و إذا ما فرّطتَ في الإعلان عنها، فإنّك لم تضطلع بأعباء الرسالة.

  • و لا بدّ أن يُقَدَّمَ عَلِيّ عليه السلام إلى الملأ، و يُعَرَّف لهم في مجلس واحد يشهده الجميع، فهو حافظ دينك و رسالتك بعدك! و هو الذي نُصِبَ خَليفة و وارثاً و وليّاً بعدك منذ اليوم الأوّل الذي تألّق فيه فجر الدعوة، و ذلك في مجلس العشيرة، و وفقاً لآية الإنذار و حديث العشيرة! و هو الذي رافقك خطوة خطوة في كلّ سنة و شهر و يوم و ساعة، و واساك في السرّاء و الضرّاء، و كشف الكرب و الغمّ و الحزن عن وجهك المنير في الغزوات و السرايا بسيفه البتّار! و هو بحر العلم و يمّ المعرفة الخضمّ الموّاج، العلم الذي ارتشفه منك متّبعاً أثرك متتلمذاً على يديك، و قد تعلّم في كلّ يوم باباً من العلم كان يفتح منه ألف باب! و هو الذي بات في فراشك ليلة الهجرة، و عرّض نفسه للبلاء مضحيّاً بها في سبيلك، و جلس جبريل و ميكال عنده حتّى الصباح، و باهى الله به ذينك المَلَكين المقرّبين!

  • تحرّك النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم حتّى إذا قارب الجُحْفَة- حيث ينفصل طريق المدينة عن الشام و العراق، و حيث النقطة الأخيرة التي تتلاقى فيها قوافل الحجّ، و منها يفترقون- حطّ رحاله في وادي غدير خُمّ.

    1. الآية 67، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

44
  • و أمر جميع الحجّاج أن يجتمعوا، فهذا هو المكان الذي ينصّب فيه أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و جاء في بعض الروايات و التفاسير أنّ قوله: بَلِّغْ ... نزل في هذا المكان؛ و عندئذٍ نزل النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم و أصدر أوامره المباركة باجتماع الحجيج.

  • قصيدة آية الله الكمبانيّ حول الغدير

  • و للمرحوم آية الله الشيخ محمّد حسين الإصفهانيّ رضوان الله عليه قصيدة مخمّسة في هذا المجال، نذكر عدة فقرات منها فيما يلي:

  • صبا به شهريار من بشيروار مىرسد***چه بلبلان خوشنواز لالهزار مىرسد

  • بيا تو أي صبا كه از تو بوى يار مىرسد***نويد وصل يار من زِ هَر كنار مىرسد

  • خوش آن دمى كه بينمش نشسته در كنار من 1***صبا درود بيكران بحيث يَمْلُا الْفَضَا

  • بكن نثار آستانه عليّ مرتضى***وليّ كارخانه قدر مُهَيمِن قضا

  • محيط معرفت، مدار حلم و مركز رضا***كه كعبة درش بود مَطاف و مُستجار من 2

  • به مشهد شهود او تجلّيات ذات بين***ز بود حقّ نمود او حقائق صفات بين

    1. يقول:« هبّت ريح الصبا على أميري مبشّرةً كالبلابل الغرّيدة القادمة من حديقة شقائق النعمان.
      هيّا يا صبا فإنّ فيك عطر الحبيب، و تأتي البشائر من كلّ مكان مبشّرة بلقاء الحبيب.
      و ما أجمل تلك اللحظة التي أرى فيها الحبيب جالساً إلي جانبي».
    2. يقول:« انثري يا صبا تحيّتي التي لا حدّ لها بحيث تملأ الفضاء لأعتاب عليّ المرتضى.
      فهو وليّ القَدَر و المهيمن على القضاء، و هو محيط المعرفة الحلم و مركز الرضا.
      و كعبة بابه مطافي و ملاذي الذي ألوذ به».

معرفة الإمام ج۷

45
  • ز نسخة وجود او حروف عاليات بين***مُفَصَّل از حدود او تمام مجملات بين

  • مُنَزَّه است از حدود اگر چه آن نگار من 1***مؤسّس مبانى و مؤصّل اصول شد

  • مصوّر معانى و مفصّل فصول شد***حقيقة المثانى و مكمِّل عقول شد

  • به رتبه حقّ ثانى و خليفة رسول شد***خلافت از نخست شد به نام شهريار من 2

  • بود غدير قطرهاى ز قُلزُم مناقبش***فروغ مهر ذرهاى ز نور نجم ثاقبش

  • نعيم خُلد بهرهاى ز سفرة مواهبش***اگر مرا به نظرهاى كشد دَمى به جانبش

    1. يقول:« انظُر إلي تجلّيات الذات في مشهد شهوده. و انظر إلي حقائق صفات الحقّ من تجلّيات وجوده.
      و انظر إلي الحروف العالية في نسخة وجوده. و انظر إلي تمام المجملات فيه فإنّه مفصل عن الحدود.
      و إن تنزّه حبيبي عن الحدود( لاقترانه بالله تعالي)».
    2. يقول:« صار واضعاً للُاسس و مشيّداً للُاصول. و مصوّراً للمعاني و مفصّلًا للفصول.
      و أصبح حقيقة المثاني و مكمّلًا للعقول. و صار في الدرجة الثانية للحقّ و خليفة الرسول.
      و كانت الخلافة باسم أميري منذ بداية العصور».
    3. يقول:« لقد كان الغدير قطرة من بحر مناقبه. و كان شعاع الشمس بصيصاً من نور نجمه الثاقب.
      و كان نعيم الخلد نصيباً من مائدة مواهبه. و يا ليته ينعم عَلَيّ بنظرة تجتذبني إلي جانبه. فأتباهي مفتخراً حتّي تبلغ قبّعة فخري فرق الفرقدين».

معرفة الإمام ج۷

46
  • چه نسبت است با هُما بهائهم و وحوش را***به بيخرد مكن قرين خداى عقل و هوش را

  • به دُرد نوش خود فروش پير مىفروش را***اگر موحّدى بشو ز لوح دل نقوش را

  • كه مُلك دل نمىسزد مگر به راز دار من 1***ولايتش كه در غدير شد فريضه أمَم

  • حديثى از قديم بود ثبت دفتر قِدَم***كه زد قلم به لوح قلب سيّد امَم رَقَم

  • مكَمِّل شريعت آمد و مُتمِّم نِعَم***شد اختيار دين به دست صاحب اختيار من 2

  • به أمر حقّ أمير عشق، شد وزير عقل كل***أبو الفتوح گشت جانشين خاتم رسل

  • رسيد راية الهُدى به دست هادى سبل***كه لطف طاعتش بود نعيم دائم الاكُل

    1. يقول:« شتّان بين طائر السعد و بين الوحوش و البهائم. و لا تقارن بين العاقل و بين الأبله الذي لا عقل له.
      فلا تقرن من يشرب ثمالة الكأس بمن أهرم نفسه و شيّب عمره في بيع الخمر. و لو كنتَ موحّداً فاغسل عن لوح قلبك النقوش.
      و لا يليق اجتذاب القلب و الهيمنة عليه إلّا بصاحبي الذي يكتم الأسرار».
    2. يقول:« ولايته في الغدير التي أصبحت فرضاً على الامم. كانت حديثاً منذ القديم مثبّتاً في دفتر القِدَم.
      فقد خطّ القلم على لوح قلب سيّد الامم، بأن قد جاء مكمّل الشريعة و متمّم النعم.
      و صار زمام الدين صاحبي ذي الاختيار».
    3. يقول:« أصبح أمير العشق وزيراً للعقل الكلّيّ بأمر الحقّ. و أصبح أبو الفتوح( أمير المؤمنين) خليفةً لخاتم الرسل.
      و وصلت راية الهدي بِيَدِ هادي السبل، فلطف طاعته نعيمٌ دائم الاكُل.
      و ما الجحيم إلّا شعلة من غضب ذلك الرجل العظيم».

معرفة الإمام ج۷

47
  • به مَحفلى كه شَمْع جمع بود شاهد ازل***گرفت دست ساقى شراب عشق لم يزل

  • مُعَرِّف وَلايتش شد و مُعيِّن مَحلّ***كه اوست جانشين من وليّ أمر عقد وحل

  • به دست او بود زمام شرع پايدار من 1***رقيب او كه از نخست داد دست بندگى

  • در آخر از غدير او نخورد آب زندگى***كسى كه خوى او بود چه خوك و سگ درندگى

  • چه مار و كژدم گزنده طبع وى زنندگى***همان كند كه كرد با امير شه شكار من 2 و 3

  • مشاكل و مضاعفات تحمّل الولاية

  • و ينبغي أن نعلم أنّ التنصيب في مقام الإمامة و الخلافة ليس شأناً من الشؤون الظاهريّة للإمام بحيث يبعث على الراحة و السعة و التمتّع بمقام يبتهج به، و يحتفي به فرحاً مسروراً. بل هو يستلزم الاضطلاع بالمسؤوليّة و الالتزام حيال القيام بما يلزم، و أداء المهمّة على أحسن وجه. فما أصعب هذا الأمر و أبهظه و أشقّه! و أيّ! مضاعفات ستعقبه! و لا بدّ من اجتيازها كلّها بصبر و اتّئاد و سكينة و من جملتها السكوت و عدم القيام بالسيف عملًا

    1. يقول:« و في وسط كان المعشوق الأزليّ ضياءه المتألّق، أخذ الساقي بِيَدِ العشق الدائم( إشارة إلي أخذ النبيّ يدَ عليّ أمير المؤمنين يوم غدير خمّ.
      فعرّف ولايته و أبان مقامه، إذ هو خليفتي و هو وليّ الأمر في الحلّ و العقد بعدي و بِيَدِه زمان شرعي الراسخ الوطيد».
    2. يقول:« و منافسه الذي مدّ له يد الطاعة و العبوديّة في بادئ الأمر، لم يرتشف إكسير حياته من غديره الفيّاض في آخر المطاف.
      و من كان طبعه الضراوة و الافتراس كالخنزير و الكلب، أو كان طبعه اللدغ كالأفعي و العقرب.
      فإنّه يفعل كما فعل مع أميري الذي صيده الملوك و الامراء».
    3. «ديوان آية الله الكمبانيّ» ص 28 إلي 30.

معرفة الإمام ج۷

48
  • بوصيّة الرسول الأعظم عند مبادرتهم لغصب الحقّ، و فقدان الناصر و المعين.

  • إنّ النصب في مقام الولاية يمثّل في الحقيقة نصباً في مقام الحلم و التحمّل و الرزانة في جميع تلك الوقائع و الأحداث. و نصباً في مقام الصبر و الحلم و الأناة حيال كافّة الأحداث التي ستتوالى على صاحب الولاية و مقام الولاية حتّى يوم القيامة. و يجسّد ذلك النصب إعلاناً عن الصمود و الاستقامة أمام الأحداث التي سيفتعلها الشيطان و النفس الأمّارة التي يحملها ذوو التوجّهات المريضة من الجهلة الذين لا علم لهم، و يضعها اولئك حجر عثرة في طريق الولاية كلّ يوم و زمان، و عقبة تحول دون الوصول إلى ساحة الحضور.

  • فما أصعب يوم الغدير على أمير المؤمنين! و ما أشقّه من ميعاد! و ما أثقله من لقاء مضنٍ مرهق! و ما أعظمه من يوم زاخر بالهيبة و الجلال!

  • و لا يتصوّر أحد أنه يوم السرور و الاغتباط من منظور الشؤون الدنيويّة، بل الأمر على عكس ذلك.

  • كما أنّ يوم المبعث النبويّ في غار حَراءْ كان أوّل يوم للنزول في عالم الكثرة، و الاضطلاع بعمل من شأنه الاصطدام بشخصيّات متحجّرة من أمثال أبي جهل، و أبي لهب، و أبي سفيان. و هو يوم تحمّل المصائب و الشدائد لتبليغ رسالات الله، و الامتثال للأمر السماويّ القاضي بتحطيم أصنام الجاهليّة، و تهذيب النفوس و تزكيتها؛ و مداراة و مسايرة عدد كبير من الجهلة الذي يختلقون أعظم المصائب من وحي جهلهم، و يفرضونها على رسول الله.

  • فلهذا أخذت رسول الله الرجفة؛ و لمّا جاء إلى بيته، سقط على الأرض من شدّة الهيبة و عظمة هذا الأمر، و ادّثّر في زاوية من الغرفة فنزل

معرفة الإمام ج۷

49
  • عليه جبريل و هو يتلو عليه قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ بعد قوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ؛ و قوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا بعد قوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ.

  • و كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم يعلم ما ذا ستجرّه ولاية الأمر هذه من ويلات على أمير المؤمنين. من ضربٍ و شتمٍ و قتلٍ و أسرٍ لأبنائه الطاهرين. و كان يرى ذلك أمامه كالمرآة و يوطّن نفسه الشريفة على جميع البلاءات لمرضاة الودود جلّ و عزّ، و يتلقّى الأمر بالعمل بقوله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بالطاعة و التسليم متفاعلًا معه بروحه و قلبه. و يقبل ذلك الإمام عليّ أيضاً بروحه و قلبه، و يرحّب به بنفس منشرحة و صدر رحب؛ و يلبّي دعوة الحقّ؛ و يذوب فيه طاعة و تسليماً بكل وجوده.

  • روى الحافظ أبو نُعَيم الإصفهانيّ! بسنده المتّصل عن أبي بَرزة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنَّ اللهَ تعالى: عَهِدَ إلَيّ عَهْداً في عَلِيّ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ بَيِّنْهُ لي!

  • فَقَالَ: اسْمَعْ! فَقُلْتُ: سَمِعْتُ!

  • فَقَالَ: إنَّ عَلِيَّاً رَايَةُ الهُدَى؛ وَ إمَامُ أوْلِيَائِي؛ وَ نُورُ مَنْ أطَاعَنِي؛ وَ هُوَ الكَلِمَةُ التي ألْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ؛ مَنْ أحَبَّهُ أحَبَّنِي؛ وَ مَنْ أبْغَضَهُ أبْغَضَنِي؛ فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ! فَجَاءَ عَلِيّ فَبَشَّرْتُهُ.

  • فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أنَا عَبْدُ اللهِ؛ وَ في قَبْضَتِهِ فَإنْ يُعَذِّبُنِي فَبِذَنْبِي؛ وَ إنْ يُتَمَّ لي الذي بَشَّرْتَنِي بِهِ؛ فَاللهُ أوْلَى بِي!

  • قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ اجْلُ قَلْبَهُ! وَ اجْعَلْ رَبِيعَهُ الإيمَانَ!

  • فَقَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ! ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَ إلَيّ أنهُ سَيَخُصُّهُ مِنَ البَلَاءِ بِشَيءٍ لَمْ يَخُصَّ بِهِ أحَداً مِنْ أصْحَابِي.

  • فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أخِي وَ صَاحِبِي!

معرفة الإمام ج۷

50
  • فَقَالَ: إنَّ هَذَا شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ؛ إنَّهُ مُبْتَلَىً وَ مُبْتَلَىً بِهِ.1

  • البلاء الذي نزل بأمير المؤمنين بعد رسول الله، و الفتن التي عاشها بعده

  • و ذكر إبراهيم بن محمّد بن مؤيّد الحمّوئيّ بسنده المتّصل عن عليّ بن أبي طالب قال: كنت أمشي مع النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم في بعض طرق المدينة، فأتينا على حديقة!

  • فقلتُ: يا رسول الله! ما أحسن هذه الحديقة!

  • فقال: [رسول الله]: ما أحسنها؟! و لك يا عليّ في الجنّة أحسن منها!

  • ثمّ أتينا على حديقة اخرى، فقلتُ: يا رسول الله! ما أحسن هذه الحديقة!

  • فقال [رسول الله]: ما أحسنها! و لك يا عليّ في الجنّة أحسن منها! ثمّ أتينا على حديقة اخرى، فقلت: يا رسول الله، ما أحسنها من حديقة!

  • فقال رسول الله: لك في الجنّة أحسن منها!

  • قال: فمشينا حتّى أتينا على سبع حدائق، و كلّما مررنا بحديقة منها، كنت أقول: يا رسول الله! ما أحسنها! فيقول: لك في الجنّة أحسن منها!

  • فَلَمَّا خَلَا لَهُ الطَّرِيقُ اعْتَنَقَنِي وَ أجْهَشَ بَاكِياً! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يُبْكِيكَ؟

  • قَالَ: ضَغَائِنُ في صُدُورِ أقْوَامٍ لَا يُبْدُونَهَا لَكَ إلَّا بَعْدِي!

  • فَقُلْتُ: في سَلَامَةٍ مِنْ دِينِي؟! قَالَ: في سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ.2

    1. «حلية الأولياء» ج 1، ص 66 و 67؛ طبعة مطبعة السعادة- مصر؛ و« ينابيع المودّة» باب 45، من طبعة إسلامبول سنة 1301 ه- ص 134؛ و« فرائد السمطين» باب 30، ج 1، ص 151.
    2. «فرائد السمطين» باب 30، ج 1، ص 152 و 153. الطبعة الاولي، طبعة مؤسّسة المحموديّ- بيروت؛ و« مناقب الخوارزميّ» طبعة النجف، ص 26؛ و« ينابيع المودّة» باب 45، ص 134.

معرفة الإمام ج۷

51
  • و روى موفّق بن أحمد أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ قال: أخبر رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم عليّاً بما سيلقي من أعدائه من المقاتلة: فَبَكَى عَلِيّ وَ قَالَ: أسْألُكَ يَا رَسُولَ اللهِ بِحَقِّ قَرَابَتِي وَ بِحَقِّ صُحْبَتِي أنْ تَدْعُو اللهَ أنْ يَقْبِضَنِي إلَيْهِ! فَقَالَ: يَا عَلَيّ! أنَا أدْعُو اللهَ لَكَ لأجَلٍ مُؤَجَّلٍ! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! على مَا اقَاتِلُ الْقَوْمَ؟! قَالَ على الإحْدَاثِ في الدِّينِ.1

  • و أخرج موفّق بن أحمد الخوارزميّ بسنده عن أبي ليلي، عن أبيه، قال: أعطى النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم الراية يوم خيبر إلى عليّ، ففتح الله عليه؛ و في يوم غدير خُمّ أعلم الناس أنه مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، و قال له: أنت منّي و أنا منك؛ و أنت تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله! و قال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي. و قال له: أنا سلم لمن سالمك، و حرب لمن حاربك؛ و أنت العروة الوثقى! و أنت تبيِّن ما اشتبه عليهم من بعدي! و أنت وليّ كلّ مؤمن و مؤمنة بعدي! و أنت الذي أنزل الله فيك:

  • وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.2

  • و أنت الآخذ بسنّتي! و الذابُّ عن ملّتي! و أنا و أنت أوّل من تنشقّ الأرض عنه؛ و أنت معي تدخل الجنّة؛ و الحسن و الحسين و فاطمة معنا، إنّ الله أوحى إليّ أن ابيّن فضلك؛ فقلت للناس و بلّغتهم ما أمرني الله تبارك و تعالى بتبليغه!

    1. «مناقب الخوارزميّ» ص 109؛ و« ينابيع المودّة» باب 45، ص 134. طبعة إسلامبول.
    2. قسم من الآية 3، من السورة 9: التوبة.

معرفة الإمام ج۷

52
  • ثمّ قال: اتَّقِ الضَّغائِنَ التي كَانَتْ في صُدُورِ قَوْمٍ لَا تُظْهِرُهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِي؛ اولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ وَ بَكَى.

  • ثُمَّ قَالَ: أخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ أنهُمْ يَظْلِمُونَكَ بَعْدِي، وَ أنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ لَا يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ عِتْرَتِنَا حتّى إذَا قَامَ قَائِمُهُمْ، وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَ اجْتَمَعَتِ الامَّةُ على مَوَدَّتِهِمْ، وَ الشَّانِي لَهُمْ قَلِيلٌ، وَ الكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلٌ، وَ المَادِحُ لَهُمْ كَثِيراً.

  • و ذلك حين تغيّر البلاد؛ و ضعف العباد، حين الياس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم مع أصحابه؛ فبهم يظهر الله الحقّ؛ و يخمد الباطل بأسيافهم؛ و يتبعهم الناس راغباً إليهم و خائفاً منهم! أبشروا بالفرج فإنّ وعد الله حقّ لا يخلف؛ و قضاءه لا يردّ؛ و هو الحكيم الخبير؛ و انّ فتح الله قريب.

  • اللهُمَّ إنَّهُمْ أهْلِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً؛ اللهُمَّ اكْلأهُمْ وَ ارْعَهُمْ وَ كُنْ لَهُمْ وَ انْصُرْهُمْ وَ أعِزَّهُمْ وَ لَا تُذِلَّهُمْ، و اخْلُفْنِي فِيهِمْ إنَّكَ على مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ.1

  • و قال عليّ بن أبي طالب [عليه السلام]:

  • كُلُّ حِقْدٍ حَقَدَتْهُ قُرَيْشٌ على رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ أظْهَرَتْهُ في، وَ سَتُظْهِرْهُ في وُلْدِي مِنْ بَعْدِي، مَا لي وَ لِقُرَيْشٍ! إنَّمَا وَ تَرْتُهُمْ بِأمْرِ اللهِ وَ أمْرِ رَسُولِهِ، أ فَهَذَا جَزَاءُ مَنْ أطَاعَ اللهَ وَ رَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ؟!2 «وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ».3

    1. «مناقب الخوارزميّ» الفصل 5، ص 23 إلي 25؛ و« ينابيع المودّة» الباب 45، ص 134 و 135.
    2. «ينابيع المودّة» الباب 45، ص 135.
    3. الآية 8، من السورة 86: البروج.

معرفة الإمام ج۷

53
  • اللهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِوِلَايَةِ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ أميرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلامِ.

معرفة الإمام ج۷

54
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الرَّابِعُ وَ التِّسْعُونَ إلى الدَّرْسِ السَّابِعِ وَ التِّسْعِينَ خُطْبَةُ رَسُول اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في غَديرِ خُمٍ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۷

56
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلَّا باللهِ العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.1

  • نقل موفّق بن أحمد خطيب خوارزم الأبيات التالية عن الصاحب بن عبّاد:

  • حُبُّ النَّبِيّ وَ أهْلِ البَيْتِ مُعْتَمَدِي***إذَا الخُطُوبُ أسَاءَتْ رَأيَها فِينَا

  • أيَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ أفْضَلَ مَنْ***سَادَ الأنَامَ وَ سَاسَ الهَاشِمِيِّينَا

  • يَا قُدْوَةَ الدِّينِ يَا فَرْدَ الزَّمَانِ أصِخْ***لِمَدْحِ مَوْلىً يَرَى تَفْصِيلَكُمْ دِينَا

  • هَلْ مِثْلُ سَبْقِكَ في الإسْلَامِ لَوْ عَرَفُوا***وَ هَذِهِ الخَصْلَةُ الغَرَّاءُ تُلْفِينَا

    1. الآية 67، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

57
  • هَلْ مِثْلُ عِلْمِكَ إنْ زَلُّوا و إن وَهَنُوا***وَ قَدْ هَدَيْتَ كَمَا أصْبَحْتَ تَهْدِينَا

  • هَلْ مِثْلُ جَمْعِكَ لِلقُرْآنِ تَعْرِفُهُ***لَفْظاً وَ معنى وَ تَأوِيلًا وَ تَبْيِينَا

  • هَلْ مِثْلُ حَالِكَ عِنْدَ الطَّيْرِ تُحْضِرُهُ***بِدَعْوَةٍ نِلْتَهَا دونَ المُصلّينَا

  • هَلْ مِثْلُ بِذلِكَ لِلْعَانِي الأسِيرَ وَ لل***طِّفْلِ الصَّغِيرِ وَ قَدْ أعْطَيْتَ مِسْكِينَا

  • هَلْ مِثْلُ صَبْرِكَ إذ خَانُوا وَ إذْ خَتَرُوا***حتّى جَرَى مَا جَرَى في يَوْمِ صِفِّينَا

  • هَلْ مِثْلُ فَتْوَاكَ إذْ قَالُوا مُجَاهَرَةً***لَوْ لا عَلِيّ هَلَكْنَا في فَتَاوِينَا

  • يَا رَبِّ سَهِّلْ زِيَارَاتِي مَشَاهِدَهُمْ***فَإنَّ رُوحِيَ تَهْوَى ذَلِكَ الطِّينَا

  • يَا رَبِّ صَيِّرْ حَيَاتِي في مَحَبَّتِهِمْ***وَ مَحْشَرِي مَعَهُمْ آمِينَ آمِينَا 1

  • نزول جبرئيل في غدير خمّ و توقّف رسول الله صلّى الله عليه و آله

  • خرج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله من مكّة و معه جميع حجّاج بيت الله الحرام، و ذلك في اليوم الرابع عشر، متوجّهاً إلى المدينة. و ذكر المؤرّخون أنّ حجّاج المدينة الذين كانوا معه، مائة و عشرون ألفاً، أو مائة و أربعة و عشرون ألفاً؛ ذلك لأنّ هذا الحجّ جاء بعد إعلان مسبق عنه، حتّى

    1. *- خَتَر فلاناً: غَدَرَ به أقبح الغدر، فهو خاتِر و ختّار.( م)
      1-« مناقب الخوارزميّ» طبعة النجف، الفصل السابع، ص 55 و 56.

معرفة الإمام ج۷

58
  • أنّ النبيّ أخبر أهل القرى و الأطراف أنه عازم على الحجّ، فمن تمكّن فليلتحق به. فلهذا حجّ أهل المدينة كلّهم بما فيهم نساؤهم، و لم يتخلّف إلّا العجزة و المرضى، و خلت المدينة من أهلها.

  • و خطب النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم عدّة مرّات موصياً بأهل البيت و لزوم الرجوع إلى الكتاب و العترة. و بذل قصارى جهده لتمهيد الأرضيّة للإعلان العامّ عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. و ما إن حلّت قافلته غدير خُمّ قرب الجُحفة1، حيث مفترق الطريق التي تؤدّي إلى المدينة و مصر و الشام، هبط عليه الأمين جبرئيل مرّة اخرى بهذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.2

  • و أجمع المؤرّخون أنّ هذه الآية نزلت في غدير خمّ في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، مع أنهم اختلفوا في اليوم هل كان الأحد أو الخميس. و في ضوء ما ذكرناه في المباحث المتقدّمة، فإنّ اليوم لا بدّ من أن يكون يوم الأحد.3

    1. الجُحْفَة: قرية كبيرة ذات منبر على طريق مكّة على أربع مراحل.( كانت تقام فيها صلاة الجمعة و الخطبة). و كان اسمها مَهْيَعَة، و سمّيت الجحفة لأنّ السَّيْلَ أجْحَفَها. و بينها و بين البحر ستّة أميال.(« مراصد الاطّلاع» ج 1، ص 315) و الغَدِير ما غودر من ماء المطر في مستنقع صغير أو كبير، غير أنه لا يبقى في القيظ. و خُمّ قيل: رَجُل، و قيل: غَيْضَة، و قيل موضع تصبّ فيه عين. و قيل: بئر قريب من الميثب حفرها مُرَّةُ بن كَعْب. نسب إلى ذلك غدير خُمّ. و هو بين مكّة و المدينة. و قيل: على ثلاثة أميال من الجحفة. و قيل على ميل. و هناك مسجد للنبيّ صلّى الله عليه و آله.(« مراصد الاطّلاع» ج 1، 482).
    2. الآية 67، من السورة 5: المائدة.
    3. «حبيب السِّيَر» ج 1، الجزء الثالث، ص 410.

معرفة الإمام ج۷

59
  • و هنا يأمر جبرئيل رسول الله أن يتوقّف، و يعرّف عليّاً سيّداً و مولىً و إماماً للخلق. و يبلّغ الناس ما بلّغه الله به عن ولاية عليّ عليه السلام. و أنّ عليّاً هو الوليّ و المولى لجميع الناس، و طاعته واجبة عليهم جميعاً.

  • و في تلك اللحظات حيث وصل المتقدّمون في القافلة منطقة الجُحفة، و المتأخّرون لم يلحقوا برسول الله، توقّف النبيّ صلّى الله عليه و آله في الغدير، و أمر أن يرجع المتقدّمون الذين كانوا قد وصلوا إلى الجحفة، و انتظر المتأخّرين ريثما يلتحقون. و هكذا وقف الجميع. و كانت هناك خمس شجرات كبيرة متّصلة بعضها مع بعض و هي من جنس السمُر،1 فأمر بكنس ما تحتها و تنظيفه. و كذلك أمر أن لا ينزل و يجلس تحتها أحد.

  • و لمّا التحق جميع الحجّاج بنبيّهم و اجتمعوا معه. و تمّ تنظيف ذلك المكان. جاء النبيّ الأعظم فاستظلّ بالأشجار و كانت صلاة الظهر قد حان وقتها. و أمر فجاء الناس كلّهم و صلّوا معه صلاة الظهر، و كان ذلك اليوم حارّاً جدّاً بحيث يضع الإنسان بعض ردائه على رأسه و بعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء.

  • و ظُلّل لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بثوب على شجرة سمرة من الشمس، و صُنع له منبر من أقتاب الإبل.

  • فلمّا انصرف صلّى الله عليه و آله و سلّم من صلاته، قام على ذلك المنبر خطيباً وسط القوم، و رفع صوته بحيث يسمه جميع الناس، فقال:

  • ألحَمْدُ لِلَّهِ، وَ نَسْتَعِينُهُ، وَ نُؤْمِنُ بِهِ، وَ نَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَ نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، الذي لَا هَادِى لِمَنْ ضَلَّ، وَ لَا مُضِلَ

    1. السمُر شجرة من العَضَاة، و ليس في العضاه أجود خشباً منه. الواحدة سَمُرَة و جمعها سَمُرَات.

معرفة الإمام ج۷

60
  • لِمَنْ هَدَى. وَ أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ وَ أنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ.

  • أمَّا بَعْدُ: أيُّهَا النَّاسُ! قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُ لَمْ يَعْمُرْ نَبِيّ إلَّا مِثْلَ نِصْفُ عُمْرِ الذي قَبْلَهُ!1 وَ إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَأجَبْتُ! وَ إنِّي مَسْؤُولٌ، وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ: فَمَا ذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟!

  • قَالُوا: نَشْهَدُ أنكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ نَصَحْتَ وَ جَهَدْتَ! فَجَزاكَ اللهُ خَيْراً!

  • قَالَ: أ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ وَ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ؛ وَ أنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ؛ وَ نَارَهُ حَقٌّ؛ و أنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَ أنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا؛ وَ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ؟!

  • قَالُوا: بَلَى! نَشْهَدُ بِذَلِكَ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ!

  • ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! أ لَا تَسْمَعُونَ؟!

  • قَالُوا: نَعَمْ!

  • قَالَ: فَإنِّي فَرَطُ على الحَوْضِ؛ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ! وَ إنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَ بُصْرَى؛ فِيهِ أقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ. فَانْظُرُوا

    1. قوله صلّى الله عليه و آله: إنَّهُ لَمْ يَعْمَرْ نَبِيّ إلَّا مِثْلَ نِصْفِ عُمْرِ الذي قَبْلَهُ رواه العامّة في كتبهم. و لم أجده في كتب الشيعة. و على أيّ تقدير لا بدّ من معرفة هذا النسق من التعبير. لأنّنا نعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم عمّر ثلاثاً و ستّين سنة. و النبيّ الذي سبقه، و هو عيسى ابن مريم على نبيّنا و آله و عليه السلام عمّر أربعين سنة. فعلى هذا لا يمكننا أن نعتبر عمر النبيّ( 63 سنة) نصف عمر عيسى؛ و ينبغي أن نقول: لعلّ المراد مدّة نبوّته( 23 سنة). و بعد نقص 3 سنوات حيث كانت الدعوة سرّيّة، و لم يكن هناك أمر بالتبليغ العلنيّ، تبقى( 20) سنة و هي المدّة التي اعتبرها الكثيرون مدّة رسالته صلّى الله عليه و آله، و هي نصف المدّة التي عاشتها رسالة السيّد المسيح، ذلك لأنّ نبوّته بدأت منذ ميلاده و هو لم يزل في المهد كما جاء ذلك في الآيتين الكريمتين 29 و 30 من السورة 19: مريم: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا.

معرفة الإمام ج۷

61
  • كَيْفَ تَخلُفُونِي في الثَّقَلَيْنِ؟!

  • فَنَادَى مُنَادٍ: وَ مَا الثَّقَلانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!

  • قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ؛ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ؛ وَ طَرَفٌ بِأيْدِيكُمْ؛ فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا! وَ الآخَرُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي؛ وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ! فَسَألْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا؛ وَ لَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا!

  • ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَرَفَعَهَا حتّى رُئِيَ بَيَاضُ آبَاطِهِمَا وَ عَرَفَهُ القَوْمُ أجْمَعُونَ.

  • فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أوْلَى النَّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟!

  • قَالُوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ أعْلَمُ!

  • قَالَ: إنَّ اللهَ مَوْلَاى؛ وَ أنَا مَوْلَى المُؤمِنِينَ؛ وَ أنَا أوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ! فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ وَ في لَفْظِ أحْمَدَ إمَامِ الحَنَابِلَةِ: أرْبَعَ مَرَّاتٍ.1

  • ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ! وَ أحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ!

    1. يقول ابن كثير الدمشقيّ في« البداية و النهاية» ج 5، ص 209: أخرج النسائيّ في سننه عن محمّد بن مُثَنّى، عن يحيى بن حمّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لَمّا رجع رسول الله من حجّة الوَداع و نزل غدير خمّ أمر بِدَوحاتٍ فَقُمِمْنَ ثمّ قال: كَأَني قد دُعِيتُ فَأجبتُ إنِّي قد تركت فيكم الثَّقلَين: كِتابَ الله وَ عترتي أهل بَيتي؛ فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما فَإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوضَ. ثمّ قال: الله مولاي و أنا وليّ كُلِّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ عَلِيّ فقال: مَن كنتُ مولاه فهذا وليّه، اللهُمَّ وال من والاه؛ و عاد من عاداه. فقلت لزيد: سمعت من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم؟ فقال: ما كان في الدَّوحات أحد إلّا رآه بعينيه و سمعه باذُنَيْه. تفرّد النسائيّ بهذا الرواية من هذا الوجه. و قال شيخنا أبو عبد الله الذهبيّ: هذا حديث صحيح.

معرفة الإمام ج۷

62
  • و أبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ! وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ! وَ أدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ! ألَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ!

  • ثُمَّ لَمْ يَتَفَرَّقُوا حتّى نَزَلَ أمِينُ وَحْيِ اللهِ بِقَوْلِهِ:

  • «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً».1

  • فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: اللهُ أكْبَرُ على إكْمَالِ الدِّينِ وَ إتْمَامِ النِّعْمَةِ وَ رِضَا الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَ الْوَلايَةِ لِعَليّ مِنْ بَعْدِي.

  • ثُمَّ طَفِقَ القَوْمُ يُهَنِّئُونَ أميرَ المُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ. وَ مِمَّنْ هَنَّأهُ في مُقَدَّمِ الصَّحَابَةِ: الشَّيْخَانِ: أبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ؛ كُلٌّ يَقُولُ: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ أصْبَحْتَ وَ أمْسَيْتَ مَوْلَاى وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ!

  • وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَبَتْ في أعْنَاقِ الْقَوْمِ. فَقَالَ حَسَّانٌ: إئْذَنْ لي يَا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ في عَلِيّ أبْيَاتاً تَسْمَعُهُنَّ! فَقَالَ: قُلِ على بَرَكَةِ اللهِ!

  • فَقَامَ حَسَّانٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَشِيخَةِ قُرَيْشٍ اتْبِعُهَا قَوْلِي بِشَهَادَةٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ في الوَلايَةِ مَاضِيَةٍ. ثُمَّ قَالَ:

  • يُنَادِيهِمُ يَوْمَ الْغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ***بِخُمٍّ فَأسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنَادِيَا 2

    1. الآية 3، من السورة 5: المائدة.
    2. الغدير، ج 1، ص 10 و 11؛ الطبعة الثالثة، مطبعة الحيدري بطهران؛ و« حبيب السير» ج 1، ص 410 و 411 الجزء الثالث؛ و« روضة الصفا» ج 3، حجّة الوداع. و أخرج ابن كثير هذا الحديث مختصراً عن البَرَاء بن عازب بلفظة: من كنت مولاه فعليّ مولاه، و تهنئة عمر بن الخطّاب بقوله: هنيئاً لك أصبحت و أمْسيتَ، و ذلك في« البداية و النهاية» ج 5، ص 209 و 210.
      و ذكره ابن المغازليّ في مناقبه مفصّلًا، من ص 16 إلي 18. و كذلك ذكر صاحب« الصواعق المحرقة»، ص 25، و صاحب« فرائد السمطين»، ج 1، في السمط الأوّل من الباب التاسع، ص 64 و 65، ذكرا الحديثين تحت الرقم 30 و 31؛ و نقله في« بحار الأنوار» ج 9، ص 199 و 200 عن« تفسير عليّ بن إبراهيم»، و ذكره في ص 201 و ص 202 عن« الخصال» للصدوق، و في ص 202 عن« الأمالي» للشيخ.

معرفة الإمام ج۷

63
  • وَ قَدْ جَاءَهُ جِبْريلُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ***بِأنكَ مَعْصُومٌ فَلَا تَكُ وَانِيَا

  • و بَلِّغْهُمْ مَا أنْزَلَ اللهُ رَبُّهُمْ إلَيْكَ***وَ لَا تَخْشَ هُنَاكَ الأعَادِيا

  • فَقَامَ بِهِ إذْ ذَاكَ رَافِعُ كَفَّهِ***بِكَفِّ عَلِيّ مُعْلِنَ الصَّوْتِ عَالِيَا

  • فَقَالَ: فَمَنْ مَوْلَاكُم وَ وَليُّكُمْ***فَقَالُوا وَ لَمْ يُبْدُوا هُنَاكَ تَعَامِيَا

  • إلَهُكَ مَوْلَانَا وَ أنْتَ وَلِيُّنَا***وَ لَنْ تَجِدَنْ فِينَا لَكَ الْيَومَ عَاصِيَا

  • فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيّ فَإنَّنِي***رَضِيتُكَ مِنْ بَعْدِي إمَاماً وَ هَادِيَا

  • فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ***فَكُونُوا لَهُ أنْصَارَ صِدْقٍ مَوَالِيَا

  • هُنَاكَ دَعَا اللهُمَّ وَالِ وَلِيَّهُ***وَ كُنْ لِلَّذِي عَادَى عَلِيّاً مُعَادِيَا

  • فَيا رَبِّ انْصُرْ نَاصِرِيهِ لِنَصْرِهِمْ***إمَامَ هُدَى كَالبَدْرِ يْجُلُو الدَّيَاجِيَا 1

    1. «الغدير» ج 2، ص 39: عن المحقّق الفيض الكاشانيّ في« علم اليقين»؛ و عن« كتاب سليم بن قيس الهلاليّ». و كذلك جاء قريباً من هذا المضمون في« الغدير» ج 1، ص 214 إلي 216 عن أبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب« الولاية» في طرق حديث الغدير.
      و جاء أيضاً في« إعلام الوري بأعلام الهدي» للشيخ الطبرسيّ من ص 138 إلي 140؛ و في« فرائد السمطين»، ج 1 ص 74 و 75؛ و« غاية المرام» القسم الأوّل، ص 87، الحديث 71 و 72 عن الحمّوئيّ؛ و« روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، ج 2، واقعة الغدير في تتّمة قصّة حجّة الوداع؛ و« حبيب السير» طبعة حيدري، ج 1، ص 411؛ و« كتاب سُلَيم بن قَيْس الهلاليّ» ص 228 و 229؛ و المجلسيّ في« بحارالأنوار» طبعة كمباني، ج 9، ص 222، عن« كتاب سليم بن قيس»؛ و« مجالس المؤمنين»، المجلس الأوّل، ص 21.

معرفة الإمام ج۷

64
  • و لمّا أنشد حسّان هذه الأبيات، قال له رسول الله صلّى الله عليه و آله: يَا حَسَّانُ لَا تَزَالُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ القُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ.1

  • خطبة أُخرى لرسول الله صلّى الله عليه و آله في غدير خمّ

  • يقول الكاتب العبّاسيّ أحمد بن أبي يعقوب بن واضح المعروف باليعقوبيّ: توجّه رسول الله صلّى الله عليه و آله من مكّة إلى المدينة ليلًا، و وصل مكاناً قرب الجُحفة يقال له: غدير خُمّ لثماني عشرة ليلة خلت من شهر ذي الحجّة: وَ قَامَ خَطِيباً وَ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ فَقَالَ: أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَ آلِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرْطُكُمْ وَ أنْتُمْ وَارِدِيّ على الحَوْضِ؛ وَ إنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا. وَ قَالُوا: وَ مَا الثَّقَلانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَف بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَ لَا تُضِلُّوا وَ لَا تُبَدِّلُوا؛ وَ عِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي.2

    1. «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» طبعة مظفّري، ج 2، ص 193.
    2. «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 112، طبعة بيروت، سنة 1379 ه-.

معرفة الإمام ج۷

65
  • و نقل الطبريّ في كتاب «الولاية» عن زيد بن أرقم أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم قال في آخر الخطبة: معاشر الناس! قولوا: أعطيناك على ذلك [أي على ولاية عليّ بن أبي طالب] عهداً عن أنفسنا؛ و ميثاقاً بألسنتنا؛ و صفقة بأيدينا؛ نؤدّيه إلى أولادنا و أهالينا؛ لا نبغي بذلك بدلًا؛ و أنت شهيدٌ علينا! و كفى بالله شهيداً.

  • [أيّها الناس] قولوا ما قلت لكم؛ و سلّموا على عليّ بإمْرَةِ المُؤْمِنِينَ! و قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.1 فإنّ الله يعلم كلّ صوت و خائنة كلّ نفس؛

  • فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.2 قولوا ما يرضى الله عنكم إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ.3

  • قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: سَمِعْنَا وَ أطَعْنَا على أمْرِ اللهِ وَ رَسُولِهِ بِقُلُوبِنَا.4

  • تهنئة الصحابة و زوجات النبيّ أمير المؤمنين عليه السلام

  • ثمّ جلس رسول الله في خيمة تخصّه؛ و أمر أمير المؤمنين أن يجلس في خيمة اخرى؛ و أمر طبقات الناس أن يذهبوا إلى خيمته و يهنّئوه.

  • و لمّا فرغ الناس من تهنئة أمير المؤمنين، أمر رسول الله امّهات المؤمنين بأن يسرن إليه و يهنّئنّه ففعلن.

    1. الآية 43، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 10، من السورة 48: الفتح.
    3. الآية 7، من السورة 39: الزمر.
    4. «الغدير» ج 1، ص 270، عن محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب« الوَلاية». و عن أحمد بن محمّد الطبريّ الخليليّ في كتاب« مناقب عليّ بن أبي طالب» تأليف سنة 411 في القاهرة.

معرفة الإمام ج۷

66
  • و ممّن هنّأه من الصحابة عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَاى وَ مَوْلَى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ وَ المُؤْمِنَاتِ.1

  • و تقدّم الناس إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام و بايعوه أميراً للمؤمنين، و هنّأوه بقولهم: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ؛ و مدّوا أيديهم بحيث كانت أيمانهم تصافق يمينه.

  • و جاء في كتاب «مناقب عليّ بن أبي طالب» للخليليّ الطبريّ: و كان أوّل من بايع و صافق: أبو بكر، و عمر، و طلحة، و الزبير؛ ثمّ باقي المهاجرين و الناس على طبقاتهم و مقدار منازلهم إلى أن صلّيت الظهر و العصر في وقت واحد. و المغرب و العشاء في وقت واحد. و لم يزالوا يتواصلون البيعة و المصافقة ثلاثاً.

  • و رسول الله كلّما بايعه فوج بعد فوج يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على جَمِيعِ العَالَمِينَ. و [من هنا] صارت المصافقة و المصافحة سنّة و رسماً؛ و استعملها من ليس له حقُّ فيها.2

  • يقول أبو سعيد الخُدريّ: و الله لم نترك الغدير بعد حتّى نزلت الآية: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.3

  • الحديث المروي عن علماء العامّة في كتاب «النشر و الطيّ»

  • و ذكر المجلسيّ رضوان الله عليه في الفصل الخاصّ بالروايات

    1. «روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، الجزء الثاني، واقعة حجّة الوداع؛ و« حبيب السير» ج 1، الجزء الثالث، ص 411؛ و« الغدير» ج 1، ص 271 عن مولوي وليّ الله لِكَهْنوي في كتاب« مرآة المؤمنين».
    2. «الغدير» ج 1، ص 270 و 271؛ و نقل هذا الموضوع أيضاً عن كتاب« النشر و الطيّ». و جاء ذيل الرواية الواردة، في« الاحتجاج» ج 1، ص 84.
    3. «تفسير أبي الفتوح» طبعة مظفّري، ج 2، ص 193 و 194.

معرفة الإمام ج۷

67
  • المأثورة في الغدير عن مناوئي الشيعة من الموثوقين الذين يعوّل عليهم مواضيع ملحقة بخطبة الغدير عن كتاب «النَّشْر و الطَّيّ» و قال: صاحب هذا الكتاب جعل كتابه حجّة ظاهرة على ولاية عليّ باتّفاق العدوّ و الوليّ. و حمل به نسخة إلى الملك شاه مازندران رستم بن على لمّا حضر بالري هديّة له.

  • و روى في ذلك الكتاب بسنده المتّصل عن عطيّة السعديّ قال: سألت حُذَيفة بن اليَمان عن الغدير؛ فقال: إنّ الله أنزل على نبيّه (في المدينة) أوّلًا قوله:

  • النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ.1

  • فقالوا: يا رسول الله، ما هذه الولاية التي أنتم بها أحقّ منّا بأنفسنا؟!

  • فقال رسول الله: ألسَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ فِيمَا أحْبَبْتُمْ وَ كَرِهْتُمْ.

  • فقالوا: سَمِعْنَا وَ أطَعْنَا؛ فَأنزل الله هذه الآية: وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.2

  • يقول حذيفة: فخرجنا من المدينة مع رسول الله في حجّة الوداع. و عند ما وصلنا إلى مكّة، نزل جبرئيل و قال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرؤك السلام؛ و يقول: إنصب عليّاً علماً للناس! فبكى النبيّ، حتّى اخضلّت لحيته؛ و قال: يا جبرئيل! إنّ قومي حديثو عهد بالجاهليّة. ضربتهم على الدين طوعاً و كرهاً حتّى انقادوا لي؛ فكيف إذا حملت على رقابهم غيري؟

    1. قسم من الآية 6، من السورة 33: الأحزاب.
    2. الآية 7، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

68
  • فصعد جبرئيل.

  • و نقل صاحب كتاب «النَّشر و الطَّيّ» هنا قصّة مجيء أمير المؤمنين من اليمن إلى مكّة؛ و قصّة التصدّق بالخاتم و نزول الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ... بنحو مفصّل إلى أن بلغ قول رسول الله في منى، و قد نقله عن شخص آخر غير حُذَيفة، و فيه أنّ رسول الله قال في حجّة الوداع بمنى:

  • يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ أمْرَيْنِ إن أخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ وَ إنَّهُ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَأصْبَعَيّ هَاتَيْنِ- وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- ألَا فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِمَا فَقَدْ نَجَا؛ وَ مَن خَالَفَهُمَا فَقَدْ هَلَكَ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ أيُّهَا النَّاسُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ!

  • ثمّ قال صاحب كتاب «النَّشر و الطَّيّ»: فلمّا كان في آخر يوم من أيّام التشريق (اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة) أنزل الله عليه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. فقال رسول الله: نُعِيَتْ إلَيّ نفَسي. فجاء إلى مسجد الخيف فدخله و نادي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فاجتمع الناس؛ فحمد الله و أثنى عليه، و ذكر خطبته؛ ثمّ قال فيها:

  • أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: ألثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ؛ وَ طَرَفٌ بِأيدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ وَ الثَّقَلُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي فَإنَّهُ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَأصْبَعَيّ هَاتَيْنِ- وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- وَ لَا أقُولُ كَهَاتَيْنِ- وَ جَمَع بَينَ سَبَّابَتِهِ و الوُسْطَى- فَتَفْضُلَ هَذِهِ على هَذِهِ.

  • قال مصنّف كتاب «النَّشر و الطَّيّ» [و بعد أن استمع جماعة إلى هذه الخطبة]: فاجتمع قومٌ و قالوا: يريد محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يجعل الإمامة في أهل بيته، و خرج منهم أربعة [من منى]؛ و دخلوا إلى

معرفة الإمام ج۷

69
  • مكّة؛ و دخلوا الكعبة؛ و كتبوا فيما بينهم عهداً إن مات مُحَمَّد أو قتل؛ لا يرد هذا الأمر في أهل بيته؛ فأنزل الله:

  • أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ.1

  • وهنا قال المجلسيّ الكلام التالى بوصفه جملة اعتراضيّة: «انظر هذا التدريج من النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم؛ و التلطّف من الله في نصّه على مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ فأوّلًا أمره بالمدينة، قال سبحانه: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ؛ فنصّ على أنّ الأقرب إلى النبيّ أولى به من المؤمنين و المهاجرين. فعزل جلّ جلاله عن هذه الولاية المؤمنين و المهاجرين، و خصّ بها اولي الأرحام من سيّد المرسلين.

  • ثمّ انظر كيف نزل جبرئيل بعد خروجه إلى مكّة بالتعيين على عليّ؛ فلمّا راجع النبيّ و أشفق على قومه من حسدهم لعليّ عليه السلام؛ كيف عاد الله جلّ جلاله فأنزل: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ؛ و كشف عن عليّ بذلك الوصف!

  • ثمّ انظر كيف مال النبيّ إلى التوطئة بذكر أهل بيته بمنى؛ ثمّ أعاد ذكرهم في مسجد الخيف.

  • ثمّ ذكر صاحب كتاب «النَّشر و الطَّيّ» توجّه رسول الله من مكّة إلى المدينة؛ و رجع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم للّه سبحانه و تعالى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ و تكرّر من الله [الوحي] إلى رسول الله في ولاية عليّ. قال حذيفة: و أذن النبيّ بالرحيل نحو المدينة؛ فارتحلنا. فنزل جبرئيل

    1. الآية 79 و 80، من السورة 43: الزخرف.

معرفة الإمام ج۷

70
  • بضَجْنان؛ و أمر رسول الله بالإعلان عن ولاية عليّ؛ و خرج رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم حتّى نزل الجُحْفَة؛ فلمّا نزل القوم و أخذوا منازلهم [بأمر رسول الله، ألقى تلك الخطبة الرائعة الغرّاء حول الولاية].

  • و يبيّن الخطبة هنا مفصّلًا؛ و يذكر في ذيلها عهد الناس و بيعتهم.1

  • الحديث المرويّ في كتاب «الاحتجاج» حول إكمال الدين بالحجّ و الولاية

  • و يروي الشيخ الأجلّ أبُو مَنْصُور أحْمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ2 في كتاب «الاحتجاج» بسنده المتّصل عن عَلْقَمَة بن محمّد الْحَضْرَميّ عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام: أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم حجّ من المدينة؛ و قد بلّغ جميع الشرائع قومه غير الحجّ و الولاية. فأتاه جبرئيل فقال له: يا مُحَمَّد، إنّ الله جَلَّ اسْمُه يُقرؤك السلام؛ و يقول لك: إنّي لم أقبض نبيّاً من أنبيائي إلّا بعد إكمال ديني و تأكيد حجّتي.

  • و قد بقي عليك من ذاك فريضتان ممّا تحتاج أن تبلّغهما قومك: فريضة الحجّ، و فريضة الولاية و الخلافة من بعدك. فإنّي لم اخل أرضي من حجّة و لن اخليها أبداً.

    1. «بحار الأنوار» ج 9، ص 203 إلى 205. طبعة الكمباني.
    2. الطَبَرسيّ( بفتح الطاء و الباء): أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب صاحب كتاب« الاحتجاج» من أهل ساري، إحدى مدن مازندران، كما أنّ تلميذه محمّد بن عليّ بن شهرآشوب السَّرَويّ المازندرانيّ المتوفّى سنة 588 ه- منسوب إلى ساري؛ كان يعيش في أواسط القرن السادس الهجريّ. و كان معاصراً لأبي الفتوح الرازيّ، و الفضل بن الحسن الطَبْرِسيّ( بفتح الطاء و سكون الباء و كسر الراء) صاحب« مجمع البيان» و لقبه تعريب ل-( تفريّش). و يروى صاحبنا عن الشيخ الطوسيّ بواسطتين، و عن الشيخ الصدوق بعدد من الوسائط. و ينقل الشهيد الأوّل في« غاية المراد» فتاواه و أقواله كثيراً. كتابه:« الاحتجاج على أهل اللجاج» كتاب جليل معروف و معتمد عليه كثيراً.

معرفة الإمام ج۷

71
  • فإنّ الله جَلَّ ثَناؤُه يأمرك أن تبلّغ قومك الحجّ؛ و تحجّ. و يحجّ معك من استطاع إليه سبيلًا من أهل الحضر، و الأطراف، و الأعراب. و تعلّمهم من معالم حجّهم؛ مثل ما علّمتهم من صلاتهم و زكاتهم و صيامهم! و توقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشرائع!

  • فخرج رسول الله من المدينة لأداء مناسك الحجّ؛ و خرج معه أهل المدينة. و بلغ من حجّ مع رسول الله سبعين ألف إنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألف الذين أخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا و اتّبعوا العجل و السامريّ.

  • و كذلك أخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله البيعة لعليّ بالولاية و الخلافة على عدد أصحاب موسى، فنكثوا و اتّبعوا العِجْلَ و السَّامرِيّ سُنَّةً بِسُنَّةٍ وَ مِثْلًا بِمِثْلٍ. و اتّصلت تلبية أهل المدينة الذين وفدوا إلى الحجّ ما بين مكّة و المدينة.

  • و نادى منادي رسول الله في المدينة أن يا أيُّهَا النَّاس! إنّ رسول الله يريد الحجّ، و يريد في سفره هذا أن يطلعكم على ما لم يطلعكم عليه من قبل! و يعلّمكم شرائع الحجّ و يوقفكم عليها في ضوء النهج الذي علّمكم سائر شرائع الدين من خلاله!

