/ ٤۰۰

معرفة الإمام ج۱۳

1

معرفة الإمام ج۱۳

2
  • المقدَّمة

معرفة الإمام ج۱۳

4
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • كنّا قد وعدنا أن تبلغ دورة «معرفة الإمام» بحول الباري تعالى شأنه العزيز و قوّته اثني عشر جزءاً تستوعب مائة و ثمانين درساً. و نشكر الله سبحانه إذ مَنّ علينا بإكمال هذه الدروس في اثني عشر جزءاً، و ذلك في العاشر من شهر جُمادى الأولى، سنة 1408 الهجريّة القمريّة.

  • و لمّا أزمعنا تأليف دورة «معرفة الله»، دار في خلدنا أن نصنّف كتاب «توحيد علميّ و عينيّ» (/ التوحيد العلميّ و العينيّ)، يتلوه كتاب «نور ملكوت قرآن» (/ نور ملكوت القرآن) من دورة أنوار الملكوت، ثمّ نعرّج على دورة «معرفة الله».

  • و بدأنا في تأليف كتاب «التوحيد العلميّ و العينيّ» فاستغرق قرابة خمسة أشهر، ثمّ قُمنا بتأليف كتاب «نور ملكوت القرآن» الذي بلغ أربعة أجزاء، فطال زُهاء سنة و سبعة أشهر، و هذا ما أدّى إلى إرجاء تأليف كتاب «معرفة الله» قرابة سنتين.

  • و لمّا أردت الشروع في تأليف الكتاب المذكور هذا اليوم المصادف الخامس و العشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1410 ه-. ق، جال في ظنّي أن لو أضفت جزءين آخرين إلى أجزاء كتاب «معرفة الإمام»، لكان أفضل و ذلك لما يأتي:

  • أوّلًا: على الرغم من أنّ كتاب «معرفة الإمام» كتاب جامع و شامل من كلّ الجهات بحمد الله تعالى، إلّا أنّ البحث في حديث الثقلين لم يرد فيه

معرفة الإمام ج۱۳

5
  • بنحو مفصّل و وافٍ. و مع أنّ الحديث قد ذُكر في مواطن كثيرة، و ورد مشفوعاً ببعض أسانيده أيضاً، لكنّا لم نفصّل الكلام في سنده و دلالته و هو من أعظم أدلّة الشيعة. فحريّ بنا أن ندرسه بصورة مفصّلة كي يتبصّر إخواننا الشيعة و السنّة على السواء.

  • ثانياً: ينبغي أن يكون لنا حديث أيضاً في تعريف الشيعة، و حقيقة التشيّع، و مزايا الشيعة على سائر الفرق، و ما يستلزمه التشيّع.

  • و يتضمّن هذا القسم مسائل من قبيل مسألة الرجعة، و وجود إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه، و مسألة البداء، و مسألة التولّي و التبرِّي كليهما، إذ إنّ مَن تولّى آل محمّد و لم يتبرّأ من أعدائهم، فليس شيعيّاً، يُضاف إلى ذلك الانضواء تحت لواء ولايتهم، و النظر إلى أوامرهم على أنّها واجبة الإطاعة.

  • و من جملة المزايا: أنّ الجمهور- صورة عامّة- يرى أنّ الصلاح و العدالة و الرشاد كلّ ذلك هو العمل الصالح نفسه، نحو: الصلاة، و الصيام، و الصدق في الحديث. و يعتقد أنّ الانضمام إلى راية طاغٍ منتهك، و القتال من أجله، و دعم حكومته، كلّ ذلك ليس جوراً و ظلماً. و على سبيل المثال، يذهب أحمد بن حنبل إلى أنّ خالد بن عُرفطة المذكورة ترجمته في كتاب «الإصابة» رجل صالح، بينما كان على مقدّمة جيش عمر بن سعد يوم عاشوراء. و على هذا المنوال وُثِّق شمرُ بن ذي الجوشن، و عمر بن سعد و أشباههما الواردة سيرتهم في كتب التراجم.

  • و يرى الشيعة الاثنا عشريّة أنّ الإمام مفترض الطاعة سواء قام بالسيف، أم لم يقم. أمّا الزيديّة فيشترطون فيه قيامه بالسيف.

  • إن العامّة أو الجمهور مسلمون طاهرون، و لا يمكن الحكم بكفرهم، بَيْدَ أنّهم مفتونون بالدنيا، و كان أمير المؤمنين عليه السلام يُنزلهم بمنزلة

معرفة الإمام ج۱۳

6
  • فتنة لا بمنزلة ردّة.

  • و لا بدّ لنا من التطرّق إلى معنى الإمام و اشتقاقه و اختصاصه في عرف الشيعة و اصطلاحهم، إذ ينطبق على الإمام المعصوم، و لا يراد منه المعنى اللغويّ.

  • و كذلك التطرّق إلى معنى الغلوّ عند الشيعة- لأنّ كثيراً من علماء الشيعة يُحسبون من الغلاة- و سير الحديث عند الشيعة منذ عصر الرسول الأكرم، و سيره عند العامّة بعد قرن من الزمان؛ و الاجتهاد عند الشيعة، و غلق باب الاجتهاد عند العامّة، و حصر المذاهب في أربعة؛ و ولاية الإمام و حدودها؛ و ولاية الفقيه و حدودها، و الحديث عن مقام الإمام الصادق عليه السلام، و وجه تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ. و الجهاد و الهجرة إلى الإمام في عصر الإمام وَ لَا يَقَعُ اسمُ الهِجْرَةِ عَلَى أحَدٍ إلَّا بِمَعْرِفَةِ الحُجَّةِ في الأرْضِ. و ما ماثل ذلك من المسائل في الاصول و الفروع، ممّا يميّز الشيعة عن السنّة. فلهذا نبدأ حديثنا فيما يأتي عن هذه المسائل. و ستبلغ أجزاء هذا الكتاب بحول الله و قوّته ثمانية عشر جزءاً بعد تأليف ستّة أجزاء اخرى. ثمّ نأتي على دورة «معرفة الله». وَ مَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إلَيْهِ انِيبُ.

معرفة الإمام ج۱۳

8
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الحادى و الثَّمَانُونَ بَعْدَ المِائَةِ إلى الخَامِس و الثَّمَانِينَ بَعْدَ المائَةِ أمْرُ رَسُولِ اللهِ بِتَدْوِينِ الحَدِيثِ، وَ كِتَابَةِ حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱۳

10
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ و آلِهِ الطَّاهِرِينَ

  • و لَعْنَةُ اللهِ عَلَى أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَى قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ

  • و لَا حَولَ و لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ

  •  

  •  

  • آيات سورة آل عمران في الفارّين يوم احد

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • .1

  • نزلت هذه الآية في غزوة احُد، و هي تتحدّث عن الذين ولّوا هاربين و تركوا النبيّ وحده في تلك المعركة الدامية عند ما شنّ عليهم العدوّ غارة شديدة. و لم يثبت مع رسول الله إلّا أمير المؤمنين عليه السلام، و أشخاص قليلون كأبي دُجانة الأنصاريّ،2 و سهل بن حنيف، و هم يذبّون عن نفسه القدسيّة، و لم يتركوه فريسةً لسهام العدوّ و أسنّته و سيوفه و حجارته، و لم يُسلموه إلى أعدائه المتعطّشين بأجمعهم إلى قتله.

