/ 220

معرفة الإمام ج٤

1

معرفة الإمام ج٤

2
  •  

  •  

  • الدرس السادس و الأربعون إلى الدَّرْسُ الحَادِي وَ الخمسين: تفسير الآية: ثُمَّ أوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْصَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...

  •  

  •  

معرفة الإمام ج٤

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.1

  • تخاطب الآية الاولى الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم مبيّنة أنّ الكتاب الذي اوحى إليه هو الحقّ، و هو القرآن المجيد المصدّق لجميع الكتب السماويّة النازلة من الله على من سبقه من الأنبياء. و تتحدّث الآية الثانية حول انتقال القرآن الكريم نفسه إلى المصطفين من عباد الله بعد النبيّ بوصفه إرثاً.

  • و على الرغم من أنّ بعض المفسّرين قد تردّدوا في تفسير معنى الكتاب و قالوا: لعلّ فيه إشارة إلى جنس الكتب السماويّة أو إلى خصوص التوراة و الإنجيل، بَيدَ أنّ هذا التردّد لا قيمة له من وجهة النظرة الواقعيّة،

    1. الآيتان 31 و 32، من السورة 35: فاطر.

معرفة الإمام ج٤

5
  • لأنّ اللام في الكتاب ليست للجنس، كما أنّه لم يتقدّم على هاتين الآيتين ذكر التوراة و الإنجيل في الآيات التي سبقتهما لتدلّ عليهما بصفتها لاماً للعهد، بيد أنّه لمّا كان الكتاب في الآية الاولى هو القرآن الكريم الموحى إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و أنّ هذ الكتاب قد ذكر مباشرة بعد تلك الآية بوصفه إرثاً لمن اصطفاهم الله من عباده، فلا بدّ أن تكون اللام في الكتاب هي لام العهد مشيرة إلى القرآن المجيد نفسه. و مفادها و مفهومها أنّ الله تعالى قد أورث القرآن مَن اجتباهم من عباده.

  • و سبب ورود التعبير القرآنيّ بصيغة الماضي الملحوظة في كلمة: أورثنا، هو لتحقّق وقوعه و تثبيته في القضاء الإلهيّ، كما لو أوصى أحد بإعطاء ماله أو كتابه لابنه، فقال: يا بُنيّ أوصيت بإعطائك المال الفلانيّ أو الكتاب الفلانيّ. و يقول أهل الفنّ أنّ الأعمال التي سيتحقّق وقوعها في المستقبل على نحو الحتم و اليقين هي في حكم الأعمال المتحقّقة.

  • حقيقة معنى الإرث و القصد من وراثة القرآن

  • و المراد من إرث القرآن، انتقال القرآن إلى الوارث من جميع الجهات، لأنّ حقيقة معنى الإرث في كلّ شيء هو انتقال ذلك الشيء إلى آخر بحيث يقوم هذا به، و يأخذ على عاتقه الاضطلاع بشؤونه. و على سبيل المثال، فعند ما يموت شخص و يترك مالًا موروثاً، فأنّ الوارث يتصرّف فيه و كأنّه وارثه الحقيقيّ، و ما عليه إلّا القيام بما فيه مصلحة المال من حيث حفظه و الاهتمام به و صرفه في محلّه. و تتعلّق به ملكيّته أيضاً كما كانت لصاحبه من قبل.

  • و للإرث في الحكومة و السلطنة هذا المعنى ذاته، يقولون: فلان وارث أبيه في السلطنة، أو زيد أورث نجله حكومته، أو فلان وارث أبيه في العلم، أو فلان هو وارث أبيه الوحيد في العلوم و الفنون من بين أبنائه الآخرين، أي أنّه أخذ عن أبيه تلك العلوم و الفنون، و هو لها أهل.

معرفة الإمام ج٤

6
  • القصد من وراثة القرآن

  • و على هذا النسق يجري إرث القرآن المجيد في هذه الآية المباركة. أي: أنّ نفس تلك الحقائق التي عرّفها الله نبيَّه من القرآن المجيد، الظاهرة منها كالأحكام العامّة و الخاصّة و المجمل و المبيّن، و المطلق و المقيّد و الناسخ و المنسوخ، و قصص الأنبياء و الامم الماضية، و الأخلاق و المعارف الدينيّة، و التوحيد بجميع مراتبه و الوعظ و الوعد و الوعيد و المصالح و المفاسد و مراتب النفس و ظهورها في العوالم الاخرى و الباطنة منها كالتأويل، و التفسير، و الكلّيّة، و التطبيق، و الجَرْي و الحقائق المنطوية في الآيات مثل: حقيقة عالم الطبع، و عالم البرزخ و الصور المثاليّة، و عالم العقل و الملائكة و الروح و مقاماتهم، و درجات أهل الثواب و دركات أهل المعصية، و حقيقة التوحيد الخالص و إدراكه، و كيفيّة إحاطة الأسماء و الصفات الإلهيّة بجميع العوالم، و انْدِكاك الأسماء و الصفات في الذات، و حقيقة التجلّي لجميع العوالم، و الآيات الإلهيّة الآفاقيّة و الأنفسيّة و غيرها، فهذه الحقائق كلّها قد أودعها الله ورثة القرآن، بحيث أنّهم يمثّلون خلفاء رسول الله و النازلين منزلته في تلك المعاني كلها، و أنّهم الامتداد الطبيعيّ للرسول الأكرم في القيام بها و حفظها، و العمل على ما فيه مصالح الامّة وفقاً لمدلولها.

  • في ضوء ذلك فأنّ وارث القرآن يمثّل نسخة الأصل من وجود رسول الله و سيتجلّى القرآن في وجود الوارثين واحداً تلو الآخر كنحو تجلّي القرآن المحكم و القرآن المفصّل «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»،1 لأنّه ينبغي أن تكون هناك نسبة واقعيّة بين

    1. الآية 1، من السورة 11: هود.

معرفة الإمام ج٤

7
  • المورِّث و الوارث، فلا يورِّث كلّ شيء لكلّ أحد، فابن الوزير أو ابن العضو النيابيّ لا يرث الحكومة و المُلك، و لا يرث ابن عامل القمامة فنّ الطبّ من الطبيب، و لا يرث الجاهل غير الجدير علم العالم. و يمكننا أن نطلّ من هذه النافذة لنشهد وارثي القرآن المجيد، فأنّهم أشبه الناس بالنبيّ الأكرم و أقربهم منه، بل أنّهم، في الصفات و صفاء الباطن و الاستعدادات لتلقّي الحقائق و بواطن القرآن، ذو و صدور رحبة و قلوب قويّة كالرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • و في ضوء ذلك، يقول الله جلّ شأنه: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ...» إذ أنّ معنى الإصطفاء هو اختيار خالص الشيء و خياره. و قوله: «مِنْ عِبادِنا» بيانيّة كما يبدو، لأنّ الإضافة في كلمة «عِبادِنا» للتشريف، و يريد أن يقول بأنّ هؤلاء المصطفين و وارثي القرآن يتّصفون بعبوديّتهم لنا، كما في قوله عزّ و جلّ: وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى.1

  • تقسيم العباد إلى ثلاثة أقسام

  • و أمّا قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلعلّه من أجل تقسيم العباد إلى ثلاث مجموعات، فيما إذا رجع الضمير في كلمة «فَمِنْهُمْ» إلى العباد، و في هذه الحالة، فأنّ الجملة ستكون تعليلًا للجملة التي سبقتها، أي: أنّنا أورثنا القرآن الذين اصطفينا من عبادنا لأنّ عبادنا جميعهم غير متساوين بل هم ثلاث مجموعات، و من الطبيعيّ فأنّ أفضل هذه المجموعات و هي المجموعات السابقة بالخيرات ترث القرآن و ستكون الجنّات الموعودة في الآيات الثلاث التالية لها من نصيبهم: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ

    1. الآية 59، من السورة 27: النمل.

معرفة الإمام ج٤

8
  • شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ.1

  • و لعلّه من أجل تقسيم المصطفين، أي أنّنا أورثنا القرآن الذين اصطفيناهم من عبادنا، و هم ثلاثة أقسام: الأوّل: الذين ظلموا أنفسهم. الثاني: الذين سلكوا سبيل العدل و الإنصاف و الاعتدال. الثالث: الّذين أحرزوا قصب السبق في مجال الخيرات و الحسنات، و تفوّقوا على الجميع بإذن الله، و القرآن بوصفه إرثاً وصل إلى هؤلاء جميعهم لأنّهم من المصطفين من اختلاف في الدرجات و المراتب. هذا مع أنّ الوارث الحقيقيّ للقرآن و القائم بأمره هو القسم الثالث من بين هؤلاء طبعاً، و هم السابقون.

  • و هذا اللون من الإستعمال شائع أيضاً في العرف و لغة المحاورة فنجد أنّ شيئاً خاصّاً بشخص ينسب إلى جماعة لها معه ارتباط، كما يقال: حصل الفريق الفلانيّ على الجائزة الفلانيّة بينما نجد الجائزة من نصيب أحد أعضاء الفريق، أو يقال: نزل القرآن على أهل مكّة، ثمّ نزل على أهل المدينة بينما هو نزل على رسول الله خاصّة. و في القرآن المجيد استعمالات كثيرة من هذا القبيل. جاء في الآيتين 53 و 54 من سورة المؤمن قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، هُدىً وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ. في حين أنّ التوراة لم يؤتَها بنو إسرائيل جميعهم، و بعد موسى عليه السلام كانت من نصيب بعضهم. أو أنّ المراد من الكتاب هنا ليس التوراة بعينها، بل هو ذلك الكتاب السماويّ الموحى الذي نزل على موسى نفسه تحت عنوان التوراة، و لم ينزل على بني إسرائيل كلّهم.

    1. الآيات 33 إلى 35، من السورة 35: فاطر.

معرفة الإمام ج٤

9
  • بَيدَ أنّ قراءة في الروايات المأثورة سواء الواردة عن طريق الشيعة أو عن طريق السنّة، تنبئنا أنّ الاحتمال الثاني أقوى. فالله تعالى في هذه الآية يقسّم عباده المصطفين إلى ثلاثة أقسام، و هم مع اختلافهم فيما بينهم، حتى أنّ فيهم من يظلم نفسه، لكنّهم يتميّزون عن غيرهم بصفاء و كلّهم ورثة الكتاب على نحو الإجمال، مع أنّ حقيقة الإرث ترتبط بالفريق الثالث السابق بالخيرات.

  • و الشاهد على ذلك هو أنّ تلك الجنان الموعودة هي للذين ظلموا أنفسهم، و للمقتصدين المعتدلين، و قد أصبحت من نصيبهم بسبب مغفرة الله لهم، و جزاءً لأعمالهم.

  • لأنّ الآيات نطقت بأنّهم يحمدون الله ربهم و يثنون عليه بصفتي الغفور و الشكور، و هذا المعنى يتناسب مع الذنب و المغفرة، و العمل الصالح و الثواب، و هو ما يتعلّق بالفريق الأوّل و الثاني: و أنّهم يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن و أحلّهم دار المقامة و جنّة الخُلد من فضله لا يمسّهم فيها نصب و لا لغوب. و هذه العبارات الناطقة بالحمد تصدر عن ذينك الفريقين؛ و لا تصدر عن الفريق الثالث الذي يدخل أفراده الجنّة بغير حساب متنعّمين بالأمن و الأمان في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. و يخاطَبون بقوله جلّ من قائل: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً.

  • ورثة الكتاب كلّهم من أبناء فاطمة الزهراء

  • تفيد الروايات المأثورة أنّ المذكورين في الأقسام الثلاثة جميعهم من ولد فاطمة عليها السلام و كلّهم يدخلون الجنّة، لكنّ أفراد القسم الأوّل يدخلونها بعد حساب عسير بسبب ظلهم أنفسهم، و أفراد القسم الثاني

معرفة الإمام ج٤

10
  • يدخلونها بعد حساب يسير، أمّا أفراد القسم الثالث، و هم ورثة القرآن، فأنّهم يدخلونها بغير حساب.

  • نقل محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب «الكافي» بسنده عن أحمد بن عمر أنّه قال: سَألْتُ أبَا الْحَسَنِ الرِّضا عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا»- الآية، فَقَالَ: وُلْدُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَ السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الإمَامُ، وَ الْمُقْتَصِدُ الْعَارِفُ بِالإمَامِ، وَ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ الذي لَا يَعْرِفُ الإمَامِ.1

  • و نقل الكلينيّ مثل هذه الرواية بألفاظها نفسها (ما عدا: وُلد فاطمة عليها السلام) عن سالم، عن الإمام الباقر عليه السلام.2

  • و رواها ابن بابويه أيضاً بسنده عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن الإمام الباقر عليه السلام ما عدا قوله: وُلْدُ فاطِمَةَ عليها السلام لكن جاء في ذيلها قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها أي: الْمُقْتصِدَ وَ السَّابِقَ.3

  • و روى الطبرسيّ عن عبد العزيز، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: الظّالِمُ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَّ الأمام، و الْمُقْتَصِدُ مِنّا الْعَارِفُ بِحَقِّ الإمامِ، وَ السّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الإمَام، وَ هَؤلَاءِ كُلُّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ.4

    1. « غاية المرام» ص 351، الحديث الرابع، و تفسير« الميزان» ج 17، ص 49؛ و« بحار الأنوار» ج 7، ص 44 عن« بصائر الدرجات».
    2. « غاية المرام» ص 351، الحديث الأوّل؛ و« بحار الأنوار» ج 7، ص 44 عن« بصائر الدرجات»، و ص 45 عن« تفسير عليّ بن إبراهيم».
    3. « غاية المرام» ص 351، الحديث الثامن.
    4. « غاية المرام» ص 353، الحديث السادس عشر: و قال في تفسير« الدرّ المنثور» ج 5، ص 251 في ذيل الآية الشريفة: و أخرج الطيالسيّ، و أحمد، و عبد بن حميد و الترمذيّ و حسّنه، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقيّ، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّي الله عليه و سلّم أنّه قال في هذه الآية:« ثُمَّ أوْرَثنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ» قال: هؤلاء كلّهم بمنزلة واحدة و كلّهم في الجنّة.

معرفة الإمام ج٤

11
  • و نلاحظ أنّ الإمام الصادق عليه السلام قد فسّر الآية كما فسّرها الإمام الباقر عليه السلام و قال في ذيلها: كلّهم مغفور لهم.

  • و روى ابن بابويه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام أنّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ». فقال: الظّالِمُ يَحُومُ حَوْمَ نَفْسِهِ، وَ الْمُقْتَصِدُ يَحُومُ حَوْمَ قَلْبِهِ1 (أي أنّه يراقب قلبه لئلّا يقدر منه معصية أو تفوته طاعة، و لئلّا يعتريه صدأ؛ فيحفظ قلبه دوماً طاهراً بنور الطاعة)، وَ السّابِقُ يَحُومُ حَوْمَ رَبهِ عَزَّ وَ جَلَ (أي أنّه تخطّى قلبه، فهو لا يجد وجوداً و قلباً في داخله ليكون في صدد تنزيهه و تطهيره، فهو ناظرٌ دوماً إلى جمال الحق و تجلّياته. مضمحلًّا في شعاع صفاته و أسمائه، و فانياً في ذاته المقدّسة).

  • لكنّ العلّامة الطباطبائيّ نقل ذلك عن «معاني الأخبار» للصدوق، عن الإمام الصادق عليه السلام على النحو التالي: الظَّالِمُ يَحُومُ حَوْمَ نَفْسِهِ، وَ الْمُقْتَصِدُ يَحُومُ حَوْمَ قَلْبِهِ، وَ السّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَحُومُ حَوْمَ رَبهِ.2 و القصد واحد في كلتا الحالتين.

  • تفسير الإمام محمد الباقر عليه السّلام لآية «ثُمَّ أَورثنَا الكِتَابَ»

  • و روى محمّد بن العبّاس بن ماهيار، و هو من الموثّقين، في تفسيره عن أبي إسحاق السبيعيّ أنّه قال: خَرَجْتُ حاجّاً فَلَقيتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ

    1. « غاية المرام» ص 351، الحديث الثامن.
    2. تفسير« الميزان» ج 17، ص 50؛ و« بحار الأنوار» ج 7، ص 43 عن« معاني الأخبار».

معرفة الإمام ج٤

12
  • عَلَيْهما السَّلَامُ فَسَألْتُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» فَقَالَ: ما يَقُولُ فيها قَوْمُكَ يا أبَا إسْحَاقَ- يَعْنِي أهْلَ الْكُوفَةِ-؟ قالَ: قُلْتُ: يَقُولُونَ أنّها لَهُمْ، قَالَ: فَما يُخَوِّفُهُمْ إذَا كَانُوا مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: فَما تَقُولُ أنْتَ جُعِلْتُ فِداكَ؟ قَالَ: هِيَ لَنا خَاصَّةً يَا أبا إسْحَاقَ أمّا السّابِقُونَ بِالْخَيْرَاتِ فَعَلِيّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عَلَيْهمُ السَّلَامُ وَ الإمَامُ مِنّا، وَ الْمُقْتَصِدُ فَصَائِمٌ بِالنَّهَارِ وَ قَائِمٌ بِالَّلَيْلِ، وَ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ فَفِيهِ ما في النَّاسِ وَ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ: يَا أبا إسْحَاقَ بِنَا يَفُكُّ اللهُ رِقَابَكُمْ وَ يَحُلُّ رِبَاقَ الذُّلِّ مِنْ أعْنَاقِكُمْ وَ بِنَا يَغْفِرُ اللهُ ذُنُوبَكُمْ، وَ بِنَا يَفْتَحُ وَ بِنَا يَخْتِمْ، وَ نَحْنُ كَهْفُكُمْ كَكَهْفِ أصْحَابِ الْكَهْفِ، وَ نَحْنُ سَفِينَتُكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ، وَ نَحْنُ بَابُ حِطِّتِكُمْ كَبابِ حِطَّةِ بَني إسْرَائِيلَ.1

  • و روى ابن بابويه، الشيخ الصدوق بسنده عن أبي حمزة الثماليّ رضوان الله عليه أنّه قال: كُنْتُ جالِساً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ أبي جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ إذْ أتاهُ رَجُلانِ مِنْ أهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالا لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أنّا

    1. « غاية المرام» ص 352، الحديث الحادي عشر، و« بحار الأنوار» ج 7، ص 44 عن كتاب« سعد السعود» لابن طاووس، عن كتاب« تفسير محمّد بن عبّاس بن مروان». و قال في تفسير« الدرّ المنثور» ج 5، ص 251: و أخرج الفريابيّ، و أحمد، و عبيد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبرانيّ، و الحاكم، و ابن مردوية، و البيهقيّ، عن أبي الدرداء: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: قال الله- تعالى:« ثُمّ أوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَ مِنهُم مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللهِ» فأمّا الذين سبقوا فاولئك يدخلون الجنّة بغير حساب، و أمّا الذين اقتصدوا فاولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، و أمّا الذين ظلموا أنفسهم فاولئك يحبسون في طوال المحشر ثمّ هم الذين تلقّاهم الله برحمة، فهم الذين يقولون:« الْحَمْدُ لِلهِ الذي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ أنّ رَبنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الذي أحَلَّنَا دَارَ الْمَقَامِة مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسَّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَ لَا يَمَسَّنَا فِيهَا لُغُوبٌ».

معرفة الإمام ج٤

13
  • نُريدُ أن نَسْألَكَ عَنْ مَسْألَةٍ؟ فَقَالَ لَهُما: سَلَا عَمَّا شِئتُما قَالا: أخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ»- إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ- قَالَ: نَزَلَتْ فِينا أهْلَ الْبَيْتِ. قَالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيّ: فَقُلْتُ: بِأبي أنْتَ وَ امّي، فَمَنِ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنكُمْ؟ قَالَ: مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وَ سَيِّئاتُهُ مِنْ أهْلِ الْبَيْتِ، فَهُوَ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ: مَنِ الْمُقْتَصِدُ مِنكُمْ؟ قَالَ: الْعَابِدُ لِلهِ في الْحَالَيْنِ1 حتى يَأتِيَهُ الْيَقِينُ. قُلْتُ: فَمَنِ السّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ؟ قَالَ: مَنْ دَعا وَ اللهِ إلى سَبيلِ رَبهِ وَ أمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُضِلِّينَ عَضُداً وَ لَا لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً، وَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْفَاسِقِينَ إلّا مَنْ خَافَ على نَفْسِهِ وَ دِينِهِ وَ لَمْ يَجِدُ أعْوَاناً.2

  • و حدّث صاحب كتاب «ثاقب المناقب» عن أبي هاشم الجعفريّ، قال: كنت عند أبي محمّد الحسن العسكريّ عليه السلام فسألته عن قول الله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ». قال عليه السّلام: كُلُّهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الذي لا يَقِرُّ بِالإمامِ، و الْمُقْتَصِدُ الْعَارِفُ بِالإمَامِ، وَ السّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِاذن اللهِ الإمَامُ. قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَأي وَ جَعَلْتُ افَكِّرُ في نَفْسِي مَا أعْطَى اللهُ آلَ مُحَمَّدٍ، فَنَظَرَ إلَيّ وَ قَالَ: الأمْرُ أعْظَمُ مِمّا حَدَّثَتْكَ بِهِ نَفْسُكَ مِنْ عِظَمِ شَأنِ آلِ مُحَمَّدٍ، فَاحْمَدِ اللهَ فَقَدْ جَعَلَكَ مُسْتَمْسِكَاً بِحَبْلِهِمْ تُدْعَى يَومَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ إذَا دُعِيَ كُلُّ انَاسٍ بِإمَامِهِمْ، فَأبْشِرْ يَا أبَا هَاشِمٍ وَ أنّكَ

    1. أي في الشدّة و الرخاء، و في الضّيق و السعة.
    2. « غاية المرام» ص 352، الحديث التاسع؛ و« بحار الأنوار» ج 7، ص 44 عن« معاني الأخبار».

معرفة الإمام ج٤

14
  • على خَيْرٍ.1

  • الإمام هو الوارث لعلوم القرآن كلها

  • و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن الإمام أبي الحسن الأوّل (موسى بن جعفر) عليهما السلام. قال: قلتُ له: جُعِلْتُ فِدَاكَ أخْبِرْنِي عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَرِثَ النَّبِيِّينَ كُلّهم؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِن لَدُن آدَمَ حتى انتهى إلى نفسه؟ قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إلَّا وَ مُحَمَّدُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أعْلَمُ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: أنّ عيسى بْنَ مَرْيَم كَانَ يحيى الْمَوْتَى بِإذْنِ اللهِ، قَالَ: صَدَقْت وَ سلَيمان بن داود كَانَ يَفْهَمُ مَنْطِق الطَّيْرِ، وَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يَقْدَرُ على هَذِهِ الْمَنَازِلِ. قَالَ: فَقَالَ أنّ سُلَيمَانَ بْنَ دَاود. قَالَ لِلْهُدْهُدِ حِينَ فَقَدَهُ وَ شَكَ في أمْرِهِ فَقَالَ: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ.2 حين فقده فغضب عليه فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. و أنّما غضب لأنّه كان يدُلّه على الماء فهذا و هو طائر قد اعطي ما لم يُعْطَ سليمان، و قد كانت الريح و النمل و الإنس و الجنّ و الشّياطين [و] المردة له طائعين و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء. و كان الطير يعرفه،3 و أنّ اللهَ- يقُولُ في كتابه: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» و قد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تُسيّر به الجبالُ و تُقطّع به البلدانُ و تُحيي به الموتى. و نحن نعرف الماء تحت الهواء (فلا نحتاج إلى الهدهد و علمه). و أنّ في

    1. « غاية المرام» ص 353، الحديث الثامن عشر؛ و« بحار الأنوار» ج 7، ص 44 عن« كشف الغمّة».
    2. لأنّه كان يدلّ سليمان على الماء بما يمتلكه من بصرٍ حادّ.
    3. و عليه فأنّ سليمان كان ناقصاً في علومه.

معرفة الإمام ج٤

15
  • كتاب الله لآيات ما يُراد بها أمر إلّا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله ممّا كتبه الماضون، جعله الله لنا في امّ الكتاب.

  • أنّ الله يقول: «وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ». ثمّ قال: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» فنحن الذين اصطفانا الله عزّ و جلّ و أورثنا هذا الذي فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيءٍ.1

  • علوم الأنبياء جميعهم عند الإمام

  • و نقل في «الكافي» بإسناده عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنّه قال: يَمُصُّونَ الثِّمادَ2 وَ يَدَعُونَ النَّهْرَ الْعَظِيمَ. قِيلَ: وَ مَا النَّهْرُ الْعَظِيمُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ الْعِلْمُ الذي أعْطاهُ اللهُ. أنّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ سُنَنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آدَمَ وَ هَلُمَّ جَرَّاً إلى مُحَمَّدٍ. قِيلَ لَهُ: وَ مَا تِلْكَ السُّنَنُ؟ قَالَ: عِلْمُ النَّبِيّينَ بِأسْرِهِ، وَ أنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ صَيَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أميرِ الْمُؤمِنِينَ.3

  • و نقلت هذه الرواية نفسها في «بصائر الدرجات» عن عليّ بن نعمان.4 و جاء في «الكافي» أيضاً بسنده عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنّه قال: كانَ جَمِيعُ الأنْبيَاءِ مِائةَ ألْفِ نَبيّ وَ عِشْرِينَ ألْفَ نَبيّ مِنهُمْ خَمْسَةٌ اولُو الْعَزْمِ:5 نُوحٌ وَ إبرَاهِيمُ وَ موسى وَ عيسى وَ مُحَمَّدٌ صلّى الله عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِمْ، وَ أنّ عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ كَانَ هِبَةَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ وَ وَرِثَ عِلْمَ

    1. « غاية المرام» ص 351، الحديث الرابع، و« بحار الأنوار» ج 6، ص 226 و الطبعة الحروفيّة ج 26، ص 161 عن« الكافي».
    2. الثِّماد جمع الثمد و هو الماء القليل الذي لا مادّ له و الذي يتجمّع على الأرض أحياناً ثمّ يجفّ.
    3. « بحار الأنوار» ج 6، ص 226.
    4. نفس المصدر السابق.
    5. أي أصحاب كتاب و شريعة.

معرفة الإمام ج٤

16
  • الأوصِيَاءِ وَ عِلْمَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ. أمَا أنّ مُحَمَّداً وَرِثَ عِلْمَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ.1

  • و جاء في «الكافي» و «بصائر الدرجات» بإسنادهما عن ضُرَيس الكنانيّ أنّه قال: كنت عند أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام و عنده أبو بصير. فقال أبو عبد الله عليه السلام أنّ داودَ وَرِثَ عِلْمَ الأنبياءِ، و أنّ سُلَيمانَ ورث داود، و أنّا ورثنا محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلّم و أنّ عندنا صحف إبراهيم و ألواح موسى عليهما السلام. فقال أبو بصير: أنّ هذا لهو2 العلم! فقال: يا أبا بصير ليس هذا هو العلم. أنّما العلمَ ما يحدث بالليل و النهار، يوماً بيوم و ساعة بساعة.3 (لكنّ تلك الصحف و الألواح حقيقة اخرى استقرّت في وجودنا بنحو كلّيّ و هي لا تقبل الحدوث و التغيير، و قد انسابت هذه العلوم اليوميّة من ذلك المنبع)».

  • و جاء مثل هذه الرواية في «بصائر الدرجات» عن أيّوب بن نوح و محمّد بن عيسى، عن صفوان.4 و في «الكافي» عن ابن مُسكان، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام قال: قال لي: يا أبَا مُحَمَّدٍ أنّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُعْطِ الأنْبِياءَ شَيئاً إلّا وَ قَدْ أعْطَاهُ مُحَمَّداً جَمِيعَ ما أعْطَى الأنْبِياءَ، وَ عِنْدَنَا الصُّحُفُ التي قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى». قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ هِيَ الألْوَاحُ؟ قَالَ: نَعَمْ.5

  • و في «الكافي» عن هارون بن الجهم أنّه روى عن رجل من أصحاب

    1. « بحار الأنوار» ج 6، ص 226.
    2. أي أنّ المقصود بصحف إبراهيم و موسى لهو العلم الذي تبيّنونه للناس.
    3. « اصول الكافي» ج 1، ص 175؛ و« بحار الأنوار» ج 6، ص 226 و الطبعة الحروفيّة ج 26، ص 187.
    4. ( 4 و 5)-« بحار الأنوار» ج 6، ص 226.
    5. ( 4 و 5)-« بحار الأنوار» ج 6، ص 226.

معرفة الإمام ج٤

17
  • الصادق عليه السلام لم يحفظ اسمه قال: سمعتُ الصادق عليه السلام يقول: أنّ عيسى ابْنَ مَرْيَمَ اعْطِيَ حَرْفَيْنِ كَانَ يَعْمَلُ بِهِما،1 وَ اعْطِيَ موسى أرْبَعَةَ أحْرُفٍ، وَ اعْطِيَ إبْراهِيمُ ثَمانِيَةَ أحْرُفٍ، وَ اعْطِيَ نُوحٌ خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفاً، وَ اعْطِيَ آدَمُ خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ حَرْفاً، وَ أنّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ أنّ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ ثَلَاثَةٌ وَ سَبْعُونَ حَرْفاً، أعْطَي مُحَمَّداً اثْنَيْن وَ سَبْعِينَ حَرْفاً وَ حُجِبَ عَنْهُ حَرْفٌ واحِدٌ.2

  • و روي في «بصائر الدرجات» بسنده عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليهما السلام أنّه قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الأئِمَةُ يُحْيُونَ الْمَوْتَى وَ يُبْرِؤُنَ الأكْمَهَ وَ الأبْرَصَ وَ يَمْشُونَ على الْمَاءِ؟ قَالَ: مَا أعْطَى اللهُ نَبِيّاً شَيئاً قَطُّ إلَّا وَ قَدْ أعْطَاهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ أعْطَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ- الخبر.3

  • و فيه بسنده عن جابر، عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: أعْطَى اللهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ مِثْلَ مَا أعْطَي آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الأوْصِياءِ كُلِّهِمْ، يا جابِرُ! هَلْ تَعْرِفُونَ (يَعْرِفُونَ- خ ل) ذَلِكَ؟4

  • و جاء في كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد عن عبد الله بن بُكَيْر الهجريّ، عن أبي جعفر عليه السلام [أنّه] قال: أنّ عَلِيّ بْنَ أبي طَالِب كانَ

    1. أي أنّه اعطي حرفين كان يجترح بهما المعجزات، من إحياء الموتى و شفاء الأعمي و الأكمه و الأبرص، و إخبار الناس عن الغيب، كإخبارهم عمّا كانوا يأكلون أو عمّا يدّخرون في بيوتهم.
    2. « بحار الأنوار» ج 6، ص 227.
    3. « بحار الأنوار» ج 6، ص 227 طبعة الكمباني.
    4. نفس المصدر، ص 229.

معرفة الإمام ج٤

18
  • هِبَةِ اللهِ لِمُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، وَرِثَ عِلْمَ الأوْصِياءِ وَ عِلْمَ ما كانَ قَبْلَهُ، أما أنّ مُحَمَّداً وَرِثَ عِلْمَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ وَ الْمُرْسَلِينَ.1

  • معجزات الأنبياء و الأئمة إثر كمال نفوسهم

  • الإمام وارث جميع كمالات و فضائل الأنبياء

  • أنّ ما يستفاد من هذه المجموعة الروائيّة هو أنّ جميع الكمالات الروحيّة و العلميّة التي كان يتّصف بها الأنبياء الماضون قد ورثها نبيّنا محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم عنهم، و ورثها عليّ أمير المؤمنين عليه السلام عنه، ثمّ بعد ذلك ورثها أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن أمير المؤمنين. و لا ينحصر هذا الإرث في الوحي و العلوم الإلهيّة الخاصّة بشرائعهم فسحب، بل و في كافّة الحالات و الصفات الروحيّة و كيفيّة الاتّصال بالمبدأ الأعلى من حيث الاسم الخاصّ الذي كانوا يستأثرون به، بل و أنّ جميع المعجزات و الكرامات التي كانت تصدر عنهم بإذن الله، كانت كلّها موجودة و منطوية في نفس النبيّ المباركة. و لمّا كانت معجزات الأنبياء صادرة عنهم بسبب قدراتهم الروحيّة و صفاء قلوبهم حيث تجلّى أمر الله فيهم و ظهرت المعجزات مشعّة من نافذة نفوسهم الطاهرة بإذن الله، و لمّا كانت نفوسهم متفاوتة، فأنّ هذه التجلّيّات متفاوتة أيضاً، و صدرت عن كلّ نبيّ معجزة خاصّة. و لم تكن علومهم الإلهيّة أيضاً على نمط و سبيلٍ واحد، فكلّ واحد منهم قد تشرّف بالدخول إلى الحرم الإلهيّ- من حيث درك مقام التوحيد و العظمة الإلهيّة- بجانب خاصّ و اسم مخصوص و أصبح من المخلَصين. و أنّ ألقاباً نحو: روح الله، أو كليم الله، أو خليل الله، أو نَجِيّ الله، أو صفي الله، و أمثالها ليست ألقاباً شكليّة و اعتباريّة، بل هي تنبئ عن نوع خاص من الملكات، و كيفيّة خاصّة من النفوس، إذ أنّ النفحات الإلهيّة في

    1. بحار الأنوار، ج 9، ص 229.

معرفة الإمام ج٤

19
  • كلّ واحد منهم ليست على منوال واحد، بل أنّ كلًّا منهم سار من طريق خاصّ و نمط مخصوص متّصفاً بصفاء الباطن في اسم من الأسماء الإلهيّة، فظهرت حقيقة ذلك الاسم فيهم. و كانوا يقومون بالمعجزات و الأعمال الخارقة للعادة بواسطة ذلك الاسم. و كانت العلوم الربّانيّة تنساب على قلوبهم من نافذة ذلك الاسم، من عالَم العلم الإلهيّ الكلّيّ بواسطة جبريل الأمين.

  • أمّا الوجود المقدّس الخاتم الأنبياء و المرسلين الجامع لظهورات الأسماء الإلهية كلّها، فله نفس واسعة و قلب فسيح، و عنده الاسم الأعظم و مقام الفناء في اسم الأحد و الذات الإلهيّة المقدّسة. و لقب خاتم النبيّين ليس لقباً شكليّاً و اعتباريّاً، بل هو يعبّر عن تلك الروح الكبيرة و الاستعداد على السير في جميع الأسماء و الصفات، و تجلّي الاسم الأعظم، و تلقّي آخر مرتبة من مراتب التوحيد و الفناء في الذات الأحديّة و اندكاك جميع العوالم و انطوائها في نفسه المباركة، بل اندكاك و انطواء جميع علوم الأنبياء السابقين و مواهبهم مع كمالاته الروحيّة و العلميّة و التي تدلّ كلّها على معنى خاتم النبّين. فالأنبياء أجمع مقدّمة الجيش له، و كلّ منهم وجد طريقة إلى الله من زاوية خاصّة و طريق خاصّ، و أصبح له كمال خاصّ به. بَيدَ أنّ النفس الواسعة لنبيّنا العظيم تشرّفت بذلك المقام المنيع و تجلّت فيها كافّة الأسماء الإلهيّة من جميع الزوايا و الطرق. فهو- إذَن- وارث الأنبياء جميعهم، و جميعهم تحت نفوذه و طوع إرادته متمسّكين بشرف الخدمة و الاستشفاع.

  • «ما عند الأبرار جميعهم عندك أفضل منه أضعافاً مضاعفة».

  • فعند سيّد الكائنات علوم الأنبياء و الأوصياء جميعهم، و عنده

معرفة الإمام ج٤

20
  • معجزاتهم كلّها، و أكثر من ذلك، سيدفع إليه فقط لواء الحمد يوم القيامة فهو إمام الحامدين لله كما يليق بمقام حمده.

  • أمير المؤمنين عليه السّلام هو الجامع لجميع كمالات الأنبياء

  • و قد انتقلت جميع تلك المراتب و الدرجات و الكمالات و الفضائل و الميزات و العلوم و المعجزات و الأسماء الإلهيّة الكلّيّة، و الاسم الأعظم إلى خليفته و وصيّة و مرآة ظهوره التامّ، أعني الوجود المبارك لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و سيتحوّل لواء الحمد يوم القيامة من يد النبيّ إلى يد أمير المؤمنين.

  • أنّ مقام الوراثة هذا هو في كتاب التكوين و كتاب التشريع، إذ أنّ علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة و ما هو كائن مشهود في ذهنه، و قدرة الله و عظمة الأسماء الإلهيّة متجلّيّة في نفس الوصيّ الصافية و ضميره المتلألئ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

  • و على هذا الأساس اعتبر القرآن عليّاً عليه السلام نفس النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم في آية المباهلة.1 و قد وردت أحاديث كثيرة عن طريق الشيعة و السنّة بهذا الشأن، و شرط الاتّحاد بين النفسين الاتّحاد في الكمالات و المعارف. و مضافاً إلى ذلك فقد جاءت أحاديث جمّة عن طريق الفريقين مأثورة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم شبّهت أمير المؤمنين بآدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و يحيى و يوسف. و لا يتمّ التشبيه إلّا بتحقّق صفة المُشَبَّه به في المُشَبَّه، بل أنّ كثيراً منها لم ينصّ على التشبيه بل نصّ على المثليّة و المساواة. و نذكر فيما يلي بعض الأحاديث المرويّة عن طريق العامّة فقط:

    1. فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَآءَنَا وَ أبْنَآءَكُمْ وَ نِساءَنَا وَ نسَاءَكُمْ وَ أنفُسَنَا وَ أنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ.( الآية 61، من السورة 3: آل عمران).

معرفة الإمام ج٤

21
  • روى محمّد بن طلحة الشافعيّ1 بسنده عن البيهقيّ، و كذلك روى ابن الصبّاغ المالكيّ،2 في كتاب صنّفه في فضائل الصحابة، بسنده عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ إلى نُوحٍ في تَقواهُ، وَ إلى إبْراهِيمَ في حِلْمِهِ، وَ إلى موسى في هَيْبَتِهِ، وَ إلى عيسى في عِبَادَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.

  • و قال الفخر الرازيّ عند تفسيره آية المباهلة: أنّ هذه الآية دلّت على أنّ نفس عليّ هي نفس محمّد. و لما دلّ الإجماع على أنّ محمّداً صلّى الله عليه [و آله] و سلّم كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون على أفضل من سائر الأنبياء باستثناء رسول الله. ثمّ قال: و يؤيّد الاستدلال بهذه الآية الحديث المقبول عند الموافق و المخالف، و هو قوله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم. مَنْ أرادَ أنْ يرى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ نُوحاً في طاعَتِهِ، وَ إبْرَاهِيمَ في خُلَّتِهِ، وَ موسى في هَيْبَتِهِ، وَ عيسى في صِفْوَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.

  • ثمّ قال: فالحديث دلّ على أنّه اجتمع فيه ما كان متفرّقاً فيهم. و ذلك يدلّ على أنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء. و أمّا الشيعة فقد كانوا قديماً و حديثاً يستدلّون بهذه الآية على أنّ عليّاً رضي الله عنه أفضل من سائر الصحابة، لأنّ الآية لما دلّت على أنّ نفس عليّ رضي الله عنه مثل نفس محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم إلّا فيما خصّه الدليل، و كانت نفس محمّد صلّى الله عليه [و آله] و سلّم أفضل من الصحابة، فوجب أن تكون نفس عليّ أفضل من سائر الصحابة.3

    1. « مطالب السُّؤل» ص 22.
    2. « الفصول المهمّة» ص 121.
    3. « تفسير الفخر الرازيّ» آية المباهلة، ج 8، ص 86.

معرفة الإمام ج٤

22
  • و روى الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ عن أبي الحمراء، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ إلى نُوحٍ في عَزْمِهِ، وَ إلى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ، وَ إلى موسى في بَطْشِهِ، وَ إلى عيسى في زُهْدِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ. أخرجه أبو الخير الحاكميّ.1

  • و روى ابن عبّاس أيضاً عن رسول الله أنّه قال: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ إلى نُوحٍ في حُكْمِهِ، وَ إلى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ، وَ إلى موسى في هَيْبَتِهِ، وَ إلى عيسى في زُهْدِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَليّ بْنِ أبي طَالِبٍ. أخرجه الملّا في سيرته.2

  • و روى محبّ الدين عن أبي الحمراء أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ إلى نُوحٍ في فَهْمِهِ، وَ إلى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ، وَ إلى يحيى بْنِ زَكَرِيّا في زُهْدِهِ، وَ إلى موسى في بَطْشِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ. أخرجه أبو الخير الحاكميّ.3

  • و ورد في هامش ص 212 من «المناقب» لابن المغازليّ: أخرجه أخطب خوارزم في مناقبه، ص 49، و ص 245، و المحبّ الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 2 ص 217، و رواه ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 2 ص 229، و قال: رواه أحمد بن حنبل في المسند، و رواه البيهقيّ في صحيحه.

    1. « ينابيع المودّة» ص 214.
    2. نفس المصدر.
    3. « ذخائر العقبي» ص 93.

معرفة الإمام ج٤

23
  • و كذلك روى محب الدين الطبريّ عن ابن عبّاس أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ وَ إلى نُوحٍ في حُكْمِهِ، وَ إلى يُوسُفَ في جَمَالِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ. أخرجه الملّا (علي تقي) في سيرته.1

  • و روى ابن المغازليّ أيضاً بسنده عن أنس بن مالك أنّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى عِلْمِ آدَمَ، وَ فِقْهِ نُوحٍ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.2

  • و روى الكنجيّ الشافعيّ بإسناده المتّصل عن ابن عبّاس أنّه قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ جَالِسٌ في جَمَاعَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ أقْبَلَ عَلِيّ بَصُرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ قَالَ: مَنْ أرادَ مِنْكُمْ أنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ في عِلْمِهِ، وَ إلى نُوحٍ في حِكْمَتِهِ، وَ إلى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.

  • ثمّ قال: تشبيهه لعليّ بآدم في علمه لأنّ الله علّم آدم صفة كلّ شيء كما قال عزّ و جلّ: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.3 فما شيء و لا حادثة و لا واقعة إلّا و عند عليّ علم، و له في استنباط معناها فهم.

  • و شبّهه بنوح في حكمته، أو في رواية اخرى في حكمه، و كأنّه أصحّ، لأنّ عليّاً عليه السلام كان شديداً على الكافرين رؤوفاً بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله: وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.4 و خَبَّر الله عزّ و جلّ عن شدّة نوح عليه السلام على الكافرين

    1. « ذخائر العقبي» ص 94.
    2. « مناقب ابن المغازليّ» ص 212.
    3. الآية 31، من السورة 2: البقرة.
    4. الآية 29، من السورة 48: الفتح.

معرفة الإمام ج٤

24
  • بقوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً.1

  • و شبّهه في الحلم بإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن كما وصفه الله عزّ و جلّ بقوله: أنّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ.2 فكان متخلّقاً بأخلاق الأنبياء متّصفاً بصفات الأوصياء.3

  • و قال القندوزيّ الحنفيّ: و في «المناقب» عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: أنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ نَظَرَ إلَيّ وَ أنَا مُقْبِلٌ وَ أصْحَابُهُ حَوْلَهُ وَ قَالَ لِي: أمَا أنّ فِيكَ شِبْهاً مِنْ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وَ لَوْ لَا مَخَافَةَ أنْ يَقُولَ فِيكَ طَوائِفُ مِنْ امتى ما قَالَتِ النَّصارى في عيسى ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ مَقالًا لا تَمُرُّ بِمَلأ مِنَ النّاسِ إلّا أخَذُوا التُّرابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ يَبْغُونَ فِيهِ الْبَرْكَةَ وَ يَسْتَشْفُونَ بِهِ. فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: لَمْ يَرْضَ مُحَمَّدٌ إلّا أنْ يَجْعَلَ ابْنَ عَمِّهِ مَثَلًا لِعيسى ابْنِ مَرْيَمَ، فَأنْزَلَ الله تعالى: «وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ».4

  • ثمّ قال القندوزيّ: و جاء أيضاً عن سلمان نحو هذه الرواية، و بطريق

    1. الآية 26، من السورة 71: نوح.
    2. الآية 75، من السورة 11: هود.
    3. « كفاية الطالب»، ص 121 و 122.
    4. « ينابيع المودّة» طبع إسلامبول ص 131، و نقل ذلك في« بحار الأنوار» ج 9، ص 436 عن« فضائل» ابن شاذان، و نقل كتاب الفضائل عن ابن عبّاس، عن رسول الله، صلّي الله عليه و آله و سلّم- في يوم خيبر باختلاف يسير في اللفظ. و الآيات 57 إلى 59، من السورة 43: الزخرف.

معرفة الإمام ج٤

25
  • آخر عن أبي بصير، عن جعفر الصادق عليه السلام نحوها. و يطابقها قول جعفر الصادق عليه السلام في دعائه: اللهُمَّ قَدْ أجَبْنَا داعِيَكَ الْمُنْذِرَ النَّذِيرَ مُحَمَّداً صَلَّيْتَ عَلَيْهِ عَبْدَكَ وَ رَسُولَكَ الذي دَعا النَّاسَ إلى وِلايَةِ عَلِيّ يَوْمَ الْغَدِيرِ الذي أنْعَمْتَ عَلَيْهِ وَ جَعَلْتَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسرَائِيلَ.1

  • و قال أيضاً: أخرج أحمد بن حنبل، و البزّار، و أبو يعلى، و الحاكم عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، فَقَالَ: أنّ فِيكَ مَثَلًا في عيسى أبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حتى بَهَتُوا امَّهُ، وَ أحَبَّتْهُ النَّصَارى حتى نَزَّلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ التي لَيْسَ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ عَلِيّ [عَلَيهِ السَّلَامُ]: وَ أنّهُ لَيَهْلِكُ فِيّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُقَرِّضُنِي بِمَا لَيْسَ فِيّ، وَ مُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي على أنْ يَبْهَتَهِي.2

  • و ذكر أحمد في «المسند» نحوها عن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام مرفوعاً.3

  • و الأخبار، التي تدلّ على أنّ أمير المؤمنين قد دخل حرم الله و أصبحت روحه مندكّة في الأنوار الإلهيّة، و أنّه فنى في ذات الله، كثيرة و طبيعيّ أنّ من كانت له هذه الصفّة، فأنّ أنوار تجلّيّات الذات تتجلّى في وجوده فيكون يد الله، و قدرة الله، و عين الله، و سمعُ الله، و تصدر عنه المعجزات. و كلّما كان اندكاكه في الذات المقدّسة أكثر، تلألأت صفات الله، التي هي لازمة للذات في مرآة وجوده أكثر فأكثر.

  • فى أمير المؤمنين سبع خصال لم تكن فى أحد سواه

  • و أخرج أبو نعيم الإصفهانيّ بسلسلة سنده عن يحيى بن سعيد

    1. « ينابيع المودّة» ص 131.
    2. « ينابيع المودّة» ص 283.
    3. « ينابيع المودّة» ص 214.

معرفة الإمام ج٤

26
  • الأنصاريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِه] وَ سَلَّمَ لعليّ- و ضَرَبَ ببَيْنَ كِتْفَيْهِ-: يَا عَلِيّ! لَكَ سَبْعُ خِصَالٍ لَا يُحَاجُّكَ فِيهِنَّ أحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أنْتَ أوَّلُ الْمُؤمِنِينَ بِاللهِ إيمَاناً، وَ أوفَاهُمْ بِعهْدِ اللهِ، وَ أقْوَمُهُمْ بِأمْرِ اللهِ، وَ أرأَفُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ، وَ أقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَ أعْلَمُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ، وَ أعْظَمُهُمْ مَزِيَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.1

  • و واضح أنّ رسول الله قال لعليّ بنحو مطلق أنّ هذه الصفات التي فيك لا يساويك فيها أحد يوم القيامة. أي: أنّ جميع الأنبياء و المرسلين لا يساوونك فيها، و أنّ الدرجة التي ارتقيت إليها في هذه الصفات السبع لم يرتقوا إليها.

  • و أخرج أبو نعيم أيضاً بسنده عن أنس بن مالك أنّه قال: بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ إلى أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ فَقَالَ لَهُ- وَ أنَا أسْمَعُ: يَا أبَا بَرْزَةَ! أنّ رَبَّ الْعَالَمِينَ عَهِدَ إلَيّ عَهْداً في عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ فَقَالَ: أنّهُ رَايَةُ الْهُدَى، وَ مَنارُ الإيمَانِ، و إمامُ أوليائي، و نُورُ جَمِيع مَنْ أطَاعني. يَا أبا بَرْزَةَ! عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ أمِينِي غَداً في الْقِيَامَةِ وَ صَاحِبُ رَايَتي في الْقِيَامَةِ على مَفَاتِيحِ خَزائِنِ رَحْمَةِ رَبّي.2

  • و واضح أنّ رسول الله لمّا كان أفضل الأنبياء جميعهم، و ليس فيهم من هو على مفاتيح خزائن رحمة الله إلّا أمينه عليّ بن أبي طالب، فأنّ حصر هذا المقام به يدلّ على أنّ له منزلة خاصّة ليست لأحد من الأنبياء.

    1. « حلية الأولياء» ج 1، ص 66.
    2. « حلية الأولياء» ج 1، ص 66 و 68.

معرفة الإمام ج٤

27
  • و ذكر الحموينيّ في «فرائد السمطين»، و أبو نعيم بإسناده رواية نقلاها عن إسحاق بن كعب بن عُجْرة أنّه روى عن أبيه قال: قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ: لا تَسُبُّوا عَلِيّاً فَأنّهُ مَمْسُوسٌ في ذاتِ الله تعالى.1

  • و أخرج أبو نعيم أيضاً بسنده عن سليمان، و هو ابن محمّد بن كعب بن عُجْرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عجرة، و كانت زوجة أبي سعيد الخدريّ، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: شَكَى النَّاسُ عَلِيّاً: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ خَطِيباً، فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! لَا تَشْكُوا عَلِيّاً فَوَ اللهِ أنّهُ لأخْشَنُ في ذَاتِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ.2

  • و نقل القندوزيّ الشافعيّ أيضاً نحوه عن رسول الله، ثمّ قال: أخرج أحمد بن حنبل هذا الحديث.3

  • و أيضاً عن كعب بن عجرة مرفوعاً أنّ رسول الله قال: أنّ عَلِيّاً مَخْشُونٌ في ذَاتِ اللهِ عزَّ وَ جَلَ. ثمّ يقول: أخرجه أبو عمر.4

  • و على هذا الأساس كانت تصدر معجزات الأنبياء و المرسلين عن أمير المؤمنين. و قال الإمام الفخر الرازيّ في تفسير الآية الشريفة: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً».5 و لِهَذَا قَالَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: وَ اللهِ مَا قَلَعْتُ بَابَ خَيْبَرٍ بِقُوَّةٍ جَسَدَانِيَّةٍ وَ لَكِنْ بِقُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ. وَ ذَلِكَ لأنّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ في ذَلِكَ الْوَقْتِ انْقَطَعَ

    1. « حلية الأولياء» ج 1، ص 66 و 68.
    2. نفس المصدر.
    3. « ينابيع المودّة» ص 216.
    4. نفس المصدر.
    5. الآية 9، من السورة 18: الكهف.

معرفة الإمام ج٤

28
  • نَظَرُهُ عَنْ عَالَمِ الأجْسَادِ وَ أشْرَقَتِ الْمَلائِكَةُ بِأنْوَارِ عَالَمِ الْكِبْرِيَاءِ فَتَقْوى رُوحُهُ وَ تَشَبَّهَ بِجَوَاهِرِ الأرْوَاحِ الْمَلَكِيَّةِ وَ تَلألأتْ فِيهِ أضْواءُ عَالَمِ الْقُدْسِ وَ الْعَظَمَةِ فَلَا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا قَدَرَ بِهَا على مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.1 علماً أنّ أربعة و أربعين شخصاً لم يستطيعوا أن يرفعوه عن الأرض، فقلعه الإمام بضربة واحدة و رماه فصار جسراً لعبور الجيش إلى داخل قلعة خيبر.

  • مجىء أمير المؤمنين عليه السّلام للمدائن فى وفاة سلمان

  • و روى ابن شهرآشوب عن حبيب بن حسن العَتَكيّ، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: صلّى بنا أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الصبح ثمّ أقبل علينا، فقال: معاشر النّاس، أعظم الله أجركم في أخيكم سلمان فقالوا في ذلك. فلبس عمامة رسول الله و دراعته و أخذ قضيبه و سيفه و ركب على العضباء (الناقة التي ورثها عن رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم) و قال لقنبر: عدّ عشراً. قال: ففعلت، فإذا نحن على باب سلمان (في المدائن) قال زاذان: فلمّا أدرك سلمان الوفاة، فقلت له: من المغسِّل لك؟ قال: من غسّل رسول الله. فقلتُ: أنّك بالمدائن و هو بالمدينة! فقال: يا زاذان إذا شددت لحيتي، تسمع الوجبة، فلمّا شددت لحيته سمعت الوجبة و أدركت الباب، فإذا أنا بأمير المؤمنين. فقال: يا زاذان قضى [العبد الصالح] أبو عبد الله سلمان؟ قلت: نعم يا سيّدي، فدخل و كشف الرداء، عن وجهه، فتبسّم سلمان إلى أمير المومنين. فقال له: مرحباً يا أبا عبد الله، إذا لقيت رسول الله صلّى الله [عليه و آله] و سلّم فقل له ما مرّ على أخيك من قومك، ثمّ أخذ في تجهيزه. فلمّا صلّى عليه كنّا نسمع من أمير المؤمنين تكبيراً شديداً، و كنت رأيت معه رجلين. فقال: أحدهما جعفر أخي، و الآخر

    1. « التفسير الكبير» للفخر الرازيّ ج 21، ص 91.

معرفة الإمام ج٤

29
  • الخضر عليه السلام و مع كلّ واحد منهما سبعون صفّاً من الملائكةِ، في كلّ صفّ ألف مَلَك (وضع سلمان في ملحودته و أهال عليه التراب، ثمّ رجع إلى المدينة و لم ينشقّ الفجر بعد). و في ذلك يقول أبو الفضل التميميّ:

  • سَمِعْتَ مِنّي يَسيراً مِنْ عَجَائِبِهِ***وَ كُلُّ أمْرِ عَلِيّ لَمْ يَزَلْ عَجَبا

  • أ دَرَيْتَ في لَيْلَةٍ سَارَ الْوَصِيّ إلى***أرْضِ الْمَدَائِنِ لَمّا أنْ لها طَلَبا

  • فَألْحَدَ الطُّهْرَ سَلْمَاناً وَ عَادَ إلى***عِرَاصِ 1 يَثْرِبَ وَ الإصْبَاحُ مَا قَرُبَا

  • كَآصِفٍ 2 قَبْلَ رَدِّ الطَّرْفِ منْ سَبَإٍ***بِعَرْشِ بَلْقَيْسَ وَ أي يَخْرُقُ الْحُجُبا

  • في آصف لَمْ تَقُلْ أَ أنْتَ بلى***أنَا بِحَيْدَرِ غَالٍ اورِدُ الْكَذِبا؟

  • إنْ كَانَ أحْمَدُ خَيْرَ الْمُرْسَلِينَ فَذَا***خَيْرُ الْوَصِيِّينَ أوْ كُلُّ الْحَدِيثِ هَبا 3

    1. العرصة ساحة الدار، و يقال لكلّ بقعة ليس فيها بناء: عرصة. و جمعها عراص و أعراص و عَرَصَات.
    2. وصيّ سليمان بن داود عليهما السلام.
    3. إن أمكن لآصف بن برخيا- و هو وصيّ سليمان- أن يُحضر عرش بلقيس من مدينة سبأ قبل ارتداد الطرف، فأحمد خاتم الأنبياء و المرسلين و وصيّة خير الوصيّين، فكيف لا يمكنه أن يأتى من المدينة إلى المدائن ثمّ يعود في ليلة واحدة؟! عليك أمّا أنْ تُنْكر ذلك كلّه و تقول أنّ جميع مطالب القرآن و إحضار عرش بلقيس من سبأ كان جزافاً من القول؛ أو أن تؤمن به كلّه.

معرفة الإمام ج٤

30
  • وَ قُلْتَ مَا قُلْتَ مِنْ قَوْلِ الْغُلاةِ فَمَا***ذَنْبُ الْغُلاةِ إذَا قَالُوا الذي وَجَبا 1

  • ذكر بعض معجزات و مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام

  • انقياد الوحوش لأمير المؤمنين عليه السّلام

  • قال ابن وهبان و الفتّاك عن جماعة: مضينا مع أمير المؤمنين عليه السلام فوصلنا إلى غابة فإذا أسد بارك في الطريق و أشباله خلفه. قال جُوَيْريَةَ بن مسهّر: فلوّيت بدابّتي لأرجع، فقال الإمام: إلى أين؟ اقدم يا جويرية، أنّما هو كلب الله ثمّ قرأ قوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فإذا قد أقبل نحوه، و تبصبص بذنبه و هو يقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أمير المؤمنِينَ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ. فَقَالَ الإمامُ: وَ عَلَيْكَ السَّلامُ يَا أبَا الْحَارِثِ، مَا تَسْبِيحَكَ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ ألْبَسَنِي الْمَهَابَةَ وَ قَذَفَ في قُلُوبِ عِبَادِهِ مِنّي الْمَخَافَةَ.2

  • و قال الإمام الباقر عليه السلام: «قال أمير المؤمنين عليه السلام لجويرية بن مسهّر و قد عزم على الخروج: إمّا أنّه سيعرض لك في طريقك الأسد. قال: فما الحيلة؟ فقال: تقرئه السلام، و تخبره أنّي أعطيتك منه الأمان. فبينما جويرية يسير إذ أقبل نحوه أسد، فقال: يا أبا الحارث، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقرئك السلام و أنّه قد أمّنني منك. قال: فولّي وهمهم خمساً. فلمّا رجع، حكي ذلك لأمير المؤمنين، فقال عليه السلام فأنّه قال لك فاقر أوصيّ محمّد منّي السلام و عَقَدَ بيده خمساً.3

  • قال عمرو بن حمزة العلويّ في كتاب «فضائل الكوفة» أنّه كان أمير المؤمنين عليه السلام ذات يومٍ في محراب جامع الكوفة، إذ قام بين

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 448 و 449.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 450.
    3. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 450.