  • و لمّا وقف رسول الله في الموقف؛ أتاه جبرئيل عن الله عزّ و جلّ فقال: يا محمّد! إنّ الله يقرؤك السلام؛ و يقول لك: إنّه قد دنا أجلك و مدّتك؛ و أنا مستقدمك على ما لا بدّ منه، و لا عنه محيص!

  • فاعهد عهدك! و قدّم وصيّتك؛ و اعمد إلى ما عندك من العلم و ميراث علوم الأنبياء من قبلك و السلاح و التابوت (صندوق العهد)، و جميع ما عندك من آيات الأنبياء فسلّمه إلى وصيّك و خليفتك من بعدك؛ حجّتي البالغة على خلقي عَلِيّ بن أبي طالبٍ عليه السلام. فأقمه للناس علماً!

معرفة الإمام ج۷

72
  • و جدّد عهده و ميثاقه و بيعته!

  • و ذكّر الناس ما أخذت عليهم من بيعتي و ميثاقي الذي واثقتهم؛ و عهدي الذي عهدت إليهم: من ولاية وليّي و مولاهم، و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة عَلِيّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.

  • فَإنّي لم أقبض نبيّاً من الأنبياء، إلّا من بعد إكمال ديني، و حجّتي، و إتمام نعمتي باتّباع وليّي و طاعته. و ذلك أني لا أترك أرضي بغير وليّ و قيّم، ليكون حجّة لي على خلقي.

  • فَالْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِيَناً بِوَلايَةِ وَلِيِّي؛ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ عَلِيّ عَبْدِي؛ وَ وَصِيي نَبِيّ؛ وَ الخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ حُجَّتِيَ البَالِغَةِ على خَلْقِي؛ مَقْرُونٌ طَاعَتُهُ بِطَاعَتِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّي، وَ مَقْرُونٌ طَاعَتُهُ مَعَ طَاعَةِ مُحَمَّدٍ بِطَاعَتِي؛ مَنْ أطَاعَهُ فَقَدْ أطَاعَنِي؛ وَ مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي؛ جَعَلْتُهُ عَلَماً بَيْنِي وَ بَيْنَ خَلْقِي؛ مَنْ عَرَفَهُ كَانَ مُؤْمِناً؛ وَ مَنْ أنْكَرَهُ كَانَ كَافِراً؛ وَ مَنْ أشْرَكَ بَيْعَتَهُ كَانَ مُشْرِكاً؛ وَ مَنْ لَقِيَنِي بِوَلَايَتِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَ مَنْ لَقِيَنِي بِعَدَوَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ.

  • فَأقِمْ يَا مُحَمَّدُ عَلِيّاً؛ وَ خُذْ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ؛ وَ جَدِّدْ عَهْدِي وَ مِيثَاقِي لَهُمُ الذي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَإنِّي قَابِضُكَ إلَيّ وَ مُسْتَقْدِمُكَ عَلَيّ!

  • فخشي رسول الله صلّى الله عليه و آله من قومه و أهل النفاق و الشقاق أن يتفرّقوا؛ و يرجعوا إلى الجاهليّة؛ لما عرف من عداوتهم؛ و لما تنطوي عليه أنفسهم لعليّ من العداوة و البغضاء.

  • و سأل جبرئيل أن يسأل ربّه العصمة من الناس. و انتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس عن الله جلّ اسمه.

  • فأخّر ذلك إلى أن بلغ مَسْجِدَ الخَيْفِ؛ فأتاه جبرئيل فأمره بأن يعهد عهده و يقيم عليّاً علماً للناس يهتدون به؛ و لم يأته بالعصمة من الله بالذي

معرفة الإمام ج۷

73
  • أراد حتّى بلغ كُرَاعَ الغَمِيمِ1 بين مكّة و المدينة؛ فأتاه جبرئيل و أمره بالذي أتاه فيه من قبل الله و لم يأته بالعصمة.

  • فقال رسول الله: يا جبرئيل إنّي أخشي قومي أن يكذَّبوني؛ و لا يقبلوا قولي في عليّ- و قد علمنا أنه كان قد طلب من جبرئيل نزول آية العصمة، و أخّر جبرئيل ذلك- فرحل النبيّ، فلمّا بلغ غدير خمّ قبل الجحفة بثلاثة أميال؛ أتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر و الانتهار و العصمة من الناس، فقال: يا مُحَمَّدُ! إنّ الله عزّ و جلّ يقرؤك السلام، و يقول لك: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.

  • و كان أوائلهم قريبين من الجُحفة؛ فأمر النبيّ بأن يُردّ من تقدّم منهم؛ و يُحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ليقيم عليّاً علماً للناس، و قد عصمه الله من الناس.

  • و نادى منادٍ من قبل رسول الله: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. و تنحّي عن يمين الطريق إلى المكان الذي بنوا فيه مسجد الغدير فيما بعد. و أمر النبيّ أن يكنس ما تحت الأشجار، و ينصب له منبراً من الحجارة؛ و صعد المنبر و بدأ بإلقاء خطبته.

  • هذه الخطبة مفصّلة للغاية. و بعد أن حمد الله سبحانه و تعالى و أثنى عليه، تحدّث بنحو شافٍ و وافٍ، فدلّ على حقيقة الدين و روح الإيمان؛ و استشهد بآيات القرآن دليلًا على كلامه. و تكلّم بالتفصيل عن الولاية و روح الإمامة؛ و عدم انفصالها عن القرآن الكريم. و خاطب الناس بقوله:

    1. يقول صاحب« مراصد الاطّلاع» ج 3، ص 1153: كُرَاعُ الغَميم موضع بالحجاز بين مكّة و المدينة أمام عَسْفَان بثمانية أميال. و هذا الكراع جبل أسود في طرف الحَرَّة يمتدّ إليه.

معرفة الإمام ج۷

74
  • مَعَاشِرَ النَّاس في أربعة و خمسين موضعاً، و بقوله: أيُّهَا النَّاسُ في موضع واحد؛ و أخذ منهم إقرارهم و اعترافهم؛ و حاجّهم، بحيث أقرّ له الجميع و اعترفوا.

  • و قد أحجمنا هنا عن ذكر خصوصيّات تلك الخطبة مراعاة للإيجاز؛ و للراغبين أن يرجعوا إلى كتاب «الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف ج 1، من ص 66 إلى 84؛ أو إلى «بحار الأنوار» طبعة الكمباني ج 9، من ص 224 إلى 228.

  • يقول المجلسيّ بعد نقل هذه الخطبة: جاء في كتاب «كَشْف اليَقين» عن أحمد بن محمّد الطبريّ من علماء المخالفين أنه روى هذا الخبر كلّه في كتابه عن مُحَمَّد بن أبي بَكْر بن عَبْد الرحمن، عن الحسن بن عليّ بن أبي محمّد الدينوريّ، عن محمّد بن موسى الهمدانيّ.

  • و روى أكثر هذه الخطبة ممّا يتعلّق بالنصّ و الفضائل مؤلّف كتاب «الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم» عن محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب «الوَلَاية» بإسناده إلى زيد بن أرقم؛ و روى هذه الخطبة كلّها الشَّيْخ عَليّ بن يُوسُف بن المُطَهَّر الحِلِّيّ، عن زيد بن أرقم.1

  • و ذكر صاحب «الاحتجاج» أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله لمّا فرغ من هذه الخطبة، رأى الناس رجلًا جميلًا بهيّاً طيّب الريح، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، ما أشدّ ما يؤكّد لابن عمّه، و إنّه لعقد له عقداً لا يحلّه إلّا كافر بالله العظيم و برسوله الكريم؛ ويلٌ طويل لمن حلّ عقده.

  • قال و التفت عُمَر بن الخطّاب [إلى النبيّ الأكرم] حين سمع كلامه

    1. «بحار الأنوار» ج 9، ص 228. طبعة الكمباني.

معرفة الإمام ج۷

75
  • فأعجبته هيئته، ثمّ التفت إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله و قال: أ ما سمعت ما قال هذا الرجل قال كذا و كذا؟!

  • فقال النبيّ صلّى الله عليه و آله: يا عمر! أ تدري مَن ذلك الرجل؟! قال [عمر]: لا! فقال النبيّ: ذلك الروح الأمين جبرئيل. فإيّاك أن تحلّ [العقد مع عليّ!] فإنّك إن فعلت، فالله و رسوله و ملائكته و المؤمنون منك براء.1

  • شأن نزول الآية: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ

  • يقول أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره: نقل أبو إسحاق الثَّعْلَبي المُفَسِّر إمام أصحاب الحديث في تفسيره الذي سمّاه «الكَشف و البيان» أنّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَة سُئل عن شأن نزول الآية: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ2 فيمن نزلت؟!

  • فقال سفيان للسائل: سألتني عن مسألة ما سألني أحد عنها قبلك!

  • حدّثني أبي، عن أبي جعفر: محمّد بن عليّ، عن آبائه صلوات الله3

    1. «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 84؛ طبعة النجف الأشرف؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 228 طبعة الكمباني.
    2. الآية 1، من السورة 70: المعارج.
    3. في نسخة« فرائد السمطين» ج 1، ص 82، باب 15، إذ تنقل هذه الرواية عن الثعلبيّ، يُسند هذه الرواية إلى سفيان بن عُيَينة عن الإمام الصادق عليه السلام بدون ذكر أبيه: عُيَينة. و يبدو أنّ هذا هو الصحيح، لأنّ المجلسيّ رضوان الله عليه الذي أخرج هذه الرواية في« بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 9، ص 216 و 217 عن« تفسير فرات بن إبراهيم» عن« تفسير الثعلبيّ»، أخرجها عن سفيان، عن الإمام الصادق عليه السلام. و لو قال أحد: فما هو الإشكال الذي يترتّب على ذلك سواء رواها سفيان عن الصادق عليه السلام بلا واسطة، أو رواها عن الباقر عليه السلام بواسطة أبيه؟ فهما روايتان لا تنافي بينهما؛ و قد رويت في« تفسير أبي الفتوح» بسند، و في« تفسير فرات بن إبراهيم» بسند آخر.
      و نقول في الجواب: لم يرد في كتب الرجال و منها:« معجم رجال الحديث» ج 8، ص 159، رقم 5237؛ و ج 13، ص 239، رقم 9251 و 9252؛ و« تنقيح المقال» للمامقانيّ ج 2، ص 39 و 40؛ و كذلك في ص 364 أنّ أبا سفيان: عُيَيْنَة بن ميمون أبو عمران من أصحاب الباقر عليه السلام. يضاف إلى ذلك أنّ رجال العلم رووا هذه الرواية في تفاسيرهم عن تفسير الثعلبيّ لا عن مصادر مختلفة، و هي ليست أكثر من رواية واحدة. و احتمال الرواية عن الباقر عليه السلام ليس أكثر من مجرّد فرض، و لا يبعث هذا على تعدّد الرواية. و مصدر هذه الرواية الذي ذكره كثير من علماء الشيعة و العامّة في تفاسيرهم و كتبهم في المناقب هو« تفسير الثعلبيّ» فقط كما جاء في تفسير« مجمع البيان» الذي سنتعرّض له لاحقاً، و الرواية الواردة فيه رواية واحدة لا غير.

معرفة الإمام ج۷

76
  • عليهم أنّه لمّا بلغ رسول الله غدير خمّ، أخبر الناس؛ فاجتمعوا، و أخذ بِيَدِ عليّ و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. فشاع هذا الخبر و طار في الأمصار، و مَن بلغهم هذا الخبر: الحَارِثُ بنُ النُّعْمَان الفَهْرِيّ.

  • فركب ناقته، و توجّه إلى رسول الله، فجاء حتّى وصل إلى العسكر؛ نزل من ناقته ثمّ عقلها؛ و وجّه وجهه نحو خيمة رسول الله؛ و كان رسول الله جالساً مع المهاجرين و الأنصار.

  • فقال: يا محمّد! جئتنا و قلت لنا: اتركوا آلهتكم الثلاثمائة و الستّين؛ و قولوا: الله واحد! فقلنا. و قلت: قولوا: أنا رسول الله! و نحن قلنا أيضاً. و أمرتنا أن نصلّى في اليوم و الليلة خمس صلوات! فقبلنا ذلك. و أمرتنا أن نصوم! فقبلنا. و أمرتنا أن نزكّي أموالنا فقبلنا! و أمرتنا أن نحجّ البيت؛ فرضينا؛ و أمرتنا بالجهاد؛ فقبلنا.

  • ثمّ لم ترض بذلك كلّه حتّى رَفَعْتَ بِضَبْعِ1 ابْنِ عَمِّكَ فَرَفَعْتَهُ وَ فَضَّلْتَهُ عَلَيْنَا، فَقُلْتَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! فَهَذَا شيءٌ مِنكَ أمْ مِنَ اللهِ؟!

  • فقال رسول الله: وَ اللهِ الذي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّ هَذَا مِنَ اللهِ.

    1. الضَّبْع: ما بين الإبط إلي نصف العضد من أعلاها.

معرفة الإمام ج۷

77
  • و لمّا سمع الحارث ذلك، ولّى نحو ناقته و هو يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.1

  • فما إن أتمّ كلامه حتّى نزل حجر من السماء، فوقع على رأسه، فقتله في مكانه، و أنزل الله تعالى هذه الآية: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ* مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ.2 فقد أرسل الله رحمته، و هذا الرجل طلب العذاب؛ فقيل له: لمّا كانت الرحمة لا تنفعك، فليس لأحد أن يدفع عنك العذاب. مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ. و لقد أرسلتُ ولَاية جعلتُ فيها كمال الدين و تمام النعمة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

  • و ذكر الشيخ الطبرسيّ هذا الحديث و شأن نزول الآية في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بنفس الطريقة مع اختلاف و ذلك في تفسير «مجمع البيان» بسنده المتّصل عن الحاكم أبي القاسم الحَسْكَانِيّ حتّى يصل إلى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة. إلّا أنه أولًا: يسند الحديث إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق؛ لا الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام.

  • و ثانياً: إن السائل عنده هو النُّعْمَانُ بْنُ الحَرْثِ الفَهْرِيّ لا الحَارِث بْن

    1. الآية 32، من السورة 8: الأنفال.
    2. «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 194، طبعة مظفّري؛ و« تفسير القرطبيّ» ج 18، ص 278 و 288؛ و« تذكرة خواصّ الامّة» ص 19؛ و« فرائد السمطين» ج 1، الباب 15، ص 82 و 83؛ و« نظم درر السمطين» ص 93؛ و« السيرة الحلبيّة» طبعة سنة 1353 ه-، ج 3، ص 308 و 309؛ و« تفسير المنار»، ج 6، ص 464؛ و تفسير« الميزان» ج 19، ص 79؛ و« غاية المرام» ج 2، ص 397، الباب 117، حديثان عن طريق العامّة، و في ص 398 الباب 118 ستّة أحاديث عن طريق الخاصّة؛ و« الفصول المهمّة» لابن صبّاغ المالكيّ، الطبعة الحجريّة ص 26 و 27، و طبعة النجف، ص 24.

معرفة الإمام ج۷

78
  • النُّعْمَان. غير أنه قال في بداية حديثه: و قيل: إنّ القائل هو النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ بْنُ كَلْدَةَ.1

  • و ذكر المجلسيّ هذه الرواية في «البحار» عن «تفسير فرات بن إبراهيم»؛ و كذلك عن «طرائف السيّد بن طاووس»، عن الثعلبيّ، و عن كتاب «كَنْز جَامِعِ الفَوَائِد» عن محمّد بن عبّاس بسنده عن سفيان بن عيينه أيضاً؛ ثمّ قال [صاحب «الكنز» أروي هذا الحديث بسند آخر عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام هكذا]:

  • تلا الإمام الصادق عليه السلام هذه الآية: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ «بِوَلايَةِ عَلِيٍّ» لَيْسَ لَهُ دافِعٌ. ثمّ قال: هكذا في مصحف فاطمة.

  • و روى البرقيّ عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (الصادق) أنه قال: هَكَذَا وَ اللهِ أنْزَلَهَا جَبْرَئِيلُ على النَّبِيّ، وَ هَكَذَا هُوَ مُثْبَتٌ في مُصْحَفِ فَاطِمَةَ.2

  • و أخرج المجلسيّ أيضاً حديثين آخرين عن «تفسير فُرَات بنِ إبراهيم» في شأن نزول الآية: سَأَلَ سائِلٌ، إذ نزلت في الأعرابيّ الذي طلب العذاب لِما سمعه من ولاية على بن أبي طالب؛ الأوّل: ذكر الحديث مُعَنعناً عن أبي هريرة؛ و الثاني: عن جعفر بن محمّد بن بشرويه القطّان مُعَنعناً عن الأوزاعيّ، عن صَعْصَعَة بن صُوحان، و الأحنف بن قيس، قالوا جميعاً: سمعنا عن ابن عبّاس يقول: كنّا مع رسول الله إذ دخل علينا ذلك السائل؛ ثمّ ذكر القضيّة كلّها.3

    1. «مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 5، ص 325.
    2. «بحار الأنوار» ج 9، ص 216 و 217.
    3. «بحار الأنوار» ج 9، ص 216.

معرفة الإمام ج۷

79
  • و في كتاب «الغدير» عند ما ينقل هذه الرواية عن أبي إسحاق الثَّعْلَبيّ، فإنّه ينقلها بنفس الألفاظ التي أتينا بها عن «تفسير أبي الفتوح» تقريباً؛ مع هذا الفارق و هو أنه أوّلًا: ينقل الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام، و ثانياً يقول: توجّه الحَرْثُ بْنُ النُّعْمَان نحو رسول الله حتّى أتى الأبطح.1 و كلمة الأبطح غير موجودة في رواية أبي الفتوح.

  • يضاف إلى هذه الرواية أنه يذكر ثلاثين نصّاً في شأن نزول الآية عن تفاسير أهل السنّة و كتب تراجمهم و مناقبهم.2 و من ذلك يقول بأنّ السائل في رواية الحافظ أبي عُبَيْد الهَرَويّ في تفسير «غريب القرآن» هو جابر بن النَّضْر بن الحارث بن كلدة العبدريّ.

  • و يقول في الهامش: لا يبعد أن يكون السائل جابر بن النَّضْر [بن الحارث] و إن ذكر الثعلبيّ الذي نقل عنه أكثر العلماء أنه الحَارِثُ بن النُّعْمَان الفَهْرِيّ- حيث إنّ جابراً قتل أميرُ المؤمنين عليه السلام والده النَّضْر [بن الحارث]، صَبْراً بأمر من رسول الله صلّى الله عليه و آله لمّا اسر يوم بدر الكبرى. و كان الناس حديثي عهد بالكفر، [و لم يتمكّن الإيمان من قلوبهم]؛ و من جرّاء ذلك كانت البغضاء محتدمةً بينهم على الأوتار الجاهليّة، [و هي التي دفعت جابراً أن يقول ما قاله ثأراً لدم أبيه].3

  • أقول: يؤيّد هذا الكلام أنّ الشخص في «تفسير أبي الفتوح» هو النضر بن الحارث بن كَلدة كما رأينا. و من المؤكّد أنه ليس النضر نفسه، بل جابراً. و لمّا كانوا يدعون الأبناء بأسماء آبائهم غالباً، فلهذا ذكروا على

    1. «الغدير» ج 1، ص 240 طبعة الآخونديّ. مطبعة الحيدريّ، طهران.
    2. «الغدير» ج 1، ص 239 إلي 246.
    3. «الغدير» ج 1، ص 239.

معرفة الإمام ج۷

80
  • أنه النضر.

  • و فيما يلي نتحدّث عن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من حيث شأن النزول، و من حيث الدلالة؛ ثمّ نعرّج على حديث غدير خُمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ من حيث السند و الدلالة. ذلك أنّ هذين البحثين: أعني: شأن نزول الآية بَلِّغْ، و حديث الولاية مستقلّان بعضهما عن بعض و لا ترابط بينهما.

  • أمّا في شأن نزول آية التبليغ، فقد روى صاحب كتاب «غاية المرام» ثمانية أحاديث عن طريق الخاصّة، و تسعة أحاديث عن طريق العامّة.1

  • و من حيث الكتب الروائيّة و التفسيريّة و التأريخيّة لأصحابنا الإماميّة رضوان الله عليهم فلا خلاف بينهم في أنّ الآية نزلت في ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام و هو أمر متسالمٌ عليه فيما بينهم؛ و ننقل هنا عدداً من الروايات عن بعض مصادرهم الروائيّة؛ يتلو ذلك الروايات الواردة في كتب العامّة.

  • رواية الإمام الباقر عليه السلام في شأن نزول آية التبليغ

  • فقد روى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوب الكُلَيْنِيّ عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و محمّد بن الحسين جميعاً؛ عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام [أنّ أبا الجارود] قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:

  • فرض الله عزّ و جلّ على العباد خمساً، أخذوا أربعاً؛ و تركوا واحداً!

  • قلتُ: أ تسمّيهنّ لي جعلت فداك؟!

  • فقال: الصلاة و كان الناس لا يدرون كيف يصلّون؛ فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد أخبرهم بمواقيت صلاتهم!

    1. «غاية المرام»، ص 334 إلي 336.

معرفة الإمام ج۷

81
  • ثمّ نزلت الزكاة؛ فقال: يا محمّد! أخبرهم من زكاتهم! ما أخبرتهم من صلاتهم! ثمّ نزل الصوم، فكان رسول الله صلّى الله عليه و آله إذا كان يوم عاشوراء، بعث إلى ما حوله من القرى، فصاموا ذلك اليوم، فنزل الصوم في شهر رمضان بين شعبان و شوّال.

  • ثمّ نزل الحجّ؛ فنزل جبرئيل عليه السلام، فقال: أخبرهم من حجّهم! ما أخبرتهم من صلاتهم و زكاتهم و صومهم!

  • ثمّ نزلت الولاية و إنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزّ و جلّ هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي؛ و كان كمال الدين بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

  • فقال عند ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله [و هو يتحدّث مع نفسه]: امَّتي حديثو عهد بالجاهليّة. و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي [عَلِيّ]، يقول قائل؛ و يقول قائل آخر- فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني-.

  • فأتتني عزيمة من الله عزّ و جلّ بتلة1، أوعدني إن لم ابلّغ أن يعذّبني؛ فنزلت [هذه الآية]: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.2

  • فأخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بِيَدِ عليّ عليه السلام، فقال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلَّا و قد عمّره الله، ثمّ دعاه فأجابه، فاوشك أن ادعى فأجيب! و أنا مسؤول [أمام الله في الموقف]؛ و أنتم مسؤولون أيضاً! فما ذا أنتم قائلون؟! فقالوا: نشهد أنك3

  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص81

    1. قاطعة لا ترُد.
    2. الآية 67، من السورة 5: المائدة.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

82
  • قد بلّغت! و نصحتَ، و أدّيتَ ما عليك! فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين.

  • فقال [النبيّ]: اللهُمَّ اشْهَدْ ثلاث مرّات، ثمّ قال: يَا مَعْشَرَ المُسلِمِينَ! هَذَا وَلِيُّكُمْ بَعْدِي، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ!

  • قال أبو جعفر عليه السلام: كان و الله عليّ عليه السلام أمين الله على خلقه، و غيبه، و دينه الذي ارتضاه لنفسه.

  • ثمّ إنَّ رسول الله صلّى الله عليه و آله حضره الذي حضر؛ فدعا عليّاً، فقال: يا عليّ! إنّي اريد أن أئتمنك على ما ائتمنني الله عليه من غيبه، و علمه، و من خلقه، و من دينه الذي ارتضاه لنفسه. فلم يشرك و الله فيها يا زياد (أبو الجارود) أحداً من الخلق. (رسول الله لم يُشرك فيها أحداً).

  • ثمّ إنّ عليّاً عليه السلام حضره الذي حضره، فدعا ولده، و كانوا اثني عشر ذكراً؛ فقال لهم: يا بَنيّ! إنّ الله عز و جلّ قد أبى إلّا أن يجعل في سنّة من يعقوب. و إنّ يعقوب دعا ولده، و كانوا اثني عشر ذكراً، فأخبرهم بصاحبهم. ألا و إنّي اخبركم بصاحبكم، [و آمرهم بطاعته وليّاً و مولى لهم].

  • ألا إنّ هذين ابنا رسول الله: الحسن، و الحسين عليهما السلام. فاسمعوا لهما و أطيعوا؛ و وازروهما! فإنّي قد ائتمنتهما على ما ائتمنني عليه رسول الله صلّى الله عليه و آله ممّا ائتمنه الله عليه من خلقه، و من غيبه، و من دينه الذي ارتضاه لنفسه. فأوجب الله لهما من عليّ ما أوجب لعليّ من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم؛ فلم يكن لأحد منهما (الحسنين) فضل على صاحبه إلّا بكبره. و إنّ الحسين عليه السلام كان إذا حضر الحسن عليه السلام لم ينطق في ذلك المجلس حتّى يقوم.

  • ثمّ إنّ الحسن عليه السلام حضره الذي حضره فسلّم ذلك إلى الحسين عليه السلام. ثمّ إنّ الحسين عليه السلام حضره الذي حضره، فدعا بنته

معرفة الإمام ج۷

83
  • الكبرى: فَاطِمَةَ بِنْتَ الحُسَيْنِ عليه السلام، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً و وصيّة ظاهرة. و كان عليّ بن الحسين عند استشهاد أبيه الحسين عليه السلام مبطوناً لا يرون إلّا أنه لما به.

  • فدفعت فَاطِمَةُ بِنْتُ الحُسَيْنِ الكتاب و الوصيّة إلى عَلِيّ بْنِ الحُسَيْنُ؛ ثمّ صار و الله ذلك الكتاب إلينا.1

  • و روى الكلينيّ هذه الرواية بسند آخر، عن الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن إسماعيل بن بَزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام مثلها.2

  • و روى الكلينيّ أيضاً عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، و أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن محمّد بن فُضَيل، عن أبي حمزة الثُّمالىّ، عن أبي جعفر [الباقر] عليه السلام قال [أبو حمزة]: سمعته يقول: لمّا أن قضى محمّد نبوّته، و استكمل أيّامه، أوحى الله تعالى إليه أن يا مُحَمَّد! قد قضيتَ نبوّتك و استكملت أيّامك.

  • فاجعل العلم الذي عندك، و الإيمان، و الاسم الأكبر، و ميراث العلم و آثار علم النبوّة في أهل بيتك عند عَلِيّ بنِ أبي طالِبٍ!

  • فإنّي لن أقطع العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوّة من العقب من ذرّيّتك كما لم أقطعها من ذرّيّات الأنبياء.3

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 290 و 291، طبعة الآخونديّ، مطبعة الحيدريّ بطهران، كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله و رسوله على الأئمّة عليهم السلام واحداً فواحداً؛ و« غاية المرام» ج 1، ص 335، الباب 38، الحديث الأوّل.
    2. «اصول الكافي»، ج 1، ص 291.
    3. «اصول الكافي» ج 1، ص 292 و 293. كتاب الحجّة ج 2، باب الإشارة و النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام.

معرفة الإمام ج۷

84
  • و روى الكلينيّ كذلك عن محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، و محمّد بن يحيى، و محمّد بن الحسين جميعاً عن محمّد بن سِنان، عن إسماعيل بن جابر، و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال:

  • أوصى موسى إلى يُوشَع بن نُون، و أوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون؛ و لم يوص إلى ولده و لا إلى ولد موسى. إنّ الله تعالى له الخيرة، يختار من يشاء، ممّن يشاء، و بشّر موسى و يوشع بالمسيح.

  • فلمّا أن بعث الله المسيح، قال المسيح لهم: إنّه سوف يأتي من بعدي نبيّ اسمه أحمد من ولد إسماعيل؛ يجيء بتصديقي (في الرسالة و صحّة الولادة)؛ و تصديقكم (في الإيمان و حسن المتابعة)، و عذري و عذركم.

  • و جرت تلك الوصيّة و السنّة و الخيرة من بعده في الحواريّين من المُسْتَحْفَظين.1 و إنّما سمّاهم الله المُسْتَحْفَظين لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر، و هو الكتاب الذي يعلّم به علم كلّ شيء. قال الله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ.2

  • و الكتاب الاسم الأكبر، و إنّما عرف ممّا يدَّعي الكتاب: التَّوْرَاة، وَ الإنْجِيل، وَ الْفُرْقَان؛ فيها: كتاب نُوح، و كتاب صَالِح، و كتاب شُعَيب

    1. كأنّ في تسمية الله لهم: المُسْتَحْفَظين إشارة إلي قوله تعالي بشأن التوراة: فِيهَا هُدًى وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَ كَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ.( الآية 44، من السورة 5: المائدة).
    2. جاءت بهذا الشكل في نسخ« الكافي» و« مرآة العقول»؛ إلّا أنّ الآية في القرآن وردت كما يأتي: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ.( الآية 25، من السورة 57: الحديد).

معرفة الإمام ج۷

85
  • و إبراهيم، فأخبر الله عزّ و جلّ: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى* صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى.1

  • فأين صُحف إبراهيم؟ إنّما صحف إبراهيم الاسم الأكبر؛ و صحف موسى الاسم الأكبر. فلم تزل الوصيّة في عالم بعد عالم حتّى دفعوها إلى مُحَمَّد صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • فلمّا بعث الله عزّ و جلّ محمّداً، أسلم له العقب من المُسْتَحْفَظين. و كذّبه بنو إسرائيل. و دعا إلى الله عزّ و جلّ، و جاهد في سبيله.

  • ثمّ أنزل الله جلّ ذكره عليه أن أعلن فضل وصيّك! فقال: ربّ! إنّ العرب قوم جفاة؛ فظّين في المعاشرة و المعاملة، و ليسوا من أهل الرفق و المداراة! لم يكن فيهم كتاب، و لم يبعث إليهم نبيّ؛ و لا يعرفون فضل نبوّات الأنبياء عليهم السلام، و لا شرفهم. و لا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي، فقال الله جَلَّ ذِكْرُهُ: وَ لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوفَ تَعْلَمُونَ.2

  • فذكر من فضل وصيّه ذكراً، فوقع النفاق في قلوبهم. فعلم رسول الله

    1. الآيتان 18 و 19، من السورة 87: الأعلى.
    2. يقول المجلسيّ في« مرآة العقول»: هذه الآية بهذا الوجه ليست في المصاحف المشهورة، لأنّ الذي في سورة الحِجْر هو: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. و في سورة النحل: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. و في سورة الزخرف: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. فيحتمل أنّ يكون عليه السلام ذكر الآيتين: إحدى السوابق مع الأخيرة، فسقط من الرواة أو النسّاخ. أو أشار[ الإمام] عليه السلام إلى الآيتين بذكر صدر إحداهما و عجز الاخرى؛ أو يكون نقلًا لهما بالمعنى؛ أو يكون في مصحفهم كذلك.( مرآة العقول، الطبعة الحديثة، ج 3، ص 273 و 274).

معرفة الإمام ج۷

86
  • صلّى الله عليه و آله ذلك و ما يقولون، فقال الله جَلَّ ذِكْرُهُ: يَا مُحَمَّدُ! وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُّ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَإنهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَ لَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ.1

  • و لكنّهم يجحدون بغير حجّة لهم. و كان رسول الله يتألّفهم و يستعين ببعضهم على بعض، و لا يزال يخرج لهم شيئاً في فضل وصيّه حتّى نزلت سورة الانشراح: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. و هنا قال تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَ إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ.2 يقول: إذا فرغت فانصب علمك!3 و أعلن وصيّك، فأعلهم فضله علانية!

  • فقال رسول الله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ!

    1. يقول المجلسي في« مرآة العقول»: في المصاحف المشهورة هذه الآية في سورة الحِجْر: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. و في سورة الأنعام: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ. و الكلام في هذه الآية كالكلام في الآية المتقدّمة: و لا تحزن عليهم و قل سلام.( مرآة العقول، ج 3، ص 274). باب الإشارة و النصّ على أمير المؤمنين.
    2. الآيتان 7 و 8، من السورة 94: الانشراح.
    3. نَصَبَهُ يَنْصِبُ نَصْباً بكسر صاد المضارع و ضمّها، و هو من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَ قَتَلَ يَقْتُلُ، و بتسكين المصدر بمعني نصب الشيء بمعني أقامه و رفعه و وضعه وضعاً ثابتاً. و نَصِب يَنصَب نَصَباً من باب عَلِمَ يَعْلَم، و بفتح صاد المصدر بمعني تحمّل المشقّة و التعب و الجدّ و الجهد. و لمّا وردت في المصاحف المشهورة بفتح الصاد في المضارع، فهي تعني: جدّ واجهد في العبادة أو في الجهاد.
      و أمّا في ضوء هذه الرواية إذ وردت« فانصب» بمعني: انصب علمك و آيتك، أي: أمير المؤمنين عليه السلام فيمكن أنها قُرئت في مصحف أهل البيت عليهم السلام بكسر الصاد« فانْصِب». و يمكن أن تكون بفتح الصاد أيضاً. و يحتمل أن يكون تفسير الإمام الباقر عليه السلام في هذه الرواية بياناً لحاصل المعني؛ و يكون المقصود: أتعب نفسك في نصب وصيّك بما تسمع من المنافقين في ذلك!

معرفة الإمام ج۷

87
  • وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ! ثَلاث مرّات.

  • ثمّ قال: لأبْعَثَنَّ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَ رَسُولَهُ؛ وَ يُحِبُّهُ اللهُ وَ رَسُولُهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ. يعرّض بمن رجع، يجبّن أصحابه و يجبّنونه. (إشارة إلى فرار أبي بكر و عمر من الحرب؛ بعد أن كلّفهما رسول الله بذلك قبل يومين من تكليف أمير المؤمنين عليه السلام بالفتح، ففرّا).

  • و قال أيضاً: عَلِيّ سَيِّدُ المُؤمِنِينَ.

  • و قال أيضاً: عَلِيّ عَمُودُ الدِّينِ.

  • و قال أيضاً: هَذَا الذي يَضْرِبُ النَّاسَ بِالسَّيْفِ على الحَقِّ بَعْدِي.

  • و قال أيضاً: الحَقُّ مَعَ عَلِيّ أيْنَمَا مَالَ.

  • و قال أيضاً: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أمْرَيْنِ؛ إن أخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ أهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي؛ أيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَ قَدْ بَلَّغْتُ: إنَّكُمْ سَتَرِدُونَ عَلَيّ الْحَوْضَ! فَأسْألُكُمْ عَمَّا فَعَلْتُمْ في الثَّقَلَيْنِ.

  • وَ الثَّقَلَانِ كِتَابُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أهْلُ بَيْتِي! فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا! وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ!

  • و على هذا وقعت الحجّة بقول النبيّ صلّى الله عليه و آله و بالكتاب الذي يقرأه الناس. فلم يزل يلقي فضل أهل بيته بالكلام و يبيّن لهم بالقرآن: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.1

  • و قال عزّ ذكره: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى.2

    1. الآية 33، من السورة 33: الأحزاب.
    2. الآية 41، من السورة 8: الأنفال.

معرفة الإمام ج۷

88
  • ثمّ قال: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ.1

  • فكان عليّ عليه السلام. و كان حقّه الوصيّة التي جعلت له، و الاسم الأكبر، و ميراث العلم، و آثار علم النبوّة.

  • و قال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.2

  • و قال: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.3

  • يقول: أسألكم عن المودّة التي بيَّنت لكم فيها فضل القربى، و انزلت فيها آية: بأيّ ذنب قتلتموهم؟!

  • و قال جلّ ذكره أيضاً: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.4

  • قال الإمام: المراد من الذكر هو الكتاب، أي: القرآن الكريم. و أهله

    1. الآية 16، من السورة 17: الإسراء.
    2. الآية 23، من السورة 42: الشورى.
    3. قال المجلسيّ في« مرآة العقول»: القراءة المشهورة: الْمَوْؤُدَةُ بالهمزة؛ قال الطبرسيّ: الموؤدة هي الجارية المدفونة[ حيّاً] و روى عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام: إذَا الْمَوَدَّةُ سُئِلَتْ بفتح الميم و الواو. و روى عن ابن عبّاس أنه قال: هو من قتل في مودّتنا أهل البيت. و عن أبي جعفر عليه السلام قال: يعني قرابة رسول الله صلّى الله عليه و آله و من قتل في جهاد. و في رواية اخرى: هو من قتل في مودّتنا و ولايتنا- انتهى كلام الطبرسيّ. ثمّ قال المجلسيّ: الظاهر أنّ أكثر تلك الأخبار مبنيّة على تلك القراءة الثانية، إمّا بحذف المضاف، أي: أهل المودّة يسئلون بأيّ ذنب قُتلوا؛ أو بإسناد القتل إلى المودّة مجازاً، و المراد قتل أهل المودّة، أو بالتجوّز في القتل، و المراد تضييع مودّة أهل البيت و إبطالها.
      و بعضها[ مبنيّة] على القراءة الاولى المشهورة بأن يكون المراد بالموؤدة: النفس المدفونة في التراب مطلقا أو حيّة، إشارة إلى أنهم لكونهم مقتولين في سبيل الله ليسوا بأموات بل أحياء عند ربّهم يرزقون. فكأنهم دفنوا أحياء. و فيه من اللطف ما لا يخفى.« مرآة العقول»، ج 3 ص 281، و 282). باب الإشارة و النصّ على أمير المؤمنين.
    4. الآية 43، من السورة 16: النحل.

معرفة الإمام ج۷

89
  • آل محمّد صلّى الله عليه و آله؛ أمر الله بسؤالهم، و لم يؤمروا بسؤال الجهّال.

  • و سمّى الله عزّ و جلّ القرآن ذكراً، فقال:

  • وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.1

  • و قال أيضاً: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.2

  • و قال كذلك: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.3

  • و قال أيضاً: وَ لَوْ رَدُّوهُ (إلَى اللهِ) إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.4

  • و نرى هنا أنه ردّ الأمر- أمر الناس- إلى اولي الأمر منهم، الذين أمر الله الناس بطاعتهم و بالردّ إليهم.

  • و لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه و آله من حجّة الوداع، نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.5

  • و بعد نزول هذه الآية، نادى رسول الله الناس فاجتمعوا. و أمر بسَمُرات فكُنِس ما تحتهنّ؛ و ألقى خطبته فقال فيها: [يَا] أيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيُّكُمْ وَ أولَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟! فَقَالُوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ. فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

    1. الآية 44، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 44، من السورة 43: الزخرف.
    3. الآية 59، من السورة 4: النساء.
    4. الآية 82، من السورة 4: النساء.« إلي الله» غير موجودة في القرآن الكريم.
    5. الآية 67، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

90
  • فوقعت حسكة النفاق في قلوب القوم، و قالوا: ما أنزل الله هذا على مُحَمَّدٍ قَطُّ، وَ مَا يُريدُ إلَّا أنْ يَرْفَعَ بِضَبْعِ ابْنِ عَمِّهِ.

  • و لمّا قدم المدينة، أتاه الأنصار فقالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّ الله قد أحْسَن إلينا و شرّفنا بك و بنزولك بين ظهرانينا. فقد فرّح الله صديقنا و كبّت عدوّنا. و قد يأتيك وفود، فلا تجد ما تعطيهم أ فيشمت بك العدوّ؟

  • فنحبّ أن تأخذ ثلث أموالنا، حتّى إذا قدم عليك وفد مكّة؛ وجدتَ ما تعطيهم.

  • فلم يردّ النبيّ عليهم شيئاً، و كان ينتظر ما يأتيه من ربّه. فنزل جبرئيل عليه السلام و قال:

  • قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.1

  • و لم يقبل رسول الله صلّى الله عليه و آله أموالهم، فقال المنافقون: ما أنزل الله هذا على مُحَمَّدٍ أيضا. و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع ابن عمّه؛ و يحمل علينا أهل بيته؛ يقول أمس: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. و يقول اليوم: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. ثمّ نزلت عليه آية الخمس، فقالوا: يريد أن يعطيهم أموالنا و فيئنا.

  • و بعد هذه الأحداث، أتاه جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّك قد قضيت نبوّتك، و استكملت أيّامك؛ فاجعل الاسم الأكبر، و ميراث العلم، و آثار علم النبوّة عند عليّ عليه السلام! فإنّي لم أترك الأرض إلّا ولى فيها عالم تعرف به طاعتي، و تعرف به ولايتي؛ و يكون حجّة لمن يولد بين قبض النبيّ إلى خروج النبيّ الآخر.

  • قال الإمام الباقر عليه السلام: ... فأوصى [النبيّ صلّى الله عليه و آله

    1. الآية 23، من السورة 43: الشوري.

معرفة الإمام ج۷

91
  • و سلّم] إليه [أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام] بالاسم الأكبر، و ميراث علم [الأنبياء]، و آثار علم النبوّة؛ و أوصى إليه بألف كلمة و ألف باب، تفتح كلّ كلمة و كلّ باب ألف كلمة و ألف باب.1

  • و روى العيّاشيّ في تفسيره مضمون هذه الرواية بنحو موجز نوعاً ما، و ذلك عن راويها أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام2 مع هذه الزيادة. و هي أنّ الإمام الباقر عليه السلام لمّا كان يحدّث الناس بالأبطح، قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عُثْمَان الأعشَى؛ و قال له: يا ابن رسول الله! جعلت فداك؛ إنّ الحسن البصريّ حدّثنا حديثاً يزعم أنّ هذه الآية نزلت في رجل؛ و يخبرنا من الرجل؟!

  • [فقال الإمام]: مَا لَهُ لَا قَضَى اللهِ دَيْنَهُ- يَعْنِي صَلَاتَهُ- أمَا أنْ لَوْ شَاءَ أنْ يُخْبِرَ بِهِ لأخْبَرَ بِهِ.3

  • رواية الفيض بن المختار في آية التبليغ

  • و روى عن الشيخ الصدوق بسلسلة سنده المتّصل عن مُحَمَّدِ بنِ الفَيْضِ بنِ المُخْتَارِ، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه و آله ذات يوم و هو راكب؛ و خرج [أمير المؤمنين] عليه السلام و هو يمشي. فقال: يا أبا الحسن! إمّا أن تركب؛ و إمّا أن تنصرف! فإنّ الله عزّ و جلّ أمرني أن تركب إذا ركبتُ! و تمشي إذا مشيتُ! و تجلس إذا جلستُ! إلّا أن يكون حدّ

    1. «اصول الكافي»، ج 1، ص 293 إلي 296. كتاب الحجّة ج 3، باب الإشارة و النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 1 ص 333 و 334، طبعة قم؛ و« غاية المرام» ج 1، ص 336، الحديث السابع، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 307، طبعة الكمباني؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 490؛ و تفسير« الميزان» ج 6، ص 56.
    3. المصادر المتقدّمة نفسها.

معرفة الإمام ج۷

92
  • من حدود الله لا بدّ لك من القيام [به]!

  • و ما أكرمني بكرامة؛ إلّا و أكرمك بمثلها! و خصّني الله بالنبوّة و الرسالة؛ و جعلك ولِيّي في ذلك: تقوم في حدوده! و في أصعب اموره! و الذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً؛ ما آمن بي من أنكرك! و لا أقرّ بي، من جحدك! و لا أمَرَ بي من كفر بك! و إنّ فضلك من فضلي؛ و إنّ فضلي لفضل الله؛ و هو قول الله عزّ و جلّ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.1

  • يعني فضل الله نبوّة نبيّكم! و رحمة الله ولاية عليّ بن أبي طالب. فَبِذلِكَ قال بالنبوّة و الولاية. فَلْيَفْرَحُوا يعني الشيعة؛ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يعني مخالفيهم من الأهل و المال و الولد في دار الدنيا. و الله يا عليّ! ما خُلِفْتَ، إلّا لتعبد ربّك! و ليعرف بك معالم الدين! و تصلح بك دارس السبيل! و لقد ضلّ من ضلّ عنك! و لن يهتدي إلى الله من لم يهتد إليك و إلى ولايتك؛ قال الله: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى.2

  • يعني: اهتدى إلى ولايتك.

  • و لقد أمرني تبارك و تعالى أن أفترض من حقّك ما افترضه من حقّي؛ و إنّ حقّك لمفروض على من آمن بي. و لولاك لم يُعْرَف حزب الله! و بكَ يُعْرَف عدوّ الله.

  • و من لم يلقه بولايتك؛ لم يلقه بشيء! و قد أنزل الله عزّ و جلّ إليّ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني في ولايتك يا عليّ! و إن

    1. الآية 58، من السورة 10: يونس.
    2. الآية 82، من السورة 20: طه.

معرفة الإمام ج۷

93
  • لم تفعل، فما بلّغت رسالته!

  • و لو لم ابلّغ ما امرت به من ولايتك؛ لحبط عملي! و من لقى الله عزّ و جلّ بغير ولايتك، فقد حبط عمله!

  • و غداً ينجز لي الله ما وعدني! و ما أقول إلّا قول ربّي تبارك و تعالى؛ إنّ الذي أقول لمن الله عزّ و جلّ أنزله فيك.1

  • روايات العيّاشيّ في آية التبليغ

  • و أخرج العيّاشيّ عن المُفَضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما [الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام] قال: إنّه لمّا نزلت هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ2 شقّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه و آله، و خشي أن تكذّبه قريش، فأنزل الله هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. فقام بذلك يوم غدير خمّ.3

  • و روى العيّاشيّ أيضاً عن صفوان الجمّال قال: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: لمّا نزلت هذه الآية بالولاية، أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله بالدَّوْحَات دوحات غدير خمّ فقمّت (الدوحات جمع دَوْحَه، و هي الشجرة الكبيرة التي تظلّل بسبب كثرة أغصانها؛ و المراد السمرات الخمس) ثمّ، نودي: الصَّلَاةَ جَامِعَةَ، ثمّ قال:

  • أيُّهَا النَّاسُ أ لَسْتُ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ قالوا: بلى! قال: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ رَبِّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ!

    1. «غاية المرام» ج 1، ص 335 و 336 الحديث الثاني، الطبعة الحجريّة؛ و تفسير« الميزان» ج 6، ص 56.
    2. الآية 55، من السورة 5: المائدة.
    3. «تفسير العيّاشيّ» ج 1: ص 328؛« بحار الأنوار» ج 9، ص 35، طبعة الكمباني؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 483.

معرفة الإمام ج۷

94
  • ثمّ أمر الناس ببيعة أمير المؤمنين عليه السلام و بايعه الناس كلّهم، لا يجيء أحد إلّا بايعه؛ لا يتكلّم حتّى جاء أبو بكر، فقال النبيّ: يا أبا بكر بايع عليّاً بالولاية!

  • فقال [أبو بكر]: مِنَ اللهِ () او مِنْ رَسُولِهِ؟!

  • فقال [النبيّ]: مِنَ اللهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ.

  • ثمّ جاء عمر؛ فقال [له النبيّ]: بايع عليّاً بالولاية!

  • فقال [عمر]: مِنَ اللهِ () او مِنْ رَسُولِهِ؟!

  • فقال [النبيّ]: مِنَ اللهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ.

  • ثمّ ثنى [عمر] عطفيه و التقيا، فقال لأبي بكر: تَشَدَّ مَا يَرْفَعُ بِضَبْعَي ابْنِ عَمِّهِ.

  • و يعرض الإمام الصادق عليه السلام هنا قضيّة لقاء عمر بذلك الرجل الحسن الطيّب الريح.

  • ثمّ قال: لقد حضر الغدير اثنا عشر ألف رجل يشهدون لعليّ بن أبي طالب عليه السلام [بالولاية]؛ فما قدر عليّ على أخذ حقّه. و إنّ أحدكم يكون له المال و له شاهدان فيأخذ حقّه. فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.1 في عليّ عليه السلام.2

  • و روى العيّاشيّ أيضاً عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، و جابر بن عبد الله، قالا: أمر الله تعالى نبيّه أن ينصب عليّاً عَلَماً للناس، ليخبرهم بولايته. فتخوّف رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يقولوا: حامي

    1. الآية 56، من السورة 55: المائدة.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 329؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 206 و 207، طبعة الكمباني؛ و« تفسير البرهان»، ج 1، ص 485.

معرفة الإمام ج۷

95
  • ابن عمّه، و أن يطغوا في ذلك عليه. فأوحى الله إليه:

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؛ فقام رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بولايته يوم غدير خمّ.1

  • و أخرج العيّاشيّ أيضاً عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لمّا نزل جبرئيل على رسول الله صلّى الله عليه و آله في حجّة الوداع بإعلان أمر عليّ بن أبي طالب بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، مكث النبيّ ثلاثة أيّام حتّى أتى الجحفة؛ فلم يأخذ بِيَدِ عليّ فَرقاً من الناس.

  • فلمّا نزل الجحفة يوم الغدير في مكان يقال له: مَهْيَعَة، و نادى: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فاجتمع الناس؛ فقال رسول الله: مَنْ أولَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُم؟! فجهروا و قالوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ.

  • ثمّ قال لهم الثانية؛ فقالوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ. ثمّ قال لهم الثالثة، فقالوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ.

  • فأخذ [النبيّ] بِيَدِ عليّ عليه السلام، فقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، فَإنَّهُ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ، وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلّا أنهُ

    1. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 331 و 332؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 207؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 489. و« غاية المرام»، ج 1، ص 336، الحديث الرابع، الطبعة الحجريّة؛ و« الميزان» ج 6، ص 54 و 55؛ و تفسير« مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 2، ص 223. و نقل في« كشف الغمّة» ص 94، حديث الغدير مع شأن نزول آية التبليغ و أبيات حسّان بن ثابت، مسنداً إلي ابن عبّاس.

معرفة الإمام ج۷

96
  • لَا نَبِيّ بَعْدِي.1

  • و جاء عن العيّاشيّ أيضاً، عن عُمَر بن يزيد قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام ابتداءً منه: العَجَب يا أبا حَفص، لما لقى عليّ بن أبي طالب إنّه كان له عشرة آلاف شاهد، و لم يقدر على أخذ حقّة؛ و الرجل يأخذ حقّه بشاهدين.

  • إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله خرج من المدينة حاجّاً؛ و تبعه خمسة آلاف؛ و رجع من مكّة، و قد شيّعه خمسة آلاف من أهل مكّة؛ فلمّا انتهى إلى الجحفة، نزل جبرئيل بولاية عليّ- و قد كانت نزلت ولايته بمنى؛ و امتنع رسول الله صلّى الله عليه و آله من القيام بها لمكان الناس- فقال [جبرئيل وحياً من الله]:

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.

  • [و الله يعصمك من الناس] ممّا كرهت بمنى. فأمر رسول الله فقمّت السَّمُرات. فقال رجل من الناس: أما و الله ليأتينّكم بداهية [و أمر منكر].

  • فقلتُ لعُمَر [بن يزيد راوي هذه الرواية]: مَنِ الرجل؟ قال: الحَبَيّش.2

    1. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 332؛ و« غاية المرام» ج 1، ص 336 الحديث الخامس الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 207، الطبعة الكمباني؛ و« تفسير البرهان»، ج 1، ص 498؛ و تفسير« الميزان»، ج 6، ص 55.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 332؛ و« غاية المرام» ج 1، ص 336، الحديث السادس، الطبعة الحجريّة؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 489؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 207.

معرفة الإمام ج۷

97
  • و جاء في «غاية المرام»: الَحَبَشيّ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ.1

  • و يقول في «بحار الأنوار» في ذيل هذه الرواية: الَحَبَشيّ هُوَ عُمَرُ لِانْتِسَابِهِ إلَى الصَّهَّاكَةِ الحَبَشِيَّةِ.2

  • و روى العيّاشيّ أيضاً عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لمّا أنزل الله على نبيّه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؛ فأخذ رسول الله بِيَدِ عليّ؛ فقال: أيّها الناس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلّا و قد عمّر؛ ثمّ دعاه الله؛ فأجابه؛ و أوشك أن ادعي، فاجيب؛ و أنا مسؤول و أنتم مسؤولون! فما أنتم قائلون؟!

  • قالوا: نشهد أنك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك! فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين.

  • فقال رسول الله: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثم قال: يَا مَعْشَرِ المُسْلِمِينَ! ليبلّغ الشَّاهِدُ الغَائِب. [قال الله لي] و أوصى: من آمن بي، و صدّقني؛ [فعليه] بولاية عليّ. ألا إنّ ولاية عليّ ولايتي (و ولايتي ولاية ربّي) و لا يدري [و لا تدرون- ظ] عهداً عهده إليّ ربّي و أمرني أن ابلّغكموه.

  • ثمّ قال: هَلْ سَمِعْتُمْ؟! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يقولها.

  • فقال قائل: قَد سَمِعْنَا يَا رَسُولُ اللهِ.3

  • فهذه بعض الروايات التي عرضناها نقلًا عن طريق الشيعة

  • روايات مشايخ العامّة في آية التبليغ

  • و فيما.

    1. «غاية المرام» ج 1، ص 336.
    2. «بحار الأنوار» ج 9، ص 207.
    3. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 334؛ و« غاية المرام» ج 1، ص 336 الحديث الثامن؛ و« تفسير البرهان» ج 1، ص 490؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 207؛ و تفسير« الميزان» ج 6، ص 55.

معرفة الإمام ج۷

98
  • يلي عدد من الأحاديث و الروايات التي أخرجها مشايخ العامّة و أعلامهم في كتبهم.

  • فقد أخرج الحافظ ابن عَسَاكِر الشافعيّ بإسناده عن أبي سَعيدٍ الخُدريّ قال نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالبٍ.1

  • و روى الحافظ الحاكم الحَسْكانيّ الحنفيّ في كتاب «شواهد التنزيل» ثماني روايات بثمانية أسناد مختلفة تنتهي إلى أبي هُرَيرة، و أبي إسحاق الحميديّ (الخدريّ- خ)، و ابن عبّاس، و الحبريّ، و قَيْس بن مَاصِر عن عبد الله بن أبي أوفى، و زياد بن المنذر أبي الجارود، و جابر بن عبد الله قالوا: الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم عيد الغدير. و جاء في بعضها أنّ النبيّ رفع يد عليّ حتّى بان بياض إبطيهما فقال: ألَا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ! وَ عَادِ مَن عَادَاهُ. ثمّ قال: اللهُمَّ اشْهَدْ!