  • و تقع هذه الآية بين عدد من الآيات في سورة آل عمران. و هي

    1. الآية 144، من السورة 3: آل عمران.
    2. ذكر المامقانيّ ترجمته في« تنقيح المقال» ج 2، ص 68، و قال: سماك بن خراشة أبو دجانة الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ. شهد بدراً و احُداً و جميع المشاهد مع رسول الله.

معرفة الإمام ج۱۳

11
  • تصوّر الوضع تصويراً حسناً.

  • وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ (و نذيق الناس جميعهم المصائب و نُنزل بهم المشاكل و الحوادث الواحد تلو الآخر) وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، (فَلِمَ لُذتم بالفرار؟!) وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، (سيؤجرهم أجراً جميلًا و يثيبهم ثواباً لا يعدّ و لا يحصى) وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.1

  • قال سماحة استاذنا الأكرم آية الله العلّامة الطباطبائيّ في ذيل الآية: وَ مَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ، في تفسير قوله: أ فَأين ماتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ:

    1. الآيات 139 إلى 148، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

12
  • «المراد به الرجوع عن الدين دون التولّي عن القتال، إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أو قتله، و إنّما النسبة و الرابطة بين موته أو قتله و بين الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.

  • و يدلّ على أنّ المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله:

  • وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.1 و2

  • وصفهم الله تعالى في هذه الآيات بأنّهم يهتمّون بإنعاش أنفسهم و يظنّون ظنّ الجاهليّة. و قد زلّوا في الدين بسبب بعض ممارساتهم الذميمة، و تركوا النبيّ صلى الله عليه و آله وحده في مثل هذه الواقعة الخطرة.

  • على أنّ نظير ما وقع في احد من فرارهم من الزحف و تولّيهم عن القتال تحقّق في غيره كغزوة حنين و خيبر و غيرهما، و لم يخاطبهم الله

    1. الآيتان 154 و 155، من السورة 3: آل عمران.
    2. ذكر السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 252 و 253، الطبعة الثانية: أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله نزل يوم احد بأصحابه- و هم سبعمائة- في عُدوة الوادي( مكان بعيد في الصحراء)، و جعل ظهره إلى الجبل، و كان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع، و مائتا فارس، و معهم خمس عشرة امرأة. و في المسلمين مائتا دارع و فارسان- انتهى. أقول: عُدوة بضمّ العين: المكان المتباعد. و بكسرها و فتحها: المكان المرتفع.

معرفة الإمام ج۱۳

13
  • بمثل هذا الخطاب و ما عبّر عن تولّيهم عن القتال بمثل هذه الكلمة، قال تعالى:

  • وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.1 فالحقّ أنّ المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق.

  • فمحصّل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب و التوبيخ: أنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلّم ليس إلّا رسولًا من الله مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلّا تبليغ رسالة ربّه لا يملك من الأمر شيئاً. و إنّما الأمر للّه و الدِّين دينه باقٍ ببقائه. فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، و رجعتم إلى أعقابكم القهقرى و اتّخذتم الغواية بعد الهداية؟!

  • و هذا السياق أقوى شاهد على أنّهم ظنّوا يوم احد بعد حمي الوطيس أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد قُتل فانسلّوا عند ذلك و تولّوا عن القتال. فيتأيّد بذلك ما ورد في الرواية و التأريخ- كما في ما رواه ابن هشام في «السيرة»- أنّ أنَس بن النضر- عمّ أنس بن مالك- انتهى إلى عمر بن الخطّاب، و طلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين و الأنصار- و قد ألقوا بأيديهم- فقال: ما يحبسكم؟!

  • قالوا: قُتل رسول الله. قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده؟! فموتوا على ما مات عليه رسول الله. ثمّ استقبل القوم فقاتل حتى قُتل.

  • معنى الشكر في الآية: وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ

  • و بالجملة: فمعنى هذا الانسلال و الإلقاء بالأيدي أنّ إيمانهم إنّما كان قائماً بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم يبقى ببقائه و يزول بموته. و هو

    1. الآية 25، من السورة 9: براءة.

معرفة الإمام ج۱۳

14
  • إرادة ثواب الدنيا بالإيمان. و هذا هو الذي عاتبهم الله عليه. و يؤيّد هذا المعنى قوله بعده: وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. فإنّ الله سبحانه كرّر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، حيث قال: وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ فافهم ذلك. لأنّ هذا الموضوع الدقيق جدير بالإمعان.

  • و قوله: وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. بمنزلة الاستثناء ممّا قبله على ما يعطيه السياق. و هو الدليل على أنّ القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب [و رجوع القهقري] أو ما يشعر به كالانسلال و التولّي، و هم الشاكرون.

  • و حقيقة الشكر إظهار النعمة، كما أنّ الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها و الستر عليها. و إظهار النعمة هو استعمالها في محلّها الذي أراده منعمها و ذكر المنعم بها لساناً و هو الثناء و قلباً من غير نسيان. [و بناءً على هذا] فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يُذكر عند استعمالها و توضع النعمة في الموضع الذي أراده منها و لا يُتعدّى ذلك.

  • و إن من شيء إلّا و هو نعمة من نعمه تعالى، و لا يريد بنعمة من نعمه إلّا أن تُستعمل في سبيل عبادته. قال تعالى: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.1

  • فشكره على نعمته أن يطاع فيها و يذكر مقام ربوبيّته عندها.

  • و على هذا فشكره المطلق من غير تقييد، ذكرهُ تعالى من غير نسيان، و إطاعته من غير معصيته. فمعنى قوله: وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ2:

    1. الآية 34، من السورة 14: إبراهيم.
    2. الآية 152، من السورة 2: البقرة.

معرفة الإمام ج۱۳

15
  • اذكروني ذكراً لا يخالطه نسيان، و أطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان و لا يُصغي إلى قول مَن يقول: إنّه أمر بما لا يُطاق، فإنّه ناشئٌ من قلّة التدبّر في هذه الحقائق و البعد من ساحة العبوديّة.

  • و قد عرفتَ فيما تقدّم من الكتاب أنّ إطلاق الفعل لا يدلّ إلّا على تلبّس ما، بخلاف الوصف فإنّه يدلّ على استقرار التلبّس و صيرورة المعنى الوصفيّ مَلَكةً لا تفارق الإنسان. ففرقٌ بين قولنا: الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، والذين يعتدون، و بين قولنا: الْمُشْرِكِينَ، وَ الصَّابِرِينَ، وَ الظَّالِمِينَ، و الْمُعْتَدِينَ.

  • فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر و استقرّت فيهم هذه الفضيلة. و قد بان أنّ الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئاً، و هو نعمة، إلّا و ذكر الله معه، و لا يمسّ شيئاً، و هو نعمة، إلّا و يطيع الله فيه.

  • مقام الشاكرين هو مقام المخلَصين الذي لا سبيل للشيطان إليه

  • فقد تبيّن أنّ الشكر لا يتمّ إلّا مع الإخلاص للّه سبحانه علماً و عملًا، فالشاكرون هم المخلصون للّه، الذين لا مطمع للشيطان فيهم.