معرفة الإمام ج٤

31
  • يديه رجل للوضوء، فمضى نحو رحبة الكوفة يتوضّأ فإذا أفعى قد لقيه في طريقه ليلتقمه، فهرب من بين يديه إلى أمير المؤمنين، فحدّثه بما لحقه في طريقه. فنهض أمير المؤمنين حتى وقف على باب الثقب الذي فيه الأفعى، فأخذ سيفه و تركه في باب الثقب، و قال: إن كنت معجزة مثل عصا موسى فاخرج الأفعى. فما كان إلّا ساعة حتى خرج يسارّه ثمّ رفع رأسه إلى الأعرابيّ و قال: أنّك ظننت أنّي رابع أربعة لمّا قمت بين يدي؟ فقال: هو صحيح، ثمّ لطم على رأسه و أسلم».1

  • قال عمّار بن ياسر و جابر بن عبد الله الأنصاريّ، كلًّا على حدة: «كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في البريّة، فرأيته قد عدل عن الطريق فتبعته فرأيته ينظر إلى السماء ثمّ تبسّم ضاحكاً، فقال: أحسنت أيّها الطير إذ صفرت (و نجوت من الصيد) بفضله. فقلت له: مولاي، أين الطير؟ فقال: في الهواء، تحبّ أن تراه و تسمع كلامه؟ فقلت: نعم يا مولاي. فنظر إلى السماء و دعا بدعاء خفيّ، فإذا الطير يهوي إلى الأرض، فسقط على يد أمير المؤمنين. فمسح الإمام يده على ظهره، فقال: انطق بإذن الله أنا عليّ بن أبي طالب. فأنطق الله الطير بلسان عربيّ مبين، فقال: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ الْمُؤمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. فردّ عليه، و قال له: من أين مطعمك و شربك في هذه الفلاة القفراء التي لا نبات فيها و لا ماء؟ فقال: يا مولاي إذا جعت ذكرت ولايتكم أهل البيت فأشبع، و إذا عطشت أتبرّأ من أعدائكم فأروى. فقال الإمام: بورك فيك، بورك فيك، و طارت مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ2

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 451.
    2. نفس المصدر.

معرفة الإمام ج٤

32
  • و نقل محمّد بن وهبان الأزديّ الديبليّ في «معجزات النبوّة» ضمن خبر في أمير المؤمنين أنّه «عبر في السماء خيط من الإوّز طائراً على رأس أمير المؤمنين فصرصرن و صرخن، فقال أمير المؤمنين لأصحابه: قد سلّمن عليّ و عليكم، فتغامز أهل النفاق بينهم. فقال أمير المؤمنين: يا قنبر ناد بأعلى صوتك أيّها الإوّز أجيبوا أمير المؤمنين و أخا رسول ربّ العالمين. فنادى قنبر بذلك فإذا الطير ترفرف على رأس أمير المؤمنين. فقال: قل لها انزلن، فلمّا قال لها، رأيت الإوّز و قد ضربت بصدورها إلى الأرض حتى صارت في صحن المسجد على أرض واحدة. فجعل أمير المؤمنين يخاطبها بلغة لا نعرفها، و هنّ يلززن بأعناقهنّ إليه و يصرصرن. ثمّ قال لهنّ: انطقن بإذن الله العزيز الجبّار، قال: فإذا هنّ ينطقن بلسان عربيّ مبين: ألسَّلامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ الْمُؤمِنِينَ وَ خَليفَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ- الخبر. و هذا كقوله تعالى (في داود عليه السلام): يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ1

  • و جاء في «علل الشرائع» عن على بن حاتم القزوينيّ بإسناده عن الأعمش، عن إبراهيم بن عليّ بن أبي طالب: «أنّ أميرَ المُؤْمِنينَ عَلَيهِ السَّلامُ خرج ذات يوم فوقف على الفرات، و قال: يا هناش، فأطلع الجرّيّ رأسه (نوع من السمك تسمّيه العرب: الحَنكَلَيس، و ثعبان الماء). فقال له عليّ عليه السلام: من أنت؟ قال: أنا من امّة بني إسرائيل، عُرِضَتْ عليّ ولايتكم، فلم أقبلها، فمُسخت جرّيّاً».2

  • رجوع الشمس لأمير المؤمنين عليه السّلام فى مواضع متعددة

  • قال ابن شهرآشوب: روى أبو بكر بن مردويه في «المناقب» و أبو

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1 ص 452. و الآية 10، من السورة 34: سبأ.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 452.

معرفة الإمام ج٤

33
  • إسحاق الثعلبيّ في تفسيره، و أبو عبد الله بن منده في كتاب «المعرفة» و أبو عبد الله النطنزيّ في كتاب «الخصائص»، و الخطيب في «الأربعين» و أبو أحمد الجرجانيّ في «تاريخ جرجان» ردّ الشمس لعليّ عليه السلام و لأبي بكر الورّاق كتاب طرق من روى ردّ الشمس، و لأبي عبد الله الجعل مصنّف في جواز ردّ الشمس، و لأبي القاسم الحسكانيّ مسألة في تصحيح ردّ الشمس و ترغيم النواصب الشُّمُس، و لأبي الحسن بن شاذان كتاب بيان ردّ الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام، و ذكر أبو بكر الشيرازيّ في كتابه بالإسناد عن شعبة، عن قَتادة، عن الحسن البصريّ، عن امّ هاني هذا الحديث مستوفي، ثمّ قال: قال الحسن البصريّ عقيب هذا الخبر: و أنزل الله عزّ و جلّ آيتين في ذلك: (الاولى): قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً1 و أنزل أيضاً (الثانية قوله تعالى): يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ.2 و ذكر أنّ الشمس رُدّت عليه مراراً. الذي رواه سلمان، و يوم البساط، و يوم الخندق، و يوم حنين، و يوم خيبر، و يوم قرقيساء،3 و يوم براثا، و يوم الغاضريّة، و يوم النهروان، و يوم بيعة الرضوان، و يوم صفّين، و في النجف، و في بني مازر، و بوادي العقيق، و بعد احُد.

  • و روى الكلينيّ في «الكافي» أنّها رجعت بمسجد الفضيخ في المدينة. و أمّا المعروف مرّتان (الاولى): في حياة النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم بكراع الغميم، و (الثانية): بعد وفاته، ببابل.

    1. الآية 62، من السورة 25: الفرقان.
    2. الآية 5، من السورة 39: الزمر.
    3. قرقيساء مدينة على ساحل الفرات.

معرفة الإمام ج٤

34
  • فأمّا في حال حياته عليه السلام ما روت امّ سلمة، و أسماء بنت عُمَيس، و جابر (بن عبد الله) الأنصاريّ، و أبو ذرّ (الغفاريّ)، و ابن عبّاس و (أبو سعيد) الخُدريّ، و أبو هريرة، و (الإمام) الصادق عليه السلام: أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم صلّى بكراع الْغَميم؛ فلمّا سلّم نزل عليه الوحي. و جاء عليّ (بن أبي طالب) عليه السلام، و هو على ذلك الحال، فأسنده إلى ظهره، فلم يزل على تلك الحال حتى غابت الشمس و القرآن ينزل على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم. فلمّا تمّ الوحي، قال: يا عليّ! صلّيتَ؟ قال: لا، و قصّ عليه. فقال: ادع ليردّ الله عليك الشمس. فسأل الله، فردّت عليه بيضاء نقيّة».

  • و في رواية أبي جعفر الطحاويّ: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: اللهُمّ أنّ عليّاً كان في طاعتك، و طاعة رسولك فاردد عليه الشمس، فردّت، فقام عليّ عليه السلام و صلّى. فلمّا فرغ من صلاته وقعت الشمس و بدر [ت] الكواكب».

  • و في رواية أبي بكر مَهرويه: «قالت أسماء: أمَا و الله لقد سمعنا لها عند غروبها صريراً كصرير المنشار في الخشب». قال (أبو بكر مهرويه): و ذلك بالضهْيَاء1 في غزاة خيبر. و روي أنّه صلّى أيماءً. فلمّا ردّت الشمس بأمر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أعاد الصلاة».2

  • عدة أشعار فى ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليه السّلام

  • و سُئل الصاحب بن عبّاد أن ينشد في ذلك فأنشأ:

  • لَا تُقْبَلُ التَّوبَةُ مِنْ تَائِب***إلّا بِحُبِّ ابْنِ أبي طالِبِ

  • أخي رَسُولِ اللهِ بَلْ صِهْرِهِ***وَ الصِّهْرُ لا يُعْدَلُ بِالصّاحِبِ

    1. يمكن أن تكون الضهياء أرضاً قفراء بلا نبات و لا ماء.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 459.

معرفة الإمام ج٤

35
  • يَا قَوْمِ مَنْ مِثْلُ عَلِيّ وَ قَدْ***رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ غَائِبِ 1

  • و أنشد الحِمْيَرِيّ يقول:

  • فَلَمّا قَضَى وَحْيُ النَّبِيّ دَعا لَهُ***وَ لَمْ يَكُ صَلَّى الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ تَنْزِعُ

  • فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ غُرُوبِهِا***فَصَارَ لَهَا في أوَّلِ اللَّيْلِ مَطْلَعُ 2

  • [و أمّا المرّة الثانية فهي] بعد وفاته صلّى الله عليه و آله و سلّم. ما روى جويرية بن مسهّر، و أبو رافع، و الحُسين بن على عليهما السلام «أنّ أمير المؤمنين لمّا عبر الفرات ببابل، صلّى بنفسه في طائفة معه العصر، ثمّ لم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر الجمهور. فتكلّموا في ذلك، فسأل الله تعالى ردّ الشمس عليه، فردّها عليه، فكانت في الافق، فلمّا سلّم القوم، غابت، فسُمع لها و جيب شديد هال الناس ذلك و أكثروا التهليل و التسبيح و التكبير». و مسجد ردّ الشمس بالصاعديّة من أرض بابل شايع ذايع.

  • و عن ابن عبّاس بطرق كثيرة أنّه لم تردّ الشمس إلّا لسليمان وصيّ داود؛ و ليوشع (بن نون) وصيّ موسى؛ و لعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.3

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 459.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 460.
    3. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 460. و تحدّث العلّامة الأمينيّ في الجزء الثالث من« الغدير» من ص 126 إلى 142 عن موضوع ردّ الشمس و جواب المنكرين، و بيان رواته من أعلام العلماء و قال: الكبار من الأعلام الذين رووا هذا الحديث ثلاثة و أربعون. و من أراد التفصيل، فليراجع. و قال أيضاً في ص 393 من ج 3: حديث ردّ الشمس لعليّ عليه السلام ببابل أخرجه نصر بن مزاحم في كتاب« صفّين» بإسناده عن عبد خير. و ينقل عبد خير كيفيّة صلاته مع عليّ. و تختلف روايته- طبعاً- عن رواية ابن شهرآشوب.

معرفة الإمام ج٤

36
  • يقول السيّد الحِميريّ:

  • رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَمَّا فَاتَهُ***وَقْتُ الصَّلاةِ وَ قَدْ دَنَتْ لِلْمَغْرِبِ

  • حتى تَبَلَّجَ نُورُهَا في أُفقِهَا***لِلْعَصْرِ ثُمَّ هَوَتْ هُوِيّ الْكْوكَبِ

  • وَ عَلَيْهِ قَدْ رُدَّتْ بِبَابِلَ مَرَّةً***اخرى وَ مَا رُدَّدتْ لِخَلْقٍ مُعْرَبِ

  • إلّا لِيُوشَعَ أوْ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ***وَ لِرَدِّهَا تَأوِيلُ أمْرٍ مُعجِبِ 1

  • و له أيضاً:

  • عَلِيّ عَلَيْهِ رُدَّتِ الشَّمْسُ مَرَّةً***بِطَيْبَهَ يَوْمَ الْوَحْي بَعْدَ مُغَيَّبِ

  • وَ رُدَّتْ لَهُ اخرى بِبَابِلَ بَعْدَ***مَا أفَتْ 2 وَ تَدَلَّتْ عَيْنُهَا لِغُرُوبِ 3

  • و أنشد ابن حمّاد يقول:

  • وَ رُدَّتْ لَكَ الشَّمْسُ في بَابِلَ***فَسَامَيْتَ يُوشَعَ لَمّا سَمَي

  • وَ يَعْقُوبُ مَا كَانَ أسْبَاطُهُ***كَنَجْلَيْكَ سِبْطَيْ نَبِيّ الْهُدَى 4

  • و له أيضاً:

  • قَرَنَ الإلَهُ وِلَاءَهُ بِوِلَائِهِ***لَمّا تَزَكّي وَ هوَ حانٍ يَرْكَعُ

  • سَمّاهُ رَبُّ الْعَرْشِ نَفْسَ مُحَمَّدٍ***يَوْمَ الْبِهَالِ وَ ذَاكَ ما لَا يُدْفَعُ

  • فَالْشَّمْسُ قَدْ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِخَيْبَرٍ***وَ قَدِ ابْتَدَتْ زَهْرُ الْكَواكِبِ تَطْلُعُ

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 460.
    2. و في هامش المناقب: أفا إفائة الظلُّ: رجع، و نقله العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج 2، ص 277 بلفظ« عفت» بمعني زالت و محيت.( م)
    3. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 461، الطبعة الحجريّة.
    4. نفس المصدر.

معرفة الإمام ج٤

37
  • وَ بِبَابِلَ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ***وَ اللهِ خَيْراً مِنْ عَلِيّ يُوشَعُ 1

  • و قال العونيّ:

  • وَ لَا تَنْسَ يَوْمَ الشَّمْسِ إذْ رَجَعَتْ لَهُ***بِمُنْتَشَرٍ وَ أرى مِنَ النُّورِ مُمتِع

  • فَذَلِكَ بِالضَّهْيَا 2 وَ قَدْ رَجَعَتْ لَهُ***بِبَابِلَ أيضاً رَجْعَةُ الْمُتَطوِّعِ 3

  • و قال السروجيّ:

  • و الشَّمسُ لَمْ تَعْدِلْ بِيَوْمِ بَابِل***وَ لَا تَعَدَّتْ أمْرَهُ حِينَ أمَر

  • جَاءَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَ الْحَرْبُ على***ساقٍ فَأوْمى نَحْوَهَا رَدَّ النَّظَر

  • فَلَمْ تَزَلْ وَاقِفَةً حتى قَضَى***صَلَاتَهُ ثُمَّ هَوَتْ نَحْوَ الْمَقَر 4

  • يقول ابن شهرآشوب: و حدّثني ابن شيرويه الديلميّ، و عبدوس الهمدانيّ، و الخطيب الخوارزميّ من كتبهم، و أجازني جدّي الكيا شهرآشوب، و محمّد الفتّال من كتب أصحابنا نحو: ابن قولويه، و الكشّيّ و العبدكيّ عن سلمان، و أبي ذرّ، و ابن عبّاس، و عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه «لمّا فتح مكّة و انتهينا إلى هوازن، قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: قم يا عليّ و انظر كرامتك على الله، كلّم الشمس إذا طلعت. فقام

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 461، الطبعة الحجريّة.
    2. اسم موضع؛ و في رواية المناقب ج 2 طبع المطبعة العلميّة بقم« بالصَّهبا».
    3. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 461، الطبعة الحجريّة.
    4. نفس المصدر.

معرفة الإمام ج٤

38
  • عليّ فقال [للشمس عند طلوعها]: السَّلامُ عَلَيْكَ أيهَا الْعَبْدُ الدَّائِبُ في طَاعَةِ اللهِ رَبهِ.

  • فَأجابته الشمس و هي تقول: وَ عَلَيْكَ السَّلامُ يَا أخا رَسُولِ اللهِ وَ وَصِيَّهُ وَ حُجَّةَ اللهِ على خَلْقِهِ.

  • فانكبَّ عليّ ساجداً شكراً لله، (و هو يبكي) فأخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقيمه و يمسح وجهه و قال: قم يا حبيبي، فَقَدْ أبكَيْتَ أهلَ السَّماء من بُكائِكَ و باهى الله بك حملة عرشه. ثمّ قال: الْحَمْدُ لِلهِ الذي فَضَّلَني عَلى سَائِرِ الأنْبِيَاء، و أيَّدَني بوصِيّي سَيِّدِ الأوْصِيَاءِ، ثُمَّ قَرَأ: «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ».1

  • قال العونيّ:

  • إمَامي كَلِيمُ الشَّمْسِ رَاجَعَ نُورَهَا***فَهَلْ بِكَليمِ الشَّمْسِ في الْقَوْمِ مِنْ مِثْلِ 2

  • و قال ابن حمّاد:

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 464. و قال العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج 3 ص 392: روى الحموينيّ في« فرائد السمطين»، و الخوارزميّ في« المناقب» ص 68، و القندوزيّ في« ينابيع المودّة» ص 140 عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم باب 38 أنّه قال لعليّ: يا أبا الحسن، كلّم الشمس فأنّها تكلّمك. قال عليّ عليه السلام: السلام عليك أيّها العبد المطيع لله و لرسوله. فقالت الشمس: السلام عليك يا أمير المؤمنين و إمام المتّقين و قائد الغرّ المحجّلين، يا عليّ أنت و شيعتك في الجنّة. يا عليّ، أوّل من تنشقّ عنه الأرض محمّد ثمّ أنت، و أوّل من يحيى محمّد ثمّ أنت، و أوّل من يكسى محمّد ثمّ أنت. فسجد عليّ عليه السلام لله تعالى و عيناه تذرفان بالدموع، فانكبّ عليه النبيّ فقال: يا أخي و حبيبي ارفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات.( الآية 83، من السورة 3: آل عمران)
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 464.،- خامة الشيء باعجام الخاء من الزرع أوّل ما ينبت على ساق و اللفظ بالإعجام أولى في الشعر منها بالإهمال كما في النسخ المشهورة لقلّة مناسبة ما ذكر من معانيها فيكون اللفظ كناية عن ابتداء ظهور أسمائه الكماليّة و شئونه الجماليّة صلوات الله عليه،( حاشية المناقب).

معرفة الإمام ج٤

39
  • وَ رَجَعَتِ الشَّمْسُ حِينَ تَكَلَّمْتَ***وَ أبْدَتْ مِنْ أسْمَاءِ الإمَامِ حَامَهَا، 1

  • و قال ابن هاني المغربيّ:

  • وَ الشَّمْسُ حاسِرَةُ الْقِنَاعِ وَ وُدُّهَا***لَوْ تَسْتَطِيعُ الأرْض و التَّقبيلا

  • وَ على أمير المؤمِنِينَ غَمامَةٌ***نَشَأتْ تُظَلِّلُ تَاجَهُ تَظْلِيلَا

  • وَ مُديرُهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَ طالَما***زَاحَتْ تَحِت ظِلَالُهُ جِبْريلا 2

  • و روى الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» عن أبي الفحّام بالإسناد عن أبي مريم، عن سلمان قال: كنّا جلوساً عند النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم إذ أقبل عليّ بن أبي طالب عليه السلام فناوله النبيّ حصاة، فلمّا استقرّت الحصاة في كفّه، نطقت؛ لَا إلَهَ إلّا اللهُ. مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. رَضيْتُ بِاللهِ رَبّاً وَ بِمُحَمَّدٍ نَبيّاً وَ بِعَلِيّ وَلِيّاً. فقال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَنْ أصْبَحَ رَاضِياً بِوِلَايَةِ عَلِيّ، فَقَدْ أ مِنَ خَوْفَ اللهِ وَ عِقَابَهُ.3

  • قال العونيّ:

  • مَنْ صَاحِبُ الْمِنْدِيلِ وَ السَّطْلِ وَ مَنْ***في كَفِّهِ سَبَّحَ لِلهِ الْحَصى 4

  • و قال ابن حمّاد:

  • مَنْ سَبَّحَتْ في كَفِّهِ بِيضُ الْحَصى***لِيَكُونَ ذَاكَ لِفَضْلِهِ تِبْيَانَا 5

    1. ( 1 و 2)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 464.
    2. ( 1 و 2)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 464.
    3. ( 3 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 466.
    4. ( 3 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 466.
    5. ( 3 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 466.

معرفة الإمام ج٤

40
  • شفاء أمير المؤمنين عليه السّلام العين العمياء و اليد المقطوعة

  • و قال عبد الواحد بن زيد: «كنت في الطواف إذ رأيت جارية تقول لُاختها: لَا وَ حَقِّ الْمُنتَجَبِ بِالْوَصِيَّةِ الْحَاكِمِ بِالسَّوِيَّةِ الْعَادِلِ في الْقَضِيَّةِ الْعَالى الْبَيِّنَةُ زَوْجِ فَاطِمَةَ الْمَرْضِيَّةِ مَا كَانَ كَذَا. فقلت: أ تعرفين عليّاً؟ قالت: و كيف لا أعرف من قُتل أبي بين يديه في يوم صفّين؟ و أنّه دخل على امّي ذات يوم فقال لها: كيف أنت يا امّ الأيتام؟ فقالت: بخير. ثمّ أخرجتني أنا و اختي هذه إليه، و كان قد ركبني من الجدريّ ما ذهب له بصري. فلمّا رآني تأوّه ثمّ قال:

  • ما إن تَأوَّهْتُ مِنْ شَيْء رُزيتُ بِهِ***كَمَا تَأوَّهْتُ لِلأطْفَالِ في الصِّغَرِ

  • قَدْ مَاتَ وَالِدُهُمْ مَنْ كَانَ يَكْفُلُهُمْ***في النَّائِباتِ وَ في الأسْفَارِ وَ الْحَضَرِ

  • ثمّ أمرّ يده المباركة على وجهي فانفتحت عيني لوقتي و أنّي لأنظر

  • إلى الجمل الشارد في اللية الظلماء».1

  • و روى الحاتميّ بإسناده عن ابن عبّاس: «أنّه دخل أسود إلى أمير المؤمنين عليه السلام و أقرّ أنّه سرق. فسأله ثلاث مرّات، قال: يا أمير المؤمنين طهّرني فإني سرقت، فأمر عليه السلام بقطع يده، فاستقبله ابن الكَوّاء، فقال: من قطع يدك؟ قال: لَيْثُ الْحِجَازِ، وَ كَبْشُ الْعِرَاقِ، وَ مُصَادِمُ الأبْطَالِ، الْمُنْتَقَمُ مِنَ الْجُهَّالِ، كَريمُ الأصْلِ، شَريفُ الْفَصْلِ، مُحِلَّ الْحَرَمينِ، وَارثِ الْمَشْعَرَيْنِ، أبو السِّبْطَيْنِ، أوَّلُ السّابِقِينَ، وَ آخِرُ الْوَصِيِّينَ مِنْ آلِ يَس، الْمُؤَيَّدُ بِجَبْرَائِيلَ، الْمَنْصُورُ بِمِيكَائِيلَ، الْحَبْلُ الْمَتِينُ، الْمَحْفُوظُ بِجُنْدِ السَّمَاءِ أجْمَعِينَ، ذَاكَ وَ اللهِ أميرُ الْمُؤمِنِينَ، على

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 472، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج٤

41
  • رَغْمِ الرَّاغِمِينَ.

  • قال ابن الكوّاء: قطع يدك و تثني عليه؟ قال: لو قطّعني إرباً إرباً ما ازددتُ له إلّا حبّا. فدخل (ابن الكوّاء) على أمير المؤمنين و أخبره بقصّة الأسود. فقال (الإمام): يا ابن الكوّاء، أنّ محبّينا لو قطّعناهم إرباً إرباً ما ازدادوا لنا إلّا حبّاً. و أنّ في أعدائنا من لو ألعقناهم السمنَ و العسل ما ازدادوا لنا إلّا بغضاً. و قال للحسن عليه السلام عليك بعمّك الأسود، فأحضر الحسن الأسود إلى أمير المؤمنين، و أخذ يده و نصبها في موضعها و تغطّى بردائه و كلّم بكلمات يخفيها، فاستوت يده، و صار يقاتل بين يدي أمير المؤمنين إلى أن استشهد بالنهروان. و يقال كان اسم هذا الأسود: أفْلَح.1

  • قال ابن مكّيّ:

  • أ ما رَدَّ كَفَّ الْعَبْدِ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا***أ ما رَدَّ عَيْناً بَعْدَ مَا انْطَمَسَتْ طَمْسَا 2

  • و ابينت إحدى يدي هشام بن عديّ الهَمْدَانِيّ في حرب صفّين فأخذ عليّ يده، و قرأ شيئاً و ألصقها. فقال هشام: يا أمير المؤمنين، ما قرأتَ؟ قال: فاتحة الكتاب. [ف] كأنّه استقلّها فانفصلت يده بنصفين فتركه عليّ عليه السلام و مضى.34

  • معرفة الإمام ؛ ج4 ؛ ص41

    1. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 473.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 473.
    3. نفس المصدر. و فيما يخصّ توضيح معنى البيت الثاني، فقد جاء في« المناقب» عن كتاب« معرفة الفضائل» و« علل الشرائع» للشيخ الصدوق، عن سدير، عن الإمام الصادق عليه السلام« و قد سُئل: لِمَ أخّر أمير المؤمنين عليه السلام العصر في بابل؟ قال: أنّه لمّا صلّى الظهر، التفت إلى جمجمة ملقاة، فكلّمها أمير المؤمنين، عليه السلام فقال: يا أيّتُها الجمجمة، من أين أنت؟ فقالت: أنا فلان بن فلان، ملك بلد آل فلان. قال لها أمير المؤمنين: فقصّي عليّ الخبر، و ما كنتِ و ما كان في عصركِ. فأقبلت الجمجمة تقصّ خبرها، و ما كان في عصرها من خير و من شرّ، فاشتغل بها حتى غابت الشمس، فكلّمها بثلاثة أحرف من الإنجيل لئلّا يفقه العرب كلامه القصّة.[ و هذه الجمجمة هي جمجمة جلندي ملك الحبشة و اسمه أبرهة، و كان قد جاء على فيل لهدم الكعبة]. ابن شهرآشوب، ص 474.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج٤

42
  • قال ابن مكّيّ:

  • رَدَدْتَ الْكَفَّ جَهْراً بَعْدَ قَطْعٍ***كَرَدِّ الْعَيْنِ مِنْ بَعْدِ الذَّهَابِ

  • وَ جُمْجُمَةُ الْجُلَنْدِي وَ هوَ عَظْمٌ***رَمِيمٌ جاوَبَتْكَ عَنِ الْخِطَابِ

  • عروج الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى السماء قاصداً أصحاب الكهف

  • حديث الإمام علىّ عليه السلام مع أصحاب الكهف

  • و جاء في كتاب ابن بابويه، و أبي القاسم البُستيّ، و القاضي أبي عمرو بن أحمد، عن جابر (بن عبد الله الأنصاريّ)، و أنس (بن مالك): «أنّ جماعة تنقّصوا عليّاً عند عمر. فقال سلمان: أو ما تذكر يا عمر اليوم الذي كنتَ فيه، و أبو بكر، و أنا، و أبو ذر عند رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و بسط لنا شملة و أجلس كلّ واحد منّا على طرف، و أخذ بيد عليّ و أجلسه في وسطها، ثمّ قال: قم يا أبا بكر و سلّم على عليّ بالإمامة و خلافة المسلمين، و هكذا كلّ واحد منّا، ثمّ قال: قم يا عليّ و سلّم على هذا النور، يعني: الشمس، فقال أمير المؤمنين: أيَّتُها الآية المشرقة، السَّلامُ عليكِ. فأجابت القرصة و ارتعدت و قالت: و عليك السلام. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: اللهُمَّ أنّكَ أعْطَيْتَ لإخِي سُلَيْمَانَ صَفِيِّكَ مُلْكاً وَ ريحاً «غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ».1 اللهُمَّ أرْسِلْ تِلْكَ لِتَحْمِلَهُمْ إلى أصْحَابِ الْكَهْفِ ... فقال أمير المؤمنين: يا ريح احملينا، فإذا نحن في الهواء، فسرنا ما شاء الله، ثمّ قال: يا ريح ضعينا، فوضعتنا عند الكهف. فقام كلّ واحد منّا و سلّم، فلم يردّوا الجواب. فقام عليّ، فقال: السَّلامُ

    1. الآية 12، من السورة 34: سبأ.

معرفة الإمام ج٤

43
  • عَلَيْكُمْ أهْلَ الْكَهْفِ. فسمعنا: وَ عَلَيْكَ السَّلامُ يَا وَصِيّ مُحَمَّدٍ (ثمّ قالوا): أنّا قوم محبوسون هاهنا من زمن دقيانوس. فقال لهم: لِمَ لا تردّوا سلام القوم؟ فقالوا: نحن فتية لا نردّ إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ، و أنتَ وصيّ خاتم النَّبِيِّين و خليفة رسول ربّ العالمين. ثمّ قال (لنا أمير المؤمنين): خذوا مجالسكم، فأخذنا مجالسنا (فوق الشملة). ثمّ قال: يا ريح احملينا، فإذا نحن في الهواء، فسرنا ماشاء الله، ثمّ قال: يا ريح ضعينا (فوضعتنا). ثمّ ركض برجله الأرض، فنبعت عين ماء، فتوضّأ و توضّأنا، ثمّ قال: ستدركون الصلاة مع النبيّ أو بعضها. ثمّ قال: يا ريح احملينا، ثمّ قال: ضعينا، فوضعتنا، فإذا نحن في مسجد رسول الله و قد صلّى من الغداة ركعة. فقال أنس فاستشهدني عليّ و هو على منبر الكوفة، فداهنتُ، فقال: إن كنت كتمتَها مداهنةً بعد وصيّة رسول الله إيّاك، فرماك الله ببياض في جسمك، و لظى في جوفك، و عمي في عينيك، [قال أنس]، فما برحت حتى برصت و عميت، فكان أنس لا يطيق الصيام في شهر رمضان و لا في غيره، و البساط أهدوه أهل هربوق، و الكهف في بلاد الروم في موضع يقال له: أركدي، و كان في ملك باهتدت و هو اليوم اسم لضيعة. و في خبر أنّ الكساء أتى به خُطَيّ بن الأشرف أخو كعب. فلمّا رأى معجزات أمير المؤمنين عليه السلام أسلم، و سمّاه النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: محمّداً».1

  • قال خطيب منيح:

  • وَ مَنْ حَمَلَتْهُ رِيحُ اللهِ حتى***أتى أهْلَ الرَّقِيمِ الرَّافِدينا

  • وَ مَنْ نَادَى بِأهْلِ الْكَهْفِ حتى***أقَرُّوا بالْوِلَايَةِ مُفَرِّحِينَا 2

  • و قال العونيّ:

    1. ( 1 الى 2)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475.
    2. ( 1 الى 2)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475.

معرفة الإمام ج٤

44
  • عَلِيّ كَلِيمُ الْقَوْمِ في الْكَهْفِ فَاعْلَمَا***وَ قَدْ صُمّ مِنْ شَيْخَاكُمَا الصَّدْيَان 1

  • و قال أيضاً:

  • وَ مَنْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فَوْقَ بسَاطِهِ***فَأسْمَعَ أهْلَ الْكَهْفِ حِينَ تَكَلَّمَا 2

  • و قال الحِميريّ:

  • لَهُ الْبَسَاطُ إذْ سَرى***وَ فِتْيَةَ الْكَهْفِ دَعَا

  • فَمَا أجَابُوا في النِّدا***سِوَى الْوَصِيّ الْمُرْتَضَى 3

  • و قال أيضاً:

  • سَلْ فِتْيَةَ الْكَهْفِ الَّذِينَ أتَاهُم***فَأيْقَظَ في رَدِّ السَّلَامِ مَنَامَهَا 4

  • و قال البرقيّ:

  • حتى إذَا يَئِسُوا جَوابَ سَلَامِهِمْ***قَامَ الْوَصِيّ إلَيْهِمُ إبْدَاءا

  • قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ مِنْ فِتْيَةٍ***عَبَدُوا الإلَهَ وَ تَابَعُوا السَّنَاءا

  • قَالُوا عَلَيْكَ مِنَ الإلَهِ تَحِيَّةٌ***تُهْدى إلَيْكَ وَ رَحْمَةٌ وَ ضِيَاءا

  • أنّا مُنِعْنَا أنْ نُكَلِّمَ هَاتِفاً***إلّا نِبيّاً كَانَ أوْ مُوصَاءا 5

  • و قال ابن الأطيس:

    1. ( 1 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475. و في الهامش الأوّل كناية عن أنّهما ماتا و هلكا.
    2. ( 1 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475. و في الهامش الأوّل كناية عن أنّهما ماتا و هلكا.
    3. ( 1 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475. و في الهامش الأوّل كناية عن أنّهما ماتا و هلكا.
    4. ( 1 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475. و في الهامش الأوّل كناية عن أنّهما ماتا و هلكا.
    5. ( 1 الى 5)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 475. و في الهامش الأوّل كناية عن أنّهما ماتا و هلكا.

معرفة الإمام ج٤

45
  • وَ طَارِقُ الْبَابِ على كَهْفِهِمْ***في الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ جَابِرِ، 12

  • و قال ابن العضد:

  • مَنْ كَلَّمَ الْفِتْيَةَ في الْكَهْفِ وَ لَمْ***يُكَلِّمُوا حَقّاً سِواهُ إذْ دَعَا 3

  • و قال أبو الفتح:

  • وَ في الْكَهْفِ مَنْقَبَةٌ حُسْنُها***على الرَّغْمِ مِنْ مَعْطَسِ الأدْلَمِ

  • غَداةً يُسَلِّمُ في صَحْبِهِمْ***سَلامَ الصُّحَاةِ على النُّوَّمِ

  • فَنَادَوهُ أجْمَعْ عَلَيْكَ السَّلامُ***فَذَاكَ عَظِيمٌ لِمُسْتَعْظِمِ 4

  • إحياء أمير المؤمنين للميت

  • و عن سلمان شلقان5 قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: «أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كانت له خُؤولة في بني مخزوم. و أنّ شاباً منهم أتاه فقال: يا خال، أنّ أخي و تربي مات و قد حزنت عليه حزناً شديداً. فقال له: أ تشتهي أن تراه؟ قال: نعم. قال: فأرني قبره، فخرج و تقنّع برداء رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم المستجاب. فلمّا انتهى إلى القبر تكلّم بشفتاه ثمّ، ركضه برجله، فخرج أخي من قبره، و هو يقول: و ميكا بلسان الفُرس. فقال له عليّ: أ لم تمت و أنت رجل من العرب؟ فقال: نعم و لكنّا متنا على سنّة فلان و فلان فانقلبت ألسنتنا».6

  • و أنشد السيّد الحِميريّ يقول:

    1. (*)- أي جابر بن عبد الله الأنصاريّ.
    2. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 476.
    3. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 476.
    4. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 476.
    5. شلقان: قرية في مصر، و ربّما ذكرت بعد سلمان للتفريق بين سلمان المذكور و سلمان الفارسيّ، لأنّ سلمان لقان من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، و قد روي عنه.
    6. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 476. و« ديوان الحِميريّ» ص 242.

معرفة الإمام ج٤

46
  • فَقَالَ لَهُ فَرْمَانُ: عيسى ابْنُ مَرْيَمِ 1***بِزَعْمِكَ يحيى كُلَّ مَيْتٍ وَ مُقْبِرِ

  • فَما ذا الذي اعْطِيتَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ***لِمِثْلِ الذي اعْطاهُ إن شِئتَ فَانْظُرِ

  • إلى مِثْلِ مَا اعْطَى فَقَالُوا لِكُفْرِهِم***ألَا أرنَا مَا قُلْتَ غَيْرَ مُعَذَّرِ

  • فَقَالَ رَسُولُ اللهِ قُمْ لِوَصِيِّهِ***فَقَامَ وَ قِدْماً كَانَ غَيْرَ مُقَصِّرِ

  • وَ رَدّاهُ بِالْمَنْجَابِ وَ الله خَصَّهُ***وَ قَالَ اتْبَعُوهُ بِالدُّعَاءِ الْمُبَرَّرِ

  • فَلَمّا أتى ظَهْرَ الْبَقيعِ دَعا بِهِ***فَرُجَّتْ قُبُورٌ بِالْوَرى لَمْ تَغَيَّرِ

  • فَقَالُوا لَهُ: يا وَارِثَ الْعِلْمِ اعْفِنا***وَ مُنَّ عَلَيْنَا بِالرِّضَا مِنْكَ وَ اغْفِرِ 2

  • ثمّ قال ابن شهرآشوب: إبراء المرضى و أحياء الموتى على أيدي الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام من فعل الله تعالى. قال عيسى عليه السلام: وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.3 و قوله تعالى: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي .... وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي.4

    1. جاء في« ديوان الحِميريّ» ص 242: فقال له: قد كان عيسَى ابن مريم.
    2. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 2، ص 341.
    3. الآية 49، من السورة 3: آل عمران.
    4. الآية 110، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج٤

47
  • وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ- الآيات.1 و قال في عُزَيْرَ و إرْمِيا: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ- إلى قوله: قَدِيرٌ.2 و كذلك في قصّة بني إسرائيل: وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ.3

  • سلام ثلاثة آلاف من للملائكة على أمير المؤمنين عليه السّلام فى ليلة واحدة

  • روى محمّد بن ثابت بإسناده عن ابن مسعود و الفلكيّ المفسّر بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة قال: «بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عليّاً في غزوة بدر أن يأتيه بالماء حين سكت أصحابه عن إيراده فلمّا أتى القليب و ملأ القربة الماء فأخرجها، جاءت ريح فأهرقته، ثمّ عاد إلى القليب و ملأ القربة فأخرجها، فجاءت ريح فأهرقته. و هكذا في الثالثة. فلمّا كانت الرابعة، ملأها فأتى بها النبيّ، فأخبره بخبره. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أمّا الريح الاولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك. و أمّا الريح الثانية ميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك. و الريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك. و في رواية: ما أتوك إلّا ليحفظوك».

  • و قد رواه عبد الرحمن بن صالح بإسناده عن اللّيث، و كان يقول: «كان لعليّ [بن أبي طالب] عليه السلام في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة و ثلاث مناقب. ثمّ يروي هذا الخبر».4

  • يقول السيّد الحِميريّ:

    1. الآية 260، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 259، من السورة 2: البقرة.
    3. الآية 243، من السورة 2: البقرة.
    4. « مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 406.

معرفة الإمام ج٤

48
  • اقْسِمُ بِاللهِ وَ آلَائِهِ***وَ الْمَرْءُ عَمّا قَالَ مَسْؤولُ

  • أنّ عَلِيّ بْنَ أبي طالِبٍ***عَلى التُّقى وَ الْبِرِّ مِجْبُولُ

  • كانَ إذَا الْحَرْبُ مَرَتْها الْقَنا***وَ أحْجَمَتْ عَنْها الْبَهاليلُ

  • يَمْشي إلى الْقِرْنَ وَ في كَفِّهِ***أبْيَضُ ماضِي الْحَدِّ مَصْقُولُ

  • مَشْيَ الْعَفَرْنى بَيْنَ أشْبَالِهِ***أبْرَزَهُ لِلْقَنَصِ الْغِيلُ

  • ذَاكَ الذي سَلَّمَ في لَيْلَةٍ***عَلَيْهِ مِيكَالُ وَ جِبْرِيلُ

  • مِيكَالُ في ألْفٍ وَ جِبْريلُ في***ألْفٍ وَ يَتْلُوهُمْ سِرافِيلُ

  • لَيْلَةَ بَدْرٍ مَدَداً انزِلُوا***كَأنّهُمْ طَيْرٌ أبابيلُ 1

  • و قال السيّد الحِميريّ أيضاً:

  • وَ سَلَّمَ جِبْرِيلُ وَ مِيكَالُ لَيْلَةً***عَلَيْهِ وَ حَيّاهُ سِرافِيلُ مُعْرِبَا

  • أحَاطُوا بِهِ في رَدْءِه [روعة خ ل] جَاءَ يَسْتَقِي***وَ كَانَ على ألْفٍ بِهَا قَدْ تَخَزَّبَا

  • ثَلَاثَةُّ آلَافٍ مَلائِكَ سَلَّمُوا***عَلَيْهِ فَأدْنَاهُمْ وَ حَيّا وَ رَحَّبا 2

  • و روى محبّ الدين الطبريّ3 عن «مناقب أحمد»، و القندوزيّ الشافعيّ4 عن «مسند» أحمد بن حنبل أنّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال:

    1. « ديوان الحميريّ» ص 322 و 323.
    2. « مناقب» ج 1 ص 407. و« ديوان الحميريّ» ص 77.
    3. « ذخائر العقبي» ص 68.
    4. « ينابيع المودّة» باب 40، ص 122.

معرفة الإمام ج٤

49
  • لَمّا كَانَتْ لَيْلَةٌ في بَدْرٍ (و في عبارة الطبريّ: لَيْلَةُ يَوْمِ بَدْرٍ) قَالَ رَسُولُ اللهَ صلّى الله عليه و آله و سلّم مَنْ يَسْتَسْقَي لَنَا مِنَ الْمَاءِ؟ فَمَا أجَابَ النَّاسُ (و في لفظ الطبريّ: فَأحجَمَ النَّاسُ) فَقَالَ عَلِيّ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَاحتضَنَ قِرْبَةً ثُمَّ أتى بِئراً بَعيدَةَ الْقَعْرِ مُظْلِمَةً فَانحَدَرَ فِيها، فَأوْحَى اللهُ عزَّ وَ جَلَّ إلى جِبرائيلَ وَ مِيكَائيلَ وَ إسْرَافِيلَ تَأهَّبُوا لِنَصْرِ مُحَمَّدٍ وَ حِزْبِهِ، فَهَبَطُوا مِنَ السَّمَاءِ (و في لفظ الطبريّ: لَهُمْ لَغْطٌ يَذْعَرُ مَنْ سَمِعَهُ) فَلَمّا حاذُوا الْبِئرَ سَلَّمُوا على عَلِيّ مِنْ عِنْدِ رِبِّهِمْ (و في لفظ الطبريّ: سَلَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ عِنْدَ آخِرِهِمْ إكْرَاماً وَ تَبْجِيلًا).

  • و نقل عن «جمع الفوائد»: قال عليّ عليه السلام: كُنْتُ عَلى قَليبِ بَدْرٍ أميحُ وَ أمْنَحُ مِنْهُ مَاءً جَاءَتْ رِيحٌ شَديدَةٌ، ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَديدةٌ. فَكَانَتِ الاولى مِيكَائِيلَ، وَ الثَّانِيةُ إسْرافِيلَ، و الثّالِثَةُ جَبْرائِيلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ألْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَسَلَّموا عَلَيّ. لأحمد و الموصليّ.1

  • و قال الشاعر في هذا:

  • أعْنِي الذي سَلَّمَ عَلَيْهِ جَبْرَائِيلُ***في لَيْلَةِ بَدْرٍ وَ مِيكَائِيلُ وَ إسْرَافِيلُ 2

  • و عن كتاب «المناقب» لابن شهرآشوب بسنده عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجهد، عن أبي ذرّ الغفاريّ أنّ عليّاً قال لأصحاب الشورى: هَلْ فِيكُمْ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ فِيهِمْ جَبْرائِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ إسرافِيلُ لَيْلَةً في قَلِيبِ بَدْرٍ مِثْلِي لَمّا جِئْتُ بِالْمَاءِ إلى رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم؟

    1. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» ص 122، باب 40.
    2. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» ص 122، باب 40.

معرفة الإمام ج٤

50
  • قالوا: لَا. نقله أيضاً ابن مسعود.1

  • و في كتاب «الإصابة» عن «فايْد» مولى عبد الله بن سلام قال: نزل النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم الجحفة في غزوة الحديبيّة فلم يجد بها ماءً، فبعث سعد بن أبي وقّاص، فرجع بلا ماء، و اعتذر. و بعث عليّاً فلم يرجع حتى ملأ القربة من الماء.2

  • شق أمير المؤمنين عليه السّلام للحجر

  • و ظهرت لأمير المؤمنين أيضاً معجزة شقّ الحجر كما شُقّ لموسى. في طريق صفّين غلب العطش على جيش أمير المؤمنين، فأمر بحفر بئر، فحفروا حتى وصلوا إلى حجر عظيم عجزوا عن شقّه و عن اقتلاعه، فجاء الإمام فضربه ضربة واحدة حتى شقّه و هو الذي لا تشقّه ألف ضربة، فنبع الماء من تحت الحجر عذباً بارداً، و تدفّق حتى بلع أعلى البئر. فشربوا و ارتووا جميعهم، و هم مندهشون من هذه المعجزة و ما شاهدوه من هذا المنظر العجيب.

  • و ذكر الخطيب البغداديّ هذه الرواية في «تاريخ بغداد» ج 12 ص 305 بسلسلة سنده عن أبي سعيد المعروف بعقيصا. قال: أقبلتُ من الأنبار مع عليّ عليه السلام نريد الكوفة، [فغلب العطش على الناس] فبينا نحن نسير على شاطئ الفرات إذ لجج في الصحراء فتبعه ناس من أصحابه و أخذ ناس على شاطئ الماء قال فكنتُ ممّن اخذ مع عليّ عليه السلام حتى توسّط الصحراء، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أنّا نخاف العطش، فقال: أنّ الله سيسقيكم. قال: و راهب قريب منّا، قال: فجاء عليّ إلى مكان، فقال: احفروا هاهنا، قال: فحفرنا. قال: و كنت فيمن حفر، حتى نزلنا- يعني عرض لنا حجر- قال: فقال عليّ: ارفعوا هذا الحجر، قال: فأعانونا عليه

    1. « ينابيع المودّة» ص 122، باب 40.
    2. « ينابيع المودّة» ص 123، باب 40.

معرفة الإمام ج٤

51
  • حتى رفعناه، فإذا عين باردة طيّبة، قال: فشربنا، ثمّ سرنا ليلًا أو نحو ذلك قال: فعطشنا. قال: فقال بعض القوم: لو رجعنا فشربنا، قال: فرجع ناس و كنت فيمن رجع، فالتمسناها، فلم نقدر عليها، فأتينا الراهب، فقلنا: أين العين التي هاهنا؟ قال: أية عين؟ قال: التي شربنا منها و استقينا و التمسناها، فلم نقدر عليها. فقال الراهب: لا يستخرجها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.

  • و ذكر العلّامة الأمينيّ هذه القضيّة في كتاب «الغدير» ج 3 ص 393 عن كتاب «صفّين» لنصر بن مزاحم مع اختلاف يسير. و قال في آخرها: أخرجها الخطيب في «تاريخ بغداد».

  • يقول السيّد الحِميريّ في هذا الموضوع:

  • وَ مَنْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فَوْقَ سَحَابَةٍ***بِقُدْرَةِ رَبٍّ قَدْرَ مَنْ شَاءَ يَرْفَعُ

  • وَ مَرَّ بِأصْحَابِ الرَّقِيمِ مُسَلِّماً***فَرَدُّوا مِنَ الْكَهْفِ السَّلَامَ فَأسْمَعُوا

  • وَ مَنْ فَجَّرَ الصَّخرَ الأصَمَّ لِجُنْدِهِ***فَفَاضَ مَعِيناً مِنْهُ لِلْقَومَ يَنْبَعُ

  • وَ مَنْ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَ غُرُوبِهَا***تُرَدُّ لَهُ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ تَلْمَعُ

  • فَصَلّى صَلاةَ الْعَصْرِ ثُمَّ أنّثَنَتْ لَهُ***تَسيرُ كَسَيْرِ الْبَرْقِ وَ الْبَرْقُ مُسْرِعُ

  • فَيَا لائِمي في حُبِّهِمْ كُفَّ أنّني***حُبِّ أميرِ الْمُؤمِنينَ لَمُولِعُ

معرفة الإمام ج٤

52
  • وَ لَا دِنْتُ إلّا حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ***وَ لَا شىْءَ مِنْهُ في الْقِيَامَةِ أنْفَعُ

  • إذَا الْعَدْلُ وَ التَّوْحيدُ كَانَا وَ حُبُّهُ***بِقَلْبِي فَأنّي الْعَابِدُ الْمُتَطَوِّعُ

  • أنَا السَّيدُ الْقَوّالُ فِيهِمْ مَدائِحاً***تَمُرُّ بِقَلْبِ النَّاصِبينَ فَتَصْدَعُ 1

  • أنّ ما ذكرناه كان موجزاً لمعجزات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قد جئنا به هنا كنموذج على ما نقول، و لو قُدّر أن نذكر معجزات الأنبياء واحدة بعد الاخرى، و نقارنها مع معجزات عليّ كلّها فأنّنا نحتاج إلى كتاب مستقلّ ليستوعبها، بَيدَ أنّه قد تبيّن لنا إجمالًا أنّ الإمام عليه السلام كان قادراً على المعجزات جميعها بإذن الله تعالى. و كان كرسول الله له مقام الكمال و الشمول، و لم يكن بمقدور أيّ نبيّ أن يبلغ ذلك المقام المنيع و الذروة الرفيعة.

  • محن و مصائب أمير المؤمنين كانت أكثر من جميع الأنبياء

  • و لكن ينبغي أن نعلم بأنّ هذه الصفات الإلهيّة و الكمالات النفسانيّة، و القدرة الربّانيّة لم تمنح للإمام مجّاناً، بل منحت له مكافأة لما مرّ به من مخاطر جسمية و محن عظيمة، و ما لاقاه من أذى لم يؤذ به أيّ نبيّ من الأنبياء. أنّ كلّ ما عاناه الأنبياء و ما قاسوه من محن كإرهاق الامّة لهم، و الشماتة، و الاستهزاء، و الطرد من البلاد، و القتل، و الإبعاد، و ارتداد الناس عن الدين، و ابتلائهم بالجهلاء، و غيرها من ضروب المعاناة، كلّها قد كابدها و قاساها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و لذلك قال: مَا اوذِيَ نَبِيّ مِثْلَ ما اوذيتُ. و ورث ذلك كلّه سيّد المتّقين عليّ بن أبي طالب

    1. « ديوان السيّد الحِميريّ» ص 278.

معرفة الإمام ج٤

53
  • عليه السلام فلم تتركه المحن يوماً منذ طفولته حتى انفلاق هامته المقدّسة و استشهاده في محراب العبادة.

  • لقد عانى ذلك الإمام العظيم أشدّ المعاناة، و تجرّع الغصص التي لا تطاق سواء في مكّة المكرّمة أبان البعثة النبويّة، أو في المدينة بعد الهجرة أو بعد وفاة رسول الله حيث الفترة المظلمة السوداء التي دامت خمس و عشرين سنة، أو أبان حكومته الظاهريّة. فلم يسترح ساعة واحدة. و إن كان إسماعيل الذبيح قد مرّ ببلاء القتل، و لم يتحقق ذلك عمليّاً، فأنّ عليّاً بات على فراش النبيّ ليلة الهجرة مضحيّاً بنفسه بعد توطينها على مواجهة صوارم قريش البتّارة. و كانت كلّ لحظة من لحظات تلك الليلة لحظة قتل و استشهاد. و إن كان إبراهيم الخليل قد مرّ بأربعة و عشرين بلاءً أشدّها قتل ولده العزيز إسماعيل، فأنّ رسول الله كان يعلم علم اليقين بما سيجري على ولد فاطمة من قتل و تعذيب، و كان يعلم بقتل الحسن، و الحسين، عليهما السلام و واقعة الطفّ، و طالما كان يتحدّث عن تلك القضايا المروّعة و يبكي، و لكنّه عهد الله و رسوله له، و قد قبل به و أقرّه إحياءً للدّين و كذلك المحن الاخرى التي كابدها. و في ضوء القول المعروف: ألْبَلاءُ بِقَدْرِ الْوِلاءِ فأنّ مصيبة عليّ في الدنيا كانت أعظم من مصائب جميع الأنبياء، و صبره كان أكثر من صبرهم، و جهاده أكبر من جهادهم. صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا أبَا الْحَسَنِ.

  • روى أبو نعيم الإصفهانيّ في «حلية الأولياء»1 بإسناده عن أبي بُرزة، قال: قالَ رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: أنّ اللهَ عَهِدَ إلَيّ عَهْداً في عَلِيّ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ بَيّنْهُ لِي، فَقَالَ: اسْمَعْ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ. فَقَالَ: أنّ

    1. « حلية الأولياء» ج 1، ص 66 و 67.

معرفة الإمام ج٤

54
  • عَلِيّاً رَايَةُ الْهُدَى وَ إمَامُ أوْلِيائِي وَ نُورُ مَنْ أطَاعَنِي، وَ هُوَ الْكَلِمَةُ التي ألْزَمْتُهَا الْمُتَّقِينَ، مَنْ أحَبَّهُ أحَبَّنِي، وَ مَنْ أبْغَضَهُ أبْغَضَنِي، فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ. فَجَاءَ عَلِيّ فَبَشَّرْتُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أنَا عَبْدُ اللهِ وَ في قَبْضَتِهِ، فَإنْ يُعَذِّبْنِي فَبِذَنْبِي. وَ إنْ يُتِمَّ لِي الذي بَشَّرْتَنِي بِهِ فَاللهُ أولى بي. قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ اجْلُ قَلْبَهُ وَ اجْعَلْ رَبيعَهُ الإيمَانَ. فَقَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ. ثُمَّ أنّهُ رَفَعَ إلَيّ أنّهُ سَيَخُصُّهُ مِنَ الْبَلاءِ بِشَيْءِ لَمْ يَخُصَّ بِهِ أحَدٌ مِنْ أصْحَابي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أخي وَ صَاحِبي! فَقَالَ: أنّ هَذَا شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ أنّهُ مُبْتَلى وَ مُبْتَلى بِهِ.

  • نقل ابن شهرآشوب1 القصّة المتعلّقة بهجرة رسول الله من مكّة إلى المدينة، و كذلك نقلها المظفّر في «دلائل الصدق».2 و نحن هنا نذكرها بالألفاظ التي رواها ابن شهرآشوب. قال: قال رسول الله لأمير المؤمنين عليّ: أنّ اللهَ سبحانه و تعالى أوْصى إلَيّ أنْ أهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَ أنْ أنْطَلِقَ إلى غَارِ ثُوْرٍ، فَارْقَدْ على فِرَاشِي وَ اشْتَمِلْ بِبُرْدِيَ الْحَضرَمِيّ، وَ اعْلَمْ أنّ اللهَ يَمْتَحِنُ أوْلِياءَهُ على قَدْرِ إيمَانِهِمْ وَ مَنَازِلِهِمْ مِنْ دِينِهِ فَأشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ. وَ قَدِ امْتَحَنكَ يَا ابْنَ امَّ وَ امْتَحَنَني بِمِثْلِ ما امْتَحَنَ بِهِ خَلِيلَهُ إبْرَاهِيمَ وَ الذَّبيحَ إسْمَاعِيلَ، فَصَبْراً صَبْراً فَأنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. ثُمَّ ضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وَ أوصَاهُ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَ إنْجَازِ عِدَاتِهِ و رَدِّ الْوَدائِعِ إلى أهْلِهَا ثُمَّ خَرَجَ- الحديث.

  • و من خلال المواضيع التي طرحناها آنفاً تمّ تحليل ثلاثة أشياء هي:

  • أوّلًا: عظمة رسول الله و سعة علمه بكتاب الله، القرآن الكريم. ثانياً: عظمته وسعته الروحيّة فيما يتعلّق بكتاب التكوين و ظهور

    1. « المناقب» ج 1، ص 127.
    2. « دلائل الصدق» ج 2، ص 80.

معرفة الإمام ج٤

55
  • المعجزات و التصرّف في شئون الكائنات و عناصرها. ثالثاً: عظمة البلاءات و المحن.

  • أمير المؤمنين الوارث لكمالات جميع الأنبياء

  • و قد اتّضح أنّ رسول الله كان أقوى من كافّة الأنبياء و المرسلين و أشدّ و أعظم منهم في هذه المراحل الثلاث. و ورث أمير المؤمنين عليه السلام منه تلك العظمة في مراحلها الثلاث، و لذلك فأنّه كان أعلم من جميع الأنبياء و أوصيائهم بكتاب التشريع و التكوين، و كان أقوى منهم في ذات الله و أنضج، و أكثر ذوباناً، و كان ببقاء الحقّ أعظم و أوسع. و هنا كشف الشارح المعتزليّ لنهج البلاغة، ابن أبي الحديد الغطاء فاعترف بأفضليّة عليّ عليه السلام على جميع الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين فأنشد في بعض أشعاره يقول:

  • قَدْ قُلْتُ لِلْبَرْقِ الذي شَقَّ الدُّجى***فَكَأنّ زَنْجِيّاً هُنَاكَ يُجدعُ 1

  • يَا بَرْقُ إنْ جِئْتَ الْغَرِيّ فَقُلْ لَهُ***أ تُراكَ تَعْلَمُ مَنْ بَأرْضِكَ مُودَعُ

  • فِيكَ ابْنُ عِمْرَانَ الْكَلِيمُ وَ بَعْدَهُ***عيسى يُقَفِّيهِ وَ أحْمَدُ يَتْبَعُ

  • بَلْ فِيكَ جِبريلُ وَ مِيكالُ وَ إسْ***-رَافِيلُ وَ الْمَلُا الْمُقَدَّسُ أجْمَعُ

  • بَلْ فِيكَ نُورُ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ***لِذَوي الْبَصَائِرِ تَستَشِفُّ وَ تَلْمَعُ

    1. هنا شبّه الليل المظلم بغلام زنجيّ؛ و كأنّ البرق الذي يشقّ ظلام الليل يجدع أنف الغلام الزنجيّ.