  • و مضمون الرواية التي ينقلها عن زياد بن المنذر (أبي الجارود) يماثل تقريباً مضمون الرواية التي ذكرناها أخيراً عن «تفسير العيّاشيّ» عن أبي الجارود.

  • و الحديث الذي يرويه عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله هو حديث المعراج، إلى أن يقول الله: وَ إنِّي لَمْ أبْعَثْ نَبِيّاً إلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَزِيراً، وَ إنَّكَ رَسُولُ اللهِ وَ إنَّ عَلِيّاً وَزِيرُكَ!

  • يقول ابن عبّاس: فهبط رسول الله؛ و كره أن يحدّث الناس بشيء

    1. «تفسير الدرّ المنثور» ج 2، ص 298. طبعة دار المعرفة، بيروت.

معرفة الإمام ج۷

99
  • منها، إذ كانوا حديثي عهد بالجاهليّة؛ حتّى مضى من ذلك ستّة أيّام، فأنزل الله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ!

  • و احتمل النبيّ هذا أيضاً؛ حتّى كان يوم الثامن عشر، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. فأمر رسول الله بلالًا حتّى يؤذّن في الناس أن لا يبقى غداً أحد إلّا خرج إلى غدير خمّ. فخرج رسول الله و الناس من الغد، فقال: أيُّهَا النَّاسُ! إنّ اللهَ أرْسَلني إلَيْكَم بِرِسالَة، وَ إنِّي ضقت بِهَا ذَرعاً مَخافَة أن تتّهموني و تكذّبوني، حتّى عاتبني رَبِّي فِيها بِوعيد أنْزلَهُ عليّ بَعْدَ وعيد! ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ بن أبي طالب فرفعها حتّى رأى الناس بياض إبطيهما، ثمّ قال: أيُهَا النَّاسُ! اللهُ مَوْلَايَ وَ أنَا مَوْلَاكُمْ! فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ! وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ! وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ! فأنزل الله هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.1

  • يقول الحاكم الحَسْكانيّ في ذيل الحديث الذي يرويه عن الحبريّ: و طرق هذا الحديث مستقصاة في كتاب «دُعَاء الهُدَاةِ إلَى أدَاءِ حَقِّ المُوَالاةِ» حول ولاية عليّ بن أبي طالب، (من تصنيفي في عشرة أجزاء).

  • و يقول المرحوم السيّد ابن طاووس: و من الذين ألّفوا كتاباً في حديث الغدير: الحاكم الحَسْكانيّ الذي سمّي كتابه: «دُعَاءَ الهُدَاةَ إلَى أدَاءِ حَقِّ المُوَالاةِ».2

    1. «شواهد التنزيل» ج 1، ص 187 إلي 193، الحديث رقم 243 إلي 250، طبعة مؤسّسة الأعلميّ، بيروت؛ و روي الطبرسيّ في تفسير« مجمع البيان»( طبعة صيدا ج 2، ص 223) حديثين من هذه الأحاديث عن« شواهد التنزيل» بإسناده عن ابن أبي عُمَير و ابن عبّاس.
    2. «شواهد التنزيل» ج 1 ص 190.

معرفة الإمام ج۷

100
  • يقول جَلَالُ الدِّين السُّيُوطِيّ الشَّافِعيّ في تفسير «الدرّ المنثور» قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ؛ الآية أخرج أبو الشيخ عن الحَسَن أنّ رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم قال: إنّ الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً؛ و عرفت أنّ الناس مكذّبي، فوعدني لُابلّغنّ، أو ليعذّبني، فأنزل [هذه الآية] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.

  • و أخرج عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ [أيضاً] عن مجاهد قال: لمّا نزلت: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، قال رسول الله: يا ربّ! إنّما أنا واحد! كيف أصنع يجتمع عَلَيّ الناس؟ فنزلت: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ!

  • و أخرج ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّ الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نزلت على رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم في عليّ بن أبي طالب يوم غدير خمّ.

  • و أخرج ابن مردويه عن ابن مَسْعُود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله صلّى الله عليه و آله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إنَّ عَلِيَّاً مَوْلَى المُؤْمِنِينَ. وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.1

  • يقول الإمام الفخر الرازيّ الشافعيّ في «التفسير الكبير»: و الوجه العاشر من الوجوه الواردة في شأن نزول آية التبليغ هو أنها «نزلت الآية في فضل عليّ بن أبي طالب عليه السلام؛ و لمّا نزلت هذه الآية، أخذ [رسول الله] بِيَدِ عليّ و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! اللهُمَّ وَالِ مَنْ

    1. تفسير« الدرّ المنثور» ج 2، ص 298.

معرفة الإمام ج۷

101
  • وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. و لمّا لقيه عمر رضي الله عنه قال: هَنِيئاً لكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ.

  • و هو قول ابن عبّاس، و البراء بن عازب، و محمّد بن عليّ.1

  • و يقول نظام الدين القمّيّ النيسابوريّ في تفسيره: ثمّ أمر الله رسوله أن لا ينظر إلى قلّة المصدِّقين، و كثرة المعاندين، و لا يتخوّف مكروههم، فقال: يَا أيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ. و عن أبي سعيد الخُدريّ أنّ هذه الآية نزلت في فضل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه و كرّم الله وَجْهَه يوم غدير خمّ.

  • فأخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله بيده و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ؛ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. فلقيه عمر و قال: هنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ! و هو قول عبد الله بن عبّاس، و البراء بن عازب، و محمّد بن عليّ.2

  • و جاء في هذه الرواية عبارة فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ بنحو خاصّ؛ و هَذَا التي تشير إلى شخص خارجيّ تدلّ على التأكيد في التعيّن و التشخّص. و روى عن أبي إسحاق الثعلبيّ النيسابوريّ في تفسيره: «الكَشْف و البيان» روايتان: الاولى: عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، و فيها أنّ معنى بَلِّغْ هو: بَلِّغْ ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في فَضْلِ عَلِيّ. و لمّا نزلت هذه الآية، أخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله بِيَدِ عليّ و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

    1. تفسير« مفاتيح الغيب» المشتهر ب-« التفسير الكبير»، ج 3، ص 636، الطبعة الاولي، طبعة شركة الصحافة العثمانيّة.
    2. تفسير« غرائب القرآن و رغائب الفرقان» ج 6، ص 129، الطبعة الاولي 1381 ه-، طبعة مطبعة مصطفي البابي الحلبيّ، مصر.

معرفة الإمام ج۷

102
  • الثانية: بسنده عن ابن عبّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ- الآية؛ قال: نزلت هذه الآية في عليّ. أمر الله نبيّه أن يبلّغ ولاية عليّ؛ فأخذ رسول الله يد عليّ و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. و قد نقل صاحب «الغدير» في ج 1، ص 217 و 218 هذين الحديثين في كتابه عن الثعلبيّ. و ذكر مصادرهما كلّ من ابن البطريق في «العُمدة» ص 49، و السيّد ابن طاووس في «الطرائف»، و الأربليّ في «كشف الغمّة» ص 94، و ذكر الطبرسيّ في «مجمع البيان» ج 2 ص 223 الحديث الثاني عن تفسير «الكشف و البيان»؛ و الحديث الأوّل عن ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 1 ص 526. و نقل استاذنا العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه ثلاث روايات عن «تفسير الثعلبيّ»: اثنتيان منها عن الإمام الباقر عليه السلام، و واحدة عن ابن عبّاس. «الميزان»، ج 6، ص 56).

  • و ذكر شهاب الدين السيّد محمود الآلوسيّ الشافعيّ البغداديّ في تفسيره قائلًا: زعمت الشيعة أنّ المراد ب- «ما انزل إليك» خلافة عليّ كرّم الله وجهه. فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر و أبي عبد الله رضي الله عنهما أنّ الله تبارك و تعالى أوحى إلى نبيّه صلّى الله عليه [و آله] و سلّم أن يستخلف عليّاً كرّم الله وجهه؛ فكان رسول الله يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه. فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعاً له بما أمره بأدائه.

  • و عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآية في عليّ كرّم الله وجهه حيث أمر سبحانه نبيّه أن يخبر النّاس بولاية عليّ، فتخوّف رسول الله أن يقولوا: حابي ابن عمّه؛ و أن يطعنوا في ذلك عليه. فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية؛ فقام بولايته يوم غدير خمّ، و أخذ بيده، و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

معرفة الإمام ج۷

103
  • و أخرج السيوطيّ في «الدرُّ المنثور» عن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدريّ قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم يوم غدير خُمّ في عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

  • و أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله صلّى الله عليه و آله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (إنَّ عَلِيّاً وَلِيّ المُؤْمِنِينَ) وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.1

  • و أخرج شيخ الإسلام إبراهيم بن محمّد بن مؤيِّد الحَمُّوئيّ عن مشايخه الأربعة: برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن عُمَر بالإذن في الرواية؛ و مجد الدين عبد الله بن محمود بن مودود الموصليّ، بَدر الدين محمّد بن محمّد بن أسعد البخاريّ بالإجازة في الرواية، و عبد الحافظ بن بَدْران بالقراءة عليه، ذلك بإسنادهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: سمعت في الليلة التي أسرى بي إلى السماء فيها نداءً من تحت العرش: إنَّ عَلِيَّاً رَايَةُ الهُدَى، وَ حَبِيبُ مَنْ يُؤْمِنُ بِي؛ بَلِّغْ عَلِيَّاً (ذَلِكَ). فَلَمَّا نَزَلَ النَّبِيّ انْسِيَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَ عَلَا عَلَيهِ: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ».2

  • و قال الشَّيخُ نُور الدِّينِ عَلِيّ بْنُ مُحَمّد بْن صَبَّاغ المَالِكِيّ: قال الإمام أبو الحسن الواحديّ في كتابه المسمّى ب- «أسباب النزول»: يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه قال: نزلت الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما

    1. تفسير« روح البيان» ج 6، ص 192 و 193، طبعة دار الطباعة المنيريّة.
    2. «فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين» ج 1، ص 158.

معرفة الإمام ج۷

104
  • أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب.

  • ثمّ قال: قال الشيخ محيي الدين النوويّ: غدير خُمّ- بضمّ الخاء المعجمة و تشديد الميم مع التنوين- اسم لغَيْضَة على ثلاثة أميال من الجحفة. عندها غدير مشهور يضاف إلى الغَيضَة فيقال [له]: غدير خُمّ.1

  • و قال مُحَمّد بن طلحة الشافعيّ: زيادة تقرير: نقل الإمام أبو الحسن عليّ الواحديّ في كتابه المسمّى ب- «أسباب النزول» يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نزلت في عليّ بن أبي طالب يوم غدير خُمّ.2

  • و روى أبو الحسن الواحديّ النيسابوريّ بسنده عن الأعمش و أبي جحاف، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ أنّ الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نزلت في عليّ بن أبي طالب يوم غدير خمّ.3

  • و قال الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ في تفسير يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ: أخرج الثعلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، و عن محمّد بن عليّ الباقر رضيّ الله عنهما أنهما قالا: نزلت هذه الآية في عليّ [بن أبي طالب].

    1. «الفصول المهمّة» ص 27 الطبعة الحجريّة، و ص 24 و 25 طبعة النجف. قال في« مراصد الاطّلاع» ج 1، ص 482: خُمّ، قيل: رَجلٌ. و قيل: غَيْضَة. و قيل: مَوضعٌ تصبّ فيه عينٌ. و قيل: بئر قريب من المَيْثَب، حفرها مُرَّة بن كعب، نُسب إلي ذلك غدير خمّ، و هو بين مكّة و المدينة؛ قيل: على ثلاثة أميال من الجُحفة. و قيل: على ميل. و هناك مسجد للنبيّ صلّى الله عليه و آله.
    2. «مطالب السئول في مناقب آل الرسول» ج 2، ص 16، الطبعة الحجريّة.
    3. «أسباب النزول» ص 150؛ و« الفصول المهمّة» لابن صبّاغ ص 27؛ و« الميزان» ج 6، ص 60.

معرفة الإمام ج۷

105
  • و كذلك الحَمُّوئيّ في «فرائد السِّمْطين» أخرجه عن أبي هريرة.

  • و أيضاً المالكيّ أخرج في «الفصول المهمّة» عن أبي سعيد الخُدريّ قال: نزلت هذه الآية في عليّ في غدير خُمّ. هكذا قال الشيخ محيي الدِّين النوويّ.1

  • و قال السيّد عليّ بن شهاب الهمدانيّ في المودّة الخامسة من كتابه: «مَوَدَّةُ القُرْبَى»: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أقبلت مع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في حجّة الوداع. فلمّا كان بغدير خُمّ، نودي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فجلس رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم تحت شجرة و أخذ بِيَدِ عليّ و قال: أ لَسْتُ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟!

  • قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ! فقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ ثمّ قال: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. فلقيه عمر بن الخطّاب فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ. و فيه نزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ- الآية.2

  • و ذكر مير خواند: غياث الدين بن همام في «حبيب السير» عن «كشف الغمّة» قائلًا: لمّا بلغ شفيع الامّة صلّى الله عليه و آله و سلّم غدير خمّ، و عُرف أنّ الناس سيفترقون عن موكبه المبارك بعد عبور المكان، و يذهبون إلى أوطانهم، و اقتضت الإرادة الأزليّة أن يطّلع الناس كلّهم على هذا الأمر، نزلت الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في استخلاف عليّ و النصّ على إمامته و إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ

    1. «ينابيع الموَدّة» ج 1، ص 120، طبعة إسلامبول سنة 1301 ه-.
    2. كتاب« مودّة القربي» و جاء الحديث كلّه في الجزء الأوّل من« ينابيع المودّة»، المودّة الخامسة، ص 249. طبعة إسلامبول.

معرفة الإمام ج۷

106
  • يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.1

  • و قال الشيخ محمَّد عَبْدهُ المصريّ رئيس جامعة الأزهر: روى ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر عن أبي سعيد الخُدريّ أنّ الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نزلت يوم غدير خُمّ في عليّ بنِ أبي طالبٍ.2

  • فهذا كلّه بحث إجماليّ يدور حول شأن نزول آية التبليغ عن مصادر الشيعة و العامّة؛ و قام العلّامة الأمينيّ رحمة الله عليه بالبحث، عن مصادر العامّة فقط. و تعرّض إلى شأن نزول الآية المذكورة بالتفصيل نقلًا عن ثلاثين كتاباً معتبراً لمشايخ العامّة و حفّاظهم.3

  • بحث في مفاد آية التبليغ

  • و أمّا البحث في دلالة آية التبليغ، و ارتباطها بقضيّة الولاية، و بيان مفادها المعبَّر عنه ب- «فقه الآية» فهو كما يلي:

  • تضمّ الآية وجوهاً أدبيّة تميّزها عن غيرها، و هي:

  • الأوّل: جاء الخطاب إلى رسول الله بعبارة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ أي المُرْسَلْ و مُبلِّغ الرسالة. فهي قد خاطبته بصفة الرسالة؛ و لم يخاطَب رسول الله بهذه الصفة في المواضع الاخري من القرآن الكريم غير هذا الموضع. و موضع آخر في القرآن في الآية 41 من نفس السورة (أي سورة

    1. «حبيب السير» طبعة حيدري مع مقدّمة همائي، ج 1، ص 411. علماً أنّ تأريخ« حبيب السير» من الكتب المعتبرة. و قال صاحب« كشف الظنون» ج 1، ص 419: هذا الكتاب من الكتب المفيدة و المعتبرة. و عدّه حسام الدين في كتابه« مَرَافض الرَّوافِض» من الكتب المعتبرة. و نقل عنه أبو الحَسَنات الحنفيّ في كتابه« الفوائد البهيّة» كثيراً، و عدّه من الكتب المعتبرة.
    2. «تفسير المنار» ج 6، ص 463.
    3. «الغدير» ج 1، ص 214 إلي 223.

معرفة الإمام ج۷

107
  • المائدة) خوطب النبيّ فيه بصفة الرسالة، و هو قوله:

  • يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.

  • بَيْدَ أنّ مُخاطبته بالنبوّة من خلال قوله: يَا أيُّهَا النَّبِيّ (أيّها المنبّأ، المطّلع على عوالم الغيب، إذ ذكره بصفة النَّبَإ و الإنبَاء، و في ذلك دلالة على مجرّد الاطّلاع على عالم الغيب و نزول الوحي بواسطة جبرئيل) جاءت في ثلاثة عشر موضعاً من القرآن.

  • و لمّا كان الأمر بالتبليغ في قوله: بَلِّغْ أمراً بإبلاغ حكم نازل من الله، فلهذا من المناسب أن يخاطب بكلمة «رسول» ليكون مماثلًا للدليل على وجوب تبليغ مضمون الآية، حتّى ينبّه نبيّه على أنّ مهمّة رسول الله تبليغ رسالته؛ وفقاً لما اضطلع به من أعباء الرسالة و تعهّد بالصمود أمام كلّ ما يعتريها من مشاقّ و متاعب.

  • الثاني: كلمة بَلِّغْ التي تحمل الأمر بالتبليغ، و التبليغ عبارة عن إيصال الحكم و إبلاغه و إلقاء الحجّة، و هي غير كلمة قُلْ و اقْرَأ و اتْلُ و اذْكُرْ و ذَكِّرْ و أمثالها التي تدلّ على القول و القراءة و التذكير. كما جاء في الآيتين 38 و 39 من السورة 33: الأحزاب. ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً.

  • و من هذا المنطلق فإنّ شأن الرسالة في القرآن هو الإبلاغ، و قد جاء ذلك في الآية 99، من السورة 5: المائدة، ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ.

  • الثالث: لم يرد في قوله: ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ اسم الشيء النازل و تحديده، بل ورد القول بالصفة ليدلّ على أهميّة الأمر و عظمته. و لمّا كان مُرسَلًا من

معرفة الإمام ج۷

108
  • الله، فليس للنبيّ حقّ في تأخيره. و أيضاً نرى أنّ للنبيّ عذراً في بيانه للناس.

  • الرابع: القيد مِنْ رَبِّكَ يدلّ على أنّ الله رحيم بك و هو الكريم و الخالق و المدبّر و الهادي لك، و كلّ شيء يعود لك تحت قدرته. و قد أرسل لك هذا، فكيف يكون هناك ترديد و تأمّل و تروٍّ و تأخير؟

  • الخامس: قوله: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ و جاء في بعض القراءات: فَمَا بَلَّغْتَ رَسَالاتِهِ يدلّ على أهميّة الحكم المذكور، و مدى التأكيد عليه. إذ هو على درجة من الأهميّة بحيث لو لم تقم به وحده، فكأنك لم تقم بأيّ رسالة من رسالات الله التي حملتها و تعهّدت بالقيام بها!

  • و جاءت هذه الفقرة و هي تحمل طابع التهديد لتُشعر بأهميّة هذا الحكم إلى الحدّ الذي لو لم يصل إلى الناس، و لم يُراعَ حقّ المراعاة، فكأنّ أيّ حكم من أحكام الله لم يصل إلى الناس من قبل الرسول، و كأنّ أيّ جزء من أجزاء الدين لم يوضع في موضعه.

  • و لا بدّ أن نعلم بأنّ هذه الجملة شرطيّة. و هي ليست كسائر الجمل الشرطيّة المتداولة. إذ تستعمل الجملة الشرطيّة عادة عند ما يكون تحقّقها مجهولًا؛ و لذلك فالجملة الجزائيّة تترتّب على تحقّق الجملة الشرطيّة. بَيدَ أنّ الملحوظ هنا هو أنّ مقام النبيّ الأكرم أشرف و أرفع و أجلّ من أن يحتمل الله منه تبليغ الحكم و عدم تبليغه، و هو القائل جلّ من قائل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.1

  • فعلى هذا نرى أنّ هذه الجملة الشرطيّة مفادها و مؤدّاها التهديد كما

    1. الآية 124، من السورة 6: الأنعام.

معرفة الإمام ج۷

109
  • يبدو من ملامحها؛ بَيدَ أنها في الحقيقة إعلان لغير رسول الله يبيّن لنا مدى الأهميّة التي يتّسم بها هذا الأمر النازل، و عذر رسول الله في تبليغه.

  • السادس: قوله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. و يدلّ الشقّ الأوّل من الآية على أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم كان قلقاً خائفاً من الناس في تبليغ هذا الحكم؛ أمّا الشقّ الثاني منها فهو بمنزلة الجملة التعليليّة للجملة الاولى. ذلك أنّ الله يلجم كافّة الفئات المعارضة، و لا يمكّنها من بلوغ الأسباب التي تستطيع من خلالها أن تنازع النبيّ و تخاصمه، و تنهض للإطاحة بدينه و نظامه. فيعطّل تلك الأسباب و يبطلها. و بالتالى فإنّها لن تفلح في منازعته على هذا الأمر.

  • و نرى هنا أوّلا: أنّ الآية ذكرت العصمة من الناس بصورة مطلقةً، و لم يبيّن لنا طبيعة الانتهاكات التي يعصم الله نبيّه من مقترفيها، كإيذائه جسديّاً بالقتل أو السمّ، أو القتل غيلة (الفتك و الاغتيال)، أو النيل من سمعته بالسبّ و اللعن و الشتم و الافتراء و الاتِّهام؛ أو مناوأته بأساليب اخرى كتشويه سمعة النبوّة و حرف خطّها بالمكر و الخدعة و الكيد و الحيلة؛ و بصورة عامّة، فإنّ الآية سكتت عن بيان ذلك. و هذا يفيد التعميم، إذ إنّ الله يعصمه من كلّ ما شأنه مسّ الدين و الإضرار به. و ما يدلّ عليه سياق الآية حتماً هو حدوث فتنة تؤدّي إلى انقلاب أمر النبوّة على النبيّ، و تضيّع جهوده في رفع لواء الدين و إعلاء كلمة التوحيد و العدل، و تعبيد الناس لربّ العالمين.

  • ثانياً: ذكرت الآية كلمة «الناس» مطلقة لتدلّ على أنّ سوادهم يضمّ المؤمن و المنافق و الذين في قلوبهم مرض، فهم خليط لا تمييز بين أجزائه.

  • و على هذا، فلو قُدّر أن يكون هناك خوف من الناس، فينبغي أن

معرفة الإمام ج۷

110
  • يُخاف من عامّتهم؛ و الجملة التعليليّة: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تشعر بهذه النكتة.

  • ثالثاً: ليس المراد بالكافرين هنا المشركين أو اليهود و النصارى، بل الكفر هنا بمعناه العامّ المتمثّل بإخفاء الحقّ و التعتيم عليه. كما جاء في الآية 97 من السورة 3: آل عمران: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. إذ تدلّ على هذا الضرب من ضروب الكفر بالمعنى العامّ و المطلق؛ و كما سنلاحظ أنّ المراد من الكفر ليس الاستكبار و إنكار أصل الدين الذي يتحقّق بالامتناع عن أداء الشهادتين؛ ذلك لأنّ الكفر بهذا المعنى لا ينسجم مع مورد الآية، إلّا أن نقول بأنّ المراد من قوله: ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هو مجموعة الأحكام و التعاليم الدينيّة، و هو مجانب للصواب كما سنقف عليه.

  • رابعاً: المراد من عدم هداية الله، هو عدم هدايتهم في كيدهم و مكرهم؛ بحيث إنّهم لا يظفرون ببلوغ أهدافهم من خلال التشبّث بالأسباب الدنيويّة الجارية؛ و لا تتحقّق آمالهم في الشرّ و الفساد، كما جاء في الآية 6، من السورة 63: المنافقون: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.

  • و أمّا القول بأنّ المراد من عدم الهداية، هو عدم هدايتهم إلى الإيمان، فهو غير صحيح؛ لأنه يتنافى مع أصل الدعوة النبويّة و تبليغها؛ إذ لا معنى أن يقول الله: يا نبيّنا! ادع الكافرين إلى الإسلام و حكم الله؛ و أنا لا أهديهم؛ و لا أدلّهم على سبيل الإيمان إلّا عند إلقاء الحجّة!

  • يضاف إلى ذلك أننا نرى رأي العين أنّ الله لا يزال يهدي الكافرين؛ فيدخلون في الإسلام فوجاً فوجاً، و قد وعد سبحانه بهدايتهم، فقال عزّ من قائل: وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (الآية 213، من السورة 2: البقرة).

  • فاستبان لنا ممّا تقدّم أنّ المراد من عدم هداية الكافرين هو أنّ الله

معرفة الإمام ج۷

111
  • يضيّق عليهم الخناق و لا يدعهم أحراراً في أداء مهامّهم و تحقيق مقاصدهم. و لا يطلق لهم العنان في إطفاء نور الله و تعطيل أحكامه النازلة من لدنه باستخدامهم الأسباب الدنيويّة العامّة. ذلك لأنّ الكافرين و الظالمين و الفاسقين، بما يضمرون من سوء السريرة و خبث النيّة، يلجأون إلى أسباب يبتغون من ورائها تغيير المسار الربّانيّ، فينظرون من خلال ذلك بتحقيق أمانيّهم الباطلة المتمثّلة بمحو الدين و كلمة الحقّ. و في هذه الحالة، نرى أنّ الله سبحانه يوصد الطريق الذي تجري فيه الأسباب الصوريّة، فيحول بينهم و بين الوصول إلى غاياتهم و مسبّباتها. ذلك لأنّ سببيّة الأسباب بيده جلّت قدرته؛ فلن تغلبه الأسباب التي خلقها بيده أبداً أبداً، و حاشا له أن يكون مقهوراً و مغلوباً بها.

  • علماً أن هؤلاء قد يبلغون أهدافهم يوماً، و يصلون إلى ما يطمحون إليه في مدّة قصيرة و يستعلون بخيلائهم و يستكبرون، غير أنهم سرعان ما تُنكَّس أعلامهم و يحيق بهم مكرهم. و قد قال جلّ من قائل: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.1

  • و قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ.2

  • و محصّل ما ذكرنا هو أنّ قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ في حكم التعليل و التفسير لقوله: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ؛ و المراد من العصمة، حفظ رسول الله من الأضرار التي تصل إليه بدون أن يبلغ هدفه، و يحقّق طموحه في رفع لواء، الحمد و التوحيد باتّهامه بحبّ الدنيا، أو قتله

    1. الآية 43، من السورة 35: فاطر.
    2. الآية 17، من السورة 13: الرعد.

معرفة الإمام ج۷

112
  • بدون أن تؤتي البعثة اكلها.

  • و أمّا إذا أردنا أن نأخذ الآية على إطلاقها و نقول: إنّ الله يحفظ رسوله من كلّ سوء، فهو ما يتعارض مع الآيات القرآنيّة و الأحاديث و مسيرة التأريخ المعلوم. و كم عانت و قاست نفسه الشريفة صلّى الله عليه و آله من امّته، سواء من كفّارها، أم منافقيها، أم مؤمنيها؛ و كم ذاق من الهموم و الآلام التي لا تتحملّها أيّ نفس: إلّا نفسه الشريفة، حتّى قال في الحديث المشهور: مَا اوذِيَ نَبِيّ مِثْلَ مَا اوذِيتُ قَطُّ.

  • فظهر ممّا عرضناه أنّ مفاد الآية في غاية الأهميّة؛ و لعلّ هذه الآية أهمّ الآيات الواردة في القرآن الكريم. و هذه الآية هي الآية 67 من سورة المائدة؛ و سورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله في المدينة. و نزلت كلّها أو نزل أكثر آياتها في حجّة الوداع،1 و أتفق المفسّرون جميعهم على أنها من السور المدنيّة؛ ذلك لأنهم يسمّون السور النازلة بعد الهجرة: مدنيّة، مع أنه صلّى الله عليه و آله كان مسافراً.

  • بَيدَ أنّ الملحوظ هو أنّ آية قد سبقت هذه الآية، و آية جاءت بعدها، و هما تتحدّثان عن أهل الكتاب. و هذه الآية قد توسّطتهما. فالآية السابقة هي:

  • وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ. (الآية 66).

    1. «الإتقان» الطبعة الاولي، ج 1، ص 23. أخرج عن محمّد بن كعب، عن طريق أبي عبيد: أنّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع بين مكّة و المدينة.

معرفة الإمام ج۷

113
  • و الآية اللاحقة هي: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. (الآية 68).

  • فالآية التي هي مدار بحثنا (آية التبليغ) تتوسّط الآيتين؛ و هذا ما يستدعي العجب؛ ذلك لأننا لا نلاحظ أيّ صلة بينها و بين ما سبقها و لحقها من آيات، و منها هاتان الآيتان؛ و لا يمكن القول حقّاً: إنّ آية التبليغ تبليغ بشأن أهل الكتاب. و لذلك جاءت في تضاعيف الآيات التي تحدّثت عن أهل الكتاب.

  • ذلك أننا أوّلا: نلاحظ أنّ الآيتين اللتين تتحدّثان عن أهل الكتاب لا تحملان أكثر من تعاليم عامّة و دعوات كلّيّة، فأنى تكون هناك حاجة إلى آية التبليغ لتتوسّطهما بلهجتها الشديدة الحادّة؟!

  • ثانياً: نزلت سورة المائدة في المدينة في آخر حياة الرسول الأعظم، و كان الإسلام حينئذٍ قد بلغ ذروته عزّةً و شوكةً؛ و كان الكفّار و المشركون و اليهود و النصارى في الحضيض مخذولين منكوبين بائسين. و لا سطوة لهم حتّى تكون هناك حاجة إلى تبليغ حكم من الأحكام يخشى رسول الله من تبليغه، فيعده الله بالعصمة و الوقاية.

  • و نجد إبّان هجرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله إلى المدينة، أنّ أهل الكتاب لا سيّما اليهود قد بدت منهم العداوة و البغضاء، و أنهم آزروا كفّار قريش في الحروب؛ و تحالفوا معهم؛ و شكّلوا الأحزاب؛ فظهرت قضيّة بني قُرَيْظَة، و بني النَّضير، و بني القَيْنقَاع، و بالتالى يهود خَيْبَر و فَدَك. و قد خُذل هؤلاء أجمع و لم تقم لهم قائمة. يضاف إلى ذلك، أنّ الآية لا تضمّ أمراً شديداً و حكماً حادّاً يرتبط باليهود. علماً أنّ تعاليم قد وردت في مواضع عديدة من القرآن الكريم، قد كانت أشدّ و أمرّ و أثقل على

معرفة الإمام ج۷

114
  • اليهود؛ و مع ذلك فإنّ اسلوب الخطاب الموجّه للنبيّ لم يكن كاسلوب آية التبليغ. من جهة اخرى فإنّ النبيّ العظيم صلّى الله عليه و آله و سلّم قد كُلّف بمهامّ أشدّ و أثقل كتبليغ التوحيد، و إلغاء عبادة الأصنام و قطع دابرها من الوسط الذي يعيش فيه كفّار قريش و مشركو العرب. و كان هؤلاء أكثر حرصاً من اليهود على إراقة الدماء، و أشدّ منهم فظاظةً و غلظة. و مع ذلك نلحظ أنّ الله جلّ شأنه لم يهدّد نبيّه في تبليغهم كما هدّده في هذه الآية موضع البحث، و لم يضمن له العصمة في ذلك التبليغ كما ضمن له فيها. و الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب في هذه السورة تؤلّف أغلب آياتها؛ و من المؤكّد أنّ آية التبليغ قد نزلت في هذه السورة، في وقت كانت صولة اليهود مندحرة، و قد شملهم الغضب الإلهيّ و عمّهم، إذ كانوا كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، فما جدوى أن تنزل آية التبليغ بهذه الخصوصيّة فيهم و في النصارى؟ فلقد كانوا حينئذٍ في قبضة الإسلام محتمين في كنفه. علماً أننا نرى أنّ يهود نجران و نصاراها- و كانوا أكثر تعصّباً من غيرهم- قد انصاعوا لدفع الجزية آنذاك؛ فما هو المعنى من التهديد الإلهيّ- إذَن- في ظلّ تلك الظروف التي كان الإسلام ماسكاً فيها بناصية الامور، و أعنّتها بيده؟

  • و على هذا فما ذكره الفخر الرازيّ، و مَن تبعه مِن بعض المفسّرين الآخرين من العامّة كمحمّد عَبْدهُ في تفسير «المنار»1 من أنّ الآية تتعلّق بأهل الكتاب كما يفيده سياق الآيات مجرّدٌ عن التحقيق و عارٍ من المحتوى الصحيح؛ و السبب- مضافاً إلى ما ذكر- هو أنّ إقحام آية في سياق آيات اخر لا يقبل المعارضة مع الدليل القطعيّ، و الروايات و الأخبار المأثورة عن

    1. تفسير« مفاتيح الغيب» ج 3، ص 636؛ و« تفسير المنار» ج 6، ص 467.

معرفة الإمام ج۷

115
  • علماء العامّة و كبارهم، المثبّتة في كتبهم، و المرويّة عن كبار الصحابة و التابعين. و أنى لنا أن ننفض أيدينا عن الدليل القطعيّ و الحجّة العقلائيّة بمجرّد حفظ السياق، في حين أنّ السياق ليس أكثر من الظهور الإجماليّ لا غير؟

  • و من هذا المنطلق، لمّا احرج كثير من مخالفي الولاية من العامّة، قالوا: إنّ آية التبليغ نزلت في مكّة إبّان البعثة النبويّة؛ و إنّها ترتبط بكفّار قريش؛ و لسان حالها يقول: لا تترك التبليغ! و لا تقصّر في إيصال الآيات إلى كفّار قريش! و إذا لم تفعل فكأنك لم تقم بمهمّة النبوّة و لم تؤدّ حقّها! و الله يحفظك من شرّ الكفّار! و هكذا، فهذه الآية مكّيّة و قد جاءت في سورة المائدة المدنيّة.

  • و هذا الكلام أيضاً بعيد عن التحقيق للسببين التاليين: أوّلًا: أنّ الآيات النازلة في بدء البعثة لم تعرف بالشدّة و الحدّة و التهديد، بل كانت مرنة ليّنة، كقوله جلّ من قائل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى آخر السورة 96: العلق. و كقوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* إلى آخر السورة 74؛ و كقوله: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.1

  • لم يكن خوف رسول الله صلّى الله عليه و آله على نفسه

  • ثانياً: أنّ رسول الله لا يخشى أحداً في مقام طاعة الله و تبليغ أحكامه؛ و مقام النبيّ الأكرم أشرف و أجلّ من أن لا يضحّي بنفسه في سبيل الأمر الإلهيّ، و يضنّ بها في طاعة الله و يرفض أن يسفك دمه فهذا الكلام- و الوجدان شاهد- تكذّبه سيرته الشريفة التي ترجمتها حياته المباركة.

  • يضاف إلى ذلك، أنّ ما نقله الله لنا عن أنبيائه يدحض هذا الكلام

    1. الآية 6، من السورة 41: حم السجدة.

معرفة الإمام ج۷

116
  • و يدفع قول القائلين بأنهم كانوا يخشون و يخافون من الناس. فقد قال: سبحانه:

  • ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً.1

  • فلا بدّ أن نعلم أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سائر الأنبياء عليهم السلام في ضوء هاتين الآيتين لا يعرفون الخوف و الفزع في مقابل المسئوليّة الإلهيّة و تنفيذ الأوامر الصادرة من الذات الأحديّة. فمقام النبوّة و الاتّصال بعالم الغيب، و الانس بالموجودات المجرّدة، و الأنوار البسيطة و العقول الكاملة، و الملائكة المقرّبين، و الذات و الصفات و الأسماء الإلهيّة لا يدع لهم مجالًا للشغف و الولع بالجسد المادّيّ و القالب الطبعيّ و الطبيعيّ.

  • و لهذه الآية ظهور يتجسّد في أنّ النبيّ لا يعرف الخوف و الحرج تكوينيّاً؛ و كذلك سنّة الله في الأنبياء الذين خلوا، فإنّهم أيضاً لم يعرفوا الحرج و الخوف تكوينيّاً. و ما يستدعيه مقام النبوّة هو الشجاعة و رباطة الجأش بحيث إنّ حبّ و جاذبيّة الله اجتذبتهم إلى درجة أن غرقوا و انمحوا حيث لا يرون إلّا جمال الله و جلاله، و لا يرون لكائن آخر أصالة فيخافون منه؛ و في ظلّ هذه الأجواء لا يعرفون جسداً و قالباً و سوءاً و ضرراً و قتلًا و فتكاً و غير هذه الأشياء، و لا يكترثون بها؛ و ليس عندهم إلّا الله و كفى وَ يَخْشَوْنَهُ و لَا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلَّا اللهَ فحَسب. قد غشيتهم خشيته، و أحاطت بهم حتّى جعلتهم لا يبالون بأحد و لا يخشونه مهما كان.

  • و قد حذّر الله المؤمنين و حظر عليهم الخوف من الشيطان و أوليائه،

    1. الآيتان 38 و 39، من السورة 33: الأحزاب.

معرفة الإمام ج۷

117
  • فقال جلّ من قائل: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.1

  • و قد أثنى الله على المؤمنين الذين أخافهم الناس فلم يخافوا، فقال جلّ شأنه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.2

  • و كذلك فليس من الصواب أن نقول: إنّ النبيّ كان يخاف القتل، فيبطل بالنتيجة مفعول الدعوة إلى الله؛ و يذهب عطاء النبوّة سدي؛ فعلى هذا كان يرجئ القيام بمهمّة ما انزِلَ؛ لكي لا تترتب هذه المفسدة على ذلك؛ و قد خاطبه الله تعالى بقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.3 لأنّ الله تعالى غير عاجز أن يحيى الإسلام و الدعوة إلى التوحيد عند مقتل نبيّه صلّى الله عليه و آله بسبب آخر و وسيلة اخرى غير نبيّه الكريم.

  • أجل، فالمعنى الصحيح لخوف رسول الله، الذي يمكن استنباطه من قوله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ هو فقط أنّ النبيّ كان يخاف من تبليغ الأمر أن يتّهموه تهمة يذهب معها أثر الدعوة هباءً منثوراً، و لا تعوّض جهوده المحمودة المباركة في الدعوة و التبليغ. كأن يقولوا مثلًا: هذه ليست نبوّة، بل هي حكومة دنيويّة و رئاسة مادّيّة و تحكّم و تسلّط على الناس في زيّ النبوّة و الرسالة الظاهريّة. إنّه أمر سقيم أجوف، و دليله أنه لمّا شعر بدنوّ أجله، صمّم على أن يورث أعقابه الرئاسة كما يفعل سلاطين العالم و حكّامه. و لمّا لم يكن له ابن يرثه، فقد نصب صهره خليفة له.

    1. الآية 175، من السورة 3، آل عمران.
    2. الآية 173، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 128، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۷

118
  • فهذه التهمة إن آتت اكلها، فقد اندرس أثر الدعوة النبويّة و عفى و بطل مفعول الرسالة و ضاع سدى.

  • نعم، كان هذا الاجتهاد و الرأي جائزين بشأن رسول الله. و كان صلّى الله عليه و آله مأذوناً في ممارسة هذا النهج بلا خوف يعتري نفسه الشريفة.

  • آية التبليغ لم تنزل في أوّل البعثة

  • و من هنا يستبين لنا أنّ قول بعض المفسّرين إنّ الآية نزلت في بدء البعثة النبويّة غير صحيح، لأنّ النزول في بدء البعثة يستساغ فقط عند ما يكون معنى العصمة من الناس أنّ النبيّ يماطل في إنجاز التبليغ و الدعوة خوفاً على نفسه من القتل. و لو قتل حينئذٍ، فإنّ لواء الدعوة ينكّس تماماً. و هذا الاحتمال لا يصدق على الرسول الأكرم، فالآية- إذَن- لم تنزل في بدء البعثة.

  • يضاف إلى ذلك، أنّ الآية لو كانت نازلة في بداية البعثة، لكان المراد بقوله: ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أصل الدين أو مجموعة الأحكام و المسائل الدينيّة. فلا تعدّ هناك مسألة هامّة خاصّة حتّى يساوي عدم تبليغها عدم تبليغ أصل الرسالة. و في ضوء هذا الافتراض، فإنّ معنى قوله: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، يتمثّل في القول: أيُّها النَّبِيّ؟ بلِّغ الدين، و إن لم تفعل ذلك؛ فما بلّغتَ الدين! و هذا كلام خاطئ.

  • و قال الفخر الرازيّ رفعاً لهذا الإشكال: إنّ هذا جارٍ على قانون قوله: «أنَا أبُو النَّجْمِ وَ شِعْرِي شِعْرِي»، و معناه أنّ شعري قد بلغ في الكمال و الفصاحة إلى حيث متى قيل فيه إنّه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يُزاد عليها. فهذا الكلام يفيد المبالغة من هذا الوجه.

  • فكذا ههنا: فإن لم تبلّغ رسالته فما بلّغت رسالته؛ يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ. فكان ذلك تنبيهاً

معرفة الإمام ج۷

119
  • على غاية التهديد و الوعيد.

  • و هذا الكلام الصادر عن الإمام الرازيّ غير صحيح؛ لأنّ هذا الضرب من الصناعة الشعريّة في الحالات التي يتحقّق فيها حمل الخبر على ذلك العنوان صحيح عند ما يكون بينها اختلاف من قبيل اختلاف العامّ و الخاصّ أو المطلق و المقيّد و أمثال ذلك؛ و بهذا السياق ندلّ على اتّحاد المعنيين في القضيّة الحمليّة، كشعر أبي النَّجْم الذي يفيد أنّ شعره هو شعره الصادر عنه. أي: لا يخال أحد أنّ قريحته الشعريّة قد جفّت و نضبت فلا تبدع، أو أنّ نوائب الدهر قد أرهقته و أضنته، و عطّلت قريحته عن إبداع شعر كشعره السابق. فشعره اليوم من حيث الفصاحة و البلاغه كشعره الذي أنشده أمس.

  • إلّا إنّ هذا اللون من التبرير لا يصحّ في آية التبليغ؛ لأنه بناءً على افتراض نزولها في أوّل البعثة، فإنّ رسالة الرسول الأعظم التي تمثّل أصل الدين أو مجموعة الأحكام الدينيّة كانت أمراً واحداً لم يعتره التغيير و التبديل و الانحراف حتّى يقال: لو لم تبلّغ الرسالة؛ لو لم تبلّغ أصل الرسالة! ذلك لأنّ المفروض هو أنّ رسالة رسول الله هي أصل الرسالة التي تمثّل مجموعة المعارف الدينيّة.

  • و من هنا يُستفاد أنّ الآية لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة. كما لا يصلح أن يكون ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ هو أصل الدين أو مجموعة معارفه و أحكامه. و لهذا السبب لا تصلح الآية أن تكون نازلة في وقت آخر حتّى آخر حياة رسول الله؛ فيما لو كان المراد من قوله: ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أصل الدين أو مجموعة معارفه. لأنّ الإشكال- مهما كان- واحد، و هو لزوم اللغو في كلام الله الذي يعود مفاده إلى القول: لو لم تبلّغ أصل الدين أو مجموعة أحكامه؛ فما بلّغت أصل الدين أو مجموعة أحكامه! و يضاف

معرفة الإمام ج۷

120
  • إلى ذلك أنّ الإشكال المتمثّل بتهيّب رسول الله و خوفه على نفسه يظلّ قائماً في هذه الحالة، حتّى لو لم تكن الآية قد نزلت في بدء البعثة.

  • و اتّضح ممّا قلنا أنّ المراد من وجوب تبليغ النبيّ في هذه الآية لا يمكن- في أيّ حال- أن يكون أصل الدين أو مجموعة معارفه، فلا مناص من أن نجعله بعض الدين. و في هذه الحالة أيضاً لو كان معنى قوله: فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ هو تبليغ بعض الدين، فإنّ الإشكال نفسه يتكرّر. إذَن لا حيلة لنا إلّا أن نعتبر المراد من الرسالة هو الدين كلّه أو أصله؛ و في هذه الحالة يصبح المعنى كالآتي:

  • لو لم تبلّغ هذا الحكم الخاصّ النازل إليك، فما بلّغت أصل الدين أو مجموعة أحكامه! و هذا المعنى صحيح و مقبول، و يمكن تبريره بهذا الشكل ككلام أبي النجم: شِعْرِي شِعْرِي.

  • الحكم المبلَّغ ينبغي أن يكون أمراً مهمّاً جدّاً

  • و قال البعض: لمّا كانت معارف الدين و أحكامه كلّها مترابطة بحيث إنّ الخلل في بعضها يبعث على الخلل في جميعها، لبساطة أمر النبوّة و كمال الربط و الارتباط في شئونها، بالأخصّ في تبليغها؛ لذلك من الصحيح أن يقال: لو لم تبلّغ هذا الحكم، فما أدّيت الرسالة!1

  • و هذا المفاد صحيح، بَيدَ أنه لا ينسجم مع ذيل الآية، لأنّ قوله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يدلّ على أنّ جماعة من الكافرين كانت تهمّ بمخالفة هذا الحكم النازل؛ أو على الأقلّ كان يتوقّع منها أن تثب لمخالفة هذا الحكم مخالفة شديدة، و تستخدم كلّ وسيلة ممكنة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا؛ فتبطل هذه الدعوة؛ أو تعطّل

    1. «تفسير الجواهر» للطنطاويّ، ج 3، ص 201. طبعة مصطفي البابي الحلبيّ بمصر، الطبعة الثانية؛ نقلًا بالمعني لا بالنصّ.

معرفة الإمام ج۷

121
  • مفعولها فلا تعدّ لها فائدة تذكر. و عندئذ يعد الله نبيّه أن يحفظه و يعصمه من كيدها، و يبطل مكرها، و يحول بينها و بين أهدافها.

  • و هذا المفاد من ذيل الآية لا ينسجم مع أيّ حكم يمكن فرضه في صدر الآية. لأنّ أحكام الإسلام و معارفه مع أنها ليست على درجة واحدة من الأهمّيّة؛ فبعضها كالصلاة التي تعتبر عمود الدين، و بعضها كالدعاء عند رؤية الهلال في الليلة الاولى من الشهر، و بعضها شديد كزنا المُحْصنة، و بعضها لا يبلغ تلك الشدّة كالنظر إلى غير المحارم. و الإخلال بكلّ حكم من هذه الأحكام من حيث ترابطها و تماسكها إخلال بأصل الدين؛ إلّا أنّ تهيّب رسول الله، و الوعد بعصمته في التبليغ لا ينسجمان مع أيّ حكم من هذه الأحكام و أمثالها.

  • و في ضوء ذلك، ينبغي أن تكون الملازمة بين عدم تبليغ هذا الحكم الخاصّ النازل، و بين عدم تبليغ أصل الدين و عدم أداء الرسالة بصورة عامّة تبعاً للأهمّيّة الكامنة في هذا الحكم، بحيث إنّه لو أهمل فكأنّ الشريعة قد اهملت و ابطلت أحكامها و معارفها و دفنت بين طيّات النسيان. فكأنّ هذا الحكم بمنزلة الروح التي تنفخ الحياة في جسد الشريعة و أحكام الدين فتحييها و تبعث فيها الشعور بالحسّ و الحركة. و من هنا يمكننا استنتاج دلالة الآية على أنّ الله قد أمر نبيّه أمراً و أرسل حكماً يكتمل به الدين، و تتمّ به الشريعة إذ تبلغ درجتها المتوقّعة لها؛ و ترسو به سفينة النجاة في مرفأها المحدّد لها. و يُنتظَر حينئذٍ أن يعارض الناس، و يقلبوا أمر النبوّة على النبيّ، و يشوّهوا وجه الشريعة، بحيث تُنسَفُ دعائم الدين التي أرساها الرسول الأكرم بيده، و تُهَشَّمُ أركانه و أجزاؤه؛ و كان النبيّ العظيم يدرك هذه المسألة، و يتفرّس في وجوه القوم ما هم عازمون عليه، و يخشى من ظهور هذه اللقطة على مسرح الأحداث. فلهذا كان يرجئ تبليغ هذا1

  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص121

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

122
  • الحكم الذي يمثّل روح الدين، و يؤجّله من وقت إلى آخر ريثما يتاح الظرف المناسب و الجوّ الهادئ المساعد، فيصدع به مبلّغاً أمر الله حتّى لا تذهب جهوده و مساعيه أدراج الرياح.

  • ينبغي أن تكون آية التبليغ قد نزلت بعد انتشار الإسلام

  • و هنا يأمر الله نبيّه بالتبليغ الفوريّ، و يبيّن له خطورة الحكم، و يعده بالعصمة، و يؤمّله و يطمئنه أن يردّ كيد الأعداء في نحورهم، و يضيّق عليهم الخناق فلا يظفروا بأهدافهم المشئومة، و لا يطلق لهم العنان فيتلاعبوا بأمر النبوّة؛ و يضيّعوا الدعوة النبويّة سدىً.

  • و خوف النبيّ صلّى الله عليه و آله من قيامهم بهذا العمل كان في عصر ذيوع صيت الإسلام، و طبعاً لا بدّ أن يكون في المدينة، و بعد سنين من الهجرة، لأنه لم يكن هذا الخوف من كفّار مكّة قبل الهجرة.

  • و قد عرض القرآن الكريم كلام المشركين و طبيعة مناوءتهم، كقوله: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.1 و قوله: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً.2 و قوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا.3 و قوله: أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ.4

  • و هذه و أمثالها ليست بشيء حتّى تؤدّي إلى تضعضع أركان الدين و نسفها. بل هي تدلّ على أنّ قوم النبيّ (كفّار قريش) كانوا مضطربين في أمرهم غير مستقيمين في سيرتهم.

  • يضاف إلى ذلك كلّه، أنّ هذه التهم و الافتراءات، و هذه العراقيل

    1. الآية 14، من السورة 44: الدخان.
    2. الآية 47، من السورة 17: الإسراء.
    3. الآية 5، من السورة 25: الفرقان.
    4. الآية 6، من السورة 38: ص.

معرفة الإمام ج۷

123
  • و العقبات لم تكن بدعاً من الأمر في عهد نبيّنا الكريم فيقلق من جرّائها، و يتهيّب من وقوعها عند ما يتفرّس في وجوه أصحابها. فسائر الأنبياء كانوا شركاء لنبيّنا في الابتلاء بالمصاعب و تحمّل مشاقّ الدعوة. و قد آذتهم اممهم بشتّى صنوف الإيذاء. كما نجد ذلك في القرآن الكريم إذ تحدّث بالتفصيل عمّا لاقاه نوح و الأنبياء الذين جاءوا بعده.

  • و أمّا بعد الهجرة و استقرار الدين في المجتمع الإسلاميّ، فإنّ تصوّر هذا الأمر بسيط جدّاً؛ ذلك لأننا نجد بين المسلمين، في تلك البرهة الزمنيّة، مختلف الأشخاص من مؤمنين، و منافقين، و رموز كانت تتجسّس في الخفاء لمصلحة الكفّار، و أشخاص في قلوبهم مرض.

  • خوف رسول الله صلّى الله عليه و آله من اتّهامه بالتفكير في المصلحة الخاصّة

  • و مع أنّ هؤلاء قد آمنوا بالنبيّ الأكرم، إلّا أنهم كانوا يتعاملون معه كملك من الملوك، و ينظرون إليه كحاكم سياسيّ لا يختلف عن غيره من الحكّام الدنيويّين. و يتعاملون مع القرآن الكريم، و هو وحي سماويّ، كما يتعاملون مع القوانين الوضعيّة الظاهريّة البشريّة.

  • و هذا التفكير الذي يسود عامّة الناس كان يمهّد الأرضيّة لهؤلاء أن يتآمروا ضدّ الشريعة فيما إذا أتى رسول الله بحكم تشوبه المصلحة الشخصيّة. و يقولوا: هذه هي الملكيّة الاستبداديّة التي تقمّصت النبوّة فظهرت للناس بثوب الرسالة.

  • و هذه الشبهة لو تحقّقت عمليّاً، و أفلح الحزب المناوئ في ترسيخها، و تمكّن من بثّها، فإنّ ثغرة كبيرة ستحدث في الدين و يتعذّر رتقها، و يعجز كلّ مصلح عن إصلاحها. و من الطبيعيّ أنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه و آله كانت له بعض المزايا و الامور التي اختصّ بها، و التي قد يُتوهّم منها المصلحة الشخصيّة. إلا أنها لم تكن على درجة من الأهمّيّة بحيث تتّخذ ذريعة لإثارة الضوضاء و الشغب. كما نجد ذلك في قضيّة

معرفة الإمام ج۷

124
  • زَيد بن حَارِثَة و طلاقه زوجته زينب ابنة عمّة النبيّ، و زواج النبيّ منها و هي زوجة ابنه بالتبنّي. و نجد ذلك في استئثاره بخمس الغنائم، و تعدّد الزوجات، و أمثال هذه الامور.

  • ذلك لأنّ جواز الزواج من زوجة المتبنّي المطلّقة لم يخصّ رسول الله. و قد طبّق هذا الحكم على نفسه لأوّل مرّة ليهيّئ الأرضيّة لتطبيقه بين المسلمين جميعهم.

  • و لو كان زواجه بأكثر من أربع نابعاً من هوى النفس، و ليس فيه إذْنٌ إلهيّ، لما ضنّ به على المسلمين؛ ذلك أنّ سيرته في إيثار المسلمين و تقديم مصالحهم على مصلحته الخاصّة فيما كان للّه و له من الأموال و غيرها لم تُبقِ أيّ شكّ و شبهة في أنّ ذلك الزواج كان بأمر الله بعيداً عن المصلحة الخاصّة.

  • و يستبين من هذا جيّداً أنّ آية التبليغ تدلّ على أنّ الحكم النازل حكم قد يُتوهّم فيه المصلحة الخاصّة لرسول الله، و استئثاره ببعض المكاسب و الامتيازات الحيويّة التي يطمح إليها غيره؛ و تبليغه يؤدّي إلى حرمان سائر الناس. و كان يتهيّب من إبلاغه، فأمره الله بذلك، و وعده بعصمته من المعارضين، و أخبره بعدم ظفرهم في كيدهم.

  • إنّ ما استعرضناه من بحث بشيء من التفصيل، كلّه يدعم النصوص المستفيضة المأثورة عن طرق الشيعة و السنّة الدالّة على أنّ الآية نزلت في وَلَايَةَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عليه السلام؛ و الله تبارك و تعالى أمر بتبليغها؛ و رسول الله صلّى الله عليه و آله كان يتهيّب من أن يتّهم في ابن عمّه؛ و لهذا كان يرجئ الإعلان عنها ريثما تحين الفرصة المناسبة. حتّى إذا آن أوان غدير خُمّ، أصحر1 بالأمر، آخذاً بِيَدِ عليّ تحت السَّمُرات في تلك الفَيفاة القريبة من الجحفة، و هما على أحداج الإبل، و الحجّاج الذين عادوا

    1. خرج إلى الصحراء.