  • و تظهر هذه الحقيقة ممّا حكاه الله تعالى عن إبليس. قال تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.1 و قال أيضاً: قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ2. فلم يستثنِ من إغوائه أحداً إلّا المخلَصين، و أمضاه الله سبحانه من غير ردّ.

  • و قال تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ

    1. الآيتان 82 و 83، من السورة 38: ص.
    2. الآيتان 39 و 40، من السورة 15: الحجر.

معرفة الإمام ج۱۳

16
  • أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ.1

  • و قوله: وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ بمنزلة الاستثناء. فقد بدّل المخلصين بالشاكرين و ليس إلّا، لأنّ الشاكرين هم المخلَصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم، و لا صنع له لديهم. إنّما صنعه و كيده إنساء مقام الربوبيّة و الدعوة إلى المعصية [و أنّ آلته الحادّة و سلاحه كليلان لا يؤثّران في هؤلاء المخلَصين الغارقين في بحر ذِكر الله و التوجّه إليه، و الذين لا تصدر منهم المعصية كملكة متمكّنة في نفوسهم].

  • و ممّا يؤيّد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة احد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.2 مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها: وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، و قوله فيما بعدها: وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. و قد عرفتَ أنّه في معنى الاستثناء، [فهذه كلّها تدلّ على نفسها بنحو أبلغ].

  • فتدبّر فيها [أي في الآية] و اقضِ عجباً ممّا ربّما يقال: إنّ الآية، أعني قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ناظرة إلى ما روى أنّ الشيطان نادى يوم احد: «ألَا قد قُتِل محمّد» فأوجب ذلك وهن المؤمنين و تفرّقهم عن المعركة! فاعتبر إلى أيّ مهبط اهبط كتاب الله من أوج حقائقه و مستوى معارفه العالية؟!

  • فالآية تدلّ على وجود عدّة منهم يوم احد لم يهنوا و لم يفتروا و لم يفرّطوا في جنب الله سبحانه سمّاهم الله شاكرين. و صدّق أنّهم

    1. الآيتان 16 و 17، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 155، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

17
  • لا سبيل للشيطان إليهم و لا مطمع له فيهم؛ ليس في هذه الغزوة فحسب، بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقرّ معهم.

  • و لم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلّا في هاتين الآيتين. أعني: قوله: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، و قوله: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. و لم يذكر ما يجازيهم به في شيء من الموردَين إشعاراً بعظمته و نفاسته».1

  • استبسال عليّ عليه السلام و شجاعته يوم احد

  • و أجمعت التواريخ الثابتة التي يقرّ بها العامّة على أنّ أبا بكر لم يُجرح في غزوة احد قطّ، و أنّه لجأ إلى الجبل مع عمر، و كلاهما اعتزل القتال، و ظنّا أنّ محمّداً قد قُتل. و فرّ عثمان مختفياً ثلاثة أيّام، ثمّ دخل المدينة. و ما كان إلّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و حمزة سيّد الشهداء عليهما السلام، و أبو دُجانة، و سهل بن حُنيف الأنصاريّ، إذ نهضوا بالحرب و بادروا إلى تفريق الجيش و إبادته. و هم الذين ثبتوا مع النبيّ الأعظم من أوّل الحرب حتى اللحظة الأخيرة منها، و فدوه بأرواحهم مستبسلين قُدّامه، ذائدين عن بيضة الإسلام، و عن حياته المقدّسة.

  • و نقل الواقديّ في مغازيه، و الطبريّ، و ابن الأثير في تأريخيهما أنّ كبش الكتيبة و صاحب الراية في عسكر قريش- و كان من بني عبد الدار، و اسمه طلحة بن أبي طلحة- لمّا وقف أمام عسكر المسلمين، و طلب مبارزاً و قال: يا معشر أصحاب محمّد! إنّكم تزعمون أنّ الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، و يعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة! فهل أحد منكم يعجّله الله بسيفي إلى الجنّة أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟

  • فمضى إليه أسد الله الغالب ليث التوحيد و الشجاعة أمير المؤمنين

    1. -« الميزان في تفسير القرآن» ج 4، ص 37 إلى 40.

معرفة الإمام ج۱۳

18
  • عليه أفضل صلوات المصلّين، و قال: بلى و الله؛ لا افارقك حتى أعجّلك بسيفي إلى النار أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة فضربه عليّ فقطع رِجله، فسقط فانكشفت عورته؛ فكبّر رسول الله صلى الله عليه و آله.1 ثمّ أخذ لواء المشركين جماعة من بني عبد الدار واحداً بعد الآخر، و قتلهم أمير المؤمنين عليه السلام بأجمعهم، و سقط لواؤهم على الأرض، و لم يحمله أحد منهم.

  • النداء السماويّ: لَا فَتَى إلَّا عَلِيّ، لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الفَقَارِ

  • و ذكر الطبريّ و ابن الأثير أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمّا قتل أصحاب اللواء من المشركين، أبصر النبيّ صلى الله عليه و آله جماعة من المشركين، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليه السلام عليهم ففرّقهم، و قتل عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ. ثمّ أبصر رسول الله صلى الله عليه و آله جماعة اخرى، فقال لعليّ عليه السلام: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي.

  • فقال جبرئيل: يا رسول الله! إنّ هذه لَلْمواساة!

  • فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: إنّه منّي و أنا منه.

  • فقال جبرئيل: و أنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً: لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الفقار، وَ لَا فتى إلَّا عَلِيّ.2

    1. -« المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 225، طبعة الأعلميّ، بيروت؛ و« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 509، طبعة دار المعارف، مصر؛ و« الكامل في التاريخ» ج 2، ص 152، طبعة دار صادر، بيروت.
    2. قال في« القاموس»: ذو الفقار( بالفتح) سيف العاص بن منبّه قتل يوم بدر كافراً، فصار إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم، ثمّ صار إلى عليّ. و قال ابن الأثير في« النهاية»: إنّه كان اسم سيف النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم ذا الفقار، لأنّه كان فيه حفر صغار حسان. و المفقّر من السيوف الذي فيه حزوز مطمئنّة[ عن متنه]. و قال دهخدا في« لغت نامه»(/ المعجم اللغويّ): ذو الفقار، أي صاحب الفقرات. و الفقرة واحدة من فقرات الظهر التي يتكوّن منها العمود الفقريّ. قيل: لمّا كانت فقر صغار لَدِنة في ظهر سيف( ذو الفقار) لذلك عُرِف بهذا الاسم. و هذا السيف ممّا استخلصه رسول الله لنفسه ثمّ أعطاه عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و إذا ظُنّ أنّ( ذو الفقار) له ظُبّتان أو حدّان فلا أساس لذلك. و جاء في ترجمة« تاريخ الطبريّ» في ذكر خبر غزوة احد أنّ الكفّار غلبوا و أحدقوا بالمسلمين، و وقف النبيّ صلى الله عليه و آله في مكان و لم يرجع. و كان يدعو الناس و لم يجبه أحد كما قال الله تعالى: حتى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ- الآية. و لم يبرح النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم مكانه و كان يحرّض الناس على الحرب. و كان عليّ عليه السلام يتقدّم الصفوف و هو يقاتل، و ضرب بالسيف الذي كان عنده رأس كافر فاتّقاها بلأمته. و انكسر سيفه لقوّة الحديد. و رجع أمير المؤمنين عليه السلام و قال: يا رسول الله! كنت اقاتل و انكسر سيفي. فلا سيف لي. فدفع إليه النبيّ صلى الله عليه و آله( ذو الفقار) و قال: خذه يا عليّ! فأخذه الإمام و قذف نفسه في لهوات الحرب. و رآه النبيّ يقاتل بشجاعة و يضرب به يميناً و شمالًا و أماماً و خلفاً، فقال: لَا فتى إلَّا عَلِيّ، لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ.
      حيدر كرّار كو تا بگه كارزار--از گهر لطف او آب دهد ذو الفقار
      --
      للشاعر الخاقانيّ: يقول:« أين حيدر الكرّار فيأتي وقت الحرب ليُكسب ذا الفقار شأناً من جوهر لطفه( فيسقيه دماء الكفّار)؟».
      و أورد دهخدا أبياتاً كثيرة نظمها شعراء فُرس في( ذو الفقار).( أنظر: مادّة ذو الفقار- حرف الذال).