معرفة الإمام ج٤

56
  • فِيكَ الإمام الْمُرْتَضَى فِيكَ الْوَصِيّ***الْمُجْتَبَى فيكَ الْبَطِينُ الأنْزَعُ، 1

  • لمّا كان ابن أبي الحديد معتزليّاً، و المعتزلة يفضّلون الملائكة على الأنبياء، لذلك قدّم موسى، و عيسى، و محمّداً، ثمّ تدرّج فذكر جبرائيل و ميكائيل، و إسرافيل و جميع الملائكة المقدّسين. فهذه هي منزلة سيّدنا عليّ بن أبي طالب، الذي ينوب عن نفس الحبيب المصطفى محمّد صلّى الله عليه و آله، بل هو عينه و ذاته في عالم المعنى و الحقيقة، أي الولاية الإلهيّة المطلقة الكبرى، و هو الشاهد على ناموس الكون، و على أحوال الأنبياء.

  • خطبة أمير المؤمنين فى أنّ الأئمة فى أعلى درجات القرآن

  • و نجد الإمام في إحدى خطبه التي يحذّر الناس فيها من اتّباع علماء

    1. هذه الأبيات من قصيدة عينيّة له، و هي إحدى القصائد السبع المعروفة ب-« العلويّات السبع». و قد طبعت ضمن« المعلّقات السبع». و صفحات الكتاب غير مرقّمة لكنّها في أوّل الربع الأخير من الكتاب. و ما أروع الشعر الذي أنشده الملّا الروميّ.
      هم آدم و هم شيث و هم ايّوب و هم ادريس--هم يوسف و هم يونس و هم هود على بود
      هم موسى و هم عيسى و هم خضر و هم الياس--هم صالح پيغمبر و داود على بود
      آن كاشف قرآن كه خدا در همه قرآن--كردش صفت عصمت و بستود على بود
      --
      و ترجمته:
      لقد كان عليّ خلاصة الأنبياء، فكان آدم، و شيثاً، و ايّوب، و إدريس، و يوسف، و يونس، و هوداً، و موسى، و عيسى، و الخضر، و إلياس، و صالحاً، و داود. هو الذي كشف عن أسرار القرآن، و أثنى عليه الله و وصفه بالعصمة في كتابه كلّه.
      ،- أي فيك الإنسان الكامل المنزّه و المطهّر من الشرك و الذنب، و الطافح بمعادن الخير و جواهر حقائق العلوم.

معرفة الإمام ج٤

57
  • السوء الذين يخدعون الناس بظاهرهم، و يرغّبهم في اتّباع عترة الرسول الأعظم، يصرّح بأنّه الامتداد الطبيعيّ لرسول الله، و يريد أن يفهم الناس بأنّ النبيّ لم يمت، و هو (الإمام) موجود بينهم. و بعد أن يشرح الصفات التي يتحلّى بها أولياء الله، يقول: وَ آخَرُ قَدْ تَسَمّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهائِلَ مِنْ جُهّالٍ وَ أضَاليلَ مِنْ ضُلّالٍ، وَ نَصَبَ لِلنّاسِ شِرَكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ على آرائِهِ وَ عَطَفَ الْحَقَّ على أهْوَائِهِ، يُؤَمِّنُ مِنَ الْعَظَائِمِ وَ يُهَوِّنُ كَبيرَ الْجَرائِمِ، يَقُولُ: أقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَ فِيهَا وَقَعَ، وَ أعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَ بَيْنَها اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إنسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيْوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَ لَا بَابَ الْعَمى فَيَصُدَّ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَيِّتُ الأحْيَاءِ، فَأيْنَ تَذْهَبُونَ وَ أنّى تُؤْفَكُونَ؟ وَ الأعْلامُ قَائِمَةٌ وَ الآياتُ وَاضِحَةٌ وَ الْمَنارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ؟ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ1 وَ هُمْ أزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أعلَامُ الدِّينِ وَ ألْسِنَةُ الصِّدْقِ، فَأنْزِلُوهُمْ بِأحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرآنِ، وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ. أيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صلّى الله عليه و آله و سلّم: «أنّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ، وَ يَبلى مَنْ بلى مِنّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ» فَلا تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ فَأنّ أكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَ أعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَ أنَا هُوَ.2

  • و قد ارتبك ابن أبي الحديد في معنى الفقرتين الأخيرتين من الخطبة، فَشَطَّ في شرحهما و ذهب بعيداً عن معناهما و حقيقتهما. إذ يقول: أنّ (كلام رسول الله) هذا يمكن أن يحمل على وجهين: الأوّل: أنّ أمواتنا

    1. و مراده من عترة النبيّ نفسه المقدّسة، فهو يريد القول أنّهم لا بدّ و أن يرجعوا إليه لحلّ الأزمات و المشاكل الدنيويّة و الاخرويّة و لفتح أبواب السعادة و التمتّع بالمواهب الإلهيّة.
    2. الخطبة 85، من« نهج البلاغة» ص 153 و 154، طبع عبدة، مصر.

معرفة الإمام ج٤

58
  • لا يموتون بل يرفعهم الله إلى ملكوت سماواته. و على هذا لو قدرنا أنّ محتفراً احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنها، لم يجد الأبدان في الأرض، إلّا أنّ هذا الاحتمال لا يتلاءم مع الفقرة الثانية من كلام النبيّ، إذ يقول: مَنْ بلى مِنّا، فلا بدّ في هذه الجملة من تقدير، و هو: وَ يَبلى كَفَنُ مَنْ بلى مِنّا.

  • الثاني: أنّ في وجود كلّ إنسان ذرّات أصليّة. و أنّ الله تعالى يأخذ تلك الذرّات الأصليّة من قبور النبيّ و الأئمّة تكريماً و تعظيماً لهم، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدنيا فتصير إنساناً كاملًا، و هو نفس ذلك الإنسان الميّت من أهل البيت، لذلك فهم لم يموتوا.1

  • بَيدَ أنّ نظرة عابرة نلقيها على هذا الكلام تفيدنا أنّ الشارح قد شَطَّ في إدراك معناه، فأمير المؤمنين لا يريد في هذه الخطبة أن يبيّن حديثاً من أحاديث الرسول الأكرم، بل أنّه لمّا طلب من الناس الرجوع إلى العترة المتمثّلة به حينئذٍ، فقد ذكر ذلك الحديث شاهداً و دليلًا على كلامه، فهو يريد أن يقول للناس: إن لم تقبلوا منّي، فاسمعوا كلام النبيّ إذ يقول ما مضمونه: نحن لا نموت بل نحن أحياء دائماً، أي كأنّ وجودي (وجود الإمام) هو وجود النبيّ، و استمرار لحياته. أيّها الناس، أنّ النبيّ لم يمت و إن كان قد مات، لأنّني أنا بنفسي حيّ بينكم، و حيأتى هي حياة النبيّ. و بكلمة بديلة، فأنّه يريد القول بأنّه مرآة تامّة الظهور لتلك الحقيقة التي كان النبيّ مرآة تامّة الظهور لها من جميع الجهات، و تلك الحقيقة هي الولاية الإلهيّة المطلقة الكبرى التي ظهرت في النبيّ أيّام حياته فكان.

    1. « شرح نهج البلاغة» ج 6 ص 377 و 378. و بالطبع فقد نقلنا كلامه هنا موجزاً.

معرفة الإمام ج٤

59
  • مظهراً تامّا للأسماء الإلهيّة، و اليوم قد ظهرت فيّ. فمعنى كلام الرسول الأكرم هو أنّ موت أبدانها و بِلاها تحت الثرى لا يفضي إلى موت و بلى تلك المعارف الإلهِيّة و العلوم الربّانيّة، و التصرّف في عالم الكون و بالتالي تلك الولاية. فهي حيّة و خالدة دائماً لأنّ روحنا حيّة، و أنّ تلك الحياة هي روحنا التي تجلّت في وصيّنا. و هذا في الحقيقة هو معنى الميراث الذي ورثه أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

  • و الشاهد على هذا هو أنّ الإمام نفسه قد صرّح، بعد ذكر هاتين الجملتين، نقلًا عن خاتم المرسلين فقال: فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ فَأنّ أكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَ أعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ أنَا هُوَ.

  • فى كلام أمير المؤمنين: و إنما كنت جاراً جاوركم بدنى أياّماً

  • و الآخر هو تصريحه في وصيّته بعد ما اصيبَ في المسجد فقال بأنّ جسمه كان مع الناس و ليس روحه، و أنّ ذلك الجسم سيكون خلاء من الروح ساكناً هامداً، و أنّ جميع القدرات التي كانت قد ظهرت فيه تخصّ الذات الإلهيّة المقدّسة، و أنّ كافّة العلوم، و المعجزات، و الكمالات ستعود إلى مرجع الكمال، و هذا هو خير واعظ. يقول عليه السلام وَ أنّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَني أيّاماً، وَ سَتُعقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً، سَاكِنَةً بَعْدَ حرَاكٍ، وَ صامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ، لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي وَ خُفُوتُ إطْرَاقي، وَ سُكُونُ أطْرَافي، فَأنّهُ أوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَليغِ وَ الْقَولِ الْمَسْمُوعِ.1

  • فما نستخلصه من هذا كلّه هو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وارث جميع الكمالات النبويّة، و أنّ جميع التَّلألآت و التألّقات التي سطعت من عوالم الغيب لتشرق في وجود خاتم النبيّين، قد أشرقت و تألّقت كلّها في

    1. « نهج البلاغة» خطبة 147، ص 269.

معرفة الإمام ج٤

60
  • مرآة نفس أمير المؤمنين الصافية، ما عدا النبوّة التي انقطت برسول الله. و هذه هي حقيقة الإرث، كما جاء في روايات العامّة ما نصّه: قَالَ عَلِيّ عليه السلام: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» نَحْنُ اولَئِكَ.1

  • و ما رواه ابن مردويه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله في تفسير الآية المباركة: نَحْنُ هُمْ.2

  • الأئمة عليهم السّلام هم ورثة كتاب الله

  • و روى الحاكم الحسكانيّ عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام السجّاد عليه السّلام قال أبو حمزة: أنّي جَالِسٌ عِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ رَجُلانِ مِنْ أهْلِ الْعِراقِ فَقَالا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ جِئْنَاكَ (كَيْ) تُخْبِرْنَا عَنْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالا: قَوْلُ الله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا» فقَالَ: يَا أهْلَ الْعِراقِ! وَ أيِّشْ يَقُولُونَ؟ قَالا: يَقُولُونَ أنّهَا نَزَلَتْ في امَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، فَقَالَ عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ: امَّةُ مُحَمَّدٍ كُلُّهُمْ إذاً في الْجَنَّةِ؟! قَالَ: فَقُلْتُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فِيمَنْ نَزَلَت؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ وَ اللهِ فِينَا أهْلَ الْبَيْتِ- ثَلَاثَ مَرّاتٍ- قُلْتُ: أخْبِرنَا مَنْ فِيكُمْ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ؟ قَالَ: الذي اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَ سَيِّئاتُهُ- وَ هُوَ في الْجَنَّةِ- فَقُلْتُ: وَ الْمُقْتَصِدُ؟ قَالَ: الْعَابِدُ لِلهِ في بَيْتِهِ حتى يَأتِيَهُ الْيَقِينُ. فَقُلْتُ: السّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ؟ قَالَ: مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ وَ دَعَا إلى سَبيلِ رَبهِ.3

  • و قد استدلّ الإمام الرضا عليه السلام للمأمون بمثل هذا الكلام عند ما ذكر له أنّ المراد من وارثي الكتاب هنا هم عترة النبيّ لا غير. و جاء هذا ضمن رواية مفصّلة أثبت فيها الإمام الرضا في مجلس المأمون اثنتي عشرة

    1. ( 1 و 2)-« غاية المرام» الحديث الأوّل و الثاني، ص 351.
    2. ( 1 و 2)-« غاية المرام» الحديث الأوّل و الثاني، ص 351.
    3. « شواهد التنزيل» ج 2، ص 104.

معرفة الإمام ج٤

61
  • ميزة للعترة الطاهرة مستلهماً ذلك من القرآن الكريم. و قد أخرج الشيخ الصدوق هذه الرواية بالتفصيل في «عيون أخبار الرضا»،1 و كذلك أخرج السيّد البحرانيّ في «غاية المرام» قسماً موجزاً منها كشاهد لإثبات الميراث،2 و أخرج المجلسيّ ملخّصاً لها عن «تفسير عليّ بن إبراهيم» عن أبان بن الصلت.3

  • يقول المجلسيّ: يقول السيّد عليّ بن طاووس في كتاب «سَعد السُّعود»: وجدت كثيراً من الأخبار قد ذكرت بعضها في كتاب «البهجة بثمرة المُهجة» متضمّنة أنّ قوله جلّ جلاله «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا- الآية» أنّ المراد بهذه الآية جميع ذرّيّة النبيّ، و أنّ الظالم لنفسه هو الجاهل بإمام زمانه، و المقتصد هو العارف به، و السابق بالخيرات هو إمام الوقت عليه السلام.

  • فممن روينا ذلك عنه الشيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه من كتاب «الفرق» بإسناده إلى الصادق عليه السلام، و رويناه من كتاب «الواحدة» لابن (أبي) جمهور فيما رواه عن أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ عليهما السلام، و روينا من كتاب «الدلائل» لعبد الله بن جعفر الحِميريّ عن مولانا الحسن العسكريّ و رويناه من كتاب محمّد بن عليّ بن رياح بإسناده عن الصّادق عليه السلام، و رواه من كتاب محمّد بن مسعود بن عيّاش في تفسير القرآن، و رويناه من «الجامع الصغير» ليونس بن عبد الرحمن، و رويناه من كتاب عبد الله بن حمّاد الأنصاريّ، و رويناه كتاب إبراهيمالخزّاز

    1. « عيون أخبار الرضا» ص 149.
    2. « غاية المرام» ص 352، الحديث العاشر.
    3. « بحار الأنوار» ج 7، ص 45.

معرفة الإمام ج٤

62
  • و غيرهم رضوان الله عليهم لم يحضرني ذكر أسمائهم و الإشارة إليهم.1

  • هذه مجموعة من الروايات التي ذكرناها آنفاً في تفسير الآية الكريمة الشريفة، و قد ذكرنا توّاً عدداً منها. و قد اتّضح من هذا كلّه أنّ أمير المؤمنين كان وحيد عصره في الصفات الإنسانيّة العليا، و كان فريد دهره و الجوهرة المتألّقة في عالم الخلقة، و كان معلّم البشريّة و قدوة التعاليم الصالحة، و نهل الخيرات، و معدن البركات، و فخر بني آدم، و الملائكة و الأنبياء. و ما أروع كلام النبيّ الخضر عليه السلام عند ما أثنى عليه و مجدّه بالصفات السامقة، و بكى على مصيبته.

  • خطبة الخضر النبىّ بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام

  • روى الصفوانيّ في كتاب «الإحَنْ و المِحَنْ»، و الكلينيّ في كتاب «الكافي» أنّه لمّا استشهد أمير المؤمنين جَاءَ شَيْخٌ يَبْكِي وَ هُوَ يَقُولُ: الْيَوْمَ انْقَطَعَتْ عِلَاقَةُ النُّبُوَّةِ، حتى وَقَفَ بِبَابِ الْبَيْتِ الذي فِيهِ أميرُ الْمُؤمِنِينَ وَ أخَذَ بِعِضَادَتَي الْبَابِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ فَلَقَدْ كُنْتَ أوَّلَ النَّاسِ إسْلَاماً، وَ أخْلَصَهُمْ إيَمَاناً، وَ أشَدَّهُمْ يَقِيناً، وَ أخْوَفَهُمْ مِنَ اللهِ، وَ أطْوَعَهُمْ لِنَبِيّ اللهِ، وَ أفْضَلَهُمْ مَنَاقِبَ، وَ أكْثَرَهُمْ سَوابِقَ، وَ أشْبَهَهُمْ بِهِ خَلْقَاً وَ سِيمَاءً وَ فَضْلًا. وَ كُنْتَ أخْفَضَهُمْ صَوْمَاً، وَ أعْلَاهُمْ طَوْداً، وَ أقْدَمَهُمْ كَلَاماً، وَ أصْوَبَهُمْ مَنْطِقَاً وَ أشْجَعَهُمْ قَلْباً، وَ أحْسَنَهُمْ عَمَلًا، وَ أقْوَاهُمْ يَقِيناً. حَفِظْتَ مَا ضَيِّعُوا وَ رَعَيْتَ مَا أهْمَلُوا، وَ شَمَّرْتَ إذِ اجْتَمَعُوا، وَ عَلَوْتَ إذْ هَلَعُوا، وَ وَقَفْتَ إذْ شَرَعُوا، وَ أدْرَكْتَ أوْتَارَ مَا ظَلَمُوا. كُنْتَ على الْكَافِرِينَ عَذَاباً وَاصِباً وَ لِلْمُؤمِنِينَ كَهْفاً وَ حِصْناً، كُنْتَ كَالْجَبَلِ الرَّاسِخِ لَا تُحَرِّكُهُ الْعَواصِفُ، كُنْتَ لِلْطِّفْلِ كَالأبِ الشَّفِيقِ وَ لِلأرامِلِ كَالْبَعْلِ الْعَطُوفِ. قَسَمْتَ بِالسَّوِيَّةِ وَ عَدَلْتَ في الرَّعِيَّةِ، وَ أطْفَأتَ النِّيرانَ وَ كَسَرْتَ الأصْنَامَ، وَ أذْلَلْتَ الأوْثَانَ

    1. « بحار الأنوار» ج 7، ص 45؛ و في الطبعة الحروفيّة ج 23، ص 219 و 220.

معرفة الإمام ج٤

63
  • وَ عَبَدْتَ الرَّحْمَنَ- في كَلَامٍ لَهُ كَثيرٍ- فَالْتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أحَداً، فَسُئِلَ الْحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ كَانَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: الْخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.1

  • و أخرج العلّامة المجلسيّ هذا الكلام مفصّلًا في البحار مع اختلاف يسير في اللفظ. و رواه عن «كمال الدين و تمام النعمة» للشيخ الصدوق.2

  • و يقول المحدّث القمّيّ: وردت هذه الرواية بأسناد معتبرة عن الكلينيّ، و الصدوق، و آخرين غيرهم. و ذكرتها في كتاب «الهديّة» في باب زيارات الإمام، لأنّ كلمات الخضر هي بمنزلة زيارة أمير المؤمنين.3

  • و أقول: حقّاً أنّ كلمات الخضر جامعة لمقامات أمير المؤمنين المعنويّة و الروحيّة. و يجدر بها أنّ تشرح و تفصّل في كتاب مستقلّ. و نِعْمَ ما أنشد الشاعر الفارسيّ بقوله:

  • كتاب فضل تو را آب بحر كأي نيست***كه تر كنم سر انگشت و صفحه بشمارم 4

  • فضائل أمير المؤمنين تفوق العدو الإحصاء

  • نقل عن موفّق بن أحمد الخوارزميّ بإسناده عن محمّد بن منصور أنّه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعليّ بن أبي طالب. و قال أحمد: قال رجل لابن عبّاس: سبحان الله، ما أكثر فضائل عليّ بن أبي طالب و مناقبه، أنّي لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة! فقال ابن عبّاس: أو لا تقول أنّها إلى ثلاثين ألفاً أقرب؟5

    1. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1 ص 481.
    2. « بحار الأنوار» ج 9، ص 677.
    3. « منتهي الآمال» ج 1، ص 134( بالفارسيّة).
    4. و ترجمته:« إنّ ماء البحر لا يكفي حتّى ارطّب أناملي و أعدّ صفحات كتاب فضلك.»
    5. « ينابيع المودّة» باب 40، ص 121.

معرفة الإمام ج٤

64
  • و روى الخوارزميّ أيضاً بسنده عن حرب بن عبد الحميد أنّه قال: حدّثنا سليمان الأعمش بن مهران أنّ المنصور الدوانيقيّ حال خلافته قال: يا سليمان، أخبرني كم من حديث ترويه في فضائل عليّ بن أبي طالب؟ قلت: يسيراً. قال: ويحك، كم تحفظ؟ قلت: عشرة آلاف حديث أو ألف حديث. فلمّا قلت: ألف حديث، استقلّها، فقال: ويحك يا سليمان، بل عشرة آلاف كما قلت أوّلًا.1

  • و كذلك روى الخوارزميّ بسنده عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم: لَوْ أنّ الأشْجَارَ أقْلَامٌ وَ الْبَحْرَ مِدَادٌ وَ الْجِنَّ حُسَّابٌ وَ الإنْسَ كُتَّابٌ ما أحْصَوا فَضَائِلَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.2

  • و روى بسنده أيضاً عن محمّد بن عُماره، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم لِرَهْطٍ مِنْ أصحابِهِ: أنّ الله تعالى جَعَلَ لأخِي عَلِيّ فَضَائِلَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، فَمَنْ ذَكَرَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ مُقِرّاً بِهَا، غَفَرَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأخَّرَ. وَ مَنْ كَتَبَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ لِذَلِكَ الْكِتَابِ رَسْمٌ، وَ مَنِ اسْتَمَعَ إلى فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ الذُّنُوبَ التي اكْتَسَبَهَا بِالنَّظَرِ. ثُمَّ قَالَ: النَّظَرُ إلى عَلِيّ عِبَادَةٌ، وَ ذِكْرُهُ عِبَادَةٌ، لَا يَقْبَلُ اللهُ إيمَانَ عَبْدٍ إلَّا بِمُوالاتِهِ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْ أعْدَائِهِ.3

  • و روى الخوارزميّ أيضاً في «المناقب» عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلتُ لابن عبّاس رضي الله عنهما: أسألك عن

    1. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» باب 40، ص 121.
    2. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» باب 40، ص 121.
    3. « ينابيع المودّة» باب 40، ص 123.

معرفة الإمام ج٤

65
  • اختلاف الناس في عليّ رضي الله عنه، قال: يَا بْنَ جُبَيْرٍ تَسْألُنِي عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ آلافِ مَنْقَبَةٍ في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَ هِيَ لَيْلَةُ الْقِرْبَةِ في قَلِيبِ بَدْرٍ، سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَ تَسْألُنِي عَنْ وَصِيّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ و صَاحِبِ حَوْضِهِ وَ صَاحِبِ لِوائِهِ في الْمَحْشَرِ. و الذي نَفْسُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبّاسِ بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ بِحَارُ الدُّنْيَا مِدَاداً، وَ أشْجَارُهَا أقْلَاماً، وَ أهْلُهَا كُتّاباً فَكَتَبُوا مَنَاقِبَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ وَ فَضَائِلَهُ مَا أحْصَوْهَا.1

  • و روى الخوارزميّ في «المناقب» أيضاً عن أبي طفيل أنّه قال: قال بعض الصحابة: لَقَدْ كَانَ لِعَليّ مِنَ السَّوابِقِ مَا لَوْ قُسِّمَتْ سَابِقَةٌ مِنْهَا بَيْنَ النّاسِ لَوَسِعتْهُمْ خَيْراً.2

  • يقول ابن شهرآشوب: و من المعجزات بعد وفاة عليّ بن أبي طالب تسخير الجماعة اضطراراً لنقل فضائله مع ما فيها من الحجّة عليهم حتى إن أنكره واحد، ردّ عليه صاحبه، و قال: هذا في التواريخ، و الصحاح و السنن، و الجوامع، و السير، و التفاسير، ممّا أجمعوا على صحّته، فإن لم يكن في واحد، يكن في آخر.

  • و من جملة ذلك ما أجمعوا عليه أو روى مناقبه خلق كثير منهم حتى صار علماً ضروريّاً. كما صنّف ابن جرير الطبريّ كتاب «الغدير» و ابن شاهين كتاب «المناقب»، و كتاب «فضائل فاطمة عليها السلام» و يعقوب بن شيبة كتاب «تفضيل الحسن و الحسين عليهما السلام» و كتاب «مسند أمير المؤمنين و أخباره و فضائله عليه السلام»، و الجاحظ كتاب «العلويّ»، و كتاب «فضل بني هاشم على بني اميّة»، و أبو نعيم

    1. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» باب 40، ص 123.
    2. ( 1 و 2)-« ينابيع المودّة» باب 40، ص 123.

معرفة الإمام ج٤

66
  • الإصفهانيّ كتاب «منقبة المطهّرين في فضائل أمير المؤمنين»، و «ما نزل في القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام»، و أبو المحاسن الرؤيانيّ كتاب «الجعفريّات»، و الموفّق المكّيّ كتاب «قضايا أمير المؤمنين عليه السلام» و كتاب «ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام»، و أبو بكر محمّد بن مؤمن الشيرازيّ كتاب «نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين عليه السلام» و أبو صالح عبد الملك المؤذّن كتاب «الأربعين في فضائل الزهراء عليها السلام»، و أحمد بن حنبل كتاب «مسند أهل البيت و فضائل الصحابة»، و أبو عبد الله محمّد بن أحمد النطنزيّ كتاب «الخصائص العلويّة على سائر البريّة»، و ابن المغازليّ كتاب «المناقب»، و أبو القاسم البُسطيّ (البُستيّ- خ ل) كتاب «المراتب»، و أبو عبد الله البصريّ كتاب «الدّرجات» و الخطيب أبو تراب كتاب «الحدائق»، مع الكتمان و الميل و ذلك خرق العادة شهد بفضائله معادوه، و أقرّ بمناقبه جاحدوه.1

  • يقول الشاعر:

  • شَهِدَ الأنَامُ بِفَضْلِهِ حتى الْعِدى***وَ الْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ 2

  • و يقول شاعر آخر:

  • يَرْوي مَنَاقِبَهُمْ لَنَا أعْدَاؤُهُمْ***لَا فَضْلَ إلَّا مَا رَواهُ حَسُودُ 3

  • طبيعيّ أنّ هؤلاء الأشخاص الذين عدّهم ابن شهرآشوب مع مصنّفاتهم كانوا متقدّمين عليه زمنيّاً، لأنّه توفي سنة 588 ه-. بَيدَ أنّ هناك مصنّفات اخرى في هذا المجال الّفت قبله و بعده، و ذكرها السيّد محمّد مهدي نجل السيّد حسن الخرسان في مقدّمة الطبعة السابقة لكتاب «ينابيع المودّة»، و قد بلغ عددها (183) كتاباً.

    1. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 484.
    2. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 484.
    3. ( 1 الى 3)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 484.

معرفة الإمام ج٤

67
  • يقول ابن شهرآشوب: و من جملة معجزاته كثرة [الروايات في] مناقبه و فضائله مع ما كانوا يدفنونها و يتوعّدون على روايتها.

  • روى مسلم، و البخاريّ، و ابن بطّة، وا لنطنزيّ عن عائشة في حديثها بمرض النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم فقالت في جملة ذلك: فَخَرَجَ النَّبِيّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ الْفَضْلِ وَ رَجُلٍ آخَرَ يَخُطُّ قَدَمَاهُ، عَاصِباً رَأسَهُ- تَعني عَلِيّاً- عَلَيهِ السَّلَامُ. (إمّا أنّ عائشة لم تذكره حسداً، أو أنّ الرواة كتموه).

  • منع معاوية من بيان فضائل أمير المؤمنين

  • و قال معاوية لابن عبّاس: «أنّا كَتَبْنَا في الآفاقِ نَنْهَى عَنْ ذِكْرِ مَنَاقِبِ عَلِيّ فَكُفَّ لِسَانَكَ. قَالَ: أ فَتَنْهَانَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرآنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أ فَتَنْهَانا عَنْ تَأوِيلِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أ فَنَقْرَأهُ وَ لَا نَسْألُ؟ قَالَ: سَلْ عَنْ غَيْرِ أهْلِ بَيْتِكَ قَالَ: أنّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْنا فَنَسألُ غَيْرِنَا؟ أ تَنْهَانا أنْ نَعْبُدَ اللهَ؟ فَإذاً، تَهْلِكُ الأمَّةُ. قَالَ: اقْرَأوا وَ لَا تَرْوُوا مَا أنْزَلَ اللهُ فِيكُمْ. «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْوَاهِهِمْ». ثُمَّ نَادَى مُعَاوِيَةُ: أنْ بَرِئَتِ1 الذِّمَّةُ مِمَّنْ رَوى حَديثاً مِنْ مَناقِبِ علِيّ، حتى قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الشَدَّادِ اللَّيْثِيّ: وَدَدْتُ أنّي اتْرَكُ أن احَدِّثَ بِفَضَائِلِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ يَوْماً إلى اللَّيْلِ وَ أنّ عُنُقِي ضُرِبَتْ».2

  • فكان المحدّث يحدّث بحديث في الفقه أو يأتى بحديث المبارزة [في شأن أمير المؤمنين] فيقول: قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.

    1. في نسخة البدل: أنّي بَرِئتُ الذِّقّةَ.
    2. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1 ص، 484. و نقل لقاء معاوية مع ابن عبّاس مفصّلًا في« قاموس الرجال» ج 6 ص، 41 عن كتاب« سليم بن قيس»، و هو موجود في كتاب سليم على ص 202 و 203.

معرفة الإمام ج٤

68
  • و كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: حدّثني رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم (بدل أن يذكر اسم عليّ)، و كان الحسن البصريّ يقول: قال أبو زينب.1

  • و سُئل سعيد بن جبير عن حالم اللواء [يوم القيامة]، فقال: كأنّك رخيّ البال؟2 (أي: تريدني أذكر عليّاً فنُقتل أنا و إيّاك.)

  • و قال الشعبيّ: لقد كنت أسمع خطباء بني اميّة يسبّون عليّاً على منابرهم فكأنّما يشال بضبعه3 إلى السماء، و كنت أسمعهم يمدحون أسلافهم، فكأنّما يكشفون عن جيفة.4

  • و رُؤيَ أعرابيّة في مسجد الكوفة تقول: يا مَشْهُوراً في السَّمَاوَاتِ وَ يَا مَشْهُوراً في الأرَضِينَ، يَا مَشْهُوراً في الآخِرَةِ، جَهَدَتِ الْجِبَابَرَةُ وَ الْمُلُوكُ على إطْفَاءِ نُورِكَ وَ إخْمَادِ ذِكْرِكَ، فَأبى اللهُ لِذِكْرِكَ إلَّا عُلُوّاً وَ لِنُورِكَ إلَّا ضِيَاءً وَ نَماءً وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. قيل لها: لمن تصفين؟ قالت: ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.5 فالتفت (السائل)، فلم ير أحداً.

  • قصيدة الأُزرى فى فضائل أمير المؤمنين

  • و يقول ابن نباتة: نشرت حيلة قريش فزادته إلى صيحة القيامة فتلًا و من ذلك ما طبقت الأرض بالمشاهد لأولاده و فشت المنامات من مناقبه فيبرء الزمنيّ و يفرج المبتلى. و ما سُمع هذا لغيره عليه السلام.6

  • يقول الشيخ الازريّ من قصيدة له في مدح الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم:

    1. ( 1 و 2)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 485.
    2. ( 1 و 2)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 485.
    3. الضبع: العضد كلّها أو وسطها.
    4. ( 4 الى 6)« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 485.
    5. ( 4 الى 6)« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 485.
    6. ( 4 الى 6)« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 485.

معرفة الإمام ج٤

69
  • مَا تَنَاهَتْ عَوَالِمُ الْعِلْمِ إلّا***وَ إلى ذَاتِ أحْمَدٍ مُنْتَهَاهَا

  • أيّ خَلْقٍ لِلهِ أعْظَمُ مِنْهُ***وَ هوَ الْغَايَةُ التي اسْتَقْصَاهَا

  • قَلَّبَ الْخَافِقَيْنِ ظَهْراً لِبَطْنٍ***فَرَأى ذَاتَ أحْمَدٍ فَاجْتَبَاهَا

  • إلى أنْ يصل إلى أهل البيت عليهم السلام فيقول في مقام طهارتهم و عظمتهم:

  • سَادَةٌ لَا تُريدُ إلّا رضا اللهِ***كَمَا لَا يُريدُ إلّا رضَاهَا

  • خَصَّها مِنْ كَمَالِهِ بِالْمَعانِي***وَ بِأعلى أسْمَائِهِ سَمّاها

  • لَمْ يَكُونُوا لِلْعَرْشِ إلّا كُنُوزاً***خَافِياتٍ سُبْحَانَ مَنْ أبْدَاهَا

  • كَمْ لَهُمْ ألْسُنٌ عَنِ اللهِ تُنبِي***هِي أقْلَامُ حِكْمَةٍ قَدْ بَرَاهَا

  • وَ هُمُ الأعْيُنُ الصَّحِيحَاتُ تُهْدَي***كُلَّ نَفْسٍ مَكْفُوفُةٍ عَيْنَاهَا

  • عُلَمَاءٌ أئِمَّةٌ حُكَمَاءُ***يَهْتَدِي النَّجْمُ بِاتّبَاعِ هُدَاها

  • وَرِثُوا مِنْ مُحَمَّدٍ سَبْقَ اولَاهَا***وَ حَازُوا مَا لَمْ تَحُزْ اخْرَاهَا

  • و يقول مرّة اخرى في وصف الرسول الأعظم:

  • آيةُ اللهِ حِكْمَةُ اللهِ سَيْفُ اللهِ***وَ الرَّحْمَةُ التي أهْداهَا

  • فَاضَ لِلْخَلقِ مِنْهُ عِلْمٌ وَ حِلْمٌ***أخَذَتْ عَنْهُمَا الْعُقُولُ نُهَاهَا

  • لَمْ يَكُنْ أكْرَمُ النَّبِيِّينَ حتى***عَلِمَ اللهُ أنّهُ أزْكَاهَا

  • أنّمَا الْكَائِنَاتُ نُقْطَةُ خَطٍّ***بِيَديْهِ نَعيمُهَا وَ شَقَاهَا

  • كُلُّ مَا دُونَ عَالَمِ اللَّوْحِ طَوْعٌ***لِيَدَيْ فَضْلِهِ الذي لَا يُضَاهَا

  • حَازَ مِنْ جَوْهَرِ التَّقَدُّسِ نَفْسَاً***تاهَتِ الأنْبِيَاءُ في مَعْنَاهَا

  • لا تُجِلْ في صِفَاتِ أحْمَدَ فِكْراً***فَهِيَ الصُّورَةُ التي لَنْ تَراهَا

  • حازَ قُدسِيَّةَ الْعُلُومِ وَ إنْ لَمْ***يُؤْتَهَا أحْمَدُ فَمَنْ يُؤْتَاها

  • وَ هُوَ الآيَةُ الْمُحيطَةُ في الْكُو***نِ في عَيْنِ كُلِّ شَيْءٍ تَراهَا

معرفة الإمام ج٤

70
  • و يفصّل الشاعر في مقامات الرسول الأكرم صلّى الله عليه [و آله] و سلّم فيقول:

  • مَلِكٌ شَدَّ أزْرَهُ بَأخْيِهِ***فَاسْتَقَامَتْ مِنَ الأمورِ قَناهَا

  • أسَدِ اللهِ مَا رأتْ مُقْلَتَاهُ***نَارَ حَرْبٍ تَشُبُّ إلَّا اصْطَلاهَا

  • و يواصل الشاعر كلامه مفصّلًا في ذكر فضائل الإمام عليه السلام و مناقبه في بدر، و احد، و الأحزاب، و حنين، و خيبر و سائر مناقبه من قبيل نزول آية التطهير، و المباهلة، و سورة هَلْ أتى و سدّ الأبواب، و حديث المنزلة، و حديث الغدير، و غيرها من المناقب التي لا تحصى، إلى أن يقول:

  • أيُّهَا الرّاكِبُ الْمُجِدُّ رُوَيْداً***بِقُلُوبٍ تَقَلَّبْتَ في جَواهَا

  • إنْ تَراءَتْ أرْضُ الْغَرِيَّيْنِ فَاخْضَعْ***وَ اخْلَعِ النَّعْلَ دُونَ وادي طُواهَا

  • وَ إذَا شِمْتَ قُبَّةَ الْعَالَمِ الأعلى***وَ أنْوارَ رَبِّها تَغْشَاهَا

  • فَتَواضَعْ فَثَمَّ دارَةُ قُدْسٍ***تَتَمَنَّى الافْلاكُ لَثْمَ ثَراهَا

  • قُلْ لَهُ وَ الدُّمُوعُ سَفْحَ عَقيقٍ***وَ الْجَوى تَصْطَلي بِنَارِ غَضَاهَا

  • يَا بْنَ عَمِّ المصطفى أنْتَ يَدُ اللهِ***التي عَمَّ كُلَّ شَيْءٍ نَدَاهَا

  • أنْتَ قُرْآنُهُ الْقَدِيمُ وَ أوْصَا***فُكَ آياتُهُ التي أوحَاهَا

  • حَسْبُكَ اللهُ في مَآثِرَ شتّى***هِيَ مِثْلُ الأعْدَادِ لَا تَتَنَاهَى

  • أنْتَ بَعْدَ النَّبِيّ خَيْرُ الْبَرَايَا***وَ السَّمَاء خَيْرُ مَا بِهَا قَمَراها

  • لَكَ ذاتٌ كَذَاتِهِ حَيْثُ لَوْ لا***أنّها مِثْلُهَا لَما آخَاهَا

  • قَدْ تَراضَعْتُما بِثَدْيِ وِصَالٍ***كَانَ مِنْ جَوْهَرِ التَّجَلّي غَذَاهَا

  • يَا عَلِيّ الْمِقْدَارُ حَسْبُكَ لا هُو***تِيَّةٌ لَا يُحَاطُ في عُلْيَاهَا

  • لَكَ نَفْسٌ مِنْ جَوْهَرِ اللُّطْفِ صِيغَتْ***جَعَلَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ فِدَاهَا

معرفة الإمام ج٤

71
  • كُلُّ مَا في الْقَضَاءِ مِنْ كَائِنَاتٍ***أنْتَ مَوْلَى بَقَائِهَا وَ فَنَاهَا

  • يَا أخَا المصطفى لَدَيّ ذُنُوبٌ***هِيَ عَيْنُ الْقَذْى وَ أنْتَ جَلَاهَا

  • يَا غِيَاثَ الصَّرِيخِ دَعْوَةَ عَافٍ***لَيْسَ إلَّاكَ سَامِعٌ نَجْوَاهَا

  • كَيْفَ تَخْشَى الْعُصَاةُ بَلْوَى الْمَعَا***صي وَ بِكَ اللهُ مُنْقِذٌ مُبْتَلَاهَا

  • لَكَ في مُرْتَقَى الْعلى وَ الْمَعَالى***دَرَجَاتٌ لَا يُرْتَقَى أدْنَاهَا 1

  • و تطرّق الشاعر بعد ذلك إلى قضيّة السقيفة و غصب الخلافة مفصّلًا في ذلك، و محاكماً الشيخين على ما اقترفاه. ثمّ عرّج على ذكر منزلة السيّدة الصدّيقة فاطمة الزهراء، و وصيّة النبيّ بها، و الظلم الذي تعرّضت له على يد ذينك الرجلين، فجزاه الله عن الرسول و عن أهل بيته خير الجزاء. و حقّاً فأنّ قصيدته تستحقّ الترجمة إلى اللغة الفارسيّة مشفوعة بذكر الشواهد و مصادر الاستشهادات، و تطبع في كتاب خاصّ لتكون في متناول أيدي الجميع.

  • أشعار للشعراء الفُرس فى فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام

  • و ما و أروع ما أنشد الشاعر الفارسيّ:

  • حقّ را چو به خلق شد جلوهگرى***پوشيد على را به لباس بشري

  • از عالم لامكان به امكان آورد***تا بي خبران را دهد از خود خبري 2

  • و ما أجمل ما قاله شاعر آخر:

  • سِرِّ ولايت آموز مصباح جان برافروز***رو از على بياموز يك شيمة عليّه

    1. ديوان الازريّ.
    2. يقول الشاعر هنا:« لمّا أراد الحقّ أن يتجلّي للخلق، فقد ألبس عليّاً رداء البشر. و جاء به من عالم اللامكان إلى عالم الإمكان ليخبر الناس الغافلين، عن الله تعالي».

معرفة الإمام ج٤

72
  • روي عليّ أعلى اشراق نور بالا***عَنْ وَجْهِهِ تَلَالا نُورٌ مِنَ الْهُويّه

  • سِرِّ هُويّت آمد روح مشيّت آمد***ايجادُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مَبْدَأ الْمَشِيَّه

  • چون روح جمله اسماست اين نكته پاى برجاست***يا واهِبَ الْعَطَايا يا رازق الْبَرِيَّه

  • چون نيست رَه بذاتش يك شمّه از صفاتش***ألرِّفْقُ بِالرَّعِيَّة وَ الْعَدْلُ في الْقَضِيَّه 1

  • و ما أروع و أسمى ما قاله الروميّ:

  • رومي نشد از سرّ على كس آگاه***زيرا كه نشد كس آگه از سرّ الَه

  • يك ممكن و اين همه صفات واجب***لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلّا بِالله 2

  • و ما أحلى ما أنشده الأديب الفاضل عبد الباقي أفَنْدي العمريّ إذ قال:

  • يَا أبَا الأوْصِياءِ أنْتَ لِطَه***صِهْرُهُ وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ أخُوهُ

    1. يقول الشاعر:« تعلّم سرّ الولاية و أنر مصباح روحك و اذهب و تعلّم من عليّ شيماً عليّة. فوجه عليّ النورانيّ هو من نورانيّة العالم العلويّ، و قد تلألأ عن وجهه نورٌ من الهويّة. و أصبح عليّ سرّ الهويّة و حلّت روح المشيئة الإلهيّة فيه و إيجاد كلّ شيءٍ من مبدأ المشيّة. لأنّ عليّاً هو روح جميع الأسماء الإلهيّة، و هي مسألة لا نقاش فيها. يا واهب العطايا يا رازق البريّة». و يقول في البيت الأخير:« لمّا لم يكن لنا سبيل إلى ذاته، فأنّ عندنا عبقة من صفاته و هي الرفق بالرعيّة، و العدل في القضيّة».
    2. يخاطب الشاعر نفسه فيقول:« أيّها الروميّ: لم يعرف أحد سرّ عليّ، لأنّ أحداً من الناس لم يعرف سرّ الله. أ ممكنٌ يتحلّى بكلّ صفات الواجب هذه؟! لا حول و لا قوّة إلّا بالله.

معرفة الإمام ج٤

73
  • أنّ لله في مَعاليكَ سِرّاً***أكْثَرُ الْعَالَمينَ ما عَلِمُوهُ

  • أنْتَ ثَانِي الآبَاء في مُنْتَهَى***الدَّوْرِ وَ آباؤُهُ تُعَدُّ بَنُوهُ

  • خَلَقَ اللهُ آدَم مِنْ تُرَابٍ***فَهُوَ ابْنٌ لَهُ وَ أنْتَ أبُوهُ 1 ،

  • و نظم آية الله العلّامة الحاج السيّد إسماعيل الشيرازيّ ابن عمّ آية الله سيّد الطاعة الحاج الميرزا محمّد حسن الشيرازيّ أعلى الله مقامهما قصيدة عصماء في مدح أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لمناسبة ذكر مولده الأغرّ ننقل منها هنا عدداً من أبياتها:

  • إنْ يَكُنْ تُجْعَلُ لِلهِ الْبَنُونْ***وَ تَعَإلى اللهُ عَمَّا يَصِفُونْ

  • فَوَليدُ الْبَيْتِ أحْرى أنْ يَكُونْ***لِوَلِيّ الْبَيْتِ حَقّاً وَلَدا

  • هُوَ بَعْدَ المصطفى خَيْرُ الْوَرى***مِنْ ذُرَى الْعَرْشِ إلى تَحْتَ الثَّرى

  • قَدْ كَسَتْ عَلْيَاؤُهُ امَّ الْقُرَى***عِزَّةً تَحْمَى حِمَاهَا أبَدا

  • لَا عُزَيْرٌ، لَا؛ وَ لَا ابْنُ مَرْيَمِ***حَيْثُ لَا يَدْنُوهُ مَنْ لَمْ يُحْرِمِ

  • سَبَقَ الْكَوْنَ جَمِيعاً في الْوُجُود***وَ طَوى عَالَمَ غَيْبٍ وَ شُهُود

  • كُلُّ مَا في الْكَوْنِ مِنْ يُمْنَاهُ جُوُد***إذْ هو الْكَائِنُ لِلهِ يَدا

    1. « سفينة البحار» ج 2، ص 231.
      *- المقصود أنّ آدم ابن التراب و أنت أبو تراب.

معرفة الإمام ج٤

74
  • سَيِّدٌ حازَتْ بِهِ الْفَضْلَ مُضَرْ***بِفَخارٍ قَدْ سَما كُلَّ الْبَشَرْ

  • وَجْهُهُ في الْفَلَكِ الْعُلْيَا قَمَرْ***فَبِهِ لَا بِالنُّجُومِ يُهْتَدى

  • وَ يَدُ اللهِ مُدِرُّ الأنْعُمِ***نَحْوَ مَعْنَاهُ لِنَيْلِ الْمَغْنَمِ 1

  • و ما أحلى و أبلغ الشعر الذي نظمه الحكيم الإلهيّ الميرزا جلوه بالفارسيّة إذ قال:

  • غير على كسي نكرد خدمت أحمد***غمخور موسى نباشد الّا هارون

  • صورت انساني و صفات خدائي***سبحان الله ازين مركّب و معجون

  • كرد جهانى ز تيغ زنده به معنى***از دم تيغش اگر چه ريخت همى خون

  • ساحت جاهش به عقل پى نتوان برد***نتوان با موزه درگذشت ز جيحون 2

    1. « سفينة البحار» ج 2، ص 230.
    2. يقول الشاعر هنا:
      « لم يخدم رسول الله غير عليّ كما لم يشارك موسى في غمّة غير هارون.
      و عليّ في صورة إنسانيّة و صفاتٍ إلهيّة، فسبحان الله ما أورع هذا المزيج و المعجون.
      أنّ عليّاً في الحقيقة أحيا العالم بسيفه، و إن كان حدّ سيفه ما برح يقطر دماً.
      لا يمكن إدراك مقام عليّ بالعقل، إذ لا يمكن عبور نهر جيحون بحذاء صغير»[ يريد الشاعر هنا أنّه لا يمكن عبور نهر جيحون إلّا بسفينة أو زورق. و كذلك حقيقة عليّ فأنّ العقل قاصر عن إدراك كنهها. المترجم].

معرفة الإمام ج٤

75
  • سوى شريعتگراى و مهر على جوي***از بن دندان اگر نه قلبي و وارون 1

    1. « اتّجه نحو الشريعة أيها الإنسان ودع حبّ عليّ يملأ قلبك و ليكن ذلك من صميم القلب و أعماقه، إذا كنتَ سائراً على الصراط السويّ، معرضاً عن الاعوجاج».

معرفة الإمام ج٤

76
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الثَّانِي وَ الخَمْسُونَ وَ الثّالِثُ وَ الخَمْسُونَ: تفسير الآية: وَ يَقُولُ الَّذِين كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُل كَفَى بِاللّهِ شَهيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مِنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج٤

78
  •  

  •  

  • بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:  

  •  

  • وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.1

  • اتّفق علماء الشيعة على أنّ الذي عنده علم الكتاب في هذه الآية الكريمة هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم مكلّف من قبل الله تعالى أن يقول للذين امتنعوا عن قبول القرآن و الرسالة: أنّ أفضل شاهد بيني و بينكم على صدق دعواي و على أحقيّة القرآن هو الذات المقدّسة الربوبيّة، و أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام العالِم بكتاب الله، و المحيط بحقائقه و أسراره و الخبير بدقائقه و لطائفه و ظاهره و باطنه. و أجمعت الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام بلا أيّ خلاف في ذلك، أنّ الآية نزلت في عليّ عليه السلام. و وافقهم على ذلك جمع كثير من علماء العامّة، على الرغم من أنّ بعضهم قال بأنّ الذي عنده علم الكتاب، ذات الله نفسه، أو جبرئيل، أو

    1. الآية 43، من السورة 13: الرعد.

معرفة الإمام ج٤

79
  • علماء اليهود و النصارى العالمون بالتوراة و الإنجيل، أو في خصوص عبد الله بن سلام الذي كان قد أسلم.

  • الأقوال فى تعيين مصداق العالم بالكتاب

  • يقول أبو الفتوح الرازيّ: قال بعض المفسّرين: هو عبد الله بن سلام. و لكنّ أغلب المفسّرين من القدماء، و المحدّثين، و أهل الأخبار و الأسناد و الروايات من الموافقين و المخالفين ذهبوا إلى أنّ الذي عنده علم الكتاب، هو: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.1

  • و يقول الزمخشريّ: المراد هو الذي عنده علم القرآن، و ما ألف عليه من النظم المعجز الفائت لقوى البشر. ثمّ يبيّن سائر الاحتمالات و الأقوال بقوله: وَ «قِيلَ».2

  • نظرة إجمالية على سورة الرعد المباركة

  • و قبل أن نخوض في الروايات المأثورة عن العامّة و الخاصّة بشأن الآية، و كذلك قبل أن نتطرّق إلى الاجتماعات و الأقوال المطروحة حول الآية، لا بدّ لنا من جولة مجملة في أجواء السورة المباركة التي تضمّ هذه الآية، و هي سورة الرعد، كي يتحدّد موقع هذه الآية، و في هذه الجولة نفسها جواب تلقائيّ على بعض الاحتمالات أو الأقوال.

  • فقد نزلت هذه السورة لإثبات أحقيّة الكتاب الإلهيّ، و هو القرآن الكريم، حيال المنكرين الذين أنكروا القرآن بوصفه معجزة، و طلبوا من رسول الله معجزة اخرى محسوسة و مشهودة تنزل عليهم من السماء. و آيات هذه السورة من أوّلها حتى آخرها متّصلة و مترابطة فيما بينها كحبّات اللؤلؤ المنتظمة في خيط، إذ تؤلّف شكلًا خاصّاً و صورة جميلة أوّلها مرتبط بآخرها و آخرها ناظر و مرتبط بأوّلها. و الآية المشار إليها

    1. « تفسير أبي الفتوح» ج 6، ص 53( بالفارسيّة). و قد أوردنا ترجمة كلامه.( م)
    2. تفسير« الكشاف» ج 2، ص 536.

معرفة الإمام ج٤

80
  • واقعة في آخر السورة، و هي تتكفّل بالإجابة على جميع ما طرحه المشركون من مؤاخذات بحيث أنّنا لو رفعنا هذه الآية من السورة، فأنّ السورة تظلّ ناقصة كأنّها كأسٌ مثلوم، و تنحدر من ذروة عظمتها و رفعتها.

  • تبدأ الآية الاولى من السورة بهذا الخطاب: المر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ،

  • و تنتقل بعد ذلك إلى ذكر الله الذي رفع السماوات بغير عمد مرئيّة و استوى على العرش، و سخّر الشمس و القمر كلٌّ يجري لأجلٍ مسمّى و الذي مدّ الأرض، و جعل فيها رواسي و أنهاراً، و جعل فيها من كلّ الثمرات، و قسّم الأرض قطعاً متجاورات، و خلق فيها جنّات من أعناب و نخيل و زرع، تسقى بماء واحد. و هو الذي يحيى الموتى. و عجب قول المنكرين:

  • أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إلى أن تصل إلى الآية السابعة: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ (تنذر الناس من الشرك و الكفر و من العواقب الوخيمة للمعاصي و الذنوب). وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

  • و يلاحظ هنا أنّ الكفّار لا يقرّون بالقرآن الكريم بوصفه معجزة و قد نزل بالحقّ، و هو معجزة حقّاً، فكانوا يبحثون عن معجزة اخرى من الامور الخارقة للعادة. و يجيبهم النبيّ الكريم بقوله: أنّ الإتيان بمعجزات اخرى خارقة للعادة كما تشتهون (و كما تريدون أن تلزموني بها من قبيل: تبديل الجبل ذهباً، أو إجراء نهر من الذهب المذاب، أو تبديل هذا البستان بستاناً من الجواهر و اللآلئ، أو إحياء الموتى، أو نزول مَلَك من السماء ترونه، أو نزول كتاب سماويّ تلمسونه بأيدكم، كلّ هذه الأشياء التي تطلبونها مضافاً

معرفة الإمام ج٤

81
  • إلى أنّها غير صحيحة، فهي تستلزم التجسيم، و حلول الذات الإلهيّة في مكان معيّن. أنّ هذا اللون من المعجزات المتوالية لا يصبّ في مصلحة الإنسان. هذا مع أنّ معجزات قد صدرت عن جميع الأنبياء، بَيدَ أنّها لم تكن بشكل تتعطّل فيه السنن الكونيّة دائماً، و لم تكن بحيث يشغل الأنبياء أفكارهم تبعاً لآراء الناس و أفكارهم، فيأتون لهم بمعجزة متى شاءوا) و قد جئتكم نذيراً لكم من الشرك و الكفر و الأعمال القبيحة، و هذه هي رسالتي و مهمتى.

  • و لا بدّ للنبيّ هنا أن يقول لهم بأنّ معجزته الأبديّة العلميّة التي لا سبيل إلى إنكارها هي القرآن الذي يدعو الناس من منظار العقل و العلم و يتحدّاهم به، و يطلب من الجنّ و الإنس صراحة أن يجتمعوا متظاهرين للإتيان بمثله، و يدعو الناس جميعهم إلى معارضته و لو بعشر سور أو بسورة واحدة. مضافاً إلى ذلك فأنّ الآيات نفسها معجزة باسلوبها العجيب و منطقها السليم المشتمل على الحقائق و اللطائف و القوانين الإنسانيّة الفطريّة التي تريد مصلحة البشرية. و هي معجزة بندائها العالى إلى العدل و التقوى و عمل الخير و الدعوة إلى الإيثار و الإنفاق و غيرهما ... كلّها معجزة بنظهما الرائع و تلاحمها كحلقات السلسلة بعضها مع بعض. و إنّ ربه هو الذي أرسل هذه الآيات. و أعلن فيها عن رسالته، و أشهد عليها و صرّح بها بوصفها معجزة عقليّة و معنويّة في أعلى درجات الإعجاز ... بَيدَ أنّ رسول الله لم يجب الكفّار بهذا، و تركه لفرصة اخرى، ثمّ ينشغل مرّة اخرى بوصف الله، فأنّه يعلم ما تحمل كلّ انثى، و يعلم الغيب و الشهود و يعلم من أسرّ القول و من جهر به بنحو سويّ و أنّه هو الذي خلق البرق في السماء و أنشأ السحاب الثقال، و أنّه هو الذي يسبّح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته. ثمّ يبيّن بعد ذلك أنّ لله دعوة الحقّ، و أنّ السعادة نصيب الذين يستجيبون لها، و أنّ مَن1

  • معرفة الإمام ؛ ج4 ؛ ص81

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج٤

82
  • في السماوات و الأرض يسجدون لله و أنّ المشركين الذين هم من خلقه و جعلوا له شركاء في ضلال، و هكذا يواصل كلامه حتى يصل إلى الآية التاسعة عشرة: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.

  • و هذه الآية، في الوقت الذي ترمي إلى دحض كلام المشركين و الكفّار، فأنّها ناظرة إلى الآية الاولى في السورة، و قد وردت للتأكيد على أحقيّة الكتاب، و جاءت لتحكم على جميع الآيات الواقعة بينهما المبيّنة عظمة الله و قدرته، بل و المبيّنة قرآنه نفسه، و هي حقّ لا ريب فيه، و أنّ المنكر لها أعمى. ثمّ وصفت اولي الألباب الذين استجابوا للقرآن. فقالت بأنّهم يوفون بعهد الله، و لا ينقضون الميثاق، و يصلون ما أمر الله به أن يوصل، و يخشون ربهم، و يخافون سوء الحساب، و يقيمون الصلاة و ينفقون أموالهم سرّاً و علانية، و هكذا تستمر على هذا النسق حتى تبدأ الآية السابعة و العشرون: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ.

  • و تبيّن الآية هنا للمرّة الثانيّة اعتراض الكفّار بسبب عدم نزول معجزة خارقة للعادة من ربّه، و تشعر أنّهم ثابتون على كلامهم، و أنّهم لا يعتبرون القرآن معجزة، و يتلمّسون معجزة اخرى. و نجد النبيّ هنا أيضاً لا يتحدّاهم في جوابه بالقرآن الذي هو أعلى المعجزات و أكبرها، و يُرجى ذلك مع شهادة الله على رسالته لفرصة اخرى. و يقول فقط: أنّ الهداية و الضلالة بيد الله، فمن سلّم لله و رجع إليه قاشعاً غمائم الجهل عن عقله و قلبه فسيهديه الله، و من لم يكن كذلك و سار في طريق الضلال، فسيضلّه الله. و بعد ذلك تبدأ الآيات بوصف العباد الذين يرجعون إلى ربّهم، و يسيرون على طريق الحقّ و هم الذين: تطمئنّ قلوبهم بذكر الله.

معرفة الإمام ج٤

83
  • أمّا الذين لم تستسلم قلوبهم لله، فلا جدوى لهم في المعجزة أيضاً، فما لم ينقاد القلب للحقّ، فأنّه يؤوّل جميع المعجزات و يفسّرها على أنّها سحر و كذب. يقول تعالى في الآية الحادية و الثلاثين: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ.

  • تبيّن هذه الآيات بشكل واضح أنّ عدم قبول القرآن نابع عن عدم تطويع القلب لقبول الحقّ و الانقياد للواقع، و إن لم يؤمنوا بهذا القرآن الذي هو أعظم و أرقى معجزة، فبأيّ معجزة اخرى يؤمنون؟ بعد ذلك تنتقل السورة فتقدّم لنا شرحاً عن الامم الماضية التي لم تؤمن بأنبيائها من وحي العناد و الغطرسة. و تتحدّث عن المؤمنين الذين يدخلون الجنّة بسبب إذعانهم للحقّ، و تتطرّق إلى الأنبياء الذين جاءوا بالمعجزة، و الامم التي تعاملت معهم من منطلق المكر و الخديعة، و تستمرّ السورة حتى تصل إلى آخر آية فيها، و هي قوله تعالى: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

  • يلاحظ هنا أنّ الكفّار لمّا أنكروا القرآن، و هو أعظم معجزة، و طلبوا من النبيّ معجزات اخرى فلم يستجب لهم، أنكروا أصل النبوّة نهائيّاً و كانوا حتى تلك اللحظة لم ينكروها بل كانوا وراء معجزات اخرى، و لمّا خاب أملهم من تلك المعجزة، أنكروا النبوّة إنكاراً تامّاً. أمّا النبيّ فأنّ جوابه المتكرّر الذي ينبغي الإتيان به في تينك المرحلتين حول أحقيّة القرآن و إعجازه، و الإتيان بشاهد على رسالته، فقد جاء هنا فقال: أيّها الكفّار، نزل عَلَيّ هذا القرآن و هو أعظم معجزة، و قد شهد الله فيه على

معرفة الإمام ج٤

84
  • رسالتي، و شهد الذي عنده علم القرآن على نبوّتي.