معرفة الإمام ج۷

125
  • معه من مكّة يشهدون ذلك؛ و بعد أن ألقي خطبته البليغة، أرى الناس كلَّهم عليّاً، و هو يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. و لا يخفى فإنّ ولاية الامّة ليست من الامور التي تكتم و تستتر؛ و يرتاب أحد في لزومها و ضرورتها.

  • و نحن نرى من وحي العقل و الفطرة أنّ كلّ صاحب مسؤوليّة إذا أراد أن يغيب، فإنّه لا يترك اموره و شئونه عبثاً، بل يفوّضها إلى من كان أميناً كفوءاً ليضطلع بها نيابة عنه. و العالِم الذي يدنو أجله يخوّل معلّماً أميناً للقيام بتربية طلّابه. و الطبيب الذي يفارق الدنيا يوصي طبيباً أميناً بعيادته. و التاجر، و الكاسب، و الزارع، و حتّى الحمّاميّ، فإنّهم إذا شارفوا الموت أو غابوا لفترة قصيرة، لسفر مثلًا، ينيطون شئونهم بشخص آخر للقيام بها. و حتّى بائع البنجر الذي يضع بنجره المطبوخ في طست و يقف في رأس الزقاق منادياً بأعلى صوته: بَنْجَر بَنْجَر! فإنّه إذا أراد الذهاب لقضاء حاجته أو للصلاة، يكلّف كاسباً قريباً منه أن يحرس طسته و ميزانه و بنجره و كلّ ما يتعلّق به، و هذا كلّه لا يساوي في القيمة درهماً زهيداً. و إن لم يفعل هؤلاء ما من شأنه القيام بامورهم، فإنّهم يُلَامُونَ و يذمّون. و يقول الناس: ما خطب الحمّاميّ؟ هل أصابه مسّ من جنون حتّى يترك حمّامه مفتوحاً دون أن يكلّف أحداً بحراسته؟ و ما بال التاجر؟ هل مُني بخطب أو عاهة إذ يترك محلّه و يسافر بدون أن يخوّل أحداً حراسته؟

  • و هذا الأمر من البداهة بحيث إنّه لا يحتاج إلى استدلال و برهان، و هو كما يقول أهل الأدب: مِنَ الْقَضَايَا التي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا. و الوصيّة في مثل هذه الامور من المسلّمات المقطوع بها.

  • فإذا علمنا هذا كلّه، فكيف يجيز أحد لنفسه أن يخال بأنّ ديناً كالإسلام لا يحتاج إلى وليّ أمر يقوم بشؤونه، و هو الدين العالميّ الذي جاء لجميع الناس حتّى يوم القيامة، و فيه كلّ ما يحتاج إليه البشر، من أحكام

معرفة الإمام ج۷

126
  • الطهارة الأوّليّة حتّى أعقد المسائل الغامضة في التوحيد و المعارف الإلهيّة، و المبادئ الأخلاقيّة و الأحكام الفقهيّة الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان على الصعيدين الفرديّ و الاجتماعيّ. و كيف يسمح أحد لنفسه أن يظنّ بأنّ نبيّاً كمحمَّد صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو العقل الكلّيّ، أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يوصي لأحد بالقيام بشؤون الامّة؟ و يترك امّته كقطيع الأغنام بلا راعٍ يسوسها، فتكون عرضة لهجمات الذئاب، و المحن المهلكة المدمّرة، إذ لا رئيس و لا إمام و لا مشرف و لا مدبّر و لا مدير يرعاها و يأخذ بيدها نحو الصلاح؟

  • و هل الإسلام على عكس سائر الموازين و المقرّرات العامّة و القوانين فلا يحتاج إلى راع و حارس؟ و هل المجتمع الإسلاميّ و الامّة الإسلاميّة مستثناة من سائر الامم و المجتمعات، فلا يحتاج إلى والٍ ينظّم شئونها؟ و هل هي مستغنية عن وليّ أمر يجري امورها، و يدير لها عجلة حياتها؟ و العالِم المتبحّر الذي يطالع السيرة النبويّة، و يقرأ فيها يجد أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله كان إذا ذهب في غزوة، فإنّه يوصي لأحد بأن يضطلع بأعباء المسئوليّة خلال غيابه فلا يقف دولاب الحركة عن حركته، فكيف و بأيّ تبرير يمكن إقناعه بأنّ النبيّ قد رحل عن الدنيا و لم يوص بالخلافة لأحد؟

  • و كلّنا نعلم أنه صلّى الله عليه و آله عند ما ذهب في غزوة تبوك، استخلف على الامّة عَلِيّ بْنَ أبي طالِبٍ؛ و عند ما قال له عليّ عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أ تَخْلُفُنِي على النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ؟! أجابه صلّى الله عليه و آله قائلًا:

  • أمَّا تَرْضَى أنْ تُكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيَ

معرفة الإمام ج۷

127
  • بَعْدِي؟!1

  • و كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله يرسل الولاة إلى الأمصار التي كانت في قبضة المسلمين كمكّة، و الطائف، و اليمن؛ و كان يعيّن الامراء على الجيوش و السرايا التي كان يُشخصها إلى مختلف النقاط. فما الفرق بين حياته و موته؟ أ لم تكن حاجة الناس إلى والٍ و قيّم أكثر عند الموت؟!

  • نعم هي أكثر، و في ضوء هذا النهج، كان يعيّن الولاة و يخوّل لهم شئون الامّة. و في تلك الأرض القاحلة الكأداء، و تحت الأشجار الصحراويّة الخمس، أعلن للملأ أنّ عليّاً وصيّه و خليفته، و هو أولى بكلّ مؤمن و مؤمنة كأولويّته صلّى الله عليه و آله.

  • أقوال العامّة المختلفة في شأن نزول آية التبليغ

  • هذا بحثنا ما وسع المقام في شأن نزول و مفاد آية التبليغ. و قد علمنا أنّ كبار العلماء من العامّة قد ذكروها في كتب الحديث و التفسير كالطبريّ،

    1. هذا الحديث من الأحاديث النبويّة المتواترة الذي تضافر على نقله الفريقان، و مضافاً إلى أنه ورد في كتب الشيعة، فقد جاء في كتب العامّة المعتبرة بما لا يحصي حتّى أنّ شاه وليّ الله الدهْلَوِيّ ذكره في كتاب« إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء» ص 260 و 261 من ج 2، في فصل خصّصه لترجمة أمير المؤمنين عليه السلام. و هذه الترجمة جديرة بالدقّة و التمعّن. و أورد فيها قصّة غدير خُمّ في ج 2، ص 259. و أقرّ في ص 261 بحديث الولاية بما نصّه: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَإنَّ مَوْلاهُ عَلِيّ. و ذكر قصّة الغدير كما يلي: لمّا رجع من حِجَّة الوداع، خطب في غدير خُمّ خطبة تتضمّن إظهار فضائل المرتضى رضي الله عنه، فقد أخرج الحاكم، و أبو عمرو، و غيرهما- و هذا لفظ الحاكم- عن زيد بن أرقم: لَمَّا رَجَعَ رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم من حجَّة الوداع و نزل غدير خمّ أمر بدوحات فَقُمِمْنَ؛ قال: كأني قد دُعيتُ فاجبت. إنّي قد تركت فيكم الثَّقلين: أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى و عترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض. ثمّ قال: إنّ الله عزّ و جلّ مولاي و أنا وليّ كلّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ رضي الله عنه فقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذا وَلِيُّهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

معرفة الإمام ج۷

128
  • و ابن أبي حاتم، و أبي نعيم الإصفهانيّ، و أبي إسحاق الثعلبيّ، و الواحديّ، و السجستانيّ، و النطنزيّ، و الرسعنيّ، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و الحسكانيّ، و غيرهم بأسانيد متنوّعة عن كبار الصحابة و غيرهم كالبراء بن عازب، و جابر بن عبد الله الأنصاريّ، و عمّار بن ياسر، و أبي ذرّ الغفاريّ، و سلمان الفارسيّ، و حذيفة اليمانيّ، و ابن عبّاس، و أبي سعيد الخدريّ، و زيد بن أرقم، و أبي هريرة، و ابن مسعود، و عامر بن ليلى بن ضمرة. و الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام. و روى الترمذيّ، و النسائيّ، و ابن ماجة، و أحمد بن حنبل و هم أئمّة السنّة الستّة في كتبهم أنّ الآية نزلت في الولاية.

  • و ما جاء في بعض الكتب حول شأن نزول الآية، إذ أراد مؤلّفوها أن يحرفوا مصبّ الآية عن الولاية، وجوه ضعيفة، و روايات مرسلة و مقطوعة، و غير موثوقة؛ و كما قال المرحوم العلّامة الأمينيّ: «هي لا تعدو أن تكون تفسيراً بالرأي؛ أو استحساناً من غير حجّة؛ أو تكثيراً للَّغو أمام حديث الولاية، فتّاً في عضدها، و تخذيلًا عن تصديقها، وَ يَأبَى اللهُ إلَّا أنْ يُتِمَّ نُورُهُ».1

  • و ذكر الفخر الرازيّ، الذي تبدو ملامح التعصّب و الامتعاض على عباراته، عشرة وجوه في شأن نزول الآية:

  • 1- نزلت هذه الآية في قصّة الرَّجْم و القصاص ردّاً على مذهب اليهود.

  • 2- نزلت في عيب اليهود و استهزائهم بالدين.

  • 3- لمّا نزلت آية التخيير، و هي قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [إِنْ

    1. «الغدير» ج 1، ص 226. الطبعة الثانية، مطبعة الحيدريّ بطهران.

معرفة الإمام ج۷

129
  • كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً].1 فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا.

  • 4- نزلت في أمر زيد [بن حارثة] و زوجته زينب بنت جحش [ابنة عمّة رسول الله].

  • 5- نزلت في الجهاد، فإنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً عن حثّهم على الجهاد.

  • 6- لمّا نزل قوله تعالى: «و لا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبو الله عدواً بغير علم»، سكت الرسول عن عيب آلهتهم أي [آلهة الثنويّين]، نزلت هذه الآية.

  • 7- لمّا قال في حجّة الوداع بعد بيان المناسك و الشرائع: هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ. قال: اللهُمَّ اشْهَدْ، نزلت الآية.

  • 8- نزلت في أعرابيّ أراد قتله، و هو نائم تحت شجرة.

  • 9- كان يهاب قريش و اليهود، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بالآية.

  • 10- نزلت في قصّة غدير خمّ.2

  • ذكر الفخر الرازيّ هذه الوجوه، و اعتبر قصّة الغدير الوجه العاشر منها، أي: آخر الوجوه؛ و قد رجّح الوجه التاسع منها بلا تعمّق متجاوزاً الموضوع بشكل خاطف. هذا و هو من العلماء، و كان مطّلعاً جيّداً على طرق الحديث الخاصّ بالغدير و استفاضته، و كان على علم بضعف الوجوه

    1. الآية 28، من السورة 33: الأحزاب.
    2. تفسير« مفاتيح الغيب» ج 3، ص 635 و 636.

معرفة الإمام ج۷

130
  • الاخرى و إرسالها؛ فلهذا نرى نظام الدين النيسابوريّ، و هو من مفسّري العامّة أيضاً، قد عدّ قصّة الغدير أوّل الوجوه، و أسنده إلى ابن عبّاس، و البراء بن عازب، و أبي سعيد الخُدريّ، و الإمام الباقر عليه السلام. و عزا بقيّة الوجوه إلى «القِيل» الدالّ على ضعفها.1

  • و الطبريّ الذي هو أقدم من هؤلاء لم يذكر تلك الوجوه في تأريخه، و لا في تفسيره؛ لكنّه ألّف كتاباً مستقلًّا في الولاية أخرج فيه حديث الولاية (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ) بنيّف و سبعين طريقاً. و روى في هذا الكتاب نزول آية التبليغ في عليّ بن أبي طالب بإسناده عن زيد بن أرقم.

  • و ما تمسّك به الفخر الرازيّ و أتباعه هو أنّ آية التبليغ جاءت في سورة المائدة بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب؛ فمن المناسب أنها نزلت في أهل الكتاب أيضاً.

  • هذا مع أنّ الذي يمتلك أدنى وعي للقصص القرآنيّ يعلم أنّ ترتيب الآيات في النزول غير ترتيبها في الذكر غالباً. و ترتيب السور النازلة غير هذا الترتيب القائم في السور القرآنيّة؛ فالسور الاولى هي: الْعَلَق، و المُدَّثِّرْ، وَ الْمُزَّمِّل، وَ الْقَلَم، و سائر السور القصار، و هي مكّيّة. و آخر سورة هي سورة المائدة، و سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. و كثير من الآيات نزلت في مكّة و موضعها في السور المدنيّة و بالعكس.

  • قال السيوطيّ في «الإتقان»: الإجماع و النصوص المترادفة على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك؛ [و علينا أن نقرأ القرآن كما كتب]. أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركيش في «البرهان» و أبو جعفر بن الزبير في «المناسبات». و عبارة أبي جعفر: «ترتيب الآيات

    1. «تفسير غرائب القرآن» ج 6، ص 129 و 130. الطبعة الاولي 1381 ه-.

معرفة الإمام ج۷

131
  • في السور واقع بتوقيف رسول الله صلّى الله عليه و آله، و أمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين». ثمّ ذكر نصوصاً على أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله كان يلقّن أصحابه؛ و يعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا، بتوقيف جبرئيل إيّاه على ذلك، و إعلامه عند نزول كلّ آية: أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.1

  • و قد بيّنا مفصّلًا أنّ تهيّب رسول الله من اليهود و النصارى إمّا أن يكون في أوّل البعثة؛ أو بعد الهجرة بيسير، و لا يكون في آخر الهجرة حيث بلغ الإسلام ذروته في الشوكة و القوّة؛ و خُذل اليهود و النصارى و اندحروا. و فرض الإسلام سطوته فهابته الامم آنذاك. و راسل نبيّنا الكريم امراء العالم و سلاطينه، و دعاهم إلى الإسلام.

  • و في هذه الحالة، فلا معنى أن تكون آية التبليغ الواردة في سورة المائدة (آخر سورة نزلت على النبيّ الأكرم) قد نزلت في اليهود و النصارى. قال القرطبيّ في تفسيره: هي [سورة المائدة] مدنيّة بإجماع. ثمّ نقل عن النقّاش نزولها في السنة السادسة (عام الحُدَيبيّة)،2 و أتبع ذلك بالنقل عن ابن عربيّ [بأنّ] هذا حديث موضوع لا يحلّ لمسلم اعتقاده.3 و في ضوء ذلك، فإنّ مجرّد ورود الآية بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب لن يكون له أثر في التمسّك من حيث البرهان و الدليل العلميّ.

  • و يستبين ممّا ذكرنا أيضاً أنّ ما أخرجه القرطبيّ واهٍ لا أساس له.

    1. «الإتقان» الطبعة الاولي، مصر، في سنة 1278 ه-، ج 1 ص 75.
    2. يسمّي العام السادس من الهجرة بعام الحُدَيْبِيَّة لوقوع صلح الحديبيّة فيه.
    3. «تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 30. طبعة دار الكاتب العربيّ 1387 ه-.

معرفة الإمام ج۷

132
  • و قد قال: جاء عن ابن عبّاس أنّ أبا طالب كان يرسل كلّ يوم مع رسول الله صلّى الله عليه و آله رجالًا من بني هاشم يحرسونه، حتّى نزلت [هذه الآية]: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. [فأراد أن يرسل معه من يحرسه] فقال النبيّ صلّى الله عليه و آله: يَا عَمَّاهُ! إنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ وَ الإنْسِ! و قال القرطبيّ: صحّة هذا الحديث تستدعي أن تكون الآية مكّيّة؛ و هذه الآية مدنيّة.1

  • و هذا الحديث أضعف من أن يقاوم الأحاديث المتقدّمة و الإجماع و نصوص المفسّرين. يضاف إلى ذلك، أننا نرى بالبداهة كم لاقى رسول الله من المصائب و صنوف الأذى و الاضطهاد من أمثال هؤلاء.

    1. «تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 244.

معرفة الإمام ج۷

135
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّامِنُ وَ التِّسْعُونَ إلى الدَّرْسِ الْوَاحِدِ بَعْدَ المِائَة في سَنَد: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعلى مَوْلَاهُ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۷

136
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة اللهِ على أعدائهم أجمعين من الآن إلي قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلَّا باللهِ العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.1

  • نزلت هذه الآية المباركة على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم يوم غدير خمّ بُعَيْدَ إلقائه خطبته الغرّاء التي نصب فيها أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الولاية الإلهيّة الكلّيّة المطلقة، و قدّمه إلى الناس خليفة و أميراً و وليّاً.

  • و قد ذكرنا في بحوثنا الأخيرة أنّ خطبة الغدير كانت بعد نزول الآية الكريمة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.2 إذ خطب رسول الله تلك الخطبة التي جاء فيها: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ

    1. وسط الآية الثالثة من السورة المائدة، و هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم.
    2. الآية 67، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۷

137
  • فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • و تعرف الآية المفتتحة بقوله: يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بآية التبليغ، و يعرف الحديث المتقدّم آنفاً بحديث الولاية؛ و البحث فيهما مستقلّ و لا صلة بينهما؛ أعني: أنّ البعض قد يرتاب في شأن نزول آية التبليغ أو في دلالتها- كما نجد ذلك عند بعض العامّة- بَيدَ أنه لا يرتاب في حديث الولاية سنداً أو دلالةً. علماً أننا قد فرّقنا بين البحثين و الحمد للّه و له المنّ. و تحدّثنا حديثاً وافياً عن آية التبليغ من حيث شأن نزولها في سيّد الموحّدين عَليّ بنِ أبي طَالِبٍ عليه السلام و من حيث مفادها و محتواها التفسيريّ؛ و أرجأنا البحث في حديث الولاية إلى مجال آخر.

  • و قد آن أوانه الآن بعد أن فرغنا من البحث في آية التبليغ بتوفيق الله و لطفه؛ و نأمل أن ندرس هذا الموضوع بمقدار جهدنا الضئيل إن شاء الله تعالى: ثمّ نعرّج على البحث في مفاد الآية المذكورة في مستهلّ درسنا، و التي نزلت يوم الغدير:

  • قصيدة إمام الزيديّة إليمنيّ المنصور بالله

  • وَ هُوَ الوَلِيّ أيُّهَذَا السَّامِعُ***مُؤْتِي الزَّكَاةِ المَرْءَ وَ هوَ رَاكِعُ

  • وَ الشَّاهِدُ 1 التَّالى فَأيْنَ الجَامِعُ***لِلقَوْمِ؟ هَلْ ثَمَّ دَلِيلٌ قَاطِعُ

  • وَ هوَ وَلِيّ الحَلِّ وَ الإبْرَامِ***و الأمْرِ وَ النَّهي على الأنَامِ

  • بِحُكْمِ ذِي الجَلَالِ وَ الإكْرَامِ***و مَا قَضَاهُ في اولِي الأرْحَامِ 2

  • وَ قَالَ فِيهِ المُصْطَفَى: أنْتَ الوَلِي***و مِثْلُهُ: أنْتَ الوَزِيرُ وَ الوَصِي

    1. إشارة إلي الآية 17، من السورة 11: هود: أ فَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ وَ مِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إمَامًا وَ رَحْمَةً اولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. و المقصود من كلمة« يَتْلُوهُ شاهِدٌ منه» بدون شكّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
    2. وفقاً للحكم النازل في القرآن الكريم في الآية:« وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ».

معرفة الإمام ج۷

138
  • و كَمْ و كَمْ قَالَ لَه: أنْتَ أخِي***فَأيُّهُمْ قَالَ لَهُ مِثْلَ على

  • و هَلْ سَمِعْتَ بِحَدِيثِ مَوْلَى***يَوْمَ «الْغَدِيرِ» وَ الصَّحيحُ أولَى 1

  • أ لَمْ يَقُلْ فِيهِ الرَّسُولُ قَوْلَا***لَمْ يُبْقِ لِلمُخَالِفِينَ حَوْلَا

  • و هَلْ سَمِعْتَ بِحَدِيثِ المَنْزِلَه***يَجْعَلُ هَارُونَ النَّبِيّ مِثْلَه

  • و ثَبَّتَ الطُّهْرَ لَهُ مَا كَانَ لَه***مِنْ صِنْوِهِ موسى فَصَارَ مَدْخَلَه

  • مِنْ حَيْثُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ النُّبوَّة***كَانَتْ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ مَرْجُوَّة

  • فَاسْتُثْنِيَتْ و نَالَ ذُو الفُتُوَّة***عُمُومَ مَا لِلمُصْطَفَى مِنْ قُوَّة 2

  • يدور بحثنا عن حديث الغدير، و هو حديث الولاية، حول سنده أوّلًا، و دلالته ثانياً، و سنتطرّق إلى هذين القسمين بشكل وافٍ إن شاء الله تعالى.

  • ثبوت أحقّيّة أمير المؤمنين على مرّ التأريخ

  • أمّا البحث من حيث السند؛ أي: من حيث وقوع حادثة الغدير في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام عبر الخطبة التي ألقاها رسول الله صلّى الله عليه و آله فهي من الامور المقطوع بها في التأريخ الإسلاميّ، بل و في تأريخ البشريّة. و تعتبر هذه الواقعة من الضروريّات. و لا يمكن أن

    1. المقصود حديث مَن كُنْتُ مَؤْلَاهُ فَعَلَيّ مَوْلَاهُ، الذي قاله رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يوم الغدير.
    2. هذه الأبيات لأبي محمّد المنصور بالله المولود سنة 596 ه- و المتوفّى سنة 670 ه-. و كان أحد أئمّة الزيديّة في بلاد اليمن، و من أولاد يحيي الهادي إلي الحقّ اليمنيّ؛ و كان أحد أئمّة الأدب و العربيّة و الحديث و الشعر و المناظرة و الاحتجاج، و له اليد الطولي في هذه العلوم. و جاءت ترجمته و غديريّته في كتاب« الغدير» ج 5، ص 418 إلي 424. و قال صاحب« الغدير»: تشتمل على 708 بيتاً، و قصيدته كلّها على شكل البيتين. و اختار منها مؤلّف« الغدير» 62 قسماً و ذكرها في كتابه و ذكرنا هنا اثني عشر بيتاً منها مراعاة للمقام و الإيجاز.

معرفة الإمام ج۷

139
  • نعدّها متواترة فحسب، بل هي فوق التواتر. أي: أنّ درجة الإخبار عن هذه الحادثة بلغت مبلغاً لو قدّر- مثلًا- أن يصل إلينا نصف الأخبار، أو خُمسها أو عُشرها. لأفاد ذلك كلّه اليقين على حسب ملاك التواتر. و لو ألّف الشيعة في هذا المجال كتاباً، و نقّبوا في هذه الواقعة و نقلوها بأسنادهم المتّصلة، عن أعلام الدين و أئمّته، فلا عجب في ذلك. لأنها سندهم الناطق المعبّر، و الأساس الرصين لمذهبهم و منهاجهم، و هي مفترق الطرق و موضع بروز الزاوية بينهم و بين خصومهم.

  • بَيدَ أنّ العجب هو أنّ المناوئين قد نقلوا الروايات و الأحاديث الجمّة التي بلغت من الكثرة حدّاً بحيث جعلتهم يقرّون بصحّة الأسناد، و وقوع هذه الحادثة على النحو المؤكّد. و كم ألّفوا من الكتب المستقلّة في هذا الموضوع بحيث إنّا لا نعثر على حدث من الأحداث في التأريخ الإسلاميّ قد نال كلّ هذا الاهتمام على صعيد تأليف الكتب، و طرح البحوث الطويلة المتواصلة.

  • هذا مع أنّ الملحوظ منذ عصر صدر الإسلام و حتّى يومنا الحاضر هو أنهم بذلوا قصارى جهودهم لكتم الحقائق و التغطية على قضيّة الولاية؛ و الاهتمام في عدم ذكر خبرها، و تحريفه، و تحريف كتب الماضين، و التلاعب في طبعها و نشرها إلى درجة أنّ كلّ بصير و خبير بالكتب و الروايات و التواريخ و السنن يذهل لما يراه.

  • و نرى التحريف واضحاً جليّاً في كتب العامّة؛ و هم أنفسهم يجهرون في أقوالهم و كتاباتهم قائلين بأنهم ينبغي أن يطمسوا الحقائق كي لا تكون ذريعة بأيدي العوامّ.1 و هذا البحث ملازم للبحث في استصواب ممارسات

    1. على سبيل المثال نرى أنّ ابن حَجَر الهَيْتمِيّ، الذي ألّف كتاب« تطهير اللسان» في فضيلة معاوية و تقديسه، و طبعه في حاشية« الصواعق»، لم يجوّز قدح الصحابة و الطعن فيهم لئلّا يُمَسَّ الخلفاء بشيء. بعد ذلك يبثّ شكواه فيقول في ص 94 من الكتاب: و قد علمت ممّا قدّمتُه في معنى الإمساك من ذلك أنّ عدم الإمساك إمّا يكون واجباً لا سيّما مع ولوع العوامّ به؛ و مع تآليف صدرت من بعض المحدّثين كابن قُتيبة مع جلالته القاضية بأنه كان ينبغي أن لا يذكر تلك الظواهر؛ فإن أبى إلّا ذكرها فَلْيُبَيِّن جريانها على قواعد أهل السُّنَّة حتّى لا يتمسّك مبتدع أو جاهل بها.
      و مثلًا يقول الطبريّ في تأريخه ج 3، ص 361 طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة، بعد نقله عدداً من الروايات ضمن محاصرة عثمان: و أمّا الواقديّ فإنّه ذكر في سبب مسير المصريّين إلى عثمان و نزولهم ذا خشب اموراً كثيرة، منها ما تقدّم ذكره، و منها ما أعرضت عن ذكره كراهة منّي لبشاعته.
      و يقول في ص 557 من الجزء المذكور: نقل هشام عن أبي مخنف قال و حدّثني يزيد ابن ضبيان الهمدانيّ أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا ولّى فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعها العامّة.

معرفة الإمام ج۷

140
  • الصحابة؛ و هو بحث مفصّل نرجئه إلى وقته المناسب إن شاء الله.

  • مع هذا فإنّ أحقّيّة أمير المؤمنين و سيّد الموحّدين، و تألّق نور الولاية على درجة بحيث إنّنا إذا راجعنا أيّ كتاب كان، فإنّنا نلاحظ أحاديث الولاية، و مناقب إمام الأبرار و فضائله، و تتجلّى للعيان الأحاديث المتعلّقة بغدير خمّ، أي: على الرغم من أنّ أعداءه جهدوا في طمس آثاره حقداً و حسداً، و أنّ محبّيه امتنعوا عن بيانها خوفاً و تقيّة؛ إلّا أننا نجد أنّ الكتب التي تمّ تأليفها حول حديث الغدير في شرق الأرض و غربها، أو التي ذكرت الروايات الخاصّة بالغدير هو دليلٌ حيّ و خالدٌ يدلّ على بزوغ نور ولاية عليّ في تضاعيف الكتب، و في صدور الكتّاب، و قلوب المشتاقين و المحبّين و الوالهين، و هي ماثلة أمام عيون الأصدقاء و الأعداء طوعاً أو كَرْهاً.

معرفة الإمام ج۷

141
  • به هر طرف كه نگه مىكنم تو در نظرى***چرا كه بهر تو جز ديده جايگاهى نيست 1

  • علماء العامّة الذين ألّفوا في حديث الغدير

  • يقول جمال السَّالِكين و سَيِّد أهل المراقَبَة عَلِيّ بنُ طَاوُوس رحمة الله عليه في «إقبال الأعمال»: فَصْلٌ في مختصر الوصف ممّا رواه علماء المخالفين عن يوم الغدير من الكشف. اعلم أنّ نصّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله على إمامة عَلِيّ بْن أبي طَالِب صلوات الله عليه يوم الغدير ما لا يحتاج إلى كشف و بيان لأهل العلم و الأمانة و الدراية؛ و إنّما نذكر تنبيهاً على بعض مَن رواه ليقصد مَن شاء و يقف على معناه. فمِن ذلك ما صنّفه أبُو سَعْدٍ مَسْعُودُ بْنُ نَاصِرِ السِّجسِتَانِيّ المخالف لأهل البيت في عقيدته المتّفق عند أهل المعرفة به على صحّة ما يرويه لأهل البيت و أمانته.

  • صنّف كتاباً سمّاه: «كِتَابُ الدِّرَايَةِ في حَدِيثِ الوَلَايَةِ» و هو سبعة عشر جزءاً. روى فيه حديث نصّ النبيّ المكرّم صلوات الله عليه بتلك المناقب و المراتب على مولانا عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن مائة و عشرين نفساً من الصحابة.

  • و من ذلك ما رواه مُحَمَّدُّ بْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيّ صاحب «التاريخ الكبير» صنفّه و سمّاه «كِتَاب الرَّدِّ على الحُرْقُوصِيَّة».2 روى فيه حديث يوم الغدير و ما نصّ رسول الله على عليّ صلوات الله عليهما بالولاية؛ و المقام الرفيع

    1. يقول:« أينما أنظر، فأنت وحدك تملأ عيني، إذ لا مقرّ لك غيرها».
    2. الحُرقوصيّة هم الحنبليّة لأنّ أحمد بن حنبل من أولاد حُرقوص بن زهير الخارجيّ. و قيل: إنّما سمّاهم الطبريّ بهذا الاسم لأنّ البربهاريّ الحنبليّ تعرّض للطعن في شيء ممّا يتعلّق بخبر يوم غدير خمّ(« عبقات الأنوار» كتاب الغدير، آخر ص 33).

معرفة الإمام ج۷

142
  • و الكبير. و روى ذلك من خمس و سبعين طريقاً.

  • و من ذلك ما رواه أبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الحَسْكَانِيّ في كتاب سمّاه: «كِتَاب دُعَاةِ الهُدَاةِ إلَى أدَاءِ حَقِّ المُوَالاةِ».

  • و من ذلك الذي لم يكن مثله في زمانه أبو الْعَبَّاسِ أحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بنُ عُقْدَة الحافظ الذي زكّاة و شهد بعلمه الخطيب مصنّف «تأريخ بغداد» فإنّه صنّف كتاباً سمّاه «حَدِيث الوَلَاية».

  • وجدت هذا الكتاب بنسخة قد كتبت في زمان العبّاس بن عُقْدَة مصنّفه، تأريخها سنة ثلاثمائة و ثلاثين؛ صحيح النقل عليه خطّ الشيخ الطوسيّ، و جماعة من شيوخ الإسلام؛ لا يخفى صحّة ما تضمّنه على أهل الأفهام. و قد روى فيه نصّ الرسول الأكرم صلوات الله عليه على مولانا عليّ عليه السلام بالولاية من مائة و خمس طرق.

  • و إن عددت أسماء المصنّفين من المسلمين في هذا الباب، طال ذلك على من يقف على هذا الكتاب. و جميع هذه التصانيف عندنا الآن إلّا كتاب الطبريّ.1

  • و يقول في «الإقبال» أيضاً: فَصْلٌ؛ و أمّا ما رواه مسعود بن ناصر السجِسْتانِيّ في صفة نصّ النبيّ على مولانا عليّ عليه السلام بالولاية، فإنّه مجلّد أكثر من عشرين كرّاساً. و أمّا الذي ذكره محمّد بن جرير صاحب التأريخ في ذلك فإنّه مجلّد واحد أيضاً؛ و ما ذكره أبو العبّاس بن عقدة و غيره من العلماء و أهل الروايات، فإنّها عدّة مجلّدات.2

  • يقول ابن شهرآشوب: العلماء مطبقون على قبول هذا الخبر [أي

    1. «إقبال الأعمال» ص 453. الطبعة الحجريّة.
    2. «إقبال الأعمال» ص 457.

معرفة الإمام ج۷

143
  • حديث الولاية] و إنّما وقع الخلاف في تأويله؛ ذكره محمّد بن إسحاق، و أحمد البلاذريّ، و مُسلم بن الحَجَّاج، و أبو نُعَيْم الإصفهانيّ، و أبو الحسن الدارقُطنيّ، و أبو بكر بن مردويه، و ابن شاهين، و أبو بكر البَاقْلانيّ، و أبو المَعَالى الجُوَينيّ، و أبو إسحاق الثَّعْلبيّ، و أبو سَعيد الخركويّش، و أبو المظَفَّر السَّمْعانيّ، و أبو بكر بن شَيْبة، و عليّ بن الجعد، و شُعبة، و الأعَمش، و ابن عبّاس، و ابن الثَّلَّاج، و الشَّعْبيّ، و الزُّهْرِيّ، و الاقلِيش، و ابن ماجَة، و ابن البَيِّع، و ابن عَبْد رَبِّه، و الكانيّ، و أبُو يَعلى الموصليّ من عدّة طرق. و أحمد بن حَنبل من أربعين طريقاً، و ابن بَطَّة من ثلاث و عشرين طريقاً، و ابن جرير الطَّبَريّ من نيّف و سبعين طريقاً في كتاب «الوَلاية» و أبُو العبّاس بن عُقْدَة من مائة و خمس طرق، و أبو بَكر الجِعَانيّ من مائة و خمس و عشرين طريقاً.

  • أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله الذين رووا حديث الغدير

  • و قد صنّف عَلِيّ بن هِلال المَهلَّبِيّ كتاب «الغدير»؛ و أحمد بن محمّد بن سَعْد كتاب «مَنْ رَوَى غَدير خُمّ»؛ و مَسْعُود الشَّجَريّ كتاباً فيه رواة هذا الخبر و طرقه؛ و استخرج مَنْصُور اللّانيّ الرازيّ في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم؛ و ذكر عن صاحب «الكافي» أنه قال: روى لنا قصّة غدير خُمّ القَاضِيّ أبو بَكر الجِعَابيّ عن أبي بكر، و عمر، و عُثمان، و عليّ، وَ طَلْحَة، و الزُّبير، و الحَسَن، و الحُسَين، و عبد الله بن جَعْفَر، و عبّاس بن عبد المُطَّلِب، و عبد الله بن عبّاس، و أبو ذرّ، و سَلْمَان، و عبد الرّحمن، و أبو قتادة، و زَيد بن أرقَم، و جَرير بن حَمِيد، و عَدِيّ بن حاتم، و عبد الله بن أنيس، و البَراء بن عَازِب، و أبو أيُّوب، و أبُو بَرْزَة الأسْلميّ، و سَهْل بن حُنيف، و سَمُرَة بن جُنْدَب، و أبُو الهَيثم، و عبد الله بن ثابت الأنصاريّ، وَ سَلَمَة بن الأكْوَع، و الخُدريّ، و عَقَبَة بن عَامِر، و أبُو رافِع، و كَعْب بن عُجْرَة، و حُذَيفة بن اليَمَان، و أبُو مَسْعُود

معرفة الإمام ج۷

144
  • البَدْريّ، و حُذَيفة بن اسيد، و زيد بن ثَابِت، و سَعد بن عُبَادَةَ، و خُزَيمَة بن ثابت، و خَبَّاب بن عُتْبَة، و جُنْدُب بن سُفْيان، و عُمَر بن أبي سَلَمَة، و قَيْس بن سَعْد، و عُبادة بن الصامت، و أبو زَينب، و أبو لَيْلى، و عبد الله بن رَبيعَة، و اسامَة بن زيد، و سَعْد بن جُنَادة، وَ خبَّاب بن سَمُرة، و يَعلى بن مُرَّة، و ابن قُدَامَة الأنصاريّ، و نَاجِيَة بن عُمَيْرة، و أبو كاهل، و خالد بن الوَليد، و حَسَّان بن ثابت، و النعمان بن عَجلان، و أبو رِفَاعة، و عَمرو بن الحَمِق، و عبد الله بن يَعْمُر، و مالك بن الحُوَيْرِث، و أبو الحَمْراء، و ضَمْرة بن حَبيب، و وحيّش بن حَرْب، و عُرْوة بن أبي الجَعْد، و عَامرِ بن النميريّ،1 و بَشير بن عبد المُنذِر، و رِفاعَة بن عبد المُنْذِر، و ثابت بن وَديعَة، و عَمْرُ بن حُرَيث، و قَيس بن عَاصِم، و عبد الأعلى بن عَدِيّ، و عُثمان بن حُنَيف، و ابَيّ بن كَعْب، و من النساء: فاطمة الزَّهراء عليها السلام، و عائشة، و امّ سَلَمَة، و امُّ هاني، و فاطمة بنت حمزة بن عبد المطّلب.2

  • يقول العالم الجليل مير حامد حسين الهنديّ النيسابوريّ في كتابه الشريف: «عبقات الأنوار في إثبات إمامة الأئمّة الأطهار» الجزء الذي صنّفه في الغدير خاصّة، و بعد ذكره ما نقلناه آنفاً عن السيّد ابن طاووس رضوان الله عليه حول تصنيف ابن عقدة كتاباً في الغدير يقع في عدد من الأجزاء، و تبلغ طرقه فيه مائة و خمسة طرق: كان هذا الكتاب موجوداً عند ابن طاووس، و ذكره في كتابه: «الطرائف في مَعْرفة مَذَاهِبِ الطَّوائف»؛ و أورد

    1. جاء في« المناقب»: النميريّ؛ و في« العبقات» ج الغدير، ص 9: عامر بن عمير العميريّ؛ و في« الغدير» ج 1، ص 46: عامر بن عمير النميريّ.
    2. «المناقب» ج 1، ص 528 و 529. الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۷

145
  • فيه أسماء الصحابة الذين نقل عنهم ابن عُقْدَة حديث الغدير، ثمّ يذكر أسماء الصحابة الذين أسند ابن عُقدد الحديث إليهم. و هؤلاء الصحابة- مضافاً إلى العدد الذي ذكرناه منهم عن «مناقب» ابن شهرآشوب آنفاً- هم:

  • سعيد بن مَالِك، عبد الله بن مَسعود، عَمَّار بن يَاسِر، أسعد بن زُرارة الأنصاريّ، خالِد بن زَيد الأنصاريّ، عبد الله بن عُمَر بن الخَطَّاب، رِفاعَة بن رَافِع الأنصاريّ، سهلُ بن سَعد الأنصاريّ، هاشم بن عُتبَة بن أبي وقّاص، المِقداد بن عَمرو الكنديّ، عبد الله بن اسَيْد المَخزُوميّ، عِمران بن الحُصَين الخُزاعيّ، بُرَيدَة بن جَبَلَة بن عَمرو الأنصاريّ، أنَس بن مَالِك، سعيد بن سَعد بن عُبَادَة، أبُو سَرِيحة الغِفاريّ، زَيْد بن حارثَة، جَابر بن سَمُرَة السُّوائيّ، حُبْيّش بن جُنَادَه السَّلُولِيّ، ضُمَيرة الأسَديّ، عُبَيد بن عَازِب الأنصاريّ، عبد الله بن أبي أوفَي الأسْلَميّ، زيد بن شَرَاحِيل الأنصاريّ، عبد الله بن بِشر المَازِنيّ، عبد الله بن نعيم الدَّيْلَميّ، أبُو فُضَالة الأنصاريّ، عَطِيَّة بن بِشر المَازِنِيّ، عَامِر بن لَيْلى الغِفاريّ، أبُو طُفيل عَامِرِ بن واثِلَة الكِنانِيّ، عبد الرحمن عَبْد رَبِّ الأنصاريّ، عبد الله بن يَامِيل، حَبَّة بن جُوَين العُرَنيّ، أبُو ذُؤَيب الشاعر، ابو شُرَيح الخُزَاعيّ، أبُو جُحَيفَة وَهَب بن عبد الله السُّوائيّ، ابو امامة صُدَيّ بن عَجْلان الباهِليّ، عَامِر بن لَيْل بن ضَمْره، قَيس بن ثَابِت شَمّاس الأنصاريّ، عبد الرَّحمن بن مُدْلَج، حبيب بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزاعيّ. و من النساء- إضافة إلى ما ذكرنا-: أسماء بنت عُمَيْس الخثْعَمِيَّة.

  • ثمّ يقول صاحب «العبقات»: يبدو من هذه العبارة أنّ ابن عقدة روى حديث الغدير عن هؤلاء الصحابة المذكورين و هم زُهاء مائة شخص.

  • و كذلك فإنّ رواية ثمانية و عشرين صحابيّاً آخرين غير المذكورين

معرفة الإمام ج۷

146
  • تقوّي هذا الحديث الشريف.1

  • و يقول أيضاً: روى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن الخطيب الجُلابيّ المعروف بابن المَغَازِلِيّ في كتاب «المناقب» بناءً على ما نقله الشيخ أبو الحسن يحيى بن الحسن بن الحسين بن عليّ الأسديّ الحلّيّ الربعيّ المعروف با بن بطريق،2 في كتاب «العُمْدة في عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وصيّ المختار»، قال: حدّثني أبو القاسم الفضل بن محمّد بن عبد الله الإصفهانيّ أنه لمّا دخل علينا في واسط، و كان يقرأ من كتابه و يملي في العشرين من شهر رمضان سنة 434 ه- قال: حدّثني محمّد بن عليّ بن عُمَر بن المهديّ، قال: حدّثني سليمان بن أحمد بن أيُّوب الطَبَرانيّ؛ قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم بن كيسان الثقفيّ الإصفهانيّ: قال: حدّثني إسماعيل بن عُمر البَجَليّ؛ قال: حدّثني مِسْعَر بن كِدام، عن طلحة بن معروف، عن عُمَر بن سَعْد [أنه] قال: شهدتُ عليّاً على المنبر ناشد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله أنّ

    1. «عبقات الأنوار» الجزء الخاصّ بالغدير، الطبعة الثانية ص 9. صنّف مير حامد حسين هذا الكتاب- كما يذكر نفسه في بدايته- ردّاً على« التحفة العزيزيّة» مستضيئاً بإفادات والده الماجد العلّامة المولي مُحمّد قُلي رحمة الله عليه. و صنّف مولانا السيّد محمّد قُلي، و هو من أعاظم العلماء و حماة مدرسة التشيّع، كتاب« تَشييد المَطَاعِن و كَشف الضَّغائن» في ردّ« التحفة الاثنا عشريّة». ولد عام 1188 ه- و توفّي سنة 1268 ه- في مدينة لِكَهْنو. و هذا الكتاب، أي« التحفة الاثنا عشريّة» صنّفه شاه وليّ الله صاحب الهنديّ؛ و قلّده الخواجة عبد الله الكابُليّ في كتاب« الصواعق» مؤيّداً له.
    2. ابن المغازليّ الشافعيّ من أجلّاء علماء العامّة و أكابرهم، توفّي سنة 483 ه-. و قرأ ابن بطريق- كما ينقل ابن حجر العسقلانيّ- في« لسان الميزان» على الحمّصيّ الرمزيّ علم الفقه و الكلام على مذهب الإماميّة؛ و كان يقيم في بغداد مدّة ثمّ انتقل إلي واسط و كان مشغولًا فيها بالعبادة. توفّي في شعبان سنة 600 ه- و له من العمر 77 سنة.

معرفة الإمام ج۷

147
  • من سمع عن النبيّ في يوم غدير خمّ يقول ما قال، فليشهد! فقام اثنا عشر رجلًا منهم فشهدوا. و منهم: ابو سعيد الخُدريّ، و أبو هُرَيرة، و أنَس بن مَالِك، شهدوا أنّ هؤلاء جميعهم سمعوا من رسول الله صلّى الله عليه و آله أنه قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

  • ثمّ قال ابن بطريق: قال [راويّ هذا الحديث]: أبو القاسم الفضل بن محمّد: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلّى الله عليه و آله. و قد روى حديث غدير خمّ عن رسول الله نحو مائة نفس منهم العشرة [المُبَشَّرَة] و هو حديث ثابت لا أعرف له علّة، تفرّد عليّ رضي الله عنه بهذه الفضيلة لم يشركه أحد- انتهى.1

  • ثمّ يقول: الظاهر من العبارة أنّ حديث غدير خُمّ حديث صحيح عن صاحب الرسالة صلّى الله عليه و آله؛ و روى هذا الحديث الشريف مائة من الصحابة بينهم العشرة؛ أي: العشرة الذين نقل في حقّهم حديث البشارة بالجنّة. و لم يكتف الفضل بن محمّد بهذا الكلام، بل قال لمزيد التأكيد و تشييد اسس صحّة هذا الحديث و ثبوته: هذا الحديث ثابت؛ و لا أعلم له علّة (نقصاً و عيباً). و قال أيضاً: تفرّد عليّ عليه السلام بهذه الفضيلة، و لم يشركه فيها أحد. و هذا الكلام- بغضّ النظر عن دلالته على كمال صحّة حديث الغدير و ثبوته و تواتره و استفاضته- دالّ على أنّ هذا الحديث يدلّ على إمامة الإمام أو فضيلته المستلزمة للإمامة. لأنّ عدم مشاركة شخص آخر لأمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة دليل صريح على استئثاره بهذه الفضيلة؛ فإذا كانت الفضيلة هي الإمامة نفسها، فذاك المطلوب؛ و إذا

    1. «العبقات» جزء الغدير، ص 6 و 7. و نقل ابن المغازليّ في مناقبه، ص 27 هذا الحديث. بخصوصه عن أبي القاسم الفضل بن محمّد، تحت رقم 39.

معرفة الإمام ج۷

148
  • كانت غير الإمامة، فلا خَلاق للآخرين منها أيضاً، فأمير المؤمنين عليه السلام أفضل الجميع.1

  • الكتب المستقلّة التي ألّفت في الغدير

  • و بعد ذلك عرض شرحاً مفصّلًا ذكر فيه أنّ علماء السنّة الكبار نصّوا على كتاب ابن عقدة، و خطبة غدير خمّ فيه بطرق عديدة. و من هؤلاء: الشيخ تقيّ الدين ابو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحَرَّانيّ الحنبليّ- الذي أثنى عليه الفاضل المعاصر في «مُنتَهَى الكَلَام»2 و سمّاه: شيخ الإسلام، و تشبّث بإفاداته في مقابلة أهل الحقّ- في كتابه: «مِنْهاج السُّنَّة النَّبويَّة في رَدِّ كَلَامِ الشِّيعَة و القَدَريَّة» الذي ردّ عليه العلّامة الحلّيّ أحَلَّه اللهُ مَظَانَّ الكَرَامَةِ وَ بَوّأهُ دَارَ السَّلامَةِ في كتابه «مِنْهَاجِ الكَرامَةِ». فإنّه قال فيه: وَ قَدْ صَنَّفَ أبُو العَبَّاسِ ابْنُ عُقْدَة مُصَنَّفاً في جَمْعِ طُرُقِهِ.3

  • و منهم: الشيخ محمّد بن محمّد بن عليّ أبو الفضل الكنانيّ العَسْقلانيّ المصريّ الشافعيّ المعروف بابن حَجَر الذي لا شكّ في جلالته و فضائله عند مترجمي أهل السنّة كالمقريزيّ، و شمس بن ناصر الدين الدمشقيّ في «تَوضيح المُشْتَبه»، و بدر الدين محمّد بن إبراهيم البستنكيّ القاهريّ في «طبقات الشُّعَراء» و غير هؤلاء، ... و يعتزّ الفاضل المعاصر في «مُنتَهَى الكلام» بتحقيقاته، و يرى أنّ تبحّره في علم الحديث الشريف مُسَلَّم الثبوت. يقول ابن حجر في «فتح الباري» و هو شرح لصحيح البخاريّ، و قد أصبح حكمه كحكم المتن المشروح، أعني، «صحيح البخاريّ» حسب

    1. «العبقات» ج الغدير ص 6 و 7.
    2. كتاب« مُنتهي الكلام» صنّفه مولويّ حيدر بن شيخ محمّد حسن فيضآبادي، و كان تصنيفه بعد تصنيف« التحفة الاثنا عشريّة».
    3. «العبقات» جزء الغدير، ص 10، 11.

معرفة الإمام ج۷

149
  • إفادة المخاطب في «بستان المحدّثين» و لشهرته و كثرة النقل عنه و الرجوع إليه. يقول في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام:

  • وَ أمَّا حَدِيثُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ» فقد أخرجه الترمذيّ، و النسائيّ؛ و هو حديث طرقه كثيرة جدّاً. و قد جمعها ابن عقدة في كتاب مستقلّ. و كثير من أسناد تلك الطرق صحيحة و حسنة- انتهي.1

  • و بعد ذلك تحدّث العلّامة مير حامد حسين بالتفصيل عن ابن عقدة و الكبار و الأعاظم الذين نقلوا عنه، و ذكر كتب التراجم و الرجال، التي أثنت على اولئك الأعاظم، ثمّ قال:

  • «و قد ذكر مُحمّد بن جَرير الطبريّ صاحب التاريخ، خبرَ يوم الغدير و طرقه في خمسة و سبعين طريقاً. و أفرد له كتاباً سمّاه «كتاب الوَلَاية». كما أنّ صاحب «العُمْدَة» طاب ثراه ذكر هذا الموضوع بنفس العبارات التي نقلناها. و يقول بعد نقل ما أوردناه عن كتاب «الإقبال» للسيّد ابن طاووس حول كتاب الطبريّ: و قال في «الطرائف»: و قد روى حديث يوم الغدير محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التاريخ من خمس و سبعين طريقاً، و أفرد له كتاباً سمّاه: «كتاب الولاية»؛ و رأيت في بعض ما صنّفه الطبريّ في صحّة خبر يوم الغدير أنّ اسم الكتاب «الردّ على الحُرْقُوصِيَّة» يعني: الحنبليّة، لأنّ أحمد بن حنبل من ولد حُرقُوص بن زُهَير الخارجيّ. و قيل: إنّما سمّاه الطبريّ بهذا الاسم لأنّ البربهاريّ الحنبليّ تعرّض للطعن في شيء ممّا يتعلّق بخبر الغدير.

  • و اعترف العلّامة شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركمانيّ الدمشقيّ الذهبيّ بتأليف الطبريّ كتاباً مستقلًا

    1. «العبقات» جزء الغدير، ص 10 و 11.

معرفة الإمام ج۷

150
  • في طرق حديث الغدير. و قد قصم ظهر المنكرين النُّصَّاب بوقوفه على ذلك الكتاب و دهشته لكثرة طرق الحديث؛ كما قال محمّد بن إسماعيل في «الروضة النَّدِيّة» و هي شرح على «التُّحْفَة العَلَويّة»: قال الحافظ الذهبيّ في «تذكرة الحُفَّاظ» في ترجمة: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ: ألّف محمّد بن جرير الطبريّ في هذا الموضوع كتاباً، وقفتُ عليه فاندهشت لكثرة طرقه.

  • و قال إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير الشافعيّ الذي ستسمع نبذه من فضائله و محامده و مناقبه و مفاخره فيما بعد إن شاء الله تعالى، قال في تأريخه عند ذكر محمّد بن جَرير الطبريّ- على ما نُقِل-: و قد رأيت كتاباً جمع فيه [الطبريّ] أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين، و كتاباً جمع فيه طرق حديث الطير.1

  • و بعد ذكره شرحاً مفصّلًا عن الطبريّ و شهرته و إلمامه و أسماء الذين عظّموه و أثنوا عليه، قال:

  • و صنّف المحدّث الشهير: أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحَسْكانيّ كتاباً أثبت فيه حديث الغدير و جمع طرقه، و قال بعد نقل ما أوردناه عن «الإقبال» للسيّد ابن طاووس:

  • و قال في «الطرائف في معرفة مذاهب الطَّوائف»: و صنّف الحاكم عُبَيد الله بن عَبد الله الحَسكانيّ كتاباً في حديث يوم الغدير سمّاه: «كتاب دعاة الهُداة إلى أداء حقِّ الموالاة» و هو اثنا عشر مجلّداً.

  • و لا يخفى أنّ أبا القاسم الحَسْكَانيّ من أجلّه العلماء المتقنين، و عمدة الكاملين المحدّثين و أثبات النحارير الممدوحين و ثقات الجهابذة المعتمدين؛ يقول جلال الدين السيوطيّ في «طبقات الحفّاظ»:

    1. «العبقات» جزء الغدير، ص 34 و 35.

معرفة الإمام ج۷

151
  • الحَسْكَانِيّ القاضِي المُحَدّثُ عُبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حَسكان القرشيّ العامريّ النيسابوريّ، و يعرف بابن الحَذّاءِ، شيخٌ مُتْقِنٌ ذُو عِنَايَةٍ تَامَّةٍ بِعِلْمِ الحَدِيث، عُمِّرَ وَ عَلَا إسْنَادُهُ؛ وَ صَنَّفَ في الأبْوَابِ وَ جَمَعَ؛ حَدَّثَ عَنْ جَدِّهِ: الحَاكِمِ وَ أبِي طَاهِرِ بن محمش؛ وَ تَفَقَّه بالقاضي أبي العُلَا صَاعِدٍ؛ أمْلي مَجْلِساً صَحَّحَ فِيهِ رَدَّ الشَّمْسِ لِعَليّ، وَ هُوَ يَدُلُّ خُبْرَتِهِ بِالحَدِيثِ، وَ تَشَيَّعَ، مَاتَ بَعْدَ أرْبَعمِائةٍ وَ سَبْعِينَ.

  • نلاحظ أنّ هذا الكلام يشعّ بالمآثر الجميلة للحسكانيّ، إذ إنّ الواضح فيه هو أنّ الحَسْكَانيّ كان شيخاً متقناً، و له عناية تامّة بعلم الحديث. عمّر طويلًا، و إسناده رفيع. عكف على التصنيف في أبواب الحديث المتنوّعة و جمع الروايات. حدّث عن جدّه الحاكم النيسابوريّ، و أبي طاهر بن محمش. تفقّه على القاضيّ أبي العلا صاعد، و أملي مجلساً صحّح فيه ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و ذلك يدلّ على خبرته في الحديث.