معرفة الإمام ج۱۳

19
  • و شرح خواند مير هذا الحديث الشريف في كتاب «روضة الصفا». و قال بعد عرض مفصّل في إيثار أمير المؤمنين عليه السلام و مواساته يوم احد، و هو ممّا يثير العجب حقّاً:

  • روى الحافظ أبو محمّد بن العزيز (الجنابذيّ) في كتاب «معالم العترة النبويّة» مرفوعاً عن قيس بن سعد، عن أبيه قال: سمعتُ عليّاً يقول: أصابتني يوم أحد ستّة عشر ضربة سقطتُ إلى الأرض في أربع منهنّ1

    1. قال عبد الحليم الجنديّ مستشار المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة بمصر في كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص 21: في يوم احد- أخطر معارك الإسلام- كان عليّ في الحرس إلى جوار النبيّ، حين اصيب النبيّ في المعركة. و كان طبيعيّاً أن يصاب عليّ بستّ عشرة ضربة، كلّ ضربة تلزمه الأرض. و كما يقول سعيد بن المسيِّب سيّد التابعين: فما كان يرفعه إلّا جبريل عليه السلام. فلمّا اشتدّ الخطب، و قتل حامل الراية- مصعب بن عمير- دفع الرسول الراية لعليّ.

معرفة الإمام ج۱۳

20
  • فجاءني رجلٌ حسن الوجه، طيّب الريح، فأخذ بضبعي فأقامني ثمّ قال: أقبل عليهم فإنّك في طاعة الله و طاعة رسوله و هما عنك راضيان. قال عليّ: فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم فأخبرته، فقال: يا عليّ! أ ما تعرف الرجل؟ قلت: لا، و لكنّي شبّهته بدحية الكلبيّ، فقال: يا عليّ أقرّ الله عينك؛ كان جبرئيل.

  • و ذكر محمّد بن حبيب في «الأمالى» أنّه لمّا هُزم جُلُّ الجيش الإسلاميّ، توجّهت أفواج الكفّار نحو رسول الله صلى الله عليه و آله كأمواج البحر. و اقترب منه زُهاء خمسين فارساً من بني عبد مناف. و حمل عليّ المرتضى عليه السلام على أولاد صفوان بن عوف، و أبي الشعثاء، و أبي الحمراء، و ستّة آخرين من أولاد أبي سفيان. و قتلهم بسيفه البتّار و أرسلهم إلى دار البوار.

  • و نقل بعض أصحاب السير أنّ جبرئيل قال لرسول الله بعد ذلك: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ هَذِهِ لَلْمَوَاسَاةُ، وَ لَقَدْ عَجِبْتُ لِمُوَاسَاةِ هَذَا الفَتَى. فقال رسول الله: إنَّهُ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ. فقال جبرئيل: وَ أنَا مِنْكُمَا. وَ سُمِعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ صَوْتٌ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ وَ لَا يرى شَخْصُ الصَّارِخِ يُنَادِي مِرَاراً: لَا فتى إلَّا عَلِيّ، لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ.

  • و سئل رسول الله صلى الله عليه و آله عن الصارخ، فقال: هو جبرائيل. ثمّ قال محمّد بن حبيب صاحب «الأمالى»: رواه جمع من المحدِّثين. و هو من الأخبار المشهورة. و وجدت بعض نسخ كتاب

معرفة الإمام ج۱۳

22
  • «المغازي» لمحمّد بن إسحاق و هي تخلو من هذا الحديث. و سألتُ استاذي و شيخي عبد الوهّاب رحمة الله عليه عن هذا الخبر، فقال: صحيح. فقلتُ: لِمَ لا تذكره كتب الصحاح؟ قال: أ وَ كُلُّ مَا كَانَ صَحِيحاً يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كُتُبُ الصِّحَاحِ مِنَ الخَبَرِ؟1

  • و يستبين هنا أنّ ما نقله صاحب «السيرة الحلبيّة» عن أبي العبّاس بن تيميّة في زعمه كذبَ هذا الحديث2 بعيد عن الإنصاف جدّاً، و فيه خروج عن جادّة الحقيقة. و لا غَرْوَ إذا صدر ذلك عن ابن تيميّة المعروف بعدائه الشديد لأمير المؤمنين عليه السلام، و المعدود في زمرة النواصب لرذالته و خباثته، و المنكر للحكايات و الأخبار الصحيحة بحمله لها على محامل بعيدة. و هو الذي عقد نيّته على العناد و اللجاجة و الخصومة أنّي وجد حديثاً و خبراً في فضيلة سيّد الأولياء. و إنّما العجب من بعض أتباعه إذ يَقبلون كلامه على عميً مع ما يتّصفون به من الاطّلاع و سعة العلم، و قد صدّقوه إذ أوردوه في كتبهم بلا تحقيق حفظاً للسَّلَف!

  • أمير المؤمنين عليه السلام حامل الراية و اللواء في حرب احد

  • و نذكر فيما يأتي كلام الشيخ المفيد رضوان الله عليه في كتاب «الإرشاد» حتى تتبيَّن درجة كمال أمير المؤمنين عليه السلام و جهاده في هذه الغزوة، و كذلك نزول جبرائيل على النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلّم بخبر لَا فتى إلَّا عَلِيّ. قال الشيخ المفيد:

  • و كانت راية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يوم احُد بِيَدِ أمير المؤمنين عليه السلام كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يومئذٍ،

    1. -« روضة الصفا» ج 2، في غزوة احد، الطبعة الحجريّة؛ و ذكره أيضاً مير خواند في« حبيب السير» ج 1، ص 345.
    2. -« السيرة الحلبيّة» تصنيف عليّ بن برهان الدين الحلبيّ الشافعيّ، ج 2، ص 249.