  • في ضوء ذلك فأنّ شهادة الله لا تمثّل إرجاعاً إلى الغيب و إلى أمر مجهول، و هي ليست دعوى بدون برهان، لأنّ شهادة الله في القرآن و شهادة العالم بالكتاب أمر مشهود و معلوم، و هي واضحة عند الكفّار؛ و الدليل على صحّة هذه الدعوى هو إعجاز القرآن، و هو ضروريّ. لذلك فأنّ هذه الآية المباركة ناظرة إلى السورة كلّها و فيها جواب على جميع اعتراضات المشركين و الكافرين، و هي ناظرة إلى الآية الاولى، و الآية التاسعة عشرة التي تثبت أحقيّة الكتاب، و ينتظم صدرها و وسطها و ذيلها بعضه مع بعض مع حُسن الافتتاح و حُسن الاختتام، بحيث لو رفعنا هذه الآية من السورة، فكأنّما هناك نقص فيها.

  • المعنى و المراد من شهادة الله على رسالة النبىّ صلّى الله عليه و سلّم

  • و الآن إذ فرغنا من الحديث عن السورة من خلال النظرة الإجماليّة التي ألقيناها عليها، نأتى إلى تفسير الآية المشار إليها: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

  • فالقصد من شهادة الله على رسالة رسول الله هو أداء الشهادة، كما جاء في قوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. و كما ورد في بقيّة الآيات: يا أيها الرسول و يا أيها النبي، أو سائر العناوين الاخرى نحو: محمد رسول الله. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِ. و أطيعوا الله و رسوله: و ما محمد إلا رسول. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ. و مثل هذه الآيات الكثيرة في القرآن. و أداء الشهادة يتحقّق بهذه الآيات في القرآن.

  • يقول الفخر الرازيّ: المراد من تلك الشهادة هو أنّه تعالى أظهر المعجزات الدالّة على كونه صادقاً في ادّعاء الرسالة. [و هذه المرتبة شهادة

معرفة الإمام ج٤

85
  • فعليّة لا قوليّة] و هذا أعلى مراتب الشهادة1. لكنّ هذه الكلام غير صحيح لأنّ النبيّ لم يقم بالمعجزات و خوارق العادات التي طلبها الكفّار منه. فلا يبقى إلّا القرآن و حسب. و ما هي الضرورة أن نعتبر نزول القرآن نفسه في هذه الحالة هو شهادة الله من الناحية العمليّة، بل إنّ الشهادة التي معنى حقيقتها الشهادة القوليّة كثيرة في القرآن فيما يخصّ رسالة الرسول الأكرم.2 مضافاً إلى ذلك فأنّ كلام الفخر الرازيّ القائل بأنّ الشهادة الفعليّة أعلى و أقوى من الشهادة القوليّة كلام عار عن الحقيقة.

  • و أمّا ما قاله البعض من أنّ المقصود هنا هو تحمّل الشهادة من قبل الله لا أداؤها.

  • فهذا احتمال خطأ بعيد عن الصواب أيضاً، فما ذا يجني الكفّار من تحمّل شهادة الله الذي لا يرى، و ما ذا استثمر لهم هذه الشهادة؟ و كيف ستؤتي هذه الشهادة اكلها لهم؟ و في مثل هذه الحالة يكون الأمر إرجاعاً و إحالة إلى الغيب، فيسقط الكلام من درجة إعتباره و شأنه لأنّه سوف لن يبقى طريق لإثباته عند الكفّار المنكرين.

  • الأقوال المتنوعة حول الآية «وَ مَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ» و تفنيدها

  • و أمّا القصد من الذي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. فقد قال البعض أنّه هو الله نفسه، و نسب الفخر الرازيّ هذا القول إلى الحسن [البصريّ]، و سعيد بن جبير، و الزجّاج.3

    1. « تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 69.
    2. هذا الكلام صحيح، و لكن ينبغي أن نقول في مقابل الكفّار الذين لا يذعنون لأحقيّة الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم في القرآن أنّه لمّا كان القرآن معجزة، و أنّ الله أجرى إعجازه على يد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم فقد صدّقه. و هذا الإجراء على يد النبيّ هو شهادة الله. و يمكن حينئذٍ أن نحمل كلام الفخر الرازيّ على الصحّة.
    3. « تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 70؛ و نسب تفسير« مجمع البيان» في ج 3 ص 301 هذا القول إلى الحسن، و الضحّاك، و سعيد بن جبير و قال: هو ما اختاره الزجّاج. و الشاهد على هذا قراءة من تلا الآية هكذا: وَ مِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتابِ أوْ وَ مِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ. و قال في تفسير« الكشّاف» ج 2، ص 536: قراءة من قرأ مِنْ بالكسرة يقوّى قول الحسن. أي: مِنْ لَدُنْهُ عِلْمُ الْكِتَابِ. أوْ عُلِمَ فعل مبني للمفعول، أيّ مِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ.

معرفة الإمام ج٤

86
  • و نقل الزمخشريّ،1 و الفخر الرازيّ2 عن الحسن البصريّ أنّه قال: لَا وَ اللهِ مَا يَعْني إلّا اللهَ. و قال السيوطيّ: أخرج ابن جرير و ابن مُنذر، و ابن حاتم عن مجاهد أنّه قال: هو الله3 عزّ و جلّ.

  • و هذا الاحتمال غير صحيح، لأنّه أوّلًا: خلاف ظاهر العطف الذي يدلّ على المغايرة. و ثانياً: فيه عطف الصفة على الذات، و هو فاسد. و كما قال الفخر الرازيّ: لا يصحّ أن نقول: شَهِدَ بِهَذَا زَيْدٌ وَ الْفَقِيهُ. و نحن نريد من الفقيه زيداً نفسه، بل نقول: شهد بهذا زيد الفقيه.4

  • و صرّح العلّامة الطباطبائيّ بهذا المعنى فقال: لذلك ترى الزمخشريّ أوّل كلام الحسن البصريّ و بدّل الجملة الأولى بجملة وصفيّة فقال: «كفى بِالذي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَ بِالذي يَعْلَمُ عِلْمَ مَا في اللّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلّا هُوَ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ».5 فبدّل لفظ الجلالة «الله» الذي يدلّ على الذات بلفظ الذي يسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ و هو جملة و صفيّة.6

  • و من الطبيعيّ أنّ الزمخشريّ هو صاحب هذا التوجيه و ذلك لكي

    1. تفسير« الكشّاف» ج 2، ص 536.
    2. نفس الهامش رقم 3 من الصفحة الماضية.
    3. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.
    4. انظر: الهامش رقم 3 من الصفحة الماضية.
    5. تفسير« الكشّاف» ج 2، ص 536.
    6. تفسير« الميزان» ج 11، ص 424.

معرفة الإمام ج٤

87
  • يبرّر رداءة هذا الكلام و يلتمس وجهاً لتفسير الحسن البصريّ. لكن ينبغي أن نعلم بأنّ تبديل اللفظ بلفظ آخر له معنى صحيح لا يوجب صحّة اللفظ الأوّل، و لمّا كان اللفظ الأوّل الدالّ على الذات وارداً في القرآن المجيد فأنّ عطف الصفة عليه قبيح. مضافاً إلى ذلك، ما قلناه سابقاً من أنّ المقصود بشهادة الله على رسالة النبيّ، الآيات القرآنيّة الواردة التي تصدّق رسالته، في مثل هذه الحالة فأنّ من المناسب أن تنسب تلك الآيات إلى الذات المقدّسة الجامعة لصفات الكمال كلّها، لا بالمعنى الوصفيّ، لأنّ شهادة الذات الإلهيّة أكبر من جميع الشهادات الاخرى. قال سبحانه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ.1 و ما قاله الزجّاج من أنّه لا يصحّ أن يستشهد الله بغيره في صدق حكمه، لا يتمّ لأنّه كما قال الفخر الرازيّ: كيف يجوز أن يقسم الله بالتين و الزيتون لإثبات صدق كلامه و لا يجوز أن يستشهد بالذي عنده علم الكتاب؟!2

  • الاحتمال الثاني هو أنّ المراد من الكتاب التوراة و الإنجيل، و المراد من الذي عنده علم الكتاب هم علماء اليهود و النصارى، و على هذا الأساس يقول السيوطيّ: روى ابن جرير عن طريق العوفيّ، عن ابن عبّاس أنّه سُئل: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ؟ قالَ: هُمْ أهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَ النّصَارى.3

  • و ذلك لأنّ اليهود و النصارى قرأوا في التوراة و الإنجيل علائم النبيّ الذي يأتى في آخر الزمان، و عندهم بما بشّر به الأنبياء.

  • و هذا الاحتمال غير صحيح أيضاً لأنّ الآية المباركة ذكرت شهادة

    1. تفسير« الميزان» ج 11، ص 424؛ و الآية 19، من السورة 6: الأنعام.
    2. « تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 70.
    3. تفسير« الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.

معرفة الإمام ج٤

88
  • العالم بالكتاب لا مجرّد العلم. و هذه السورة- كما ذكروا- نزلت على النبيّ في مكّة، و لم يؤمن أحد من علماء اليهود و النصارى يومئذٍ، و لم يشهد برسالته. و كان كفاح النبيّ و دعوته في مكّة مع مشركي قريش فقط، و في هذه الحالة، فلا معنى لأن يحتجّ رسول الله في رسالته بشهادة شخص لم يشهد للرسالة بشيء.

  • و قال البعض أنّ المراد بالشهادة هنا تحمّل الشهادة لا أداؤها، و تحمّل الشهادة لا يستلزم أن يكون الشاهد مؤمناً عند الشهادة، أي عند تحمّلها. لذلك فأنّ المراد بمن عنده علم الكتاب هم علماء اليهود و النصارى الذين تحمّلوا هذه الشهادة وفقاً للتوراة و الإنجيل و إن لم يؤمنوا حين نزول الآية.1

  • و هذه الاحتمال غير صائب أيضاً، لأنّ مرجع احتجاج النبيّ على مشركي قريش في هذه الحالة هو علم علماء أهل الكتاب، و إن لم يؤمنوا حينئذٍ و لم يعترفوا برسالته، فكيف تصحّ شهادة من لا يؤمن بالرسالة و لا يعترف بها! و لو كان هذا المعنى مقبولًا، لاحتجّ النبيّ بعلم المشركين أنفسهم، لأنّ إعجاز القرآن كان ثابتاً عندهم و الحجّة كانت تامّة عليهم، إذاً كان لا بدّ له أن يستشهدهم على رسالته، فلما ذا عدل إلى تحمّل شهادة أهل الكتاب؟ هذا مع أنّ المشركين كانوا شركاء أهل الكتاب في الكفر و إنكار الرسالة. مضافاً إلى ذلك، فأنّنا قلنا سابقاً أنّ المراد من الشهادة أداؤها لا تحمّلها، لأنّ تحمّلها في الله عزّ و جلّ لم يكن ليقطع عند المشركين، و تكون فيه إحالة على الغيب.

  • الاحتمال الثالث هو أنّ المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، و العالم به: جبرئيل. يقول السيوطيّ: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنّه قال

    1. تفسير« الميزان» ج 11، ص 425.

معرفة الإمام ج٤

89
  • في تفسير هذه الآية: مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ جِبْرِيلُ.1

  • و هذا الاحتمال غير صحيح أيضاً، لأنّ المشركين لا يقرّون بجبرئيل و ما فائدة شهادة لهم و هي لا تمثّل إلّا وعداً بالغيب و فراراً من الاحتجاج في قاموسهم؟ و في هذه الحالة، لو استشهد النبيّ على رسالته بجميع ملائكة الله غير جبرئيل، مثل: ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل، و بقيّة ملائكة الملأ الأعلى، لم يكن المشركين فيه فائدة؟ و لا قطعاً للعذر.

  • الاحتمال الرابع هو أنّ المراد من أهل الكتاب القوم الذين آمنوا و شهدوا برسالة النبيّ من علماء اليهود و النصارى كعبد الله بن سلام و سلمان الفارسيّ، و الجارود، و تميم الداريّ.2

  • و يقول السيوطيّ: أخرج عبد الرزّاق، و ابن جرير، و ابن منذر و ابن أبي حاتم عن قتادة أنّه قال: كَانَ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ وَ يَعْرِفُونَهُ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَ الْجَارُودُ، وَ تَميمُ الداريّ، وَ سَلْمَانُ الْفَارسِيّ.3

  • و هذا باطل أيضاً لأنّ هؤلاء جميعهم أسلموا في المدينة و الآية المباركة، قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ نزلت في مكّة. و لا معنى لاجتماع رسول الله على مشركي قريش في مكّة، مستشهداً على رسالته أشخاصاً سوف يسلمون في المدينة.

  • و قال بعضهم: بأنّ كَون الآية مكّيّة لا ينأى أن يكون الكلام إخباراً

    1. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.
    2. « الميزان» ج 11، ص 424؛ و« تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 69؛ و« مجمع البيان» ج 3، ص 301؛ و« الكشّاف» ج 2، ص 536؛ و« تفسير أبي السعود» ج 3، ص 235.
    3. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.

معرفة الإمام ج٤

90
  • عمّا سيُشهد به و فيه أنّ ذلك يوجب رداءة الحجّة و سقوطها. فأيّ معنى لأن يحتجّ على قوم يقولون: لَسْتَ مُرْسَلًا. فيقال: صدّقوا به اليوم لأنّ بعض علماء أهل الكتاب سوف يشهدون به.1 و هذا ضعيف و واهٍ للغاية.

  • الاحتمال الخامس: أنّ الذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام تخصيصاً، و هو من علماء اليهود و أسلم في المدينة عند هجرة النبيّ إليها. يقول السيوطيّ: أخرج ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن منذر عن مجاهد أنّه كان يقرأ: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»، قالَ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ.2

  • و للقائلين بأنّه عبد الله بن سلام جهد بليغ في الدفاع عنه، بَيَد أنّ هذا القول باطل أيضاً، لأنّه كما قلنا في ردّ الاحتمال الرابع، فأنّ سورة الرعد مكّيّة، و عبد الله بن سلام أسلم في المدينة، فالاستشهاد به أمام مشركي مكّة إسقاط للحجّة و فرار من ميدان الاحتجاج، و حاشا لله و لرسوله. قال البعض: أنّ مكّيّة السورة لا تنأى كَون بعض آياتها مدنيّة. و يمكن أن تكون جميع آياتها مكّيّة إلّا هذه الآية فأنّها نزلت في المدينة في عبد الله بن سلام.

  • و الجواب هو أنّ مجرّد الاحتمال لا يثبت مدنيّة آية في سورة مكّيّة ما لم يكن هناك نقل صحيح قابل للتعويل عليه. و هنا مضافاً إلى عدم وجود مثل هذا النقل، فأنّ الجمهور نصّوا على أنّ هذه الآية مكّيّة كما نقل عن البحر [المحيط للأندلسيّ].3

    1. تفسير« الميزان» ج 11، ص 425.
    2. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69، و« ينابيع المودّة» ص 104، باب 30.
    3. تفسير« الميزان» ج 11، ص 425.

معرفة الإمام ج٤

91
  • يقول السيوطيّ: أخرج سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن منذر و ابن أبي حاتم، و النحّاس في كتاب «الناسخ» عن سعيد بن جبير أنّه سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» أ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؟ قَالَ: وَ كَيْفَ وَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيّةٌ؟!1

  • و يقول ابن عبد البرّ في ترجمة عبد الله بن سلام: وَ قَدْ قِيلَ في قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَ أنْكَرَ ذَلِكَ عِكْرَمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ قَالا: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ السُّورَةُ مَكِّيّةٌ وَ إسْلَامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ كَانَ بَعْدُ.2

  • و يقول السيوطيّ: أخرج ابن منذر عن الشعبيّ أنّه قال: مَا نَزَلَ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ شَيءٌ مِنَ الْقُرآنِ.3

  • و يقول أيضاً: أخرج عبد الرزّاق، و ابن منذر عن الزهريّ أنّه قال: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ شَديداً على رَسُولِ اللهَ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم فَانْطَلَقَ يَوْماً حتى دَنا مِنْ رَسُولِ اللهَ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم وَ هُوَ يُصَلِّي فَسَمِعَهُ وَ هُوَ يَقْرَا: «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (وَ حملوا نبوّتك على العلوم المكتسبة و الحصوليّة). حتى بَلَغَ- الظَّالِمُونَ» وَ سَمِعَهُ وَ هُوَ يَقْرَا: «وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا إلى قَوْلِهِ- عِلْمُ الْكِتابِ»، فَانْتَظَرَهُ حتى سَلَّمَ فَأسْرَعَ في أثَرِهِ فَأسْلَمَ.4

    1. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69، و« ينابيع المودّة» ص 104، باب 30.
    2. « الاستيعاب» ج 3، ص 922.
    3. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.
    4. نفس المصدر.

معرفة الإمام ج٤

92
  • و الجميع يعلم أنّ إسلام عمر كان في السنة السادسة من البعثة في مكّة، و هذا دليل على أنّ الآية كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً نزلت في مكّة لا في المدينة، و لا علاقة لها بعبد الله بن سلام. فاتّضح من جميع ما قلناه مفصّلًا أنّ آيات سورة الرعد كلّها كسلسلة متّصلة الحلقات، و هذه الآية ناظرة إلى الآية الاولى و الآية التاسعة عشرة، و جواب المشركين في الآية السابعة و الآية السابعة و العشرين بحيث أنّ ثمرة السورة تقتطف بهذه الآية. و كم هو سقيم و ليس في محلّه أن نقول بأنّ السورة تنزل في مكّة، و أنّ هذه الآية التي هي ثمرة السورة و اختتامها تتأخّر عنها إلى أجل غير مسمّى، ثمّ تنزل في المدينة بعد سنين من نزول السورة في مكّة! و العجيب أنّ البعض من أمثال أبي السُّعود.1 و ابن تيميّة،2 يدّعي أنّ الآية مدنيّة بالاتّفاق.

  • الاحتمال السادس يقول أنّ المراد بالكتاب هو القرآن المجيد و المراد بالعالِم به هو العالِم بالقرآن، و هذا هو قول الأصمّ.3 و المعنى أنّ من تحمّل معاني هذا القرآن، و اختصّ بعلمه شاهد على أنّ القرآن من الله و أنّي رسول الله. و في هذه الحالة يصبح آخر السورة ناظراً إلى أوّلها، و هو قوله: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ. و كذلك فأنّه يؤكّد الآية الواقعة في وسطها، و هي قوله: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى. و هذه الشهادة من العالِم بالقرآن المجيد حيال المشركين هي- في الحقيقة- تأييد من الله لأحقّيّة الكتاب و الرسالة في مقابل المشركين الذين قالوا مرّتين: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ. و قالوا

    1. « تفسير أبي السعود» ج 3، ص 235.
    2. تفسير« الميزان» ج 11، ص 425.
    3. « تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 70.

معرفة الإمام ج٤

93
  • هنا: لَسْتَ مُرْسَلًا.

  • و لقد ذكر الجواب هنا على أقوال الجميع، بأنّ الله ربّي شهيد على رسالتي في هذا القرآن المعجز، و أنّ العالِم بالقرآن المعجزة شهيد عليها أيضاً. و هذا أفضل شاهد على مكّيّة الآية، و هو يؤيّد و يؤكّد مضمون الروايات الجمّة المأثورة عن الشيعة و السنّة في هذا المجال، و التي تنصّ على أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و بعده أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

  • الروايات الواردة فى المقصود ب- «وَ مَن عِندَهُ عِلمُ الكتابِ»

  • المقصود ب- «مَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ» هو أمير المؤمنين عليه السّلام

  • فعن طريق العامّة رواه الثعلبيّ بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة،1 و أبو نعيم الإصفهانيّ بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة.2 و عن طريق الخاصّة، رواه الصفّار في «بصائر الدرجات» بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ،3 عن الإمام الباقر عليه السلام، و كذلك رواه الصفّار بإسناده عن الفضيل بن يسار، عن الإمام الباقر عليه السلام.4 و رواه العيّاشيّ أيضاً في تفسيره عن الفضيل بن يسار، عن الإمام الباقر عليه السلام،5 أنّه قال: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ، و يضيف في الروايتين الأخيرتين: وَ أنّهُ عَالِمُ هَذِهِ الامةِ بَعْدَ الْنَّبِيّ. فهذه الروايات الخمس كلّها تبيّن أنّ الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب. و في الروايتين الأخيرتين إضافة، و هي: أنّ عليّ بن أبي طالب عالم

    1. « غاية المرام» ص 357، الحديث الثاني؛ و« ينابيع المودّة» ص 102، باب 30؛ و« شواهد التنزيل» ص 308.
    2. « غاية المرام» ص 357، الحديث الخامس؛ و« تفسير أبي الفتوح» ج 6، ص 504؛ و« ينابيع المودّة» ص 102، باب 30.
    3. « غاية المرام» ص 358، الحديث السادس؛ و« الميزان» ج 11، ص 427.
    4. « غاية المرام» ص 358، الحديث التاسع.
    5. « غاية المرام» ص 358، الحديث السادس مكرّر؛ و« ينابيع المودّة» ص 102؛ باب 30.

معرفة الإمام ج٤

94
  • هذه الامّة بعد النبيّ.

  • و روى الصّفار أيضاً بإسناده عن جابر، و بُرَيد بن معاوية، و الفضيل بن يسار عن الإمام الباقر عليه السلام. و كذلك روى بإسناده عن عبد الله بن بُكير، و عبد الله بن كُثير الهاشميّ عن الإمام الصادق عليه السلام. و روى أيضاً بإسناده عن سلمان الفارسيّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الآية نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.1

  • و روى القندوزيّ الحنفيّ عن الثعلبيّ و إبن المغازليّ بإسنادهما عن عبد الله بن عطا أنّه قال: كُنْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الْمَسْجِدِ فَرَأيْتُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، فَقُلْتُ: هَذَا ابْنُ الذي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: أنّمَا ذَلِكَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.2

  • و روى الحاكم الحسكانيّ بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم عَنْ قَوْلِ الله تعالى: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. قالَ: ذَاكَ أخِي عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.3

  • و روى أيضاً بإسناده عن أبي صالح قوله عزّ و جلّ: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُريْشٍ: هُوَ عَلِيّ وَ لَكِنَّا لَا نُسَمّيهِ.4

  • و روي أيضاً عن أبي صالح نفسه في قوله تعالى: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. قَالَ: عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ، كَانَ عَالِماً بِالتَّفسيرِ وَ التَّأوِيلِ وَ النَّاسِخِ

    1. تفسير« الميزان» ج 11، ص 427.
    2. « ينابيع المودّة» ص 102، باب 30؛ و« غاية المرام» ص 357 الحديث الأوّل؛ و« شواهد التنزيل» للحسكانيّ ص 308؛ و« تفسير أبي الفتوح» ج 6، ص 504؛ و تفسير« الميزان» ج 11، ص 427.
    3. « شواهد التنزيل» ص 307.
    4. « شواهد التنزيل» ص 310.

معرفة الإمام ج٤

95
  • وَ المَنْسُوخِ وَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ.1 و روى القندوزيّ الحنفيّ مثلها أيضاً عن ابن عبّاس.2

  • و روى ابن شهرآشوب عن طريق الخاصّة و العامّة، عن محمّد بن مسلم و أبي حمزة الثماليّ، و جابر بن يزيد، عن الإمام الباقر عليه السلام و عن عليّ بن فضّال، و الفضيل بن يسار، و أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام، و عن أحمد بن محمّد الحلبيّ، و محمّد بن فضيل، عن الإمام الرضا عليه السلام، و كذلك عن موسى بن جعفر، و زيد بن عليّ و محمّد بن الحنفيّة، و سلمان الفارسيّ، و أبي سعيد الخدريّ، و إسماعيل السدّيّ أنّهم قالوا في قوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ، هُوَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.3

  • و روى ابن شهرآشوب أيضاً عن الثعلبيّ في تفسيره بسنده عن عبد الله بن عطا قال كنت مع محمّد الباقر في المسجد فرأيت ابن عبد الله ابن سلام فقلت: هذا ابن الذي عنده علم الكتاب قال: أنّما ذلك عليّ ابن أبي طالب. و روى أنّه «سُئل سعيد بن جبير: و من عنده علم الكتاب، عبد الله بن سلام؟ قال: لا، و كيف و هذه السورة مكّيّة. و عن ابن عبّاس قال: من عنده علم الكتاب أنّما هو عليّ. لقد كان عالماً بالتفسير و التأويل و الناسخ و المنسوخ. و روي عن ابن الحنفيّة قوله: عند أبي أمير المؤمنين على صلوات الله عليه علم الكتاب الأوّل و الآخر. رواه النطنزيّ في «الخصائص» عن طريق العامّة ما رواه الثعلبيّ بطريقين في معنى: و من عنده

    1. « شواهد التنزيل» ص 310.
    2. « ينابيع المودّة» باب 30، ص 104.
    3. « غاية المرام» ص 357، الحديث الثالث؛ و نقله صاحب« ينابيع المودّة» باب 30 ص 103 عن« مناقب» ابن شهرآشوب؛ و تفسير« البرهان».

معرفة الإمام ج٤

96
  • علم الكتاب.1

  • و قال الشيخ عليّ بن يونس النباطيّ العامّيّ في كتاب «الصراط المستقيم»: قال في تفسير الثعلبيّ عن ابن عطا: قال: رأيتُ ابن عبد الله ابن سلام، فقلتُ: هذا الذي عند أبيه علم الكتاب؟ قال: أنّما ذلك عند عليّ بن أبي طالب عليه السلام و نحوه روى أبو نعيم الإصفهانيّ عن محمّد بن الحنفيّة بطريقين. ثمّ قال الثعلبيّ: و الرواية منسوبة إلى ابن عمر، إلى جابر، إلى أبي هريرة، إلى عائشة.2 و روى الفقيه ابن المغازليّ الشافعيّ بإسناده عن عليّ بن حابس، قال: دخلت أنا و أبو مريم على عبد الله بن عطا قال أبو مريم (لابن عطا): حدّث عليّاً (بن حابس) الحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام. قال (ابن عطا): كنت عند أبي جعفر (الباقر) عليه السلام جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام. قلتُ: جُعلت فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، و لكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب، الذي نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ عزّ و جلّ: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا.3

  • و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن بُرَيد بن معاوية،4

    1. « غاية المرام» ص 257 ذيل الحديث الثالث؛ و« ينابيع المودّة» باب 30، ص 103.
    2. « غاية المرام» ص 357، الحديث السادس.
    3. « غاية المرام» ص 357. الحديث الرابع.
    4. « غاية المرام» ص 357، الحديث الأوّل؛ و« الميزان» ج 11، ص 427.

معرفة الإمام ج٤

97
  • و كذلك روى العيّاشيّ في تفسيره عنه،1 و روى الصفّار في «بصائر الدرجات» بسنده عنه أيضاً،2 قال: قُلْتُ لأبي جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. قَالَ: إيّانَا عَني، وَ عَلِيّ أفْضَلُنَا وَ أوَّلُنَا وَ خَيْرُنَا بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ.

  • و روى الشيخ الصدوق بإسناده المتّصل عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ عَنْ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ثَناؤُهُ: قَالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ. قَالَ: ذَاكَ وَصِيّ أخِي سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. فَقُلتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَولُ اللهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟

  • قالَ: ذَاكَ أخِي عَليّ بْنُ أبي طَالِبٍ.3

  • علم أمير المؤمنين و الأئمة عليهم السّلام بجميع الكتاب

  • و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بإسناده عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير أنّه قال: كُنْتُ أنَا وَ أبُو بَصيرٍ وَ يحيى الْبَزّازُ وَ دَاوُدُ بْنُ كُثَيْرٍ في مَجْلِسِ أبي عَبْدِ الله عَلَيهِ السَّلَامُ إذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وَ هُوَ مُغْضِبٌ، فَلَمّا أخَذَ مَجْلِسَهُ قَالَ: يَا عَجَبَاً لأقْوَامٍ يَزْعَمُونَ أنّا نَعْلَمُ الْغَيْبَ، لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ

    1. « غاية المرام» ص 358، الحديث الثالث عشر؛ و تفسير« مجمع البيان» ج 3، ص 301.
    2. « غاية المرام» ص 358، الحديث الثامن؛ و« ينابيع المودّة» باب 30، ص 103؛ و ذكره في« مجمع البيان» ج 3، ص 301.
    3. « غاية المرام» ص 358 الحديث الثاني عشر؛ و« ينابيع المودّة» باب 30، ص 103 مرفوعاً.

معرفة الإمام ج٤

98
  • إلّا اللهُ عزّ وَ جَلَّ. لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَربِ جَارِيَتي فَهَرَبَتْ مِنِّي، فَمَا عَلِمْتُ في أيّ بُيُوتِ الدَّارِ هِيَ. قَالَ سديرٌ، فَلَمّا أنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ صَارَ في مَنْزِلِهِ، دَخَلْتُ أنَا وَ أبُو بَصِيرٌ وَ مُيَسِّرٌ وَ قُلْنَا: جَعَلَنَا اللهُ فِدَاكَ، سَمِعْنَا وَ أنْتَ تَقُولُ كَذَا وَ كَذَا في أمْرِ جَاريَتِكَ وَ نَحْنُ نَعْلَمُ أنّكَ تَعْلَمُ عِلْماً كَثِيراً وَ لَا نَنْسِبُكَ إلى عِلْمِ الْغَيْبِ! قَالَ: فَقَالَ: يَا سَدِيرُ أ مَا تَقْرَا الْقُرآنَ؟ قُلْتُ: بلى. قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأتَ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: قَالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ1 أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَّرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ قَرَأتُهُ. قَالَ: فَهَلْ عَرَفْتَ الرَّجُلَ وَ هَلْ عَلِمْتَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أخْبِرنِي بِهِ. قَالَ: قَدْرُ قَطرَةٍ مِنْ مَاءٍ الْبَحْرِ الأخْضَرِ، فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ: مَا أقَلَّ هَذَا! فَقَالَ: يَا سَديرُ، مَا أكْثَرَ هَذَا أنْ يَنْسِبَهُ اللهُ عزَّ وَ جلَّ إلى الْعِلْمِ الذي اخْبِرُكَ بِهِ. يَا سَديرُ، فَهَلْ وَجَدْتَ مَا قَرَأتَ في كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ أيضاً: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَرَأتُهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: فَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلِّهِ أفْهَمُ أمْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْضِهِ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلِّهِ2. قَالَ: فَأوْمَى

    1. يعني آصف بن برخيا وصيّ و وزير سليمان عليه السلام، و ذلك حين دعا سليمانُ بلقيس إلى الإسلام هي و قومها و إلى عدم الاستعلاء عليه و أن يأتوه مسلمين، فكان ذات يوم جالساً في مجلسه فقال لمن حوله من الجنّ المسخّرين له: من يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال: يَا أيهَا الْمَلُا أيُّكُمْ يَّأتِينِي بعَرْشِهَا قَبْلَ أن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَ أنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ، قَالَ الذي عِندَ هُو عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أشْكُرُ أمْ أكْفُرُ( الآيات 38 إلى 40، من السورة 27: النمل.)
    2. حيث إنّ نسبتهما كنسبة البحر الأخضر( المحيط الأطلسيّ) إلى القطرة الواحدة.

معرفة الإمام ج٤

99
  • بِيَدِهِ إلى صَدْرِهِ وَ قَالَ: عِلْمُ الْكِتَابِ وَ اللهِ كُلِّهِ عِنْدَنَا، عِلْمُ الْكِتَابِ وَ اللهِ كُلِّهِ عِنْدَنَا.

  • وَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أيْضاً الصَّفَّارُ في «بصائر الدرجات» بِتَغْييرٍ يَسيرٍ بِزِيَادَةٍ وَ نُقْصَانٍ.1

  • و روى الصفّار هذا الحديث في «بصائر الدرجات» باختلاف يسير في اللفظ، و ذكره القندوزيّ الحنفيّ مختصراً.2

  • و روى القندوزيّ أيضاً عن عمر بن اذينه، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: قَالَ أمير المؤمنينَ صلوات الله عليه: ألَا أنّ الْعِلْمَ الذي هَبَطَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ وَ جَميعَ مَا فُضِّلَتْ بِهِ النَّبِيُّونَ إلى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ في عِتْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ عَلَيْهِم.3

  • و روى الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج» بسنده عن الوليد السمّان أنّه قال: قالَ لي أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا يَقُولُ النَّاسُ في اولِي الْعَزْمِ وَ عَنْ صَاحِبِكُمْ- يَعْنِي أميرُ الْمُؤمِنِينَ-؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا يُقَدِّمُونَ على اولي الْعَزْمِ أحَداً. فَقَالَ: أنّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى قَالَ عَنْ موسى: «وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً» وَ لَمْ يَقُلْ كُلَّ شَيْءٍ. وَ قَالَ عَنْ عيسى: «وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ». وَ لَمْ يَقُلْ كُلَّ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَ قَالَ عَنْ صَاحِبِكُمْ- يَعْنِي أميرِ الْمؤمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ-: «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ لا رَطْبٍ

    1. « غاية المرام» ص 357 الحديث الثاني مكرّر. و نقل ذيل هذا الحديث في« مجمع البيان» ج 3، ص 301؛ و في« الكافي» كتاب الحجّة ج 1، ص 257.
    2. ( 2 و 3)-« ينابيع المودّة» باب 30، ص 103.
    3. ( 2 و 3)-« ينابيع المودّة» باب 30، ص 103.

معرفة الإمام ج٤

100
  • وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»، وَ عِلْمُ هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَهُ.1 و ذكر القندوزيّ الحنفيّ هذه الرواية باختصار.2

  • و روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن عمر بن اذينة أنّه قال: قال أبو عبد الله عَلَيهِ السَّلَامُ: «الذي عنده علم الكتاب» هُوَ أمِيرُ المؤمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ. وَ سُئِلَ عَنِ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن الْكِتَابِ أعْلَمُ أمْ مَنِ الذي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، فَقَالَ: مَا كَانَ عِلمُ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ إلّا بِقَدْرِ مَا تَأخُذُ الْبَعُوْضَةُ بِجَنَاحِهَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ. قَالَ أميرُ الْمُؤمِنِينَ: ألَا إنَّ الْعِلْمُ الذي هَبَطَ بِهِ آدَمُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ وَ جَمِيعَ مَا فُضِّلَتْ بِهِ النَّبِيُّونَ إلى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ في عِتْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ.3 و ذكر القندوزيّ الحنفيّ هذه الرواية باختصار.4

  • إذن أتّضح من مجموع ما تقدّم أنّه لا شكّ و لا ترديد أنّ المراد من الذي عنده علم الكتاب في الآية المشار إليها هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أنّ الاحتمالات الاخرى المطروحة واهية و خاطئة. و كيف يمكن أن لا يكون المعنيّ بهذه الآية هو أمير المؤمنين الذي كان ملازماً للنبيّ الأكرم منذ بداية الرسالة في الليل و النهار. و في الحلّ و الترحال، و في الحرب و السلم، و يكون عبد الله بن سلام الذي أسلم في المدينة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة النبويّة؟!

  • و مضافاً إلى ذلك كلّه فأنّ عبد الله بن سلام، كما تفيده ترجمته

    1. « غاية المرام» ص 358، الحديث الثامن عشر.
    2. « ينابيع المودّة» باب 30، ص 103.
    3. « غاية المرام» ص 358، الحديث الثالث.
    4. « ينابيع المودّة» باب 30، ص 103.

معرفة الإمام ج٤

101
  • لم يبايع أمير المؤمنين و لم يقرّ بإمامته، فكيف يقرنه رسول الله مع الله في الشهادة على رسالته؟

  • ترجمة عبد الله بن سلام

  • و لقد عدّه البرقيّ في رجاله من صحابة النبيّ.1 و جعله ابن داود في رجاله في الباب الأوّل،2 أي في المعتمدين و الموثّقين، مع أنّ صاحب «تنقيح المقال» يقول: عدّ ابن داود كثيراً من الناس في الباب الأوّل، ثمّ جرّحهم في الباب الثاني الخاصّ بالضعفاء و المجهولين.3

  • و يقول أيضاً: و حال عبد الله بن سلام عندي مجهول و هذا يعني أنّه لا اعتبار لرواياته. و عدّه المشايخ الثلاثة في علم الرجال أيضاً من أصحاب رسول الله واصفين له أوّلًا بالإسرائيليّ، ثمّ الأنصاريّ و قالوا أنّه كان حليفاً لبني القينقاع، و هو من ولد يوسف بن يعقوب. و كان اسمه في الجاهليّة: الحصين، فسمّاه النبيّ حين أسلم عند قدومه المدينة مهاجراً بعبد الله و توفي سنة ثلاث و أربعين على ما أرّخه أبو أحمد العسكريّ. ثمّ يقول: و يمكن استفادة سوء حاله ممّا رواه ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة». يقول ابن أبي الحديد: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بويع بعد عثمان أرسل خلف جمع و أمرهم بالبعد، فقيل له: أ لَا تبعث إلى حسّان بن ثابت و كعب بن مالك، و عبد الله بن سلام؟ فقال: لَا حاجَةَ لَنَا فِيمَنْ لَا حاجَةَ لَهُ فِينَا-4 انتهى.

  • و يقول العلّامة الشيخ محمّد تقي الشوشتريّ بعد نقل كلام أمير المؤمنين عليه السلام فيه عن ابن أبي الحديد: ذكر الطبريّ

    1. « رجال» البرقيّ، ص 2.
    2. « رجال» ابن داود، ص 205.
    3. ( 3 و 4)-« تنقيح المقال» ج 2، ص 185.
    4. ( 3 و 4)-« تنقيح المقال» ج 2، ص 185.

معرفة الإمام ج٤

102
  • و المسعوديّ أيضاً كلام أمير المؤمنين عليه السلام فيه.1

  • و أمّا في رجال العامّة، فلم نعثر على ترجمة له في طبقات ابن سعد و «ميزان الاعتدال» للذهبيّ، إلّا أنّ ابن عبد البرّ ذكر ترجمته، إلى أن قال: قال بعض المفسّرين في قول الله عزّ و جلّ: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ، و قوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ هو عبد الله بن سلام. ثمّ قال: و أنكر ذلك عكرمة و الحسن و قالا: كيف يكون ذلك و السورة مكّيّة، و إسلام عبد الله بن سلام كان في المدينة. ثمّ قال: قال أبو عمر: و كذلك سورة الأحقاف مكّيّة. بما فيها من آية وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ فلا اعتبار للقولين جميعاً.2

  • و قال إبن الأثير الجزريّ: لمّا اريد قتل عثمان، جاء عبد الله بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس، فاطردهم عنّي، فأنّك خارجٌ خير إليّ منك داخل. فخرج عبد الله إلى الناس، فقال: أيّها الناس، أنّه كان اسمي في الجاهليّة فلان، فسمّاني رسول الله: عبد الله، و نزلت فيّ آيات من كتاب الله عزّ و جلّ: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ، و الآية: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

  • «أيّها الناس، أنّ لله سيفاً مغموداً، و أنّ الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله لئن قتلتموه، لتطردنّ جيرانكم الملائكة و ليسلنّ سيف الله المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة. قال الناس:

    1. « قاموس الرجال» ج 5، ص 471.
    2. « الاستيعاب» ج 3، ص 922.

معرفة الإمام ج٤

103
  • اقتلوا عثمان اليهوديّ، فقتلوا عثماناً».1

  • يظهر لنا من هذا كلّه أنّ عبد الله بن سلام كان يعتبر نفسه عالماً بالكتاب، أي: التوراة، و يرى أنّ الآية المذكورة نزلت فيه، كما قال السيوطيّ: أخرج ابن جرير، و ابن مردويه عن طريق عبد الملك أنّ محمّد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، و هو حفيد عبد الله، قال: قال عبد الله بن سلام: قَدْ أنزَلَ اللهُ في القُرآنَ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.2

  • و قال السيوطيّ أيضاً: روى ابن مردويه عن طريق عبد الملك، عن جُندب أنّه قال: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ حتى أخَذَ بِعِضَادَتَي بَابَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: أنْشُدُكُمْ بِالله، أ تَعْلَمُونَ أنّي أنَا الذي انْزِلَتْ فِيهِ: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟ قالوا: اللهُمَّ نَعَم.3

  • في ضوء ذلك، فأنّ عبد الله بن سلام يعتبر الآية نازلة فيه، و كذلك يعتبرها ابنه و حفيده. و كما روينا سابقاً فأنّ الإمام الباقر عليه السلام فنّد ادّعاء ابن عبد الله بن سلام أمام عبد الله بن عطا، و قال أنّما ذلك عليّ بن أبي طالب، علماً أنّ بعض الذين قالوا بنزول الآية فيه، مثل مجاهد، أنّما قالوا بذلك من عندهم، لا روايةً عن رسول الله.

  • عبد الله بن سلام لم يكن المقصود بآية «وَ مَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ»

  • و قلنا فيما تقدّم أنّ الشعبيّ قال: ما نزل في عبد الله بن سلام شيء من القرآن. و أنكر سعيد بن جبير هذه الدعوى بشدّة، و قال: و كيف و هذه السورة مكّيّة؟

  • مضافاً إلى ذلك، فأنّ معاوية بن أبي سفيان عند ما التقى قيس بن سعد بن عُبادة في المدينة، و قال قيس: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ عليّ [بن

    1. « اسد الغابة» ج 3، ص 176.
    2. ( 2 و 3)-« الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.
    3. ( 2 و 3)-« الدرّ المنثور» ج 4، ص 69.

معرفة الإمام ج٤

104
  • أبي طالب]، قال معاوية بن أبي سفيان هو عبد الله بن سلام، قال قيس أنزل الله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، و أنزل أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. فالهادي من الآية الاولى، و الشاهد من الثانية عليّ بن أبي طالب لأنّه نصبه صلّى الله عليه و آله يوم الغدير، و قال: مَنْ كُنْتَ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ. و قال: أنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارونَ مِنْ موسى إلّا أنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي، فسكت معاوية، و لم يستطع أن يردّها.1

  • إذَن، لا يبقى أيّ مجال للشكّ أنّ عبد الله بن سلام غير مقصود في هذه الآية، فهو إمّا يعتبر نفسه عالماً بالتوراة فرأى هذه الآية، أعني: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ، فاستنبط معنى التوراة من الكتاب خطأ، و اعتبر نفسه مصداق الآية، و أنّها نزلت فيه، لا قدّر الله، و أمّا أنّه تعمّد في ادّعاء هذه المنزلة و هو يعلم أنّ الكتاب هذا هو القرآن المجيد، و أنّ الذي عنده علمه هو عليّ بن أبي طالب، و العلم عند الله. بَيدَ أنّه مهما كان فأنّ هذا الادّعاء خطأ بحت، كما اتّضح لنا من خلال مجموع البحث.

  • و أمّا أنّ هذه الروايات المذكورة منحولة و ملفّقة من قبل الأمويّين و أعداء أمير المؤمنين عليه السلام كما نلمس ذلك في نقاش معاوية مع قيس بن سعد بن عبادة، لأنّ معاوية كان يهتمّ كثيراً في تحريف الآيات و الروايات الواردة في أمير المؤمنين عليه السلام و حجب فضائله و مناقبه من خلال إلصاقها بشخص آخر. و لم يجد هنا شخصاً مناسباً غير عبد الله بن سلام فزعم نزول الآية فيه. و هو- طبعاً- ما كان يستطيع أن ينسب هذه الفضيلة إلى أبي سفيان أو إلى نفسه، و هما ممّن سلّ سيفه

    1. « ينابيع المودّة» باب 30، ص 104 نقلًا عن كتاب« سليم بن قيس الهلاليّ» و أصل هذه الرواية موجود في كتاب سليم بالتفصيل من ص 199 إلى 201.

معرفة الإمام ج٤

105
  • و أصلته بوجه الإسلام حتى حان فتح مكّة. كما أنّ عمر و أبا بكر لم يكونا عالمين بالكتاب، لذلك فلم يكن هناك طريق أقرب و أيسر من تحريف معنى الكتاب بالتوراة بدلًا عن القرآن، و الذي عنده علم الكتاب بعبد الله بن سلام بدلًا عن أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و على الرغم من أنّ هذا التحريف لم يَخْفَ على الباحثين و المحقّقين، و أنّ الشعبيّ، و الحسن البصريّ، و سعيد بن جبير، و حتى عِكْرَمَة نفسه الذي كان عدوّاً لأمير المؤمنين، كانوا يرون أنّ إلصاق هذه الفضيلة بعبد الله بن سلام أمر عار من الصحّة و الصواب، بَيدَ أنّه لم يكن هناك طريق أقرب من هذا للتمويه على عامّة الناس الذين لم يستوعبوا الخصوصيّات المتعلّقة بمكّيّة السورة و إسلام عبد الله في المدينة، و لم يستطيعوا التفريق بين القرآن و التوراة في هذه الآية. و ليس أمام الخصم إلّا تحريك سوق العناد و العداء لأهل البيت، و لذلك نجد أنّ أعداء أهل البيت و النواصب أمثال ابن تيميّة و من لفّ لفّه أصرّوا على إلصاق هذه الآية بعبد الله بن سلام بكلّ ما اوتوا من قوّة مخالفين بذلك هذه الروايات الجمّة و القرائن الكثيرة التي يرونها رأي العين و لم يتراجعوا عن آرائهم السقيمة و تأويلاتهم الواهية. و يتجلّى لنا في الحقيقة هنا صدق هذه الآية المباركة في سورة الرعد: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.

  • الأئمة عليهم السّلام كانوا أعلم الناس بكتاب الله

  • أمير المؤمنين كان أعلم الناس بكتاب الله تعالى

  • و من المناسب هنا أن نذكر نصّاً كلام الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ المذكور في كتاب «ينابيع المودّة» و قد نقله عن بعض المحقّقين بخصوص نزول هذه الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

  • قال بعض المحقّقين: أنّ الله تبارك و تعالى بعث خاتم أنبيائه و أشرف رسله و أكرم خلقه بمنّه و فضله العظيم بسابق علمه و لطفه بعد أخذه العهد

معرفة الإمام ج٤

106
  • و الميثاق على أنبيائه و عباده بمحمّد صلّى الله عليه و آله بقوله: لتؤمنن به و لتنصرنّه- و لمّا فتح الله أبواب السعادة الكبرى و الهداية العظمى برسالة حبيبه على العرب و قريش و خصوصاً على بني هاشم بقوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَ رَهْطَكَ الْمُخْلَصِينَ،1 اقتضى العقل أن يكون العالم بجميع أسرار كتاب الله لا بدّ أن يكون رجلًا من بني هاشم بعد النبيّ صلّى الله عليه [و آله] لأنّه أقرب إليه من سائر قريش، و أن يكون إسلامه أوّلًا ليكون واقفاً على أسرار الرسالة و بدء الوحي، و أن يكون جميع الأوقات عنده بحسن المتابعة ليكون خبيراً عن جميع أعماله و أقواله و أن يكون من طفولته منزّهاً من أعمال الجاهليّة ليكون متخلّقاً بأخلاقه و مؤدّباً بآدابه و نظيراً بالرشيد من أولاده.

  • فلم توجد هذه الشروط لأحد إلّا في عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أمّا عبد الله بن سلام لم يسلم إلّا بعد الهجرة (إذ مضى أكثر من نصف المدّة على البعثة النبويّة) فلم يعرف سبب نزول السور التي نزلت قبل الهجرة، و لمّا كان حاله هذا، لم يعرف حقّ تأويلها بعد إسلامه. مع أنّ سلمان الفارسيّ الذي صرف عمره الطويل ثلاثمائة و خمسين سنة في تعلّم أسرار الإنجيل و التوراة و الزبور و كتب الأنبياء السابقين و القرآن لم يكن من عنده علم الكتاب لفقده الشروط المذكورة. فكيف يكون من عنده علم الكتاب ابن سلام الذي لم يقرأ الإنجيل، و لم توجد فيه الشروط و لم يصدر منه مثل ما صدر من عليّ يعسوب الدين من الأسرار و الحقائق في خُطَبِهِ مثل قوله: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي فَأنّ بَيْنَ جَنْبَيّ عُلُوماً كَالبِحَارِ الزَّواخِر، و مثل ما صدر من أولاده الأئمّة الهداة عليهم سلام الله و بركاته من المعارف

    1. العبارة الثانية ليست من الآية.

معرفة الإمام ج٤

107
  • و الحكم في تأويلات كتاب الله و أسراره؟1

  • يقول الشعبيّ: مَا أحَدٌ أعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ بَعْدَ الْنَّبِيّ مِنْ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيَه السَّلامُ وَ مِنَ الصَّالحِينَ مِنْ أوْلَادِهِ عليهم السَّلام.2

  • و روى عاصم بن أبي النُّجود عن عبد الرحمن بن سُلمى أنّه قال: مَا رَأيْتُ أحَداً أقْرَأ مِنْ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ.3

  • و روى أبو عبد الرّحمن عن ابن مسعود أنّه قال: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي لأتَيْتُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَعلى؟ قَالَ: أ وَ لَمْ آتِهِ؟

  • في ضوء ما تقدّم فأنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان أعلم الامّة بعد رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و الآية الكريمة وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ تنطبق عليه طبعاً. و لو كان هناك فرد من أفراد الامّة أعلم منه بكتاب الله عند نزول الآية فأنّها تنطبق عليه. و الآن ينبغي أن نرى، لما ذا ذكر النبيّ شاهداً آخر مع الله، و ما هي قيمة شهادته في مقابل شهادة الله؟ لا جَرَمَ أنّ ذلك الشاهد ينبغي أن تكون شهادته قريبة من شهادة الله من حيث الوزن و الرصانة، و هو أمير المؤمنين سند القرآن و كفيله و حفيظه. القرآن كلام لفظيّ، و هو كلام الله الفعليّ، هو حقيقة القرآن، و القرآن مترجم لوجوده، و كلاهما حقيقة واحدة ظهرت بشكلين: لفظيّ و فعليّ. و هما مترابطان لا يقبل أحدهما الانفصال عن الآخر. و في الحقيقة أنّ رسول الله، مضافاً إلى إقامته شهادة الله اللفظيّة المكتوبة في القرآن المجيد على رسالته أمام المشركين، فأنّه يأتى بشاهد آخر هو مركز إشعاع الأنوار الإلهيّة، و مظهر الأسماء الإلهيّة، و العارف بكتاب

    1. « ينابيع المودّة» باب 30، ص 104.
    2. ( 2 و 3)-« مجمع البيان» ج 3، ص 301.
    3. ( 2 و 3)-« مجمع البيان» ج 3، ص 301.

معرفة الإمام ج٤

108
  • التكوين و التشريع. و مصدر هذين الشاهدين هو كلام رسول الله الذي نقله الشيعة و السنّة في روايات متواترة، و هو قوله: أنّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي وَ لَنْ يَفْتَرقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوْضَ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أبَداً.1 إذ أنّه يمكن أن نجعل هذا الحديث مفسّراً للآية المذكورة، و يمكن أن نستدلّ بالآية على اقتران الإمام بكتاب الله.

  • و يجدر التنويه بأنّ الآية تليت في بعض القراءات الشاذّة وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أو وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ كما نقل السيوطيّ ذلك.2 إلّا أنّ من الطبيعيّ أنّ هذه قراءة شاذّة لا يوثق بها في مقابل جميع القراءات، و مضافاً إلى ذلك فأنّها لا تحمل موضوعاً سلساً من حيث المعنى إذ يقول النبيّ أنّ الله شهيد بيني و بينكم، و مِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتاب. و على الرغم من أنّ هذا المعنى في حدّ نفسه صحيح، بَيدَ أنّ هذه الجملة بوصفها تعريفاً لله شاهداً في مقابل مشركي قريش تفتقد العذوبة و الظرافة.

    1. نقل أحمد بن حنبل هذا الحديث عن زيد بن ثابت بطريقين صحيحين، الأوّل في أوّل الصفحة 182، و الثاني في آخر الصفحة 189، في الجزء الخامس من مسنده. قال النبيّ صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم: أنّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَ أهْلَ بَيْتِي وَ أنّهُمَا لَنْ يَفْتَرقِا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوْضَ. و( قال السيوطيّ) في تفسير« الدرّ المنثور» ج 2، ص 7: و أخرجه الترمذيّ و حسّنه و ابن الأنباريّ في المصاحف عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم: أنّي تَارِكٌ فِيكُمُ ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أحَدُهُما أعْظَمُ مِنَ الآخَرِ كِتَابَ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي وَ لَنْ يَفْتِرِقَا حتى يَرِدا عَلَيّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهما. و نقل صاحب« غاية المرام في ص 11 فما بعدها تسعة و ثلاثين حديثاً عن طريق العامّة، و اثنين و ثمانين حديثاً عن طريق الخاصّة.
    2. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 259.

معرفة الإمام ج٤

109
  • جاء في «أمالي» الشيخ الطوسيّ ما نصّه: مَرَّ أميرُ المؤمنِينَ بِمَلأ فِيهِمْ سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُمْ سَلْمَانُ: قُومُوا فَخُذُوا بِحُجْزَةِ هَذَا، فَوَ اللهِ لَا يُخْبِرُكُمْ بِسرِّ نَبِيِّكُمْ غَيْرُهُ.1

  • و قال النقّاش في تفسيره: قال ابن عبّاس: عليّ عَلِمَ عِلْماً عَلّمَهُ رسول الله، و رسول الله علّمه الله، فعلم النبيّ علم الله، و علم عليّ من علم النبيّ، و علمي من علم عليّ. و ما علمي و علم أصحاب محمّد في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر.2

  • يقول العونيّ:

  • وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ وَ عِلْمُ مَا***يَكُونُ وَ مَا قَدْ كَانَ عِلْماً مُكْتَماً 3

  • و يقول أبو مقاتل بن الداعي العلويّ:

  • و إنَّ عِنْدَكَ عِلْمَ الْكَوْنِ أجْمَعَهُ***مَا كَانَ مِنْ سَالِفٍ مِنْهُ وَ مُؤتَنَفِ 4

  • و يقول نصر بن المنتصر:

  • وَ مَنْ حَوى عِلْمَ الْكِتَابِ كُلِّهِ***عِلْمَ الذي يَأتى وَ عِلْمَ مَا مَضي 5

  • و يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (و منها يعني آل محمّد عليهم السلام): هُمْ مَوْضِعِ سِرِّهِ، وَ لَجَا أمْرِهِ، وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ، وَ جِبَالُ دِينِهِ ...

  • إلى أن يقول:

  • لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحمَّدٍ عَلَيهِمُ السَّلَامُ مِنْ هَذِهِ الامَّةِ أحَدٌ، وَ لَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبَداً. هُمْ أسَاسُ الدِّينِ، وَ عِمَادُ الْيَقِينِ، إلَيْهِمْ

    1. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 259.
    2. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 2، ص 30.
    3. ( 3 الى 5)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 258.
    4. ( 3 الى 5)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 258.
    5. ( 3 الى 5)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 258.

معرفة الإمام ج٤

110
  • يَفِيءُ الْغَالي، وَ بِهِمْ يَلْحَقُ التالي، وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلَايَةِ، وَ فِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَ الْوِراثَةُ.1

    1. « نهج البلاغة» ج 1 ص 29.

معرفة الإمام ج٤

112
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الرّابِعُ وَ الخَمْسُونَ إلى الدَّرْسِ السَّادِسِ وَ الخَمْسِيْنَ تفسير الآية: أ فَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ وَ يَتلُوهُ شَاهِدٌ مِنهُ ...

  •  

  •  

معرفة الإمام ج٤

114
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتاب الكريم:

  •  

  •  

  • أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً (كمن ليس على هذه الصفة) أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ.1

  • أنّ المقصود من صاحب البيّنة في هذه الآية المباركة هو الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم و الشاهد هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و الأحاديث المأثورة عن الخاصّة و العامّة في هذا الحقل جمّة. بل أنّ الأحاديث التي نقلها العامّة بأسنادهم تفوق أحاديث الخاصّة. فقد ذكر العلّامة المحدّث البحرانيّ ثلاثة و عشرين حديثاً من طريق العامّة، و أحد عشر حديثاً عن طريق الخاصّة.2 و من الضروريّ هنا أن نبدأ ببحث تفسير للآية قبل الخوض في الأحاديث الواردة.

    1. الآية 17، من السورة 11: هود.
    2. « غاية المرام» من ص 359 إلى 361.

معرفة الإمام ج٤

115
  • استعراض عام لسورة هود المباركة

  • هذه الآية في سورة هود، و سورة هود من السور المكّيّة. تبدأ السورة بقوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. إذ تتحدّث هنا عن قرآن محكم، و قرآن مفصّل، أو بكلمة بديلة، قرآن له حقيقة واحدة في العوالم العلويّة، و له سور و آيات و أحكام و معارف و قضايا مستقلّة بعضها عن بعض في هذا العالم. و تتحدّث الآيات التي تتلو تلك الآية عن الدعوة إلى عبادة الله، و التوبة إليه، و تذكّر بأنّ المرجع إلى الله؛ و تأتى الآية الخامسة لتتحدث عن الذين يثنون صدورهم من كفّار قريش ليعرضوا عن ذلك. و في الآيات التي تتلوها حديث عن إرادة الله و قيّوميّته و خالقيّته، و عن المعاد و بعث الناس من بعد الموت، و إنكار المنكرين. و أحوال المؤمنين في الصمود و الاستقامة، و حالات غيرهم في التلوّن، و الارتياب النفسيّ، و اليأس، و كفران النعمة، و الفخر، و الفرح الذي ليس في موضعه.