  • و يستبين لنا من هذا الكلام جلالة الحَسْكانيّ و نُبله و مهارته و نباهته و غاية فضله و كماله و حذاقته. و أمّا دلالة تصحيحه حديث ردّ الشمس على تشيّعه، فلا ضير في ذلك، ذلك أنك علمت آنفاً أنّ التشيّع، حسب تصريح العلّامة ابن حَجَر العَسْقلانيّ، هو: حبّ أمير المؤمنين عليه السلام و تقديمه على الصحابة و تِلكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.1

  • و بعد أن خصّص فصلًا للثناء على الحاكم الحَسْكانيّ، ينتقل إلى السِّجِستانيّ فيقول عنه:

    1. «العبقات»، جزء الغدير، ص 37.
      الشَّكاة موضع العيب و الذمّ؛ أي أنه ليس بعارٍ بل هو ما يُفتخر به.( م)

معرفة الإمام ج۷

152
  • و صنّف أبو سعيد مسعود بن ناصر السَّنجَريّ السِّجِستانيّ كتاباً مفرداً في طرق حديث الغدير سمّاه: «كِتابِ دِرَايَةِ حدِيثِ الوَلَاية» في سبعة عشر جزءاً و عدد أسانيده ألف و ثلاثمائة سند.

  • و قال بعد نقل ما ذكرناه عن «الإقبال» للسيّد ابن طاووس حول كتابه: يتبيّن من هذا أنّ السجستانيّ صنّف كتاباً خاصّاً في ضبط طرق حديث الغدير، و هو سبعة عشر جزءاً، سمّاه: «دِرَايَة حَديثِ الوَلَاية». روي فيه هذا الحديث الشريف عن مائة و عشرين صحابيّاً. و قال في «الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف»: قد وقفت على كتاب صنّفه أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستانيّ؛ سمّاه كتاب «دراية حديث الولاية». و هو سبعة عشر جزءاً. ما وقفت على مثله؛ و هذا مسعود بن ناصر من أوثق رجال المذاهب الأربعة. و قد كشف عن حديث يوم الغدير و نصّ رسول الله على عليّ بن أبي طالب بالخلافة بعده. رواه عن مائة و عشرين من الصحابة، بينهم ستّ نساء، و من عرف ما تضمّنه كتاب «دِراية حَديثِ الوَلَاية»، ما يشكّ في أنّ الذين تقدّموا على عليّ بن أبي طالب عاندوا و مالوا إلى طلب الرئاسة، و عدد أسانيد كتاب «دِراية الوَلَاية» ألف و ثلاثمائة سند.

  • و تدلّ هذه العبارة على أنّ السجستانيّ صنّف كتاباً في جمع طرق حديث الغدير، رواه عن مائة و عشرين صحابيّاً، و عدد أسانيده ألف و ثلاثمائة سند. و لا يخفى أنّ مسعود السجستانيّ هو من أجلّة الحفّاظ، و أعاظم المحدّثين، و أكابر المعتمدين و المشايخ المعتبرين و سُبّاق الموثّقين، و الحُفَّاظ المتقنين لأهل السنّة.

  • و قال عبد الكريم السَّمْعانيّ في «الأنساب»: أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السَّنْجريّ الرِّكاب، كان حافظاً متقناً فاضلًا. رحل إلى خراسان و الجبال و العراقين و الحجاز، و أكثر من الحديث و جمع الجمع،

معرفة الإمام ج۷

153
  • روى لنا عنه جماعة كثيرة بمرو و نيسابور و إصبهان، و توفّى سنة سبعة و سبعين و أربعمائة.1

  • و قال بعد ترجمته للسجستانيّ:

  • شمس الدين ابن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الذهبيّ الذي زيّن مشايخ المحقّقين و العلماء المعتمدين كتبهم بفضائله الجليلة و وشّوها بها. صنّف أيضاً كتاباً مفرداً في طرق حديث الغدير، و صرّح بأنّ له طرقاً جيّدة.

  • و جاء في كتاب «مِفْتاح كَنْز دِرَايَةِ رِوَايَةِ المَجْمُوع مِنْ دُرَرِ المُجَلَّدِ المَسْمُوع» ما نصّه: قال الخطيب البغداديّ: «كان الحاكم ثقة و كان يميل إلى التشيّع. جمع أحاديث و زعم أنها صحاح على شرط البخاريّ، و مسلم، منها: حديث الطير، و حديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعلى مَوْلَاهُ، فأنكره عليه أصحاب الحديث و لم يلتفتوا إلى قوله».

  • قال الحافظ الذهبيّ: «و لا ريب أنّ في «المستدرك» أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحّة، بل فيه أحاديث موضوعة، يليق ب- «المستدرك» إخراجها منه. و أمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً، قد أفردتها بمصنّف بمجموعها يوجب أنّ الحديث له أصل. و أمّا حديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ فله طرق جيّدة، و قد أفردت ذلك أيضاً».

  • إلى أن قال: «ذكر الخطيب البغداديّ عن الحاكم أنه كان ثقة، و كان يميل إلى التشيّع. و قال بعض العلماء بالنسبة إلى تشيّعه إنّه كان يقول بتفضيل عليّ على عثمان، و هو مذهب جماعة من الأسلاف، و الله أعلم».

  • و قال: «و الأهمّ من ذلك كلّه أنّ بعض العلماء صنّف في جمع طرق

    1. «العبقات» جزء الغدير، ص 41.

معرفة الإمام ج۷

154
  • حديث الغدير ثمانية و عشرين مجلّداً أو أكثر».

  • و قال محمّد بن عليّ بن شَهْرآشوب المازندرانيّ الذي أثنى عليه صلاح الدين خليل بن بيك الصفديّ في «الوافي بالوفيّات»، و الشيخ مجد الدين أبو طاهر محمّد بن يعقوب الفيروزآباديّ في كتاب «البُلْغَة في تَرَاجِمِ أئِمَّةِ النَّحْوِ وَ اللُّغَه»، و جلال الدين عبد الرّحمن بن أبي بكر السيوطيّ في «بُغْيَةُ الوَعَاةِ في طَبَقاتِ النُّحاة» و مجّده هؤلاء بالمدائح العظيمة و المناقب الفخيمة و المحاسن الجليلة و الأوصاف الجميلة، و صرّح الصفديّ أنه كان صَدوق اللَّهْجَة. قال في كتاب «المناقب» بناءً على نقل حسين بن خير1 في كتاب «نُخَب المَناقِبِ لآلِ أبي طَالِبٍ»: قال جدّي شهرآشوب: «سمعت أبا المعالى الجوينيّ يتعجّب و يقول: شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر الغدير مكتوباً عليه: المجلّد الثامن و العشرون من طرق قول رسول الله صلّى الله عليه و آله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ و يتلوه المجلّد التاسع و العشرون».

  • و نقل ابن كثير الشاميّ عن أبي المعالى الجوينيّ في تأريخه، قال: «إنَّهُ كَانَ يَتَعَجَّبُ وَ يَقُولُ: شَاهَدْتُ مُجَلَّداً بِبَغْدَادَ في يَدِ صَحَّافٍ فِيهِ رِوَايَاتُ هَذَا الخَبَرِ مَكْتُوباً عَلَيْهِ المُجَلَّدَةُ الثَّامِنةُ وَ العِشْرُونَ مِنْ طُرُقِ «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ»؛ وَ يَتْلُوهُ المُجَلَّدُ التَّاسِعُ وَ العِشْرُونَ.2

  • ما ذا تعني هذه الزيادة في التواتر و الاستفاضة، إذ صُنِّف ثمانية

    1. جاء في« الذريعة»: حسين بن جبير.
    2. هذه الحكاية نقلها الشيخ سليمان الحنفيّ القندوزيّ في« ينابيع المودّة» ص 36 عن الجوينيّ؛ و نقلها العلّامة الأمينيّ في ج 1 من« الغدير» ص 158 عن القندوزيّ في ينابيعه؛ و جاءت في« غاية المرام» ج 1، ص 103 نقلًا عن ابن شهرآشوب، عن جدّه شهرآشوب، عن الجوينيّ.

معرفة الإمام ج۷

155
  • و عشرون مجلّداً أو أكثر في نقل طرق هذا الحديث؟ و أيّ حديث عند أهل الإسلام أكثر تواتراً من هذا الحديث الذي رواه ما يربو على مائة صحابي، و أكثر أسانيده صِحَاح و حِسَان، و صنّف الأعلام من أهل السنّة كتباً في جمع طرقه، حتّى أنّ بعضهم كتب في طرقه ثمانية و عشرين مجلّداً أو أكثر؟1

  • كلام صاحب «عبقات الانوار» في تواتر حديث الغدير عند العامّة

  • و من علماء الإماميّة الذين ألّفوا في الغدير: مير حامد حسين رضوان الله عليه، و هو من مفاخر علماء الإسلام، و من حماة حريم التشيّع2 و حرّاسه المرموقين. فإنّه فصّل كثيراً في ذكر الكتب المصنّفة في موضوع حديث الغدير. و انبري إلى ذكر أسماء كثير من العلماء الذين اعترفوا بتواتر الحديث، و ترجم لهم مسهباً. رضوان الله عليه و أسكنه بُحبوحَة جنَّته مع أوليائه.

  • كلام العلّامة الاميني حول مصادر حديث الغدير

  • و قد أتى المرحوم العلّامة الأمينيّ على حديث الغدير من جميع جوانبه و وفّاه حقّه. و ذلك في كتابه الفذّ البديع الذي لا مثيل له: «الغدير»

    1. «العبقات» جزء الغدير، ص 42 و 43.
    2. عدة العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج 1، ص 156 و 157 المصنّف الحادي و العشرين من الذين ألّفوا في حديث الغدير. و قال في ترجمته:« السيّد مير حامد حسين بن السيّد محمّد قلي الموسويّ الهنديّ اللكهنويّ المتوفّى سنة 1306 ه- عن 60 سنة. ذكر حديث الغدير و طرقه و تواتره و مفاده في مجلّدين ضخمين في ألف و ثمان صحائف. و هما من مجلّدات كتابه الكبير« العبقات». و هذا السيّد الطاهر العظيم كوالده المقدّس سيف من سيوف الله المشهورة على أعدائه؛ و راية ظفر الحقّ و الدين، و آية كبرى من آيات الله سبحانه. قد أتمّ به الحجّة، و أوضح المحجّة. و أمّا كتابه« العبقات» فقد فاح أريجه بين جهات العالم، و طبّق حديثه المشرق و المغرب. و قد عرف من وقف عليه أنه ذلك الكتاب المعجز المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و قد استفدنا كثيراً من علومه المودعة في هذا السفر القيّم. فله و لوالده الطاهر منّا الشكر المتواصل، و من الله تعالى لهما أجزل الاجور».

معرفة الإمام ج۷

156
  • الذي يعدّ فريداً في موضوعه حقّاً، و صاحبه من مفاخر علمائنا. ذكر العلّامة الأمينيّ سند الغدير بالتفصيل عن مائة و عشرة صحابيّ مرتّبة أسماؤهم على حسب حروف الهجاء مع ترجمة وافية لهم. و كذلك أورد أسماء أربعة و ثمانين تابعيّاً وفقاً للترتيب الهجائيّ.1 و نقل في موسوعته أسماء الرواة الذين رووا هذا الحديث، اعتباراً من القرن الثاني حتّى القرن الرابع الهجريّ، و مجموعهم ثلاثمائة و ستّون راوياً مع ترجمة لحياتهم. و كذلك ثبّت فيه أسماء المؤلّفين الذين صنّفوا في حديث الغدير، و عددهم ستّة و عشرون شخصاً. و قال في آخر هذا البحث تحت عنوان: تكملة: قال ابن كثير في «البداية و النهاية» ج 5، ص 208: «و قد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التفسير و التأريخ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه و ألفاظه. و كذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة، نحن نورد عيون ما روى في ذلك».

  • و بعد نقل حكاية الجوينيّ في بغداد و مشاهدته المجلّد الثامن و العشرين الخاصّ بالغدير عند الصحّاف، قال نقلًا عن «ينابيع المودّة»: «و قال العلويّ الهدّار الحدّاد في كتاب «القول الفصل» ج 1، ص 445: كان الحافظ أبو العلاء العطّار الهمدانيّ يقول: أروى هذا الحديث بمائتي و خمسين طريقاً. و هناك تآليف اخرى تخصّ هذا الموضوع يأتي ذكرها

    1. نذكر هنا أسماء بعض المشاهير من التابعين، و هم: الأصبَغ بن نُباتة، سعيد بن جبير، سالم بن عبد الله بن عمر، سُليم بن قَيس الهلاليّ، سليمان بن مهران الأعمش، طاووس بن كيسان اليمانيّ، عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أبو مريم عبد الله بن زياد الأسديّ الكوفيّ، عائشة بنت سَعْد، عطيّة بن سعد بن جُنادة العوفيّ الكوفيّ، عُمَر بن عبد العزيز، عمر بن عليّ أمير المؤمنين، محمّد بن عمر بن عليّ أمير المؤمنين.

معرفة الإمام ج۷

157
  • في صلاة الغدير، إن شاء الله».1

  • و جمع صاحب «الغدير» في هذه الموسوعة القيّمة القصائد التي انشدت في الغدير بدءاً بعصر صدر الإسلام حيث شعر حسّان بن ثابت، و الكميت و أمثالهما، و انتهاءً بالقرن الرابع عشر. جمع القصائد التي قيلت في الغدير، و رتّبها حسب عصورها. و جاء ببحث بليغ حول ترجمة شعرائها و منهجهم في الحياة، و تضلّعهم في العلوم، و قرض الشعر، و الجدل، و إخلاصهم لأهل البيت عليهم السلام. و يمثّل كتاب «الغدير» موسوعة ضخمة ترتكز على أساس مدرسة التشيّع. و فيها كلّ ما لذّ و طاب من الشعر، و الأدب، و التأريخ، و الفنّ، و الأخلاق، و العلم، و الدين. رحم الله العلّامة الأمينيّ و جزاه عن العلم و الدين و الإسلام و الإيمان أحسَنَ الجَزَاء، و أسْكَنَه في بُحْبوحة جِنَانه مع أوليائه أئمّة المسلمين مِن آلِ خير المرسَلين.

  • و قد تحدّث العلّامة الأمينيّ في مقدّمة الكتاب عن ضرورة وجود تأريخ صحيح؛ و اعتبر ذلك باعثاً على تنامي المجتمع و رقيّه. أي: أنّ كلّ سعادة ينالها شعب من الشعوب منبثقة عن البحث و النقد و التدوين و التعديل و الترجيح في التأريخ الصحيح. و ذلك ما يقود الشعبَ نحو الواقع، و يهديه إلى واقع الأمر و الحقيقة. و إذا انحرف التأريخ عن مجراه الصحيح أحياناً، و صوّر المؤرّخون، و الخطباء، و البلغاء، و المحدّثون، و الكتّاب، الحقائق بشكل آخر، و فُتح للناس طريق الخيالات و الأوهام، بحيث لا يتسنّى لهم أن يميّزوا الحقّ من الباطل، فعندئذٍ يسير المجتمع نحو الضياع و الفناء، ذلك أنه أسّس بنيان تأريخه على شفا جُرف هارٍ،

    1. «الغدير» ج 1، ص 14 إلي 158.

معرفة الإمام ج۷

158
  • فلا منتدح له من الانهيار.

  • إنّ اهمّيّة واقعة الغدير في تأريخ الإسلامي، بل في تأريخ البشريّة جمعاء لا مجال للشك فيها أو التردد على الإطلاق لأنَّ كل عاقل لا يشك بأنّ شرف الشيء بشرف غايته، فعليه يجب على كل عاقل لأجل الحصول على أصول الدين و أساس المذهب أنّ يسعى في مواضع التاريخ و أسسه و جذوره، و هذه هي الوسيلة التي تقرب الشعوب و الأمم من بعضها البعض.

  • و لذلك نجد أئمّة التأريخ يتهالكون في ضبط مبادئ الأديان و تعاليمها، و تقييد ما يتبعها من دعايات، و حروب، و حكومات، و ولايات، التي عليها تناسلت الحقب و الأعوام، و مضت القرون الخالية [و يعرّض اولئك المؤرّخون أنفسهم للخطر من وراء ذلك].

  • و إذا أهمل مؤرّخ شيئاً من ذلك، [و لم يسبر غورها كما ينبغي]، فقد أوجد في صحيفته فراغاً لا تسدّه أيّة مهمّة، و جاء فيها بأمر خداج، بتر أوّله، و لا يُعلم مبدؤه. و عسى أن يوجب ذلك جهلًا للقارئ في مصير الأمر و منتهاه.

  • إنّ واقعة «غدير خمّ» هي من أهمّ تلك القضايا [التي وقعت في التأريخ] لما ابنتي عليها و على كثير من الحجج الدامغة، مذهب المقتصّين إثر آل الرسول صلوات الله عليه و عليهم، و هم يعدّون بالملايين، و منهم الحكماء و العلماء و الأمراء، و القادة، و فيهم العلم و السؤدد و الأدب الجمّ، و الفضل الكثير، [و عندهم] كتب قيّمة في كلّ فنّ [من الفنون].

  • [لذلك]، فإن يكن المؤرخ منهم، فمن واجبه أن يفيض على امّته نبأ بدء دعوته. و إن يكن من غيرهم، فلا يعدوه أن يذكرها بسيطة عند ما يسرد

معرفة الإمام ج۷

159
  • تأريخ امّة كبيرة كهذه، أو يشفعها بما يرتأيه حول القضيّة من غميزة في الدلالة، إن كان مزيج نفسه النزول على حكم العاطفة، و ما هنالك من نعرات طائفيّة [التي لا يقوى على التخلّص منها] على حين أنه لا يتسنّى له غمز في سندها، فإنّ ما جاء به النبيّ يوم الغدير من الدعوة إلى مفاد حديثه لم يختلف فيه اثنان، و إن اختلفوا في مؤدّاه لأغراض و شوائب غير خافية على النبيه البصير.

  • المورّخون الذين نقلوا واقعة غدير خمّ

  • و من أئمّة التأريخ الذين ذكروا حديث الغدير:

  • 1- البلاذريّ المتوفّى سنة 279 في «أنساب الأشراف».

  • 2- ابن قُتَيْبَة المتوفّى [سنة] 276 في «المعارف»، و «الإمامة و السياسة».

  • 3- الطبريّ المتوفّى [سنة] 310 في كتاب مفرد.

  • 4- ابن زولاق الليثيّ المصريّ المتوفّى [سنة] 287 في تأليفه.

  • 5- الخطيب البغداديّ المتوفّى [سنة] 463 في تأريخه.

  • 6- ابن عبد البرّ المتوفّى [سنة] 463 في «الاستيعاب».

  • 7- الشهرستانيّ المتوفّى [سنة] 548 في «المِلَل و النحل».

  • 8- ابن عَسَاكر المتوفّى [سنة] 571 في «تأريخ دمشق».

  • 9- ياقوت الحَمَويّ في «معجم الادباء» ج 18 ص 84 من الطبعة الأخيرة.

  • 10- ابن الأثير المتوفّى [سنة] 630 في «اسد الغابة».

  • 11- ابن أبي الحديد المتوفّى [سنة] 656 في «شرح نهج البلاغة».

  • 12- ابن خَلَّكان المتوفّى [سنة] 681 في تأريخه.

  • 13- اليافعيّ المتوفّى [سنة] 768 في «مرآة الجنان».

  • 14- ابن الشيخ البلويّ في «ألف باء».

معرفة الإمام ج۷

160
  • 15- ابن كثير الشاميّ المتوفّى [سنة] 774 في «البداية و النهاية».

  • 16- ابن خَلْدُون المتوفّى [سنة] 808 في مقدّمة تأريخه.

  • 17- شمس الدين الذهَبيّ في «تذكرة الحفّاظ».

  • 18- النُّوَيريّ المتوفّى حدود 833 في «نهاية الإرب».

  • 19- ابن حجر العَسْقَلانيّ المتوفّى [سنة] 852 في «الإصابة» و «تهذيب التهذيب».

  • 20- ابن صَبَّاغ المالكيّ المتوفّى [سنة] 855 في «الفصول المهمّة».

  • 21- المِقْريزيّ المتوفّى [سنة] 845 في «الخِطَط».

  • 22- جلال الدين السيوطيّ المتوفّى [سنة] 910 في كتب كثيرة له.

  • 23- القِرمانيّ الدمشقيّ المتوفّى [سنة] 1019 في «أخبار الدُّوَل».

  • 24- نور الدين الحَلَبيّ المتوفّى [سنة] 1044 في «السيرة الحلبيّة». و غيرهم [من المؤرّخين الآخرين].

  • و هذا الشأن في علم التأريخ لا يقلّ عنه الشأن في فنّ الحديث. فإنّ المحدّث إلى أي شطر ولّى وجهه من فضاء فنّه الواسع [في علم الحديث]، يجد عنده صحاحاً و مسانيد تثبت هذه المأثرة لوليّ أمر الدين عليه السلام؛ و لم يزل الخلف يتلقّاه من سلفه حتّى ينتهي الدور إلى جيل الصحابة الوعاة للخبر؛ و يجد لها مع تعاقب الطبقات بَلَجاً و نوراً يذهب بالأبصار.

  • فإن غفى النظر محدّث عن موضوع بهذه الدرجة من الأهمّية الولائيه، فقد أضاع حقّ الأمّة، و حرصها من الكثير الطيّب ممّا أسدى إليها نبيّها نبيّ الرحمة من برّه الواسع، و هدايته لها إلى الطريقة المثلى.

  • المحدّثون الذين نقلوا واقعة غدير خمّ

  • و ممّن ذكر حديث الغدير من أئمّة الحديث:

  • 1- إمام الشافعيّة أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعيّ المتوفّى سنة 204 كما في نهاية ابن الأثير.

معرفة الإمام ج۷

161
  • 2- إمام الحنابلة أحمد بن حنبل المتوفّى [سنة] 241 في مسنده و مناقبه.

  • 3- ابن مَاجَة المتوفّى [سنة] 273 في سننه.

  • 4- التِّرمذيّ المتوفّى [سنة] 279 في صحيحه.

  • 5- النسائيّ المتوفّى [سنة] 303 في الخصائص.

  • 6- أبو يَعلى الموصِليّ المتوفّى [سنة] 307 في مسنده.

  • 7- البَغويّ المتوفّى [سنة] 317 في سُنَنه.

  • 8- الدولابيّ المتوفّى [سنة] 302 في «الكُنى و الأسماء».

  • 9- الطَحَاوري المتوفّى [سنة] 321 في «مُشكل الآثار».

  • 10- الحاكم المتوفّى [سنة] 405 في «المستدرك».

  • 11- ابن المغازليّ الشافعيّ المتوفّى [سنة] 483. في «المناقب».

  • 12- ابن منده الإصفهانيّ المتوفّى [سنة] 512 بعدّة طرق في تأليفه.

  • 13- الخطيب الخوارزميّ المتوفّى [سنة] 568 في «المَنَاقب» و مقتل الإمام السبط سيّد الشهداء عليه السلام».

  • 14- الكَنجيّ المتوفّى [سنة] 658 في «كفاية الطالب».

  • 15- محبّ الدين الطَبَريّ المتوفّى [سنة] 694 في «الرياض النضرة» و «ذخائر العُقْبَى».

  • 16- الحَمّوئيّ المتوفّى [سنة] 722 في «فرائد السمطين».

  • 17- الهيثميّ المتوفّى [سنة] 807 في «مجمع الزوائد».

  • 18- الذَّهَبيّ المتوفّى [سنة] 748 في «التخليص».

  • 19- الجَزَريّ المتوفّى [سنة] 830 في «أسنى المطالب».

  • 20- القَسْطَلانيّ المتوفّى [923] في «المواهب اللدنيَّة».

  • 21- المتّقي الهنديّ المتوفّى [سنة] 975 في «كنز العمّال».1

  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص161

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

162
  • 22- الهَرَويّ القاريّ المتوفّى [سنة] 1014 في «المرقاة في شرح المشكاة».

  • 23- تاج الدين المَنَاوي المتوفّى [سنة] 1031 في «كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق»؛ و في «فيض القدير».

  • 24- الشيخانيّ القادريّ في كتاب «الصراط السويّ في مناقب آل النبيّ».

  • 25- بَاكَثير المكِّي المتوفّى [سنة] 1047 في «وسيلة الآمال من مناقب الآل».

  • 26- أبو عبد الله الزرقانيّ المالكيّ المتوفّى [سنة] 1122 في «شرح المواهِب».

  • 27- ابن حمزة الدمشقيّ الحنفيّ في كتاب «البيان و التعريف». و غيرهم [من المحدّثين الآخرين].

  • المفسّرون الذين نقلوا واقعة الغدير

  • كما أنّ المفسّر نصب عينيه آيٌ من القرآن الكريم نازلة في هذه المسألة، يرى من واجبه الإفاضة بما جاء في نزولها و تفسيرها. و لا يرضى لنفسه أن يكون علمه مبتوراً، و سعيه مخدجاً. فذكرها من أئمّة التفسير:

  • 1- الطبريّ المتوفّى [سنة] 310 في تفسيره.

  • 2- الثعلبيّ المتوفّى [سنة] 427/ 437 في تفسيره.

  • 3- الواحديّ المتوفّى [سنة] 468 في «أسباب النُّزول».

  • 4- القرطبيّ المتوفّى [سنة] 567 في تفسيره.

  • 5- أبو السُّعود في تفسيره.

  • 6- الفخر الرازيّ المتوفّى [سنة] 606 في تفسيره الكبير.

  • 7- ابن كثير الشاميّ المتوفّى [سنة] 774 في تفسيره.

  • 8- النيسابوريّ المتوفّى في القرن الثامن في تفسيره.

معرفة الإمام ج۷

163
  • 9- جلال الدين السيُوطيّ في تفسيره.

  • 10- الخطيب الشَّرَبيني في تفسيره.

  • 11- الآلوسيّ البغداديّ المتوفّى [سنة] 1270 في تفسيره، و غيرهم [من المفسّرين].

  • المتكلّمون و اللغويّون الذين نقلوا حديث الغدير

  • و المتكّلم حين يقيم البراهين في كلّ مسألة من مسائل علم الكلام، إذا انتهى به السير إلى مسألة الإمامة، فلا مُنتدح له من التعرّض لحديث الغدير، حجّة على المدّعى، أو نقلًا لحجّة الخصم، و إن أردفه بالمناقشة في الحساب عند الدلالة. مثل:

  • 1- القاضي أبو بكر الباقلّانيّ البصريّ المتوفّى سنة 403 في كتاب «التمهيد».

  • 2- القاضي عبد الرحمن الإيجيّ الشافعيّ المتوفّى [سنة] 756 في «المواقف».

  • 3- السيّد الشريف الجُرجانيّ المتوفّى [سنة] 816 في «شرح المواقف».

  • 4- البيضاويّ المتوفّى [سنة] 685 في «طوالع الأنوار».

  • 5- شمس الدين الإصفهانيّ في «مطالع الأنظار».

  • 6- التفتازانيّ المتوفّى سنة [792] في «شرح المقاصد».

  • 7- القوشجيّ المولى علاء الدين المتوفّى [سنة] 879 في «شرح التجريد».

  • و العبارة التي أتى بها هؤلاء المتكلّمون جميعهم هي: «أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله قد جمع الناس يوم غدير خمّ موضع بين مكّة و المدينة بالجحفة؛ و ذلك بعد رجوعه من حجّة الوداع، و كان يوماً صائفاً حتّى أنّ الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ؛ و جمع الرحال،

معرفة الإمام ج۷

164
  • و صعد عليها، و قال مخاطباً [الناس]:

  • مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ! أ لَسْتُ أولَى بِكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ؟! قَالُوا: اللهُمَّ بَلَى! قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذلَهُ.

  • لم ينقل المتكلّمون هذه الكلمات من مصدر ما، بل ذكروها إرسال المسلّم.

  • و من المتكلّمين: القاضي المنجّم محمّد الشافعيّ المتوفّى [سنة] 876 في «بديع المعاني»، و جلال الدين السيوطيّ في أربعينه؛ و مفتي الشام حامد بن عليّ العماديّ في «الصلاة الفاخرة بالأحاديث المتواترة»؛ و الآلوسيّ البغداديّ المتوفّى [سنة] 1324 في «نَثْر اللئالئ». و غيرهم [من المتكلّمين].

  • و اللغويّ لا يجد مُنتدحاً من الإيعاز إلى حديث الغدير عند إفاضة القول في معنى المَوْلَى، أو الخُمّ، أو الغدير، أو الوليّ، كابن دُرَيد محمّد بن الحسن المتوفّى [سنة] 321 في جمهرته ج 1 ص 71؛1 و ابن الأثير في «النهاية» و الحَمَويّ في «معجم البلدان» في خُمّ، و الزَّبِيديّ الحنفيّ في «تاج العروس»، و النَّبهانيّ في «المجموعة النَّبهانيّة».2

  • و جاء في «غاية المرام» تحت عنوان: نصّ رسول الله صلّى الله عليه

    1. قال: غدير خمّ معروف، و هو الموضع الذي قام فيه رسول الله صلّى الله عليه و آله خطيباً بفضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كذا في المطبوع من« الجمهرة». و قد حكى عنه ابن شهرآشوب في العصور المتقدّمة من النسخ المخطوطة من« الجمهرة» ما نصّه: هو الموضوع الذي نصّ النبيّ فيه على[ ولاية] عليّ عليه السلام. و قد حرّفته يد المطبعة المؤتمنة.
    2. «الغدير» ج 1، ص 5 إلى 8.

معرفة الإمام ج۷

165
  • و آله على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في غدير خمّ بالولاية المقتضية للإمارة و الإمامة في قوله صلّى الله عليه و آله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ من طريق العامّة تسعة و ثمانون حديثاً، و من طريق الخاصّة ثلاثة و أربعون حديثاً. و فيما يلي عدد من الأحاديث عن الفريقين:

  • قال أحمد بن حنبل: حدّثنا ابن نُمَيْر، قال: حدّثنا عبد الملك بن عطيّة العوفيّ، قال: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّ خالى حدّثني عنك بحديث في شأن عليّ يوم غدير خُمّ؛ فأنا احبّ أن أسمعه منك!

  • فقال [زيد]: معشر أهل العراق، فيكم ما فيكم؛ فقلت: ليس عليك منّي بأس! قال: نعم! كنّا بالجحفة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه و آله ظهراً و هو آخذ بِيَدِ عليّ عليه السلام فقال: أيّها الناس! أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: بلى. قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • قال: فقلت: هل قال رسول الله: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَن عَادَاهُ؟ قال زيد: إنَّما اخبرك ما سَمِعْتُ!1

  • قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال حدّثنا حمّاد، عن عليّ بن زيد، عن عديّ بن ثابت، عن البرّ، و هو ابن عازب، قال: أقبلنا مع النبيّ صلّى الله عليه و آله في حجّة الوداع حتّى كنّا بغدير خمّ، فنودي فينا إلى الصلاة جامعة. و كُسِحَ لرسول الله بين شجرتين. فأخذ [رسول الله] بِيَدِ عليّ و قال: أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِم؟ قالوا: بَلى يَا رَسُولَ الله.

  • قال: أ لَسْتُ أوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ قالوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ!

  • قال: هَذَا مَوْلَى مَنْ أنَا مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

    1. «غاية المرام» ص 79 الباب السادس عشر، الحديث الثامن، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۷

166
  • فلقيه عمر، فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ و أمسيتَ مَولى كلّ مؤمن و مؤمنة.1

  • قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا عبد الله بن الصَقْر سنة 299، قال: حدّثنا يعقوب بن حمدان بن كاسب، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، و ربيعة الخدسيّ أنه ذكر عليّ [بن أبي طالب] عند رجل، و عنده سَعْد بن أبي وقّاص؛ فقال له سعد: أتذكّر ذكراً أنّ له مناقب أربعاً، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من كذا و كذا، و ذكر حمر النعم، و قوله [أي رسول الله]: لُاعْطينَّ الرَّاية، و قوله: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، و قوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • و نسي سفيان واحدة.2

  • من «صحاح مسلم» أيضاً قال: حدّثنا ابن بكّار بن الريّان، [قال]: حدّثنا حسّان يعني ابن إبراهيم، عن سعيد و هو ابن مسروق، عن يزيد بن حَيّان عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه؛ فقلنا له: لقد صاحبت رسول الله صلّى الله عليه و آله! و صلّيت خلفه! و لقيت خيراً كثيراً، حدّثنا ما سمعت من رسول الله!

  • قال زيد: يا بن أخي! و الله لقد كبرت سنّي و قدم عهدي؛ و نسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله؛ فما حدّثتكم، فاقبلوه! و ما لا، فلا تكلّفونيه! ثمّ قال: قام رسول الله صلّى الله عليه و آله يوماً فينا خطيباً بما يدعى خُمّاً بين مكّة و المدينة؛ فحمد الله و أثنى عليه، و وعظ و ذكّر، ثمّ [قال]: أمّا بَعْدُ؛

    1. نفسه ص 80، الحديث الحادي عشر.
    2. «غاية المرام» ص 80، الحديث السادس عشر، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۷

167
  • أيُّها النَّاسُ! إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشَكُ أنْ يَأتِينَي رَسُولُ رَبِّي فَاجيبَ؛ ألَا وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ؛ وَ هُوَ حَبْلُ اللهِ؛ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ على الهُدَى، وَ مَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلَالَةٍ؛ فِيهِ الهُدَى وَ النُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ وَ اسْتَمْسِكُوا بِهِ. فَحَثَّ على كِتَابِ اللهِ وَ رَغَّبَ فِيهِ؛ ثُمَّ قَالَ: وَ أهْلُ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! قَالَ: فَقُلْنَا: وَ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ نِسَاؤُهُ؟!

  • قَالَ: لَا! أيْمُ اللهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ ثُمَّ الدَّهْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إلَى أهْلِهَا وَ قَوْمِهَا. أهْلُ بَيْتِهِ أهْلُهُ وَ عَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.1

  • و من «مناقب ابن المغازليّ» أبي الحسن عليّ بن المغازليّ الواسطيّ الشافعيّ بسنده عن زيد بن أرقم، ذكر قضيّة الغدير و نقل أنّ رسول الله قال بعد حمد الله و الثناء عليه: أمَّا بَعْدُ؛ أيُّهَا النَّاسُ! فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيّ مِنَ العُمْرِ إلَّا نِصْفُ مَا عُمِّرَ مَنْ قَبْلَهُ؛ وَ إنَّ عيسى ابْنَ مَرْيَمَ لَبِثَ في قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وَ إنِّي قَدْ اشْرِعْتُ2 في العِشْرِينَ،3 ألَا وَ إنِّي يُوشَكُ أن افَارِقَكُمْ وَ إنِّي

    1. «غاية المرام»، ص 80، الحديث التاسع عشر، عطفاً على الحديث السابع عشر، الطبعة الحجريّة.
    2. جاء في« المناقب»: قَدْ أشْرَعْتُ بالسين المهملة.
    3. لا شكّ أنّ رسول الله عمّر ثلاثاً و ستّين سنة. و عند ما يقول هنا: و إنّي قد أشرعت في العشرين، فإنّه يريد عمر النبوّة، و قد بلغت ثلاثاً و عشرين سنة منذ بدئها. و إذا ما طرحنا الأعوام الثلاثة الاوَل حيث كانت الدعوة سرّيّة، و كانت الآية: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بعد، فالباقي عشرون سنة كانت فيها الدعوة النبويّة جهراً. و هذه المدّة تساوي نصف عمر عيسى ابن مريم إذ كان نبيّاً طيلة أربعين سنة تامّة، حيث جعل نبيّاً منذ طفولته: قال: إنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِي الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أيْنَمَا كُنتُ وَ أوصَانِي بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا.

معرفة الإمام ج۷

168
  • مَسْؤُولٌ وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ. و بعد حثّ الناس و ترغيبهم في التمسّك بالثَّقَلَين، قال: فَإنِّي قَدْ سَألْتُ لَهُمَا اللَّطِيفَ الخَبيرَ فَأعْطَانِي؛ نَاصِرُهُمَا لي نَاصِرٌ؛ وَ خَاذِلُهُمَا لي خَاذِلٌ؛ وَ وَلِيُّهُمَا لي وَلِيّ؛ وَ عَدُوُّهُمَا لي عَدُوٌّ؛ ألَا فَإنَّهَا لَمْ تَهْلِكْ امَّةٌ قَبْلَكُمْ حتّى تَدِينَ بَأهْوَائِهَا، وَ تَظَاهَرَ على نُبُوَّتِهَا، وَ تَقْتُلَ مَنْ قَامَ بِالقِسْطِ مِنْهَا. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ ابْنِ أبي طَالِبٍ فَرَفَعَهَا وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ،1 قَالَهَا ثَلَاثاً- آخِرُ الخُطْبَةِ.2

  • و في «مناقب ابن المغازليّ» أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله لمّا نزل بخمّ، فتنحّى الناس عنه، و نزل معه عليّ بن أبي طالب، فشقّ على النبيّ تأخّر الناس، فأمر عليّاً فجمعهم؛ فلمّا اجتمعوا، قام فيها و هو متكئ يد عليّ بن أبي طالب، فحمد الله و أثنى عليه، ثمّ قال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّهُ قَدْ كَرِهْتُ تَخَلُّفَكُمْ عَنِّي حتّى خُيِّلَ إلَيّ أنهُ لَيْسَ شَجَرَةٌ أبْغَضَ إلَيْكُمْ مِنْ شَجَرَةٍ تَلِينِي؛ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ أنْزَلَهُ اللهُ مِنِّي بِمَنْزِلَتِي مِنْهُ؛ فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمَا أنَا عَنْهُ رَاضٍ، فَإنَّهُ لَا يَخْتَارُ على قُرْبِى وَ مَحَبَّتي شَيئاً. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

    1. «غاية المرام» ص 81 و 82، الحديث السابع و العشرون؛ و« مناقب ابن المغازليّ»، ص 16 إلي 18، الحديث رقم 23؛ و في« غاية المرام» أيضاً، ص 88، الحديث 79 في حديث ينقله عن عليّ بن أحمد المالكيّ، يذكر فيه إشارة رسول الله إلي أنّ عُمْرَ كلُّ نبيّ نصف عمر النبيّ الذي خلا من قبله.
    2. و في« غاية المرام» أيضاً، ص 89، الحديث الثامن و الثمانون عن ابن المغازليّ، ذكر حديثاً بهذا المضمون أنّ رسول الله قال: لم يكن لنبيّ من العمر إلّا نصف ما عمّر مَن قبله. و إنّ عيسي ابن مريم عمّر أربعين سنة، و إنّي قد اشرعتُ في العشرين.

معرفة الإمام ج۷

169
  • قَالَ: فَابْتَدَرَ النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ وَ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تَنَحَّيْنَا عَنْكَ إلَّا كَرَاهِيَةَ أنْ نَثْقُلَ عَلَيْكَ! فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَ سَخَطِ رَسُولِ اللهِ. فَرَضِيَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.1

  • اعتراف أبي هريرة بحديث الغدير عند معاوية

  • و قال موفّق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم بإسناده: قال الأصْبَغُ بنُ نُبَاتَة: «دخلتُ على مُعَاوِيَة و هو جالس على نطع من الادم، متّكئاً على و سادتين خضراوتين، و عن يمينه: عَمْرُو بنُ العَاص، و حَوْشَب، و ذُو الكَلَاعِ، و عن شماله: أخوه عُتْبَة، و ابنُ عَامِر بنُ كريز، و الوَلِيدُ بنُ عُتْبَة، و عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ خَالِد، و شَرْحَبِيلُ بنُ السِّمْط؛ و بين يديه: أبُو هُرَيْرَة، و أبُو الدَّرْدَاء، و النُّعْمَانُ بنُ بَشِير، و امَامَة البَاهِلِيّ.

  • فلمّا قرأ الكتاب [أي كتاب أمير المؤمنين عليه السلام]، قال: إنّ عليّاً لا يدفع إلينا قتلة عثمان. فقلت له: يا معاوية! تعتلّ بدم عثمان! فإنّك تطلب الملك و السلطان! و لو كنتَ أردت نصره حيّاً لنصرته! و لكنّك تربّصت به لتجعل ذلك سبباً إلى وصولك إلى الملك!

  • فغضب [معاوية من هذا الكلام]؛ فأردتُ أن يزيد غضبه، فقلتُ لأبيّ هريرة: يا صاحب رسول الله! إنّي احلّفك بالله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب و الشهادة، و بحقّ حبيبه المصطفى عليه و آله السلام، أ لا أخبرتني! أ شهدتَ غدير خُمّ؟ قال [أبو هريرة]: بلى شهِدتُه! قلتُ: فما سمعته [يقول] في عليّ؟!

  • قال: سمته يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ،

    1. «غاية المرام» ص 82، الحديث الثلاثون؛ الطبعة الحجريّة و« مناقب ابن المغازليّ»، ص 25 و 26، الحديث السابع و الثلاثون.

معرفة الإمام ج۷

170
  • وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.

  • قلتُ: فإذاً أنت واليتَ عدوّه! و عاديتَ وليّه! فتنفّس أبو هريرة الصعداء و قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.1

  • و روى السمعانيّ بإسناده عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل لعمر: إنَّكَ تَصْنَعُ بِعَلِيّ مَا لَا تَصْنَعُهُ بِأحَدٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ! قَالَ: لأنهُ مَوْلَايَ!2

  • قال إبراهيم بن محمّد الحمُّوئيّ، [و هو] من أعيان علماء العامّة: قال أخبرني الشيخ مجد الدين عبد الله بن محمود بن مودود الحنفيّ، بقراءتي عليه، ببغداد ثالث رجب سنة اثنتين و سبعين و ستمائةٍ، قال الشيخ أبو بكر المسمار بن عمر بن العويس البغداديّ سماعاً عليه، قال: أنبأنا أبو الفتح محمّد بن عبد الباقيّ المعروف بابن البطّيّ سماعاً عليه. و أخبرنا الإمام الفقيه كمال الدين أبو غالب هبة الله بن أبي القاسم بن أبي غالب السامريّ بقراءتي عليه بمسجد القصر ببغداد ليلة الأحد السابع و العشرين من شهر رمضان سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، قال: أنبأنا الشيخ محاسن بن عُمَر بن رضوان الحَرائنيّ سماعاً عليه في الحادي و العشرين من المحرّم سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، قال: أنبأنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر بن الزعفرانيّ سماعاً عليه في السادس عشر من شهر رجب من سنة خمسين و خمسمائة، قال: أنبأنا أبو عبد الله مالك بن أحمد بن عليّ بن إبراهيم الفرّاء البانياسيّ سماعاً عليه، قال ابن الرغونيّ في شهر شعبان سنة ثلاث

    1. «غاية المرام» ص 86، الحديث التاسع و الأربعون؛ الطبعة الحجريّة؛ و« مناقب الخوارزميّ» طبعة النجف، ص 134 و 135، و في الطبعة الحجريّة ص 130.
    2. «غاية المرام» ص 84، الحديث السادس و الخمسون.

معرفة الإمام ج۷

171
  • و ستّين و أربعمائة، قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن موسى بن قاسم بن الصَّلْت قراءةً عليه، و أنا أسمع في رجب ثالث عشر من سنة خمس و أربعمائة، قال: أنبأنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشميّ المكنّى بأبي إسحاق، قال: أنبأنا أبو سعيد الأشجّ، قال: أنبأنا المُطَّلِب بن زياد، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، قال:

  • كنت عند جابر بن عبد الله في بيته، و عليّ بن الحسين عليه السلام و محمّد بن الحنفيّة، و أبو جعفر [الباقر] عليه السلام [عنده]. فدخل رجل من أهل العراق، فقال: أنشدك الله إلّا حدّثتني بما رأيت و ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه و آله!

  • فقال [جابر]: كنّا بالجحفة بغدير خمّ، و ثَمَّ ناس كثير من جُهَيْنَة، وَ مُزَيْنَةَ، و غِفَار؛ فخرج علينا رسول الله صلّى الله عليه و آله من خِبَاء أو فُسْطَاط،1 فأشار بِيَدِه ثلاثاً، ثمّ أخذ بيد عليّ صلوات الله عليه و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.2

  • رسالة عمرو بن العاص إلى معاوية تضمّ حديث الغدير

  • و يقول موفّق بن أحمد [الخوارزميّ] في حديث مكاتبة معاوية لعمرو بن العاص أن يستفزّه في محاربة عليّ عليه السلام فأبى عليه عمرو بن العاص؛ فأجاب معاوية في جواب مكاتبته، فقال عمرو و هو [يعدّ] فضائل أمير المؤمنين عليه السلام [واحدة بعد الاخرى]: وَ قَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: هُوَ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ؛ وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ

    1. الخباء: خيمة يصنعونها من الصوف أو الوبر أو الشعر، و يسكنون فيها. و جمعه: أخْبِيَة. و الفُسطَاط، و الفُسَّاط، و الفِسْطَاط: خيمة يصنعونها من الشعر. و جمعه: فَسَاطيط.
    2. «غاية المرام» ص 85، الحديث الحادي و الستّون؛ و« فرائد السمطين» ج 1، ص 62 و 63، الحديث 29.

معرفة الإمام ج۷

172
  • مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؛ وَ قَدْ قَالَ فِيهِ يَومَ غَديرِ خُمٍّ: ألَا وَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. إلى آخر الكتاب، و هو كتاب مفصّل.1

  • و ينقل [إبراهيم بن محمّد] الحمُّوئيّ بسنده، عن زيد بن عمر بن مورّق، قال: كنت بالشام، و عمر بن عبد العزيز يعطي الناس، فتقدّمت إليه. فقال: ممّن أنتَ؟

  • فقال، قلتُ: من قريش! قال: من أيّ قريش أنت؟! قلت: من بني هاشم! قال: من أي بني هاشم؟! فسكتُ! فوضع يده على صدره و قال: أنا و الله مولى عليّ بن أبي طالب!

  • ثمّ قال: حدّثني عدّة أنهم سمعوا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. ثمّ قال [لخازنه]: يا مُزَاحم! كم تعطي أمثاله؟! قال [مُزاحم]: مائة أو مائتي درهم!

  • قال [عمر بن عبد العزيز]: أعطه خمسين ديناراً؛ لولاية عليّ بن أبي طالب، ثمّ قال: إلحق ببلدك فسيأتيك مثل ما يأتي نظراءك.2

  • و روى الحمُّوئيّ بسنده أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله دعا الناس إلى عليّ عليه السلام في غدير خمّ، و أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقُمّ، و ذلك يوم الخميس.3 فدعا عليه السلام عليّاً

    1. «غاية المرام» ص 84، الحديث الثامن و الأربعون؛ و« مناقب الخوارزميّ» طبعة النجف، ص 130، و الطبعة الحجريّة ص 126.
    2. «غاية المرام» ص 86، الحديث الرابع و الستّون؛ و« فرائد السمطين» ج 1 ص 66، الحديث رقم 32. و جاء في« الفرائد» أنّ عمر بن عبد العزيز بعد أن سأله: من أي بني هاشم؟ قال: مَوْلَى عَلِيّ! قال: مَوْلَى عَلِيّ؟ فسكتُ.
    3. ينبغي أن نعلم أننا وفقاً لما ذكرناه عن تحرّك رسول الله إلى مكّة في حجّة الوداع، فإنّ أوّل ذي الحجّة كان يوم الخميس، و عرفة كان يوم الجمعة، لذلك فإنّ يوم الغدير، و هو الثامن عشر من ذي الحجّة كان يصادف يوم الأحد. لكنّ بعض التواريخ و الروايات نقلت أنه كان في يوم الخميس.

معرفة الإمام ج۷

173
  • عليه السلام، فأخذ بضبعيه فرفعهما حتّى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله؛ ثمّ لم يفترقوا حتّى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.1 فقال رسول الله: اللهُ أكْبَرُ على إكْمَالِ الدِّينِ وَ إتْمَامِ النِّعْمَةِ و رِضَا الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَ الوَلَايَةِ لِعَلِيّ مِنْ بَعْدِي.

  • و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. فقال حسّان بن ثابت: إئْذن لي يا رسول الله، فأقول في عليّ أبياتاً تسمعها! فقال: قل على بركة الله!

  • أشعار حسّان بن ثابت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم

  • فقام حسّان، فقال: يا معشر مشيخة قريش! اسمعوا قولي شهادة من رسول الله في الولاية الثابتة لعليّ! ثمّ أنشد هذه الأبيات:

  • يُنَادِيهُمُ يَوْمَ الغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ***بِخُمٍّ وَ أسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنَادِيَا

  • يَقُولُ: فَمَنْ مَوْلَاكُمُ وَ وَلِيُّكُمْ؟***فَقَالُوا وَ لَمْ يُبْدُوا هُنَاكَ التَّعامِيَا 2

  • إلَهُكَ مَوْلَانَا و أنْتَ وَلِيُّنَا***و لَنْ تَجِدَنْ مِنَّا لَكَ اليَوْمَ عَاصِيَا

  • هُنَاكَ دَعَا: اللهُمَّ وَالِ وَلِيَّهُ***وَ كُنْ لِلَّذِي عَادَي عَلِيَّاً مُعَادِيَا

  • فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيّ فَإنَّنِي***رَضِيتُكَ مِنْ بَعْدِي إمَاماً و هَادِيا 3

  • علماً أنّ الأعلام و العلماء في الحديث و التأريخ أجمعوا على شعر

    1. الآية 3، من السورة 5: المائدة.
    2. جاء في بعض النسخ: تَعَارِيا، و لكن الأظهر: تعاميا.
    3. «غاية المرام» ص 87، الحديث الثاني و السبعون؛ و« فرائد السِّمطين»، ج 1، ص 74 و 75.

معرفة الإمام ج۷

174
  • حسّان بن ثابت؛ و هذه الأبيات نفسها مستمسك حيّ على الولاية في يوم الغدير؛ و تعتبر من الوثائق التأريخيّة الهامّة للغدير، إذ انشدت بين يدي رسول الله، و وسِعت مُفاد حديث الولاية في يوم الغدير.

  • كان حسّان شاعر النبيّ، و تبوّأ في الشعر مقاماً منيعاً. و نقل المؤرّخون مدائحة في رسول الله و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام في كتبهم خلال مناسبات مختلفة. و الذين ذكروا شعره في الغدير يختلفون في عدد الأبيات، فمنهم من قال: ثلاثة، و منهم: أربعة، و منهم: خمسة، و الأغلب: ستّة، و ثمّة من قال: عشرة، و هناك من قال: أكثر من ذلك؛ و فيما يلي هذه الأبيات نقلًا عن كتاب «الغدير»، تعقبها أسماء الكبار من العامّة و الشيعة الذين ذكروا تلك الغديريّة في كتبهم:

  • يُنَادِيهُمُ يَوْمَ الغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ***بِخُمٍّ وَ أسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنَادِيَا

  • فَقَالَ: فَمَنْ مَوْلَاكُمُ و نَبِيُّكُمْ؟***فَقَالُوا و لَمْ يُبْدُوا هُنَاكَ التَّعَامِيَا

  • إلَهُكَ مَوْلَانَا و أنْتَ نَبِيُّنَا***و لَمْ تَلْقَ مِنَّا في الوَلَايَةِ عَاصِيَا

  • فَقَال لَهُ: قُمْ يَا عَلِيّ فَإنَّني***رَضِيتُكَ مِنْ بَعْدِي إمَاماً و هَادِيَا

  • فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ***فَكُونُوا لَهُ أتْبَاعَ صِدْقٍ مُوَالِيَا

  • هُنَاكَ دَعَا اللهُمَّ: وَالِ وَلِيَّهُ***وَ كُنْ لِلَّذِي عَادَي عَلِيَّاً مُعَادِيَا

  • العلماء الذين ذكروا شعر حسّان بن ثابت في غدير خمّ

  • و من مشاهير علماء العامّة الذين ذكروا أبيات حسّان في كتبهم:

  • 1- الحافظ أبو عبد الله المَرْزَبانيّ محمّد بن عمران الخراسانيّ المتوفّى [في سنة] 378 في [كتاب] «مِرْقاة الشعر».

  • 2- الحافظ [أبو سعيد] الخركويّش المتوفّى [في سنة] 406 في كتابه «شرف المصطفى».

  • 3- الحافظ ابن مردويه الإصفهانيّ المتوفّى [في سنة] 410 أخرجه في كتابه.

معرفة الإمام ج۷

175
  • 4- الحافظ أبو نُعَيْم الإصفهانيّ المتوفّى [في سنة] 430 في كتابه: «مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في عَلِيّ».

  • 5- الحافظ أبو سعيد السِّجسْتَانيّ المتوفّى [في سنة] 447 في كتاب «الوَلَايَة».

  • 6- أخطب الخطباء، الخوارزميّ المتوفّى [في سنة] 568 في كتاب «المناقب»، و كتاب «مقتل الإمام السّبط الشَّهيد».

  • 7- الحافظ أبو الفتح النطنزيّ في كتاب «خصائص العلويّة على سائر البريّة».

  • 8- أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ المتوفّى [في سنة] 654 في كتاب «تذكرة خواصّ الامَّة».

  • 9- صدر الحُفَّاظ الكَنْجيّ الشافعيّ المتوفّى [في] 658، في كتاب «كِفاية الطَّالِب».

  • 10- شيخ الإسلام صدر الدين الحَمُّوئيّ المتوفّى [في] 722 في كتاب «فَرائد السِّمطَين».

  • 11- الحافظ جمال الدِّين محمّد بن يوسف الزَّرَنديّ المتوفّى بضع و 750، في «نظم دُرَر السِّمْطَين».

  • 12- الحافظ جلال الدين السيوطيّ المتوفّى [في سنة] 911 في كتاب «الازْدِهَارُ فِيمَا عَقَدَهُ الشُّعَرَاءُ مِنَ الأشعَار».

  • و من مشاهير علماء الشيعه الذين ذكروا أبيات حسّان:

  • 1- أبو عبد الله المُفَجِّع محمّد بن أحمد المتوفّى [في] 227.

  • 2- أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم بن يزيد الطبريّ في «المُسْتَرْشِد».

  • 3- أبو جعفر الصدوق، محمّد بن بَابَوَيْه المتوفّى [في] 381 في كتاب

معرفة الإمام ج۷

176
  • «الأمالى».

  • 4- الشريف الرضيّ المتوفّى [سنة] 406.

  • 5- مُعَلِّم الامَّة شيخنا المفيد المتوفّى [سنة] 413 في كتاب «الْفُصُولُ المُخْتَارَة»، و كذلك في رسالته في معنى المَوْلى، و ذكره أيضاً في كتابه الآخر: «النُّصْرَةُ لِسَيِّدِ العِتْرَةِ في حَرْبِ البَصَرَةِ»؛ و في كتاب «الإرشاد» أيضاً.