معرفة الإمام ج۱۳

23
  • فهو صاحب الراية و اللواء جميعاً.1 و كان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء. و اختصّ بحسن البلاء فيها و الصبر و ثبوت القدم عند ما زلّت من غيره الأقدام. و كان له من العناء برسول الله صلى الله عليه و آله ما لم يكن لسواه من أهل الإسلام، و قتل الله بسيفه رؤوس أهل الشرك و الضلال. و فرّج الله به الكرب عن نبيّه عليه السلام. و خطب بفضله في ذلك المقام

    1. قال في« مجمع البحرين» ص 75، الطبعة الحجريّة، مادّة لواء: اللواية العَلَم الكبير، و اللواء دون ذلك. و العرب تضع اللواء موضع الشهرة. و منه قوله صلى الله عليه و آله و سلّم: لِوَاءُ الحَمْدِ بِيَدِي. يريد انفراده بالحمد يوم القيامة و شهرته به على رؤوس الخلائق.
      و قال في ص 39، مادّة راية: و الراية العَلَم الكبير و اللواء دون ذلك و الراية هي التي يتولّاها صاحب الحرب و يقاتل عليها، و إليها تميل المقاتلة. و اللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار. و في الحديث ذكر الراية و هي القلادة التي توضع في عنق الغلام الآبق ليُعلَم أنّه أبق.
      و في« لسان العرب» ج 14، ص 351: الراية العَلَم لا تهمزها العرب، و الجمع رايات و رأى و أصلها الهمز ... إلى أن قال: و في حديث خيبر: سَاعْطِي الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّهُ اللهُ وَ رَسُولُهُ. الراية هاهنا العلم. يقال: ريَّيتُ الراية أي ركزتُها.[ و قال] ابن سِيدة: أ رأيتُ الراية[ أي] ركزتها. و في الحديث: الدِّينُ رَايَةُ اللهِ في الأرْضِ يَجْعَلُهَا في عُنُقِ مَنْ أذَلَّهُ.
      و قال ابن الأثير: الراية حديدة مستديرة على قدر العنق تُجعل فيه.
      و في« لسان العرب» ج 15 ص 266: اللواء: لواء الأمير، ممدود، و اللواء: العَلَم و الجمع ألوية و ألويات ... إلى أن قال: اللواء: الراية و لا يمسكها إلّا صاحبُ الجيش. و في الحديث: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمُ القِيَامَةِ. أي علامة يشهر بها في الناس، لأنّ موضوع اللواء شهرة مكان الرئيس. و قال في« صحاح اللغة» في مادّة لواء: و لواء الأمير ممدود. و قال: غَدَاةَ تَسايلت من كلّ أوبٍ كتائب عاقدين لهم لوايا. و هي لغة لبعض العرب، تقول: احتميتُ احتماء. و ذكر في مادّة روا: و الراية: العَلَم- انتهى.
      و كانت الراية في غزوة احد في يد أمير المؤمنين، و كان لواء المهاجرين في يد مصعب بن عمير، و لواء الأنصار في يد سعد بن عبادة، فلمّا قُتل مصعب، أعطي رسول الله لواء المهاجرين إلى عليّ عليه السلام، فصار منذ يومئذٍ صاحب اللواء و صاحب الراية.

معرفة الإمام ج۱۳

24
  • جبرائيل عليه السلام في ملائكة الأرض و السماء. و أبان نبيّ الهدى عليه السلام من اختصاصه به ما كان مستوراً عن عامّة الناس.

  • فمن ذلك ما رواه يحيى بن عمارة، عن الحسن بن موسى بن رياح مولى الأنصار، عن أبي البختريّ القرشيّ، قال: كانت راية قريش و لواؤها جميعاً بِيَدِ قُصَيّ بن كلاب. ثمّ لم تزل الراية في يد ولد عبد المطّلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بُعِث رسول الله صلى الله عليه و آله فصارت راية قريش و غيرها إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله فأقرّها في بني هاشم. فأعطاها رسول الله صلى الله عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام في غزاة ودّان. و هي أوّل غزاة حُمِل فيها راية في الإسلام مع النبيّ صلى الله عليه و آله ثمّ لم تزل معه في المشاهد ببدر، و هي البَطْشَةُ الكبرى. و في يوم احد.

  • و كان اللواء يومئذٍ- و هو أصغر من الراية- في بني عبد الدار، فأعطاه رسول الله مصعب بن عمير، فاستُشهد. و وقع اللواء من يده، فتشوّفته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه و آله فدفعه إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام1 فجمع له يومئذٍ الراية و اللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.

  • و عقد الشيخ المفيد رضوان الله عليه فصلًا مستقلًّا في مزايا الجهاد العظيم الذي اضطلع به أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة احد، و قال:

  • فَصْلٌ: روى المفضَّل بن عبد الله، عن سِماك، عن عكرمة، عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال: لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام

    1. قال ابن شهرآشوب في مناقبه، ج 1، ص 191 و 192 طبعة قم: جعل[ رسول الله صلى الله عليه و آله] علي راية المهاجرين عليّاً عليه السلام. و علي راية الأنصار سعد بن عُبادة. و قعد في راية الأنصار و هو لابس دِرعَين.

معرفة الإمام ج۱۳

25
  • أربع ما هنّ لأحد: هُوَ أوَّلُ عَرَبِيّ وَ عَجَمِيّ صلى مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ صَاحِبُ لِوَائِهِ في كُلِّ رَجْفٍ،1 وَ هُوَ الذي ثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ المِهْرَاسِ2 يَعْنِي يَوْمَ احُدٍ وَ فَرَّ النَّاسُ، وَ هُوَ الذي أدْخَلَهُ قَبْرَهُ.

  • و روى زيد بن وهب الجهنيّ عن أحمد بن عمّار، عن شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: وجدنا من عبد الله بن مسعود يوماً طيب نفس فقلنا له: لو حدّثتنا عن يوم احد و كيف كان. فقال: أجل. ثمّ ساق الحديث حتى انتهى إلى ذكر الحرب فقال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: اخرجوا إليهم على اسم الله. فخرجنا و صففنا لهم صفّاً طويلًا. و أقام على الشِّعب خمسين رجلًا من الأنصار، و أمّر عليهم رجلًا منهم، و قال: لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا، وَ لَو قُتِلْنَا عَنْ آخِرِنَا. فَإنَّمَا نُؤْتى مِنْ مَوْضِعِكُمْ هَذَا.

  • و أقام أبو سفيان صخر بن حرب بإزائهم خالد بن الوليد. و كان اللواء من قريش في بني عبد الدار. و كان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، يُدعى كبش الكتيبة.

  • و دفع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام و جاء حتى وقف تحت لواء الأنصار. و جاء

    1. قال ابن كثير الدمشقيّ، في« البداية و النهاية» ج 4، ص 20: روى عن ابن إسحاق أنّ اللواء كان أوّلًا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لواء المشركين مع[ بني] عبد الدار، قال: نَحْنُ أحَقُّ بِالوَفَاءِ مِنْهُمْ.[ فلهذا] أخذ اللواء من عليّ بن أبيّ طالب عليه السلام فدفعه إلى مصعب بن عمير[ من بني عبد الدار] فلمّا قُتل مصعب، أعطي[ رسول الله صلى الله عليه و آله] اللواء عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و ذكر ابن هشام في سيرته، ج 3، ص 592 قصّة أخذ أمير المؤمنين عليه السلام اللواء يوم احد.
    2. المهراس ماء في احُد. و لذا سُمّيت وقعة احُد بوقعة المهراس أيضاً.