  • ثمّ نصل إلى الآية الحادية عشرة التي تخاطب النبيّ فتقول: فلعلّك تارك بعض ما يوحى إليك و ضائق به صدرك أن يقولوا لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه مَلَك (فلا تحزن من هذه الكلمات) أنّما أنت نذير (من عواقب الشرك و الظلم الوخيمة) و الله على كلّ شيء وكيل. و تتحدّث الآية التي تتبعها عمّا يقوله المشركون بأنّ محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلّم قد افترى هذا القرآن: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و أدعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. يا رسول الله فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنّما انزل بعلم الله و أن لا إله إلّا هو فهل أنتم مسلمون؟

  • ثمّ تتلو ذلك آيتان تتحدّثان عن الثمار التي يقطفها من يريد الحياة الدنيا، و بعدهما نلتقي قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ (و بصيرة باطينّة الهيّة) مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً

معرفة الإمام ج٤

116
  • (مصدّقاً لدعواه و شبيهاً له في بيانه و دعوته، كمن ليس كذلك؟) أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.

  • و لمّا كانت الآيات السابقة قد بيّنت إنكار المشركين لأحقّيّة القرآن فأنّ هذه الآية ناظرة إلى تلك الآيات، و هي في مقام الاستدلال و إقامة البرهان على لزوم الإيمان بالقرآن المجيد، و الاستفهام هنا إنكأرى.

  • معنى كلمتى البيّنة و الشاهد الواردتين فى الآية

  • و ينبغي أن نرى هنا ما هو القصد من البيّنة، و ما معنى يَتْلُو، و شَاهِد.

  • و قد جاءت البيّنة في بعض الآيات القرآنيّة بمعنى الحجّة كقوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ،1 و جاءت في بعضها الآخر بمعنى الآية و المعجزة كقوله تعالى: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ.2 و وردت في آيات اخرى بمعنى البصيرة الخاصّة و النور المخصوص الذي منحه الله الأنبياء كما جاء في قوله تعالى على لسان نبيّه نوح عليه السلام: يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ.3 و ذكرت في آيات من الكتاب العزيز على أنّها مطلق البصيرة الإلهيّة و النور الباطنيّ، كما في قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.4 و هذا المعنى هو الذي تقصده الآية التي هي مدار بحثنا، لأنّه تعالى يقول بعدها بصيغة الجمع: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.

  • و الواضح هو أنّ جميع المؤمنين ليست لهم بصيرة النبوّة الخاصّة و إن كان القصد من صاحب البيّنة هو رسول الله وفقاً لموضوعها، بَيدَ أنّه لمّا كان هذا القسم من الآية تمهيداً لما يليه، و هو قوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ

    1. الآية 42، من السورة 8: الأنفال.
    2. الآية 73، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 28، من السورة 11: هود.
    4. الآية 14، من السورة 47: محمّد.

معرفة الإمام ج٤

117
  • مِنْهُ، فالقصد من البيّنة، إذن، هي تلك البصيرة الإلهيّة المطلقة التي أفاض الله بها على نبيّه الكريم صلّى الله عليه و آله و سلّم. و ليس القصد منها هو القرآن، لأنّها لا تنسجم مع ما يليها، و هو قوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ.

  • و يستفاد ممّا تقدّم أنّه لا يصحّ كلام البعض في أنّ صاحب البيّنة المقصود في هذه الآية هو رسول الله خاصّة على وجه العموم، لترتّب قوله في صيغة الجمع أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ على ذلك، و قد اخذ هذا اللفظ من مفاد قوله: فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ.

  • و كذلك لا يصحّ قول بعضهم أنّ المراد هنا أصحاب رسول الله، لأنّ النبيّ نفسه له بيّنة. فتنطبق الآية عليه على وجه الحصر لا على وجه العموم و يريد الله أن يقول له: أنت الذي لك بيّنة إلهيّة و شاهد خارجيّ و من قبلك كتاب موسى مصدّقاً لك، ينبغي لك أن تؤمن بالقرآن، و لا يعتريك الشكّ فيه، و لا يضيق صدرك من قول المشركين الذين طلبوا منك إنزال كنز أو مجيء مَلَك، و عليك أن تقوم بالتبليغ و إرشاد الناس بقدم راسخة و إرادة لا تلين.

  • و أيضاً لا يستقيم قول من قال أنّ المراد بالبيّنة هنا القرآن أو حجّة العقل، لأنّ هذه مقدّمة إلى القرآن و الأمر بالتمسّك به. أي أن الذي له بصيرة باطنيّة و نور إلهيّ يؤمن بالقرآن، و أنت يا رسولنا الذي لك مثل هذه البيّنة أيضاً لا تشكّ في القرآن. و لا معنى أن يُؤْمَرَ مَن كان عنده القرآن بالإيمان به، و يُحَذَّر من الشكّ فيه.

  • و أمّا حجّة العقل، فلمّا كانت البيّنة التي عند النبيّ أقوى من الحجّة العقليّة، لذلك لا معنى أن نقصر هذه البيّنة القائمة في وجود خاتم النبيّين على دليل العقل. و أمّا القصد من كلمة يَتْلُو فأنّه التتابع لا القراءة و التلاوة

معرفة الإمام ج٤

118
  • لأنّه من غير الصحيح أن نقول: أنّ ذلك الشاهد يقرأ النبيّ أو يقرأ نور بصيرته؛ و قلنا أنّ البيّنة هي ليست القرآن حتى تصحّ تلاوته.

  • و أمّا القصد من كلمة شاهِد، فالواضح أنّه أداء الشهادة لا تحمّلها لأنّ تحمّلها لا يكون حجّة على المشركين بل الحجّة عليهم، و بل المفضي إلى تقوية الرسول و تأييد بصيرته الإلهِيّة و نوره الربّانيّ هو أداء الشهادة؛ لذلك فأنّ الشاهد هنا هو الذي أقرّ بأحقّيّة رسالة النبيّ، و دعم رسالته ببصيرته الإلهيّة، و آمن به. لأنّ شهادة الإنسان صاحب اليقين و البصيرة تكتسح كلّ شكّ و شبهة، و تُذهب كلّ خوف من الوحدة و الوحشة، و لعلّ الأشخاص الذين يتركون وحدهم في أمر أو جانب يتضعضعون أمام المحن الصعبة و الأحداث المؤلمة، على عكس ما لو أعانهم أحد في سرّه و أسندهم و لم يتركهم وحدهم في الميدان، فأنّ الوحشة تزول و القلب ينشط في مثل هذه الحالة.

  • و هنا أيضاً يقول تعالى حيال تهجّم المشركين و مواجهتهم العنيفة: يا أيّها النبيّ أنّ من كانت له بيّنة إلهيّة و أعانه شاهد خارجيّ، فهو يؤمن بالقرآن، و لا يشكّ و لا يتضعضع. و لا ريب أنّ هذا الشخص هو عليّ بن أبي طالب الذي أسلم منذ اليوم الأوّل للنبوّة، و أعان النبيّ في تحمّل أعباء الرسالة، و مواجهة الصعوبات التي كانت تعترض طريقها، و لبّى دعوته عند ما أمره الله بإنذار عشيرته الأقربين في قوله: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.1 و قام وحده في حديث العشيرة، و كان مؤازراً و معيناً و وزيراً للنبيّ في جميع المشاكل التي واجهتها النبوّة و المصاعب الناجمة عن حمل مهمّة الرسالة الثقيلة. و في ضوء ما قيل فأنّ الذي تنطبق عليه الآية على

    1. الآية 214، من السورة 26: الشعراء.

معرفة الإمام ج٤

119
  • وجه الحصر هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

  • بيان أبى الفتوح الرازى فى انحصار مصداق الشاهد بأمير المؤمنين

  • و ذكر المفسّر أبو الفتوح الرازيّ كلاماً لطيفاً في وجه انحصار الشاهد بعليّ بن أبي طالب، و دفع الاحتمالات الاخرى. و لمّا ذكر في البداية الاحتمالات و الأقوال الواردة في الشاهد، ثمّ انبرى إلى تفنيدها بكلامه العذب، لذلك نذكر أيضاً تلك الأقوال و الاحتمالات أوّلًا ثمّ نذكر كلامه في تفنيدها بعد ذلك. يقول:1 ليس هناك خلاف بين المفسّرين في أنّ المراد من صاحب البيّنة هو رسول الله، بل الخلاف قائم بينهم في معنى الشاهد. قال عبد الله، و علقمة، و إبراهيم، و مجاهد، و أبو صالح، و أبو العالية و عكرمة: هو جبرئيل؛ و قال الحسن البصريّ، و قتادة: هو لسان رسول الله و قال البعض: وجه رسول الله لأنّ من نظر إلى شمائله و سيماه كان يعترف بنبوّته و رسالته؛ و قال الحسين بن الفضل: الشاهد هو القرآن، و نظمه العجيب و اسلوبه الباهر و إعجازه خير شاهد على النبوّة؛ و قال ابن جُرَيْج و مجاهد: الشاهد هو المَلَك الذي كان يحفظ رسول الله و يؤيّده و يقوّيه. و قال بعض آخر: أنّ الشاهد هو رسول الله نفسه. و هذه الاحتمالات و الأقوال، و إن كانت نُسبت إلى المفسّرين، لكنّها تبدو مشوّشة و غير مستساغة، لأنّ كلّ واحد منها يخالف ظاهر الآية: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، إذ جاءت في هذه الآية ثلاث كلمات: الاولى: يَتْلُوهُ بمعنى يجيء بعده؛ و الثانية: شَاهِدٌ؛ و الثالثة؛ مِنْهُ و يرجع الضمير إلى رسول الله، و هو صاحب البيّنة. و عند ملاحظة هذه الكلمات الثلاث، يظهر خطأ جميع الاحتمالات التي طرحها المفسّرون.

    1. ذكر في« الدرّ المنثور» ج 3، ص 324 هذه الاحتمالات و الأقوال عن أصحابها و كذلك جاءت في« مجمع البيان» ج 3، ص 150.

معرفة الإمام ج٤

120
  • أمّا الذي قال: هو جبرئيل، أو المَلَك الموكّل برسول الله، فقوله باطل بكلمة مِنْهُ، لأنّ الملك و جبرئيل ليسا من جنس رسول الله، بل هما من الملائكة، و رسول الله من البشر، و يدلّ الضمير في مِنْهُ على أنّ ذلك الشاهد هو من جنس رسول الله. و أمّا من قال: أنّه القرآن، فقوله باطل أيضاً بكلمة يَتْلُوهُ و كلمة مِنْهُ لأنّ القرآن لا يأتى تالياً للنبيّ، مضافاً إلى أنّه ليس من جنسه. و أمّا من قال: أنّه لسان رسول الله، فهو باطل بكلمة يَتْلُوهُ و كلمة شَاهِدٌ لأنّ لسان النبيّ لا يتلوه و لا يأتى بعده، مضافاً إلى أنّ لسان الشخص ليس شاهداً على صحّة دعواه.

  • و أمّا من قال: أنّه النبيّ نفسه، فقوله ليس ذا بال أبداً لأنّه ينأى الكلمات الواردة يَتْلُوهُ، و شَاهِدٌ، و مِنْهُ و لأنّ رسول الله لا يتلو نفسه، و ليس شاهداً عليها، و ليس منها. و لمّا كانت هذه الاحتمالات و الأقوال جميعها باطلة، فالمتيقّن به أنّ ذلك الشاهد هو الذي روى فيه المؤالف و المخالف عن رسول الله أنّه هو المعنيّ بهذه الآية، و هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و هذا ما ينسجم مع جميع الكلمات الواردة في الآية: يَتْلُوهُ، شَاهِدٌ، مِنْهُ، لأنّه عليه السلام كان إلى جانب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و كان يتبعه، و كان شاهداً صادقاً على نبوّته دائماً، مضافاً إلى أنّه من جنس البشر، بل من رسول الله نفسه.1

  • و أقرب الآيات إلى الآية المشار إليها من حيث الدلالة و المعنى هي الآيات الواردة في السورة 46، و هي الأحقاف، و الآيات هي 10، 11 و 12، يقول تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ

    1. « تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 6، ص 255( بالفارسيّة) و قد أوردنا ترجمة كلامه.( م)

معرفة الإمام ج٤

121
  • الظَّالِمِينَ، وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ، وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً وَ هذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ.

  • يتبيّن لنا عند ملاحظة هاتين الطائفتين من الآيات و مقارنتهما أنّهما:

  • أوّلًا: ذكرنا القرآن أو البيّنة الإلهيّة التي ينكرها المشركون على سبيل الاستفهام الإنكاريّ.

  • ثانياً: بيّنتا التوراة بوصفها كتاب هداية و رحمة للناس، و قد نزلت قبل القرآن ممهّدة الطريق لكتاب الله، و هو القرآن المجيد، و القرآن مصدّق لها أيضاً، مضافاً إلى ذلك فأنّ القرآن ليس أوّل كتاب يرفضه المشركون، بل كانت التوراة قبله على هذه الشاكلة أيضاً، و آيات القرآن و المواضيع التي يحتويها امتداد لمواضيع التوراة في الأخلاق و الأحكام و المعارف، و مصدّقة لها، إذَن لا يبدو هناك أيّ مبرّر لاستنكاف اولئك، كما جاء في القرآن قوله تعالى في الآية التاسعة التي تسبق الآيات المذكورة: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ.

  • المراد من الشاهد فى قوله تعالى: و شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى مِثلِهِ

  • ثالثاً: كما جاء في الآية التي هي مدار بحثنا: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، فأنّ المراد هنا هو وصيّ رسول الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي يمثّل سند النبوّة و الشاهد على رسالة رسول الله، و كذلك في بني إسرائيل، فأنّ وصيّ موسى هو يوشع بن نون الذي كان سنداً لنبوّة موسى و شاهداً على رسالته، و هو الذي آمن به، و لذلك يقول جلّ من قائل: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ.12

  • معرفة الإمام ؛ ج4 ؛ ص121

    1. عند ما طالع أحد أخلّائنا و إخواننا في الإيمان، و هو من مفاخر علماء طهران، مخطوطة هذا الكتاب، كتب في الهامش قائلًا:« أنّ الاحتمال المطروح في أنّ قوله: و شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَاءِيل على مِثْلِهِ يخصّ إيمان يوشع بن نون بالتوراة بعيد للغاية، و يبعث على تفكيك مفردات الآية، و لا يحضرني أنّ أحد المفسّرين ذكر هذه الاحتمال، كما لم تُؤثَر رواية في هذا الباب أيضاً. نعم، احتمل بعض المفسّرين أنّ المراد بالشاهد هنا هو موسى بن عمران نفسه، و شهادته على مثل القرآن، أعني التوراة، من حيث أنّ التوراة إشتملت على وصف للنبيّ الأكرم و بشّرت به، و في هذه الحالة، يستقيم الترابط بين الآيات و نظمها». يقول مؤلّف الكتاب: لا يتمّ هذا الكلام، و ذلك، أوّلًا: أنّ استبعاد دلالة الآية وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إسْرَاءِيلَ على مِثْلِهِ على إيمان يوشع بن نون بالتوراة، و الغموض الذي يكتنف الترابط بين مفردات الآية يصحّان إذا كان المراد من التوراة هو الكتاب السماويّ النازل على موسى فحسب، لا من حيث اشتمالها على وصف للنبيّ الأكرم، و التبشير به، بَيدَ أنّه إذا كان المراد من التوراة في هذه الآية، كتاب بهذه المواصفات، فالمعنى واضح تماماً و الترابط متحقّق. و ما هو الفرق بين أن نعتبر الشاهد من بني إسرائيل في هذه الآية موسى النبيّ أو وصيّة يوشع بن نون؟ لأنّنا يجب أن نجعل كلمة مثله في كلا الحالتين: التوراة، و لمّا كانت التوراة مشتملة على التصديق بالرسول الأكرم، فهذه الآية تشكّل دليلًا و حجّة لرسول الله على اليهود الذين لم يقرّوا بدعوته.
      ثانياً: جاء في الرواية المأثورة، التي نقلها السيوطيّ، قوله: فآمن هذا بكتابه و نبيّه و كفرتم يا أهل مكّة. فواضح أنّ الظاهر من كلمة نبيّه هو النبيّ الذي كان في ذلك الزمان، و هو موسى، لا نبيّنا الذي أقام هذه الآية من جانبه إتماماً للحجّة على اليهود؛ و تريد الآية أن تقول: هو آمن بنبيّه، فَلِمَ لا تؤمنون بنبيّكم؟! في ضوء ذلك، لا يمكن أن يكون المراد من الشاهد غير يوشع بن نون. و على الرغم من عدم وجود رواية عندنا تؤيّد ذلك، فليس عندنا رواية تخالفه أيضاً؛ و ما لم يستند قول المفسّرين على حجّة قاطعة و رواية مأثورة عن المعصوم، فهو يعتبر رأياً شخصيّاً. و لا إشكال في دحضه على أساس الظواهر و القرائن المستفادة من تطبيق الآيات، و تحليل المعنى، و القصد الذي يستنبط من الآيات.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج٤

122
  • و استهداءً بالروايات المستفيضة المأثورة عن رسول الله في أنّ ما وقع على الامم السالفة سيقع أيضاً على هذه الامّة حذو النعل بالنعل و القُذَّة بالقُذَّة، فأنّ شهادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام على نبوّة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم تُضاهي شهادة وصيّ موسى على نبوّته

معرفة الإمام ج٤

123
  • إذَن، فالمقايسة بين هاتين الطائفتين من الآيات، أعني: الآيات المشار إليها في سورة هود، و الآيات الواردة في سورة الأحقاف تفيدنا أنّ الشاهد من بني إسرائيل الذي شهد على صحّة ما يشاكل القرآن، و هي التوراة، يماثل الشاهد الذي هو من جنس رسول الله و شهد على صحّة نبوّته. و الشاهد على كلامنا هو رواية أوردها السيوطيّ في تفسيره. يقول: أخرج سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن منذر عن مسروق رضي الله عنه أنّه قال في قول الله تعالى: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، قَالَ: موسى مَثَلُ مُحَمَّدٍ، وَ التَّوْرَاةُ مَثَلُ الْقُرآنِ فَآمَنَ هَذَا بِكِتَابِهِ وَ نَبِيِّهِ وَ كَفَرْتُمْ يَا أهْلَ مَكَّةَ.

  • و العجيب أنّ أغلب المفسّرين- بما فيهم مفسّرو الشيعة- ذكروا أنّ المراد من الشاهد في الآية المشار إليها هو عبد الله بن سلام؛ و قد صرّح بذلك حتى المرحوم الطبرسيّ،1 و الفيض الكاشانيّ،2 و استاذنا الأعظم العلّامة الطباطبائيّ3، مدّ ظلّه و نقل السيوطيّ أيضاً رواية في هذا الباب، قال: أخرج أبو يعلى، و ابن جرير، و الطبرانيّ، و الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم و أنا معه حتى دخلنا على كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم. فقال لهم رسول الله: أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أن لا إلَه إلّا اللهُ و أنّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله يحبط الله عن كلّ يهوديّ تحت أديم السماء الغضب

    1. « مجمع البيان» ج 5، ص 86.
    2. « تفسير الصافي» ج 2، ص 554. ذكر ذلك تحت عنوان: قيل: عبد الله بن سلام.
    3. تفسير« الميزان» ج 18، ص 210.
      *- الكتاب مؤلّف زمن حياة العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه، و أَثرنا الإبقاء على تعبير المؤلّف.( م)

معرفة الإمام ج٤

124
  • الذي عليه، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد. ثمّ ردّ عليهم، فلم يجبه أحد، فثلّث فلم يجبه أحد. فقال: أبيتم فو الله لأنا الحاشر، و أنا العاقب، و أنا المقفي، آمنتم أو كذّبتم، ثمّ انصرف و أنا معه، حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمّد. فأقبل، فقال ذلك الرجل: أيّ رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟

  • فقالوا: و الله ما نعلم فينا رجلًا أعلم بكتاب الله و لا أفقه منك و من أبيك و لا من جدّك. قال: فأنّي أشهد بالله أنّه النبيّ الذي تجدونه في التوراة و الإنجيل. قالوا: كذبت، ثمّ ردّوا عليه و قالوا شرّاً. فقال رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم كذبتم، لن يقبل منكم قولكم، فخرجنا و نحن ثلاث: رسول الله، و أنا، و ابن سلام. فأنزل الله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

  • لكن كما ذكرنا فأنّ الشاهد المشار إليه شخص من بني إسرائيل قد شهد على التوراة في عصر موسى. و هو ما ينطق على وصيّ موسى، يوشع بن نون.

  • ليس المراد من الشاهد عبد الله بن سلام

  • الدلائل الواردة فى أنّ عبد الله بى سلام ليس هو المراد من الشاهد

  • و هذه الآية لا تنطبق على عبد الله بن سلام للأسباب التالية:

  • أوّلًا: سورة الأحقاف مكّيّة و إسلام عبد الله بن سلام كان في المدينة فلا جدوى من جعل رسول الله شهادة شخص لم يسلم بعد و لم يظهر على مسرح الحياة الإسلاميّة سنداً لنبوّته، و شاهداً على أحقّيّته أمام مشركي قريش و منكريهم.

  • ثانياً: تنصّ الآية المباركة على أنّ هذا الشاهد قد شهد على مثل القرآن، لا على القرآن نفسه، و المراد بمثل القرآن هنا التوراة، فما ذا يجني المشركون من وراء الشهادة على التوراة؟ بينما نجد أنّ قوله تعالى: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يفيدنا أنّ أمير المؤمنين شهد على النبوّة نفسها. و أمّا

معرفة الإمام ج٤

125
  • شهادة ذلك الشخص من بني إسرائيل في عصر موسى على نبوّته أو على التوراة فأنّها كانت ستؤتي ثمارها، و ستمثّل سنداً لنبوّته.

  • ثالثاً: كان إسلام عبد الله بن سلام في بداية الهجرة إلى المدينة و ليس بعد استقرار النبيّ فيها و يوم عيد اليهود. يقول ابن عبد البرّ في ترجمة عبد الله بن سلام: عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيليّ ثمّ الأنصاريّ. يكنّى أبا يوسف، و هو من ولد يوسف بن يعقوب صلّى الله عليهما و كان حليفاً للأنصار، يقال كان حليفاً للقوافلة1 (و هم) من بني عوف بن الخزرج. و كان اسمه في الجاهليّة الحصين. فلمّا أسلم، سمّاه رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم عبد الله. توفي بالمدينة أيّام معاوية سنة 43 (ه-)؛ و هو أحد الأحبار. أسلم إذ قدم رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم المدينة.

  • قال عبد الله بن سلام: خرجت في جماعة من أهل المدينة للنظر إلى رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم في حين دخوله المدينة، فنظرت إليه و تأمّلت وجهه، فعلمتُ أنّه ليس بوجه كذّاب، و كان أوّل شيء سمعته منه: أيُّهَا النَّاسُ، أفْشُوا السَّلَامَ، وَ أطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَ صِلُوا الأرْحَامَ، وَ صَلُّوا باللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بسَلَامٍ.

  • رابعاً: يدلّ سياق الآية الكريمة قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ على أنّ خطاب النبيّ لم يكن موجّهاً إلى بني إسرائيل.

  • خامساً: أنّ الإنجيل ليس من كتب اليهود، و اليهود لا يقرّون به أبداً بل هم يفترون على مريم و ينسبون إليها ما لا يليق و يعتبرون عيسى ابن

    1. اسم طائفة من الأنصار.

معرفة الإمام ج٤

126
  • سفاح. فكيف يمكن في هذه الحالة، و وفقاً لهذه الرواية، أنّ يقول عبد الله بن سلام لليهود: اشهد الله أنّ محمّداً هو النبيّ الذي و جدتموه في التوراة و الإنجيل؟!

  • نستنتج ممّا تقدّم أنّ هذه الرواية مجعولة. ناهيك عن هذا كلّه فأنّ روايات قد جاءت عن طريق العامّة في أنّ آية واحدة من القرآن لم تنزل في عبد الله بن سلام أو في أنّ هذه الآية لا تخصّه. يقول السيوطيّ: أخرج ابن منذر عن الشعبيّ أنّه قال:

  • مَا نَزَلَ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ.1 و يقول أيضاً: أخرج عبد الله بن حميد، و ابن منذر عن عكرمة أنّه قال في الآية: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، قالَ: لَيْسَ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ فَيَقُولُ مَنْ آمَنَ مِنْ بَني إسْرائيلَ كَمَنْ آمَنَ بِالنَّبِيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم.2

  • و يقول أيضاً: أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن مسروق أنّه قال: قَوْلُهُ: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ. قال: وَ اللهِ مَا نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، مَا نَزَلَتْ إلّا بِمَكَّةَ وَ أنّمَا كَانَ إسْلَامٍ ابْنِ سَلَامٍ بِالْمَدِينَةِ، وَ أنّمَا و كَانَتْ خُصُومَةً خَاصَمَ بِهَا مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم.3

  • نعم. أنّ نزول الآية في عبد الله بن سلام مستبعد إلى حدّ اضطرّ فيه البعض أن يقول بأنّ الآية مكّيّة و أنّ إسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة و ذلك من أجل تصحيح هذا الموضوع. يقول السيوطيّ: أخرج الحسن بن مسلم أنّه نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ وَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ بِالْمَدِينَةِ.4

  • و يقول أيضاً: أخرج ابن سعد، و ابن عساكر عن الحسن البصري أنّه

    1. ( 1 الى 4)-« الدرّ المنثور» ج 6، ص 39.
    2. ( 1 الى 4)-« الدرّ المنثور» ج 6، ص 39.
    3. ( 1 الى 4)-« الدرّ المنثور» ج 6، ص 39.
    4. ( 1 الى 4)-« الدرّ المنثور» ج 6، ص 39.

معرفة الإمام ج٤

127
  • قال: نَزَلَتْ حم وَ عَبْدُ اللهِ بِالْمَدِينَةِ مُسْلِمٌ.1 و هاتان الروايتان غير صحيحتين أيضاً لأنّنا قلنا: أنّ عبد الله بن سلام لم يكن قد أسلم بعد عند نزول سورة الأحقاف. و كما قلنا في تفسير الآية: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ، فأنّ عبد الله بن سلام، و ابنه، و حفيده دون غيرهم ينسبون هذه الآية إلى أنفسهم، و لم ينسبها شخص آخر إليهم.

  • بَيدَ أنّه لمّا كان نزول هذه الآية في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فأنّ علماء الشيعة رضوان الله عليهم أصرّوا على أنّها لم تنزل في عبد الله بن سلام، و برهنوا على ذلك. و أمّا الآية: وَ شَهِدَ شاهِدٌ ... فلمّا لم تكن فيه عليه السلام. لذلك لم يعيروا لها اهتماماً، و مرّوا عليها دون تحّرٍ دقيق حتى قال البعض من أهل السنّة، أنّ علماء الشيعة أيضاً قالوا بنزولها في عبد الله بن سلام، مع أنّها نزلت في يوشع بن نون وصيّ موسى عِدل عليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلّى الله عليه [و آله] و سلّم. و لا فرق في إمكان نزول الآيتين المذكورتين: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ، وَ شَهِدَ شاهِدٌ ... في عبد الله بن سلام و عدم إمكان نزولهما فيه. فكلتاهما مكّيّتان. فإذا كان جائزاً في إحداهما فهو جائز في الاخرى، و العكس صحيح.

  • مضافاً إلى ذلك ما هو وزن عبد الله بن سلام الذي يعتبره البعض مغموراً مجهول الحال، و هو لم يبايع أمير المؤمنين عليّاً بالخلافة بعد عثمان، حتى يهتمّ رسول الله بشهادته أمام المشركين، و يجعله قريناً لنبوّته و للتوراة التي فيها هدى و رحمة للناس؟ أجل، هذا بحث تناولنا فيه الآية الكريمة: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، فلنعرّج الآن على الآية التي هي مدار بحثنا: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ.

    1. « الدرّ المنثور» ج 6، ص 39.

معرفة الإمام ج٤

128
  • روايات ابن عباس و أنس فى أنّ المراد من الشاهد أمير المؤمنين

  • وردت حول هذه الآية روايات جمّة عن طريق الشيعة و السنّة، و هي تنصّ على أنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام هو المقصود بهذه الآية. و فيما يلي عدد منها اثِرَ بمضامين متنوّعة، نذكرها هنا كمثال على ما نقول:

  • الاولى: طائفة من الروايات نقلت عن عبد الله بن عبّاس. قال الموفّق بن أحمد الخوارزميّ في قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُوَ عَلِيّ يَشْهَدُ لِلنَّبِيّ وَ هُوَ مِنْهُ.1 و نقل العلّامة الطباطبائيّ هذه الرواية أيضاً من «تفسير البرهان» عن الخوارزميّ.2

  • و نقل إبراهيم بن محمّد الحموينيّ، و هو من فضلاء العامّة، في «فرائد السمطين» بسلسلة سنده المتّصل عن إبن عبّاس أنّه قال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ» رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم «وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» عَلِيّ عليه السلام خاصَّةً.3 و ذكر الحاكم الحسكانيّ هذه الرواية أيضاً و بالعبارة نفسها.4 و ذكرها الثعلبيّ بالعبارة ذاتها في تفسيره عن ابن عبّاس.5 و نقلها العلّامة الطباطبائيّ عن الثعلبيّ،6 و كذلك ذكرها عليّ بن عيسي الأربليّ في «كشف الغمّة» عن ابن عبّاس.7

  • الثانية: روايات نقلت عن أنس بن مالك. روى حمّاد بن سلمة عن

    1. « غاية المرام» ص 359 الحديث الثاني؛ و جاء في« ينابيع المودّة» ص 99 باختلاف يسير في اللفظ.
    2. تفسير« الميزان» ج 10، ص 201.
    3. « غاية المرام» ص 359، الحديث الثالث.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 201.
    5. « غاية المرام» ص 360، الحديث الثامن؛ و نقل ذلك في« تفسير أبي الفتوح» ج 6 ص 256 عن الثعلبيّ.
    6. تفسير« الميزان» ج 10، ص 201.
    7. « غاية المرام» ص 362، الحديث الحادي عشر.

معرفة الإمام ج٤

129
  • ثابت، عن أنس أنّه قال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» قَالَ: هُوَ رَسُولُ اللهَ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم «وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» هُوَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ. كَانَ وَ اللهِ لِسَانَ رَسُولِ اللهِ.1

  • و نقل الحاكم الحسكانيّ هذه الرسالة أيضاً عن أنس بسلسلة سنده المتّصل، إلّا أنّه أضاف إليها جملة في آخرها: كَانَ وَ اللهِ لِسَانَ رَسُولِ اللهِ إلى أهلِ مَكَّةَ في نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم.2

  • طوائف الروايات عن الرسول الأكرم و الأئمّة الأطهار و غيرهم

  • فى أن المراد من الشاهد أمير المؤمنين

  • الثالثة: روايات اثرت عن رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم نفسه. يقول ابن المغازليّ الشافعيّ: قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. قالَ رَسُولُ اللهِ: أنَا عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ عَلِيّ الشَّاهِدُ.3 و نقل الحاكم الحسكانيّ هذه الرواية عن رسول الله نفسه بسندين: أحدهما عن محمّد بن أحمد بن محمّد المفيد.4 و الآخر عن ابن عبّاس.5 و ذكر السيوطيّ هذا الحديث أيضاً عن رسول الله مع اختلاف يسير في اللفظ.6

  • الرابعة: روايات جاءت عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام. فقد روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره بإسناده المتّصل عن أبي بصير، و الفضيل، قالا: عن أبي جعفر عليه السلام قال: أنّما نَزَلَتْ: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ

    1. « غاية المرام» ص 362، الحديث الثالث عشر.
    2. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 280.
    3. « غاية المرام» ص 360، الحديث السابع عشر.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 276.
    5. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 275.
    6. « الدرّ المنثور» ص 324.

معرفة الإمام ج٤

130
  • رَبِّهِ يعْني رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً.1 و صفة الإمام و الرحمة في الآية تخصّ عليّاً لا التوراة، و لكن حصل تقديم و تأخير لكي توصف التوراة.

  • الخامسة: رواية مأثورة عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام. فقد روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده المتّصل عن أحمد بن عمر الحلّال أنّه قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزّ و جلّ: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» فَقَالَ: أميرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ الشَّاهِدُ مِنْ رَسُولِ اللهِ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ.2

  • السادسة: رواية جاءت عن قيس بن سعد بن عبادة. يقول سليم بن قيس الهلاليّ الكوفيّ:3 أنقلُ هذا الحديث عن قيس بن سعد بن عبادة في مشاجرة بينه و بين معاوية. قال قيس: لقد قبض رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فاجتمعت الأنصار إلى أبي بكر، فقال: تبايع سعداً (ابن عبادة)؟ فجاءت قريش فخاصموا بحجّة عليّ و أهل بيته و خاصمونا بحقّه و قرابته. فما يعدوا فعقد قريش أن يكونوا ظلموا الأنصار و آل محمّد. و لعمري ما لأحد من الأنصار و لا من قريش، و لا من العرب، و لا من العجم

    1. « غاية المرام» ص 361، الحديث الأوّل. و جاء أيضاً في هذا الكتاب نفسه، ص 362، الحديث الثامن عن العيّاشيّ في تفسيره عن الإمام الباقر عليه السلام، و قال الإمام في آخرها: ثُمَّ أوْصِيَاؤُهُ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ.
    2. « غاية المرام» ص 361، الحديث الثاني؛ و تفسير« الميزان» ج 1، ص 199. و جاء في« الكافي» باللفظ التالي: أميرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الشَّاهِدُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَ رَسولُ اللهِ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ.
    3. نقلنا هذه الرواية عن« غاية المرام» ص 361، الحديث السابع، الطبعة الحجريّة الرحليّة و لكنّها جاءت مفصّلة و مشروحة مع مقدّمات المفاوضات التي جرت بين قيس و معاوية في« كتاب سليم بن قيس» من 199 إلى ص 202. طبع النجف.

معرفة الإمام ج٤

131
  • في الخلافة حقّ و لا نصيب مع عليّ بن أبي طالب و ولده من بعده. فغضب معاوية، و قال: يا بن سعد عمّن أخذتَ هذا، و عمّن ترويه، و ممّن سمعته؟ أبوك حدّثك بهذا و عنه أخذته؟ فقال له قيس بن سعد: أخذته عمّن هو خير من أبي و أعظم حقّاً من أبي. قال: من هو؟ قال: عليّ ابن أبي طالب؛

  • أخَذْتُهُ مِنْ عَالِمِ هَذِهِ الأمَّةَ وَ رَبَّانِيِّهَا وَ صِدِّيقِهَا وَ فَارُوقِهَا الذي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ مَا أنْزَلَ: «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.» فَلَمْ تَكُنْ أيةٌ نَزَلَتْ فِيهِ إلّا ذَكَرَهَا.

  • فقال معاوية: أنّ صدّيقها و فاروقها عمر، و الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. قال قيس: أحقّ بهذه الأشياء و أولى بها الذي أنزل الله فيه: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ». الذي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» وَ الذي نَصَبَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ. يَوْمَ غَديرِ خُمٍّ فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ أولى بهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَعَلِيّ أولى بهِ مِنْ نَفْسِهِ وَ قَالَ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ: أنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلّا أنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.1

  • رسالة عمرو بن العاص لمعاوية فى فضائل علىّ بن أبى طالب

  • السابعة: الرسالة التي كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية، و ذكر فيها نزول هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السلام و ذلك لمّا كتب معاوية إلى عمرو بن العاص، و هو في فلسطين، يدعوه إلى قتال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. كتب ابن العاص في جوابه: «مِن عمرو بن سعد بن أبي العاص2 إلى معاوية بن أبي سفيان؛ أمّا بعد، فقد وصل لي كتابك فقرأته

    1. « غاية المرام» ص 361، الحديث السابع.
    2. ذكر ابن أبي الحديد نسب عمرو بن العاص في شرحه ج 6، ص 281. قال: هو عمرو بن العاص بن وائل، أبوه العاص بن وائل أحد المستهزئين برسول الله، و المكاشفين له بالعداوة و الأذي. و فيه و في أصحابه أنزل قوله تعالي: أنّا كَفَّيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ.

معرفة الإمام ج٤

132
  • و فهمته. فأمّا ما دعوتني إليه من خلع رِبقة الإسلام من عنقي، و التهوّر في الضلالة معك و إعانتي إيّاك على الباطل و اختراط السيف في وجه عليّ و هو أخو رسول الله، و وصيّه، و وارثه، و قاضي دينه، و منجز وعده، و زوج ابنته سيّدة نساء الجنّة، و أبو السبطين الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة (فلن يكون).1

  • و أمّا ما قلت أنّك خليفة عثمان فقد صدقت، و لكن تبيّن اليوم عزلك عن خلافته، و قد بويع لغيره، فزالت خلافتك.

  • و أمّا ما عظّمتني به و نسبتني إليه من صحبة رسول الله، و أنّي صاحب جيشه، فلا أغترّ بالتزكية و لا أميل بها عن الملّة.

  • و أمّا ما نسبت أبا الحسن أخا رسول الله و وصيّه إلى البغي و الحسد لعثمان و سمّيت أصحابه فسقة، و زعمت أنّه أشلاهم على قتله، فهذا كذب و غواية.

  • ويحك يا معاوية، أمّا علمت أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلّى الله عليه [و آله]، و بات على فراشه! و هو سابق السَّبق إلى الإسلام و الهجرة، و قد قال فيه رسول الله: هو منّي و أنا منه، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. و قد قال فيه يوم غدير خمّ: ألا و مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله.

  • و هو الذي قال فيه رسول الله يوم خيبر: لُاعطينّ الراية غداً رجلًا يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله. و هو الذي قال فيه عليه السلام يوم الطير: اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك.2 فلمّا دخل عليه قال: و إلَيّ و إلَيّ.

    1. العبارة بين الأقواس عن مناقب الخوارزميّ.
    2. و في مناقب الخوارزميّ( بأحبّ خلقك إليك).

معرفة الإمام ج٤

133
  • و قد قال فيه يوم النظير: عليّ إمام البررة و قاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله. و قد قال فيه: عليّ وليّكم من بعدي، و أكّد القول عليك و عَلَيّ و على جميع المسلمين و قال: أنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي. و قد قال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها.

  • و قد علمتَ يا معاوية ما أنزل الله تعالى في كتابه فيه من الآيات المتلوّات في فضائله التي لا يشركه فيها أحد، كقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ؛ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ؛ أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى؛ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ؛ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.

  • و قد قال رسول الله: أمّا ترضى أن تكون منيّ بمنزلة هارون مِن موسى؟ سلمك سلمي و حربك حربي، و تكون أخي و وليّ في الدّنيا و الآخرة. يا أبا الحسن، من أحبّك فقد أحبّني و من أبغضك فقد أبغضني. و من أحبّك أدخله الله الجنّة و من أبغضك أدخله الله النار، و كتابك يا معاوية الذي هذا جوابه ليس ممّا ينخدع به من له عقل أو دين، و السلام».1

  • و ينبغي أن نعلم أنّ عمرو بن العاص لم ينطلق في هذه الرسالة من وحي الإخلاص و الحبّ لسيّدنا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام و إن كان مقرّاً بهذه الفضائل لعليّ بن أبي طالب، بَيدَ أنّه كتب هذه الرسالة إنكاراً لمعاوية و ردّاً عليه حين رام أن يخدعه برسالته التي كتبها إليه. على أيّ حال فأنّ معاوية قد دعاه و وعده بحكومة مصر. و كم نصحه ولده عبد الله و غلامه وَردان أن لا ينجرف في تيّار معاوية، لكنّه لم يسمع. و بعد

    1. « غاية المرام» ص 359، الحديث الأوّل، و« المناقب» للخوارزميّ، طبع النجف ص 129 و 130.

معرفة الإمام ج٤

134
  • مراسلات جرت بينه و بين معاوية حول حكومة مصر المطلقة بلا قيد أو شرط، رضخ لمعاوية. و أخذ من معاوية الأمر في توليته مصر على شرط القتال مع عليّ بن أبي طالب.1 و كان له في حرب صفّين مقام الصدارة و الوزارة في جيش معاوية.

  • ذكر ابن أبي الحديد شرحاً مفصّلًا في ترجمة عمرو بن العاص ضمن شرح الخطبة الثالثة و الثمانين من خطب نهج البلاغة.2 و نذكر هنا نبذة منها في غاية الإيجاز. يقول: أبوه العاص بن وائل أحَدُ الْمُسْتَهزِءِينَ بِرَسُولِ اللهِ وَ الْمُكَاشِفِينَ لَهُ بِالْعَدَاوَةِ و فيه أنزل قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.3 و يلقّب العاص بن وائل في الإسلام بالأبتر، لأنّه كان يقول: سيموت هذا الأبتر غداً، فينقطع ذكره، يعني رسول الله، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.4

  • جنايات عمرو بن العاص و عداوة الشديد لأهل البيت عليهم السلام

  • أمّا عمرو (ابن عاص) نفسه فقد كان أحد من يؤذي رسول الله بمكّة، و يشتمه و يضع في طريقه الحجارة، لأنّه كان يخرج من منزله ليلًا فيطوف بالكعبة، و كان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها.5 و هو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله لمّا خرجت مهاجرة من مكّة إلى المدينة، فرّعوها و قرعوا هودجها بكعوب الرماح، حتى أجهضت جنيناً ميّتاً من أبي العاص بن الربيع بعلها. فلمّا بلغ ذلك رسول الله، نال منه و شقّ عليه مشقّة شديدة و لعنهم.6

  • و كان عمرو يعلّم صبيان مكّة شعراً في هجاء النبيّ، فينشدونه

    1. ذكر ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج 2 من ص 61 إلى 73 طريقة التحاق عمرو بن العاص بمعاوية مفصّلًا ضمن شرح الخطبة السادسة و العشرين.
    2. « شرح النهج» ج 6 من ص 280 إلى 330.
    3. ( 3 الى 6)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.
    4. ( 3 الى 6)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.
    5. ( 3 الى 6)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.
    6. ( 3 الى 6)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.

معرفة الإمام ج٤

135
  • و يصيحون برسول الله إذا مرّ بهم. و كان نفسه يهجو رسول الله. فقال رسول الله: و هو يصلّي بحجر إسماعيل: اللهُمَّ أنّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي وَ لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَالْعَنْهُ بِعَدَدِ مَا هَجَانِي.1

  • (قال سليم بن قيس: قال أمير المؤمنين: أنشد عمرو قصيدة في سبعين بيتاً في هجاء رسول الله، فقال رسول الله: اللهمّ العنه بكلّ بيت لعنة).2

  • و روى أهل الحديث أنّ النضر بن الحارث، و عُقبة بن أبي مُعَيْط و عمرو بن العاص عهدوا إلى سلا جمل3 فرفعوه بينهم، و وضعوه على رأس رسول الله و هو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه، فصبر و لم يرفع رأسه و بكى في سجوده و دعا عليهم. فجاءت ابنته فاطمة عليها السلام و هي باكية، فاحتضنت ذلك السَّلا فرفعته عنه فألقته و قامت على رأسه تبكي فرفع رأسه، و قال ثلاثاً: اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيشٍ. ثُمّ قال رافعاً صوته: أنّي مَظْلُومٌ فَانْتَصِرْ. ثمّ قام فدخل منزله، و ذلك بعد وفاة عمّه أبي طالب بشهرين.4 و لشدّة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله، أرسله أهل مكّة إلى النجاشيّ ليزهِّده في الدين، و ليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة، و ليقتل جعفر بن أبي طالب عنده، و هذا مذكور مشهور في السيَر.5

  • و أمّا «النابغة» امّ عمرو بن العاص [و اسمها سَلْمَي] فقد كانت أمَة لرجل من عَنَزة، فسُبيت، فاشتراها عبد الله بن جُدعان التيميّ بمكّة.

    1. « شرح النهج» ج 6، ص 282.
    2. كتاب« سليم بن قيس» ص 172.
    3. السَّلا رحم يكون فيه الطفل، و إذا انقطع في البطن هلكت الامّ و الولد على عكس المشيمة و هي غشاء رقيق داخل الرحم يكون على الطفل و يخرج معه عند الولادة.
    4. ( 4 و 5)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.
    5. ( 4 و 5)-« شرح النهج» ج 6، ص 282.

معرفة الإمام ج٤

136
  • فكانت بغيّاً ثمّ أعتقها، فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطّلب، و اميّة بن خلف الجمحيّ، و هشام بن المغيرة المخزوميّ، و أبو سفيان بن حرب و العاص بن وائل السهميّ، في طهر واحد، فولدت عَمْراً، فادّعاه كلّهم فَحُكِّمَت امّه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل، و ذاك لأنّ العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيراً، و كان أبو سفيان شحيحاً و بخيلًا. و مع أنّ عمرو بن العاص كان أشبه بأبي سفيان لكنّ سلمى نسبته للعاص بن وائل و ليس لأبي سفيان.1

  • و مجمل الكلام أنّ عمرو بن العاص لم يتوان لحظة واحدة في عدائه لرسول الله حتى آخر غزوة الخندق عند ما رجع المشركون إلى مكّة. يقول عمرو بن العاص: جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي، و يسمعون منّي، فقلت لهم: أنّي و اللهِ لأرى أمر محمّد يعلو الامور علوّاً منكراً. و أرى أن نأتى الحبشة فنلحق بالنجاشيّ. فإن ظهر محمّد على قومه، أقمنا عند النجاشيّ، فأن نكون تحت يديه أحبّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمّد. فإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا (و لن يأتينا منهم إلّا خير). قالوا: أنّ هذا لرأي. و جمعوا الهدايا الكثيرة و اتّجهوا صوب النجاشيّ.

  • سعاية عمرو بن العاص عند النجاشى بمبعوث رسول الله صلى الله عليه و آله

  • يقول عمرو بن العاص: كنّا عند النجاشيّ بعد ما جئناه بالهدايا و التحف، إذ قدم عمرو بن امَيَّة، و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب و أصحابه ثمّ خرج من عنده. فقلت لأصحأبي: (آن لي أن أنتقم من محمّد) هذا عمرو بن اميّة لو قد دخلتُ على النجاشيّ فسألته إيّاه فضربتُ عنقه. فدخلتُ عليه فسجدتُ له (و بعد السلام و التحيّة) قلتُ له: أيّها الملك! أنّي قد رأيتُ رجلًا خرج من عندك

    1. « شرح نهج البلاغة» ج 6، ص 283.

معرفة الإمام ج٤

137
  • و هو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله، فأنّه قد أصاب من أشرافنا و خيارنا. يقول ابن العاص: فغضب الملك، ثمّ مدّ يده، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنّه قد كسره، فلو انشقّت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه. ثمّ قلتُ: أيّها الملك، و الله لو ظننت أنّك تكره هذا، ما سألتكه. فقال: أ تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر (جبرائيل الأمين) الذي كان يأتى موسى لتقتله؟ فقلتُ: أيّها الملك، أ كذلك هو؟ فقال: أي و الله! أطعني ويحك و اتّبعه، فأنّه و الله لعلى حقّ، و ليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون و جنوده. قلتُ: فبايعني له على الإسلام، فبسط يده، فبايعته على الإسلام، و خرجتُ عامداً لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فلمّا قدمت المدينة، جئت إلى رسول الله و قد أسلم خالد بن الوليد، و قد كان صحبني في الطريق إليه. فقلتُ: يا رسول الله، ابايعك على أن تَغفر لي ما تقدّم من ذنبي. و لم أذكر ما تأخر. فقال: بايِعْ يَا عَمْرُو؛ فأنّ الإسلام يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَ أنّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَها. فبايعته و أسلمتُ.1

  • رسالة معاويه إلى عمرو بن العاص و استعانته به

  • و يقول إبن عبد البرّ: أنّ إسلام عمرو بن العاص كان سنة ثمان، و أنّه قدم، و خالد ابن الوليد، و عثمان بن طلحة المدينة، فلمّا رآهم رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأفْلَاذِ كَبِدِهَا.2

  • يتّضح لنا من هذه الرواية جيّداً أنّ إسلام عمرو بن العاص لم يكن من دافع خلوص السريرة، و عزم سابق، و إرادة حقيقيّة، بل أنّه لمّا جوبه برفض النجاشيّ عند ما التجأ إليه بعد أن ارتكب كلّ جريمة، و دعاه النجاشيّ إلى الإسلام. لم يجد بدّاً له و لديناه إلّا البيعة و التسليم في آخر المطاف.

    1. « شرح نهج البلاغة» شرح الخطبة 83، ج 6، ص 318 و 319.
    2. « الاستيعاب» ج 3، ص 1185.

معرفة الإمام ج٤

138
  • و بعثه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى ذات السلاسل من بلاد قُضاعة في ثلاثمائة ليدعوهم إلى الإسلام. و كانت جدّته امّ العاص بن وائل من بَلِيّ، فبعثه رسول الله إلى أرض بَلِيّ و عُذْرة، و في الطريق كتب إلى النبيّ يستنجده، فأمدّه بجيش فيه مائتا فارس بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح.1 ثمّ ولّاه رسول الله عُمان، فلم يزل عليها حتى قُبض رسول الله.2 و كان عمر بن الخطّاب ولّاه بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطين و الاردن. و ولّى معاوية دمشق، و بعلبك، و البلقاء. و ولّى سعيد بن عامر بن خذيم حِمْص. ثمّ جمع الشام كلّها لمعاوية، و كتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر. فسار إليها ابن العاص فافتتحها، فلم يزل عليها والياً حتى مات عمر. فأمرّه عثمان عليها أربع سنين و نحوها، ثمّ عزله عنها و ولّاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامريّ.3

  • يقول ابن عبد البرّ: أنّ عمرو بن العاص ادّعى [في زمان ولايته] على أهل الإسكندريّة أنّهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم، فعمد إليها فحارب أهلها، و افتتحها، و قتل المقاتلة و سبي الذرّيّة. فنقم ذلك عليه عثمان، و لم يصحّ عنده نقضهم العهدَ، فأمر بردّ السبي الذين سبقوا من القرى إلى مواضعهم، و عزل عمراً عن مصر، و ولّى عبد الله بن سعد بن أبي سُرْح العامريّ مصراً بدله. فكان ذلك بدو الشرّ بين عمرو بن العاص و عثمان بن عفّان. فلمّا بدا بينهما من الشرّ ما بدا، اعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله4 و بعد قتل عثمان، و بيعة المهاجرين و الأنصار

    1. « شرح النهج» ابن أبي الحديد ج 6، ص 320؛ و« الاستيعاب» ج 3، ص 1186.
    2. « شرح النهج» ج 6، ص 320.
    3. « شرح النهج» ج 6، ص 320؛ و« الاستيعاب» ج 3، ص 1187.
    4. « شرح النهج» ج 6، ص 321؛ و« الاستيعاب» ج 3، ص 1187.

معرفة الإمام ج٤

139
  • أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام بالخلافة، و تمرّد معاوية بادّعائه حكومة الشام، و رفض الإمام ذلك، كتب معاوية إلى عمرو بن العاص في فلسطين يستنجده لقتال أمير المؤمنين. و هذه هي الرسالة التي نقلناها آنفاً. و ذكرنا جواب عمرو بن العاص مفصّلًا. و عند ما وصل جوابه إلى معاوية، كتب إليه معاوية كتاباً آخر وعده فيه بحكومة الأمصار و الأموال الطائلة، و كتب في آخره هذه الأبيات الثلاثة.

  • جَهِلْتَ وَ لَمْ تَعْلَمْ مَحِلَّكَ عِنْدَنَا***وَ أرْسَلْتَ شَيْئاً مِنْ عِتَابٍ وَ مَا تَدْرِي

  • فَثِقْ بِالذي عِنْدي لَكَ الْيَوْمَ آنِفاً***مِنَ الْعِزِّ وَ الإكْرَامِ وَ الْجَاهِ وَ الْقَدْرِ

  • فَأكْتُبُ عَهْداً تَرْتَضِيهِ مُؤَكَّداً***وَ اشَفِّعُهُ بِالْبَذْلِ مِنِّي وَ بِالْبِرَّ

  • رسالة عمرو بن العاص الجوابية لمعاويه

  • فكتب إليه عمرو بن العاص مجيباً بهذه الأبيات:

  • أبي الْقَلْبُ مِنِّي أنْ اخَادَعَ بِالْمَكْرِ***بِقَتْلِ ابْنِ عَفّانٍ اجَرُّ إلى الْكُفْرِ

  • وَ أنّي لَعَمْرٌ و ذُو دَهَاءٍ وَ فِطْنَةٍ***وَ لَسْتُ أبيعُ الدِّينَ بِالرِّبْحِ وَ الْوَفْرِ

  • فَلَوْ كُنْتَ ذَا رَأي وَ عَقْلٍ وَ حِيلَةٍ***لَقُلْتَ لِهَذَا الشَّيْخِ إنْ خَاضَ في الأمْرِ

  • تَحِيَّةُ مَنْشُورٍ جَلِيسِ مُكَرَّم***بِخَبْطٍ [بِخَطٍّ] صَحِيحٍ ذِي بَيَانٍ على مِصْرِ

  • أ لَيْسَ صَغيراً مُلْكُ مِصْرَ بِبَيْعَةٍ***هِيَ الْعَارُ في الدُّنْيَا على الْعَقبِ مِنْ عَمْرِو

معرفة الإمام ج٤

140
  • فَإنْ كُنْتَ ذَا مَيْلٍ شَديدٍ إلى الْعلى***وَ إمرَةِ أهْلِ الدِّينِ مِثْلَ أبي بَكْرِ

  • فَأشْرِكْ أخا رَأي وَ حَزْمٍ وَ حِيلَةٍ***مُعَاوِيَ في أمْرٍ جَلِيلٍ لِذي الذِّكْرِ

  • فَأنّ رِواءَ اللَّيْثِ صَعْبٌ على الْوَرى***وَ إن غَابَ عَمْرٌو زيدَ شَرٌّ إلى شَرِّ 1

  • و خلاصة الكلام أنّ عمرو بن العاص يقول هنا بأنّه حازم فطن ذو دهاء. و أنّ معاوية إذا أشركه في الرئاسة، فأنّهما يستطيعان الوقوف بوجه الليث الباسل عليّ بن أبي طالب. و إلّا فأنّ معاوية وحده لا يستطيعو لا يجني من عمله إلّا الدمار و الشرّ. و بعد أن قرأ معاوية كتاب عمرو كتب إليه كتابه في تولية مصر.

  • نهى ابن و غلام عمرو بن العاص إيّاه عن إعانة معاويه

  • و عند ما وصل الكتاب إلى عمرو بن العاص ذهب به مذاهب شتّى، و فكّر ما ذا يفعل، فاستشار ابنيه: عبد الله و محمّد، فنهاه عبد الله عن الرحيل نحو معاوية قائلًا له: لستَ مجعولًا خليفة، و لا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما أن تهلكا، فتستويا في عقابها. أمّا محمّد فقد قال له: أرى أنّك شيخ قريش و صاحب أمرها و إن تصرّم هذا الأمر و أنت غافل، تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، طالباً بدم عثمان، فأنّه سيقوم بذلك بنو اميّة. فقال عمرو، أمّا أنت يا عبد الله، فأمرتني بما هو خير لي في ديني، و أنت يا محمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنيأي، و أنا ناظر، فلمّا جنّه اللّيل رفع صوته و أهله يسمعون، فقال:

  • تَطَاوَلَ لَيْلِى بِالْهُمُومِ الطَّوارِقِ***وَ خَوْفِ التي تَجْلُو وُجُوهَ العَوَاتِقِ

    1. « مناقب» الخوارزميّ ص 130 و 131.

معرفة الإمام ج٤

141
  • وَ أنّ ابْنَ هِنْدٍ سَألَني أنْ أزورَهُ***وَ تِلْكَ التي فِيهَا بَنَاتُ الْبَوائِقِ 1

  • أتَاهُ جَريرٌ مِنْ عَلِيّ بِخُطَّةٍ***أمَرَّتْ عَلَيْهِ الْعَيْشَ ذَاتَ مَضَائِقِ

  • فَإنْ نَالَ مِنِّي مَا يُؤَمِّلُ رَدَّهُ***وَ إنْ لَمْ يَنَلْهُ ذلَّ ذُلَّ الْمُطَابِقِ

  • فَوَ اللهِ مَا أدْرِي وَ مَا كُنْتُ هَكَذَا***أكُونُ وَ مَهْمَا قَادني فَهوَ سَابِقِي

  • اخادِعُهُ أنّ الْخِدَاعَ دَنِيَّةٌ***أمْ اعْطِيهِ مِنْ نَفْسِي نَصِيحَةَ وامِقِ

  • أمْ أقْعُدُ في بَيْتِي وَ في ذَاكَ رَاحَةٌ***لِشَيْخٍ يَخَافُ الْمَوْتَ في كُلِّ شَارِقِ

  • وَ قَدْ قَالَ عَبْدُ اللهِ قَوْلًا تَعَلَّقَتْ***بِهِ النّفوسُ إنْ لَمْ تَقْتَطِعْنِي عَوائِقِي

  • وَ خَالَفَهُ فِيهِ أخُوهُ مُحَمَّدٌ***وَ أنّي لَصُلْبُ الْعُودِ عِنْدَ الْحَقَائِقِ 2

  • فلمّا أسفر الصبح، أراد عمرو أن يستشير غلامه وَردان، و كان داهية مارداً، و لكنّه قبل أن يطلق لسانه بالكلام، بادره وَردان قائلًا: إن شئتَ أنبأتُكَ بِما في قلبك؟ فقال عمرو: هات. قال وَردان: اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك، فقلتَ: عليّ معه الآخرة في غير دنيا، و في الآخرة عوض من الدنيا، و معاوية مع الدنيا بغير آخرة، و ليس في الدنيا عوض من

    1. البائقة: الداهية، و الجمع البوائق.( م)
    2. « شرح نهج البلاغة» ابن أبي الحديد، ج 2، ص 62.