  • 6- الشريف المرتضى عَلَم الهُدَى المتوفّى [سنة] 436 في شرح بائيّة السيّد الحِمْيَرِيّ.

  • 7- أبو الفتح الكَراجُكيّ المتوفّى [سنة] 449 في «كَنْزُ الْفَوَائِد».

  • 8- الشيخ عبيد الله بن عبد الله السَّدآباديّ في [كتاب] «المُقْنِع» في الإمامة.

  • 9- شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسيّ المتوفّى [سنة] 460 في كتاب «تَلْخيص الشَّافِي».

  • 10- المفسّر الكبير الشيخ أبو الفتوح الخزاعيّ الرازيّ المتوفّى [سنة] 558 في تفسيره.

  • 11- الشيخ الفتّال في «روضة الواعظين».

  • 12- أبو عليّ الفضل بن الحسن الطَّبْرَسيّ في «إعلامُ الوَرَى».

  • 13- ابن شهرآشوب السَّرَويّ المازندرانيّ المتوفّى [سنة] 588 في «المناقب».

  • 14- أبو زكريّا يحيى بن الحسن الحِلِّي الشهير بابن بِطْريق في كتاب «الخصائص».

  • 15- السيّد هبة الدين في كتاب «الْمَجْمُوع الرَّائق».

  • 16- رضيّ الدين عليّ بن طاووس المتوفّى [سنة] 664 في

معرفة الإمام ج۷

177
  • «الطرائف».

  • 17- بهاء الدين أبو الحسن الإربليّ المتوفّى سنة 692 أو 693 في «كشف الغمّة».

  • 18- عماد الدين الحسن الطَّبَريّ في [كتاب] «كامل بهائي».

  • 19- الشيخ يوسف بن أبي حاتم الشاميّ في موضعين من كتابه «الدرُّ النَّظيم».

  • 20- الشيخ عليّ البياضيّ العامليّ [المتوفّى سنة 877] في كتاب «الصِّراط المُسْتَقِيم».

  • 21- القاضيّ نور الله المَرعيّش الشوشتريّ الشهيد المتوفّى سنة 1091 في «مجالس المؤمنين».

  • 22- المولى محسن الفيض الكاشانيّ المتوفّى سنة 1091 في [كتاب] علم اليقين.

  • 23- الشيخ إبراهيم القَطيفيّ في [كتاب] «الفِرْقَة النَّاجِيَة».

  • 24- السيّد هاشم البحرانيّ المتوفّى [سنة] 1107 في «غاية المرام».

  • 25- العلّامة المجلسيّ المتوفّى [سنة] 1111 في «بحار الأنوار».

  • 26- شيخنا البَحْرانيّ صاحب «الحدائق» المتوفّى 1186 في كتابه: «الكشكول». و هناك جمع آخرون من العلماء رووا هذا الحديث من شعر حَسَّان.1 و لمّا كان بحثنا يحوم حول سند حديث الغدير و الولاية، لهذا ذكرنا أسماء هؤلاء الأعلام و كتبهم.

  • و روى الحَمُّوئيّ أيضاً بسنده عن الأصبَغ [بن نُباتة] قَالَ: سُئِلَ سَلْمَانُ الفَارْسِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ وَ فَاطِمَةَ صَلَوَاتُ اللهِ

    1. «الغدير» ج 2، ص 34 إلي 39.

معرفة الإمام ج۷

178
  • عَلَيْهِمَا وَ آلِهِمَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ؛ فَإنَّهُ مَوْلَاكُمْ فَأحِبُّوهُ! وَ كَبِيرُكُمْ فَاتَّبِعُوهُ! وَ عَالِمُكُمْ فَأكْرِمُوهُ! وَ قائِدُكُمْ إلى الجَنَّةِ فَعَزِّرُوهُ! فَإذَا دَعَاكُمْ فَأجِيبُوهُ! وَ إذَا أمَركُمْ فَأطِيعُوهُ! أحِبُّوهُ بِحُبِّي! وَ أكْرِمُوهُ بِكَرَامَتِي! مَا قُلْتُ لَكُمْ في عَلِيّ إلَّا مَا أمَرَنِي بِهِ رَبِّي جَلَّتْ عَظَمَتُهُ.1

  • و روى ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن سفيان الثوريّ، عن عبد الرحمن بن قاسم، عن عمرو بن عَبْدِ الغَفَّارِ أنّ أبا هُرَيْرةَ لمّا قدم الكوفة مع معاوية؛ و كان يجلس بالعشيّات بباب كِنْدَه، و يجلس الناس إليه، فجاء شابٌّ من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هُرَيْرَةَ انشدك الله، هل سمعت رسول الله يقول في عليّ بن أبي طالب: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ؟!

  • قال أبو هُرَيْرَة: اللهُمَّ نَعَمْ! فقال الشابّ: فَأشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ وَالَيْتَ عَدُوَّهُ، وَ عَادَيْتَ وَلِيَّهُ، ثُمَّ قَامَ عَنْهُ.2

  • استدلال أهل صفّين على أحقّيّة أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عمّار بن ياسر

  • و ذكر ابن أبي الحديد في شرحه أيضاً أنّ ابن نوح قال: وا عَجَبَا مِنْ قَوْمٍ- يَعْنِي مِنْ أصْحَابِ صِفِّينٍ- يَعْتَرِيهِمُ الشَّكُّ في أمْرِهِمْ في مَكَانِ عَمَّارٍ؛ وَ لَا يَعْتَرِيهِمُ الشَّكُّ في مَكَانِ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ وَ يَسْتَدِلُّونَ على أنَّ الحَقَّ مَع أهْلِ العِرَاقِ يَكُونُ عَمَّارٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ؛ وَ لَا يَعْنُونَ بِمَكَانِ عَلِيّ؛ وَ يَحْذَرُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ؛ وَ يَرْتَاعُونَ لِذَلِكَ؛ وَ لَا يَرتَاعُونَ لِقَوْلِهِ في عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ؛ وَ لا لِقَوْلِهِ: لَا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَ لَا يُبْغِضُكَ إلَّا

    1. «غاية المرام» ص 88، الحديث السابع و السبعون.
    2. «غاية المرام» ص 89، الحديث الثالث و الثمانون.

معرفة الإمام ج۷

179
  • مُنَافِقٌ.1

  • و نقل ابن أبي الحديد في شرحه أيضاً أنّ عمّار بن يَاسِر كان يتحدّث مع عَمرو بن العاص في يوم صِفِّين.

  • قال له عمّار [بن يَاسِر]: ساخْبِرك على ما اقاتلك عليه و أصحابك. إنّ رسول الله أمرني أن اقاتل الناكثين، و قد فعلتُ. و أمرني أن اقاتل القاسطين، و أنتم هم! و أمّا المَارِقُون، فلا أدري أدركهم أم لا؟!

  • أيُّهَا الأبْتَرُ! أ لَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ؟ وَ أنَا مَوْلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ؛ وَ عَلِيّ مَوْلَايَ بَعْدَهُمَا.2

  • إنّ العلّامة الكبير و المُحَدِّث العظيم: السيّد هاشم البَحْرانيّ، و هو من علماء الإسلام و مدرسة التشيّع، و من الشخصيّات القيّمة. و هو صاحب «تفسير البرهان»، و «مدينة المعاجز» و «غاية المرام»، و كتب اخرى؛ يقول في «غاية المرام» بعد نقله تسعة و ثمانين حديثاً عن العامّة ذكرنا عدداً قليلا منها هنا: خبر غدير خمّ قد بلغ حدّ التواتر من طريق العامّة و الخاصّة، حتّى أنّ محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التأريخ أخرجه و طرقه من خمسة و سبعين طريقاً، و أفرد له كتاباً سمّاه: كتاب «الوَلايَة»؛ و هذا الرجل عامّيّ المذهب.

  • و أفرد له أبو العبّاس محمّد بن سعيد بن عُقدَة كتاباً؛ و استخرج طرق حديث الغدير من مائة و خمسة طرق؛ و هذا قد تجاوز حدّ التواتر؛ فلا يوجد خبر قطّ نقل من طرق بقدر هذه الطرق. فيجب أن يكون أصلًا

    1. «غاية المرام» ص 89، الحديث الخامس و الثمانون.
    2. «غاية المرام» ص 89، الحديث السادس و الثمانون.

معرفة الإمام ج۷

180
  • متّبعاً و طريقاً واضحاً. و بعد نقله عن ابن طاووس قصّة أبي المعالى الجُوَينيّ في بغداد و مشاهدته الجزء الثامن و العشرين من «الغدير» عند الصحّاف، يقول:

  • قصّة ابن غالية و الفقيه الحنبليّ حول زيارة يوم الغدير

  • حِكَايَةٌ لَطِيفَةٌ: ذكر ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» قال: حدّثني يحيى بن سعيد بن عليّ الحنبليّ المعروف بابنِ غَالِيَة من ساكني قطيفا بالجانب الغربيّ ببغداد؛ و أحد الشهود المعدّلين بها قال: كنت حاضراً عند الفخر إسماعيل بن عليّ الحنبليّ الفقيه المعروف بغُلام ابن المُثَنَّى. و كان الفخر إسماعيل هذا من كبار الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف، و يشتغل بشيء في علم المنطق، و كان حلو العبارة. و قد رأيتُه أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه، و توفّى سنة ستمائة و عشر.

  • قال ابن غالية: و نحن عنده نتحدّث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دَين على بعض أهل الكوفة، فانحدر إليه يطالبه به؛ فاتّفق أن حضرت زيارة يوم الغدير؛ و الحنبليّ المذكور في الكوفة. و هذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، و يجتمع بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام من الخلائق جموع عظيمة تتجاوز حدّ الإحصاء.

  • قال ابن غالية: فجعل الشيخ الفَخْر يسأل ذلك الشخص، ما رأيت هل وصل مَا لَكَ إليك؟! هل بقى لك منه بقيّة عند غريمك؟! و ذلك الشخص يجاوبه، حتّى قال: يا سيّدي، لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، لرأيت ما يجري عند قبر عليّ بن أبي طالب من الفضائح و الأقوال الشنيعة و سبّ الصحابة جهاراً بأصوات مرتفعة من غير مراقبة و لا خيفة!

  • فقال [الفَخْر] إسماعيل: أيّ ذنب لهم؟ و الله ما جرّأهم على ذلك و لا فتح لهم هذا الباب إلّا صاحب هذا القبر.

  • فقال ذلك الشخص؛ و من هو صاحب القبر؟!

  • قال [الفخر]: عليّ بن أبي طالب.

معرفة الإمام ج۷

181
  • فقال [ذلك الشخص]: يا سَيِّدي! هو الذي سنّ لهم ذلك و علّمهم إيّاه و طرّقهم إليه؟! قال [الفخر]: نعم!

  • فقال [ذلك الشخص]: يا سَيِّدي! فإن كان [عليّ] محقّاً، فما لنا نتولّي فلاناً و فلاناً؟ و إن كان مبطلًا، فما لنا نتولّاه؟! ينبغي أن نبرأ منه أو منهما.

  • قال ابن غالية: [لم يجد ذلك الفقيه الحَنْبليّ جواباً] فقام إسماعيل مسرعاً فلبس نعله و قال: لعن الله إسماعيل (الفاعل بن الفاعل) إن كان يعرف جواب هذه المسألة؛ و دخل دار حرمه و قمنا نحن و انصرفنا.1

  • أحاديث الشيعة في الغدير

  • و أمّا الروايات و الأحاديث المأثورة عن الخاصّة:

  • روى المرحوم الصدوق عن أبيه قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد القبطيّ، قال: قال [الإمام] الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: أغفل الناس قول رسول الله في عليّ بن أبي طالب في مَشْربة امِّ إبراهيم كما أغفلوا قوله يوم غدير خمّ.

  • إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله كان في مَشْرَبَة امِّ إبراهيم، و عنده أصحابه إذ جاء عليّ بن أبي طالب، فلم يهتموا به. فلمّا رآهم رسول الله لا يهتمون به، قال: مَعَاشِرَ النَّاس! هذا من أهل بيتي تَستخفّون به، و أنا حيّ بين أظهركم! أمّا و الله لئن غبت عنكم، إنّ الله لا يغيب عنكم. إنّ الرَّوح، و الراحة، و البِشر، و البشارة لمن ائتمّ بعليّ، و تولّاه، و سلّم له، و للأوصياء من ولده. حقّاً عَلَيّ أن أدخلهم في شفاعتي، لأنهم أتباعي. و مَن تبعني، فإنّه منّي. سُنّةً جرت في من إبراهيم [الخليل]؛ لأني من إبراهيم، و إبراهيم

    1. «غاية المرام» ص 90.

معرفة الإمام ج۷

182
  • منّي. و فضلي له فضل، و فضله فضلي. و أنا أفضل منه، تصديق قول ربّي: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.1

  • و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم لا يزال موجوداً في مَشْرَبة امِّ إبراهيم، حتّى رجع الناسُ عن الأمر [أمر عليّ بن أبي طالب].2

  • و روى الصدوق أيضاً بسنده عن وَكيع المَسْعوديّ، رفعه عن سلمان الفارسيّ رحمه الله قال: مرّ إبليس لعنه الله بنفر يتسابّون أمير المؤمنين عليه السلام فوقف أمامهم. فقال القوم: من الذي وقف أمامنا؟! فقال [إبليس]: أنا ابو مُرَّة (و أبُو مُرَّة لقبه). فقالوا: يا أبا مُرَّة! أ ما تسمع كلامنا؟! فقال [إبليس]: سوأةً لكم! تسبّون مولاكم عليّ بن أبي طالب! فقالوا له: من أين علمت أنه مولانا؟ فقال [إبليس]: من قول نبيّكم: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، و انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. فقالوا له: أنت من مواليه و شيعته؟ فقال: ما أنا من مواليه و شيعته، و لكنيّ احبّه. و ما يبغضه أحد إلّا شاركته في المال و الولد.

  • فقالوا له: يَا أبا مُرَّة! فنقول في عليّ شيئاً؟! فقال [إبليس]: اسمعوا منّي معاشر النَّاكِثين وَ القَاسِطين وَ المَارِقين! عبدتُ الله عزّ و جلّ في الجانّ اثنى عشر ألف سنة. فلمّا أهلك الله الجانّ، شكوت إلى الله عزّ و جلّ الوحدة. فعرج بي إلى السماء الدنيا، فعبدت الله عزّ و جلّ في السماء الدنيا اثنى عشر ألف سنة في جملة الملائكة. فبينا نحن نسبّح الله عزّ و جلّ و نقدّسه، إذ مرّ بنا نور شعشعانيّ، فخرّت الملائكة لذلك سجّداً فقالوا: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. نور ملك مقرّب أو نبيّ مُرسَل؟ فإذا النداء من قبل الله عزّ

    1. الآية 34، من السورة 3: آل عمران.
    2. «غاية المرام» ص 90، الحديث الثاني.

معرفة الإمام ج۷

183
  • و جلّ: لَا نُورُ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَ لَا نَبِيّ مُرْسَلٍ، هَذَا نُورُ طِينَةِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.1

  • و روى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لمّا أمر الله نبيّه أن ينصب أمير المؤمنين للناس في قوله: يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ «في عَلِيٍّ» بِغَدِيرِ خُمٍّ؛ فقال [النبيّ]: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر و حثوا التراب على وجوههم.

  • فقال لهم إبليس [الأكبر]: ما لكم؟! قالوا: إنّ هذا الرجل (النبيّ) قد عقد اليوم عقدة لا يحلّها شيء إلى يوم القيامة. فقال لهم إبليس: كلّا، إنّ الذين حوله قد وعدوني فيه عدّة لن يخلفونيّ! فأنزل الله على رسوله: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.2 و3

  • و روى الشيخ الطوسيّ في «التهذيب» بإسناده عن حَسَّان الجمَّال، قال: حملتُ أبا عبد الله عليه السلام من المدينة إلى مكّة؛ فلمّا انتهينا إلى مسجد الغدير، نظر في ميسرة الجبل، فقال: ذاك موضع قدم رسول الله صلّى الله عليه و آله حيث قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. ثمّ نظر في الجانب الآخر، قال: ذاك موضع أبي فلان، و فلان، و سالم مولى أبي حُذَيفة، و أبي عُبَيْدَة الجَرّاح، لمّا رأوه رافعاً يده، قال بعضهم: انظروا إلى عينيه تدوران كأنهما عينا مجنون! فنزل جبرئيل بهذه الآية: وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا

    1. «غاية المرام» ص 91، الحديث السادس.
    2. الآية 20، من السورة 34: سبأ.
    3. «غاية المرام» ص 91، الحديث 8؛« تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ» ص 538.

معرفة الإمام ج۷

184
  • الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ* وَ ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.1 ثمّ قال: يا حَسَّان! لو لا أنك جمّالى، ما حدّثتك بهذا الحديث.2

  • و روى محمّد بن عليّ بن شهرآشوب، عن معاوية بن عمّار، عن [الإمام] الصادق عليه السلام، قال: لمّا قال النبيّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. قال العَدْويّ: لا، و الله، ما أمره الله بهذا، و ما هو إلّا شيء يتقوّله، فأنزل الله تعالى:

  • وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ* وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ* وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ* وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ* وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ.3 [و المراد من قوله]: وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ يعني محمّد، [و المراد من قوله]: وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ: يعني به عَلِيّ.4

  • و روى محمّد بن العبّاس [بن مَاهْيار] بسنده عن فضيل بن عبد الملك، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لمّا نصَّب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أمير المؤمنين [عليه السلام] يوم الغدير، افترق الناس ثلاث فرق. فقالت فرقة: ضلّ محمّد. و فرقة قالت: غوي. و فرقة قالت: يهواه، و تقوّله في أهل بيته و ابن عمّه. فأنزل الله سبحانه [هذه الآيات]:

  • وَ النَّجْمِ إِذا هَوى* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى* وَ ما يَنْطِقُ عَنِ

    1. الآيتان 51 و 52، من السورة 68: ن وَ الْقَلَمِ.
    2. «غاية المرام» ص 92، الحديث السادس عشر.
    3. الآيات 44 إلي 51، من السورة 69: الحاقّة.
    4. «غاية المرام» ص 92، الحديث السابع عشر.

معرفة الإمام ج۷

185
  • الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.1 و2

  • و روى الشيخ الطوسيّ في أماليه قال أخبرنا محمّد بن محمّد يعني [الشيخ] المفيد، بسنده عن زيد بن أرقم، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ بِغَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لي وَ لَا لأهْلِ بَيْتِي. لَعَنَ اللهُ مَنِ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أبيهِ؛ لَعَنَ اللهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ. الوَلَدُ لِصَاحِبِ الفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ الحَجَرُ. وَ لَيْسَ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ. ألَا وَ قَدْ سَمِعْتُمْ مِنِّي وَ رَأيْتُمُونِي. ألَا مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. ألَا وَ إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ على الحَوْضِ، وَ مُكَاثِرٌ بِكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلا تُسَوِّدُوا وَجْهِي. ألَا لأسْتَنْقِذَنَّ رِجَالًا مِنَ النَّارِ وَ لَيُسْتَنْقَذَنَّ مِنْ يَدَيّ أقْوَامٌ. إنَّ اللهَ مَوْلَايَ، وَ أنَا مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ. ألَا فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ.3

  • و روى الشيخ في أماليه [أيضاً] بإسناده عن سَهْم بن حَصِين الأسديّ، قال: قدمت إلى مكّة أنا و عبد الله بن عَلْقَمَة؛ و كان عبد الله بن علقمة سبّابة لعليّ بن أبي طالب دهراً.

  • قال: فقلت [أي لعبد الله]: هل لك في هذا (يعني أبا سعيد الخُدريّ) نحدث به عهداً؟!

  • قال: نعم! فأتينا. فقال [له عبد الله]: هل سمعت لعليّ منقبة؟!

  • قال: نعم! إذا حدّثتك، تسأل عنها المهاجرين و الأنصار و قريشاً. [اعلم] أنّ رسول الله قام يوم غدير خمّ فأبلغ، ثمّ قال: أيُّهَا النَّاسُ! أ لَسْتُ

    1. الآيات 1 إلي 4، من السورة 53: النجم.
    2. «غاية المرام»، ص 92، الحديث الثامن عشر.
    3. «غاية المرام» ص 94، الحديث الثاني و العشرون؛ و« أمالي الشيخ» ص 231، المجلس الثامن، طبعة النجف.

معرفة الإمام ج۷

186
  • أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ قالوا: بَلى، قالها ثلاث مرّات. ثمّ قال: ادنُ يا عَلِيّ! فرفع رسول الله يديه حتّى نظرتُ إلى بياض آباطهما، و قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، ثلاث مرّات.

  • قال: فقال عبد الله بن عَلْقمة [لأبي سعيد]: أنتَ سمعت هذا من رسول الله؟! قال أبو سعيد: نعم، و أشار إلى اذنيه و صدره و قال: سمعته اذناي و وعاه قلبي.

  • قال عبد الله بن شَرِيك: فقدم [علينا] عبد الله بن علقمة، و سهم بن حصين، فلمّا صلّينا صلاة الظهر، قام عبد الله بن عَلْقَمة، فقال: إنِّي أتُوبُ إلى اللهِ وَ أسْتَغْفِرُهُ مِنْ سَبِّ عَلِيّ.1

  • و روى الشيخ في أماليه [أيضاً] بسنده عن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ، وَ هُوَ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي.2

  • و روى في أماليه [أيضاً] بسنده عن عُمَير بن سعد أنه سمع عليّاً في الرُّحْبَة ينشد الناس، مَن سمع رسول الله يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ [فليقم و يشهد]. فقام بضعة عشر، فشهدوا.3

  • و روى في أماليه [أيضاً] بسنده عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلي قال: قال أبي: دفع رسول الله صلّى الله عليه و آله الراية يوم خيبر إلى عليّ بن

    1. «غاية المرام» ص 94، الحديث 23؛ و« أمالي الشيخ»، ص 252، طبعة النجف.
    2. «غاية المرام» الحديث 24، و« أمالي الشيخ» ص 253، المجلس التاسع، النجف.
    3. «غاية المرام» الحديث 27، و« أمالي الشيخ» ص 343 و 344، المجلس الثاني عشر.

معرفة الإمام ج۷

187
  • أبي طالب عليه السلام ففتح الله عليه. و أوقفه يوم غدير خمّ فأعلم الناس أنه مولى كلّ مؤمن و مؤمنة. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ مِنِّي وَ أنَا مِنْكَ. و قَالَ لَهُ: تُقَاتِلُ يَا عَلِيّ على التَّأويلِ كَمَا قَاتَلْتُ أنَا على التَّنْزِيلِ. و قَالَ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي. وَ قَالَ لَهُ: أنَا سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكَ، وَ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكَ. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ العُرْوَةُ الوُثْقَى. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ تُبَيِّنُ لَهُمْ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِي. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ إمَامُ كُلِّ مُؤمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ؛ وَ وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ بَعْدِي. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ الذي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ: وَ أذَانٌ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ. وَ قَالَ لَهُ: أنْتَ الآخِذُ بِسُنَّتِي وَ الذَّابُّ عَنْ مِلَّتي. وَ قَالَ لَهُ: أنَا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ وَ أنْتَ مَعِي. وَ قَالَ لَهُ: أنَا عِنْدَ الحَوْضِ وَ أنْتَ مَعِي. وَ قَالَ لَهُ: أنَا أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَ أنْتَ بَعْدِي، تَدْخُلُهَا وَ الحَسَنُ وَ الحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ. وَ قَالَ لَهُ: إنَّ اللهَ أوْحَى إلَيّ بِأنْ أقُومَ بِفَضْلِكَ، فَقُمْتُ بِهِ في النَّاسِ، وَ بَلَّغْتُهُمْ مَا أمَرَنِي اللهُ بِتَبلِيغِهِ. وَ قَالَ لَهُ: اتَّقِ الضَّغَائِنَ التي في صُدُورِ مَن لَا يُظْهِرُهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِي، اولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَ يَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ.

  • ثُمَّ بَكَى النَّبِيّ فَقِيلَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: أنَّ ذَلِكَ يَزُولُ إذَا قَامَ قَائِمُهُمْ، وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَ اجْتَمَعْتِ الامَّةُ على مَحَبَّتِهِمْ، وَ كَانَ الشَّانِي لَهُمْ قَلِيلًا، وَ الكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلًا، وَ كَثُرَ المَادِحُ لَهُمْ؛ وَ ذَلِكَ حِينَ تَغَيُّرِ البِلَادِ، وَ تَضَعُّفِ العِبَادِ، وَ الإيَاسِ مِنَ الفَرَجِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ القَائِمُ فِيهِمْ- الحديث.1

  • خصال الإسلام الخمس المختومة بالولاية

  • و روى الشيخ في أماليه [أيضاً] بإسناده عن المُجَاشِعيّ، بسندين:

    1. «غاية المرام» ص 94 و 95، الحديث الثلاثون؛ و« أمالي الشيخ» القسم الأوّل، الجزء 12، ص 361 و 362.

معرفة الإمام ج۷

188
  • أحدهما عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه الصادق عليه السلام، و الثاني عن [الإمام] الرضا [عليه السلام] عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر بن محمّد [عليه السلام] قالوا جميعاً عن آبائهم، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: بُنِيَ الإسْلَامُ على خَمْسِ خِصَالٍ: على الشَّهَادَتَيْنِ، وَ القَرِينَتَيْنِ. قِيلَ لَهُ: أمَّا الشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ عَرَفْنَاهُمَا، فَمَا القَرِينَتَانِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ، لَا يُقْبَلُ إحْدَاهُمَا إلَّا بِالاخْرَى، وَ الصِّيَامِ وَ حِجِّ بَيْتِ اللهِ مَنِ اسْتَطَاعَ سَبِيلًا؛ وَ خُتِمَ ذَلِكَ بِالوِلَايَةِ. فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً».1

  • و روى الشيخ في مجالسه بسنده عن أبي ذرّ [الغِفاريّ]: جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَة يَقُولُ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيّ! أنْتَ أخِي، وَ صَفِيَّي، وَ وَصِيِّي، وَ وَزِيري، وَ أمِيني، مَكَانُكَ مِنِّي في حَيَاتِي وَ بَعْدَ مَوْتِي كَمَكَانِ هَارُونَ مِنْ موسى، إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ مَعِي. مَنْ مَاتَ وَ هُوَ يُحِبُّكَ خَتَمَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِالأمْنِ وَ الإيْمَانِ؛ وَ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ يُبْغِضُكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ في الإسْلَامِ نَصِيبٌ.2

  • و روى الشيخ في مجالسه بسنده عن عمرو بن ميمون الأوديّ أنه ذكر عنده عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: إنّ قوماً ينالون منه [عليه السلام] اولئك هم وقود النار. و لقد سمعت هذه الآية من أصحاب

    1. «غاية المرام» ص 95، الحديث الحادي و الثلاثون؛ و« أمالي الشيخ» ج 2، الجزء 18 ص 131 و 132.
    2. «غاية المرام» ص 95، الحديث 32؛ و« أمالي ابن الشيخ» ج 2، ص 158 و 159 مجلس الجمعة الرابع من المحرّم سنة 457.

معرفة الإمام ج۷

189
  • محمّد صلّى الله عليه و آله، منهم: حُذَيْفَةُ بن اليَمَان، و كعْبُ بْنُ عُجْرَة، يقول كلّ رجل منهم: لقد اعْطِي عليّ [عليه السلام] ما لم يعطه بشر. هو زوج فاطمة سيّدة نساء الأوّلين و الآخرين. فمن رأى مثلها أو سمع أنه تزوّج بمثلها أحد في الأوّلين و الآخرين؟ و هو أبو الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين. فمن له أيّها الناس مثلمها؟ و رسول الله صلّى الله عليه و آله حموه، و هو وصيّ رسول الله في أهله و أزواجه.

  • و سدّ [رسول الله] الأبواب التي في المسجد كلّها غير بابه. و هو صاحب باب خيبر، و هو صاحب الراية يوم خيبر. و ثفل رسول الله يومئذٍ في عينيه و هو أرمد، فما اشتكاهما بعد، و لا وجد حَرّاً و لا قرّاً بعد ذلك اليوم.

  • و هو صاحب يوم غدير خمّ إذ نوّه رسول الله باسمه، و ألزم امّته ولايته، و عرّفهم بخطره، و بيّن لهم مكانه، فقال: أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ.1

  • خطبة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عند معاوية و إشارته إلى الغدير

  • و نقل الشيخ في مجالسه [أيضاً] عن أبي زاذان، في خطبة خطبها [الإمام] الحسن بن عليّ عليه السلام في الناس بحضور معاوية. و ذكر فيها فضل أبيه و سوابقه و ما قال الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله من النصّ، إلى أن قال: فَقَدْ تَرَكَتْ بَنُو إسْرَائيلَ هَارُونَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أنهُ خَلِيفَةُ موسى فِيهِمْ وَ اتَّبَعُوا السَّامِرِيّ، وَ قَدْ تَرَكَتْ هَذِهِ الامَّةُ أبي وَ بَايَعُوا غَيْرَهُ وَ قَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ يَقُولُ لَهُ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ

    1. «غاية المرام» ص 95 و 96، الحديث 34؛ و« أمالي الشيخ» ج 2 ص 170 و 171.

معرفة الإمام ج۷

190
  • موسى إلَّا النُّبُوَّةَ. وَ قَدْ رَأوْا رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ نَصَبَ أبي يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ أمَرَهُمْ أنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ مِنْهُمُ الغَائِبَ.1

  • و روى في مجالسه أيضاً هذا المضمون من خطبة الإمام الحَسَن بألفاظ اخرى، و بسند آخر عن عبد الرحمن بن كَثير، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين عليه السلام.2

  • إنكار أبي حنيفة حديث الغدير مع إقراره بوقوع واقعة الغدير

  • و روى الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان [المعروف بالشيخ] المفيد في أماليه بسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَائِذٍ الصَّيْرَفِيّ [قال: كنت عند الهَيْثَم بْنِ حَبِيبٍ الصَّيْرَفِيّ] فدخل علينا أبُو حَنِيفَة: النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِت؛ فذكرنا أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب] عليه السلام و دار بيننا كلام في غدير خُمّ.

  • فقال أبُو حَنِيفَة: قد قلت لأصحابنا: لا تقرّوا لهم (للشيعة) بحديث غدير خمّ فيخصموكم!

  • فتغيّر وجه الهَيْثَمِ بْنِ حَبِيبٍ الصَّيْرَفِيّ، و قال [له]: لِمَ لا يقرّون بحديث الغدير؟ أما هو عندك يا نُعمان؟!

  • قال [أبو حنيفة]: [بلى] هو عندي و قد رُوِّيتُه!

  • قال [الهيثم]: فلم لا تقرّون به و قد حدّثنا به حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطُّفَيْل، عن زيد بن أرقم أنّ عليّاً عليه السلام أنشد اللهَ في الرُّحبة مَن سمعه؟

  • فقال أبو حنيفة: أ فلا ترون أنه قد جرى في ذلك خوض حتّى نشد عليّ الناس؟!

    1. «غاية المرام» ص 96، الحديث 35؛ و« أمالي الشيخ» ج 2، ص 172 و 173.
    2. «غاية المرام» ص 96، الحديث السادس و الثلاثون.

معرفة الإمام ج۷

191
  • فقال الهيثم: فنحن نكذّب عليّاً؟! أو نردّ قوله؟!

  • فقال أبو حنيفة: ما نكذّب عليّاً و لا نردّ قولًا قاله، و لكّنك تعلم أنّ الناس قد غلا منهم قوم!

  • فقال الهيثم: يقوله رسول الله صلّى الله عليه و آله و يخطب به و نشفق نحن منه و نتّقيه بغلوّ غالٍ أو قول قائل؟!1

  • ثمّ جاء [في تلك الحال] من قطع الكلام بمسألة سأل عنها. و دار الحديث بالكوفة. و كان معنا في السوق حَبيب بن نَزَار بن حَيَّان، فجاء إلى الهيثم، فقال له: قد بلغني ما دار عنك في عليّ عليه السلام و قول من قال- و كان حبيب مولى لبني هاشم-2 فقال له الهيثم: النظر يمرّ فيه أكثر من هذا، فخفِّض الأمر!

  • فحججنا بعد ذلك و معنا حبيب، فدخلنا على أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام فسلّمنا عليه؛ فقال له حبيب: يا أبا عبد الله! كان من

    1. «غاية المرام» ص 96، الحديث الثامن و الثلاثون.
    2. لمّا أضافوا كلمة( المولى) إلى الشخص، فهو يعطى معنى العبد أو معنى السيّد، كما نقول: قَنْبر مَوْلى عليّ، أي: عبده، أو نقول: عَلِيّ مَوْلى قَنْبَر، أي سيّده؛ إلّا أننا لو نسبنا المولى إلى القبيلة، كأن نقول: مَوْلَى بني أسَد، مولى الأزْد، مولى ثقيف، فإنّ المراد به معنيان:
      1- الحليف. 2- النزيل و المهاجر إلي تلك القبيلة. و على هذا فإنّ حبيب بن نَزَار بن حَيَّان الذي كان مولى لبني هاشم، إمّا أنه كان حليفاً لهم أو أنه كان نزيلًا عندهم أو مهاجراً إليهم. و من هنا يستبين أنّ شَوذَباً الذي كان مع عابس بن شبيب الشاكريّ يوم عاشوراء، و يسمّونه: شَوذب مَوْلَى شاكر، لم يكن عبداً لعابس، بل كان حليفاً لشاكر، قبيلة عابس أو مهاجراً إليها. و شاكر قبيلة في اليَمَنْ من هَمْدان، من أولاد شاكر بن ربيعة بن مالك؛ و كان عابس من تلك القبيلة، لذلك يسمّونه: الشاكريّ. و كان شوذب إمّا حليفاً لتلك القبيلة أو نزيلًا عندها؛ و لهذا كان رفيقاً لعابس في سفره مستمتعاً بفيض كربلاء. و لعلّ منزلته كانت أرفع من منزلة عابس، لأنّ المؤرّخين يقولون فيها: وَ كَانَ مُتَقَدِّماً في الشِّيعَةِ.

معرفة الإمام ج۷

192
  • الأمر كذا و كذا، فتبيّن الكراهيّة في وجه أبي عبد الله عليه السلام، فقال له حبيب: هذا محمّد بن نَوفَل حضر ذلك. فقال له [الإمام] أبو عبد الله عليه السلام: أي حبيب كُفَّ! خالقوا الناس بأخلاقهم! و خالفوهم بأعمالكم! فَإنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَ هُوَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ مَنْ أحَبَّ، لَا تَحْمِلُوا النَّاسَ عَلَيْكُمْ وَ عَلَيْنَا! وَ ادْخُلُوا في دَهْمَاءِ النَّاسِ: فَإنَّ لَنَا أيَّاماً وَ دَوْلَةً يَأتِي بِهَا اللهُ إذَا شَاءَ. فسكت حبيب، فقال عليه السلام: أ فهمتَ يا حبيب؟ لا تخالفوا أمري فتندموا! فقال حبيب: لن اخالف أمرك.

  • قال أبو العبّاس [ابن عُقْدَة، أحمد بن محمّد بن سعيد]: سألتُ عليّ بن الحسين عن محمّد بن نَوْفَل فقال: كوفيّ. قلت: ممّن؟ قال: أحسبه مولى لبني هاشم. و كان حبيبُ بن نَزَار بن حَيَّان مولى لبني هاشم. و كان الخبر فيما جرى بينه و بين أبي حنيفة حين ظهر أمر بني العبّاس فلم يمكنهم (الشيعة) إظهار ما كان عليه آل محمّد صلّى الله عليه و آله.1

  • استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام بحديث الغدير

  • و ذكر ابن بابويه في كتاب «النصوص على الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام» بسنده عن محمود بن لُبَيْد قال: لمّا قبض رسول الله، كانت فاطمة تأتي قبور الشهداء، و تأتي قبر حمزة و تبكي. فلمّا كان في بعض الأيّام أتيتُ قبر حمزة رضي الله عنه فوجدتها صلوات الله عليها تبكي هناك. فأمهلتها حتّى سكتت، فأتيتها، فسلّمت عليها، و قلت لها: يا سَيّدة النسوان! و الله قد قطّعت نياط قلبي من بكائك! فقالت: يا أبا عَمْرَة! يحقّ لي بالبكاء، فلقد اصبت بخير الآباء رسول الله، ثمّ أنشأت تقول:

  • إذَا مَاتَ يَوْماً مَيِّتٌ قَلَّ ذِكْرُهُ***و ذِكْرُ أبي قَدْ مَاتَ وَ اللهِ أكْبَرُ

  • قلت: يا سيّدتيّ! إنّي سائلك عن مسألة تتلجلج في صدري! قالت:

    1. «الأمالي» للشيخ المفيد، ص 26 إلي 28، طبعة سنة 1403 ه-، المجلس الثالث.

معرفة الإمام ج۷

193
  • سَلْ. قلت: هل نصّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قبل وفاته على عليّ بالإمامة؟! قالت: وا عَجَبَا أ نَسِيتُمْ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍ؟ قلتُ: قد كان ذلك و لكن أخبريني بما أسرّ إليك!

  • فقالت: اشْهِدُ اللهَ تعالى لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلِيّ فِيكُمْ خَيْرُ مَنْ اخَلِّفُهُ فِيكُمْ؛ و هُوَ الإمَامُ وَ الخَلِيفَةُ بَعْدِي؛ و سِبْطَاهُ وَ تِسْعَةٌ مِنْ صُلْبِ الحُسَيْنِ أئِمَّةٌ أبْرَارٌ. لَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمْ وَجَدْتُمُوهُمْ هَادِينَ مَهْديِّينَ، وَ لَئِنْ خَالَفْتُمُوهُمْ لَيَكُونُ الاخْتِلَافُ فِيكُمْ إلَى القِيَامَةِ.

  • قلتُ: يَا سَيِّدَتِي فَمَا بَالُهُ قَعَدَ عَنْ حَقِّهِ؟!

  • قَالَتْ: يَا أبَا عَمْرَةَ! لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: مَثَلُ الإمَامِ مَثَلُ الكَعْبَةِ إذْ تُؤْتَى وَ لَا تَأتِي- أوْ قَالَتْ: مَثَلُ عَلِيّ- ثُمَّ قَالَتْ: أمَا وَ اللهِ لَوْ تَرَكُوا الحَقَّ على أهْلِهِ وَ اتَّبَعُوا عِتْرَةَ نَبِيِّهِمْ لَمَا اخْتَلَفَ في اللهِ تعالى اثْنَانِ؛ وَ لَوَرَثَهَا سَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، وَ خَلَفٌ عَنْ خَلَفٍ حتّى يَقُومَ قَائِمُنَا التَّاسِعُ مِنْ صُلْبِ وَلَدِيَ الحُسَيْنِ، وَ لَكِنْ قَدَّمُوا مَا أخَّرَهُ اللهُ، وَ أخَّرُوا مَا قَدَّمَه اللهُ، حتّى إذَا ألْحَدُوا المَبْعُوثَ، وَ أوْدَعُوهُ الجَدَثَ المَجْدُوثَ اخْتَارُوا بِشَهْوَتِهِمْ وَ عَمِلُوا بِرَأيِهِمْ؛ تَبَّاً لَهُمْ أ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ يَقُولُ: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ».1 بَلْ سَمِعُوا وَ لَكِنَّهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ». هَيهَاتَ بَسَطُوا في الدُّنْيَا أمَالَهُمْ وَ نَسُوا آجَالَهُمْ، فَتَعْساً لَهُمْ وَ أضَلَّ أعْمَالَهُمْ أعُوذُ بِكَ مِنَ الجَوْر بَعْدَ الكَورِ.2 و3

    1. الآية 68، من السورة 28: القصص.
    2. «غاية المرام» ص 96 و 97، الحديث 39.
    3. ذكر ابن الأثير في« النهاية»: الحَوْر بالحاء المهملة و قال:« نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، أى: من النقصان بعد الزيادة. و قيل: من فساد امورنا بعد إصلاحها. و قيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنّا منهم. و أصله من نقض العمامة بعد لَفِّها» و لكن لمّا ذكرها صاحب« غاية المرام» بالجيم المعجمة، فقد جئنا بها كما ذكرها تبعاً له.

معرفة الإمام ج۷

194
  • وقوع حادثة الغدير من بديهيّات التأريخ و ضروراته

  • و قال المحدّث العظيم و السيّد الأجلّ الأكرم هاشم البحرانيّ في كتاب «غاية المرام» بعد نقله أحاديث العامّة و الخاصّة: على هذا نقتصر من روايات الخاصّة و الروايات في قصّة غدير خمّ لا تحصي من طريق الخاصّة و العامّة. قال الشيخ الفاضل محمّد بن عليّ بن شهرآشوب في فصل قصّة غدير خمّ من كتابه:

  • العلماء مطبقون على قبول هذا الخبر و إن وقع الخلاف في تأويله. و قد بلغ في الانتشار و الاشتهار إلى حدٍّ لا يوازيه خبر من الأخبار وضوحاً و بياناً و ظهوراً و عرفاناً حتّى لحق في المعرفة و البيان بالعلم بالحوادث الكبار و البلدان، فلا يدفعه إلّا جاحد، و لا يردّه إلّا معاند.

  • و أي خبر من الأخبار جمع في روايته و معرفة طرقه أكثر من ألف مجلّد من تصانيف العامّة و الخاصّة من المتقدّمين و المتأخّرين؟!

  • ذكره [أي أمر غدير خمّ]: محمّد بن إسحاق، و أحمد البَلاذُريّ، و مُسْلم بن الحَجَّاج، و أبو نُعَيم الإصفهانيّ، و أبو الحسن الدارقطنيّ، و أبو بكر بن مردويه، و ابن شاهين المَرْوَزيّ: و أبو بكر الباقلّانيّ، و أبو المعالى الجُوَينيّ، و أبو إسحاق الثَّعْلَبيّ، و أبو سعيد الخركُويّش، و أبو المظَفَّر السَّمْعانيّ، و أبو بكر بن شَيبَة، و عليّ بن الجَعْد، و شُعْبَة، و الأعْمش، و ابن عَيَّاش، و ابن سلَاح، و الشَّعبيّ، و الزُّهْرِيّ، و الإقليسيّ، و الجِعابيّ، و ابن البَيِّع، و ابن ماجة، و ابن عَبْدِ رَبِّه، و الألكانيّ، و شريك القاضي، و أبُو يَعلى الموصليّ من عدّة طرق، و أحمد بن حَنبَل من

معرفة الإمام ج۷

195
  • عشرين طريقاً، و ابن بَطَّة بثلاثة و عشرين طريقاً. و عليّ بن هِلال المُهَلَّبيّ صنّف كتاب «الغدير»؛ و أحمد بن مُحمّد بن سَعِيد كتاب «من روى خبر غدير خمّ»؛ و ابن جَرَير الطَبريّ كتاب «الولاية» و هو كتاب غدير خمّ، و ذكر فيه سبعين طريقاً؛ و مَسْعُود الشجرَيّ كتاباً في رواة هذا الخبر و طرقه؛ و الرازيّ في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم. و لقد رواه أبو العبَّاس بن عُقْدَة، و قال: سمعت أبا عليّ العطّار الهمدانيّ يقول: روى هذا الحديث عَلَيّ مائتي و خمسين طريقاً.

  • و قال: قال جدّي شهرآشوب سمعت أبا المعالى الجوينيّ يتعجّب و يقول: شاهدت مجلّداً ببغداد في يدي صحّاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة و العشرون من طرق قوله من كنت مولاه و يتلوه المجلّدة التاسعة و العشرين.1

  • مكابرة السنّة المتغرّبين في حديث الغدير

  • إلى هنا قد وضح لنا أنّ قصّة غدير خمّ من المسلّمات و الضروريّات في التأريخ؛ و إنكار ذلك كإنكار الشمس و هي في كبد السماء عند رائعة النهار، حتّى أنّ المستجدّين من علماء السنّة المتعصّبين في مصر أقرّوا بالغدير و سلّموا به؛ غاية الأمر لمّا كانوا يرون أنّ نصب الإمام مناف للديمقراطيّة الغربيّة على حدّ زعمهم، لذلك لم يستسيغوه على الصعيد العمليّ و التطبيقيّ. و اعتبروا الاقتراع و انتخاب الإمام منسجمين مع روح الديمقراطيّة فيما إذا أفرزهما تصويت الأكثريّة.

  • فأحمد أمين المصريّ لم يترك تهمة إلّا و ألصقها بالشيعة و علمائهم و كتبهم، و ذلك في كتبه: «فَجر الإسلام» و «ضُحى الإسلام» و «ظُهر الإسلام»؛ و كلّ من رأي هذه الكتب، فإنّه يقف على عناده و مكابرته،

    1. «غاية المرام» ص 103.

معرفة الإمام ج۷

196
  • و لكن مع ذلك كلّه، فهو يقرّ بحديث الغدير و يعترف به.

  • يقول صاحب كتاب «تفكّر نوين سياسي اسلام» (التفكير السياسيّ الحديث في الإسلام): يحاول أحمد أمين، من خلال قلب المعالم الخاصّة لمذهب أهل البيت، أن يبسط بحثاً معقّداً في مقابل المذهب السنّيّ، في أربعة مبادئ رئيسيّة هي: العصمة، و المهدويّة، و التقيّة، و الرجعة. و نلحظ في آراء أمين حول هذه المسائل الأربع معايير تنبئ عن ذهنيّة ليبراليّة ذات نزعة عصريّة، فهو يعترض على نظريّة الإمامة عند الشيعة، لا من منطلق عدم الاعتقاد بوثاقة حديث الغدير (و هو نفسه يقرّ بأنّ بعض مؤرّخي السنّة يعترفون به)، بل من منطلق الاعتقاد بأنّ نظريّة الإمامة تلغي التصوّرات الحديثة للديمقراطيّة.1

  • قال الشيخ محمّد عبده في «تفسير المنار» الذي ألّفه السيّد محمّد رشيد رضا: أمّا حديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ فقد رواه أحمد في مسنده من حديث البَراء و بُرَيْدة، و الترمذيّ، و النسائيّ، و الضياء في «المختارة» من حديث زيد بن أرقم، و ابن ماجة عن البراء؛ و حسّنه بعض أهل الحديث؛ و صحّحه الذهبيّ بهذا اللفظ؛ و وثّق أيضاً سند من زاد فيه: اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.

  • و في رواية أنّ النبيّ خطب الناس، فذكر اصول الدين، و وصّى بأهل بيته، فقال: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلِيّ الحَوْضَ.

  • اللهُ مَوْلَايَ، وَ أنَا وَلِيّ كُلِّ مَؤمِنٍ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ

    1. «تفكّر نوين سياسي اسلام»، تأليف الدكتور حميد عنايت، في ترجمة أبي طالب الصارميّ، ص 39.

معرفة الإمام ج۷

197
  • مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.1

  • ثمّ قال بعد بحث مقتضب: و أمّا الحديث (حديث الولاية يوم الغدير)، فنهتدي به: نوالى عليّاً المرتضى و نوالى من والاهم، و نعادي من عاداهم؛ و نعدّ ذلك كموالاة رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم؛ و نؤمن بأنّ عترته لا تجتمع على مفارقة الكتاب الذي أنزله الله عليه؛ و أنّ الكتاب و العترة خليفتا الرسول. فقد صحّ الحديث بذلك في غير قصّة الغدير. فإذا أجمعت العترة على أمر، قبلناه و اتّبعناه. و إذا تنازعوا في أمر، رددناه إلى الله و إلى الرسول.2

  • و مع هذا كلّه، لمّا كانت روح التبعيّة للإمام المعصوم المنصوب من الله معدومة عندهم، لهذا ما فتئوا يحترمون سقيفة بني ساعدة و حكومة الغاصبين، و يؤوّلون الولاية في حديث غدير خمّ و سائر الأحاديث بمعنى المحبّة أو النصرة، لعلّهم يجدون ملاذاً يفرّون إليه خشية اتّباع الحقّ. وَ أني لَهُمْ ذَلِكَ؟

  • لقد تحدّث محمّد فَريد وَجْدي في دائرة معارفه عن كلّ موضوع، و حكم، و تأريخ، و مذهب، و واقعة، و حادثة، و تقليد، و عادة، و كان له بحث تامّ و واف في هذا كلّه؛ و حتّى في كلمة الخيار إذ تحدّث عنه في صفحتين، و ذكر نوعاً من أنواعه يدعى (خيار شَنبَر) في عشرة أسطر، إلّا أنه لم يتحدّث عن الغدير و وقوف رسول الله بالجحفة و خطبته فيها و حديث الولاية، و لم يأت بجملة واحدة عن ذلك لا في مادّة غَدَر، و لا في

    1. «تفسير المنار» ج 6، ص 464 و 465.
    2. «تفسير المنار» ج 6، ص 467.

معرفة الإمام ج۷

198
  • مادّة خَمَم. و لم يذكر الغدير أثناء كلامه عن الولاية و الخلافة، اللهمّ إلّا في مادّة جَحَفَ فأنّه قال: الجُحفة موضع بين مكّة و المدينة.

  • و تحدّث المشار إليه عن الخلافة في خمس و عشرين صفحة؛1 و تطرّق إلى ما حدث بعد وفاة رسول الله من اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، و ذهاب عمر، و أبي بكر، و أبي عبيدة الجرّاح إلى السقيفة، و بالتالى بيعة أبي بكر، تحدّث عن ذلك بالتفصيل، بَيدَ أنه لم يأتِ في دائرته بجملة واحدة عن غدير خمّ، و لم يأت حتّى برواية اخرى حول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و وزارته و إمارته و وصايته؛ و كأنّ هذا الموضوع لم يكن في الإسلام. و له في مادّة الولاية بحث مفصّل يقع في سبع و ثلاثين صفحة.2 و له بحث عن طرق ارتباط أهل التصوّف و فِرَقهم. و لكنّه لم يُشِر إلى حديث الولاية و الآية القرآنيّة التي تحدّثت عن الولاية، و كأنّ نبيّنا عنده لم يكن كأحد الأنبياء، و عليّ بن أبي طالب ليس من هذه الامّة!

  • بينما نلاحظ في كتابه أنه يتحدّث عن انتخاب الخليفة و ديمقراطيّة الإسلام في مواطن شتّى منه؛ و يحاول جاهداً أن يكيّف الآيات، و الروايات، و منهاج رسول الله، و سيرة المسلمين على أساس الديمقراطيّة الغربيّة؛ و لعلّه كان يخيّل إليه أنه يقدّم للإسلام و القرآن خدمة بهذا العمل، و يدفع عنهما شبهة نصب الإمام و تعريف الولاية.

  • و مع أنه كان يقرّ بأخطاء عمر، و أبي بكر، و عثمان، و يعنّف عثمان أيّما تعنيف، و يحمّله المسئوليّة في رفضه الاقتراح الذي قدّمه إليه

    1. «دائرة المعارف» و جدي، ج 3، ص 743 إلي 768.
    2. «دائرة المعارف»، و جدي، ج 10، ص 811 إلي 848.

معرفة الإمام ج۷

199
  • المسلمون، القاضي باستقالته عن الخلافة. و يعظّم عليّاً عليه السلام و يبجّله، بَيدَ أنه- مع ذلك كلّه- لم يكن مستعدّاً لترك ما وجد عليه آباءه من امّةٍ، فيلتحق بمدرسة أتباع أهل البيت، فلهذا تترجم لنا الآية الكريمة التالية حاله و تقليده الأعمى لآبائه بكلّ وضوح: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ.1

  • و عند ما يتحدّث عن الفرق الواقعة في الإسلام في مادّة فَرَق، فإنّه يقرّ بمخالفة عمر لرسول الله حين أمر بإتيانه بدواة و كتف، و هو على فراش المرض، و يقرّ أيضاً بمخالفته لإنفاذ جيش اسامة، و يعترف بكلام مأثور عن عمر، و هو قوله: مَنْ قَالَ: إنَّ مُحَمَّداً مَاتَ قَتَلْتُهُ بِسَيْفِي، و يقرّ بالسقيفة و إمامة أبي بكر، و بيعة عمر، و قوله: ألَا إنَّ بَيْعَةَ أبي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللهُ شَرَّهَا، فَمَنْ عَادَ إلَى مِثْلِها فَاقْتُلُوهُ، فَأيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمَا جَدِيرَانِ أنْ يُقْتَلَا؛ و يعترف بدعوى فاطمة فدكاً، و يعترف أيضاً بقتال أبي بكر مانعي الزكاة؛ و يحصي النقمات على عثمان و خطاياه و ذنوبه. ثمّ يقول: وقعت هذه الأحداث كلّها لمصلحة المسلمين، و ينبغي أن تكون الخلافة باختيار الناس و آرائهم.2

  • و بعد ذلك كلّه يقول: وَ بالجملة كَانَ عَلِيّ مَعَ الحَقِّ وَ الحَقُّ مَعَ عَلِيّ- الكلام.3

  • فهل جهل هذا الرجل العالم كتب الروايات و السنن و التأريخ؟ أ لم ير الأحاديث المأثورة في الكتب المفصّلة عن الغدير، و قد ذكرنا نموذجاً منها

    1. الآية 23، من السورة 43: الزخرف.
    2. «دائرة المعارف»، وجدي، ج 7، ص 218 فما يليها.
    3. «دائرة المعارف»، وجدي، ج 7، ص 222.

معرفة الإمام ج۷

200
  • هنا؟ و هل يجيز لنا الحكم من جانب واحد على أساس الديمقراطيّة و الحريّة أن نغضّ الطرف عن حديث مسلّم و متواتر، و نعتبره نسْياً مَنْسِيّاً؟

  • و من الثابت أنّ ذنب هذا الجيل من المسلمين الذين يتهافتون على الباطل، و يعرضون عن الحقّ يقع على عاتق أمثال هؤلاء العلماء الذين شابوا التأريخ الصحيح بآرائهم، ثمّ قدّموا هذا التأريخ المشوب إلى المجتمع و عامّة الناس.