معرفة الإمام ج۱۳

26
  • أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الألوية! إنّكم قد تعلمون أنّما يؤتي القوم من قبل ألويتهم. و أنّما اوتيتم يوم بدر من قِبَلِ ألويتكم؛ فإن كنتم ترون أنّكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكموها. فغضب طلحة بن أبي طلحة و قال: أ لنا تقول هذا؟ و الله لأوردنّكم بها اليوم حياض الموت.

  • قال ابن مسعود: و كان طلحة يسمّى كبش الكتيبة، فتقدّم، و تقدّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: من أنت؟! قال: أنا طلحة بن أبي طلحة أنا كبش الكتيبة. فمن أنت؟! قال: أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب. ثمّ تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان. فضربه عليّ بن أبي طالب عليه السلام ضربة على مقدّم رأسه، فبدرت عينه و صاح صيحة لم يُسمع مثلها قطّ، و سقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب. فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله. ثمّ أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان فرماه عاصم أيضاً بسهم فقتله. فأخذه عبدٌ لهم يقال له: صواب، و كان من أشدّ الناس. فضرب عليّ عليه السلام يده فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليُسرى، فضربه عليّ عليه السلام على يده اليُسرى فقطعها، فأخذ اللواء على صدره، و جمع يديه، و هما مقطوعتان عليه، فضربه عليّ عليه السلام على امّ رأسه، فسقط صريعاً، فانهزم القوم، و أكبّ المسلمون على الغنائم.

  • إخلاء الخندق القتاليّ و هجوم خالد بن الوليد

  • و لمّا رأى أصحاب الشِّعب الناس يغنمون قالوا: يذهب هؤلاء بالغنائم و نبقى نحن! فقالوا لعبد الله بن عمر بن حزم الذي كان رئيساً عليهم: نريد أن نغنم كما غنم الناس. فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أمرني أن لا أبرح من موضعي هذا. فقالوا له: إنّه أمرك بهذا و هو لا يدري أنّ الأمر يبلغ إلى ما نرى، و مالوا إلى الغنائم، و تركوه. و لم يبرح هو من موضعه، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله؛ ثمّ جاء من ظهر رسول الله صلى الله عليه

معرفة الإمام ج۱۳

27
  • و آله يريده. فنظر إلى النبيّ صلى الله عليه و آله في خفّ من أصحابه، فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به.

  • فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف و طعناً بالرماح، و رمياً بالنبل، و رضخاً بالحجارة. و جعل أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله يقاتلون عنه، حتى قُتل منهم سبعون رجلًا و فرّ الباقون. و ثبت أمير المؤمنين عليه السلام و أبو دجانة، و سهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و كثر عليهم المشركون.

  • صمود أمير المؤمنين و أبي دُجانة و دفاعهما عن نفس النبيّ

  • ففتح رسول الله صلى الله عليه و آله عينيه، و نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام- و كان اغمي عليه ممّا ناله- فقال: يا عليّ! ما فعل الناس؟ فقال: نَقَضُوا العَهْدَ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ.

  • فقال له: فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي! فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم. ثمّ عاد إليه و قد حملوا عليه من ناحية اخرى، فكرّ عليهم، فكشفهم.

  • و أبو دجانة، و سهل بن حنيف قائمان على رأسه، بِيَدِ كلّ واحد منهما سيفاً ليذبّ عنه. و ثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلًا، منهم: طلحة بن عبيد الله، و عاصم بن ثابت، و صعد الباقون الجبل. و صاح صائح بالمدينة: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ فانخلعت لذلك القلوب، و تحيّر المنهزمون، فأخذوا يميناً و شمالًا. و كانت هند بنت عتبة جعلت لوحشي جعلًا على أن يقتل رسول الله، أو أمير المؤمنين، أو حمزة بن عبد المطّلب عليهم السلام.

  • فقال وحشي: أمّا محمّد، فلا حيلة لي فيه لأنّ أصحابه يطيفون به. و أمّا عليّ، فإنّه إذا قاتل، كان أحذر من الذئب. و أمّا حمزة فإنّي أطمع فيه، لأنّه إذا غضب لم يبصر بين يديه. و كان حمزة يومئذٍ قد اعلم بريشة نعامة

معرفة الإمام ج۱۳

28
  • في صدره.1

  • فكمن له وحشيّ في أصل شجرة، فرآه حمزة، فبرز بالسيف فضربه ضربة أخطأت رأسه. قال وحشيّ: و هززتُ حربتي حتى إذا تمكّنت منه رميته فأصبته في ارْبَته فأنفذته و تركته حتى إذا برد، صرت إليه. فأخذتُ حربتي و شغل عنّي و عنه المسلمون بهزيمتهم. و جاءت هند فأمرت بشقّ بطن حمزة و قطع كبده و التمثيل به. فجدعوا أنفه و اذنيه و مثّلوا به، و رسول الله صلى الله عليه و آله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى إليه الأمر.

  • قال الراوي للحديث و هو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه و آله حتى لم يبق معه إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أبو دجانة، و سهل بن حنيف؟! فقال: انهزم الناس إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام وحده. و ثاب إلى رسول الله نفر. و كان أوّلهم عاصم بن ثابت، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف، و لحقهم طلحة بن عبيد الله.2

    1. قال الواقديّ في« المغازي» ج 1، ص 259: كان أربعة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم يعلمون في الزحوف، أحدهم أبو دُجانة كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، و كان قومه يعلمون أنّه إذا اعتصب بها أحسن القتال. و كان[ أمير المؤمنين] عليّ عليه السلام يُعلم بصوفة بيضاء. و كان الزُّبير يُعلم بعصابة صفراء. و كان حمزة يُعلم بريش نعامة.
    2. قال الطبرسيّ في« إعلام الوري» ص 91: اصيب من المسلمين في غزوة احد سبعون رجلًا منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطّلب، و عبد الله بن جحش، و مصعب بن عمير، و شماس بن عثمان بن الشريد. و الباقون من الأنصار. و أقبل يومئذٍ ابيّ ابن خلف و هو على فَرَسٍ له و هو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بُؤْ بِذَنْبِكَ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ. و رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بين الحارث بن الصمّة و سهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه، فوقاه مصعب بن عمير بنفسه، فطعن مصعباً فقتله! فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم عَنَزة[ العنَزَة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئاً، و فيها سنان مثل سنان الرمح-( م)] فطعن ابيّاً في جربّان الدرع فهوى يخور خوار الثور[ حتّى هلك].

معرفة الإمام ج۱۳

29
  • فقلت له: وَ أيْنَ كَانَ أبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ؟

  • قال: كانا ممّن تنحّى. قلتُ: وَ أيْنَ كَانَ عُثْمَانُ؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة.1 فقال له رسول الله: لَقَدْ ذَهَبْتَ فِيهَا عَرَيضَةٍ.2 فقلت له: و أين كنتَ أنت؟

  • قال: كنت ممّن تنحّى. قلتُ له: فمن حدّثك بهذا؟! قال: عاصم، و سهل بن حنيف.

  • قلتُ له: إنّ ثبوت عليّ عليه السلام في ذلك المقام لعجب، فقال: إن تعجّبت من ذلك، فقد تعجّب منه الملائكة. أ ما علمتَ أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم و هو يعرج إلى السماء: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، وَ لَا فتى إلَّا عَلِيّ؟

  • قلتُ: فمن أين عُلم ذلك من جبرئيل؟!