معرفة الإمام ج٤

142
  • الآخرة، و أنتَ واقف بينهما! قال: قاتلك الله! ما أخطأتَ ما في قلبي فما ترى يا وَردان؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك، فأنّ ظهر أهل الدين، عشتَ في عفو دينهم. و إن ظهر أهل الدنيا، لم يستغنوا عنك.1 و لكنّ عمرو تهيّأ للرحيل، و هو يقول:

  • يَا قَاتَلَ اللهُ وَرْدَاناً وَ مِدْحَتَهُ 2***أبْدَى لَعَمْرُكَ مَا في النَّفْسِ وَرْدَانُ

  • لَمّا تَعَرَّضَتِ الدُّنيا عَرَضْتُ لَهَا***بِحِرْصِ نَفْسِي وَ في الأطْبَاعِ إدْهَانُ

  • نَفْسٌ تَعِفُّ وَ اخرى الْحِرصُ يَغْلِبُهَا***وَ الْمَرءُ يَأكُلُ تِبْناً وَ هوَ غَرْثَانُ

  • أمّا عَلِيّ فَدينٌ لَيْسَ يَشْرَكُهُ***دُنْيَا وَ ذَاكَ لَهُ دُنْيَا وَ سُلْطَانُ

  • فَاخْتَرْتُ مِنْ طَمَعِي دُنْيَا على بَصَرٍ***وَ مَا مَعِي بِالذي أختَارُ بُرْهَانُ

  • أنّي لأعْرِفُ مَا فِيهَا وَ ابْصِرُهُ***وَ فِيّ أيْضاً لِمَا أهْواهُ ألْوَانُ

  • لَكِنَّ نَفْسِي تُحِبُّ الْعَيْشَ في شَرَفٍ***وَ لَيْسَ يَرْضى بِذُلِّ الْعَيْشِ إنْسَانُ 3

  • فجدّ عمرو بن العاص السير حتى بلغ مفترقاً يتشعّب إلى طريقين: أحدهما طريق العراق، و الآخر طريق الشام. فمنعه عبد الله و وَردان من

    1. « شرح نهج البلاغة» ابن أبي الحديد ج 2، ص 63.
    2. في« مناقب» الخوارزميّ: وَ فِطْنَتَهُ.
    3. « شرح نهج البلاغة» ابن أبي الحديد ج 2، ص 63؛ و« مناقب» الخوارزميّ ص 131.

معرفة الإمام ج٤

143
  • السير نحو الشام قائلين له: الآخرة في طريق العراق، لكنّ عمرو بن العاص لم يطاوعهما فعرّج نحو الشام.1 و دخل على معاوية، و ثبت له الأمر بولاية مصر، و علّم معاوية كيف يخدع الناس بالأخذ بثأر عثمان خليفة رسول الله متظاهراً أنّ عليّاً و أصحابه هم الذين قتلوه. فأرسلا على شرحبيل بن السمط و هو شيخ الشام و أميرها فخدعاه بأنّ عليّاً هو الذي قتل عثمان فلا بدّ من قتاله أخذاً بثأر الخليفة المظلوم. فانخدع ذلك الرجل المسكين و أعلن للناس عن وجوب متابعة معاوية، و أن لا يألوا جهداً في الأخذ بثأر عثمان. و تمخّض ذلك كلّه عن حرب صفّين.

  • ذكروا أنّ مائة ألف قد قتلوا في تلك الحرب حتى كاد النصر أن يكون لأمير المؤمنين عليه السلام في ليلة الهرير، لو لا خطّة ماكرة جديدة طرحها عمرو بن العاص، و هي رفع المصاحف على الرماح ممّا أدّى إلى حدوث الاضطراب و التضعضع في جيش الإمام، و بدا عليهم الضعف و الفتور و استغلّ المنافقون المندسّون في جيشه الموقف فأرغموه على التسليم لأمر الحكمين. و خدع عمرو بن العاص حكم أهل الشام أبا موسى الأشعريّ حتى حكم بعزل أمير المؤمنين عن الخلافة. و في هذا الموقف لاحت البوادر الاولى لانشقاق الخوارج، فشكّلوا لهم جبهة في مقابل الإمام. و لم يقرّ الإمام عليه السلام بالتحكيم و اعتبره خدعة ... ثمّ أنّه استعدّ مرّة اخرى لقتال أهل الشام للإطاحة بحكومة معاوية الفاسدة، و جهّز جيشاً عدّته مائة ألف، و كاد أن يتحرّك لو لا سيف ابن ملجم المراديّ أحد الخوارج الحمقى إذ فلق هامته، فانتقل من هذه الدار المتعبة إلى جوار ربّه حيث الأمن و الأمان و السعادة.

    1. « مناقب» الخوارزميّ ص 132.

معرفة الإمام ج٤

144
  • تحرّك عمرو بن العاص إلى مصر أيّام خلافة الإمام أمير المؤمنين و قتل محمّد بن أبي بكر و إلى الإمام على مصر. و عمل كلّ ما في جهده لتوسيع رقعة حكومته، و لم يقصّر لحظة واحدة طيلة حياته عن عداء أهل البيت. و حدث مرّة أنّه عيّر الإمام الحسن عليه السلام و عابه في مجلس معاوية.1 و كذلك وبّخ عبد الله بن جعفر.2 لكنّ الإمام الحسن عليه السلام و عبد الله بن جعفر أجاباه جواباً شافياً و كشفا للملأ سيّئاته و قبائحه و جرائمه.

  • أنّ قصدنا من ترجمة عمرو بن العاص هنا هو: أوّلًا: ظهر لنا أنّ إيمانه كان سطحيّاً لم ينفذ إلى أعماق قلبه، فما أن أقبلت إليه الدنيا حتى طلّق دينه و باع نفسه و دينه بولاية مصر. ثانياً: على الرغم من العداء الذي كان يكنّه عمرو لأمير المؤمنين، بَيدَ أنّه أفصح في البداية عن مناقبه و فضائله، و لم يمتنع عن الاعتراف بها، و ذكر في رسالته الاولى إلى معاوية بكلّ صراحة عشرين منقبة من مناقب أمير المؤمنين التي جاءت في الروايات المأثورة، وَ الْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ. و ممّا اعترف به هو الآية التي هي مدار بحثنا: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، إذ صرّح على أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

  • الروايات المأثورة عن الإمامين السجاد و المجتبى بأنّ المراد من الشاهد على

  • الثامنة: رواية مأثورة عن الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام روى ابن المغازليّ بسنده عن عبّاد بن عبد الله، قال: سمعت عليّاً [عليه السلام] يقول في خطبة: مَا نَزَلَتْ آيةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إلّا وَ قَدْ عَلِمْتُ متى انْزِلَتْ، وَ فِيمَنْ انْزِلَتْ، وَ مَا مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ إلّا وَ قَدْ انْزِلَتْ فِيهِ آيةٌ مِنْ

    1. « شرح نهج البلاغة» ابن أبي الحديد ج 6، ص 287.
    2. « شرح النهج» ج 6، ص 295.

معرفة الإمام ج٤

145
  • كِتابِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ تَسُوقُهُ إلى جَنَّةٍ أوْ نَارٍ. قَالَ رَجُلٌ: يَا أميرُ المُؤمِنِينَ فَمَا نَزَلَ فِيكَ؟ قَالَ: أ مَا تَقْرَا: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ- الآية؟ فَرَسُولُ الله صلَى الله عليه [و آله] و سلّم عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ أنَا التالي الشَّاهِدُ مِنْهُ؛ أيضاً عن زين العابدين، و الباقر، الصادق عليهم السلام ذكروا هذا الحديث. نقل القندوزيّ الحنفيّ هذه الرواية عن إبن المغازليّ.

  • التاسعة: الروايات المأثورة عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام روى الشيخ الطوسيّ في أماليه بسنده عن عليّ بن الحسين، عن الحسن في خطبة طويلة ألقاها بحضور معاوية، قال فيها: أقُولُ مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ وَ لَكُمْ أفْئِدَةٌ وَ أسْمَاعٌ: وَ هُوَ: أنّا أهْلُ بَيْتٍ أكْرَمَنَا اللهُ بِالإسْلَامِ وَ اخْتَارَنَا وَ اصْطَفَانَا وَ اجْتَبَانَا فَأذْهَبَ عَنَّا الرِّجْسَ وَ طَهَّرَنَا تَطْهِيراً، وَ الرِّجْسُ هُوَ الشَّكُّ، فَلَا نَشْكُّ في اللهِ الْحَقِّ وَ دِينِهِ أبَداً، وَ طَهَّرنَا مِنْ كُلِّ أفْنٍ وَ عَيْبَةٍ مُخْلَصِينَ إلى آدَمَ نِعْمَةً مِنْهُ، لَمْ يَفْتَرِقِ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إلَّا جَعَلَنا اللهُ في خَيْرِ مَا فَاتَ الامُورُ إلى أنْ يَبْعَثَ اللهُ مُحُمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ لِلنُّبُوَّةِ وَ اخْتَارَهُ لِلرِّسَالَةِ وَ أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ ثُمَّ أمَرَهُ بِالدُّعَاءِ إلى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَكَانَ أبي عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلٌ مَنِ اسْتَجَابَ لِلهِ تَعَإلى وَ لِرَسُولِهِ وَ أوَّلَ مَنْ آمَنَ وَ صَدَّقَ اللهَ وَ رَسُولَهُ. وَ قَدْ قَالَ الله تعالى في كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ على نَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» فَرَسُولُ اللهِ الذي على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ أبي الذي يَتْلُوهُ وَ هُوَ شَاهِدٌ مِنْهُ- وَ سَاقَ الْخُطْبَةَ وَ هِيَ طَوِيَلَةٌ.1 و قد نقل الشيخ الطوسيّ بسنده عن الإمام الحسن هذه الخطبة الطويلة جدّاً حتى آخرها. و نقل العلّامة الطباطبائيّ في تفسيره عن أمالى الشيخ شيئاً منها بمقدار الحاجة عند تفسيره الآية المذكورة.2 و نقل القندوزيّ الحنفيّ أيضاً

    1. « غاية المرام» ص 361، الحديث الخامس.
    2. تفسير« الميزان» ج 10، ص 199.

معرفة الإمام ج٤

146
  • خطبة الإمام الحسن، و الاستشهاد بهذه الآية الشريفة.1

  • طوائف من روايات أمير المؤمنين فى أنّه هو المراد بالشاهد

  • العاشرة: روايات جمّة اثرت عن أمير المؤمنين عليه السلام نفسه. و تقسم هذه الروايات إلى أقسام من حيث المضمون:

  • الأوّل: روايات جاء فيها استشهاد الإمام بالآية المذكورة فقط. فقد روى ابن شهرآشوب عن الحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ، عن ابن عبّاس بثلاثة طرق، أنّه قال:

  • سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ: قَوْلُ الله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ على بَيِّنَةٍ وَ أنَا الشَّاهِدُ.2

  • و نقل الشيخ سليمان القندوزيّ مثل هذه الرواية عن الحموينيّ في «فرائد السمطين» عن ابن عبّاس، و عن زاذان، عن أمير المؤمنين عليه السلام.3 و كذلك عن الحموينيّ بإسناده عن جابر بن عبد الله و بإسناده الآخر عن البُختريّ، و كلاهما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام.4 و روي أيضاً عن أبي نعيم الإصفهانيّ، و الثعلبيّ، و الواقديّ بأسانيدهم عن ابن عبّاس، و زاذان، و جابر، و كلّهم رووا عن أمير المؤمنين عليه السلام.5 و نقل العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظله ذلك عن «تفسير البرهان» عن ابن مردويه، عن أمير المؤمنين عليه السلام.6 و رواه السيوطيّ عن أبي حاتم، و ابن مردويه، و أبي نعيم في كتاب «معرفة الصحابة»،7 و عن ابن مردويه، و ابن

    1. « ينابيع المودّة» ص 99.
    2. تفسير« الميزان» ج 10، ص 201.
    3. ( 3 الى 5)-« ينابيع المودّة» الباب 26، ص 99.
    4. ( 3 الى 5)-« ينابيع المودّة» الباب 26، ص 99.
    5. ( 3 الى 5)-« ينابيع المودّة» الباب 26، ص 99.
    6. تفسير« الميزان» ج 10، ص 201.
    7. « الدرّ المنثور» ج 3، ص 324.

معرفة الإمام ج٤

147
  • عساكر،1 أيضاً، عن أمير المؤمنين عليه السلام. و رواه الحاكم الحسكانيّ بسند واحد عن عبّاد بن عبد الله،2 و بسند ثان عن عبّاد بن عبد الله أيضاً،3 و بسند ثالث عن الحارث، عن أمير المؤمنين عليه السلام.4

  • الثاني: روايات يقول فيها الإمام: لو ثنّيت لي و سادة، فأجلست عليها لحكمت بين جميع أهل الأديان السماويّة بكتبهم، و في تضاعيف كلامه ذكر نزول الآية المشار إليها فيه. روى الحموينيّ في «فرائد السمطين» بسلسلة سنده عن زاذان أنّه قَالَ:

  • سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ: وَ الذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأ النَّسَمَةَ لَوْ كُسِرَتْ لِي وَ سَادَةٌ (يَقُولُ ثُنِّيَت) فَاجْلِسْتُ عَلَيْهَا لَحَكَمْتُ بَيْنَ أهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلَ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلِ الْفُرقَانِ بِفُرْقَانِهِم. وَ الذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأ النَّسَمَةَ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَواسِي إلّا وَ أنَا أعْرِفُ آيةً تَسُوقُهُ إلى جَنَّةٍ أوْ تَسُوقُهُ إلى نَارٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: فَأنْتَ أيِّشْ5 نَزَلَ فِيكَ؟

  • فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ «أ فَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ منْ رَّبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ» فَرَسُولُ اللهِ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتلُوهُ أنَا شَاهِدٌ مِنْهُ.6

  • و روى مثل هذه الرواية: الثعلبيّ في تفسيره أيضاً عن زاذان، عن

    1. « الدرّ المنثور» ج 3، ص 324.
    2. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 275.
    3. « شواهد التنزيل»، ص 276.
    4. « شواهد التنزيل»، ص 278.
    5. مختصر« أي شَيء».
    6. « غاية المرام» ص 359، الحديث الرابع نقلًا عن« فرائد السمطين».

معرفة الإمام ج٤

148
  • الإمام،1 و محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين،2 و العلّامة الطباطبائيّ عن «بصائر الدرجات»،3 و الحاكم الحسكانيّ بسندين، أحدهما عن فرات بن إبراهيم الكوفيّ بسنده عن حبيب بن يسار،4 و رواه الطبريّ بإسناده عن جابر بن عبد الله، عن أمير المؤمنين عليه السلام.5

  • خطبة أمير المؤمنين على منبر مسجد الكوفة فى أنّ المراد من الشاهد نفسه

  • و الرواية التي تتكفّل ببيان مواصفات كلام الإمام بشكل خاصّ، و بنحو مفصّل، هي التي رواها الحموينيّ بسلسلة سنده عن أبي المؤيّد موفّق بن أحمد المكّيّ بسلسلة سنده عن طريق العامّة عن نوح بن قيس، عن الأعمش، عن عمر بن مُرّة، عن أبي البُختريّ قَال: رَأيْتُ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ عَلِيّاً عَلَيهِ السَّلَامُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ بالْكُوفَةَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ مُتَقَلِّداً بِسَيْفِ رَسُولِ اللهِ مُتَعَمِّماً بِعِمَامَةِ رَسُولِ اللهِ وَ في إصْبَعِةِ خَاتَمُ رَسُولِ اللهِ فَقَعَدَ عَلَيهِ السَّلَامُ على الْمِنْبَرِ وَ كَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ وَ قَالَ اسْألُونِي مِنْ قَبْلِ أنْ تَفْقِدُونِي فَأنّ مَا بَيْنَ الْجَوانِحِ مِنِّي عِلْمٌ جَمٌّ، هَذَا سَفَطُ الْعِلْمِ هَذَا لُعَابُ رَسولِ اللهِ، هَذَا مَا زَقَّني رَسُولُ اللهِ زَقّاً مِنْ غَيْرِ وَحيٍ أوحِيَ إلَيّ فَوَ اللهِ لَوْ ثُنِّيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لأفْتَيْتُ لأهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَورَاتِهِمْ وَ لأهْلِ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ حتى يُنْطِقَ اللهُ التَّورَاةَ وَ الإنْجِيلَ فَتَقُولُ: صَدَقَ عَلِيّ، قَدْ أفْتَاكُمْ بِمَا انْزِلَ فِيّ؛ وَ أنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ- أ فَلَا تَعْقِلُونَ-: وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ

    1. « غاية المرام» ص 360، الحديث التاسع.
    2. « غاية المرام» ص 361، الحديث الثالث.
    3. تفسير« الميزان» ج 10، ص 200.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 280.
    5. « غاية المرام» ص 360، الحديث العاشر.

معرفة الإمام ج٤

149
  • مِنْهُ.1

  • الثالث: روايات اثرت عن الإمام في شأن نزول الآية، ليس فيها عبارة لو ثنّيت لي الوسادة، بل قال الإمام فقط: ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلّا و أنا أعرف آية تسوقه إلى جنّة أو تسوقه إلى نار، فقام إليه ابن الكوّاء فقال: و ما انزل فيك؟ و لا يذكر اسمه في أغلب هذه الروايات بل يقول: قام إليه رجل و سأله، و يقرأ الإمام قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. و يفسّره بأنّ المراد من صاحب البيّنة رسول الله، و الشاهد هو نفسه، و يقول في بعضها: و الله لأن تعلمون ما خصّنا الله به أهل البيت أحبّ إليّ ممّا على الأرض من ذهبة حمراء أو فضّة بيضاء.

  • و من هذه الروايات رواية رواها ابن المغازليّ الشافعيّ بسنده عن عبّاد بن عبد الله، قال:

  • سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ: مَا نَزَلَتْ آيَةٌ في كِتَابِ الله جَلّ وَ عَزّ إلّا وَ قَدْ عَلِمْتُ متى نَزَلَتْ وَ فِيمَ انْزِلَتْ، وَ مَا مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ إلّا قَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَسُوقُهُ إلى جَنَّةٍ أوْ نَارٍ. فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمِنِينَ فَمَا نَزَلَتْ فِيكَ؟ فَقَالَ: لَوْ لَا أنّكَ سَألْتَنِي على رُؤوُسِ الْمَلاء مَا حَدَّثْتُكَ! أمّا تَقْرَا: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ؟ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ أنَا الشَّاهِدُ مِنْهُ، أتْلُوهُ وَ أتَّبِعُهُ وَ اللهِ لأنْ تَعْلَمُونَ مَا خَصَّنَا اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ أهْلَ الْبَيْتِ أحَبُّ إلَيّ مِمّا على الأرْضِ مِنْ ذَهَبَةٍ حَمْرَاءَ أوْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ.2

    1. « غاية المرام» ص 295، الحديث السادس.
    2. « مناقب» ابن المغازليّ، الحديث 318، ص 270.

معرفة الإمام ج٤

150
  • فى أسانيد خطبة أمير المؤمنين فى مسجد الكوفة بشأن إحاطة علمه ...

  • و ذكر الشيخ سليمان القندوزيّ1 هذه الرواية بإيجاز عن ابن المغازليّ، و رواها السيوطيّ، عن أبي حاتم و ابن مردويه، كما رواها أبو نعيم الإصفهانيّ في كتاب «معرفة الصحابة»2 و الحاكم الحسكانيّ تحت الحديث 375 عن عبد الله بن نجيّ، و الحديث 379 بسند آخر عن جابر، عن عبد الله بن نجيّ، و الحديث 386 عن زاذان،3 و ذكرها أيضاً أبو نعيم الإصفهانيّ في ترجمة أمير المؤمنين من كتاب «معرفة الصحابة» في الورقة الثانية و العشرين، عن الطبرانيّ بسنده عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ.4 و كذلك ذكرها الطبريّ في تفسيره في ذيل الآية الكريمة ج 12 ص 15 بسلسلة سنده عن عبد الله بن يحيى.5

  • كما ذكرها أبو الفتوح الرازيّ نقلًا عن «تفسير الثعلبيّ» بإسناده عن حبيب بن يسار، عن زاذان.6

  • و رواها العلّامة السيّد هاشم البحرانيّ في «غاية المرام» عن طريق العامّة تحت عنوان: الحديث الخامس من الباب الحادي و الستّين، عن الحموينيّ بسلسلة سنده عن جابر بن عبد الله،7 و عن الواحديّ بإسناده عن عبّاد بن عبد الله تحت عنوان: الحديث السابع،8 و عن كتاب «نُضْح

    1. « ينابيع المودّة» باب 26، ص 99.
    2. « الدرّ المنثور» ج 3، ص 324.
    3. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 276 إلى 281.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، هامش ص 277.
    5. « شواهد التنزيل» ج 1، هامش ص 279.
    6. « تفسير ابي الفتوح» ج 6، ص 256.
    7. « غاية المرام» باب 61، ص 359.
    8. « غاية المرام» باب 61، ص 360.

معرفة الإمام ج٤

151
  • الخطيب» مرفوعاً، عن ابن الكوّاء1 تحت عنوان: الحديث الرابع عشر، و عن القاضي عثمان بن أحمد، و أبي نصر القُشَيريّ في كتبهم تحت عنوان: الحديث الخامس عشر.2

  • و عن الثعلبيّ مرفوعاً، عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت عنوان: الحديث التاسع عشر،3 و عن ابن المغازليّ الشافعيّ مرفوعاً عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ تحت عنوان: الحديث (العشرون)،4 و عن الجبريّ تحت عنوان: الحديث الحادي (و العشرون).5

  • و عن ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن عبد الله بن الحارث تحت عنوان: الحديث الثاني (و العشرون)6 و عن ابن أبي الحديد أيضاً في «شرح النهج» عن صاحب كتاب «الغارات» عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث (غاية المرام، باب 60، الحديث 23، ص 360).

  • و رواه أيضاً عن طريق الخاصّة، فقد نقله عن الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت عنوان: الحديث الرابع من الباب الثاني و الستّين،7 و عن الشيخ المفيد في «الأمالي» بسنده عن عبّاد بن عبد الله تحت عنوان: الحديث السادس،8 و عن العيّاشيّ، عن جابر بن عبد الله بن يحيى عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت عنوان: الحديث التاسع،9 و تحت عليّ بن عيسى الإربليّ في «كشف الغمّة»10 عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و نقله العلّامة الطباطبائي مدّ ظله عن تفسير «الدرّ المنثور» بتخريج

    1. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    2. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    3. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    4. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    5. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    6. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    7. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    8. ( 1 الى 8)-« غاية المرام» باب 61، ص 360.
    9. ( 9 و 10)-« غاية المرام» باب 62، ص 362.
    10. ( 9 و 10)-« غاية المرام» باب 62، ص 362.

معرفة الإمام ج٤

152
  • أبي نعيم، و إبن أبي حاتم، و ابن مردويه، عن أمير المؤمنين عليه السلام،1 و رواه العلّامة المجلسيّ عن «أمالي» الشيخ بإسناد أخي دعبل، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام،2 و كذلك عن «تفسير عليّ بن إبراهيم» عن أبيه بإسناده عن أبي بصير، و الفضيل بن يسار عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام.3 و عن «الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، عن سليم بن قيس الهلاليّ الكوفيّ،4 و عن «بصائر الدرجات» بإسناده عن الأصبغ بن نباته،5 و عن «تفسير العيّاشيّ» أيضاً عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، عن عبد الله بن يحيى،6 و عن «مناقب» ابن شهرآشوب، عن «تفسير الطبريّ» بإسناده عن جابر بن عبد الله، عن أمير المؤمنين عليه السلام عن الأصبغ بن نباته، و الإمام زين العابدين، و الباقر، و الصادق و الرضا عليهم السلام،7 و أيضاً عن «مجالس» الشيخ المفيد بإسناده عن عبّاد بن عبد الله.8

  • و عن «تفسير فرات بن إبراهيم» بثمانية أسناد: الأوّل: عن الحسين بن سعيد بإسناده عن عبّاد بن عبد الله.9 الثاني: عن جعفر بن محمّد الفزاريّ بإسناده عن زاذان.10 الرابع: عن جعفر بن محمّد بن هشام بإسناده عن الحسن بن الحسين.11 الخامس: عن الحسين بن الحكم بإسناده عن عبد الله بن عطا عن الإمام الباقر عليه السلام.12 السادس: عن الحسين بن سعيد بإسناده عن زاذان بنصّ آخر غير النصّ المتقدّم.13 السابع: عن محمّد بن عيسى بن زكريّا الفلّاح بإسناده عن عبّاد بن

    1. تفسير« الميزان» ج 10، ص 200.
    2. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    3. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    4. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    5. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    6. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    7. ( 2 الى 7)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    8. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    9. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    10. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    11. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    12. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    13. ( 8 الى 13)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.

معرفة الإمام ج٤

153
  • عبد الله.1 الثامن: عن عبيد بن كثير بإسناده عن عبد الله بن يحيى.2 و كذلك رواه عن «كشف الغمّة» عن أبي بكر بن مردويه، عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ،3 و أيضاً عن «الطرائف» للسيّد ابن طاووس، عن ابن المغازليّ.4

  • أنّ جميع هذه الروايات- في الحقيقة- و الروايات التي تقدّمت عليها تنبئ عن قضيّة واحدة، و هي صعود أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر في مسجد الكوفة و انشغاله بالحديث عن علومه الكثيرة، و قيام شخص و سؤاله عن الآية النازلة بحقّه، و جواب الإمام بتلاوة الآية المشار إليها و تفسيرها. و صفوة القول أنّ كلّ واحد من الرواة نقل القسم الذي يرتئيه من هذه الواقعة. مضافاً إلى ذلك أنّ النقل لمّا كان يتركّز على المعنى، لذلك رويت العبارة المنقولة عنه بألفاظ متنوّعة لا تخلّ بالمعنى،

  • فى خطبة «سلونى قبل أن تفقدونى» و أسئلة ابن الكوّاء و أجوبة

  • و أغلب الظنّ أنّ أتمّ رواية مأثورة من حيث كيفيّة الخطبة، و سؤال ذلك الرجل عن شأن نزول آية في الإمام عليه السلام هي الرواية التي نقلها الشيخ أبو الفتوح الرازيّ عن كتاب «نصح الخطيب». قال: صعد أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم على منبر مسجد الكوفة فقال: سَلُونِي قَبْلَ أن تَفْقِدُونِي فَأنّ الْعِلْمَ يَفِيضُ بَيْنَ جَنْبَيّ فَيْضَاً لَوْ وَجَدَ مُسْتَفَاضاً. ألَا وَ أنّكُمْ لَنْ تَسألُونِي عَنْ فِئَةٍ بَاغِيَةٍ وَ اخرى هَادِيَةٍ إلّا أخْبَرْتُكُمْ بِهَادِيهاً وَ بَاغِيهَا وَ سَائِقهَا وَ قائِدِها إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

  • فقام ابن الكوّاء و قال: مَا ادَّعى مِثْلَهُ نَبِيّ وَ لَا وَصِيّ. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنت لا تسأل تفقّهاً بل تسأل تعنّتاً. فقال له ابن

    1. « بحار الأنوار» ج 9، ص 73.
    2. ( 2 الى 4)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    3. ( 2 الى 4)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.
    4. ( 2 الى 4)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 74.

معرفة الإمام ج٤

154
  • الكوّاء: امرنا أن نسأل عمّا لا نعلم. فقال له الإمام: سَلْ تَفَقُّهَاً وَ لَا تَسألْ تَعَنُّتاً، وَ سَلْ عَمّا يَعْنيكَ.

  • فقال ابن الكوّاء: سأسأل عمّا يعنيني. فقال له الإمام: سل. فقال: أخْبِرنِي ما الذاريات ذروا؟ قَالَ: تِلْكَ الرِّياحُ. قالَ: الحاملات وقرا؟ قال: السحاب الثّقال. قال: الجاريات يسرا؟ قال: الفلك التي تجري في البحر. قال: المقسمات أمرا؟ قال: الملائكة الذين يقسّمون أرزاق الناس، قال: أين يكون البيت المعمور؟ قال: هو بيت في السماء يدخله في كلّ يوم سبعون ألف ملك فوجاً فوجاً، و لا يدخل الفوج الأوّل فيه مرّة اخرى حتى يوم القيامة. قال: ذو القرنين ملك أو نبيّ؟ قال ما كان ذو القرنين ملكاً و لا نبيّاً بل كان عبداً صالحاً لله، أحبّ الله و أحبّه الله، و كان ينصح عباد الله. قال: قرناه من ذهب أو من فضّة؟ قال: ما كان له قرن، فلا ذهب و لا فضّة. أنّه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيمن، فغاب عنهم زماناً ثمّ جاءهم و دعاهم إلى الله ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر (فقيل له: ذا القرنين). و فيكم مثله (يقصد نفسه إذ ضرب بالسيف على رأسه ضربتين: الاولى في غزوة الأحزاب، ضربه عمرو بن عبد ود، و الاخرى في محراب العبادة ضربه ابن ملجم المراديّ، و لذلك قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: عليّ فاروق هذه الامّة و صدّيقها و ذو قرنها).1

    1. يقول ابن شهرآشوب في الجزء الأوّل من« المناقب» ص 569: أبو عبيد في« غريب الحديث»: أنّ النبيّ قال لأمير المؤمنين: أنّ لك بيتاً في الجنّة و أنّك لذو قرنيها. سويد بن غفلة و أبو الطفيل: قَالَ أمير المؤمنين: أنّ ذا القرنين كان ملكاً عادلًا فأحبّه الله و ناصح الله فَنَصَحَهُ الله، أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه بالسيف فغاب عنهم ماشاءالله، ثمّ رجع إليهم فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر بالسيف فذلك قرناه و فيكم مثله- يعني نفسه- لأنّه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق و الثانية ضربة ابن مُلجَم

معرفة الإمام ج٤

155
  • قال: أخبرني فيمن نزلت هذه الآية: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ؟ قال: هُمَا الأفْجَرانِ مِنْ قُرَيْشٍ: بَنُو امَيَّة وَ بَنُو الْمُغِيْرَةِ. قال: أخبرني عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا؟ قال: أهل حَرَوْراء، يقصد الخوارج. قال: أخبرني ما هي المجرّة؟ قال: شِراجُ السَّمَاءِ مِنْهَا هَبَطَ الْمَاءُ الْمُنْهَمِرُ. قال: فما قوس قزح؟ قال الإمام: لا تقل قزح، لأنّه اسم الشيطان، قل: قوس الله، و فيه الأمان من الغرق. قال: أخبرني عن محاق الهلال. فتلا الإمام قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً.

  • قال: أخبرني عن أصحاب رسول الله. قال الإمام: عمّن اخبرك؟ قال: عن عبد الله بن مسعود؟ قال: قَرَأ الْقُرآنَ ثُمَّ وَقَفَ عِنْدَهُ. قال: أخبرني عن أبي ذرّ. قال: عَالِمٌ شَحيحٌ على عِلْمِهِ. قال: أخبرني عن سلمان. قال: أدْرَكَ عِلْمَ الأوَّلِ وَ الآخرِ وَ هُوَ بَحْرٌ لَا يُنْزَحُ (وَ مَنْ لَكَ بِلُقْمَانَ الْحَكِيم1) وَ هُوَ مِنّا أهْلَ الْبَيْتِ. قال: أخْبِرنِي عن حذيفة بن اليمان. قال: عَرّافٌ بِالمُنافِقِينَ، وَ سَألَ رَسُولَ اللهِ عَنِ الْمُضِلَّاتِ، وَ إنْ سَألْتُمُوهُ وَجَدْتُمُوهُ خَبِيراً بِهَا. قال: أخبرني عن عمّار بن ياسر. قال: خَالَطَ الإسْلَامُ لَحْمَهُ وَ دَمَهُ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ على النَّارِ، كَيْفَما دَارَ الْحَقُّ دَارَ مَعَهُ.

  • قال: أخبرني عن نفسك. قال: قَالَ الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ و كذلك قالَ: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. كُنْتُ أوَّلَ دَاخِلٍ وَ آخِرَ خَارِجٍ، وَ كُنْتُ إذَا سَألْتُ اعْطِيتُ، وَ إذَا سَكَتُّ ابْتُديتُ، وَ بَيْنَ جَوانِحِي عِلْمٌ جَمٌّ.

    1. أيّ هو مثل لقمان الحكيم.

معرفة الإمام ج٤

156
  • قال: ما نزل في حقّك من القرآن؟ قال: أ لم تقرأ سورة هود: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ؟ فصاحب البيّنة من ربّه رسول الله و الشاهد عليه الذي يتّبعه هو أنا. قال ابن الكوّاء: وَ حَقِّكَ لَا اتَّبَعْتُ أحَداً بَعْدَكَ.1

  • يقول المرحوم الميرزا أبو الحسن الشعرانيّ في تعليقه على تفسير هذه الآية: ذكر المجلسيّ في «بحار الأنوار» هذه الرواية عن كتاب «الغارات» لإبراهيم الثقفيّ. إلّا أنّه ذكر لفظ شرج السماء بصيغة المفرد بدل لفظ شراج السماء. و الشرج هو مسيل الماء. و كأنّ الإمام أراد أن يشبّه طرق السماء المضيئة بمسيل الماء على الأرض.2

  • أجل يبدو على الظاهر أنّ هذه الخطبة التي ألقاها الإمام من على المنبر في مسجد الكوفة كانت بعد حرب النهروان و قبيل استشهاده بقليل. و في قوله عليه السلام سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي تلميح إلى قرب موته و استشهاده أيضاً. و الشاهد هو أنّ أصل هذه الخطبة قد جاء في «نهج البلاغة»، و أشار الإمام فيها إلى قضيّة النهروان و افول نجم الخوارج. فقد قال: أمّا بَعْدُ أيُّها النَّاسُ فَأنا فَقأتُ عَيْنَ الْفِتنَةِ3 وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْرُءَ عَلَيْهَا أحَدٌ غَيرى بَعْدَ أن ماجَ غَيْهَبُهَا وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا، فَاسْألُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مائَةً وَ تُضِلُّ مَائَةً إلّا أنْبَأتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائقِهَا وَ مُنَاخِ

    1. « تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 6، ص 256 إلى 258، بالفارسيّة.
    2. تعليقة ص 257 من الجزء السادس. و قد نقلنا هنا عبارة الشعرانيّ و عبارة أبي الفتوح في المتن باستيحاء معناهما.
    3. و استأصلتُ الخوارج.

معرفة الإمام ج٤

157
  • رِكَابِهِا وَ مَحَطِّ رِحَالِهِا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أهْلِهِا قَتْلًا وَ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً، وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُوني وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرائِهُ الامورِ وَ حَوازِبُ الْخُطُوبِ لأطْرَقَ كَثيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ.1 الخطبة.

  • كانت هذه مجموعة روائيّة اثرت في شأن نزول الآية: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و آنَ لنا أن نعلم معنى الشَّاهِد و معنى يَتْلُوهُ. و مضافاً إلى ذلك، ما هي المنقبة التي يحملها عنوان الشهادة لأمير المؤمنين عليه السلام؟

  • آية «و يتلوه شاهدٌ منه» أكبر مناقب أمير المؤمنين

  • و قد عرفنا إجمالًا أنّ معنى «شَاهِدٌ» مهما كان فهو منصب عال و مقام رفيع، لأنّه جاء بين آيات كثيرة نزلت في أمير المؤمنين، بل كما قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَا أنْزَلَ اللهُ آيَةً في الْقُرآنِ فِيهَا «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلّا وَ عَلِيّ رَأسُهَا وَ أمِيرُهَا وَ شَريفُهَا. فَلَقَدْ عاتَبَ اللهُ أصْحَابَ مُحَمَّدٍ في الْقُرْآنِ، وَ مَا ذَكَرَ عَلِيّاً إلّا بِخَيْرٍ.2 و مثل هذه الآيات جميعها فأنّ واحدها الأكمل هو أمير المؤمنين عليه السلام. و نجد الإمام عند ما وجّه إليه ذلك السائل سؤالًا عن منزلته و موقعه في القرآن، أجابه بهذه الآية واصفاً نفسه بصفة: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ.

  • يتبيّن من هنا جيّداً أنّ عنوان شَاهِدٌ عنوان عظيم الشأن و رفيع الدرجة للغاية. و لعلّ أيّ درجة و منزلة لا تضاهية أبداً. حتى قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ

    1. « نهج البلاغة» ج 1، ص 183.
    2. « ذخائر العقبي» ص 89 عن أحمد بن حنبل في« المناقب». و روى أبو نعيم الإصفهانيّ في« حلية الأولياء» ج 1، ص 64 عن موسى بن عثمان الحضرميّ بسنده عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: ما أنزل اللهُ آية فيها« يَا أيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا» إلّا وَ عَلِيّ رأسُهَا و أميرُها.

معرفة الإمام ج٤

158
  • الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ،1 و قوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ،2 و قوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ،3 و ما تلاها من قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً،4 فهذه كلّها نزلت في عليّ عليه السلام و تبيّن أعظم مقام و درجة للإمام، بَيدَ أنّها لا تصل إلى الدرجة التي تبيّنها الآية: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ من حيث الأهميّة.

  • و توضيح ذلك أنّ «شَاهِدٌ» مع أنّها تعني الشخص المؤدّي للشهادة بَيدَ أنّ أداء الشهادة بدون تحمّلها أمر غير معقول. أي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تحمّل جميع المراتب و الدرجات و المعارف و الكمالات و الخصوصيّات الموجودة في البيّنة التي هي نور النبوّة أو البصيرة الإلهيّة المطلقة، و بكلمة بديلة، هو عِدل و قرين تلك الخاصّة الإلهيّة التي منّ الله بها على نبيّه الأكرم.

  • و لذلك جُعلت شهادة الإمام في هذه الآية بمستوى نور النبوّة أو البصيرة الإلهيّة المطلقة، و جُعل الإمام بمستوى صاحب البيّنة، و هو رسول الله. و الشاهد على هذا المعنى روايات نقلها الشيعة و السنّة عن نبيّهم الكريم، إذ قال: خلق الله نوري و نور عليّ من عالم واحد. و قال أيضاً: عليّ مِنِّي كَنَفْسِي.5 و قال كذلك: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارونَ مِنْ موسى إلّا أنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.6 أي: أنّ عليّاً كسائر الأنبياء من كلّ الجهات، حتى في

    1. الآية 56، من السورة 5: المائدة.
    2. الآية 68، من السورة 5: المائدة.
    3. ( 3 و 4)- الآية 4، من السورة 5: المائدة.
    4. ( 3 و 4)- الآية 4، من السورة 5: المائدة.
    5. « ينابيع المودّة» ص 53، الباب السابع.
    6. هذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي نقلها الفريقان بأسنادهم الكثيرة عن رسول الله عند توجّهه إلى غزوة تبوك. و هو مذكور في أغلب المجاميع الشيعيّة و السنيّة.

معرفة الإمام ج٤

159
  • ملكاتهم و حالاتهم و معارفهم و بصيرتهم الإلهيّة و نور النبوّة الذي منّ الله به عليهم، إلّا أنّه لم يُعْطَ النبوّة، لأنّها ختمت بسيّد الأنبياء محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم فلا نبيّ بعده.

  • و يقول أمير المؤمنين عليه السلام: وَ أنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ كَالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ وَ الذِّراعِ مِنَ الْعَضُدِ.1

  • على أيّ حال، لمّا كانت الشهادة تعني الحضور، و الشاهد هو الحاضر، فأنّ قوله: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يدلّ على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو من النبيّ نفسه كانت البيّنة و النور الإلهيّ دائماً مشهودين عنده، و كان واقفاً و حاضراً و مُسَيْطِراً عليها باستمرار. و هذه الآية كالآية التي مرّ ذكرها: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.2

  • أمير المؤمنين كان تلميذ رسول الله و دونه بدرجة واحدة

  • قرب مقام أمير المؤمنين عليه السّلام من مقام رسول الله صلى الله عليه آله

  • و لمّا كان للشهيد و الشاهد معنى واحد، و قد قلنا هناك بأنّ الذي يستشفّ من الآية هو أنّ شهادة أمير المؤمنين بمستوى شهادة الله، فشهادته هنا أيضاً هي بمستوى نبوّة رسول الله، و من الواضح أنّ هذه الشهادة التي تمثّل الوقوف على الأسرار و المعارف الإلهيّة و درجات النبوّة تستلزم بلوغ أعلى درجات القرب و الفناء في الذات الأحديّة، و الإحاطة التامّة بالعلاقات و الاتّصالات القائمة بين جبرائيل و النبيّ الأكرم، و التحقّق بمعدن الحقائق، و الارتواء من العلوم الإلهيّة اللامتناهيّة. بَيدَ أنّنا ينبغي أن نعلم بأنّ كلمة «يَتْلُوهُ» تدلّ على أنّ مقامات أمير المؤمنين عليه السلام تتلو

    1. « نهج البلاغة» ج 2، ص 73، ضمن رسالته إلى عثمان بن حُنيف.
    2. الآية 43، من السورة 13: الرعد.

معرفة الإمام ج٤

160
  • مقامات الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم و إلى جانبها. و من هذا المنطلق يتسنّى لنا الاستدلال على إمامته و ولايته بعد رسول الله. فقد إنساب الفيض و الكمال من رسول الله إلى أمير المؤمنين، و مثّل رسول الله دور الاستاذ و المعلّم و المربّي للإمام، مضافاً إلى أنّ نفس رسول الله كانت أقوى من نفس أمير المؤمنين. لذلك فأنّ ما يلاحظ من شعر بعض المتصوّفة في منزلة الإمام، إذ يرونه أفضل من رسول الله، و يجعلون النبيّ مقدّمة للإمام و مبشّراً به، و لعلّهم استدلّوا على ذلك بصعود الإمام على كتف رسول الله في الكعبة لتكسير الأصنام قائلين بأنّ ختم النبوّة كانت تحت أقدام عليّ، كلّ ذلك مجرّد من الحقيقة و لا نصيب له من الواقع. و الشاهد على ما نقول هو كلام أمير المؤمنين نفسه: وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بالْقَرَابَةِ الْقَريبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي في حِجْرِهِ وَ أنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إلى صَدْرِهِ، وَ يَكْنُفُنِي إلى فِرَاشِهِ، وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ،1 وَ كَانَ يَمْضُغُ الشَّيءَ ثُمَّ يُلْقَمِنِيهِ وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً في قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً في فِعْلٍ، وَ لَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ مِنْ لَدُنْ أنْ كَانَ فَطِيماً أعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنِ أخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ. وَ لَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أثَرَ امِّهِ، يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أخْلَاقِهِ عَلَماً وَ يَأمُرُني بِالاقْتِدَاءِ بِهِ. وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِراءَ فَأراهُ وَ لَا يَراهُ غَيرى وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَؤمَئذٍ في الإسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ خَديجَةَ وَ أنَا ثَالِثُهُما، أرى نُورَ الْوَحْي وَ الرِّسالَةِ وَ أشُمُّ ريحَ النُّبوَّةِ، وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْي عَلِيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ

    1. عَرْفَهُ: طيب رائحته.

معرفة الإمام ج٤

161
  • فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ أيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، أنّكَ تَسْمَعُ مَا أسْمَعُ وَ ترى مَا أرى إلّا أنّكَ لَسْتَ بِنَبيّ وَ لَكِنَّكَ وَزيرٌ وَ أنّكَ لَعلى خَيْرٍ- الخطبة.1

  • و يُستفاد من هذه الخطبة جيّداً أنّ أمير المؤمنين كان دون رسول الله بدرجة واحدة، و كان له مقام الوزارة بالنسبة إلى مقام النبوّة. و كانت كمالاته و معارفه جميعها مستقاة من رسول الله. و كان رسول الله في الحجاب الأقرب من الله، و أمير المؤمنين عليه السلام دونه بمرقاة واحدة، و أنّ مقام التوحيد و الإخلاص و الحمد أيضاً قد ترشّح من رسول الله إلى الإمام كما روى فرات بن إبراهيم في تفسيره بسلسلة سنده عن الإمام الصادق عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: «أنّ الله تبارك و تعالى إذا جمع الناس يوم القيامة و عدني المقام المحمود، و هو وافٍ لي به. إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبرٌ له ألف درجة فأصعد حتى أعلو فوقه. فيأتيني جبرئيل بلواء الحمد، فيضعه في يدي، و يقول: يا محمّد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى، فأقول لعليّ: اصعد فيكون أسفل منّي بدرجة، فأضع لواء الحمد في يده، ثمّ يأتى رضوان بمفاتيح الجنّة فيقول: يا محمّد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى، فيضعها في يدي فأضعها في حجر عليّ بن أبي طالب، ثمّ يأتى مالك خازن النار فيقول: يا محمّد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى. هذه مفاتيح النار، أدْخِلْ عدوَّك، و عدوَّ امّتك النَّارَ، فآخذها و أضعها في حجر عليّ بن أبي طالب».23

  • معرفة الإمام ؛ ج4 ؛ ص161

    1. « نهج البلاغة» ج 1، ص 392 ضمن الخطبة القاصعة.
    2. « بحار الأنوار» ج 3، ص 287 باب الوسيلة في المعاد، و في الطبعة الحروفيّة ج 7 ص 335، نقلًا عن« تفسير فرات».
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج٤

162
  • و وردت روايات كثيرة مماثلة لهذه الرواية في المضمون، كما جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم»،1 و كتاب «الأمالي» لابن بابويه القمّيّ،2 و كتاب «الأمالي»3 للشيخ الطوسيّ، و كتاب «الخصال»4 لابن بابويه الشيخ الصدوق أيضاً.

  • و جاءت روايات تدلّ على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يأخذ بحُجزة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يوم القيامة، و يبلغ مقاماته بمساعدته، كما روى فرات بن إبراهيم بسنده عن سليمان الديلميّ، عن الإمام الصادق عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ثُمَّ يُدْعَي بِكَ فَيَتَطَاوَلُ إلَيْكَ الْخَلَائِقُ فَيَقُولُونَ مَا يُعْرَفُ في النَّبِيِّينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ، ثُمَّ تَصْعَدُ فَنُعانِقُ5 عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأخُذُ بِحُجْزَتي وَ آخُذُ بِحُجْزَةِ اللهِ وَ هُوَ الْحَقُّ وَ تَأخُذُ ذُرِّيَّتُكَ بِحُجْزَتِكَ وَ تَأخُذُ شِيعَتُكَ بِحُجْزَةِ ذُرِّيَّتِكَ.6

  • و لنا أن نقف على منزلة الإمام و درجته أيضاً من الروايات المتظافرة بل المتواترة التي جعل رسول الله عليّاً فيها أخاه، فكان عدله و قرينه في جميع الجوانب، بَيدَ أنّه أخذ كمالاته من النبيّ، لأنّ النبيّ هو الذي سمّاه أخاه، لا أنّ أمير المؤمنين سمّى النبيّ أخاه. و لقب الاخوّة شرف و فضيلة لأمير المؤمنين لا لرسول الله. يقولون: هُوَ أخُو رَسُولِ اللهِ وَ لا يقولون:

    1. « بحار الأنوار» ج 3، ص 285 باب الوسيلة في المعاد.
    2. « بحار الأنوار» ج 3، ص 289 باب اللواء في المعاد.
    3. ( 3 و 4)-« بحار الأنوار» ج 3، ص 290.
    4. ( 3 و 4)-« بحار الأنوار» ج 3، ص 290.
    5. في لفظ« تفسير فرات» ص 411- 412، ح 551:« فتعانقني عليه»،
    6. « تفسير فرات» ص 287؛ و في الطبعة الحروفيّة ج 7، ص 333، عن« تفسير فرات».

معرفة الإمام ج٤

163
  • رَسُولُ اللهِ أخُو عَلِيّ. مع أنّ الاخوّة هي من مقولات الإضافة و تتحقّق بين طرفين، لكنّها تختلف هنا في صدق عنوان الأخ بوصفه لقباً.

  • و كذلك نقف على منزلة الإمام و درجته من خلال الروايات الكثيرة التي رواها الفريقان بأسنادهما المختلفة عن رسول الله، و التي تعكس لنا منزلة الإمام بالنسبة إلى رسول الله، منها: أنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيّ بَابُهَا.1 و هذه الروايات كلّها التي نقلناها أخيراً، و أمثالها التي تلاحظ في الأبواب المتنوّعة من كتب المناقب. كلّها تفسّر كلمة «يَتْلُوهُ» إذ كان الإمام مقتفياً النبيّ في جميع المراحل، صلّى الله عليهما و على آلهما و رحمة الله و بركاته.

  • جاءت في «مستدرك الوسائل» عن كتاب «المزار القديم» رواية عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام قال: «ذهبتُ مع أبي عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام إلى زيارة قبر جدّي عليّ بن أبي طالب عليه السلام في النجف، فوقف أبي عند القبر المطهّر و بكى، و قال:

  • السَّلَامُ على أبي الأئِمَّةِ وَ خَلِيلِ النُّبُوَّةِ وَ الْمَخْصُوصِ بِالاخُوَّةِ. السَّلَامُ على يَعْسُوبِ الإيمَانِ وَ ميزانِ الأعْمَالِ وَ سَيْفِ ذِي الْجَلَالِ. السَّلَامُ على صَالِحِ الْمُؤمِنِينَ وَ وَارِثِ عِلْمِ النَّبِيِّينَ الْحَاكِمِ يَوْمِ الدِّينِ. السَّلَامُ على شَجَرَةِ التَّقْوَى. السَّلَامُ على حُجَّةِ اللهِ الْبَالِغَةِ وَ نِعْمَتِهِ السَّابِغَةِ وَ نِقْمَتِهِ

    1. « البداية و النهاية» ج 7، ص 359؛ و« ذخائر العقبي» ص 77؛ و« مطالب السؤل» ص 13؛ و« نظم درر السمطين» ص 113؛ و« حلية الأولياء» ج 1، ص 64؛ و« عليّ و الوصيّة» ص 22 و 174؛ و« استدراكات عليّ و الوصيّة» ص 382 نقلًا عن« تاريخ ابن عساكر» المخطوط. و ذكر في« غاية المرام» ص 520 ستّة عشر حديثاً عن طريق العامّة، و ستّة أحاديث عن طريق الخاصّة، ص 521؛ و في« الغدير» ج 6 من ص 61 إلى 77 مائة و أربعة و ثلاثون مصدراً من مصادر هذا الحديث.

معرفة الإمام ج٤

164
  • الدَّامِغَةِ. السَّلَامُ على الصِّرَاطِ الْوَاضِحِ وَ النَّجْمِ اللَّائِحِ وَ الإمَامِ النَّاصِحِ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ.1

  • و روى الشيخ محمّد بن المشهديّ قال: روى محمّد بن خالد الطيالسيّ عن سيف بن عميرة، عن صفوان الجمّال قال: وردت النجف مع الصادق عليه السلام لزيارة قبر أمير المؤمنين عليه السلام فوقف الإمام عند القبر المطهّر و قرأ زيارة مفصّلة. و نحن نذكر فقرات منها ممّا يناسب بحثنا: قال:

  • السَّلَامُ على سَيِّدِ الْمُتَّقِينَ الأخْيَارِ. السَّلَامُ على أخي رَسُولِ اللهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ وَ زَوْجِ ابْنَتِهِ وَ الْمَخْلُوقِ مِنْ طِينَتِهِ. السَّلَامُ على الأصْلِ الْقَدِيمِ وَ الْفَرْعِ الْكَرِيمِ.2

  • إلى أن وصل إلى هذه الفقرات، إذ قال: أخي نَبِيِّكَ وَ وَصِيّ رَسُولِكَ الْبَائِتِ على فِرَاشِهِ وَ الْمُواسِي لَهُ بِنَفْسِهِ وَ كَاشِفِ الْكَرْبِ عَنْ وَجْهِهِ، الذي جَعَلْتَهُ سَيْفاً لِنُبُوَّتِهِ وَ آيَةً لِرِسَالَتِهِ وَ شَاهِداً على امَّتِهِ وَ دَلَالَةً على حُجَّتِهِ وَ حَامِلًا لِرَايَتِهِ وَ وِقَايَةً لِمُهْجَتِهِ وَ هَادِياً لُامَّتِهِ وَ يَدَاً لِبَأسِهِ وَ تَاجاً لِرَأسِهِ و بَابَاً لِسِرِّهِ وَ مِفْتَاحاً لِظَفَرِهِ.3

  • و أنشد الشاعر الفارسيّ حكيم سنائي قائلًا:

  • مرتضائي كه كرد يزدانش***همره جان مصطفى جانش

  • دو رونده چو اختر گردون***دو برادر چو موسى و هارون

    1. « مستدرك الوسائل» ج 3، ص 197 أبواب المزار.
    2. « مفاتيح الجنان» ص 255 الزيارة السادسة لأمير المؤمنين عليه السلام.
    3. « مفاتيح الجنان» ص 356 و 357.

معرفة الإمام ج٤

165
  • هر دو يك قبله و خِرَدشان دو***هر دو يك روح و كالبدشان دو

  • هر دو يك دُرّ ز يك صَدف بودند***هر دو پيراية شرف بودند

  • تا نه بگشاد علم حيدر دَر***ندهد سنّت پيمبر بَر 1

  • أشعار السيد الحميرى فى مدح أمير المؤمنين عليه السّلام

  • و أنشد السيّد إسماعيل الحِميريّ قائلًا:

  • قِفْ بِالدِّيَارِ وَ حيِّهِنَّ دِيَارا***وَ اسْق الرُّسُومَ الْمِدْمَعَ الْمِدْرارا

  • كَانَتْ تَحُلُّ بِهَا النَّوارُ وَ زَيْنَبُ***فَرَعي إلَهي زَيْنَباً وَ نَوارا

  • قُلْ لِلَّذِي عَادى وَصِيّ مُحَمَّدٍ***وَ أبَانَ لِي عَنْ لَفْظِهِ إنْكَارَا

  • مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ وَ حُكْمُهُ***مَنْ شَاهِدٌ يَتْلُوهُ مِنْهُ نَذَارا

  • عِلْمُ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايا عِنْدَهُ***فَصْلُ الْخِطَابِ نُمي إلَيْهِ وَ صَارَا 2

  • و أنشد السيّد الحِميريّ أيضاً:

  • اشْهِدُ بِاللهِ وَ آلائِهِ***وَ الْمَرءُ عَمّا قَالَهُ يُسْألُ

  • أنّ عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ***خَلِيفَةُ اللهِ الذي يَعْدِلُ

  • وَ أنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أحْمَدٍ***كَمِثْلِ هَارُونَ وَ لَا مُرْسَلُ

    1. يقول الشاعر هنا:« جعل الله عليّ المرتضى نفس المصطفى.
      فهما سائران كالكوكب السيّار، و هما أخَوَان كموسي و هارون.
      كلاهما قبلة واحدة و لهما عقلان، و كلاهما روح واحدة و لهما جسمان.
      كلاهما درّة واحدة من صدف واحد، و كلاهما زينة الشرف.
      و ما لم يفتح حيدر باب مدينة العلم فأنّ سنّة النبيّ سوف لن تؤتي اكلها.»
    2. « ديوان الحِميريّ» ص 213؛ و« الغدير» ج 2، ص 217؛ و« المناقب» لابن شهرآشوب ج 1، ص 569.

معرفة الإمام ج٤

166
  • لَكِنْ وَصِيّ خَازِنٌ عِنْدَهُ***عِلْمٌ مِنَ اللهِ بِهِ يَعْمَلُ

  • قَدْ قَامَ يَوْمَ الدَّوْحِ 1 خَيْرُ الْوَرَى***بِوَجْهِهِ لِلنَّاسِ يَسْتَقْبِلُ

  • وَ قَالَ مَنْ قَدْ كُنْتُ مَولى لَهُ***فَذَالَهُ مَوْلى لَكُمْ مَوْئِلُ

  • لَكِنْ تَواصَوا بِعَلِيّ الْهُدى***أنْ لَا يُوالُوهُ وَ أن يَخذُلُوا 2

  • القصيدة العينيّة لابن أبي الحديد في عظمة أمير المؤمنين عليه السّلام

  • و هنا لم يستطع العالم المعتزليّ إبن أبي الحديد أن يحجب النور بالامتناع عن ذكر مقامات الإمام، فأذعن معترفاً بجميع الميزات التي كان يشارك الإمام فيها النبيّ الأكرم، و النور الذي تلألأ في وجهه مفاضاً عليه من نور رسول الله، فقال:

  • هَذَا الأمَانَةُ لَا يَقُومُ بِحَمْلِهَا***خَلْقاءُ هَابِطَةً وَ أطْلَسُ أرْفَعُ

  • هَذَا هُوَ النُّورُ الذي عَذَبَاتُهُ***كانَتْ بِجَبْهَةِ آدَمَ تَتَطَلَّعُ

  • وَ شِهَابُ موسى حَيْثُ أظْلَمَ لَيْلُهُ***رَفَعَتْ لَهُ لألَاؤُهُ تَتَشَعْشَعُ

  • إلى أن قال:

  • لَوْ لا مَمَاتُكَ قُلْتُ أنّكَ بَاسِطُ***الأرْزَاقِ تَقْدِرُ في الْعَطَاءِ وَ تُوسِعُ

  • مَا الْعَالَمُ الْعِلْوِيّ إلّا تُرْبَةٌ***فِيهَا لِجُثَّتِكَ الشَّريفَةِ مَضْجَعُ

  • مَا الدَّهْرُ إلّا عَبْدُكَ الْقِنُّ الذي***بِنُفُوذِ أمْرِكَ في الْبَرِيَّةِ مُولِعُ

  • أنَا في مَدِيحِكَ ألْكَنٌ لَا أهْتَدِى***وَ أنَا الْخَطِيبُ الْهِبْرَزِيّ الْمِصْقَعُ 3

    1. يوم الدوح: يوم الغدير.
    2. « الغدير» ج 2، ص 227.
    3. الهِبْرِزيّ: الجيّد الرمي بالسهام؛ و المِصْقَع: البليغ.( م)

معرفة الإمام ج٤

167
  • أ أقُولُ فِيكَ سَمَيْدَعٌ كَلّا وَ لَا***حَاشَا لِمِثْلِكَ أنْ يُقَالَ سَمَيْدَعُ 1

  • بَلْ أنْتَ في يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَاكِمٌ***في الْعَالَمينَ وَ شَافِعٌ وَ مُشَفَّعُ

  • وَ لَقَدْ جَهِلْتُ وَ كُنْتُ أحْذَقَ عَالِمٍ***أ غِرَارُ عَزْمِكَ أمْ حُسامُكَ أقْطَعُ

  • وَ فَقَدْتُ مَعْرِفَتِي فَلَسْتُ بِعَارِفٍ***هَلْ فَضْلُ عِلْمِكَ أمْ جَنَابُكَ أوسَعُ

  • لِي فِيكَ مُعْتَقَدٌ سَأكْشِفُ سِرَّهُ***فَلْيُصْغِ أرْبَابُ النُّهى وَ لْيَسْمَعُوا

  • هِيَ نَفْثَةُ الْمَصْدُورِ يُطفى بَرْدُهَا***حَرَّ الصَّبابَةِ فَاعْذِلُونِي أوْ دَعُوا

  • وَ اللهِ لَوْ لا حَيْدَرٌ مَا كَانَتِ***الدُّنْيَا وَ لَا جَمَعَ الْبَرِيَّةَ مَجْمَعُ

  • مِنْ أجْلِهِ خُلِقَ الزَّمَانُ وَ ضُوِّئَتْ***شُهُبٌ كَنَسْنَ وَ جَنَّ لَيْلٌ أدْرَعُ

  • عِلْمُ الْغُيُوبِ إلَيْهِ غَيْرَ مُدافَعٍ***وَ الصُّبْحُ أبْيَضُ مُسْفِرٌ لَا يُدْفَعُ

  • وَ إليْهِ في يَوْمِ الْمَعَادِ حِسَابُنَا***وَ هُوَ الْمَلَاذُ لَنَا غَدَاً وَ الْمَفْزَعُ

  • إلى آخر هذه القصيدة المعروفة بعينيّة ابن أبي الحديد، و قد طبعت ضمن «المعلّقات السبع».