  • إنّ هؤلاء المساكين الذين يبغون من وراء هذه التمحّلات عرض خلافة أبي بكر كخلافة قائمة على أساس ديمقراطيّ، و توطيد دعائم مذهبهم، ما ذا يقولون عن خلافة عمر التي تمّت برأي أبي بكر الفرديّ الاستبداديّ؟ و ما ذا يقولون عن خلافة عثمان التي كانت برأي عمر الفرديّ الاستبداديّ؟ و هل كان اختيار عمر أو عثمان للخلافة قد تمّ بالتشاور مع المسلمين؟

  • يستبين ممّا عرضناه هنا كنه السرّ من وراء إخفاء حديث الغدير. علماً أنّ حديث الغدير لا يدع مجالًا للتروّي و التأمّل؛ و كما قال أبو حنيفة: لَا تُقِرُّوا بِهَا فَيَخصِمُوكُمْ! فالحيلة- إذَن- إخفاء حديث الغدير، كما أنّ البُخاريّ، و مُسْلِم لم يذكراه في صحيحهما؛ فلهذا نرى أنّ هذين الصحيحين يحظيان بأهمّيّة خاصّة عند السنّة، لأنهما يرسيان دعائم التسنّن أكثر فأكثر؛ و كان الحكّام في ضوء سياستهم أقرب إلى هذين الكتابين من غيرهما.

  • و لم يذكر البُخاريّ، و مُسْلم أحاديث المهديّ القائم من آل محمّد، و قد صدفا عنها تماماً. أمّا الصحاح الأربعة الاخري، و هي للنسائيّ، و أحْمد بن حَنْبَل، و التِّرمَذيّ، و ابن ماجَة، فقد ذكرت حديث الغدير، و حديث مهديّ آل محمّد معاً بأسانيد صحيحة. بَيدَ أنّ محلّلي السيرة

معرفة الإمام ج۷

201
  • و التأريخ، و حتّى المستشرقين المحايدين صرّحوا و نصّوا وفقاً لمنطق الإسلام أنّ الحقّ كان مع عليّ بن أبي طالب، و قد حرموه من حقّه.

  • خضوع الاجانب أمام شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام

  • يقول الكاتب المسيحيّ جُورْجْ سَجْعَان جُرْدَاق: و سواء لدي الحقيقة و التأريخ أ عرفتَ هذا العظيم أم لم تعرفه! فالتأريخ و الحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء عليّ بن أبي طالب، صوت العدالة الإنسانيّة، و شخصيّة الشرق الخالدة.

  • مَا ذَا عَلَيْكِ يَا دُنْيَا لَوْ حَشَدْتِ قُوَاكِ فَأعْطَيْتِ في كُلِّ زَمَانٍ عَلِيّاً بِعَقْلِهِ وَ قَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ وَ ذِي فَقَارِهِ»؟!1

  • و يقول فُؤاد جُردَاق المسيحيّ: و أني قصدتني خطوب الحياة، و شئتُ الخلاص من محن الدهر، لجأتُ من حزني إلى أعتاب عليّ عليه السلام، فهو مأوى كلّ ذي عزاء، و هو كالرعد القاصف على الظالمين، و كالرفيق المخلص العطوف على المنكسرين.2

  • و يقول المادّيّ المصريّ المعروف شِبلي الشُّمَيِّل: «الإمام عليّ عليه السلام عظيم العظماء، نسخة مفردة لم ير لها الشرق و لا الغرب صورة طبق الأصل، لا قديماً و لا حديثاً».

  • لقد حاول أعداء الولاية و أهل البيت بكلّ قواهم أن لا يبقوا أثراً لأهل البيت؛ و كانوا يقتلون رواة حديث الولاية حيثما يثقفونهم في كلّ حدب و صوب، و تحت كلّ حجر و مدر. و كان اسم عليّ جريمة. و كانوا يسوقون الامّة بأساليب بربريّة و جاهليّة كأساليب الجاهليّين قبل الإسلام، و يفرضون عليهم إسلاماً فارغاً ليس فيه روح العرفان و المعنويّة، إسلاماً3

  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص201

    1. «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» ص 30.
    2. لم نعثر على نصّ كلامه، فترجمناه من الفارسيّة( م).
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

202
  • لا يرتبط بعالم الملكوت؛ و يطلبون منهم الاعتقاد بنبيّ بلا عليّ بن أبي طالب، و قرآن بلا محتوي و لا تفسير و لا بيان. حتّى بلغ الأمر أنّ جلاوزة الحجّاج بن يوسف الثقفيّ أتوه برجل يدعى عليّاً، و لمّا سأله الحجّاج عن اسمه، قال: عقّني أبواي إذ سمّياني عليّاً.

  • كتابا «الإمامة و السياسة» و «ينابيع المودّة» كانا محظورين

  • و كما رأينا فإنّ ابن حجر الهَيتميّ صاحب «الصَّوَاعِق المُحْرَقِة» احتجّ على ابن قُتَيبَة الدينوريّ صاحب كتاب «الإمامة و السِّيَاسة» لذكره أخباراً توجب القدح في الصحابة، و تؤدّي إلى المشاجرة بين العوامّ، و تلفت نظر الناس إلى امور لا ينبغي أن يطّلعوا عليها، و هو معروف بمنزلته و جلالته العلميّة و عظمته الثقافيّة الإسلاميّة. و يجب على العلماء أن لا يقولوا الحقائق كما هي، لأنها تكون مستمسكاً بِيَدِ العوامّ، و الأفضل في هذه الحالة عرض مواضيع لا تبعث على تشويش ذهن الامّة.1

  • إنّ هؤلاء و أمثالهم لمّا لم يجدوا سبيلًا إلى الشكيك في جلالة ابن قُتَيبَة، أو في كتابه «الإمامة و السِّياسة»، بثّوا وجدهم حرصاً على مصلحة الامّة شاكين من ابن قتيبة و معاتبين أيّاه. و لو وجدوا سبيلًا إلى الطعن فيه لأمكنهم ذلك بسهولة، فإمّا ينكرون جلالته و عظمته في التأريخ، أو ينكرون نسبة هذا الكتاب إليه بصراحة!

  • إنّ كتاب «الإمامة و السِّياسة» كتاب من العامّة لا مثيل له بين كتب العامّة من حيث صحّته و قدمه. مؤلّفه هو أبو محمّد عبد الله بن مُسْلم الدينوريّ المتوفّى في سنة 270 ه-.

  • يقول محمّد فريد وجديّ بعد عرضه شيئاً من قضيّة السقيفة: هذا

    1. جاء ذلك في كتاب« تطهير اللسان» المطبوع في حاشية كتاب« الصواعق المُحرقة» ص 94.

معرفة الإمام ج۷

203
  • موجز لما ذكره العلّامة الدينوريّ في كتابه: «الإمامة و السياسة» مفصّلًا.1

  • و بعد نقله خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، و قوله في الهامش، نقلنا هذه الخطبة عن كتاب «الإمامة و السياسة» لأبي محمّد عبد الله بن مسلم الدينوريّ المتوفّى سنة 270 ه- يقول: إنّ الكتاب الذي ننقل منه هذه الخطبة هو من أقدم الكتب و أوثقها في مسائل الخلافة الإسلاميّة.2

  • و لمّا لم يسعهم إنكار ما جاء في هذا الكتاب من موضوعات، أعلنوا أنه من الكتب المحظورة. و هذا الكتاب، و كتاب «ينابيع المَودَّة» للقُندوزيّ الحَنَفي اللذان طبعا قبل قرن من الزمان بعد انتشار الطباعة كانا محظورين في الدولة العثمانيّة (تركيا المعاصرة) و العراق. و لكن عند ما كثرت نسخهما عند الناس و في المكتبات شيئاً فشيئاً. لم يستطع أحد أن يمنع تداولهما بيعاً و شراءً في السنين الأخيرة.

  • جاء في كتاب «الإمامة و السياسة» امتناع أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة، و اعتصام الزُّبَير، و المقداد، و سَلمان، و غيرهم في دار فاطمة عليها السلام، و سوق أمير المؤمنين إلى المسجد، و ذهاب فاطمة خلفه، و لجوؤه إلى قبر رسول الله، و استنصاره المهاجرين و الأنصار بواسطة فاطمة سلام الله عليها.

  • عجباً لمخالفي الولاية إذ ظلموا أنفسهم، مع جميع ضروب الظلم و الأذى التي ألحقوها بمقام الولاية، و كافّة جهودهم لإخفاء الولاية. عجباً لهم إذ حرموا أنفسهم الارتشاف من منهل الحقيقة، و لم يهتدوا بضياء الشمس المتألّقة كالخُفّاش الذي ظلّ محروماً من شعاع الشمس و إلّا فهل

    1. «دائرة المعارف»، وجدي، ج 3، ص 745.
    2. «دائرة المعارف»، وجدي، ج 3، ص 749.

معرفة الإمام ج۷

204
  • يمكن حجب الشمس و إسدال الستار عليها؟

  • شبپره گر وصل آفتاب نخواهد***رونق بازار آفتاب نكاهد 1

  • لقد أنشد محبّو أهل البيت و ولايتهم مدائحهم في أمير المؤمنين عليه السلام جيلًا بعد جيل و قرناً بعد قرن مع تجرّعهم الغصص و معاناتهم صنوف العذاب، و دأبوا على ذلك منذ عصر إمامهم صلوات الله عليه إلى يومنا هذا. و إن كان بينهم مَن مَدَح و مَجَّدَ و هو على خشبة الصلب ينازع الموت كرُشَيد الهَجريّ، و مَيثَم التمّار، غير أنّ الشعراء أنشدوا قصائدهم، و الخطباء ألقوا خطبهم، و كلّ جيل يرى نفسه مديناً للجيل السابق، و مسؤولًا عن إيصال ذلك إلى الجيل اللاحق، فَلِلَّهِ الحَمْدُ وَ لَهُ الشُّكْرُ إذ نرى أنّ اسم عليّ في طليعة أسماء أحرار العالم، و أنّ جميع المبادئ و المدارس- بما فيها المبادئ و المدارس غير الإسلاميّة- تنظر إليه نظرة احترام و تبجيل من حيث عظمته، و رفعة شأنه، و علوّ منزلته، و كونه قدوة الأحرار في العالم. و أنّ الشيعة حيثما كانوا يتباهون بأنهم أتباع مدرسته. و المخالفون بحاجة إلى إخفاء مطاعن و قبائح أئمّتهم حيال الجرائم التي يكشف عنها التأريخ باستمرار، و يحاولون دائماً التكتّم على مثالب رجالهم لئلّا يفتضحوا أكثر فأكثر. و لكن ليعلموا أنه قد مضى ما مضى، و الحادث يتعذّر تجنّبه، و أنّ التكتّم على تلك الفضائح يزيد الطين بلّة، خاصّة مع النقد و التحليل و التدقيق و التنقيب و البحث و المناقشة الحرّة حيال الأحداث التي شاعت في عالم اليوم.

  • قصيدة الكميت شاعر أهل البيت في الغدير

  • و هناك شاعر من شعراء أهل البيت المبدعين، و هو الكُمَيت و في شعره الهاشميّات قد قطع شوطاً كبيراً في إحياء تأريخ أهل البيت خاصّة

    1. يقول:« إذ لم يرغب الخفّاش في وصال الشمس، فهو لا يقلّل من قيمتها و رونقها».

معرفة الإمام ج۷

205
  • قصائده «الهاشميّات». و لمّا كان ميلاده سنة 60 ه-، و وفاته سنة 126 ه-، فقد كان عصره متقارناً مع عصر الإمام زين العابدين، و ولده الباقر سلام الله عليهما؛ كان يعيش أيّام دولة بني اميّة. و لم يدّخر وسعاً في إنشاد قصائده على الرغم من تحمّله صنوف العذاب و العناء، و تحدّث عن مظلوميّة أهل البيت، و كشف جرائم مناوئيهم. و في شعره الذي أنشده في غدير خُمّ، تكلّم عن الولاية و لزوم اتّباعها. و فيما يلي عدد من أبيات قصيدته العينيّة.

  • وَ يَوْمَ الدَّوحِ دَوْحِ غَديرِ خُمٍ***أبانَ لَهُ الوَلايَةَ لَوْ اطِيعَا

  • وَ لَكِنَّ الرِّجَالَ تَبَايَعُوهَا***فَلَمْ أرَ مِثْلَهَا خَطَراً مَبِيعَا

  • فَلَمْ ابْلِغْ بِهَا لَعْناً وَ لَكِنْ***أساءَ بِذَاكَ أوَّلُهُمْ صَنِيعَا

  • فَصَارَ بِذَلِكَ أقْرَبُهُمْ لِعَدْلٍ***إلَى جَوْرٍ وَ أحْفَظُهُمْ مُضِيعَا

  • أضَاعُوا أمْرَ قَائِدِهِمْ فَضَلُّوا***وَ أقْوَمِهِمْ لَدَى الْحِدْثَانِ رِيعَا

  • تَنَاسَوا حَقَّهُ وَ بَغَوْا عَلَيهِ***بِلَا تِرَةٍ وَ كَانَ لَهُمْ قَرِيعَا 1

  • فَقُلْ لِبَنِي امَيَّةَ حَيْثُ حَلُّوا***وَ إن خِفْتَ الْمُهَنَّدَ وَ الْقَطِيعَا

  • ألا افٍّ لِدَهْرٍ كُنْتُ فِيهِ***هِدَاناً طَائِعاً لَكُمُ مُطِيعَا

  • أجَاعَ اللهُ مَنْ أشْبَعْتُمُوهُ***وَ أشْبَعَ مَنْ بِجَوْرِكُمُ اجِيعَا

  • وَ يَلْعَنُ فَذَّ امَّتِهِ جَهَاراً***إذَا سَاسَ الْبَرِيَّةَ وَ الْخَلِيعَا

  • بِمَرْضِيّ السِّيَاسَةِ هَاشِمِيّ***يَكُونُ حَيَّاً لُامَّتِهِ رَبِيعَا

  • وَ لَيْثاً في المَشَاهِدِ غَيْرَ نُكْسٍ***لِتَقْوِيمِ البَرِيَّةِ مُسْتَطِيعَا

  • يُقِيمُ امورَهَا وَ يَذُّبُّ عَنْهَا***وَ يَتْرُكُ جَدْبَها أبَداً مَرِيعاً

  • يقول أبو الفتوح الرازيّ: روي عن الكميت أنه قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في المنام، فقال: أنشدني قصيدتك العينيّة،

    1. القريع: السيّد و الرئيس.( م)

معرفة الإمام ج۷

206
  • فأنشدته حتّى انتهيت إلى قولي فيها:

  • وَ يَوْمَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَدِيرِ خُمٍ***أبَانَ لَهُ الوَلايَةَ لَوْ اطِيعَا

  • فقال صلوات الله عليه: صَدَقْتَ! ثمّ أنشد [الإمام] عليه السلام هذا البيت:

  • وَ لَمْ أرَ مِثْلَ ذَاكَ اليَوْمَ يَوْماً***وَ لَمْ أرَ مِثْلَهُ حَقّاً اضِيعَا 1

  • و في كتاب «الصِّراط المستقيم» للبياضيّ العامليّ: أنه روى ابن الكميت: أنه رأي النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله في النوم، فقال: أنشدني قصيدة أبيك العينيّة، فلمّا وصل إلى قوله:

  • * وَ يَوْمَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَدِيرِ خُمٍّ*

  • بكى رسول الله بكاء شديداً و قال: صَدَقَ أبُوكَ رَحمَهُ اللهُ؛ إي وَ اللهِ، لَمْ أرَ مِثْلَهُ حَقَّاً اضِيعَا.2

  • في رحاب هاشميّات الكميت

  • قيل: إنّ أوّل قصيدة قالها الكميت من الهاشميّات هي هذه القصيدة:

  • طَرِبْتُ وَ مَا شَوْقاً إلَى البِيضِ أطْرَبُ***وَ لَا لَعِباً مِنِّي وَ ذُو الشَيْبِ يَلْعَب؟

  • وَ لَمْ يُلْهِني دَارٌ وَ لَا رَسْمُ مَنْزِلٍ***وَ لَمْ يَتَطَرَّبْني بَنَانٌ مُخضَّبُ

  • وَ لَا السَّانِحَاتِ البَارِحَاتِ عَشِيَّةً***أمَرَّ سَلِيمُ القَرْنِ أمْ مَرَّ أعْضَبُ

  • وَ لَكِنْ إلَى أهْلِ الفَضَائِلِ وَ التُّقَى***وَ خَيْرِ بَني حَوَّاءِ وَ الخَيْرُ يُطْلَبُ

  • إلى النَّفَرِ البِيْضِ الَّذِينَ بِحُبِّهِمْ***إلَى اللهِ فِيمَا نَا بَني أتَقَرَّبُ

  • بَني هَاشِمٍ رَهْطِ النَّبِيّ فَإنَّني***بِهِمْ وَ لَهُمْ أرْضَى مِرَاراً وَ أغْضَبُ

  • خَفَضْتُ لَهُمْ مِنِّي جَنَاحِي مَودَّةً***إلَى كَنَفٍ عِطْفَاهُ أهْلٌ وَ مَرْحَبُ

  • وَ كُنْتُ لَهُمْ مِنْ هَؤلَاءِ وَ هُؤلا***مُحِبّاً عَلَى أني اذَمُّ وَ اغْضَبُ

    1. «تفسير أبي الفتوح» ج 2، ص 193، طبعة المظفّريّ.
    2. «الغدير» ج 2، ملخّص ص 180 إلي 183.

معرفة الإمام ج۷

207
  • وَ ارْمَى وَ أرْمِي بِالعَدَاوَةِ أهْلَهَا***وَ إنِّي لُاوذَى فِيهِمُ وَ اؤَنَّبُ 1 و 2

  • إلى أن يقول:

  • فَمَا لي إلَّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةٌ***وَ مَا لي إلَّا مَذْهَبُ الحَقِّ مَذْهَبُ

  • بِأيّ كِتَابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ***تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيّ وَ تَحْسِبُ؟

  • وَجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حم آيَةً***تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيّ وَ مُعْرِبُ

  • على أيّ جُرْمٍ أمْ بِأيَّةِ سِيرَةٍ***اعَنَّفُ في تَقْرِيظِهِمْ وَ اكَذَّبُ

  • إلى أن يقول:

  • أ لَمْ تَرَني مِنْ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ***أرُوحُ وَ أغْدُو خَائِفاً أتَرَقَّبُ

  • فَطَائِفَةٌ قَدْ أكْفَرَتَني بِحُبِّهِمْ***وَ طَائِفَةٌ قَالَتْ مُسِيءٌ وَ مُذْنِبُ

  • إلى أن قال:

  • فَإنْ هي لَمْ تَصْلَحْ لِحَيّ سِوَاهُمُ***فَإنَّ ذَوي القُرْبَى أحَقُّ وَ أوْجَبُ

  • يَقُولُونَ لَمْ يُورَثُ وَ لَوْ لا تُرَاثُهُ***لَقَدْ شَرِكَتْ فِيهَا بَكِيلٌ وَ أرحَبُ 3

    1. و أضاف السيوطيّ هذا البيت في شرح شواهد المغني، ج 1، ص 34:
      وَ لَا أنَا مِمَّنْ يَزْجُرُ الطَّيْرَ هَمُّهُ أ صَاحَ غُرَابٌ أمْ تَعَرَّضَ ثَعْلَبُ
    2. «الأغاني» ج 15، ص 119 و 120، طبعة ساسي، ضمن عرض ذلك على الفرزدق.
    3. «شرح شواهد المغني» تأليف السيوطيّ، ج 1، ص 35 إلي 39.

معرفة الإمام ج۷

208
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّانِي بَعْدَ المائَة إلى الدَّرْسِ الخامِسِ بَعْدَ الْمائَة في تفسير و مفاد الحديث النبويّ الشريف: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعليّ مَوْلَاهُ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۷

210
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة اللهِ على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلَّا باللهِ العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.1

  • بعد أن فرغنا و الحمد للّه تعالى من الحديث عن سند حديث الولاية يوم عيد الغدير: مَنْ كُنتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، ننتقل الآن إلى الحديث عن معنى المَوْلَى و مُفاد نصّ هذا الحديث؛ و وجوب طاعة الامّة لمولى الموحّدين عليه صلوات الله و صلوات ملائكته المقرّبين و أنبيائه المرسلين.

  • غديريّة أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته إلى معاوية

  • جاء في مناقب ابن شهرآشوب عن أبي الحسن المدائنيّ أنه قال: كتب معاوية إلى الإمام أمير المؤمنين رسالة قال له فيها:

  • يَا أبَا الحَسَن! إنَّ لي فَضَائِلَ كَثيرةً: كَانَ أبِي سَيِّداً في الجَاهِلِيَّةِ وَ صِرْتُ مَلِكاً في الإسْلَامِ، وَ أنَا صِهْرُ رَسُولِ اللهِ، وَ خَالُ المُؤْمِنِينَ،2

    1. وسط الآية 3، من السورة 5: المائدة.
    2. لمّا كانت امّ حبيبة بنت أبى سفيان و اخت معاوية من أزواج رسول الله، و القرآن يصرّح أنّ أزواج النبيّ امّهات المؤمنين: وَ أزوَاجُهُ امَّهَاتُهُمْ، لذلك استغلّ معاوية هذه الآية فاختلق له نسباً يتمثّل في خؤولة المؤمنين. و كان يسمّي نفسه في الشام: خال المؤمنين.

معرفة الإمام ج۷

211
  • وَ كَاتِبُ الوَحْي!

  • فَلَمّا قرأ أمير المؤمنين الكتاب، قال: أبا الفضل يفخر علينا ابن آكلة الأكباد؟ اكتب يا غلام:

  • مُحَمَّدٌ النَّبِيّ أخِي وَ صِنْوي***وَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي

  • وَ جَعْفَرٌ الذي يُضْحِي وَ يُمْسِي***يَطيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ امِّي

  • وَ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَ عِرْسِي***مَنُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمي وَ لَحْمِي

  • وَ سِبْطَا أحْمَدٍ وَ لَدَايَ مِنْهَا***فَأيُّكُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي؟

  • سَبَقْتُكُمُ إلَى الإسْلَامِ طُرَّاً***على مَا كَانَ مِنْ فَهْمِي وَ عِلْمِي 1

  • فَأوْجَبَ لي وَلايَتَهُ عَلَيْكُمْ***رَسُولُ اللهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمِ

  • فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ***لِمَنْ يَلْقَى الإلَه غَدَاً بِظُلْمِي

  • فلمّا قرأ معاوية الكتاب، قال: مزّقه يا غلام! لا يقرأه أهل الشام فيميلون معه نحو عليّ بن أبي طالب!2

    1. جاء هذا البيت في كتاب« النقض» ص 145 على الشكل التالى:
      سبقتكم إلى الإسلام طرّاً--غُلاماً ما بلغت أوَانَ حُلْمِي
      --
      3
      و في كتاب« كشف الغمّة» للإربليّ، ص 92:
      * صَغِيراً مَا بَلَغْتُ أوانَ حُلميّ*

    2. «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 356 الطبعة الحجريّة؛ و« معجم الأدباء» ج 14، ص 48؛ و« البداية و النهاية» ج 8، ص 8 و 9؛ و« الغدير» ج 2 ص 25.
      و نُقِلَت هذه الأبيات عن أمير المؤمنين عليه السلام في« فرائد السمطين» ج 1، الباب 70، ص 427. و قال في مستهلّ هذا الموضوع:« لمّا قرأ الإمام كتاب معاوية، قال: أبا الفضل يفخر عَلَيّ ابن آكلة الأكباد؟ اكتب إليه يا قنبر: إنّ لي سيوفاً بدريّة، و سهاماً هاشميّة، قد عرفت مواضع نصالها في أقاربك و عشائرك يوم بدر؛ و ما هي من الظالمين ببعيد( ثمّ قال له: اكتب: محمّد النبيّ ... إلى آخره)؛ و« الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، طبعة النجف، ج 1، ص 265 و 266.

معرفة الإمام ج۷

212
  • نرى في هذه الأبيات أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد استشهد بحديث الغدير، و استنبط وجوب ولايته على الامّة من قوله صلّى الله عليه و آله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ فولايته عليه السلام واجبة على الامّة كافّة، و هي تستلزم الإمامة و الإمارة و الاستخلاف.

  • تلقّت الامّة الإسلاميّة هذا الإشعار بالقبول، و تسالمت جميعها على روايته عنه عليه السلام. غير أنّ كلّ عالم أخذ من هذه الأبيات ما يتّصل بموضوع بحثه. فمنهم من أخذ منها ما يتعلّق بالصهريّة، و منهم من أخذ ما يتعلّق بالنسب، و منهم من أخذ ما يرتبط بالسبق إلى الإسلام، و منهم من أخذ منها ما يتعلّق بالولاية في غدير خمّ.

  • فمن علماء الشيعة البارزين الذين أوردوها في كتبهم: الشيخ المفيد و الكراجُكيّ، و الفتّال النيسابوريّ، و أبو منصور الطبرسيّ، و ابن شهرآشوب، و الإربليّ، و ابن سنجر النخجوانيّ، و على البياضيّ، و المجلسيّ العظيم [الثاني] و السيّد على خان المدنيّ، و أبو الحسن الشريف. و رواها من أعلام العامّة: البيهقيّ الذي رواها برمّتها و قال: إنّ هذا الشعر ممّا يجب على كلّ أحد موالٍ لعليّ حفظه، ليعلم مفاخره في الإسلام.

  • و منهم: الحافظ زيد بن الحسن الكِنديّ الحنفيّ، و ياقوت الحَمَويّ، و محمّد بن طلحة الشافعيّ، و يوسف بن محمّد المالكيّ المعروف بابن الشَّيخ، و سبط بن الجوزيّ، و ابن أبي الحديد، و محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ، و سعيد الدين الفَرْغَانيّ، و شيخ الإسلام الحمُّوئيّ، و أبو الفداء،

معرفة الإمام ج۷

213
  • و محمّد بن يوسف الزَّرَنديّ، و ابن كثير الشاميّ، و الخواجه بارسا، و ابن الصبّاغ المالكيّ، و خواند مير، و ابن حَجَر الهَيْتَميّ، و المتّقي الهنديّ، و الإسحاقيّ، و الحلبيّ الشافعيّ، و الشبراويّ الشافعيّ، و السيّد أحمد قادين خواني، و السيّد محمود الآلوسيّ، و القُنْدُوزيّ، و السيّد أحمد زَيني دَحْلان، و محمّد حبيب الله الشنقيطيّ المالكيّ.1

  • استنباط الإمامة من شعر حسّان و الكميت

  • و رأينا في أبيات حسّان بن ثابت أنه ذكر الولاية بمعنى الإمامة و القيادة و الهداية. و قال بعد ذلك:

  • فَقَالَ لَهُ قُمْ يَا عَلِيّ فَإنَّنِي***رَضِيتُكَ مِنْ بَعْدِي إمَاماً وَ هَادِياً

  • و يتفرّع على ذلك:

  • فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ***فَكُونُوا لَهُ أتْبَاعَ صِدْقٍ مُوَالِياً

  • أي: أنّ شرط الولاية إمامة الناس و هدايتهم؛ و هذان المعنيان متلازمان.

  • و كان حسّان بن ثابت من العرب الخالصة،2 و يعتمد أهل اللغة و الأدب في تفاسيرهم و كتبهم النحويّة و البلاغيّة على شعره لمعرفة اللغة و تفسير القرآن. فكيف يُتَصوَّر أن يفرّع هذا التفريع على غير المعنى اللغويّ و المتفاهَم العُرفيّ، و هو الذي قوله حجّة، و الاستشهاد بشعره عند

    1. «الغدير» ج 2، ص 26 إلى 30. إكتفى بذكر أسماء المؤلّفين فحسب.
    2. ذكر أبو الفرج الإصفهانيّ نسبه في« الأغاني» طبعة ساسي ج 4، ص 3 كما يلي:« حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار- و هو تيم الله بن ثَعْلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة- و هو العنقاء بن عمرو( و إنّما سمّي العنقاء لطول عُنُقه) و عمرو- هو مزيقياء- بن عامر بن ماءِ السَّماءِ بن حارثة الغِطْريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد، و هو ذري- و قيل: ذراء ممدود- بن الغوث بن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

معرفة الإمام ج۷

214
  • أهل الأدب يقطع العذر على المعذّرين؟

  • و رأينا في شعر الكُمَيت أيضاً أنه استنتج الرئاسة و الحكومة و الإمامة من حديث الولاية في يوم الغدير، إذ قال:

  • وَ يَوْمَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَديرِ خُمٍ***أبَانَ لَهُ الْوَلَايَةَ لَوْ اطِيعَا

  • و لمّا كان وجوب الطاعة المرتكز على الولاية مستخرج من حديث رسول الله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، فمعنى الولاية، أو بكلمة أفضل: شرط الولاية هو وجوب الطاعة المرتكز على الرئاسة و الإمارة و الإمامة.

  • الكميت شاعر عربيّ، و هو عربيّ المحتد أيضاً.1 مثله كحسّان إذ يفاد من كلامه، و يُستشهد به لفهم اللغة و آيات القرآن و شعر العرب و طبّهم.

  • فكيف يُخال أنّ مثل هذا الشخص الحاقّ في اللغة العربيّة، يستعمل عبارة أو كلمة في غير موضعها، و يجعلها في موضع لم تستعمل فيه قطّ، و هو على ما هو عليه من الجلالة و العظمة في العربيّة و مفرداتها؟ و لو قدّر أن يكون استعمال كلمة في غير معناها الحاقّ و الأصليّ صحيحاً، فإنّه صحيح بالنسبة إلى الجميع؛ و يتسنّى لكلّ خطيب أو شاعر أن يستخدم الألفاظ في غير معانيها الحقيقيّة بدون التوكّؤ على قرينة. و في هذه الحالة

    1. جاء نسبه في« الأغاني» ج 15، ص 108 كما يلي: هو الكميت بن زيد بن خنيس ابن مخالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع- و قيل: الكميت بن زيد بن خنيس بن مخالد بن ذؤيبة بن قيس بن عمرو بن سبيع- بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار. و جاء في التعليقة من« المؤتلف و المختلف» للآمديّ أنّ المسمّين باسم الكُميت بين الشعراء ثلاثة من بني أسد: أوّلهم: الكميت أكبر بن ثعلبة بن نوفل بن فضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس. الثاني: الكميت بن المعروف بن الكميت الأكبر، و الثالث: الكميت بن زيد[ بن خنيس، موضوع بحثنا].

معرفة الإمام ج۷

215
  • تضيع اللغة و يسقُم الشعر و الأدب تماماً، و عندئذٍ لا سبيل لنا إلى فهم معاني الألفاظ من كلام البُلَغاء و الفُصحاء.

  • و من الأشعار المأثورة عن صحابة النبيّ صلّى الله عليه و آله في حديث الغدير، الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و وجوب طاعته على الامّة، أبيات الصحابيّ المعروف بجلالة منزلته و عظيم قدره قَيْس بن سَعْد بن عُبَادَة، الشيعيّ الوفيّ المخلص لأمير المؤمنين عليه السلام في جميع المواطن، و الخطيب البليغ من قبيلة الخَزرَج، و هم من أنصار المدينة. و أنّ سيرته الحميدة، و حياته الكريمة، و عقله الحصيف، و استقامته و صموده، و ركونه إلى أهل البيت عليهم السلام منذ بدء نشأته، كلّ ذلك حقيق ببحث تاريخيّ مفصّل.

  • ينقل التأريخ عنه أنه عند ما عاد من معركة الجمل، وقف أمام أمير المؤمنين عليه السلام و أنشده الأبيات التالية:

  • قُلْتُ لَمَّا بَغَى العَدُوُّ عَلَيْنَا***حَسْبُنَا اللهُ وَ نِعْمَ الوَكِيلُ

  • حَسْبُنَا رَبُّنَا الذي فَتَقَ البَصرَةَ***بِالأمْسِ وَ الحَدِيثُ طَويلُ

  • وَ عَلِيّ إمَامُنَا وَ إمَامٌ***لِسِوَانَا أتى بِهِ التَّنْزِيلُ

  • يَوْمَ قَالَ النَّبِيّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ***فَهَذا مَوْلَاهُ خَطْبٌ جَلِيلُ

  • إنَّمَا قَالَهُ النَّبِيّ على الامَّةِ***حَتْماً مَا فِيهِ قَالٌ وَ قِيلُ 1

  • فلاحظ في الأبيات المذكورة كيف بهذا الصحابيّ الجليل، و هو من

    1. «مناقب ابن شهرآشوب» الطبعة الحجريّة ج 1، ص 530؛ و« تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 193. و ذكرها ابن الفتّال في« روضة الواعظين» ص 90؛ إلّا أنه نسبها إلي عليّ بن أحمد الفنجكرديّ سهواً. و نسب شعر الفنجكرديّ:
      * يوم الغدير سوي العيدين لي عيد*
      إلي قيس بن سعد بن عبادة.

معرفة الإمام ج۷

216
  • سادة العرب و عظمائها، و نجل سيّد الخَزْرَج: سَعْد بن عُبَادَة، يعتبر عليّاً صلوات الله عليه إماماً له و لمن سواه. و قد انتهل ذلك من الآية القرآنيّة الكريمة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، التي قال رسول الله صلّى الله عليه و آله في أعقابها: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.

  • و على هذا، فإنّ الولاية هنا ينبغي أن تكون بمعنى الإمامة، أو أنّ الإمامة شرطها لا محالة، و عندئذٍ يتسنّى مثل هذا الاستنتاج. لذلك فإنّ اللغة العربيّة الأصيلة الحقّة تفيد أنّ الولاية تعني الإمامة، أو أنها شرطها.

  • أشعار الحِميريّ في غدير خمّ و استنباط الإمامة منها

  • و للسيّد إسماعيل الحِمْيَرِيّ قصائد جمّة في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. و بعامّة، أنّ ديوانه يتألّف من مدائح أهل البيت، و مطاعن مناوئيهم. و فيما يلي عدد من أبياته، نذكرها هنا مثالًا لما نقول:

  • و بِخُمٍّ إذْ قَالَ الإلَهُ بِعَزْمَةٍ***قُمْ يَا مُحَمَّدُ في البَرِيَّةِ فَاخْطِبِ

  • وَ انْصِبْ أبَا حَسَنٍ لِقَوْمِكَ إنَّهُ***هَادٍ وَ مَا بَلَّغْتَ إنْ لَمْ تَنْصِبِ

  • فَدَعَاهُ ثُمَّ دَعَاهُمُ فَأقَامَهُ***لَهُمُ فَبَيْنَ مُصَدِّقٍ وَ مُكَذِّبِ

  • جَعَلَ الوَلايَةَ بَعْدَهُ لِمُهَذَّبٍ***مَا كَانَ يَجْعَلُهَا لِغَيْرِ مُهَذَّبِ 1

  • و نلاحظ أنّ السيّد الحِمْيَريّ ذكر في هذه الأبيات أمر التبليغ بالولاية النازل من الله بلفظ النَّصْب. و النَصب لا يناسب إلّا الخلافة و الإمامة، لا المحبّة و النصرة. يقال: نُصب فلان في الخلافة أو الإمارة؛ و لا يقال: نُصب فلان في المحبّة أو النصرة للناس.

    1. «ديوان الحميريّ» ص 111 و 112. و هذه الأبيات الأربعة هي البيت المائة و ما بعده بالترتيب، و هي من قصيدة تبلغ 113 بيتاً، و مطلعها:
      هَلا وقفت على المكان المعشب بين الطويلع فاللوى من كبكبِ

معرفة الإمام ج۷

217
  • هذا من جهة، و من جهة اخرى فإنّه يقول في البيت الرابع: جعل الولاية بعده لإنسان مهذّب. و يستبين من ذلك أنّ الولاية لو كانت بمعنى المحبّة أو النصرة، فهي لا تختصّ بما بعده، بل إنّ على الامّة أن تحبّ عليّاً و تواليه و تنصره سواء في عصر رسول الله، أو في العصر الذي يأتي بعده؛ و لكنّها الإمامة التي جعلت بعد وفاة الرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله عقداً لا بدّ منه.

  • و يقول السيّد الحِميَريّ أيضاً:

  • لَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَهُ بِخُمٍ***غَدَاةَ يَضُمُّهُمْ وَ هُوَ الغَدِيرُ

  • فَمَنْ أوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ فَقَالُوا***مَقَالَةَ وَاحِدٍ وَ هُمُ الكَثيرُ

  • جَمِيعاً أنْتَ مَوْلَانَا وَ أوْلَى***بِنَا مِنَّا وَ أنْتَ لَنَا نَذِيرُ

  • فَإنَّ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي عَلِيّ***وَ مَوْلَاكُمْ هُوَ الهَادِي الوَزِيرُ

  • وَزِيري في الحَيَاةِ وَ عِنْدَ مَوْتِي***وَ مَنْ بَعْدِي الخَلِيفَةُ وَ الأمِيرُ

  • فَوَالَى اللهُ مَنْ وَالاهُ مِنْكُمْ***وَ قَابَلَهُ لَدَى المَوْتِ السُّرُورُ

  • وَ عَادَ اللهُ مَنْ عَادَاهُ مِنْكُمْ***وَ حَلَّ بِهِ لَدَى المَوْتِ النُّشُورُ 1

  • استهدى الحميريّ في هذه الأبيات بكلام رسول الله: مَنْ أوْلَى بِكُمْ، و استنتج من كلامه صلّى الله عليه و آله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ أمرَ الخلافة و الإمارة. ذلك أنّ رسول الله بعد أن أشهد الناس على أولويّته، و جعل ولاية عليّ كولايته، نظّم القيادة و الوزارة في حياته حتّى دنوّ أجله، كما هيّأ الأجواء للخلافة و الإمارة بعد وفاته. و من المعلوم أنّ هذه المعاني و المفاهيم تستنبط من الولاية، و إلّا فإنّ الاستنتاج و التفرّع و الترتّب امور غير صحيحه.

    1. «ديوان الحميريّ» ص 198. و جاء في التعليقة: ورد في البيت السابع:« النُّشُور» حسب نقل« المناقب» و« الغدير». و صوابه على ما أعتقد:« الثُّبور».

معرفة الإمام ج۷

218
  • و يقول الحميريّ أيضاً:

  • نَفْسِي فِدَاءُ رَسُولِ اللهِ يَوْمَ أتَى***جَبْرِيِلُ يَاْمُرُ بِالتَّبْلِيغِ إعْلَانَا

  • إنْ لَمْ تُبَلِّغْ فَمَا بَلَّغْتَ فَانْتَصَبَ***النَّبِيّ مُمْتَثِلًا أمْراً لِمَنْ دَانَا

  • وَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ مَوْلَاكُمُ قُبُلًا***يَوْمَ الغَدِيرِ؟ فَقَالُوا: أنْتَ مَوْلَانا

  • أنْتَ الرَّسُولُ وَ نَحْنُ الشَّاهِدُونَ على***أنْ قَدْ نَصَحْتَ وَ قَدْ بَيَّنْتَ تِبْيَانَا

  • هَذَا وَلِيُّكُمُ بَعْدِي امِرْتُ بِهِ***حَتْماً فَكُونُوا لَهُ حِزْبَاً وَ أعْوَانَا

  • هَذَا أبَرُّكُمُ بِرّاً وَ أكْثَرُكُمْ***عِلْماً وَ أوَّلُكُمْ بِاللهِ إيمَانَا

  • هَذَا لَهُ قُرْبَةٌ مِنِّي وَ مَنْزِلَةٌ***كَانَتْ لِهَارُونَ مِنْ موسى بنِ عِمْرَانَا 1

  • و نشاهد الحميريّ هنا أيضاً يذكر بعد العبارة المتمثّلة بقوله: مَنْ مَوْلَاكُمْ، و قولهم: أنْتَ مَوْلَانا، عبارة: هَذَا وَليّكم بعدي، و يتفرّع عليها أنّ منزلة الإمام من رسول الله هي كمنزلة هارون، و اخوّته له كاخوّة هارون لموسى بن عمران.

  • و من الواضح أنّ الولاية بعد الموت، و الخلافة و الوصاية هي من المعاني المستفادة من الولاية بمعنى الإمارة و الإمامة، لا بمعنى المحبّة

    1. «ديوان الحِمْيَريّ» ص 420.

معرفة الإمام ج۷

219
  • و النُّصرة.

  • و أنشد القاضيّ التَّنُوخيّ قائلًا:1

  • وَزيرُ النَّبِيّ المُصْطَفى وَ وَصِيُّهُ***وَ مُشْبِهُهُ في شِيمَةٍ وَ ضَرائِبِ

  • وَ مَنْ قَالَ في يَوْمِ الغَدِيرِ مُحَمَّدٌ***وَ مَنْ خَافَ مِنْ غَدْرِ العِدَاةِ النَّواصِبِ

  • أمَا أننِي أوْلَى بِكُمْ مِنْ نُفُوسِكُمْ***فَقَالُوا بَلَى رَيْبَ المُرِيبِ المَوارِبِ

  • فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ مِنْكُمُ***فَهَذَا أخِي مَوْلَاهُ بَعْدِي وَ صَاحِبِي

  • أطِيعُوهُ طُرّاً فَهوَ مِنِّي بِمَنْزِلٍ***كَهَارُونَ مِنْ موسى الكَلِيمِ المُخَاطَبِ 2

    1. القاضيّ التنوخيّ أحد علماء القرن الثالث و الرابع. توفّي سنة 342 ه-. نظم قصيدة ردّ فيها على عبد الله بن المعتزّ المتوفّى سنة 296 ه-، و كان عبد الله قد نظم قصيدة في مدح العبّاسيّين، افتخَرَ بهم على الطالبيّين، و مطلعها:
      أبي الله إلّا ما ترون فما لكم غضاباً على الأقدار يا آل طالبِ
      فانبري إليه التنوخيّ بقصيدة في غاية الروعة و الجمال، و أوّلها:
      من ابن رسول الله و ابن وصيّه إلي مُدْغلٍ في عقدة الدين ناصبِ
      نَشَا بين طُنْبور و دفّ و مزهر و في حجر شادٍ أو على صَدر ضاربِ و من ظَهر سَكران إلي بطن قينةٍ علي شُبَهٍ في ملكها و شوائبِ و يعدّد الشاعر الظلامات التي حلّت بأهل البيت حتّي يصل إلي سمّ الإمام الرضا عليه السلام من قبل المأمون فيقول:
      و مأمونكم سَمَّ الرِّضا بعد بَيعةٍ تودّ ذري شمِّ الرجال الرواسبِ
    2. «المناقب» ص 531.

معرفة الإمام ج۷

220
  • و القاضيّ التنوخيّ هذا يصل نسبه إلى يَعْرب بن قَحْطَان أيضاً.1 رواه في هذه الأبيات بعد ذكره حديث الولاية: مَنْ كُنتُ مَوْلَاهُ ... يجعل وجوب طاعة الإمام كوجوب طاعة هارون. و لا طائل تحت هذا الأمر ما لم يحمل معنى و مفاد الإمام و الإمامة.

  • شعر الشريف المرتضى علم الهدى في الغدير و استنباط الإمامة منه

  • و أنشد الشريف المرتضى عَلَمُ الْهُدَى قائلًا:

  • أمَّا الرَّسُولُ فَقَدْ أبَانَ وِلَاءَهُ***لَوْ كَانَ يَنْفَعُ جَائِراً أنْ يُنْذَرَا

  • أمْضَى مَقَالًا لَمْ يَقُلْهُ مُعَرِّضاً***وَ أشَادَ ذِكْراً لَمْ يُشِدْهُ مُعَذِّرَا

  • وَ سَنَى إلَيْهِ رِقَابَهُمْ وَ أقَامَهُ***عَلَماً على بَابِ النَّجَاةِ مُشَهَّرَا

  • وَ لَقَدْ شَفَى يَوْمُ الغَدِيرِ مَعَاشِراً***ثَلِجَتْ نُفُوسُهُمُ، و ادْوَى مَعْشَرَا

  • قَلِقَتْ بِهِمْ أحْقَادُهُمْ فَمُرَجِّعٌ***نَفَساً وَ مَانِعُ أنةٍ أنْ تُجْهَرَا

  • يَا رَاكِباً رَقَصَتْ بِهِ مَهْرِيَّةٌ 2***أشِبَتْ بِسَاحَتِهِ الهُمُومُ فَأصْحَرَا

  • عُجْ بِالغَرِيّ فَإنَّ فِيهِ ثَاوِياً***جَبلًا تَطَأطَأ فَاطْمَأنَّ بِهِ الثَّرَى

  • وَ اقْرأَ السَّلَامَ عَلَيْهِ مِنْ كَلِفٍ بِهِ***كُشِفَتْ لَهُ حُجُبُ الصَّبَاحِ فَأبْصَرَا

  • فَلَوِ اسْتَطَعْتُ جَعَلْتُ دَارَ إقَامَتِي***تِلْكَ القُبُورَ الزُّهْرَ حتّى اقْبَرَا 3

  • نرى في هذه الأبيات أنّ الشريف المرتضى، و هو حفيد أهل البيت، يعبّر عن حبّه و شغفه بأمير المؤمنين عليه السلام و تعلّقه بشخصيّة المقدّسة. فيشبّه

    1. أبو القاسم التنوخيّ: و هو عليّ بن محمّد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم بن جابر بن هاني بن زيد بن عبيد بن مالك ... بن حارث بن عمرو( ملك تنوخ) ... يَعرب بن قحطان.
    2. الناقة المهريّة، و هي ناقة معروفة بسرعة السير و الحركة. تنسب إلي مَهرة بن حيدان من بني قضاعة.
    3. «ديوان الشريف المرتضى» ج 2، ص 36 و 37، تصحيح رشيد الصفّار. و نقلت خمسة أبيات منها في« مناقب ابن شهرآشوب»، الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 538.

معرفة الإمام ج۷

221
  • - شاكرٌ- تشيُّعَهُ بالبصيرة عند انبلاج الفجر و تمزّق حجب الجهل و الجور و التعدّي و المرض، التي تحول دون قبول الحقّ. فيقول: إنّ الرسول قد أصحر عن ولائه، لو كان فيه نفع لجائر قاسط. و يقول: لم يقل النبيّ ما قاله معرّضاً، و لم يبغ هدفاً خاصّاً أو خديعة. و أقام عليّاً باباً للنجاة؛ أمّا ذوو الضغائن، فإنّهم حبسوا أنفاسهم في صدورهم حقداً و حسداً، و لم يجهروا بأناتهم. و هذه كلّها آثار و مواصفات نصب الإمامة المتّخذة من كلام النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و آله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. و إلّا فإنّ وصيّة رسول الله بحبّ الإمام أو نصره لا تتمخّض بهذه النتائج كلّها.

  • تمكّن الشريف المرتضى و براعته في العربيّة

  • كان الشريف المرتضى ضليعاً في اللغة العربيّة و آدابها حتّى قالوا فيه: هو أصل العربيّة. أي: أنّ العرب الذين تمثّل اللغة العربيّة لغتهم الامّ ينبغي لهم أن يتعلّموا العربيّة منه.

  • جاءت ترجمة الشريف المرتضى و مجالسه مع أبي العَلاء المَعَرّيّ و مناقشاته الأدبيّة في كتب التراجم، و منها: «روضات الجنّات». فقد اثِر عن الشيخ عزّ الدين أحمد بن مقبل أنه قال: لو حلف إنسان إنّ السيّد المرتضى كان أعلم بالعربيّة من العرب، لم يكن عندي آثماً. و نقل عن شيخ من شيوخ مصر أنه قال: و الله، إنّي استفدت من كتاب السيّد مرتضى «الغُرَر و الدُّرَر» مسائل لم أجدها في كتاب سيبويه و غيره من كتب النحو. و كان الخواجة نصير الدين الطوسيّ إذا جرى ذكر السيّد المرتضى في درسه يقول: صَلَوات الله عَلَيهِ، و يلتفت إلى القضاة و المدرّسين الحاضرين و يقول: كيف لا اصلّى على السيّد المرتضى؟!

  • و نقل ابن فتّال النيسابوريّ عن الشيخ الأديب: على بن أحمد الفنجكرديّ:

  • لَا تُنْكِرَنَّ غَدِيرَ خُمٍّ إنَّهُ***كالشَّمْسِ في إشْراقِهَا بَلْ أظْهَرُ

معرفة الإمام ج۷

222
  • مَا كَانَ مَعْرُوفاً بِإسْنَادٍ إلَى***خَيْرِ البَرَايا أحْمَدٍ لا يُنْكَرُ

  • فِيهِ إمَامَةُ حَيْدَرٍ وَ جَمَالُهُ***وَ جَلالُهُ حتّى القِيَامَةِ يُذْكَرُ

  • أوْلَى الأنَامِ بِأنْ يُوَالِي المُرْتَضَى***مَنْ يَأخُذُ الأحْكَامَ مِنْهُ وَ يَأثِرُ 1

  • هذا الرجل المطّلع الخبير و الأديب العالم المتضلّع الذي كان معاصراً لابن فتّال النيسابوريّ، استنتج من كلمة المَوْلَى في شعره معنى الإمامة و المرجعيّة في أحكام الدين.

  • إنّ ما نقلناه من شعر مأثور عن كبار الشعراء كشاهد على معنى المولى نموذج من قصائد لا تحصى أنشدها العلماء و الادباء في الغدير و المعنى المستفاد من الولاية طيلة أربعة عشر قرناً. و في هذا المقدار الذي نقلناه ما يكفي لأهل الفهم و الدراية إن شاء الله.

  • و نتحدّث فيما يلي عن الشواهد الموجودة في قصّة الغدير، و دلالة الولاية على معنى الإمامة.

  • المعنى الحقيقيّ للمولى و الولاية في اللغة و موارد استعمالاتهما

  • أوّلا: لفظ المولى نفسه الذي جاء في الحديث. و المولى من مصدر الولاية. و الولاية تعني الاتّحاد بين شيئين، و زوال الحجاب المانع من اتّحادهما. و قد ذكرنا في الجزء الخامس من كتابنا هذا «معرفة الإمام» أنّ جميع المعاني المنقولة للوَلاية و المَوْلى تعود إلى معنى واحد، و قد وضع لفظ الولاية لذلك المعنى بلا إضافة.

    1. «روضة الواعظين» ص 90. و جاء في آخر البيت الرابع من هذا الكتاب: يُؤْثَرُ. و لمّا لم يكن لها معني مناسب هنا، تمّ تصحيحها بكلمة: يَأثِرُ. و يمكن أن تكون الأفعال: يُوَالَي، و يُؤْخَذُ وَ يُؤْثَرُ بصيغة المجهول، فيكون المعني:« اولي الأنام بأن يوالَي المرتضى( عليّ بن أبي طالب)، أي: يواليه الناس، و هو الذي تؤخذ منه الأحكام و تنقل إلي الآخرين». فيصبح الشعر في هذه الحالة سلساً.
      و ذكر ابن شهرآشوب في مناقبه، ج 1، ص 540 بيتين من هذه الأبيات الأربعة.

معرفة الإمام ج۷

223
  • و قال الراغب الإصفهانيّ في مفرداته، مادّة وَلِيْ: الْوَلَاءُ و التَّوَالِي أنْ يَحْصُلَ شَيْئَانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا.1 أي: إذا كان بينهما ما يفصلهما، فينبغي أن يكون منهما، أو لا وجود لما يفصل بينهما، فهما متّحدان بكلّ ما للكلمة من معنى، أو إذا لم تتحقّق بينهما وحدة، فإنّ ما يفصل بينهما يجب أن يكون منهما، لا من شيء آخر.

  • هذا هو معنى الوَلَاية وَ الوَلَاء و التَّوَالِي. و جميع مشتقّات هذه المادّة من وَلِيّ و مَوْلَى و أولَى و وَالِي و غيرها لها نفس المعنى. و نلاحظ هذا المعنى نفسه في جميع تصاريف أبواب «فعل».

  • ثمّ جاءت في اللغة بمعنى القرب نظراً لما تقتضيه الكيفيّة الحاصلة بين شيئين من القرب. و لمّا كان القرب المعنويّ كالقرب الحِسّيّ يتمتّع بميزات القرب و خصائصه، لذلك عبّروا عن القرب المعنويّ بلفظ الولاية. و استعاروا الوَلاء و التَّوَالِي للقرب النَّسَبيّ، و القرب الدينيّ، و قرب الصداقة، و النصرة، و الاعتقاد، و ما شابهها.

  • ثمّ استخدموا هذه الكلمة حيثما كان معنى الولاء الحقيقيّ و رفع الحجاب بين شيئين قائماً، و كان المصداق لتحقّق معنى الوَلاء موجوداً. و على سبيل المثال فقد استعملوا كلمة الولاية في النسبة و القرب اللذين يوجدان نوعاً من الاتّحاد و الاشتراك بين المالك و المملوك، و عبّروا عن كلّ واحد منهما: المَوْلَى. و كذلك أطلقوا هذه الكلمة في النسبة بين السيّد و العبد، و المُنْعِمْ و المنعَمُ عَلَيْهِ، و المُعْتِق و المُعْتَق. و في النسبة بين

    1. «معرفة الإمام» ج 5، الدرس 61 و 62، جاء الحديث عن معني الولاية و لفظ الولي و المولي هناك بصورة وافية. بَيدَ أني أشرت هنا إلي ذلك الموضوع إجمالًا و ذلك لأنّ الحديث يحوم هنا حول لفظ المولي الوارد في حديث الغدير.

معرفة الإمام ج۷

224
  • الحليفين، و العقيدين، و الحبيب و المحبوب، و الناصر و المنصور، و ابني العمّ، و الجارين، و المتصرِّف في الأمر و المتصرَّف فيه، و المتولّي و صاحب الاختيار، و من كان تحت ولايته. و أطلقوا لفظ المولى على كثير من الحالات الاخرى بنفس النسق. و يقال لكلّ طرف من هذه النسبة: مَوْلَى. و ما نستنتجه من هذا العرض هو:

  • أوّلا: أنّ إطلاق لفظ المَوْلَى على كلّ واحد من هذين الشخصين، اللذين يتواجهان، ليس من باب إطلاق كلمة على معنيين متضادّين، و لا يدخل هذا في باب الأضداد كما يعبّرون. لأنه على الرغم من أنّ السيّد و العبد متضادّان من حيث الفاعليّة و المفعوليّة، لكنّ استعمال كلمة المَوْلَى في هذين المعنيين لم يأت من وحي هذه المواصفات المتضادّة، بل من وحي الارتباط و الاشتراك القائم بينهما، و هو كالارتباط بين الناصر و المنصور اللذين يربطهما معنى النصرة. و هذا الارتباط و الاشتراك في النصرة له معنى واحد يوصل مفهوم الناصر بمفهوم المنصور.