  • قال: سمع الناس صائحاً يصيح في السماء بذلك، فسألوا رسول الله صلى الله عليه و آله عنه، فقال: ذاك جبرئيل.

  • و جاء في حديث عِمران بن حصين أنّه قال: لمّا تفرّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه و آله في يوم احد، جاء عليّ عليه السلام متقلّداً سيفه حتى قام بين يديه. فرفع رسول الله صلى الله عليه و آله رأسه إليه، فقال له: مَا بَالُكَ لَمْ تَفِرَّ مَعَ النَّاسِ؟! فقال عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أرْجِعُ كَافِراً بَعْدَ إسْلَامِي؟!3 فأشار له رسول الله إلى قوم انحدروا من

    1. ذكر خواند مير في« روضة الصفا» هزيمة عمر و أبي بكر، و فرار عثمان ثلاثة أيّام.
    2. قال ابن الأثير في« النهاية» ج 3، ص 210: العريض: الواسع. و في حديث احد قال رسول الله صلى الله عليه و آله للمنهزمين: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً، أيْ: وَاسِعَةً.
    3. ورد هذا الموضوع في« روضة الصفا» أيضاً.

معرفة الإمام ج۱۳

30
  • الجبل، فحمل عليهم فهزمهم. ثمّ أشار إلى قوم آخر، فحمل عليهم فهزمهم. ثمّ أشار إلى قوم آخرين، فحمل عليهم فهزمهم. فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدْ عَجِبَتِ المَلَائِكَةُ وَ عَجِبْنَا مَعَهَا مِنْ حُسْنِ مُوَاسَاةِ عَلِيّ لَكَ بِنَفْسِهِ؟!

  • فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: وَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ هَذَا وَ هُوَ مِنِّي وَ أنَا مِنْهُ؟

  • فقال جبرئيل: يَا رَسُولَ اللهِ! وَ أنَا مِنْكُمَا.

  • أمير المؤمنين عليه السلام يهزم الكتائب وحده

  • و روى الحكم بن ظهير عن السُّدِّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس أنّ طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذٍ فوقف بين الصفَّين، فنادى: يَا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ! إنَّكُمْ تَزْعَمُونَ أنَّ اللهَ يُعَجِّلُنَا بِسِيُوفِكُمْ إلَى النَّارِ، وَ يُعجِّلُكُمْ بِسِيُوفِنَا إلَى الجَنَّةِ، فَأيُّكُمْ يَبْرُزُ إلَيّ؟!

  • فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: و الله لا افارقك اليوم حتى اعجّلك بسيفي إلى النار. فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ عليه السلام على رِجلَيه، فقطعهما، فسقط. فانكشف عنه، فقال له: يَا بْنَ العَمِّ! أنشُدُكَ اللهَ وَ الرَّحِمَ. فانصرف عنه إلى موقفه. فقال له المسلمون: ألا أجهزتَ عليه! فقال: ناشدني الله و الرحم. و و الله لا عاش بعدها أبداً.

  • فمات طلحة في مكانه. و بُشِّر النبيّ صلى الله عليه و آله فسُرَّ به1

    1. ذكر ابن هشام في سيرته ج 3، ص 593 هذه القصّة بتمامها و كمالها، و قال: لمّا اشتدّ القتال يوم احد، جلس رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم تحت راية الأنصار، و أرسل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أن قدّم الراية. فتقدّم عليّ[ أمير المؤمنين] عليه السلام فقال: أنا أبو القَصْم أبو القُصَم. فناداه أبو سعد طلحة بن أبي طلحة- و هو صاحب لواء المشركين- أن هل لكَ يا أبا القُصَم في البراز من حاجة؟! قال: نعم. فبرزا بين الصفَّين، فاختلفا ضربتين ... إلى آخر القصّة المذكورة.

معرفة الإمام ج۱۳

31
  • و قال: هذا كبش الكتيبة.1

  • و قد روى محمّد بن مروان، عن عمارة، عن عكرمة، قال: سمعت عليّاً عليه السلام يقول لمّا انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه و آله: لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قطّ و لم أملك نفسي و كنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه. فرجعت أطلبه فلم أره. فقلتُ: ما كان رسول الله ليفرّ و ما رأيته في القتلى. و أظنّه رفع من بيننا إلى السماء. فكسرتُ جفن سيفي و قلت في نفسي: لُاقاتلنّ به عنه حتى اقتل. و حملت على القوم، فأفرجوا عنّي و إذا أنا برسول الله صلى الله عليه و آله قد وقع على الأرض مغشيّاً عليه.

  • فقمتُ على رأسه، فنظر إليّ فقال: مَا مَنَعَ النَّاسَ يَا عَلِيّ؟! فقلتُ: كَفَرُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ مِنَ العَدُوِّ وَ أسْلَمُوكَ!2

  • فنظر النبيّ صلى الله عليه و آله إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال لي: ردّ عنّي يا عليّ هذه الكتيبة! فحملتُ عليها أضربها بسيفي يميناً و شمالًا حتى ولّوا الأدبار. فقال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: أ مَا تَسْمَعُ يَا عَلِيّ مَدِيحَكَ في السَّمَاءِ، إنَّ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ رِضْوَانٌ يُنَادِي: لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الفَقَارِ، وَ لَا فتى إلَّا عَلِيّ؟! فَبَكيتُ سروراً و حمدت الله سبحانه و تعالى على نعمته.

  • و قد روى الحسن بن عرفة عن عمارة بن محمّد، عن سعد بن

    1. قال ابن الأثير في« النهاية»: الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش. و قال في ج 4، ص 148: و في حديث السقيفة: نَحْنُ أنْصَارُ اللهِ وَ كَتِيبَةُ الإسلَامِ. و الجمع الكتائب- انتهى. و الكبش في اللغة السيّد و أمير الجيش. فينبغي- إذن- أن يكون معنى كبش الكتيبة قائد الجيش فحسب.
    2. ذكر صاحب« روضة الصفا» هذه القصّة مع اختلاف يسير في اللفظ.

معرفة الإمام ج۱۳

32
  • طريف، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال: نادى ملك في من السماء يوم احُد: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، وَ لَا فتى إلَّا عَلِيّ.1

  • و روى مثل ذلك إبراهيم بن محمّد بن ميمون، عن عمرو بن ثابت، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُونَ: نَادَى في يَوْمِ احُدٍ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، وَ لَا فتى إلَّا عَلِيّ.

  • و روى سلام بن مسكين عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: لَو رَأيْتَ مَقَامَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ احُدٍ لَوَجَدْتَهُ قَائِماً عَلَى مَيْمَنَةَ رَسُولِ اللهِ يَذُبُّ عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَ قَدْ وَلَّى غَيْرُهُ الأدْبَارَ.

  • و روى الحسن بن المحبوب عن جميل بن صالح، عن أبي عُبيدة. عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهم السلام، قال: كان أصحاب لواء المشركين يوم احد تسعة، قتلهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن آخرهم، و انهزم القوم، و طارت مخزوم، فضحها عليّ عليه السلام يومئذٍ.