    1. السَّمَيْدَع: السيّد الكريم الجميل الجسيم الموطَّأ الأكناف.( م)

معرفة الإمام ج٤

168
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ السَّابِعُ وَ الخَمْسُونَ إلى الدَّرْسِ السِّتينَ تفسير الآية: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَروا لَوْ لَا انْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِن رَّبِّهِ أنّمَا أنْتَ مُنذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج٤

170
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.1

  • اثرت عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أحاديث و روايات كثيرة عن طريق الشيعة و السنّة، سواء في كتب الحديث أو في كتب التفسير، تصرّح أنّ المقصود بالهادي في هذه الآية الكريمة هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و يجدر بنا أن نتطرّق إلى تفسير هذه الآية بنحو مجمل، قبل الخوض في هذه الأحاديث و الروايات. فقد نقل المؤرّخون أنّ مشركي قريش و كفّارهم طالبوا رسول الله بمعجزات مماثلة لمعجزات موسى، و عيسى، و صالح، و غيرهم من الأنبياء كانقلاب العصا إلى حيّة، و اليد البيضاء، و إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، و إخراج ناقة حيّة من جحر الجبل. و كانوا يقولون: إن كان هذا النبيّ صادقاً، فلما ذا لا يأتى بمثل هذه المعجزات؟ و لما ذا لا ينزل ربّه عليه من السماء مثل هذه الأشياء الخارقة للعادة من أجل شدّ أزره و معاضدته؟

    1. الآية 7، من السورة 13: الرعد.

معرفة الإمام ج٤

171
  • أنّهم لم يعترفوا بالقرآن المجيد بوصفه أعظم معجزة نزلت على النبيّ، فكانوا يرتابون فيه، و لم يعتنوا به لاهثين وراء معجزات اخرى حسيّة و ماديّة كمعجزات القرون الخالية.

  • بَيدَ أنّ طلبهم هذا غير صائب من عدّة جهات: أوّلًا: أنّ اختيار المعجزة الخارقة للعادة بِيَدِ الله و حسب، فليس لرسول الله أن يتدخّل فيها بصورة مستقلّة فهو إنسان مخلوق و خاضع لحكم الله كبقيّة الناس. و ليس باستطاعته أن يعمل خلاف الإرادة الإلهيّة أبداً، سواء شاء هو نفسه أو أراد الآخرون منه ذلك. قال جلّ من قائل: لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَ لَا ضَرًّا وَ لَا مَوْتًا وَ لَا حَيوةً وَ لَا نُشُوراً. فكلّما يريد الله، فأنّه يجريه على يد نبيّه، سواء كان ذلك إحياء الموتى، أو انقلاب العصا إلى ثعبان، أو إنزال القرآن. و لذلك فأنّ النظر إلى النبيّ على أنّه مستقلّ في التأثير أو شريك في الأثر خطأ بحت. ثانياً: كان علم السحر و الشعوذة قد بلغ ذروته في عصر موسى فجعل الله معجزته من سنخ ذلك العلم الشائع بين الناس و أمثاله. بحيث تفوّقت قدرة الإنسان، و بالفعل فقد أذعن السحرة حينئذٍ لتلك المعجزة و آمنوا بها. و كان علم الطبّ قد تطوّر في عصر عيسى إلى درجة كان الأطبّاء يعالجون الأمراض المتعذّر علاجها، فجعل الله معجزته من صنف ذلك العلم بحيث أنّ الحاذقين في علم الطبّ عجزوا عن الإتيان بمثلها. و حقيقة المعجزة هي أنّ العلماء المعاصرين لها، الذين كرّسوا أعمارهم في العلوم المماثلة لها، عاجزون عن الإتيان بمثلها، و لا بدّ لهم أن يعترفوا بتفوّقها و تقدّمها على غيرها من العلوم، لا أنّ عوامّ الناس عاجزون عن الإتيان بمثلها.

  • و في عصر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بلغ علم الفصاحة و البلاغة أوجه، و كان الشعراء المتضلّعون ينشدون الأشعار الأدبيّة مزيّنين

معرفة الإمام ج٤

172
  • إيّاها بأنواع الكنايات و الاستعارات، و التمثيلات مع مراعاة الإيجاز و سائر فنون علم العربيّة و أدبها، و كانوا يعلّقونها في الكعبة، و كانت المعلّقات السبع نموذجاً ماثلًا لذلك.

  • مضافاً إلى ذلك فأنّ الإنسان يضع له في كلّ يوم قانوناً، ثمّ يُبتلى به، و لا يعرف علاجاً لأمراضه و آلامه. فكان القرآن الكريم في أعلى درجات الفصاحة و البلاغة إلى حدّ الإعجاز من جهة، و من جهة اخرى، كان مثالًا في رصانة القوانين و استقامتها و سلامتها، تلك القوانين و الأحكام الفطريّة التي جاء بها للبشريّة، و كلّها قد دوّنت على نسق واحد على أساس من توحيد الله، و ربط جميع الناس، بل جميع الكائنات، بل جميع المخلوقات وفقاً لقاعدة اللطف و التوحيد. و من جهة اخرى فأنّ إعجاز القرآن، و كذلك دعوة جميع الناس إلى الله ربّهم، الذي هو أقرب إليهم من كلّ شيء، يعتمدان على مبدأ الجمال و الجلال الذي تنطوي فيه جميع أسماء الله.

  • و الأهمّ من ذلك كلّه هو ما نلحظه من ترابط و تماسك بين جميع هذه المواضيع و القوانين و قصص الأنبياء و الامم، و السير في الآفاق، و النظر إلى ملكوت السماوات، و النجوم، و الليل و النهار و الأرض و المطر و السحاب و الرياح. و اخضرار الأرض و نضارة الطبيعة، و خلق الإنسان و المراحل التدريجيّة التي يمرّ بها الجنين و الحيوان، و الموت و البعث و ثمرة الأعمال و الحساب في جميع المخلوقات، و الوجود كلّه، و كلّه قد جمع في كتاب موجز يمكن حمله في الجيب، و هو على ذلك التركيب الرفيع و النسج البديع. من جهة اخرى فأنّه معجزة رسول الله الخالدة للعلماء و الحاذقين في كلّ عصر و زمان إلى يوم القيامة؛ كما رفع نفسه لواء التحدّي و دعا الناس جميعهم- في مقام الإعجاز- إلى الإيتان بمثله. لذلك فأنّ الناس إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، فهم لا يؤمنون بمعجزات اخرى كمعجزة موسى و عيسى أبداً

معرفة الإمام ج٤

173
  • و ثالثاً: أنّ ما أخذه الله على نفسه هو الإتيان بمعجزة لأنبيائه، حتى يستبين اتّصالهم به و بعالم الغيب، و تكون سنداً لنبوّتهم، لا أنّه يأتى بمعجزة جديدة كلّ يوم كما تهوى أنفس الناس. فالمعجزات المتتالية تصنع أناساً جامدين و عديمي الفهم، و تصادر منهم عقولهم، و تعطّل سنّة الله في تربية البشريّة و إعدادها، و تقف حجر عثرة في طريق تكاملها على أساس الاختيار و المجاهدة و العمل الصالح. و إذا كان الناس من أهل التسليم و الطاعة، فينبغي عليهم أن يسلّموا لأوّل معجزة تأتيهم، و إذا لم يكونوا كذلك، فأنّهم لا يسلّمون مهما كانت المعجزات كثيرة و متنوّعة، إذ يفسّرونها بالسحر و الشعوذة، و يسلكون سبلًا مضلّة تهرّباً من اتّباع أنبيائهم كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ.1

  • مضافاً إلى ذلك، فليس هناك حدّ معيّن لأهواء الناس و طلباتهم، فتراهم كلّ يوم يطلبون معجزة جديدة من نبيّهم غير معجزة الأمس، و ليس لنبيّهم إلّا أنْ يكون العوبة لتنفيذ مآربهم الفاسدة. و يصبح مدعاة لتعطيل السنن الكونيّة بدل التوجّه إلى التربية و التعليم و إرائة الصراط المستقيم المؤدّي إلى الله دائماً، و بالتالي فأنّه ينبري إلى تأدية امورهم عن طريق الأشياء الخارقة للعادات وفقاً لما تهوى أنفسهم.

  • بطلان طلب المشركين من رسول الله معجزة غير القرآن

  • و كان مشركوا مكّة و كفّارها يطلبون من رسول الله معجزات متنوّعة و لافتة للنظر كإنزال ملائكة يرونهم، و الإتيان بكتاب محسوس من السماء، و تحويل الحجر إلى ذهب، و تفجير الينابيع و الأنهار في جبال مكّة، أو أنْ يكون له بيت من زخرف، أو يرتقي في السماء، و أمثال ذلك. و لمّا كان

    1. الآية 23، من السورة 8: الأنفال.

معرفة الإمام ج٤

174
  • رسول الله لا يستجيب لطلباتهم، فأنّهم- دون الالتفات إلى الآيات القرآنيّة الكفيلة بعلاج كلّ مشكلة و الجواب على كلّ سؤال و توضيح كلّ غامض- كانوا يقولون على سبيل المؤاخذة:. و هذه مؤاخذة لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ بلغت من السقم و القبح درجة، نجد فيها أنّ الله جلّ شأنه أعرض عن جوابهم و لم يخاطبهم في الردّ عليهم بل و لم يتحدّث مع نبيّه عن كلامهم، و اكتفي فقط بخطاب نبيّه في أمر هامّ و أصيل قائلًا: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

  • آية «و لكلّ قومٍ هاد» دالّة على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة

  • تدلّ هذه الآية على أنّ الأرض لا تخلو من إمام و حجّة أبداً. و سيكون هذا الإمام دليلًا و هادياً من الله لطبقات الناس المتنوّعة في العصور المختلفة دائماً يدعوها إلى سبيل الحقّ، سواء كان هذا الدليل النبيّ المنذر أو كان الهادي بهداية الله. و لم يختلف المفسّرون في أنّ المنذر في هذه الآية هو الرسول الأكرم، و ذلك أنّ قوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ صريح في انحصار وصف الإنذار به، بَيدَ أنّهم اختلفوا في القصد من الهادي، فذكروا أربعة أوجه في تفسيره.

  • الوجوه المختلفة فى تفسير الهادى

  • الوجه الأوّل: قالوا: هو الله. فكأنّه يريد أن يقول: أنت أيّهَا النبيّ تدعو الناس إلى الله فقط، و تنذرهم من مغبّة أعمالهم القبيحة، و لكنّ الهداية بِيَدِ الله فأنّه يوجّه كلّ فرقة إلى حيث أمنها و أمانها. و قد نقل هذا القول عن سعيد ابن جبير.1 و ابن عبّاس، و الضحّاك، و مجاهد.2 يقول السيوطيّ: أخرج ابن جرير، و ابن منذر، و ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: في قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، قال: مُحَمَّدٌ

    1. « تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 6، ص 462.
    2. « تفسير مجمع البيان» ج 3، ص 278، و« تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 14.

معرفة الإمام ج٤

175
  • الْمُنْذِرُ وَ الْهَادِي اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ.1 و أخرج ابن جرير، و ابن مردويه، عن ابن عبّاس مثلها.2

  • و على الرغم من أنّ الهادي في الحقيقة هو الله، بيد أنّ ظاهر الآية الذي يفيد جعل الهادي في مقابل النبيّ ينبئنا أنّ المقصود به هنا هو الشخص الذي يهدي الناس إلى الله، لذلك فأنّ هذا التفسير لا ينسجم مع ظاهر الآية، و لا يمكن قبوله.

  • الوجه الثاني: قالوا: الهادي هو رسول الله نفسه، و أنّ قوله: لِكُلِّ قَوْمٍ متعلّق بكلمة هَادٍ و مقدّم عليها، و كان في الأصل: إنما أنت منذر و لكل قوم. لذلك فأنّ قوله: لِكُلِّ قَوْمٍ متعلّق بكلمة هَادٍ.3 و قد نقل هذا القول عن عكرمة، و أبي الضحى.4 و الحسن البصريّ، و الجبّائيّ.5 يقول السيوطيّ: أخرج ابن جرير عن عكرمة، و أبي الضحى في قول الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ قالا: مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم هُوَ الْمُنْذِرُ وَ هُوَ الْهَادِي.6 و أخرج ابن جرير، و ابن مردويه عن ابن عبّاس مثلها.7

  • أنّ هذا القول و إن كان لا يخالف ظاهر الآية، لكنّه قابل للطعن من حيث المعنى، فلنا أن نتساءل: ما هو الدليل على ورود كلمة «مُنْذرٌ» بشكل مطلق، و مجيء «هَادٍ» لكلّ قوم؟ فإذا كان رسول الله هادياً لكلّ قوم، فأنّه منذر لهم أيضاً، و لا بدّ- إذَن- أن يكون قوله: «لِكُلِّ قَوْمٍ» متعلّقاً بكلمتى:

    1. ( 1 و 2)-« الدّر المنثور» ج 4، ص 45.
    2. ( 1 و 2)-« الدّر المنثور» ج 4، ص 45.
    3. « تفسير الفخر الرازيّ» ج 19، ص 14.
    4. « تفسير أبي الفتوح» ج 6، ص 462.
    5. « تفسير مجمع البيان» ج 3، ص 278.
    6. ( 6 و 7)-« تفسير الدرّ المنثور» ج 4، ص 45.
    7. ( 6 و 7)-« تفسير الدرّ المنثور» ج 4، ص 45.

معرفة الإمام ج٤

176
  • «مُنذِرٌ» و «هَادٍ»، بينما نجده في الآية المباركة متعلّقاً بخصوص كلمة: «هَادٍ».

  • الوجه الثالث: قالوا: الهادي نبيّ في كلّ زمان. فكأنّه يريد أن يقول: أيّها النبيّ، أنت تنذر الناس من عذاب الله في هذا الزمان، و تدعوهم إلى معجزتك المتمثّلة بالقرآن المجيد و تهديهم إليها. و في كلّ زمان أنبياء يهدون الناس إلى الله بمعجزاتهم مثل: انقلاب العصا إلى حيّة، و إحياء الموتى، و إخراج ناقة حيّة من الجبل، و عرض القرآن الكريم على الناس. و نقل الفخر الرازيّ هذا القول عن القاضي، و قال: تنتظم الآية بهذا المعنى، و هو وجه صحيح.1 و نقل الشيخ الطبرسيّ أيضاً عن ابن عبّاس في رواية اخرى، و كذلك نقله عن قتادة، و الزجّاج، و ابن زيد.2

  • يقول السيوطيّ: أخرج ابن شيبة، و ابن جرير، و ابن منذر، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ عن مجاهد في قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ قالَ: الْمُنْذِرُ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم و لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ نَبِيّ يَدْعُوهُمْ إلى اللهِ.3

  • و هذا التفسير لا يخالف ظاهر الآية، بَيدَ أنّنا لا بدّ أن نسأل: لما ذا يكون الأنبياء فقط هم الهداة إلى الله؟ فأوصياء الأنبياء مثل: يوشع بن نون و شمعون الصفا، و عليّ بن أبي طالب، و سائر الأئمّة الطاهرين هم هداة البشر إلى الله حقّاً، إذ يهدون الناس بنور الله و هدايته.

  • و هنا يأتى الوجه الرابع فنقول: الهادي هو كلّ من يهدي الناس إلى الله سواء كان نبيّاً أو وصيّ نبيّ، و ينطبق هذا المعنى في الآية المباركة

    1. « تفسير الفخر» ج 19، ص 13.
    2. ( 2 و 3)-« تفسير مجمع البيان» ج 3، ص 278.
    3. ( 2 و 3)-« تفسير مجمع البيان» ج 3، ص 278.

معرفة الإمام ج٤

177
  • على رسول الله، و كذلك ينطبق على الأئمّة الطاهرين، فهو و هم مصاديق لهذا العنوان. و نقل هذا القول في «مجمع البيان» تحت عنوان: الاحتمال الرابع قال: الْمُرَادُ بِالْهَادِي كُلُّ دَاعٍ إلى الْحَقِّ.1 و دعم العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه هذا الاحتمال أيضاً.2 يقول السيوطيّ: أخرج ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ عن ابن عبّاس أنّه قال: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ قالَ: دَاعٍ.3

  • و في ضوء الروايات الكثيرة المأثورة عن الفريقين التي قال فيها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: «أنا المنذر و عليّ بن أبي طالب عليه السلام الهادي». يستبين المعنى، فهي جميعها تدلّ عليه، إذ المنذر هو الداعي إلى الحقّ، و رسول الله مصداق الهادي و مصداق المُنْذرِ. أي أنّ الهداية مترافقة مع الدعوة و الإنذار.

  • أمّا عليّ بن أبي طالب فلم تكن له نبوّة أو دعوة بل كان له فقط عنوان الهداية إلى الله.

  • معنى الهداية و الإنذار

  • و من الضروريّ لنا قبل الخوض في الروايات المأثورة أن نبيّن معنى المنذر و الهادي ليتّضح لنا موقع الإمام عليه السلام و مهمّته و حجم تحمّله. فالإنذار يعني التحذير و التنبيه، و الهداية تعني الإيصال إلى المطلوب. يقول صاحب تفسير «بيان السعادة» في ذيل تفسير الآية الشريفة: أنّ الرسول كمن يُنبّه من النوم و يُنذر من المخاوف مَنْ كان في بادية لا طريق فيها إلى عمران و كان فيها سباع كثيرة و حيّات مهلكة و مؤذيات قويّة لم يشعر بضلالته و بمهلكات تلك البادية، فإذا تنبه و أنذر طلب لا محالة مَنْ

    1. « تفسير مجمع البيان» ج 3، ص 278.
    2. تفسير« الميزان» ج 11، ص 335 و 359.
    3. « الدّر المنثور» ج 4، ص 45.

معرفة الإمام ج٤

178
  • يدلّه على طريق العمران و يُخرجه من تلك البادية و ذلك الدالّ هو الهاديّ الذي يوصله إلى المعمورة.1

  • و نقل الشيخ إسماعيل حقّي البر و سويّ عن الغزاليّ في كتاب «شرح الأسماء الحسني» أنّه قال: الهادي هو الذي هدى خواصّ عباده أوّلًا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا على الأشياء به، و هدى عوامّ عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته، و هدى كلّ مخلوق إلى ما لا بدّ له منه في قضاء حاجاته، فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله، و الفرخ إلى التقاط الحبّ عند خروجه، و النحل إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه. و الهداة من العباد الأنبياء عليهم السّلام ثمّ العلماء الذين أرشدوا الخلق إلى السعادة الاخرويّة و هدوهم إلى صراط الله المستقيم، بل الله الهادي لهم على ألسنتهم، و هم مسخرّون تحت قدرته و تدبيره. ثمّ قال: و في تفسير «الكواشيّ»: المنذر محمّد و الهادي عليّ. إلى أن قال: فأنّ السلسلة ممدودة من الطرفين إلى آخر الزمان، و سيخرج في امّته مَهديّ يحكم بشريعته و ينفي تحريف المائلين و زيغ الزائغين في خلافته عن ملّته.2

  • طبقتان من الروايات الدالة على أنّ الإمام هادٍ

  • أمّا الروايات المأثورة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم التي جاء فيها أنّ الهادي في الآية الكريمة عليّ بن أبي طالب فهي كثيرة، و رواها علماء الشيعة و السنّة في كتبهم بمضامين متنوّعة. حتى أنّ أحمد بن محمّد بن سعد ألّف كتاباً حول شأن نزول الآية إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.3 و كذلك الروايات

    1. « تفسير بيان السعادة» ج 1، ص 392.
    2. « تفسير روح البيان» ج 4، ص 346.
    3. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567. و نقل عنه« غاية المرام» ص 237 و« تفسير البرهان» ج 1، ص 519، و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75.

معرفة الإمام ج٤

179
  • المأثورة عن كبار الصحابة، و عن الأئمّة الطاهرين التي تحوم حول تفسير الآية خاصّة به و بأئمّة أهل البيت فهي كثيرة، و ها نحن هنا نقسّم هذه الروايات إلى طبقات من حيث المتن و المضمون.

  • الطبقة الاولى: الروايات التي تدلّ على وجود هاد في كلّ عصر، و أنّ كلّ إمام هو الهادي و الدليل إلى الله في ذلك العصر.

  • روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن موسى بن بكير، عن الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ و جلّ: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ فَقالَ: كُلُّ إمَامِ هَادٍ لِلقَرْنِ الذي هُوَ فِيهِم.1

  • و روى الكلينيّ أيضاً مثل هذه الرواية بسند آخر عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد الله، عن الإمام الصادق عليه السلام.2 و نقلها الشيخ الصدوق، ابن بابويه القمّيّ أيضاً بسنده عن محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام.3 و كذلك رواها بسنده المتّصل عن بُريد بن معاوية العجليّ، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام،4 و رواها أيضاً بسند آخر عن عمر بن اذينه، عن بُريد بن معاوية العجليّ، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام. و ذكرها عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام.5 و رواها العيّاشيّ أيضاً في تفسيره بسنده عن

    1. « غاية المرام» ص 235، الحديث الأوّل مكرّراً؛ و« تفسير البرهان» ج 1 ص 518.
    2. « غاية المرام» ص 235، الحديث السادس مكرّراً.
    3. « غاية المرام» ص 235، ذيل الحديث السادس مكرّراً؛ و« تفسير البرهان» ج 1 ص 518.
    4. « غاية المرام» ص 236، الحديث الثامن، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 518.
    5. « غاية المرام» ص 236، الحديث العاشر.

معرفة الإمام ج٤

180
  • أبي جعفر عليه السلام.1

  • الطبقة الثانية: الروايات التي تذكر أنّ الهادي هو الإمام من أهل البيت فهي تشمل الأئمّة واحداً بعد الآخر. ذكر الكلينيّ بسنده عن بُريد بن معاوية العجليّ، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام في قول الله عزّ و جلّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ فقال عليه السلام: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَ لِكُلِّ زَمَانٍ مِنّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إلى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ثُمَّ الْهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيّ ثُمَّ الأوْصِياءُ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ.2

  • و كذلك ذكر السيّد هاشم البحرانيّ في «تفسير البرهان» مثل هذا الحديث عن حنّان بن سدير، عن أبيه، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام.3 و نقله العيّاشيّ في تفسيره عن بُريد بن معاوية العجليّ، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أنَا الْمُنْذِرُ؛ وَ في كُلِّ زَمَانٍ إمَامٌ مِنّا يَهْدِيهِمْ إلى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ؛ وَ الْهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيّ ثُمَّ الأوْصِيأءُ مِنْ بَعْدِهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَ اللهِ مَا ذَهَبَتْ مِنّا وَ مَا زَالَتْ فِينَا إلى السَّاعَةِ، رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الْمُنْذِرُ وَ بِعَلِيّ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ.4 و روى الكلينيّ بسنده مثله عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام.5

    1. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76، و« غاية المرام» ص 237، الحديث السابع عشر.
    2. « غاية المرام» ص 235 الحديث الثاني مكرّراً، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 518.
    3. « تفسير البرهان» ص 519.
    4. « غاية المرام» ص 237، الحديث الثامن عشر، و« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    5. « غاية المرام» ص 235، الحديث الثالث مكرّراً.

معرفة الإمام ج٤

181
  • و ذكره الصفّار في «بصائر الدرجات».1

  • الروايات الدالة على أنّ الهادى علىّ بن أبى طالب عليه السّلام

  • الطبقة الثالثة: الروايات التي تدلّ على أنّ الهادي في الآية الكريمة هو عليّ بن أبي طالب. فقد روى إبراهيم بن محمّد الحموينيّ، و هو من أعيان علماء العامّة، في كتاب «فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين» بإسناده عن الإمام أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحديّ، قال: مِنَ الآياتِ فِيها عَلِيّ تِلْوُ الْنَبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في قوله انما أنت منذر و لكل قوم هاد.2 و روى الحسكانيّ مثلها في ذيل ص 303 من الجزء الأوّل من «شواهد التنزيل» عن الباب الثامن و العشرين من كتاب «فرائد السمطين» تحت الرقم 122.

  • تصريح رسول الله صلّى الله عليه و آله بأنّ الهادى علىّ عليه السّلام

  • و جاء أيضاً عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: سَألتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ عن هذه الآية، فقال لي: هَادي هذِهِ الامَّةِ عَلِيّ بنُ أبي طالِبٍ.3

  • و روى ابن شهرآشوب عن ابن عبّاس، و الضحّاك، و الزجّاج قولهم: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ» رَسُولُ اللهِ وَ «لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» عَلِيّ أميرُ المؤمِنينَ.4

  • و رواه أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس بسند آخر.5 و عن عبد الله بن عطاء عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام.6 و عن أبي هريرة،7 و عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بسند آخر.8

  • و روى الشيخ الطبرسيّ أيضاً هذا المضمون عن ابن عبّاس، عن

    1. « غاية المرام» ص 235. ذكره في ذيل الحديث الرابع مكرّراً.
    2. « غاية المرام» ص 235، الحديث الأوّل.
    3. « غاية المرام» ص 235، الحديث الرابع.
    4. ( 4 الى 8)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 567.
    5. ( 4 الى 8)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 567.
    6. ( 4 الى 8)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 567.
    7. ( 4 الى 8)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 567.
    8. ( 4 الى 8)-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 567.

معرفة الإمام ج٤

182
  • رسول الله.1 و رواه الفيض الكاشانيّ أيضاً عن «مجمع البيان»،2 عن رسول الله، و عن «الكافي» للكلينيّ، عن الإمام الباقر عليه السلام، عن رسول الله،3 و عن «إكمال الدين» و «تفسير عليّ بن إبراهيم»، و «تفسير العيّاشيّ».4 و قال أيضاً: ذكره كثير من رواة الخاصّة و العامّة بأسانيد مختلفة،5 و نقل عن القمّيّ قوله: و ردّ على من أنكر أنّ في كلّ عصر و زمان إماماً، و أنّه لا تخلو الأرض من حجّة.6

  • و ذكر السيّد هاشم البحرانيّ مضمون هذه الرواية في «تفسير البرهان» عن عبد الله بن عطاء، عن الإمام الباقر عليه السلام،7 و عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم،8 و عن ان عبّاس، و الضحّاك، و الزجاج،9 ثمّ قال: و الرواية عن ابن عبّاس في هذه الآية بهذا المعنى مستفيضة من طرق الخاصّة و العامّة يطول الكتاب بذكرها.10 و قال: قال ابن شهرآشوب: صنّف أحمد بن محمّد بن سعيد كتاباً في قوله: تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ... أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام.11 و يقول السيوطيّ: و أخرج ابن مردويه و الضياء في «المختارة» عن ابن عبّاس، عن رسول الله هذا المضمون.12 و رواه الحاكم الحسكانيّ أيضاً عن ابن عبّاس، عن رسول الله،13 و عن ابن عبّاس في رواية اخرى،14

    1. « مجمع البيان» ج 3، ص 278.
    2. ( 2 الى 6)-« تفسير الصافي» ج 1، ص 865.
    3. ( 2 الى 6)-« تفسير الصافي» ج 1، ص 865.
    4. ( 2 الى 6)-« تفسير الصافي» ج 1، ص 865.
    5. ( 2 الى 6)-« تفسير الصافي» ج 1، ص 865.
    6. ( 2 الى 6)-« تفسير الصافي» ج 1، ص 865.
    7. ( 7 الى 11)-« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    8. ( 7 الى 11)-« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    9. ( 7 الى 11)-« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    10. ( 7 الى 11)-« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    11. ( 7 الى 11)-« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    12. « تفسير الدّر المنثور» ج 4، ص 45.
    13. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 295.
    14. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 297.

معرفة الإمام ج٤

183
  • و عن أبي هريرة، عن رسول الله،1 و كذلك عن أبي بَرزة الأسلميّ عن رسول الله،2 و أيضاً بسنده عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه عن جدّه، عن رسول الله،3 و كذلك بسنده عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه.4

  • و روى العيّاشيّ في تفسيره عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال:

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: فِينَا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أنا المنذر و أنت الهادي، يَا عَلِيّ فَمِنَّا الْهَادِي وَ النَّجَاةُ وَ السَّعَادَةُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.5

  • و روى أيضاً عن جابر بن عبد الله، عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: قَالَ النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أنَا الْمُنْذِرُ وَ عَلِيّ الْهَادِي إلى أمْرِي.6

  • و ذكر السيّد البحرانيّ هذه الرواية أيضاً بسند آخر عن جابر بن عبد الله.7 و روى الصفّار في «بصائر الدرجات» نفس المضمون بسند عن ابن يزيد، بسنده المتّصل عن عبد الله بن عطاء، عن الإمام محمّد الباقر

    1. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 297.
    2. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 298.
    3. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 299.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 303.
    5. « غاية المرام» ص 237، الحديث الخامس عشر.
    6. « غاية المرام» ص 237، الحديث التاسع عشر.
    7. « غاية المرام» ص 237، الحديث الثالث و العشرون.

معرفة الإمام ج٤

184
  • عليه السلام،1 و بسند آخر عن محمّد بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن المفضّل، عن جابر، عن الإمام الباقر عليه السلام،2 و بسند ثالث عن عليّ بن الحسين بسنده عن مروان بن نجم، عن الإمام الباقر عليه السلام،3 و بسند رابع عن أحمد بن محمّد، عن الحسين، عن محمّد بن خالد، عن أيّوب بن الحرّ، عن الإمام الباقر عليه السلام.4 و كذلك رواها فرات بن إبراهيم في تفسيره عن الحسين بن الحكم بإسناده عن عبد الله بن عطاء، عن الإمام الباقر عليه السلام.5

  • و روى عليّ بن إبراهيم أيضاً في تفسيره عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، قالَ: «الْكِتَابُ [الذي لا ريب فيه] عليّ عليه السلام لا شكّ فيه «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» قال عليه السلام: تبيان لشيعتنا.6

  • و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ في «الكافي» بإسناده عن عبد الرحيم القصير، عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير الآية: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. قال: رسول الله صلّى الله عليه و آله و أنا الْمُنْذِرُ وَ عليّ الهادي، أما و الله ما ذهبت منّا و ما زالت فينا إلى الساعة.7 و8

    1. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    2. ( 2 الى 5)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    3. ( 2 الى 5)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    4. ( 2 الى 5)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    5. ( 2 الى 5)-« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    6. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76؛ و الطبعة الحروفيّة 35/ 402، عن« تفسير القمّيّ».
    7. « اصول الكافي» ج 1، ص 192، ب 68، منشورات المكتبة الإسلاميّة بطهران. و« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    8. « تفسير البرهان» ج 1، ص 518. و روي في« غاية المرام» ص 235، الحديث السابع عن إبن صبّاغ المالكيّ في« الفصول المهمّة» عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا نزل قوله تعالى: أنّمَآ أنتَ مُنذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ. قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنَا الْمُنْذِرُ وَ علِيّ الهادي، و بِكَ يا عليّ يَهتدي المهتدون.

معرفة الإمام ج٤

185
  • الروايات المأثورة عن أمير المؤمنين الدالّة على أنّه هو المراد بالهادى

  • الطبقة الرابعة: الروايات التي اثرت عن أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، إذ قال فيها: أنا الهادي في هذه الآية الشريفة: و روى المرحوم الصدوق في «الأمالي» عن الطالقانيّ بسنده المتّصل عن عبّاد بن عبد الله أنّه قال: قال عليّ عليه السلام:

  • ما نَزَلَتْ مِنَ الْقُرآنِ آيَةٌ إلّا وَ قَدْ عَلِمْتُ أيْنَ نَزَلَتْ وَ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَ في أيّ شَيْءٍ نَزَلَتْ، وَ في سَهْلٍ نَزَلَتْ أو في جَبَلٍ نَزَلَتْ، قِيلَ: فَمَا نَزَل فيكَ؟ فَقالَ: لَوْ لا أنّكُمْ سَألْتُمُونِي مَا أخْبَرْتُكُمْ، نَزَلَتْ فِيّ الآيَةُ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فَرَسُولُ اللهِ الْمُنْذِرُ وَ أنَا الْهَادِي إلى مَا جَاءَ بِهِ.1

  • و ذكر الفارسيّ أيضاً في كتاب «الروضة» فقال: قال عليّ عليه السلام: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، «مُنْذِرٌ» مُحَمَّدٌ وَ «لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» أنَا.2

  • يقول السيوطيّ: أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» و إبن أبي حاتم، و الطبرانيّ في «الأوسط»، و الحاكم، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و صحّحه الحاكم أيضاً عن عليّ بن أبي طالب في قوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ؛ قَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الْمُنْذِرُ وَ أنَا الْهَادِي، وَ في لَفْظٍ: وَ الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَني هَاشِمٍ يَعْنِي نَفْسَهُ.3

  • و روى الحاكم الحسكانيّ بسنده المتّصل عن عبّاد بن عبد الله مثل

    1. « أمالي الصدوق» ص 228، المجلس السادس و الأربعون و« بحار الأنوار» ج 9 ص 75، و« غاية المرام» ص 235 الحديث الخامس مكرّراً، و« تفسير البرهان» ج 1 ص 518.
    2. « غاية المرام» ص 327، الحديث الحادي و العشرون.
    3. « الدرّ المنثور» ج 4 ص 45.

معرفة الإمام ج٤

186
  • هذه الرواية التي نقلناها عن «أمالي» الصدوق، عن عبّاد بن عبد الله، إلى أن قال في آخرها: فَرَسُولُ اللهِ الْمُنْذِرُ وَ أنَا الْهَادِي إلى ما جاءَ بِهِ.1

  • و قال في هامش الجزء الأوّل، ص 300 من «شواهد التنزيل»: قال ابن الأعرابيّ في كتاب «معجم الشيوخ» الجزء الثاني، ورق 120، و في نسخة اخرى، ورق 203: ذكر أبو سعيد الحارثيّ عن الحسين بن عليّ الأشقر عن منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبّاد بن عبد الله، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الآية إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، قال: قال عليّ: رَسُولُ اللهِ الْمُنْذِرُ وَ أنَا الْهَادِي. ثمّ قال: ذكر ابن عساكر في «تاريخ دمشق» هذا الحديث في ترجمة عليّ بن أبي طالب تحت عنوان: الحديث 914 عن عبّاد بن عبد الله.

  • و رواه أيضاً صاحب «منتخب كنز العمّال» في حاشية «مسند أحمد» الجزء الأوّل، ص 451 في أوّل تفسير سورة الرعد عن ابن أبي حاتم، و رواه الحاكم في «المستدرك» في الحديث 77 في باب مناقب أمير المؤمنين ج 3، ص 129، رواه بسنده المتّصل عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ قال: هذا الحديث أسناده كلّها صحيحة.

  • و قال الشّيخ محمّد باقر المحموديّ بعد بيان هذا الحديث: و قد هاج بالذهبيّ داء النصب و ضاق به الخناق فخرج عن فطرة العقلاء من التكلّم على الموازين العلميّة فقال في تلخيصه على «المستدرك»: هذا [الحديث] كذب قَبَّحَ اللهُ وَاضِعَهُ! و أنت بعد الإحاطة بما تقدّم قل بصريح القول هذا صدق: قَبَّحَ اللهُ مُنْكِرَهُ وَ جَاحِدَ مَزَايَا أهْلِ الْبَيْتِ وَ مَنْ يَتَكَلَّمُ في الْعِلْمِ بِالْجَهْلِ! ثمّ قال: أنّ الحديث رواه أيضاً في «كنز العمّال» ج 1 ص 251،

    1. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 300.

معرفة الإمام ج٤

187
  • و قال: أخرجه ابن أبي حاتم.1

  • الروايات المأثورة عن أمير المؤمنين الدالّة كنايةً على أنّه هو المراد بالهادى

  • الطبقة الخامسة: الروايات المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام التي قال فيها: الهادي رجل من بني هاشم، يريد بذلك نفسه.

  • كما جاء في الروايات التي نقلها السيوطيّ، فقال: أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في «زوائد المسند» و ابن أبي حاتم، و الطبرانيّ في «الأوسط» و الحاكم بتصحيحه في «المستدرك»، و ابن مردويه، و ابن عساكر، فجاء في كلامهم لفظ: رَجُلٌ مِنْ بَني هَاشِمٍ.2 و روى الثعلبيّ في تفسيره عن السديّ، عن عبد خير، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: المُنْذِرُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ و الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَني هَاشِمٍ- يَعْنِي نَفْسَهُ.3

  • و روى الحافظ أبو نعميم الإصفهانيّ أيضاً بهذه الأسناد عن عبد خير عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنَا الْمُنْذِرُ وَ الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَني هَاشِمٍ.4 و روى الحاكم الحسكانيّ هذا الحديث نفسه عن أبي الحسن النجّار الطيرانيّ بسنده عن عبد خير، عن أمير المؤمنين عليه السّلام.5

    1. هامش« شواهد التنزيل» ج 1، ص 301.
    2. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 45، و« تفسير الميزان» ج 11، ص 360 نقلًا عن« الدرّ المنثور».
    3. « غاية المرام» ص 235، الحديث الخامس، و« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567، و« ينابيع المودّة» باب 26، ص 99، و أخرج هذه الرواية نفسها الحموينيّ أيضاً بسنده عن أبي هريرة.
    4. « مناقب» ج 1، ص 567.
    5. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 299.

معرفة الإمام ج٤

188
  • و ذكره بسند آخر عن أبي عبد الله، عن عثمان بن أبي شيبة،1 و بسند ثالث عن عبد الله الثقفيّ، عن عبد خير، عن أمير المؤمنين عليه السلام.2 و قال في تعليقة من «شواهد التنزيل» ج 1، ص 299: ذكر ابن عساكر هذه الرواية بهذا السند عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت الرقم 912 من ترجمة أمير المؤمنين في «تاريخ دمشق». و ذكرها صاحب «مجمع الزوائد» في ج 7 ص 41، و قال: ذكرها عبد الله بن أحمد بن حنبل، و الطبرانيّ في «الصغير» و «الأوسط» مع تصريحهما بوثاقه رجال السند. و ذكرها السيوطيّ في «الدرّ المنثور» بتخريج ابن مردويه، و ابن عساكر.

  • روايات وضوء رسول الله الدالّة على أنّ المنذر رسول الله، و الهادى علىّ

  • الطبقة السادسة: الروايات الكثيرة المأثورة عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم التي تذكر أنّ النبيّ طلب ماءً للوضوء، و بعد فراغه من الوضوء، أخذ بِيَدِ أمير المؤمنين عليه السلام فضمّها إلى صدره و قال: أنتَ الْمُنذِرُ، ثمّ ضمّها إلى صدر أمير المؤمنين و قال: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ. و قد نقلت الروايات بمضامينها المتنوّعة هذه القضيّة عن رسول الله. روى محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ أنّه قال: سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول: دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بِوَضُوءِ طُهْرٍ فَلَمّا فَرَغَ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا فَألْزَمَهَا يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ» ثُمَّ ضَمَّ يَدَهُ إلى صَدْرِهِ وَ قَالَ: «وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيّ! أنْتَ أصْلُ الدِّينِ وَ مَنَارُ الإيمَانِ وَ غَايَةُ الْهُدَى وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجِّلِينَ أشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ.3 و نقل فرات بن

    1. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 299.
    2. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 300.
    3. « غاية المرام» ص 236 الحديث التاسع، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 518.

معرفة الإمام ج٤

189
  • إبراهيم هذه الرواية في تفسيره عن أبي حمزة، عن الإمام الباقر عليه السلام.1

  • يقول السيوطيّ: أخرج ابن جرير، و ابن مردويه، و أبو نعيم الإصفهانيّ في كتاب «معرفة الصحابة»، و الديلميّ، و ابن عساكر، و ابن النجّار، قالوا: لَمَّا نَزَلَت: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» وَضَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَهُ على صَدْرِهِ فَقَالَ: أنَا الْمُنْذِرُ، وَ أوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنْكِبِ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: أنْتَ الْهَادِي، يَا عَلِيّ بِكَ يَهتَدِي الْمُهْتَدُونَ.2 و روى ذلك الثعلبيّ في تفسيره عن عطاء بن سائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.3 و ذكر الطبريّ أيضاً في ج 13 ص 108 من تفسيره هذا الحديث نفسه عن ابن عبّاس بنفس السند.4 و ذكره الحاكم الحسكانيّ بأسناده بأربعة طرق عن عطاء بن سائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.5

  • و روى الحاكم الحسكانيّ أيضاً عن أبي الحسن الفارسيّ بإسناده عن أبي فروة السلميّ أنّه قال: دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ

    1. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    2. تفسير« الدرّ المنثور» ج 4، ص 45، و تفسير« الميزان» ج 11، ص 360 نقلًا عن« الدرّ المنثور» و« تفسير الفخر الرازيّ» ج 19 ص 14. و يقول صاحب« شواهد التنزيل» في هامش الجزء الأوّل ص 295 من كتابه: ذكره في« كنز العمّال» ج 6، ص 157 عن الديلميّ عن ابن عبّاس، و جاء في« ينابيع المودّة» باب 26، ص 99 باختلاف يسير في اللفظ عن الثعلبيّ في« الكشّاف».
    3. « تفسير البرهان» ج 1، ص 519، و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75، و« تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 6، ص 463، و تفسير« الميزان» ج 11، ص 360، و« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567.
    4. « شواهد التنزيل» ج 1، هامش ص 293.
    5. « شواهد التنزيل» ج 1 ص 293 إلى 296.

معرفة الإمام ج٤

190
  • بِالطَّهُورِ وَ عِنْدَهُ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ بِيَدِ عَلِيّ بَعْدَ مَا تَطَهَّرَ فَألْزَقَهَا بِصَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ» ثُمَّ رَدَّهَا إلى صَدْرِ عَلِيّ ثُمَّ قَالَ: «وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» ثُمَّ قَالَ: أنّكَ مَنَارُ الأنَامِ وَ غَايَةُ الْهُدَى وَ أمِيرُ الْقُرّاءِ، أشْهَدُ على ذَلِكَ أنّكَ كَذَلِكَ.1

  • و نقل ابن شهرآشوب هذه الرواية أيضاً عن الحاكم الحسكانيّ إلّا أنّه ذكر الراوي على أنّه أبو برزة و أتى بكلمة «ألْصَقَها» بديلة عن كلمة «فَألْزَقَهَا». و كذلك فأنّه نقل في ذيلها هذه العبارة: أنْتَ مَنَارُ الأنام وَ رَايَةُ الْهُدَى وَ أمِينُ الْقُرآنِ وَ أشْهَدُ على ذَلِكَ أنّكَ كَذَلِكَ.2 و ذكر أبو الفتوح الرازيّ هذه الرواية أيضاً غير أنّ اسم الرواية عنده هو أبو بردة الأسلميّ، و جاء بكلمة «فَألْزَمَهَا» بديلة عن كلمة «فَألْزَقَهَا». و في آخرها هذه العبارة: «أنّكَ مَنَارَةُ الأنَامِ وَ غَايَةُ الْهُدَى، وَ أمِيرُ الْقُرى، أشْهَدُ على ذَلِكَ أنّكَ كَذَلِكَ».3

  • و ذكرها السيّد هاشم البحرانيّ أيضاً في «غاية المرام» و «تفسير البرهان» عن الحاكم الحسكانيّ، و جاء بكلمة «فَألْصَقَهَا» بديلة عن كلمة «فَألْزَقَهَا» في كلا الكتابين. غير أنّه ذكر ذيل العبارة في الحديث كما نقلناها عن الحاكم الحسكانيّ.4 و ذكر في «غاية المرام» عبارة أميرُ الْغَزَا بديلة عن أميرُ الْقُرّاءِ، و راوي الحديث في «غاية المرام» هو أبو بردة الأسلميّ، أمّا في «تفسير البرهان» فهو أبو بريدة.5

    1. ( 1 و 2)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567، و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75.
    2. ( 1 و 2)-« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567، و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75.
    3. « تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 3، ص 278.
    4. « تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    5. « غاية المرام» ص 237، الحديث العشرون.

معرفة الإمام ج٤

191
  • و ذكر الحاكم في «المستدرك» بإسناده هذه الرواية نفسها بالنصّ الذي نقله البحرانيّ في «تفسير البرهان» عن الحاكم الحسكانيّ.1 و نقلها أيضاً صاحب «ينابيع المودّة» عن الحاكم الحسكانيّ في الباب 26 ص 99. و الراوي عنده هو بريدة الأسلميّ، و ذكر عبارة «فَألْصَقَ يَدَهُ» بديلة عن كلمة «فَألْزَقَهَا»، و جاء في آخرها ما يلي: «فَقَالَ: أنْتَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أنْتَ مَنَادُ الأنَامِ وَ غَايَةُ الْهُدَى وَ أميرِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، أشْهَدُ على ذَلِكَ أنّكَ كَذَلِك».

  • ثمّ قال: أخرج ابن صبّاغ المالكيّ في «الفصول المهمّة» هذه الرواية نفسها عن ابن عبّاس.

  • و قال السيوطيّ: أخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلميّ أنّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يقول: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ» وَ وَضَعَ يَدَهُ على صَدْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا على صَدْرِ عَلِيّ وَ يَقُولُ: «لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ».2 و ذكر الحاكم الحسكانيّ هذا النصّ من الرواية بإسناده عن أبي برزة بسندين.3 و نقلها السيّد البحرانيّ عن إبراهيم الحموينيّ في «فرائد السمطين» بإسناده عن أبي هريرة الأسلميّ،4 و عن الثعلبيّ في تفسيره بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس،5 و قال ابن شهرآشوب: قال الحاكم الحسكانيّ في «شواهد التنزيل»، و المرزبانيّ في كتابه الذي صنّفه حول الآيات القرآنيّة النازلة بشأن أمير المؤمنين أنّ أبا برزة روى تلك

    1. « تفسير الميزان» ج 11، ص 360.
    2. « الدرّ المنثور» ج 4، ص 45.
    3. « شواهد التنزيل» ج 1 ص 297 و 298.
    4. ( 4 و 5)-« غاية المرام» ص 235، الحديث الثاني و الثالث؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75 عن« مناقب» ابن شهرآشوب.
    5. ( 4 و 5)-« غاية المرام» ص 235، الحديث الثاني و الثالث؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75 عن« مناقب» ابن شهرآشوب.

معرفة الإمام ج٤

192
  • الرواية المشار إليها.1

  • روايات معراج رسول الله الدالّة على أن هادى الأُمّة علىّ أمير المؤمنين

  • الطبقة السابعة: الروايات التي تشير إلى ما قيل للرسول الأعظم في معراجه من أنّ هادي الامّة هو عليّ بن أبي طالب. روى المجلسيّ عن «تفسير فرات بن إبراهيم» بسنده عن البراء بن عيسى التميميّ رفعه عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلهِ وَ سَلَّمَ: لَمّا اسْرِيَ بي إلى السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَ بَيْنَ رَبِّي مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيّ مُرْسَلٌ، مَا سَألْتُ رَبِّي حَاجَةً إلّا أعْطَانِي خَيْراً مِنْهَا فَوَقَعَ في مَسَامِعِي «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فَقُلْتُ: إلَهِي أنَا الْمُنْذِرُ فَمَنِ الْهَادِي؟ فَقَالَ اللهُ: يَا مُحَمَّدُ، ذَاكَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ، آيَةُ الْمُهْتَدِينَ وَ إمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ مِنْ امَّتِكَ بِرَحْمتى إلى الْجَنَّةِ.2

  • و روى الحاكم الحسكانيّ بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَيْلَة اسْرِيَ بِي مَا سَألْتُ رَبِّي شَيْئاً إلّا أعْطَانِيهِ [وَ] سَمِعْتُ مُنَادِياً مِنْ خَلْفي يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ؛ «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» قُلْتُ: أنَا الْمُنْذِرُ فَمَنِ الْهَادِي؟ قَالَ: عَلِيّ الْهَادِي الْمُهْتَدِي الْقَائِدُ امَّتِكَ إلى جَنَّتي غَرَّاءَ مُحَجَّلِينَ بِرَحْمتى.3

  • و من هنا روى إبراهيم الإصبهانيّ عن حُذيفة بن اليمان بثلاثة طرق أنّه قال: قال النبيّ- صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنْ تَسْتَخْلُفُوا عَلِيّاً- و مَا أراكُمْ فَاعِلِينَ- تَجِدُوهُ هَادياً مَهْدِيّاً يَحْمِلُكُمْ على الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاء.4

    1. « مناقب» ابن شهرآشوب ص 567، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    2. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76، الطبعة الحجريّة.
    3. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 296.
    4. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 567؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 75؛ و الطبعة الحروفيّة ج 35، ص 398 نقلًا عن« المناقب».

معرفة الإمام ج٤

193
  • و نقل أبو الفتوح هذه الرواية في تفسيره ثمّ قال: هنا إشارة، و في تلك الإشارة بشارة لك. و هي أنّ رسول الله سمّى عليّ بن أبي طالب هادياً و مهديّاً (لأنّنا نعلم وفقاً للآية وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) أنّ الإمام الأوّل هاد، و أنّ الإمام الآخر هو المهديّ، فنجاتك عندئذٍ لا بدّ منها، لأنّ رسول الله قال: لَنْ تَهْلِكَ الرَّعِيَّةُ وَ إنْ كَانَتْ ظَالِمَةً مُسِيئَةً إذَا كَانَتِ الْوُلَاةُ هَادِيَةً مَهْدِيَّةً. ألَا ترى كم هو رائع ما أنشده الشاعر:

  • تَلْقَي الأمَانَ على حِياضِ مُحَمَّدٍ***ثَوْلَاءُ مُخْرِفَةٌ وَ ذِئبٌ أطْلَسُ

  • لَا ذِي يَخَافُ وَ لَا لِذَلِكَ جُرْأةٌ***يَهْدِي الرَّعِيَّةَ مَا اسْتَقامَ الرَّيِّسُ 1

  • و هذان البيتان للكميت بن زيد الأسديّ شاعر أهل البيت، و كان

  • شيعيّاً و نراه هنا يتحسّر على غصب الآخرين حقَّ آل محمّد

  • و استئثارهم به، و يشير فيهما إلى ظهور قائم آل محمّد في ذلك

  • العصر الذي ينشر فيه العدل أجنحته على ربوع المعمورة، فلا تخاف

  • الشاه من الذئب، و لا الذئب يهاجم الشاة.

  • و من هذا المنطلق نرى الزرقاء الكوفيّة تصرّح بعدل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بين يدي معاوية بن أبي سفيان مستشهدة بالآية الكريمة: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ». فقد روى الحاكم الحسكانيّ بإسناده عن عبد الله بن عامر أنّه قال: ازْعِجَتِ الزَّرْقَاءُ الْكُوفِيَّةُ إلى مُعَاوِيَةَ فَلَمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: مَا تَقُولِينَ في مَوْلَى الْمُؤمِنِينَ عَلِيّ؟ فَأنْشَأتْ تَقُولُ:

  • صَلَّى الإلَهُ على قَبْرٍ تَضَمَّنَهُ***نُورٌ فَأصْبَحَ فِيهِ الْعَدْلُ مَدْفُوناً

    1. « تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 6، ص 463( بالفارسيّة) و قد ترجمنا كلامه.( م)

معرفة الإمام ج٤

194
  • مَنْ حَالَفَ الْعَدْلَ وَ الإيمَانَ مُقْتَرِنَا***فَصَارَ بِالْعَدْلِ وَ الإيمَانِ مَقْرُونَا

  • فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: كَيْفَ غَرَرْتِ فِيهِ هَذِهِ الْغَرِيرَةَ؟ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ في كِتَابِهِ لِنَبِيِّهِ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» الْمُنْذِرُ رَسُولُ اللهِ وَ الْهَادِي عَلِيّ وَلِيّ اللهِ.1

  • و كذلك عند ما واجه قيس بن سعد بن عبادة معاوية في المدينة بعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام و جرت بينهما مناقشات حادّة، فأنّ من المناقب التي ذكرها قيس لمعاوية في أمير المؤمنين عليّ هي استشهاده بالآية «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» قائلًا أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام.2

  • فى لزوم إتّباع الإمام الحىّ من آل محمد عليهم السّلام

  • طائفة من الروايات الدالّة على أنّ مصداق الهادى الأئمة الأطهار

  • الطبقة الثامنة: الروايات التي تدلّ على أنّ الهادي ليس أمير المؤمنين عليه السلام فحسب، بل أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام بالترتيب هم مصاديق لهذا العنوان. و نقسم هذه الروايات إلى قسمين:

  • القسم الأوّل: الروايات التي تُشعر أنّ القرآن المجيد لم ينزل في شخص على وجه التعيين، لأنّه لو كان كذلك لمات القرآن أو إحدى آياته بموت ذلك الشخص. و لمّا كان القرآن حيّاً أبداً، لذلك لا بدّ من وجود مصداق حيّ و معبِّر لآياته دائماً. روى السيّد البحرانيّ، و المجلسيّ عن «تفسير العيّاشيّ» عن عبد الرحيم القصير أنّه قال: كُنْتُ يَوْماً بَيْنَ الأيّامِ عِنْدَ أبي جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلام فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ. قَالَ:

    1. « شواهد التنزيل» ج 1، ص 302.
    2. « غاية المرام» ص 236، الحديث الرابع عشر نقلًا عن سليم بن قيس الهلاليّ الكوفيّ، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.

معرفة الإمام ج٤

195
  • قَوْلُهُ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أنَا الْمُنْذِرُ وَ عَلِيّ الْهَادِي، مَنِ الْهَادِي إلى الْيَوْمِ؟1 فَسَكَتُّ طَويلَا ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هِيَ فِيكُمْ تَوَارَثُونَهَا رَجُلٌ فَرَجُلٌ حتى انْتَهَتْ إلَيْكَ فَأنْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ الْهَادِي. قَالَ: صَدَقْتَ يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ أنّ الْقُرْآنَ لَا يَمُوتُ و الآيَةُ حَيَّةٌ لَا تَمُوتُ، فَلَوْ كَانَتِ الآيَةُ في الأقْوَامِ مَاتُوا فَمَاتَ الْقُرْآنُ وَ لَكِنْ هِيَ جَارِيَةٌ في الْبَاقِينَ كَمَا جَرَتْ في الْمَاضِينَ. وَ قَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ: قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: أنّ الْقُرآنَ حَيّ لَمْ يَمُتْ وَ أنّهُ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي اللَّيلُ وَ النَّهَارُ وَ كَمَا يَجْرِي الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ يَجْرِي على آخِرِنَا كَمَا يَجْرِي على أوَّلِنَا.2

  • و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ في «الكافي» بسنده عن أبي بصير أنّه قال: قُلْتُ لأبي عبْدِ اللهِ عَلَيهِ السَّلَامُ «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ الْمُنْذِرُ وَ عَلِيّ الْهَادِي. يَا أبَا مُحَمَّدٍ هَلْ مِنْ هَادٍ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: بلى جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا زَالَ مِنْكُمْ هَادٍ بَعْدَ هَادٍ حتى دُفِعَتْ إلَيْكَ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أبَا مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتِ إذَا نَزَلَتْ آيَةٌ على رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَاتَتِ الآيةُ مَاتَ الْكِتَابُ، وَ لَكِنَّهُ حَيّ يَجْرِي فِيمَنْ بَقَى كَمَا جَرَى فِيمَن مَضَى.3

  • القسم الثاني: الروايات التي تجعل الأئمّة عليهم السلام مصاديق

    1. جاءت كلمة« إلَي» في« تفسير البرهان»، و في« غاية المرام» أيضاً، لكنّها لم ترد في« بحار الأنوار».
    2. « غاية المرام» ص 237، الحديث السادس عشر، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 519 و« بحار الأنوار» ج 9، ص 76.
    3. « اصول الكافي» ج 1، ص 192. و جاءت متكرّرة في« تفسير البرهان» ج 1، ص 518، و« غاية المرام» ص 235، الحديث الثالث.

معرفة الإمام ج٤

196
  • لعنوان الهادي بصورة مباشرة دون الاستشهاد بتطبيق الآية «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» عليهم من باب الجري و التطبيق، و الاستدلال بحياة القرآن.