  • و ثانياً: أنّ استعمال لفظ الوَليّ و المَوْلَى و الوَلَايَة و مشتقّاتها في جميع هذه المعاني العديدة التي بلغ بعضها سبعة و عشرين معنى، ليس من باب استعمال اللفظ في معانٍ متعدّدة، بل من باب استعماله في معناه الحقيقيّ الأصليّ الواحد، و إنّما استُعْمِل في هذه المصاديق المختلفة من باب التطبيق و الانطباق دون النظر إلى خصائص موضع الانطباق. فعلى هذا، فلفظ المَوْلَى و الوَليّ و الوَلَاية و ما شابَهها التي استعملت في هذه المعاني العديدة هي من باب الاشتراك المعنويّ، لا الاشتراك اللفظيّ.1

    1. قال في« شرح المواقف» ضمن نقله تقرير دليل الشيعة في كيفيّة استفادة الإمامة من حديث الولاية:« و لأنّها( أي المعاني المذكورة) تشترك في الولاية فيجب الحمل عليها و جعل اللفظ حقيقة في هذا القدر المشترك دفعاً للاشتراك اللفظيّ».( ص 611). و قال المرحوم العلّامة الأمينيّ أيضاً في« الغدير» ج 1، ص 370 بعد عرض القاسم المشترك بين المعاني التي ذكرها للمولى، و بلغت سبعة و عشرين معنى: الوجه المشترك بين هذه المعاني هو الأولى بالشيء فالاشتراك معنويّ و هو أولى من الاشتراك اللفظيّ المستدعى لأوضاع كثيرة غير معلومة بنصٍّ ثابتٍ و المنفِيَّةِ بالأصل المحكّم. و قد سَبَقَنا إلى بعض هذه النظريّة شمسُ الدين ابن البِطْريق في« العمدة» ص 56، و هو أحد أعلام الطائفة في القرن السادس» بَيدَ أننا لا نتّفق مع المرحوم الأمينيّ في طبيعة الوجه المشترك، و سيأتي.

معرفة الإمام ج۷

225
  • قال التفتازانيّ في «شرح المقاصد»1 و القوشجيّ في «شرح التجريد»، و مير سيّد شريف الجرجانيّ في «شرح المواقف» للقاضي الإيجيّ، في ص 611: جاءت كلمة المَوْلَى لسبعة معانٍ: المُعْتِق و المُعْتَق، و الحَلِيف، و الجار، و ابن العمّ، و النَّاصِر، و الأوْلَى في التصرّف.

  • و ذكر السجستانيّ العزيزيّ في كتاب «غريب القرآن»2، و الأنباريّ في «مشكل القرآن»،3 ثمانية معانٍ للمولى، و هي: العَبْد، و السيِّد، و الصِهْر، و الوَلِيّ، و ابن العَمّ، و الجار، و الحَلِيف، و الأوْلَى بالشَّيْء.

  • بيان أبي الفتوح الرازيّ في معاني المولى

  • و ذكر الشيخ أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره أحد عشر معنى للمولى، مع مثال لكلّ واحد منها. و نظراً لأهمّيّة كلامه في هذا المجال ننقله نصّاً:

  • «اعلم أنّ المولى في اللغة على أحد عشر قسماً:

  • المَوْلَى بمعنى الأوْلى، و هو الأصل، و ترجع إليه الأقسام الاخرى للمولى كما يقال. و من شواهده، قَولُهُ تَعالى: مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ.4

    1. «شرح المقاصد» ص 289.
    2. «غريب القرآن»، ص 154.
    3. «مشكل القرآن»، بناءً على نقل الشريف المرتضى في كتاب« الشافي». و ذكر استشهاد الأنباريّ ببيت لُبَيد. و كذلك بناءً على نقل ابن بطريق في كتاب« العمدة» ص 55.
    4. مقطع من الآية 15، من السورة 57: الحديد.

معرفة الإمام ج۷

226
  • أي: أنها أولى بكم. و لا تحتمل معنى آخر. و من شواهده في الشعر، قول لُبَيْد:

  • فَغَدَتْ كِلَا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أنهُ***مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وَ أمَامَهَا 1

  • أي: أوْلَى بِالمَخَافَةِ. و لا خلاف بين أهل اللغة في هذا الموضوع.

  • المعنى الآخر للمولى: مَالِك الرِّقّ. و الشاهد عليه قَوْلُهُ تَعَالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ... إلى قوله: وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ.2 يعني على مَالِكِه.

  • و المعنى الثالث: المُعْتِق و يسمّى: مَوْلَىً مِنْ فَوْق. و الرابع: المُعْتَق و يسمّى: مَوْلَىً مِنْ تَحْتٍ. و كذلك يطلق المَوْلَى على الله، و على العبد قبل العِتق. و هذا قسم آخر. و لا يحتاج إلى شواهد لأنه معروف. فهذه خمسة أقسام.

  • و لعلّ من شواهد المُعْتِق قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ.3

  • و المعنى السادس: ابن العمّ، كما قال الشاعر:

  • مَهْلًا بَني عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا***لَا تَنْبُشُوا مَيْتَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا

  • و السابع: الناصر. قال الله تعالى:

  • ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ،4 أي: لَا نَاصِرَ لَهُمْ.

    1. هذا البيت من معلّقة لبيد بن ربيعة، و هي من المعلّقات السبع. يقول: فغدت البقرة و هي تحسب أنّ كلا فرجيها خلفها أو أمامها أولي بالمخافة منه.
    2. الآيتان 75 و 76، من السورة 16: النحل.
    3. الآية 5، من السورة 33: الأحزاب.
    4. الآية 11، من السورة 47: محمّد.

معرفة الإمام ج۷

227
  • الثامن: مولى ضمان الجريرة كما يعتق رجل عبداً، و يتبرّأ من ضمان جريرته و ولائه، فيقول: أنا بريءٌ من خيره و شرّه. و يُدعي: سَائبَة. فهو يذهب و يتولّي أحداً، و ذلك الشخص يضمن جريرته، و له ولاء الميراث. يطلق على هذا الشخص: مَوْلَى.

  • التاسع: الحَلِيف، كما قال الشاعر:

  • مَوَالِيَ حَلْفٍ لَا مَوَالِي قَرَابَةٍ***وَ لَكِنْ قَطِيناً يَأخُذُونَ الأتَاوِيَا

  • و قال الآخر:

  • مَوالِيكُمُ مَوْلَى الوَلَايَةِ مِنْكُمُ***وَ مَوْلَى اليَمِينِ حَابِسٌ قَدْ تَقَسَّما

  • العاشر: الجار، كما قال الشاعر:

  • هُمُ خَلَطُوني بالنُّفوسِ وَ ألْجَمُوا***إلَى أصْلِ مَوْلَاهُمْ مُسَوَّمَةً جُرْدَا

  • الحادي عشر: السيّد المطاع، و الرئيس، و الإمام، و من انخرط في هذا السلك.

  • فمن تأمّل هذه الأقسام يجد أنّ معناها جميعها: الأولى. فالله أولى بالعبد، و العبد أولى بالله؛ و المعتِق أولى بالمعَتق، و المعتَق أولى بالمعتِق؛ و الجار أولى بالجار؛ و الحليف أولى بالحليف؛ و الناصر أولى بالمنصور؛ و ابن العمّ أولى بابن العمّ؛ و هكذا ضامن الجريرة؛ فهؤلاء أولى بأصحابهم من غيرهم الذين ليس لهم هذه الولاية؛ فصحّ- إذَن- أن يكون المعنى أوْلَى، و هذا المعنى هو المناسب هنا».1

  • بيان سبط بن الجوزيّ في معاني المولى

  • و ذكر سِبْط بْنُ الجَوْزيّ هذه المعاني التي نقلناها عن الرازيّ كلّها إلّا المالك، و العبد قبل العِتق. و جعل معاني المولى عشرة، عاشرها الأوْلَى. و نقل لكلّ معنى شاهداً من القرآن الكريم، أو من شعر العرب، ثمّ قال:

    1. «تفسير أبي الفتوح» ج 2، ص 197 و 198.

معرفة الإمام ج۷

228
  • «المعاني المذكورة في حديث ولاية الغدير لا تصحّ، إلّا الوجه العاشر و هو الأولَى و معناه: مَنْ كُنْتُ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ أوْلَى بِهِ. و قد صرّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفيّ الإصبهانيّ في كتابه المسمّى ب-: «مَرَج البَحْرِين»، فإنّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه، و قال فيه: فأخذ رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم بِيَدِ عليّ عليه السلام فقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ وَ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ وَلِيُّهُ. فعلم أنّ جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر. و دلّ عليه أيضاً قول رسول الله: أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ و هذا نصّ صريح في إثبات إمامته و قبول طاعته. و كذا قول رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: وَ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ وَ كَيْفَمَا دَارَ! و هذا [الكلام من رسول الله] بإجماع الامّة. أ لا ترى أنّ العلماء إنّما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل و صفّين».1

  • و قال محمّد بن طَلْحَة الشافعيّ بعد ذكر حديث الولاية في الغدير و شأن نزول آية التبليغ نقلًا عن «أسباب النُّزول» للواحديّ، و بعد نقله سبعة معان لكلمة المولى: «قول رسول الله في غدير خمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ قد اشتمل على لفظه «مَنْ»، و هي موضوعة للعموم. فاقتضى أنّ كلّ إنسان كان رسول الله مولاه، كان عليّ بن أبي طالب مولاه. و اشتمل على لفظه «المَوْلَى». و هي لفظة مستعملة بإزاء معان متعدّدة وردت في القرآن الكريم. و هي تارة تكون بمعنى أوْلَى، قال الله في حقّ المنافقين: مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ.2 معناه: أولى بكم.

  • و تارة بمعنى الناصر؛ قال الله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَ

    1. «تذكرة خواصّ الامَّة» ص 19 و 20.
    2. الآية 15، من السورة 57: الحديد.

معرفة الإمام ج۷

229
  • الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ.1 أي: لا ناصر لهم.

  • و تارة بمعنى الوَارِث؛ قال تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ.2 الموالى هنا: الورّاث. [جعلنا لكلٍّ ورّاثاً].

  • و تارة بمعنى العَصَبَة أي: الأقارب من جهة الأب. قال الله تعالى [على لسان زكريّا على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام] وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي.3 معناه عصبتي. [و قرابتي من أبي].

  • و تارة بمعنى الصَّديق و الحَميم. قال الله تعالى: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً.4 معناه: حميم عن حميم، و صديق عن صديق، و قرابة عن قرابة.

  • و تارة بمعنى السيّد و المعتق. و إذا كانت واردة لهذه المعاني، فعلى أيّها حملت؟ إمّا على كونه أولى كما ذهب إليه طائفة؟ أو على كونه صديقاً حميماً؟ فيكون معنى الحديث: من كنت أولى به أو ناصره؛ أو وارثه؛ أو عصبته؛ أو حميمه أو صديقه؛ فإنّ عليّاً منه كذلك.

  • و هذا صريح في تخصيصه لعليّ عليه السلام بهذه المنقبة العليّة؛ و جعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة «مَنْ» التي هي للعموم بما لم تجعله لغيره.

  • و ليعلم أنّ هذا الحديث هو من أسرار قوله تعالى: في آية المُبَاهَلَة:

  • فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا

  • ج

    1. الآية 11، من السورة 47: محمّد.
    2. الآية 33، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 5، من السورة 19: مريم.
    4. الآية 41، من السورة 44: الدخان.

معرفة الإمام ج۷

230
  • وَ أَنْفُسَكُمْ.1

  • و المراد [من نفس رسول الله هنا] نفس عليّ عليه السلام، فإنّ الله قرن بين نفس رسول الله صلّى الله عليه و آله و بين نفس عليّ. و جمعهما بضمير مضاف إلى نفس رسوله. صلّى الله عليه و آله.

  • [و في حديث الولاية يوم الغدير] أثبت رسول الله صلّى الله عليه و آله لنفس عليّ عليه السلام ما هو ثابت لنفسه على المؤمنين عموماً. فإنّه صلّى الله عليه و آله أولى بالمؤمنين، و ناصر المؤمنين، و سيّد المؤمنين. و كلّ معنى أمكن إثباته ممّا دلّ عليه لفظ المولى لرسول الله، فقد جعله لعليّ عليه السلام.

  • و هي مرتبة سامية و منزلة سامقة و درجة عليّة و مكانة رفيعة خصّص رسول الله صلّى الله عليه و آله بها عليّاً [عليه السلام] دون غيره. فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد و موسم سرور لأوليائه».

  • ثمّ أطال ابن طلحة الحديث عن هذا الموضوع مفصّلًا و عرض بحثاً مفيداً و شاملًا ضمّ الأحاديث الدالّة على منزلة أمير المؤمنين عليه السلام بنحو وافٍ.2

  • و قد نقلنا فيما مضى ستّة عشر معنى لكلمة المَوْلَى عن ابن الأثير الجَزَريّ في «النهاية»،3 فأصبح مجموع معانيها سبعة عشر معنى بعد إضافة الأوْلَى.

    1. الآية 61، من السورة 3: آل عمران.
    2. «مطالب السَّئول»؛ ص 16 و 17. القطع الرحليّ. فصل ما يتعلّق بالإمام الأوّل عليّ.
    3. «معرفة الإمام» ج 5، الدرس 61 و 62.

معرفة الإمام ج۷

231
  • سبعة و عشرون معنى لكلمة المولى

  • القصد من كلمة المولى الواردة في حديث الغدير

  • و ذكر العلّامة الأمينيّ سبعة و عشرين معنى لكلمة المَوْلَى، و هي على النحو التالى:

  • 1- الرَّبّ. 2- العَمّ. 3- ابْنُ العَمّ. 4- الابْن. 5- ابْنُ الاخْت. 6- المُعْتِق. 7- المُعْتَق. 8- العَبْد. 9- المَالِك.1- التَّابِع. 11- المُنْعَمُ عَلَيْهِ. 12- الشَّريك. 13- الحَلِيف. 14- الصَاحِب. 15- الجَار. 16- النَّزيل. 17- الصِهْر. 18- القَريب. 19- المُنْعِمْ. 20- العَقِيد. 21- الوَلِيّ. 22- الأولَى بِالشَّيء. 23- السيِّد غَيْرُ المَالِك و غَيْرُ المُعْتِق. 24- المُحِبّ. 25- النَّاصِر. 26- المُتَّصَرِّف في الأمْرِ 27- المُتَوَلِّي فِي الأمْرِ.

  • و تحدّث بعد ذلك عن ضرورة الأخذ ببعض هذه المعاني في حديث الولاية و فيما يلي ملخّص لما ذكره.

  • «فالمعنى الأوّل و هو الربّ، لا يمكن أن يكون هو المراد من المولى في حديث رسول الله، لأنه يلزم من إرادته الكفر. و أمّا المعنى الثاني و الثالث إلى الثالث عشر، فلا يمكن الأخذ بها أيضاً لأنه يلزم من إرادتها الكذب. ذلك أنه لا يصحّ أن نقول: كلّ من كان رسول الله عمّه، أو معتقه مثلًا، أو مالكه، أو شريكه، أو حليفه، أو عقيده، فعليّ بن أبي طالب عمّه، أو معتقه، أو مالكه، أو شريكه، أو حليفه أيضاً. و أمّا المعنى الرابع عشر إلى الثامن عشر، أي: الصاحب، و الجار، و النزيل، و الصهر،

    1. قال في التعليقة: في« صحيح البخاريّ» ج 7 ص 57[ المَوْلَي بمعني] المَلِيك؛ و قال القَسْطَلانيّ في« شرح الصحيح» ج 7، ص 77؛ المَوْلَي: المَلِيك، لأنّه يلي امور الناس. و شرحه كذلك أبو محمّد العَينيّ في« عُمْدة القاري»، و هو شرح آخر لصحيح البخاريّ؛ و كذا قال لفظيّاً العَدويّ الحمزاويّ في كتاب« النُّور السَّاري».

معرفة الإمام ج۷

232
  • و القريب، فلا يمكن أن تكون هي المقصودة من الحديث، لأنه يلزم من إرادتها سخافة هذه الخطبة الهامّة و تفاهتها.

  • فلا معنى لأمر رسول الله بالتوقّف، و رجوع المتقدّم، و بقاء المتأخّر في مكانه، في ذلك الحشد الرهيب، في أثناء المسير، و رمضاء الهجير. و إبقاء الجميع في محلّ ليس بمنزل فيه على أساس الوحي الإلهيّ المشفوع بما يشبه التهديد، و الناس قد أنهكهم و عثاء السفر، و حرّ الهجير، و حراجة الموقف، حتّى أنّ أحدهم ليضع نصف ردائه تحت قدمه، و النصف الآخر على رأسه لجلوسه على الأرض لاستماع الخطبة، لئلّا يرهقه حرّ الأرض و السماء. فيرقي رسول الله المنبر المصنوع من أحداج الإبل ليقول: إنّ نفسه نعيت إليه، و هو مهتمّ بتبليغ أمر يخاف فوات وقته بانتهاء أيّامه، و إنّ له الأهمّيّة الكبرى في الدين و الدنيا، فيخبرهم بامور ليس فيها أيّ فائدة، و لا حاجة إلى إعلانها على الملأ بتلك الحالة المذكورة، فيقول: من كنت مصطحباً أو جاراً له، أو نزيلا عنده، أو مصاهراً له، أو قريباً منه، فعليّ بن أبي طالب كذلك.

  • و نحن لا نحتمل هذا في أحد من أهل العقول الضعيفة، فضلًا عن العقل الأوّل و الإنسان الكامل: نبيّ الرحمة، و خطيب البلاغة، و على هذا، من الإفك الشائن أن نعز و إلى النبيّ إرادة شيء منها.

  • و على تقدير إرادة شيء منها، فأيّ فضيلة فيها لأمير المؤمنين عليه السلام حتّى يهنّأ بها في ذلك الجمع الغفير، و يقال له: بخّ بخّ لك، و يُفضِّلها سعد بن أبي وقّاص في حديثه على حمر النعم لو كانت له، أو تكون أحبّ إليه من الدنيا و ما فيها و إن عمَّر فيها مثل عمر نوح؟!

  • و أمّا المُنْعِمْ و العقيد. فلا يمكن أن يكونا هما المرادين من المَوْلَى في الحديث. لأنه لا ملازمة في أن يكون كلّ من أنعم عليه رسول الله،

معرفة الإمام ج۷

233
  • يكون عليّ بن أبي طالب منعماً عليه أيضاً. و لا ملازمة في أن يكون كلّ من حالفه رسول الله، يكون عليّ عليه السلام حليفاً له أيضاً، إلّا أن نقول: إنّ المراد هو كلّ من كان رسول الله منعماً عليه بالدين، و الهدى، و التهذيب، و الإرشاد، و العزّة في الدنيا، و النجاة في الآخرة، فعليّ عليه السلام منعم عليه بذلك، لأنه القائم مقامه، و حافظ شرعه، و مبلّغ دينه، و الصادع عنه؛ فلهذا أنّ الله أكمل به الدين، و أتمّ النعمة. فهو حينئذٍ لا يبارح معنى الإمامة و الولاية الذي نحن في صدد إثباته و لاينفكّ عنه و يساوقه بهذه الأسباب، لأنه من معاني الأولويّة التي هي بمعنى الرئاسة و صاحب الاختيار.

  • و نقول في العقيد: إنّ المراد من العقد، العهود التي كانت تبرم بين رسول الله، و بين بعض القبائل من أجل إقرار السلم و الصلح، أو من أجل نصرته. و أمير المؤمنين عليه السلام في هذه العهود بمنزلة رسول الله، يقوم بها لتنظيم السلطة الإسلاميّة، و الحكومة الإلهيّة، و القضاء على الفوضي. و حينئذٍ لا منافاة بينها و بين الولاية بمعنى الإمامة و الرئاسة الإلهيّة العامّة، و القصد متحقّق على أيّ حال.

  • و أمّا المُحِبّ و النَّاصِر على أيّ تقدير كان، فلا يمكن أن يكونا هما المقصودين من الحديث الشريف، لأنه إذا كان القصد من قوله: مَنْ كُنْتُ مُحِبَّهُ أوْ نَاصِرَهُ فَعَلِيّ نَاصِرُهُ أوْ مُحِبُّهُ، الإخبار بوجوب حبّ المؤمنين عليّ بن أبي طالب و نصرهم إيّاه، أو إنشاء لهذا المعنى، فيكون معناه: من كنت محبّه، و ناصره؛ فعليّ محبّه و ناصره؛ أو أنّ على عليّ أن يكون محبّه و ناصره. فلا ضرورة حينئذٍ أن يكون الإخبار بمحبّة عليّ و نصره أو إنشاء وجوبهما في ذلك الحشد من الناس، و إبلاغهم بذلك، بل كان من الضروريّ أن يخبر رسول الله أمير المؤمنين عليه السلام نفسه بذلك، أو ينشئ

معرفة الإمام ج۷

234
  • وجوبه.

  • إلّا أن يكون المراد من الخطبة و استماع الناس جلب عواطف الملأ و تشديد حبّهم لعليّ عليه السلام إذا علموا أنّ أمير المؤمنين في درجة النبيّ الأكرم محبّهم و ناصرهم. لذلك وجب عليهم أن يتّبعوه، و لا يخالفوا له أمراً و لا يردّوا له قولًا.

  • و لمّا صدّر رسول الله صلّى الله عليه و آله كلامه بقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، نعلم أنه على هذا التقدير لا يريد من المحبّة أو النصرة إلّا ما هو على الحدّ الذي هو فيه بالنسبة إلى أفراد المؤمنين. فلهذا تكون لعليّ عليه السلام هذه المحبّة و النصرة للناس.

  • و حينئذٍ فإنّ هذا النوع من المحبّة و النصرة ستكون كمحبّة رسول الله و نصرته تخصّه بما أنه زعيم الدين و الدنيا، و مالك الأمر، و حافظ كيانهم. و هذا هو معنى الأولويّة بهم من أنفسهم. فإنّه لو لم يفعل بهم ذلك، لأجفلتهم الذئاب العادية، و انتاشتهم الوحوش الكاسرة، و ستمتدّ أيدي العناد من كلّ حدب و صوب، فمن غارات تشنّ، و أموال تباح، و نفوس تُزهق، و حُرمات الله تُهتك. فينتقض الغرض من بثّ الدعوة و بَسْط نظام الدين. و من الطبيعيّ أنّ من كان في المحبّة و النصرة على هذا الحدّ، فهو خليفة الله في أرضه، و خليفة رسوله. و هذا هو معنى الولاية الإلهيّة الكبرى.

  • و إذا كان المراد من الحديث الإخبار بوجوب محبّة و نصرة عليّ بن أبي طالب على جماعة المؤمنين أو إنشاء لهذا المعنى، فيكون المعنى: من كنت محبّه و ناصره، فهو محبّ عليّ بن أبي طالب و ناصره؛ أو أنّ عليه أن يكون محبّاً و ناصراً لعليّ. و حينئذٍ لم يكن هذا المعنى جديداً فيحتاج إلى خطبة، و جمع للناس بالنحو المارّ ذكره، ذلك أننا نعلم أنه لمّا كان

معرفة الإمام ج۷

235
  • أمير المؤمنين أحد المؤمنين، فالناس يحبّونه أو عليهم أن يحبّوه وفقاً للآيات القرآنيّة الكريمة.

  • يضاف إلى ذلك، لو كان المراد من الحديث الإنشاء أو الإخبار عن محبّة المسلمين أو نصرتهم أمير المؤمنين عليه السلام فينبغي أن يقول: مَنْ كَانَ مَوْلَايَ فَهُوَ مَولَى عَلِيّ. أي: من كان محبّي أو ناصريّ، فهو محبّ على و ناصره. بينما نجد أنّ معنى المولى هو المحبّ و الناصر، لا المحبوب و المنصور. و لذلك لا يمكن حمل الحديث على هذا المعنى. و لعلّ سبط بن الجوزيّ نظر إلى هذا المعنى، و قال في تذكرته، ص 19: لم يجز حمل لفظ المَوْلَى في هذا الحديث على الناصر.

  • على أنّ وجوب المحبّة و النُّصرة غير مختصّ بأمير المؤمنين، و إنّما هو شرع سواء، بين المسلمين أجمع أن يحبّوا كافّة المؤمنين و ينصروهم. فما وجه تخصيصه بأمير المؤمنين عليه السلام؟ و إن اريد محبّة أو نصرة مخصوصة له تربو على درجة الرعيّة، كوجوب المتابعة، و امتثال الأوامر، و التسليم له، فهو معنى الحُجِّيَّة و الإمامة، لا سيّما بعد مقارنتها بما هو مثلها في النبيّ الأكرم بقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. و التفكيك بينهما في سياق واحد إبطال للكلام.

  • المولى في حديث الغدير بمعنى الأوْلَى

  • تحدّثنا إلى الآن عن اثنين و عشرين من المعاني السبعة و العشرين التي ذكرناها للمولى. و اتّضح أنّ أيّاً منها لا يمكن أن يكون هو المراد من لفظ المَوْلَى في حديث الولاية؛ فلم يبق منها إلّا خمسة معانٍ هي: 1- الوَلِيّ. 2- الاوْلَى بِالشَّيء. 3- السيِّد (غير المالك أو المعتق؛ فلا يقال له: مَوْلَى بلحاظ هذا المعنى، بل للسيادة نفسها لا غير). 4- المُتَصَرِّف في الأمْرِ. 5- المُتَوَلِّي في الأمْرِ.

  • أمّا السيِّد فهو الأولى بالشيء من حيث السيادة الدينيّة العامّة على

معرفة الإمام ج۷

236
  • الامّة الإسلاميّة، لأنه لا معنى أن يعطي الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله سيادة لابن عمّة و فيها عَسْفٌ و ظلم مع أنّ سيادته صلّى الله عليه و آله إلهيّة.

  • و كذلك المتصرّف في الأمر، فلا بدّ أن يكون معناه التصرّف الإلهيّ المعنويّ المساوق للسيادة و الولاية السبحانيّة. و ذكر كثيرون أنّ التصرّف في الأمر بمعنى الولاية، كما قال الفخر الرازيّ في تفسيره الآية المباركة: وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ.1 عن القفّال، إذ قال القفّال: «هُوَ مَوْلاكُمْ» يَعْنِي سَيِّدَكُمْ وَ المُتَصَرِّفَ فِيكُمْ. و ذكرهما أيضاً سعيد الحلبيّ مفتي الروم، و شهاب الدين أحمد الخفّاجيّ في تعليقهما على تفسير «البيضاويّ» و عدّة في «الصواعق» من معانيه الحقيقيّة. و حذا حذوه كمال الدين الجهرميّ في «ترجمة الصواعق»، و محمّد بن عبد الرسول البرزَنْجيّ في «النواقض»، و الشيخ عبد الحقّ في لمعاته.

  • و لذلك فإنّ المراد بهذا المولى، المتصرّف الذي اختاره الله سبحانه لأن يُتَّبَع، و يقود البشرية إلى مدارج و معارج الإنسانيّة؛ فهو أولى من غيره بأنحاء التصرّف في المجتمع الإنسانيّ. و ليس هو إلّا نبيّ مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص عليه من قبل النبيّ بأمر إلهيّ.

  • و كذلك المُتَوَلِّى في الأمْرِ و صاحب الاختيار فإنّه ينبغي أن يكون بهذا المعنى حتّى يتسنّى له أن يتولّى امور الناس من قبل الله بحقّ فيسوقهم إلى الكمال.

  • و عدّ أبو العبّاس المبرِّد متولّي الأمر من معاني المَوْلَى. قال في قوله: بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا:2 الوَلِيّ و المَوْلَى معنا هما سواء. و أبو الحسن

    1. الآية 78، من السورة 22: الحجّ.
    2. الآية 11، من السورة 47: محمّد.

معرفة الإمام ج۷

237
  • الواحديّ في تفسيره «الوسيط»، و القرطبيّ في تفسيره للآية الشريفة: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ.1 و ابن الأثير في «النهاية»، و الزبيديّ في «تاج العروس»، و ابن منظور في «لسان العرب». فإنّهم ذكروا هذا المعنى للمولى، و قالوا: و منه الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أيُّمَا امْرَأةٍ نكحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ. و في رواية: بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّها، أي: متولّي أمرها.

  • و ذكره البيضاويّ في ثلاثة مواضع من تفسيره: في قوله تعالى: ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا،2 و قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ،3 و قوله تعالى: وَ اللَّهُ مَوْلاكُمْ.4

  • و ذكر أبو السُّعُود العماديّ في تفسيره أنّ المراد بالمولى: متولّي الأمر، و ذلك في تفسير قوله تعالى: وَ اللَّهُ مَوْلاكُمْ5 و قوله: هِيَ مَوْلاكُمْ،6 و كذلك ذكره الراغب الإصفهانيّ في مفرداته.

  • و عن أحمد بن الحسن الزاهد الدرواجكيّ في تفسيره: المَوْلَى في اللُّغَةِ مَنْ يَتَوَلَّى مَصَالِحَكَ فَهُوَ مَوْلَاكَ يَلِي القِيَامَ بِامُورِكَ وَ يَنْصُرُكَ على أعْدَائِكَ. و لهذا سمّي ابن العمّ، و المعتِق مَولى. ثمّ صار اسماً لمن لزم الشيء و لا يفارقه.

  • و كذلك ذكر هذا المعنى الزمخشريّ في «الكشّاف»، و أبو العبّاس

    1. الآية 150، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 51، من السورة 9: التوبة. و الآية بتمامها: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَآ إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَ على اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
    3. الآية 78، من السورة 22: الحجّ.
    4. ( 4 و 5)- الآية 2، من السورة 66: التحريم.
    5. ( 4 و 5)- الآية 2، من السورة 66: التحريم.
    6. الآية 15، من السورة 57: الحديد.

معرفة الإمام ج۷

238
  • أحمد بن يوسف الشيبانيّ في «تلخيص الكشّاف» و النَّسَفِيّ في تفسيره، في قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلانا1، و النيسابوريّ في «غرائب القرآن» في قوله: أَنْتَ مَوْلانا، و في قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ،2 و قوله: هي مَوْلاكُمْ.3

  • و سار على هذا النهج السيوطيّ في «تفسير الجلالين» حين أخذ معنى المولى في قوله: تعالى: أَنْتَ مَوْلانا، و قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ، و قوله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا.4 بمعنى: مُتَوَلّي أمْرِنَا.

  • فهذا بحث حول المعاني العديدة للمولى، و علمنا أنّ الولاية في الحديث الشريف لا تعني غير الرئاسة الكلّيّة، و الإمامة الإلهيّة، و أنّ صاحب الاختيار في الامَّة الإسلاميّة بِيَدِ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و آله.

  • يضاف إلى ذلك، أنّ الذي نرتأيه في خصوص المقام بعد الخوض في غمار اللغة، و مجاميع الأدب، و جوامع العربيّة أنّ الحقيقة من معاني المولى ليس إلّا الأولى بالشيء، و هو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، و مأخوذ في كلّ منها بنوع من العناية. إذَنْ فليس للمولى إلّا معنى واحد، و هو الأولى بالشيء. و تختلف هذه الأولويّة بحسب الاستعمال في كلّ من موارده. و قد سبقنا إلى هذه النظريّة ابن البطريق في «العمدة»، و هو أحد أعلام الطائفة في القرن السادس. و تطفح بشيء من ذلك كلمات غير واحد من علماء أهل السنّة حيث ذكروا المناسبات في جملة من معاني المولى تشبه ما ذكرنا.

    1. الآية 286، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 40، من السورة 8: الأنفال.
    3. الآية 15، من السورة 57: الحديد.
    4. الآية 51، من السورة 9: التوبة.

معرفة الإمام ج۷

239
  • و يكشف عن كون المعنى الأوّل (أي الأولى بالشيء) هو المتبادر من المولى إذا اطلق، ما رواه مسلم بإسناده في صحيحه عن رسول الله صلّى الله عليه و آله: لَا يَقُلِ العَبْدُ لِسَيِّدهِ: مَوْلَايَ. و زاد في حديث أبي مُعَاوِية: فَإنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ. و أخرجه غير واحد من أئمّة الحديث في تآليفهم.1

  • و قال الشيخ أبو الفتوح الرازيّ: لا يحتمل من المعاني الواردة في كلمة المَوْلَى، في الحديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ أي معنى غير الأوْلَى، أو السيِّد المُطَاع، كما خاطب الأخْطَل عبد الملك بن مروان بذلك، و كان نصرانيّاً. و لا يمكن أن يتّهم الأخطل بأنّ له غرضاً في ذلك، أو أنه يميل إلى هذا المذهب و أتباعه. و كان ممدوحه عَلَماً في عدائه لأهل البيت. يخاطبه فيقول:

  • فَمَا وَجَدَتْ فِيهَا قُرَيشٌ لأهْلِهَا***أعَفَّ وَ أوفَى مِنْ أبِيكَ وَ أمْجَدَا

  • وَ أوْرَى بِزَنْدَيْهِ وَ لَوْ كَانَ غَيْرَهُ***غَدَاةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ أكْدَى وَ أصْلَدَا

  • فَأصْبَحْتَ مَوْلَاهَا مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ***وَ أحْرَى قُرَيشٍ أنْ يُجَابَ وَ يُحْمَدَا

  • و على أيّ حال، فإنّه أراد بالمولى: السيِّد و الأوْلَى.2

  • و من الأبيات التي جاء فيها التصريح بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام و إمارته و يستفاد ذلك من لفظ المَوْلَى، أبيات عمرو بن العاص من قصيدة طويلة أنشدها في مدح أمير المؤمنين عليه السلام و بيان منزلته

    1. «الغدير» ج 1، منتخب من ص 362 إلي 370.
    2. «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 198.

معرفة الإمام ج۷

240
  • و مقامه و إمامته و إمارته. و بعث بها إلى معاوية حين دعاه إلى نصرته في رسالة أرسلها إليه و هو مقيم في فلسطين. فكتب إليه عمرو بن العاص جواباً يضمّ هذه القصيدة. و أراد أن يشعره أنه دعاه إلى نصرته ليجعله في مواجهة هذه الشخصيّة الرفيعة! و أنّ حظّه من هذه الدعوة ينبغي أن يكون عظيماً ذا قيمة، لا تافهاً لا شأن له. و من أبيات هذه القصيدة الدالّة على ما نحن بصدده، هذه الأبيات:

  • وَ كَمْ قَدْ سَمِعْنَا مِنَ المُصْطَفَى***وَصَايَا مُخَصَّصَةً في على

  • و في يَوْمِ خُمٍّ رَقَى مِنْبَراً***وَ بَلَّغَ وَ الصَّحْبُ لَمْ تَرْحَلِ

  • فَأمْنَحَهُ إمْرَةَ المُؤْمِنِينْ***مِنَ اللهِ مُسْتَخْلِفِ المُنْحِلِ

  • وَ في كَفِّهِ كَفُّهُ مُعْلِنَاً***يُنَادِي بِأمْرِ العَزِيزِ العَلِي

  • وَ قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَى لَهُ***عَلِيّ لَهُ اليَوْمَ نِعْمَ الوَلِي 1

  • شعر أبي تمّام الطائيّ و العَبْديّ الكوفيّ في الغدير

  • و قال الشاعر العربيّ المعروف أبو تمّام، و هو من شعراء القرنين الثاني و الثالث، قال في هذا الموضوع:

  • وَ يَوْمَ الغَدِيرِ اسْتَوْضَحَ الحَقُّ أهْلَهُ***بِضَحْيَاءَ لا فِيهَا حِجَابٌ وَ لَا سِتْرُ

  • أقَامَ رَسُولُ اللهِ يَدْعُوهُمْ بِهَا***لَيَقْرَبَهُمْ عُرْفٌ يَنَهاهُمُ نُكْرُ

  • يَمُدُّ بِضَبْعَيْهِ وَ يُعْلِمُ: أنهُ***وَلِيّ وَ مَوْلَاكُمْ فَهَلْ لَكُمُ خُبْرُ؟!

  • يُرَوحُ وَ يَغْدُو بِالبَيَانِ لِمَعْشَرٍ***يَرُوحُ بِهِمْ غَمْرٌ وَ يَغْدُو بِهِمْ غَمْرُ

  • فَكَانَ لَهُمْ جَهْرٌ بِإثْبَاتِ حَقِّهِ***وَ كَانَ لَهُمْ في بَزِّهِمْ حَقَّهُ جَهْرُ 2

    1. هذه الأبيات من قصيدة بعثها عمرو بن العاص من مصر إلي معاوية. و لمّا أراد معاوية عزله عن ولاية مصر، نظم هذه القصيدة في هجائه و مدح أمير المؤمنين عليه السلام فعزف عن رأيه. و نقل السيّد نعمة الله الجزائريّ هذه الأبيات في كتابه« الأنوار النعمانيّة» ص 38 و 39.
    2. «ديوان أبي تمّام الطائيّ» ص 143. و ذكر الخطيب في« تاريخ بغداد» ترجمة

معرفة الإمام ج۷

241
  • و من قصيدة طويلة لشاعر أهل البيت العبديّ الكوفي:

  • وَ كَانَ عَنْهَا لَهُمْ في خُمِّ مُزْدَجِرٌ***لَمَّا رَقَى أحْمَدُ الهَادِي على قَتَبِ

  • وَ قَالَ وَ النَّاسُ مِنْ دَانٍ إلَيْهِ وَ مِنْ***ثَاوٍ لَدَيْهِ وَ مِنْ مُصْغٍ وَ مُرْتَقِبِ

  • قُمْ يَا عَلِيّ فَإنِّي قَدْ امِرْتُ بَأنْ***ابَلِّغَ النَّاسَ وَ التَّبْلِيغُ أجْدَرُ بِي

  • إنّي نَصَبْتُ عَلِيّاً هَادِياً عَلَماً***بَعْدي وَ إنَّ عَلِيَّاً خَيْرُ مُنْتَصِبِ

  • فَبَايَعُوكَ وَ كُلٌّ بَاسِطٌ يَدَهُ***إلَيْكَ مِنْ فَوقِ قَلْبٍ عَنْكَ مُنْقَلِبِ

  • عَافَوْكَ لَا مَانِعٌ طَولًا وَ لَا حَصَرٌ***قَوْلًا وَ لَا لَهَجٌ بِالغِشِّ وَ الرّيبِ

  • وَ كُنْتَ قُطْبَ رَحَى الإسْلَامِ دُونَهُمُ***وَ لَا تَدُورُ رَحىً إلَّا على قُطْبِ

  • وَ لَا تُمَاثِلُهُمْ في الفَضْلِ مَرْتَبَةً***وَ لَا تُشَابِهُهُمْ في البَيْتِ وَ النَّسَبِ 1

  • 2
  • معرفة الإمام ؛ ج7 ؛ ص241

    1. أبي تمّام، ج 8، ص 248 إلي 253، تحت عنوان: حبيب بن أوْس أبو تمّام الطائيّ الشاعر.
      و هذه الأبيات الخمسة مذكورة في« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 539 مع بيت آخر هو:
      أ حُجَّةُ رَبِّ العَالَمِينَ وَ وَارِثُ النَّبِيّ ألَا عَهْدٌ وَفيّ وَ لَا إصْرُ
      1- أبو محمّد سفيان بن مصعب العَبديّ الكوفيّ.(« الغدير»، ج 2، ص 292).
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۷

242
  • فهذه كلّها شواهد تدلّ على أنّ المَوْلَى هو الإمام و الحاكم على مقدّرات الناس، و المفوّضة إليه من الله تعالى شئونهم الدنيويّة و الاخرويّة. أي: أنّ من بلغ مقام الفناء في الله، و لم يبق بينه و بين الحقّ أيّ بُعْد أو فاصلة في سير مراتب التقرّب، فإنّ جميع الحجب و الفواصل الظلمانيّة و النورانيّة قد رفعت. و هذه هي حقيقة الولاية التي تمثّل مقام العبوديّة الحقّة الحقيقيّة و آخر درجة من الكمالات البشريّة.

  • رجال الادب العربيّ يرون أنّ المولى يعني الإمام و الاوْلَى

  • و إذا استثنينا أمير المؤمنين عليه السلام و الشعراء المعاصرين لرسول الله و الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين الذين ذكرناهم إلى الآن، فإنّنا نجد كثيراً من الشعراء الكبار المعروفين بفضلهم و بلاغتهم و أدبهم، سواء الذين كانوا معاصرين للأئمّة عليهم السلام أم المتأخّرين عنهم، قد نظموا القصائد العصماء في الغدير و الولاية، و فضائل أمير المؤمنين عليه السلام و محاسنه و مناقبه. و يستفاد منها معنى المولي المستنبط من الأحاديث التي جاءت فيها كلمة الولاية أو الْمَوْلَى. و قد اتّفق أهل العربيّة على كلامهم و شعرهم و استشهدوا بهما. و من هؤلاء الشعراء: دِعْبِل الخُزاعيّ، و الأمير أبو فِرَاس، و الحُسَيْن بن الحَجَّاج، و الحمَّانيّ الكُوفيّ، و الشريف المُرْتَضَى عَلَمُ الهُدَى، و الشريف الرضِيّ، و ابن الروميّ، و الصِنَّوْبَريّ، و المُفَجِّع، و الصَّاحِبُ بنُ عَبَّاد، و النَّاشِيء الصَغير، و ابن عَلَوِيَّة، و ابن حَمَّاد، و ابن طَبَاطَبا، و ابن العُوديّ النيليّ، و الجَوهريّ، و الزَّاهيّ، و التَّنُوخيّ، و الصَّوْليّ النيليّ، و أبو العَلا السَّروِيّ، وَ مَهْيَار،1

    1. جاء في كتاب« النقض» المعروف بكتاب« بعض مثالب النواصِب في نقض بعض فضائح الروافض» تصنيف أبي رشيد عبد الجليل القزوينيّ الرازيّ، في ص 247« أنّ مَهْيار بن مرزويه الكاتب من أحفاد كسري أنوشيروان العادل».

معرفة الإمام ج۷

243
  • و الفَنْجكِرْديّ، وَ أبُو الفَرَج الرازيّ. و قد ذكرنا قريباً بعض هؤلاء، و نقلنا من شعرهم الرائع نماذج تدلّ على ما نحن فيه. فهل لأحد أن يرتاب في معاني كلمات هؤلاء الأعلام، التي عُدَّ بَعضها أصل العربيّة و اصُولها؟

  • تحقيق في المعنى الحقيقيّ و الجذري لكلمة المولى

  • الاستشهاد ببيت لُبَيْد من المعلّقات السبع في تفسير كلمة المولى

  • بحث دقيق في معنى المَوْلَى و الأوْلَى

  • ينبغيّ أن نعلم أنّ كثيراً من مفسّري العامّة قالوا في تفسير الآية الواردة في سورة الحديد: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ:1 إنّ المولى هنا بمعنى الأولى، أي: النار أولى بكم. و من هؤلاء: الكلبيّ، و الزجّاج، و الفَرّاء، و أبو عُبَيْدَة.2 و أبو عُبَيْدَة هو: مُعَمر بن مُثَنَّى البَصْريّ المتوفّى سنة 210 ه-. و بناءً على ما قاله كثير من أعلام العربيّة كالشريف المرتضى علم الهدى، و الأخفش الأوَسط: سَعيد بن مسعدة، و ابن قُتَيبَة، و ثعلب: أحمد بن يحيى، و أبو بكر الأنباريّ، و شهاب الدين أحمد الخَفَاجيّ، فإنّ أبا عبيده استشهد هنا ببيت لبيد بن ربيعة. و الإجماع قائم على أنّ المراد بالمولى في بيت لبيد هو الأولى. و قد نقلنا قبلًا شيئاً من شعر لبيد عن تفسير أبي الفتوح. و فيما يلي عدد من أبيات قصيدته، نقلًا عن ديوانه، ليستبين الموضوع جيّداً:

  • وَ تُضِيءُ في وَجْهِ الظَّلَام مُنِيرَةً***كَجُمَانَةِ البَحْرِيّ سُلَّ نِظَامُهَا

  • حتّى إذَا انْحَسَرَ الظَّلَامُ وَ أسْفَرَتْ***بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أزْلَامُهَا

  • ولَهتْ تَرَدَّدُ في نُهَاءِ صَعَائِدٍ 3***سَبْعَاً تُؤاماً كامِلًا أيَّامُهَا

    1. الآية 15، من السورة 57: الحديد.
    2. «تفسير الفخر الرازيّ» ج 8، ص 131.
    3. نُهَاء: ارتفاع الماء عن سطح الأرض 2. و صعائد: اسم مكان

معرفة الإمام ج۷

244
  • حَتَّى إذَا يَئِسَتْ وَ أسْحَقَ حَالِقٌ***لَمْ يُبْلِهِ إرْضَاعُهَا وَ فِطَامُهَا

  • وَ تَوَجَّسَتْ رِزَّ الأنِيسِ 1 فَرَاعَهَا***عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ وَ الأنِيسُ سَقَامُهَا

  • فَغَدَتْ كِلَا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنهُ***مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وَ أمَامُهَا 2

  • و تبلغ هذه القصيدة ثمانية و ثمانين بيتاً. يصف الشاعر في هذه الابيات بقرة وحشيّة جميلة وصفاً في غاية الحسن و الروعة إذ صادوا ولدها و هي حائرة قلقة خوفاً من بني آدم، و كانت تبحث عنه في الفيافي ليالى و أيّاماً؛ و سيطر عليها الخوف حتّى لم تجد وجهة خاصّة لدهشتها و خوفها، بل كانت ترى أمامها و خلفها كلّ واحد منهما مولى المخافة، أي: أولى بالخوف منه.

  • 1- هذه البقرة البيضاء تضيء في أوّل الليل كاللؤلؤ البحريّ المنظّم في سلسلة واحدة، و ها هي السلسلة قد انقطعت و تناثرت حبّاتها على الأرض، فهي تتلالا في نقاط مختلفة. و تنقل من مكان إلى مكان بيضاء متلالئة.

  • 2- و هكذا إلى أن انجلى الظلام و خرجت في بياض الصبح مبكّرة فتزلّ قوائمها عن التراب النديّ، و هي تبحث عن ولدها.

  • 3- و كانت في جزع دائم بسبب فقدان ولدها، و جاءت في مواضع الماء المرتفعة، و تردّدت في الصعائد سبع ليال بأيّامها علّها تتثف ولدها.

  • 4- و تردّدت هذه البقرة كثيراً إلى أن يئست من ولدها، و صار ضرعها الممتلي لبناً خلقاً لانقطاع لبنها؛ و لم يبل ضرعها إرضاعها ولدها و لا فطامها إيّاه (و إنّما أبلاه حزنها على ولدها).

    1. .- الرزّ: الصوت الخفيّ؛ الانيس و الإنس و الناس واحد.
    2. «ديوان لبيد» ص 172 و 173، طبعة دار صادر، بيروت، 1386 ه.

معرفة الإمام ج۷

245
  • 5- و أحسّت في هذه الحال صوت الناس فأفزعها ذلك بدون أن تشاهدهم، و إنّما سمعته عن ظهر غيب. ذلك أنّ الناس سقامها لأنهم يأخذونها و يصيدونها.

  • 6- و خافت خوفاً شديداً حتّى أنها لا تعرف أي فرجة بين أطرافها أولى بالخوف، أمامها أو خلفها (أي: كان فزعها على درجة أنها لم تفهم جهة الخطر و مجيء الإنسان، بل كانت ترى الخطر محدقاً بها من جميع الجوانب).

  • و جاء في شرح المعلّقات عند شرح هذا البيت: قال ثعلب: إنّ المَوْلَى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء، كقوله تعالى: النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أي: هي الأوْلَى بِكُمْ. فيكون المعنى: فغدت البقرة و هي تحسب أنّ كلا فرجيها مولى المخافة.

  • أو أنّ الفَرْج (الفاصل بين ليدين و الرجلين) هو موضع المخافة. فيكون المعنى: تحسب تلك البقرة أنّ كلّ فرج من فرجيها هو الأولى بالمخافة منه.1

  • كان لُبَيْد أحد شعراء الجاهليّة. و أفضل شعر له في الجاهليّة قصيدتان: معلّقته، و لاميّته التي جاء فيها هذا البيت:

  • ألَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ***وَ كُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

  • و عند ما انشد هذا البيت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: أصْدَقُ شِعْرٍ قَالَتْهُ العَرَبُ.

  • أدرك لبيد الإسلام، و أسلم؛ و عمّر حتّى زمان عثمان، فكان أحد

    1. 1-« شرح المعلّقات السبع» للزوزنيّ: شرح قصيدة لبيد بن ربيعة، الطبعة الحجريّة، ص 78. توفّي القاضيّ الزوزنيّ: الحسين بن أحمد شارح المعلّقات سنة 486.

معرفة الإمام ج۷

246
  • المعمّرين الطاعنين في السنّ. و من ترجم له، ذكر أنّ عمره لم يقل عن مائة و عشر سنين. و قيل: بلغ مائة و سبع و خمسين سنة.

  • و من الذين صرّحوا بأنّ معنى المولى في الآية: هِيَ مَوْلاكُمْ: الأولى: البُخاريّ، و أبو جعفر الطَبَريّ،1 و أبو الحسن الواحديّ في «الوسيط»، و أبو الفرج بن الجوزيّ،2 و محمّد بن طلحة الشافعيّ،3 و سبط بن الجوزيّ،4 و التفتازانيّ في «شرح المَقَاصِد» نقلًا عن أبي عبيدة،5 و ابن الصَبَّاغ المالكيّ،6 و السيوطيّ،7 و غيرهم.

  • و ذكر الشيخ المفيد في رسالة صنّفها في معنى المَوْلى، و الشريف المرتضى علم الهدى في كتاب «الشافي» أنّ المَوْلَى بمعنى الأوْلَى. و في ضوء هذا النهج استدلّوا على إمامة أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين.

  • و قال القوشجيّ في «شرح تجريد الاعتقاد» في شرح قول الخواجة نصير الدين: وَ لِحَدِيثِ الغَدِيرِ المُتَوَاتِرِ في تقرير استدلال الشيعة: أحد معاني المَوْلَى، الأولى في التصرّف، قال الله: مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ، أي: أولَى بِكُمْ و ذكر أبو عبيدة هذا المعنى؛ و قال رسول الله صلّى الله عليه

    1. «تفسير الطبريّ» ج 9، ص 117.
    2. «تفسير ابن الجوزيّ»:« زاد المسير».
    3. «مطالب السَّئول» ص 16، الطبعة الحجريّة.
    4. «تذكرة خواصّ الامّة» ص 19، الطبعة الحجريّة.
    5. ص 288.
    6. «الفصول المهمَّة» ص 27 الطبعة الحجريّة، و ص 25 من الطبعة الحديثة في النجف.
    7. «تفسير الجَلَالَيْن».

معرفة الإمام ج۷

247
  • و آله: أيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا يعني: بِغَيْرِ إذنِ الأوْلَى بِهَا وَ المَالِكِ لِتَدْبيرِ أمْرِهَا. و مثل هذا في الشعر كثير.

  • و بالجملة فإنّ استعمال المَوْلَى بمعنى المُتولّي، و مالك الأمر، و الأوْلَى في التصرّف شائع في كلام العرب، و منقول عن أئمّة اللغة. و المراد أنّ المَوْلَى اسم لهذا المعنى، لا صفة بمثابة الأولَى لئلّا يُعْتَرَض على أنّ المولى ليس اسم تفضيل، و لا يستعمل بمعنى التفضيل.

  • و لا بدّ أن يكون هذا المعنى هو المراد في حديث الغدير لكي يتطابق مع صدر حديثه صلّى الله عليه و آله: أ لَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟

  • و لمّا كان القوشجيّ على مذهب العامّة، لذلك جهد في دفع الاستدلال بحديث الغدير، و لكن من جهات اخرى، لا من جهة معنى المولى الذي يعني في أحد معانية الأولى بالشيء.1

  • و قال الزمخشريّ في تفسير هذه الآية أيضاً: هي مَوْلاكُمْ. قيل: معناه أوْلَى بِكُمْ. و استشهد بشعر لُبَيْد، ثمّ قال: وَ حَقِيقَةُ مَوْلَاكُمْ مَحْرَاكُمْ وَ مَقْمَنُكُمْ أي مَكَانُكُمُ الذي يُقَالُ فِيهِ: هُوَ أوْلَى بِكُمْ كَمَا قِيلَ: هُوَ مَأنَّةُ الكَرَمِ أي مَكَانٌ لِقَوْلِ القَائِلِ: إنَّهُ الكَرِيمُ.2

  • و ذكر البيضاويّ في تفسيره أيضاً عبارة الزمخشريّ نفسها و استشهد ببيت لُبَيْد؛ و من الواضح أنّ البيضاويّ اقتبس من الزمخشريّ، لأنّ وفاة الزمخشريّ كانت في سنة 538، و وفاة البيضاويّ في سنة 791. و كلاهما

    1. «شرح تجريد القوشجيّ» الأوراق الثلاث عشرة الأخيرة من الكتاب، الطبعة الحجريّة.
    2. «تفسير الكشّاف» ج 2، ص 435، الطبعة الأولي في المطبعة الشرقيّة.
      مَحْرَي وَ مَحْرَاة، و كذلك مَقْمَنْ وَ مَقْمَنَة، و مَمْأن و مَمْأنَةَ بمعني المَخْلَقة و المَجْدَرة. و إذا قيل: هُوَ مَقْمَنٌ أوْ مَحْرِيّ أو مَمْأنٌ لِكذَا يعني جديرٌ وَ خَلِيقٌ بِكَذا.

معرفة الإمام ج۷

248
  • احتمل أنّ المراد من المَوْلَى في الآية الشريفة: النَّاصِر. إلا أنّ كلّ واحد منهما جاء بمثال مستقلّ. فقال الزمخشريّ: و يجوز أن يكون المراد: هي نَاصِرُكُمْ، أي: لَا نَاصِرَ لَكُمْ غَيْرَهَا؛ و المراد نفي الناصر حتماً. كما يقولون: اصِيبَ فُلانٌ بِكَذَا فَاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ؛ أي: ليس له معين غير الجزع. و يجري على هذا قوله تعالى: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ.1 و2

  • و قال البيضاويّ: أو أنّ معنى المولى الناصر على طريقة قول العرب: «تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَ جِيعٌ».3