  • فقد روى أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان الفقيه عن طريق العامّة بإسناده عن عبد الله بن عمر أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: بِي انْذِرْتُمْ وَ بِعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ اهْتَدَيْتُمْ. وَ قَرَأ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ». و بِالْحَسَنِ اعْطيتُمُ الإحْسَانَ و بِالْحُسَينِ تَسْعَدُونَ وَ بِهِ تَشْقُونَ. ألَا وَ أنّ الْحُسَينَ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ مَنْ عَانَدَهُ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ.1

  • و روى العيّاشيّ عن مسعدة بن صدقة، عن الإمام جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: فِينَا نَزلَتْ هَذِهِ الآيةُ: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أنَا الْمُنْذِرُ وَ أنْتَ الْهَادي يَا عَلِيّ، فَمِنَّا الْهَادِي وَ النَّجَاةُ وَ السَّعَادَةُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.2

  • تصريح رسول الله بأسماء الأئمة الاثنى عشر

  • و روى الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ بإسناده عن الحسين بن يزيد بن عبد عليّ، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن الإمام الحسن عليه السلام أنّه قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يوماً، فقال بعد ما حمد الله و أثنى عليه: مَعَاشِرَ النَّاسِ كَأنّي ادْعَى فاجيب، وَ أنّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتي أهْلَ بَيْتِي. أمّا إنْ تَمَسَكْتُمْ بِهِما لَن تَضِلُّوا، فَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَأنّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ. لَا تَخْلُو الأرْضُ

    1. « غاية المرام» ص 235 الحديث السادس، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 519.
    2. « تفسير البرهان» ج 1، ص 519.

معرفة الإمام ج٤

197
  • مِنْهُمْ وَ لَوْ خَلَتْ لَانْسَاخَتْ بِأهْلِهَا.

  • ثُمّ قالَ [صلوات الله عليه و آله]: اللهُمَّ أنّي أعْلَمُ أنّ الْعِلْمَ لَا يَبيدُ وَ لَا يَنقَطِعُ وَ أنّكَ لَا تُخْلِى الأرْضَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ على خَلْقِكَ ظَاهِرٍ لَيْسَ بِالْمُطَاعِ أوْ خَائِفٍ مَغْمُورٍ كَيْلَا تَبْطُلَ حُجَّتِكَ وَ لَا تَضِلَّ أوْلِيَاؤُكَ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَهُمْ اولَئِكَ الأقَلُّونَ عَدَداً الأعْظَمُونَ قَدْراً عِنْدَ اللهِ.

  • فلمّاً نزل عن منبره، قلت له: يا رسول الله أمَا أنت الحجّة على الخلق كلّهم؟ قال: يا حسن، أنّ الله يقول: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فَأنَا الْمُنْذِرُ وَ عَلِيّ الْهَادي.

  • قلتُ: يا رسول الله قولك: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة. قال: نعم، عليّ هو الإمام و الحجّة بعدي، و أنت الإمام و الحجّة بعده، و الحسين الإمام و الحجّة و الخليفة من بعدك. و لقد نبّأني اللطيف الخبير أن يخرج من صلب الحسين ولد يقال له: عليّ سميّ جدّه، فإذا مضى الحسين، قام بعده عليّ ابنه، و هو الإمام و الحجّة بعد أبيه، و يُخرج الله من صلب عليّ ولداً سميّي و أشبه الناس بي علمه علمي و حكمه حكمي و هو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يُخرج الله تعالى من صُلب محمّد مولوداً يقال له: جعفر، أصدق الناس قولًا و فعلًا، و هو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يخرج الله تعالى من صلب جعفر مولوداً يقال له: موسى سميّ موسى بن عمران أشدّ الناس تعبّداً، فهو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يُخرج الله من صلب موسى مولوداً يقال له: عليّ معدن علم الله و موضع حكمه و هو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يُخرج الله من صلب عليّ مولوداً يقال له: محمّد، فهو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يُخرج الله من صلب محمّد ولداً يقال له: عليّ، فهو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يخرج الله من صلب عليّ مولوداً يقال له: الحسن، فهو الإمام و الحجّة بعد أبيه. و يُخرج الله من صلب الحسن الحجّة القائم إمام شيعته

معرفة الإمام ج٤

198
  • و ينقذ أوليائه، يغيب حتى لا يرى، يرجع عن أمره قوم و يثبت عليه آخرون، و يقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الدُّنْيَا إلّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ حتى يَخْرُجَ قَائِمُنَا فَيَمْلأ الأرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً، فَلَا تَخْلَو الأرضُ مِنْكُمْ أعْطَاكُمُ اللهُ عِلْمِي وَ فَهْمِي وَ لَقَدْ دَعَوْتُ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَإلى أنْ يَجْعَلَ الْعِلْمَ وَ الْفِقْهَ في عَقِبِي وَ عَقِبِ عَقِبِي وَ في زَرْعِي وَ زَرْعِ زَرْعِي.1

  • يضمّ هذا الحديث الشريف نقاطاً ينبغي الإمعان في كلّ واحدة منها بنحو مجمل.

  • النقطة الاولى: تبيان الثقلين، أي: كتاب الله، و أهل البيت، اللذينِ اعتبر رسول الله التمسّك بهما تحصيناً ضدّ الضلال. و هذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي رواها ما يربو على الثلاثين من صحابة النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم. و ناهيك عن علماء الشيعة الكبار و مصنّفاتهم الموثوقة، فقد رواه أكثر من مائتي عالم من علماء السنّة الكبار بألفاظ متنوّعة،2 و جاء في ما يزيد على خمسمائة كتاب من كتبهم المعتمدة.3

  • و خصّص العلّامة آية الله مير حامد حسين اللكنهويّ الهنديّ النيسابوريّ رضوان الله عليه الجزء الثاني عشر من كتابه «عقبات الأنوار» للبحث حول هذا الحديث، و قسّمة إلى جزءين، خصّص الأوّل للبحث في

    1. « غاية المرام» ص 236 الحديث الحادي عشر، و« تفسير البرهان» ج 1، ص 517 و 518.
    2. جاءت هذه العبارة في مقدّمة« العقبات» في الجزء الأوّل من المجلّد الثاني عشر، في القسم الأوّل مقابل الصفحة الاولى.
    3. تجد الفهرس الذي يضمّ المصادر الخاصّة بسند حديث الثقلين في ملحق الجزء الأخير من المجلّد الثاني عشر من« عقبات الأنوار» من ص 1165 إلى 1188.

معرفة الإمام ج٤

199
  • سند الحديث، و الثاني للبحث في دلالته.1 و ألّف الميرزا نجم الدين شريف العسكريّ كتاباً مستقلًّا حول هذا الحديث و حديث السفينة من مصادر العامّة أسماه: «محمّد و عليّ و حديث الثقلين و حديث السفينة». و نتعرض إلى هذا الحديث مفصّلًا في بحوثنا القادمة إن شاء الله تعالى.

  • انحصار الإمامة فى آل محمد الذين هم أعلم الناس

  • النقطة الثانية: أنّ قوله صلّى الله عليه و آله: لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَأنّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ مأثور عن رسول الله بواسطة كثير من علماء العامّة و الخاصّة. و قد نقلناه في الصفحة الحادية و العشرين من الجزء الثالث من هذا الكتاب2 عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ. و إذا ضممنا هذا القول إلى قول آخر رواه الإمام الحسن عليه السلام عن جدّه في خطبة له، فستستنتج منهما إمامة الأئمّة الأطهار و قيادتهم. و هذا القول هو: وَ قَدْ سَمِعَتْ هَذِهِ الامَّةُ جَدِّي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: مَا وَلَّتْ امَّةٌ أمْرَهَا رَجُلًا وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْهُ إلَّا لَمْ يَزَلْ يَذْهَبُ أمْرُهُمْ سَفَالًا حتى يَرْجِعُوا إلى مَا تَركُوهُ.3

  • يستفاد من الجمع بين هذين القولين المأثورين عن رسول الله أنّ الأئمّة الطاهرين عليهم السلام يجب أن يتولّوا قيادة الناس في جميع شئونهم بلا استثناء سواء كانت الشؤون المعاشيّة، و سياسة المدن، و تدبير المنزل، أو كانت الشؤون الخاصّة بالمعاد و المعارف و العلوم الدينيّة، و ذلك

    1. طبعت المؤسّسة الخاصّة بنشر نفائس المخطوطات بأصفهان هذين الجزءين اللذين يشكّلان المجلّد الثاني عشر في ستّة مجلّدات.
    2. الإشارة إلى الطبعة الفارسيّة للكتاب.
    3. « ينابيع المودّة» ص 482، الباب التسعون. و ذكره في« غاية المرام» ص 298 تحت عنوان الحديث السادس و العشرين ضمن خطبة للإمام الحسن عليه السلام عند بيعته معاوية. و نقل موجزاً لهذه الخطبة بسند آخر في ص 298 و 299 تحت عنوان الحديث السابع و العشرين، و ذكر القول نفسه حول ولاية الامّة في السطر الخامس عشر من الصفحة.

معرفة الإمام ج٤

200
  • أوّلًا لأنّ أعلميّتهم جاءت بشكل مطلق، و هذا له حكم صغرى القضيّة، و لأنّه صلّى الله عليه و آله ثانياً جعل زعامة الأعلم لازمة واجبة، و هذا له حكم كبراها. و محصّلة ذلك كلّه أنّ زعامتهم دائميّة و مطلقة.

  • يقول مولى الموحّدين و أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ضمن الخطبة 142 من خطب «نهج البلاغة» أيْنَ الَّذينَ زَعَمُوا أنّهُمُ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ دُونَنَا كَذِباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا، أنْ رَفَعَنَا اللهُ وَ وَضَعَهُمْ، وَ أعْطَانَا (من نِعَمِ علومه و معارفه) وَ حَرَمَهُمْ، وَ أدْخَلَنَا (في الإيمان و التوحيد و درجات القرب) وَ أخْرَجَهُمْ. بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى (و بِنا تُقسم الهداية بين أفراد البشر، فيأخذ كلٌّ نصيبه منها) وَ يُسْتَجْلي الْعَمى (فتبصر العين و يظهر نور الباطن في قلوب الناس فيمكن لكلّ أحد أن يمزّق حجب ظلمات الجهل و أن تبصر عيونه بنور البصيرة). أنّ الأئِمَّةَ مِنْ قُرَيش غُرِسُوا في هَذا الْبطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لَا تَصْلُحُ على سِوَاهُمْ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ. (وَ لا تليق الإمامة و القيادة إلّا لهم، و لا يجوز أن يكون حكّام الأمّة غيرهم).1

  • و يقول في الخطبة 145: وَ أعْلَمُوا أنّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حتى تَعْرِفُوا الذي تَرَكَهُ، وَ لَنْ تَأخُذُوا بِمِثَاقِ الْكِتَابِ حتى تَعْرِفُوا الذي نَقَضَهُ، وَ لَنْ تُمَسِّكُوا بِهِ حتى تَعْرِفُوا الذي نَبَذَهُ (أي أنّ أحد شروط فهم كتاب الله و تمام معرفته، معرفة مخالفي القرآن و مُنكريه. فما لم يُعرَف أئمّة الضلال و ما لم يُتبرّأ من فعلهم و قولهم، فأنّ التمسّك بالقرآن الكريم و بحقيقة أئمّة الحقّ لم يتحقّق.) فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أهْلِهِ (و هم الأئمّة من أهل البيت) فَأنّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ

    1. « نهج البلاغة» الجزء الأوّل، ص 262.

معرفة الإمام ج٤

201
  • وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ.1 (حيث أنّ عملهم بالدين، و تركّز معنى الدين و روحه في وجدانهم و نفوسهم أفضل شاهد صادق على حقيقتهم، و تطبيق أسرار الدين في قلوبهم و جوارحهم أفضل شاهد عمليّ ذي شفاه مُطبقة و لب ناطق، على حقيقتهم).

  • دعاء الإمام السجاد فى لزوم الإمام و فوائده

  • و يقول الإمام زين العابدين و سيّد الساجدين عليّ بن الحسين عليه السلام في دعاء يوم عرفة، و هو الدعاء السابع و الأربعون من أدعية «الصحيفة السجّاديّة الكاملة»: اللهُمَّ أنّكَ أيَّدْتَ دِينَكَ في كُلِّ أوانٍ بِإمَامٍ أقَمْتَهُ عَلَماً لِعِبَادِكَ وَ مَنَاراً في بِلَادِكَ بَعْدَ أنْ وَصَلْتَ حَبْلَهُ بِحَبْلِكَ، وَ جَعَلْتَهُ الذَّرِيعَةَ إلى رِضْوَانِكَ، وَ افْتَرَضْتَ طَاعَتَهُ وَ حَذَّرْتَ مَعْصِيَتَهُ، و أمَرْتَ بِامْتِثَالِ أمْرهِ و لانْتِهَاءِ عِنْدَ نَهْيِهِ، و ألّا يَتَقَدَّمَهُ مُتَقَدِّمٌ، و لَا يَتَأخَّرُ عَنْهُ مُتَأخِّرٌ، فَهُوَ عِصْمَةُ اللّائِذِينَ وَ كَهْفُ الْمُؤمِنِينَ وَ عُرْوَةُ الْمُتَمَسِّكِينَ وَ بِهَاءُ الْعَالَمِين.

  • ذكر المرحوم السيّد على خان المدنيّ الكبير موضوعات نفيسة في شرح هذا المقطع من الدعاء من شرح «الصحيفة السجّاديّة الكاملة» ننقل هنا ملخّصاً لها: وصف الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام الإمام بأربعة أوصاف:

  • الأوّل: عِصْمَةُ اللّائِذِينَ أي: مانع لمن لاذ به و التجاء إليه بسبب هدايته له إلى سلوك الصراط المستقيم عن التورّط في أحد طرفي الإفراط و التفريط.

  • الثاني: كَهْفُ الْمُؤمِنينَ أي: ملجأ جماعة المؤمنين الذين يلجأون إليه عند حلول الشبهات و يعوّلون عليه في الخلاص من الظلمات.2

  • معرفة الإمام ؛ ج4 ؛ ص201

    1. « نهج البلاغة» الخبطة 145، الجزء الأوّل ص 267؛ و« ينابيع المودّة» ص 446.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج٤

202
  • الثالث: عُروَةُ الْمُتَمَسِّكِينَ أي: منقذ من تمسّك به و اقتدى بأثره و انقاد لأمره و نهيه من مهاوي الهلكات و الوقوع في مساقط النقمات.

  • الرابع: بَهَاءُ الْعَالَمِينَ أي: به يكون انتظام أمر العالم و حسن هيئته إذ بهديه و سيرته يعتدل ميزان العدل و يقوم عماد الحقّ في الخلق.

  • هذا الدعاء الذي يدلّ على لزوم الإمام في كلّ زمن من الأزمان ممّا تطابق عليه العقل و النقل. أمّا العقل فبيانه أنّ الإنسان غير مكتف في الوجود و البقاء بذاته لأنّ نوعه لم ينحصر في شخصه، فلا يعيش في الدنيا إلّا بتمدّن و اجتماع و تعاون، و لا يمكن وجوده بالانفراد، فافترقت أعداد و اختلفت أضراب، و انعقدت ضياع و بلاد، فاضطرّوا في معاملاتهم و مناكحاتهم و جناياتهم إلى قانون مرجوع إليه بين كافّة الخلق يحكمون به بالعدل، و إلّا تغالبوا و تهارسوا و فسد الجميع و انقطع النسل و اختلّ النظام. و لا بدّ من قانون يعيّن لهم منهجاً يسلكونه لانتظام معاشهم في الدنيا، و يسنّ لهم طريقاً يصلون به إلى الله. و ذلك القانون هو الشرع الذي يعيّن لهم منهجاً يسلكونه لانتظام معاشهم في الدنيا، و يسنّ لهم طريقاً يصلون به إلى الله، و يفرض عليهم ما يذكّرهم أمر الآخرة، و الرحيل إلى ربّهم و ينذرهم و ينادون فيه من مكان قريب، و يهديهم إلى الصراط المستقيم.

  • و لا بدّ أن يكون إنساناً، لأنّ مباشرة الملك لتعليم الإنسان على هذا الوجه مستحيل، و درجة باقي الحيوانات أنزل من هذا. فتعيّن أن يكون إنساناً، و لا بدّ من تخصيصه بآيات من الله دالّة على أنّ شريعته من عند ربّهم، ليخضع له النوع، و هي المعجزة. و كما لا بدّ في العناية لنظام العالم من المطر، و العناية لم تقصر عن إرسال السماء مدراراً لحاجة الخلق، فنظام العالم لا يستغني عمّن يعرّفهم صلاح الدنيا و الآخرة، نعم من لم يهمل إنبات الشعر على الحاجبين للزينة لا للضرورة، كيف يهمل من وجوده

معرفة الإمام ج٤

203
  • رحمة للعالمين، و إقامته علماً يهتدي به لسلوك صراطه المستقيم.

  • فانظر إلى عنايته و لطفه تعالى كيف أعدّ لخلقه بإيجاد ذلك الشخص مع النفع العاجل و السلامة في العقبى و الخير الآجل، فهذا هو خليفة الله في أرضه، و هو الإمام الذي نصبه علماً لعباده و مناراً في بلاده.

  • فإن قلت: هذا البيان أنّما يوجب بعثة النبيّ، الذي هو الشارع المبيّن للشريعة لا مطلق الإمام. قلت: كما احتاج المكلّفون إلى نبيّ يستفيد الشريعة و الحكمة من الوحي، فكذلك يحتاجون إلى حافظ لما بلّغة النبيّ الامّة إلى الامّة بعد فوته، إذ لا يمكنهم حفظ جميع أحكامه، و الكتاب لا يفي بعد النبيّ بمعرفة الأحكام على وجه يرفع الاحتياج إلى الإمام، فأنّ فيه مجملًا و مفصّلًا، و محكماً و متشابهاً، و خاصّاً و عامّاً، و ناسخاً و منسوخاً، و علوماً باطنه، و دقائق غامضة من الأحكام و غيرها ممّا لا يتيسّر الإحاطة به إلّا لنبيّ بطريق الوحي، أو وصيّ ذي اذُن واعية يعي كلّ ما يسمعه من النبيّ، فيحفظه على وجهه، و الاجتهاد ممنوع.

  • و إن قلنا بصحّته، فأنّما هي عند الضرورة و هي منفية من جانبه، فلا بدّ لتلك الامور من حافظ عالم بها على وجهها و لا يتيسّر- كما عرفت- إلّا الذي نفس قدسيّة و حدس عال، و بصيرة منيرة مصقولة من دنس الجهل و صدأ الصفات الذميمة لتنطبع فيها العلوم الإلهيّة، و تظهر فيها الأسرار الغيبيّة.

  • و لذلك قال بعض أهل العرفان: أنّ النبوّة و الرسالة من حيث ماهيّتهما و حكمهما ما انقطعتا و ما نسختا، و أنّما انقطع مسمّى النبيّ و الرسول، و انقطع نزول المَلَك حامل الوحي على نهج التمثّل. و على هذا وردت الأخبار عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام في الفرق بين الرسول؛ و النبيّ، و المحدَّث.

معرفة الإمام ج٤

204
  • أنّ الرسول: من يظهر له الملك فيكلّمه.

  • و النبيّ: هو الذي يرى في منامه، و ربّما اجتمعت النبوّة و الرسالة لواحد.

  • و المحدّث: الذي يسمع الصوت و لا يرى الصورة.

  • و اشتهر الخبر عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنّ في امتى مُحَدَّثينَ مُكَلَّمِينَ. و قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أيضاً: أنّ للهِ عِبَاداً لَيْسُوا بِأنْبِيَاءَ يَغبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ. و أمّا النقل: فهو مستفيض من طرق العامّة و لخاصّة-1 إلى آخر ما ذكره من الروايات.

  • فى معنى هداية الإمام

  • و لا يخفى على الناقد البصير و المؤمن الخبير أنّ كثيراً من المتكلّمين أقاموا هذا اللون من الاستدلال على لزوم الإمام، المبني على صيانة المجتمع و الحضارة الإنسانيّة، و رعاية الحقوق، و عدم الاعتداء على الآخرين، و نشوء المدينة الفاضلة على أساس تعاون البقاء لا تنازعه. و أرادوا من وراء هذا البرهان و أمثاله أن يثبتوا مسألة لزوم الحاجة إلى وجود الإمام، بَيدَ أنّ مقام الإمام أرفع من هذه المهمّة، و واجبه أكثر قيمة منها.

  • و يلاحظ في الروايات المأثورة عندنا مواضيع عجيبة حول شخصيّة الإمام: نحو تعلّق حياة البشريّة به، و لو لا وجوده لساخت الأرض بأهلها، و أنّه حبل الله، و الاسم الأعظم، و آية الحقّ الكبرى، و قوام العوالم، و القيّم على الخلق، و قوام حياة القلوب و طمأنينتها و لذلك لو قال أحد في مقابل البرهان المشار إليه أنّه لو طبّق الحكماء الخبراء و العقلاء في كلّ شعب قانون العدالة على ذلك الشعب وفقاً لآرائهم و أساليبهم، و مرّنوا الأشخاص

    1. « شرح الصحيفة» للسيّد على خان، ص 500.

معرفة الإمام ج٤

205
  • على اتّباع ذلك القانون من خلال القيام بتعليمهم و تربيتهم تربية صحيحة، و باشروا تلقين الأطفال منذ طفولتهم بالابتعاد عن الكذب و السرقة و كلّ ضرب من ضروب الخيانة و الجريمة كما يشاهد ذلك في بعض البلدان البعيدة عن معرفة الله التي طالما تحافظ على النظم و الآداب، فما هي حاجتنا إلى الإمام إذاً؟ و لو كانت الفائدة من وجود الإمام تكمن في المحافظة على الناس من الاعتداءات و الانتهاكات، فأنّها يمكن أن تتحقّق بدون وجوده أيضاً، و قد دلّت التجربة على ذلك. أنّ هذا اللون من الاستدلال هنا لا يجد له أرضيّة.

  • الإمام من أجل ربط القلوب بالله تعالى

  • بَيدَ أنّ مقام الإمام كما ذكرنا لا ينحصر في المحافظة على العدالة و التوازن في الحقوق، بل أنّ الإمام هو حلقة الوصل بين الخلق و الخالق. و لمّا كان الإنسان قد انغمس في عالم الماديّات و نأى عن نسيم عالم القدس، و حرم من النفحات الربّانيّة و الإشعاعات الملكوتيّة، وجد نفسه قلقة مضطربة، و هو سيّد هذا المقام سواء كان متحضّراً أو لم يكن، و سواء عاش في المجتمع أم لم يعش.

  • و لذلك لو فرضنا أنّ إنساناً يعيش وحده في جزيرة خضراء مستمتعاً بجميع المواهب الماديّة، متحرّراً من كلّ علاقة بأحد، نحو: علاقة الزوجة و الابن، و الأب و الامّ، و الاخت و الأخ، و الشريك و الجار، و الحاكم و المحكوم، و الرئيس و المرءوس، فأنّه لا يخلو من هذا القلق و الاضطراب فهو معذّب بالذكريات المشوّشة، و كلّما تذكّر نقاط ضعفه فأنّه يقع فريسة للاضطراب و التخبّط، فالنأي عن حريم الله و أمانه حيث ملاذه الحقيقيّ ينغّص عليه جميع النعم التي يرفل بها في تلك الجزيرة الخضراء، و تلوح له المناظر الجميلة الخلّابة و كأنّها هياكل من الغول و الجنّ و الشيطان. و الإنسان لا يشعر بالسكينة و الهدوء ما لم يرتبط بالله. فسكينته فقط و فقط

معرفة الإمام ج٤

206
  • بانسه مع الله، و قد قال جلّ من قائل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.1

  • و لا تستقرّ السكينة و ذكر الله و الهدوء في القلب إلّا بتعليم يمارسه مربٍّ كامل قد اجتاز طرق الآخرة جميعها و لسانه ناطق معبّر بقوله: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. فهو الجدير بالقيادة لا من فقد تلك الصفة. و ينبغي للإنسان إمّا أن يبلغ هذه المرحلة أو يخضع لتربية و تعليم إنسان ناضج واع، و الأوّل هو الإمام، و الثاني هو المأموم، و ليس هناك فرض ثالث. و جاء في القرآن الكريم على لسان أهل جهنّم عند ما يخاطبون خزنتها قوله: وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ.2 و يستفاد من هذه الآية أنّ ذنب أصحاب السعير و هم أهل جهنّم، هو الغطرسة و العمل بآرائهم الشخصيّة، و عدم الخضوع لتربية الإمام مهما خيّل إليهم أنّهم من أصحاب الأفكار السامية المحمودة، إلّا أنّ هذا لا يكفى، فالإنسان إمّا أن يصل إلى مقام العقل المستقلّ دون الحاجة إلى الأسباب الخارجيّة، أو يكون سامعاً طيّعاً لمثل هذا العقل، و إلّا فأنّ مأواه، جهنّم النفس الأمّارة و الآراء الباطلة و الخواطر الشيطانيّة، و ستتجسّد هذه الأشياء في العوالم الاخرى على صورة نيران متّقدة.

  • تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام

  • و نجد القرآن في مكان آخر يقسّم الناس إلى ثلاثة أقسام: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ، وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. يقول في آخر السورة: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ

    1. الآية 28، من السورة 13: الرعد.
    2. الآيتان 10 و 11، من السورة 67: الملك.

معرفة الإمام ج٤

207
  • أَصْحابِ الْيَمِينِ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ.1 أنّ المقرّبين هنا هم الأئمّة الأطهار عليهم السلام خاصّة، و من بلغ غايته المنشودة في ظلّ تعليمهم و توجيههم، و قرّ قراره في حرم الله، و تشرّف بخطابه تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً.2 و أمّا أصحاب اليمين فهم السائرون على طريق الشريعة باتّباع الإمام، بَيدَ أنّهم لم يبلغوا الغاية المنشودة، و لم يتيسّر لهم مقام القرب. و أمّا أصحاب المشأمة المعبّر عنهم قرآنيّاً بالمكذّبين الضالّين فهم المتغطرسون المتعجرفون المعاندون الذين نفخوا أنفسهم بآرائهم و أفكارهم و نأوا بجانبهم معرضين عن الإمام. و هذه حقيقة بيّنها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام لكميل بن زياد النخعيّ:

  • قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيادٍ: أخَذَ بِيَدي أميرُ الْمُؤمِنِينَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأخْرَجَني إلى الْجَبّانِ فَلَمّا أصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلُ أنّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أوعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أوَعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبّانِيّ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَميلُونَ مَع كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَ لَمْ يَلْجَاوا إلى رُكْنٍ وَثِيقٍ.3

  • يلاحظ هنا أنّ الإمام عليه السلام حصر الناس في ثلاثة. الأوّل: العالم الربّانيّ و هو الإمام أو المتربّي على يده، الذي تألّقت في قلبه الأنوار الملكوتيّة، و اجتاز هوى النفس بالمرّة، و أخضع شيطانه و طوّعه له، خبير

    1. الآيات 7 إلى 11 و 88 إلى 94، من السورة 56: الواقعة.
    2. الآيتان 27 و 28، من السورة 89: الفجر.
    3. « نهج البلاغة» ج 2، ص 171.

معرفة الإمام ج٤

208
  • بأسرار الكون، ضميره متنوّر و قلبه متيقّظ، و هو حيّ بحياة الحقّ و مربٍّ للبشريّة، الثاني: الذي اهتدى بهدي العالِم الربّانيّ و وطأت قدمه طريق السلوك مستضيئاً بنوره، و متحرّكاً بهمّته. الثالث: بقيّة الناس من الداني و العالي الذين سقطوا كلّهم في مهابط الهلاك بسبب اتّباع هوى النفس فأصبحوا في عداد الحيوانات المحكومة باللذائذ الحسيّة محرومين من إدراك عوالم القرب أو همّة العروج إلى تلك المراقي و المعارج.

  • لا تخلو الأرض من حجة للّه أبداً

  • أنّ الثمرة التي نقتطفها من هذا الموضوع هي أنّ مهمّة الإمام ربط قلوب الناس بالله، و إعانتهم بإيصالهم إلى المقامات العالية للقرب و اللقاء. و طبيعيّاً فأنّ تدبير شئون المجتمع أيضاً من مقدّمات الوصول إلى هذه المرحلة، و ليس غاية من الإيجاد و هدفاً من التكوين، و لذلك جاء في الروايات الواردة أنّه لو لم يكن في الدنيا غير شخصين اثنين فلا بدّ أن يكون أحدهما إماماً.

  • فقد روى ثقة الإسلام الكلينيّ بسنده عن ابن الطيّار أنّه قَالَ: سَمِعْتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: لَوْ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ إلَّا اثْنَانِ لَكَانَ أحَدُهُمَا الْحُجَّةَ.1

  • و روي أيضاً بسندين آخرين أحدهما عن حمزة الطيّار، و الآخر عن محمّد بن عيسى، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: لَوْ بَقِي اثْنَانِ لَكَانَ أحَدُهُمَا الْحُجَّةَ على صَاحِبِهِ.2

  • و كذلك روى بسنده عن كرّام أنّه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لَوْ كَانَ النَّاسُ رَجُلَيْنِ لَكَانَ أحَدُهُمَا الإمام؛ و قَالَ: أنّ آخِرَ مَنْ يَمُوتُ الإمامُ لِئَلّا يَحْتَجَّ أحَدٌ على اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ أنّهُ تَرَكَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلهِ

    1. ( 1 و 2)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.
    2. ( 1 و 2)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.

معرفة الإمام ج٤

209
  • عَلَيْهِ.1

  • و روي أيضاً عن يونس بن يعقوب، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في الأرضِ إلَّا اثْنَانِ لَكَانَ أحَدُهُمَا الْحُجَّةَ.2

  • النقطة الثالثة: وردت روايات تحوم حول مفاد قول النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: لَا تَخْلُو الأرْضُ مِنهُمْ. فقد روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن الحسين بن أبي العلاء، أنّه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: تَكُونُ الأرْضُ لَيْسَ فِيهَا إمام؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: يكونُ إمامانِ؟ قَالَ: لَا، إلّا وَ أحَدُهُمَا صَامِتٌ.3

  • و روى بسنده أيضاً عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أنّ الأرْضَ لَا تَخْلُو إلّا وَ فِيهَا إمامٌ كَيْمَا إنْ زَادَ الْمُؤمِنوُنَ شَيئاً رَدَّهُمْ، وَ إنْ نَقَصُوا شَيئاً أتَمَّهُ لَهُمْ.4

  • و روى بسنده أيضاً عن عبد الله بن سليمان العامري، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: مَا زالَتِ الأرْضُ إلَّا وَ لِلهِ فِيهَا الْحُجَّةُ، يُعَرِّفُ الْحَلَال و الْحَرَامَ وَ يَدْعُو النَّاسَ إلى سَبيلِ اللهِ.5

  • و روى بسنده أيضاً عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: قال: أنّ اللهَ لَمْ يَدَعِ الأرْضَ بِغَيْرِ عَالِمٍ، وَ لَوْ لا ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الْحَقُّ وَ الْبَاطِلُ.6

  • و روى بسنده أيضاً عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: أنّ الله أجَلُّ وَ أعْظَمُ مِنْ أنْ يَتْرُكَ

    1. ( 1 و 2)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 180.
    2. ( 1 و 2)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 180.
    3. ( 3 الى 6)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 178.
    4. ( 3 الى 6)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 178.
    5. ( 3 الى 6)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 178.
    6. ( 3 الى 6)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 178.

معرفة الإمام ج٤

210
  • الأرْضَ بِغَيْرِ إمامٍ عَادِلٍ.1

  • النقطة الرابعة: حول قوله: صلّى الله عليه و آله و سلّم: وَ لَوْ خَلَتْ لانساخَت بِأهْلِهَا. روى ثقة الإسلام الكلينيّ بسنده عن عليّ بن راشد، عن أبي الحسن (يعني عليّ بن موسى بن جعفر عليهم السّلام) قَالَ: قُلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: أ تَبْقَى الأرْضُ بِغَيْرِ إمامٍ؟ قال: لَوْ بَقِيَتِ الأرْضُ بِغَيْرِ إمامٍ لَساخَتْ.2

  • و كذلك روى بسنده عن محمّد بن فضيل، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: قلت له: أ تَبْقَى الأرْضُ بِغيْرِ إمامٍ؟ قالَ: لَا. قُلْتُ: أنّا نُرْوي عَنْ أبي عَبد اللهِ عَلَيهِ السَّلَامُ أنّهَا لَا تَبْقَى بغَيرِ إمامٍ إلّا أن يَسْخَطَ الله تعالى على أهْلِ الأرْضِ أوْ على الْعِبَادِ: فَقَالَ: لَا، لَا تَبْقَى، إذَاً لَسَاخَتْ.3

  • و أيضاً روى بسنده عن أبي هراسة، عن الإمام الباقر عليه السلام قَالَ: لَوْ أنّ الإمامَ رُفِعَ مِنَ الأرْضِ سَاعَةً لَماجَتْ بِأهْلِهَا كَما يَمُوجُ الْبَحْرُ بِأهْلِهِ.4

  • و كذلك روى بسنده عن المعلى بن محمّد عن الوشّاء، قَالَ: سَألْتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لَا. قلتُ: أنّا نَرْوي أنّها لا تبقى إلّا أن يسخط الله عزّ و جلّ على العباد؟ قال: لَا تَبقى إذاً لَساخَتْ.5

  • النقطة الخامسة: قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: و أنّكَ لَا تُخْلِي الأرْضَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ على خَلْقِكَ ظَاهِرٍ لَيْسَ بِالْمُطَاعِ أوْ خَائِفٍ مَغْمُورٍ. إلى أن يُقول: اولَئِكَ الأقَلُّونَ عَدَداً الأعْظَمُونَ قَدْراً عِنْدَ اللهِ.

    1. « اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 178.
    2. ( 2 الى 5)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.
    3. ( 2 الى 5)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.
    4. ( 2 الى 5)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.
    5. ( 2 الى 5)-« اصول الكافي» ج 1 كتاب الحجّة ص 179.

معرفة الإمام ج٤

211
  • كلام أمير المؤمنين عليه السّلام لكميل بن زياد حول الحجج الإلهية

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في ذيل ذلك الكلام الذي قاله لكميل عند خروجهما إلى المقبرة في الصحراء بعد أن بيّن له الأقسام الأربعة من العلماء الذين هم طلّاب الدنيا و ضعفاء الرأي و بعد أن تمنّي أنّه لو يجد أحداً يعلمّه العلوم المودعة في صدره، و ذكر أنّ الدنيا خلت من العلم:

  • اللهُمَّ بلى لَا تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلهِ بِحُجَّةٍ إمّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً لِئلّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَ بَيِّنَاتُهُ، وَ كَمْ ذَا؟ وَ أيْنَ اولَئِكَ؟ اولَئِكَ وَ اللهِ الأقَلُّونَ عَدَداً وَ الأعْظَمُونَ قَدْراً. يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ حُجَجَهُ وَ بَيِّنَاتِهِ حتى يُودِعُوها نُظَراءَهُمْ وَ يَزْرَعُوهَا في قُلُوبِ أشْبَاهِهِمْ. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ على حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَ اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرِفُونَ، وَ أنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأبْدَانٍ أرْوَاحُهَا مُعَلَّقَّةٌ بِالْمَحَلِّ الأعلى. اولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ في أرْضِهِ وَ الدُّعَاةُ إلى دِينِهِ. آه آه شَوْقاً إلى رُؤيَتِهِمْ؛ انْصَرِفْ إذَا شِئتَ.1

  • و روى الكلينيّ بسنده عن أبي إسحاق، عن شخص يوثّقه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اللهُمَّ أنّكَ لَا تُخْلِي أرْضَكَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ على خَلْقِكَ.2

  • و كذلك روي بسنده عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام قال: قال: وَ اللهِ مَا تَرَكَ اللهُ أرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إلّا وَ فِيهَا إمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إلى اللهِ وَ هُوَ حُجَّتُهُ على عِبَادِهِ وَ لَا تَبْقَى الأرْضُ بِغَيْرِ إمامٍ حُجَّةٍ لِلهِ على عِبَادِهِ.3

    1. « نهج البلاغة» ج 2، ص 173.
    2. « اصول الكافي» ج 1، ص 178.
    3. « اصول الكافي» ج 1، ص 179.

معرفة الإمام ج٤

212
  • و نقل أيضاً أربع روايات بأسناد مختلفة عن الإمام الصادق، و الإمام الكاظم، و الإمام الرضا عليهم السلام تقول بأنّ حجّة الله على العباد لا تتمّ بغير الإمام.1

  • يقول المرحوم السيّد على خان في «شرح الصحيفة» حول الروايات المأثورة عن طرق العامّة بشأن لزوم الإمام: أمّا من طرق العامّة فمنه الحديث المشهور المتّفق على روايته عن النبيّ: مَنْ مَاتَ وَ لَمْ يَعْرِفْ إمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. و أخرج الحاكم بهذا المضمون و صحّحه عن ابن عمر، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ عَلَيْهِ إمامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. و أخرج ابن مردويه عن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في قول الله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» قال: يُدعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ وَ كِتابِ رَبِّهِمْ وَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ. و أخرج ابن عساكر عن خالد بن صفوان أنّه قال: لَمْ تَخْلُ الأرضُ مِنْ قَائِمٍ لِلهِ بِحُجَّتِهِ في عِبَادِهِ- انتهى.

  • الإشارة إلى ظهور قائم آل محمد عليهم السّلام

  • النقطة السادسة: أشار الرسول الأعظم في هذا الحديث إلى ظهور قائم آل محمّد، الحجّة بن الحسن العسكري عجّل الله تعالى فرجه الشريف فقال: وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الدُّنْيَا إلّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ حتى يَخْرُجُ قَائِمُنَا فَيَمْلأ الأرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمَاً وَ جَوراً. و هذه المسألة لا تخصّ مذهب الشيعة بل هي مسألة عامّة و من الاصول الإسلاميّة المقطوع بها. و وفقاً لمفاد هذا الحديث، فقد وردت أحاديث كثيرة عن كبار علماء العامّة بأسنادهم عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم حول ظهور الإمام المهديّ أرواحنا فداه و سنتعرّض لها بالتفصيل في

    1. « اصول الكافي» ج 1، ص 177.

معرفة الإمام ج٤

213
  • بحوثنا القادمة، إن شاء الله.

  • و من أحاديث القسم الثاني من الطبقة الثامنة في تفسير الآية: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. حديث رواه الشيخ الصدوق بسنده عن موسى بن مسلم، عن مسعدة، قال: كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متّكئاً على عصاه، فسلّم، فردّ عليه أبو عبد الله عليه السلام الجواب. ثمّ قال: يا بن رسول الله، ناولني يدك لُاقبّلها، فأعطاه يده فقبّلها ثمّ بكى، ثمّ قال له أبو عبد الله عليه السلام ما يبكيك يا شيخ؟ فقال: جعلت فداك، أقمتُ على قائمكم منذ مائة سنة، أقول: هذا الشهر، و هذه السنة، و قد كبر سنّي و رقّ جلدي و دقّ عظمي و اقترب أجلي و لا أرى فيكم ما احبّ. أراكم مقتولين مشرّدين، و أرى أعداءكم يطيرون، و كيف لا أبكي؟

  • فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثمّ قال: يا شيخ، إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا، كنت في السنام الأعلى. و إن حلّت بك المنيّة، جئت يوم القيامة مع ثَقَل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم و نحن ثَقَله.1 فقال [محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم]: أنّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتي أهْلَ بَيتي. فقال الشيخ: لا أُبالى بعد ما سمعتُ هذا الخبر.

  • ثمّ قال: يا شيخ، اعلم أنّ قائمنا يخرج من صُلب الحسن العسكري، و الحسن يخرج من صلب على، و عليّ يخرج من صلب محمّد، و محمّد يخرج من صلب عليّ، و عليّ يخرج من صلب موسى ابني هذا، و أشار إلى ابنه موسى، و هذا خرج من صلبي. نحن اثنا عشر كلّنا معصومون مطهّرون.

    1. المُراد بالثقل الشيء المهمّ الجليل الذي تتعلّق به شخصيّة المرء.

معرفة الإمام ج٤

214
  • فقال الشيخ: يا سيّدي، بعضكم أفضل من بعض؟ فقال: لا، نحن في الفضل سواء، و لكن بعضنا أعلم من بعض. ثمّ قال: يَا شَيْخُ وَ اللهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إلّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حتى يَخْرُجُ قَائِمُنَا أهْلَ الْبَيْتِ إلّا أنّ الشِّيْعَةَ يَقَعُونَ في فِتْنَةٍ وَ حَيْرَةٍ في غَيْبَتِهِ. هُنَاكَ يُثَبِّتُ اللهُ على هَذَا الْمُخْلَصِينَ. اللهُمَّ أعِنْهُمْ على ذَلِكَ.1

  • و روى الشيخ الصدوق أيضاً بإسناده عن عبد الغفّار بن القاسم أبي مريم، عن أبي هريرة، قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و قد نزلت هذه الآية: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ». فَقَرَأهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: أنَا الْمُنْذِرُ، أ تَعْرِفُونَ الْهَادِي؟ قُلْنَا: لَا، يَا رسُولُ اللهِ. قَالَ: هُوَ خَاصِفُ النَّعْلِ، فَطُوِّلَتِ الأعْنَاقُ إذْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنْ بَعْضِ الْحُجَرِ وَ بِيَدِهِ نَعْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا: ألَا أنّ هَذا الْمُبَلِّغُ عَنِّي وَ الإمَامُ بَعْدِي وَ زَوْجُ ابْنَتي وَ أبُو سِبْطَي فَفَخْراً. نَحْنُ أهْلُ بَيْتٍ أذْهَبَ اللهُ عَنَّا الرِّجْسَ وَ طَهَّرَنَا تَطْهِيراً مِنَ الدَّنَسِ، تُقَاتِلُ بَعْدِي على التَّأوِيلِ كَمَا قَاتَلْتُ على التَّنْزِيلِ، هُوَ الإمامُ أبُو الأئِمَّةِ الزُّهدِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَمِ الأئِمَّةُ بَعْدَكَ؟ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ، عَدَدَ نُقَباءِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَ مِنّا مَهْدِيّ هَذِهِ الامَّةِ يَمْلُا اللهُ الأرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، لَا تَخْلُو الأرْضُ مِنْهُمْ إلّا سَاخَتْ بِأهلِهَا.2

  • بيان العلامة المجلسى فى الروايات المفسّرة للآية «إنّما أنت منذر و ...»

  • قال العلّامة المجلسيّ موضّحاً القصد من الروايات الواردة في تفسير الآية «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» و ذلك بعد نقله روايات كثيرة في هذا

    1. « تفسير البرهان» ج 1، ص 517.
    2. « كفاية الأثر» ص 87- 89؛ و« غاية المرام» ص 236 الحديث الثاني عشر؛ و« بحار الأنوار» ج 36، ص 315 و 316.

معرفة الإمام ج٤

215
  • المجال: قال السيّد [ابن طاووس رضوان الله عليه] في كتاب «سعد السُّعود»: أنّه روى الشيخ محمّد بن عبّاس بن مروان في تفسير كون الهادي عليّاً في قوله تعالى: «و لكلّ قوم هاد» بخمسين طريقاً. ثمّ قال المجلسيّ بعد شيء من شرح هذه الآية: [الاحتمال] الثالث [هو أنّ] المنذر النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و الهادي عليّ. قال ابن عبّاس: وضع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يده على صدره. فقال: أنَا الْمُنْذرُ. و أومأ إلى منكب على و قال: أنْتَ الْهَادي، يَا عَلَيّ بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي. و لا يخفى دلالة الآية بعد ورود تلك الأخبار على أنّه لا يخلو كلّ زمانٍ من إمام هادٍ.

  • أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الهادي و الخليفة و الإمام بعد النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم لا غير بوجوه شتّى:

  • الأوّل: مقابلته للنبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم بأنّه منذر، و عليّ هاد. و لا يرتاب عاقل عارف بأساليب الكلام أنّ هذا يدلّ على كونه قائماً بما كان يقوم به، بل و أكثر لأنّه نسب صلّى الله عليه و آله و سلّم محض الإنذار إلى نفسه و الهداية التي أقوى منه إليه [أي إلى عليّ عليه السلام].

  • الثاني: الحصر المستفاد من قوله: أنْتَ الْهَادي: إذ تعريف الخبر باللّام يدلّ على الحصر. و كذا في قول أمير المؤمنين عليه السلام أنَا الْهَادي إلى مَا جَاءَ بِهِ. وَ كذا في قول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: وَ الْهَادِي عَلِيّ. فأنّ تعريف المبتدأ باللّام أيضاً يدلّ عليه.

  • الثالث: تقديم الظرف في قول رسول الله: بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ الدالّ على الحصر أيضاً. و كذا أمثاله من الألفاظ السابقة. و بهذه الأخبار يظهر أنّ حديث أصْحَابي كَالنُّجُومِ بِأيِّهِم اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ من مفترياتهم [أي العامّة على رسول الله]، كما اعترف كبارهم بكونه موضوعاً، [منهم]:

معرفة الإمام ج٤

216
  • شارح «الشفاء» و رواته، و كذا ابن حزم، و الحافظ زين الدين العراقيّ، و سيأتى القول في ذلك إن شاء الله تعالى.1

  • و قد ناقش العلّامة مير حامد حسين الهنديّ رضوان الله عليه في الجزء الثاني من المجلّد الثاني عشر من كتابه: «عبقات الأنوار» هذا الحديث بالتفصيل، و برهن على أنّه منحول موضوع لأسباب عديدة.2

  • أنّ بحثنا في هذا القسم من الكتاب كان يحوم فقط حول تفسير الآية: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» و إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام في ضوئها. و لذلك اكتفينا بالروايات المأثورة في هذا الموضوع، و إلّا فأنّ الروايات الدالّة على إمامته، بمضامين متنوّعة، و التي بيّنها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و هي مدوّنه في كتب الشيعة و السنّة، تفوق الإحصاء. و قد ألمحنا إلى بعضها في تضاعيف هذه البحوث، و سنلمّح إليها في بحوثنا القادمة.

  • يقول شاعر أهل البيت السيّد إسماعيل الحِمْيَريّ:

  • هُمَا أخَوَانِ ذَا هَادٍ إلى ذَا***وَ ذَا فِينَا لُامَّتِهِ نَذِيرُ

  • فَأحْمَدُ مُنْذِرٌ وَ أخُوهُ هَادٍ***دَلِيلٌ لَا يُضِلُّ وَ لَا يَحيرُ

  • كَسَابِقِ حَلْبَةٍ وَ لَهُ مَظَلٌ***أمَامَ الْخَيْلِ حَيْثُ يرى الْبَصِيرُ 3

  • و يقول أيضاً:

  • يَا أحْمَدُ الْخَيْرُ الذي أنّمَا***كَانَ عَلَيْنَا رَحْمَةً تُنْشَرُ

    1. « بحار الأنوار» ج 9، ص 76 و 77.
    2. « عبقات الأنوار» المجلّد الثاني عشر، الجزء الثاني، القسم الأوّل، و الثاني و الثالث، طبع أصفهان، مؤسّسة نشر الكتب المخطوطة في أصفهان.
    3. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 568، و« ديوان الحميريّ» ص 200.

معرفة الإمام ج٤

217
  • حَمْزَةُ وَ الطَّيَّارُ في جَنَّةٍ***فَحَيْثُ مَا شَاءَ دَعَا جَعْفَرُ

  • مِنْهُمْ وَ هَادِينَا الذي نَحْنُ مِنْ***بَعْدِ عَمَانَا فِيهِ نَسْتَبْصِرُ

  • لَمّا دَجَا الدّينُ وَ رَقَّ الْهُدى***وَ جَارَ أهْلُ الأرْضِ وَ اسْتَكْبَرُوا

  • ذَاكَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ***ذَاكَ الذي دَانَتْ لَهُ خَيْبَرُ 1

  • و يقول:

  • مَنْ كَانَ في الدِّينِ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ***وَ كَانَ مِنْ جَهْلِهَا بِالْعِلْمِ شَافِيها

  • كَانَ النَّبِيّ بِوَحْي اللهِ مُنْذِرَهَا***وَ كَانَ ذَا بَعْدَهُ لَا شَكَّ هَادِيهَا 2

  • القصيدة اللامية لابن أبى الحديد فى المقامات العالية لأمير المؤمنين

  • و يقول ابن أبي الحديد المعتزليّ في القصيدة السابعة من علويّاته السبع متطرّقاً إلى الأوصاف العجيبة و المقامات العالية لأمير المؤمنين عليه السلام:

  • الصَّبْرُ إلّا في فِرَاقِكَ يُحْمَلُ***وَ الصَّعْبُ إلّا عَنْ مَلَالِكَ يُسْهَلُ

  • يَا ظَالِماً حَكَّمْتُهُ في مُهْجَتِي***حَتَّامَ في شَرْعِ الْهَوى لَا تَعْدِلُ

  • أنْفَقْتُ عُمْرِي في هَوَاكَ تَكَرُّماً***وَ تَضِنُ بِالنَّزْرِ الْقَلِيلِ وَ تَبْخَلُ

  • إنْ تَرْمِ قَلْبِي تَصْمِ نَفْسَكَ أنّهُ***لَكَ مَوْطِنٌ تَأوى إلَيْهِ وَ مَنْزِلُ

  • أ تَظُنُّ أنّي بِالإساءَةِ مُقْلِعٌ***كَيْفَ الدَّوَاءُ وَ قَدْ اصِيبَ الْمَقْتَلُ

  • أعْرِض وَ صُدَّ وَ جُرْ فَحُبُّكَ ثَابِتٌ***بِتَنَقُّلِ الأحْوَالِ لَا يَتَنَقَّلُ

  • وَ اللهِ لَا أسْلُوكَ حتى أنْطَوى***تَحْتَ التُّرابِ وَ يَحْتَويني الْجَنْدَلُ

  • مَنْ لي بَأهيَفَ قَدْ أقَامَ قِيَامتى***خَدٌّ لَهُ قَانٍ وَ طَرْفٌ أكْحَلُ

    1. « ديوان الحميريّ» ص 206. و جاء البيت الثالث، و الرابع في« مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 569. و ذكر ابن شهرآشوب كلمة« عليٌّ» بدل كلمة« مِنْهُمْ».
    2. « مناقب» ابن شهرآشوب ج 1، ص 568.

معرفة الإمام ج٤

218
  • إلى أن يقول:

  • وَ لأهْتِكَنَّ على الْهَوى سِتْرَ الْحَيَا***أنّ الْفَضِيحَةَ في الْمَحَبَّةِ أجْمَلُ

  • يَصْفَرُّ وَجْهِي حِينَ أنْظُرُ وَجْهَهُ***خَوْفاً فَيُدْرِكُهُ الْحَياءُ وَ يَخْجَلُ

  • و حتى يصل إلى قوله:

  • لَا تُنْكِرُوا فَيْضَ الدُّموعِ فَأنّهَا***نَفْسِي يُصَعِّدُهَا الْغَرَامُ الْمَشْعَلُ

  • هِيَ مُهْجَتِي تَحَلَّلُ بِالْبُكَاءِ***أسَفاً وَ طَوْراً بِالزَّفيرِ تَحَلَّلُ

  • إلى أن يقول:

  • يَا رَاكِباً تَهْوى بِهِ شَدَنِيَّةٌ 1***حَرْفٌ كَمَا تَهْوى حَصَاةٌ مِنْ عَلُ هَوْجَاءُ تَقْطَعُ جَوْزَ تَيَّارِ الْفَلَا

  • حتى تبُوصَ 2 على يَدَيْهَا الأرْجُلُ***عُجْ بِالْغَرِيّ على ضَريحٍ حَوْلَهُ

  • نَادٍ لأمْلَاكِ السَّمَاءِ وَ مَحْفِلُ***فَمُسَبِّحٌ وَ مُقَدِّسٌ وَ مُمَجِدٌ

  • وَ مُعَظِّمٌ وَ مُكَبِّرٌ وَ مُهَلِّلُ***وَ الْثِمْ ثَراهُ الْمِسْكَ طيباً وَ اسْتَلِمْ

  • عيدانَهُ قُبُلًا فَهُنَّ الْمَنْدَلُ***و انْظُر إلى الدَّعَواتِ تَصْعَدُ عِنْدَهُ

  • وَ جُنُودِ وَحي اللهِ كَيْفَ تَنَزَّلُ***وَ النُّورُ يَلْمَعُ وَ النَّواظِرُ شُخَّصٌ

  • وَ اللُّسْنُ خُرْسٌ وَ الْبَصَائِرُ ذُهَّلُ***وَ اغْضُضْ وَ غُضَّ فَثَمَّ سِرٌّ أعْجَمُ

  • دَقَّتْ مَعانِيهِ وَ أمرٌ مُشْكِلُ***وَ قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَى الْوَرى

  • نَصّاً بِهِ نَطَقَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ***وَ خِلَافَةً مَا إنْ لَهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ

  • و إلى يقول:

  • عَجَباً لِهَديِ الأرْضِ يُضْمِرُ تُرْبُها***أطْوَادَ مَجْدِكَ كَيْفَ لَا تَتَزَلْزَلُ

  • عَجَباً لأمْلَاكِ السَّمَاءِ يَفُوتُهَا***نَظَراً لِوَجْهِكَ كَيْفَ لَا تَتَهَيَّلُ

    1. شَدَن: موضع باليمن، و الإبل الشدنيّة منسوبة إليه.( م)
    2. البَوْص: البْقُ و التقدّم. أي أن أرجلها ستتقدّم على أيديها من العجلة.( م)

معرفة الإمام ج٤

219
  • يَا أيهَا النَّبَا الْعَظِيمُ فَمُهْتَدٍ***في حُبِّهِ وَ غُواةُ قَوْمٍ جُهَّلُ

  • يَا أيُّهَا النَّارُ التي شَبَّ السَّنا***مِنْها لِموسى وَ الظَّلَامُ مُجَلَّلُ

  • يَا فُلكَ نُوحٍ حَيْثُ كُلُّ بَسيَطةٍ***بَحْرٌ يَمورُ وَ كُلُّ بَحرٍ جَدْوَلُ

  • يَا وَارِثَ التَّوراةِ وَ الإنْجِيلِ وَ***الْقُرآنِ وَ الْحِكَمِ التي لَا تُعْقَلُ

  • لَوْلَاكَ مَا خُلِقَ الزَّمَانُ وَ لَا دَجَى***غِبَّ ابْتِلَاجِ الْفَجْرِ لَيْلٌ ألْيلُ

  • إلى أن يقول:

  • إنْ كَانَ دينُ مُحَمَّدٍ فِيهِ الْهُدى***حَقّاً فَحُبُّكَ بَابُهُ وَ الْمَدْخَلُ

  • و يقول:

  • صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ مِنْ مُتَسرْبِلٍ***قُمُصاً بِهِنَّ سِواكَ لَا يَتَسَرْبَلُ

  • وَ جَزاكَ خَيْراً عَنْ نَبِيِّكَ أنّهُ***ألْفَاكَ نَاصِرَهُ الذي لَا يَخْذلُ

  • سَمْعاً أميرَ الْمُؤمِنِينَ قَصَائِداً***يَعْنُو لَهَا بُشْرٌ وَ يَخْضَعُ جَرْوَلُ 1

  • ألدُّرُّ مِنْ ألْفَاظِهَا لَكِنَّهُ***دُرٌّ لَهُ ابنُ الْحَدِيدِ يُفَصِّلُ

  • هِيَ دُونَ مَدْحِ اللهِ فِيكَ وَ فَوْقَ مَا***مُدِحَ الْوَرى وَ عَلَاكَ مِنْهَا أكْمَلُ 2

  • نلحظ ابن أبي الحديد في هذه القصيدة يسلك سلوك الشاعر الغزليّ الذي استحوذ عليه العشق فجعل المعشوق قبلته فاكتوى بنار هجرانه. و رأى حبيبه غير مبال و لا مكترث بعشقه المتّقد مع جفوةٍ و قسوةً إلى الحدّ الذي لا يسمح به للعاشق المسكين أن يدخل في رحابه المنيعة، بل و يضنّ عليه حتى بكلمة واحدة و نظرة واحدة تضمّد جراحة كالبلسم، فطفق يتحدّث مع أمير المؤمنين عليه السلام من وحي الشكوى و العتاب.

    1. الجَرْوَل: اسم لبعض السِّباع.( م)
    2. طبعت هذه القصيدة مع قصائد اخرى لإبن أبي الحديد معروفة بالعلويّات السبع و ذلك ضمن كتاب« المعلّقات السبع».

معرفة الإمام ج٤

220
  • و يقول الشاعر المصريّ العارف المشهور ابن الفارض أيضاً و هو في مقام المناجاة، يناجي ربّه في هذين البيتين الذين أنشدهما عاتباً و شاكراً في آن واحد:

  • ذَهَبَ الْعُمْرُ ضِياعاً و انْقَضى***بَاطِلًا إذْ لَمْ أفُزْ مِنْكُمْ بِشيْ

  • غَيْرَ مَا اوليتُ مِنْ عَقْدِ وَ لَا***عِتْرَةِ الْمَبْعُوثِ مِنْ آلِ قُصَيْ 1

  • اللهُمّ اجعلنا من رفقاء محمّد و آله الطاهرين عليهم السلام و اخلف على عقبنا في الغابرين و ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. هذه بضاعة مزجاة إلى باب مدينة العلم و منار الأنام و غاية الهدى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قد وفّقني الله أن القيها على الناس في المسجد كمواعظ و محاضرات تربويّة، و ذلك في شهر رمضان المبارك سنة ألف و ثلاثمائة و خمس و تسعين من الهجرة. و وفّقني الله أيضاً أن أدوّنها في ذلك الشهر الشريف.

  • غرض نقشي است كز ما باز ماند***كه هستي را نميبينم بقائي

  • مگر صاحبدلي از روي رحمت***كند در حقّ درويشان دعائي 2

  • يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ.

  • وَ أنَا العبد الراجي السيّد محمّد الحسين الحُسيني الطِّهْراني

    1. « ديوان ابن الفارض» ص 25 ضمن يائيّته: سَائِقُ الأظعانِ يَطوِي البيدَ طي.
    2. أنّ الهدف نقش و أثر يظلّ منّا، إذ أنّي لا أرى بقاءً و ديمومةً لهذا الوجود. و لعلّ رجلًا عارفاً يشفق بنا من وحي الرحمة و العطف فيدعو لنا نحن الدراويش.