  • قال: و بارز عليّ عليه السلام الحكم بن الأخنس، فضربه، فقطع رجله من نصف الفخذ، فهلك منها. و لمّا جال المسلمون تلك الجولة، أقبل اميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، و هو دارع، و هو يقول: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ فعرض له رجل من المسلمين، فقتله اميّة بن أبي حذيفة، و صمد له عليّ بن أبي طالب، فضربه بالسيف على هامته، فنشب في بيضة مغفره،

    1. قال ابن هشام في سيرته، ج 3، ص 615: روي بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادي منادٍ يوم احد: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، وَ لَا فَتَى إلَّا عَلِيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

33
  • و ضربه اميّة بسيفه، فاتّقاها أمير المؤمنين عليه السلام بدرقته، فنشب فيها.1

  • و نزع أمير المؤمنين عليه السلام سيفه من مغفره، و خلّص اميّة سيفه من درقته أيضاً، ثمّ تناوشا. فقال عليّ عليه السلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه، فضربته بالسيف فيه، فقتلته، و انصرفت عنه.

  • و لمّا انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه و آله في يوم احُد و ثبت أمير المؤمنين عليه السلام، قال له النبيّ:

  • مَا لَكَ لَا تَذْهَبُ مَعَ القَوْمِ؟

  • قال أمير المؤمنين: أذْهَبُ وَ أدَعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! وَ اللهِ لَا بَرِحْتُ حتى اقْتَلَ أو يُنْجِزَ اللهُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ النُّصْرَةِ.

  • فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله: أبْشِرْ يَا عَلِيّ! فَإنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ لَنْ يَنَالُوا منّا مِثْلَهَا أبَداً.2

  • ثمّ نظر رسول الله إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال له: لو حملتَ على هذه يا عليّ! فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليها، فقتل منها هِشام بن اميّة المخزوميّ، و انهزم القوم. ثمّ أقبلت كتيبة اخرى، فقال له الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: احمل على هذه! فحمل عليهم، فقتل منها عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ، و انهزمت أيضاً. ثمّ أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبيّ صلى الله عليه و آله: احمل على هذه! فحمل عليها، فقتل منها

    1. ذكر الواقديّ في« المغازي» ج 1، ص 279 قصّة قتال اميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة بهذا النحو و قتله علي يد أمير المؤمنين عليه السلام مفصّلًا.
    2. ذكره مؤلّف« روضة الصفا» في كتابه أيضاً. و جاء في سيرة ابن هشام: ج 3، ص 615.

معرفة الإمام ج۱۳

34
  • بُشر بن مالك العامريّ، و انهزمت الكتيبة، و لم يعد بعدها أحد منهم.1

  • و تراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبيّ الأكرم، و انصرف المشركون إلى مكّة، و انصرف المسلمون مع النبيّ صلى الله عليه و آله إلى المدينة. و استقبلته فاطمه عليها السلام2 و معها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه، و لحقه أمير المؤمنين عليه السلام و قد خضّب الدم يده إلى كتفه، و معه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليها السلام، و قال لها: خُذِي هَذَا السَّيْفَ فَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ. و أنشأ يقول:

  • أ فَاطِمُ هَاكِ السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمِ***فَلَسْتُ بِرِعْدِيدٍ وَ لَا بِمُلِيمِ

  • لَعَمْرِي لَقَدْ أعْذَرْتُ في نَصْرِ أحْمَدٍ***وَ طَاعَةِ رَبِّي بِالعِبَادِ عَلِيمِ 3

  • أمِيطِي دِمَاءَ القَوْمِ عَنْهُ فَإنَّهُ***سَقَى آلَ عَبْدِ الدَّارِ كَأسَ حَمِيمٍ 4

    1. ذكره صاحب« روضة الصفا» في كتابه أيضاً؛ و ورد في سيرة ابن هشام: ج 3، ص 615.
    2. كانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها قد ولدت الإمام الحسن عليه السلام قبل معركة احد بشهر واحد، إذ إنّ ولادة الإمام كانت في 15 رمضان سنة 3 ه-، و غزوة احُد وقعت في 15 شوّال من نفس السنة. ذكر ذلك الطبريّ في تأريخه: ج 2، ص 537 و قال: و فيها علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما، و قيل: لم يكن بين ولادتها الحسن و حملها بالحسين إلّا خمسون ليلةً.
    3. أورد الحمّوئيّ هذين البيتَين في« فرائد السمطين» ج 1، ص 252؛ و في« بشارة المصطفي» ص 346. و جاء فيهما معاً:( رحيم) مكانَ( عليم).
    4. ذكر الطبريّ هذه الأبيات عن أمير المومنين عليه السلام أربعة في تأريخه، ج 2، ص 533، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر. و كذلك فعل ابن شهرآشوب في مناقبه، ج 1، ص 152، طبعة المطبعة العلميّة، قم، نقلًا عنه. و أوردا البيتَين الثالث و الرابع كالآتي:
      وَ سَيْفِي بكَفِّي كَالشِّهَاب أهُزُّهُ--أجُذُّ بِهِ مِنْ عَاشِقٍ وَ صَمِيمِ
      فَمَا زِلْتُ حتى فَضَّ رَبِّي جُمُوعَهُمْ--وَ حتى شَفَيْنَا نَفْسَ كُلِّ حَلِيمِ
      --

معرفة الإمام ج۱۳

35
  • و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: خُذُيهِ يَا فَاطِمَةُ! فَقَدْ أدى بَعْلُكِ مَا عَلَيْهِ، وَ قَدْ قَتَلَ اللهُ بِسَيْفِهِ1 صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ.2

  • و عقد الشيخ المفيد رضوان الله عليه هنا فصلًا مستقلًّا في أسماء أعلام المشركين الذين قُتلوا على يد أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة احُد. و كان جمهورهم قتلاه فحسب. ثمّ قال:

  • أسماء من قُتل من المشركين بسيف عليّ عليه السلام يوم احُد

  • فصل: و قد ذكر أهل السير قتلي احُد من المشركين. و كان جمهورهم قتلي أمير المؤمنين عليه السلام.

  • روى عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله، عن محمّد بن إسحاق أنّه قال: كان صاحب لواء قريش يوم احد طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، قتله عليّ بن أبي طالب عليه السلام،

    1. المقصود من السيف هو ذو الفقار الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام في يوم احُد. و جاء في« ناسخ التواريخ» أنّه عُرف بهذا الاسم لفقرات و نتوءات في ظهره كالعظم. و كان العلويّون يتوارثونه بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام حتى وصل إلى محمّد النفس الزكيّة بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. و لمّا أحسّ بدنوّ أجله في حربه مع المنصور العبّاسيّ، دعا رجلًا من بني النجّار كان له عليه أربعمائة دينار و دفعه إليه و قال: خذه و احفظه عندك. فإذا رآه رجل من آل أبي طالب، يأخذه و يعطيك حقّك. و لمّا رُشّح جعفر بن سليمان العبّاسيّ لولاية المدينة و اليمن، طلب الرجل المذكور و دفع إليه أربعمائة دينار و أخذه منه.
    2. -« الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 42 إلى 48، الطبعة الحجريّة. و ذكر الواقديّ أصل القضيّة بلا أشعار، و ذلك في مغازيه: ج 1، ص 249.

معرفة الإمام ج۱۳

36
  • و قتل ابنه أبا سعيد بن طلحة، و أخاه خالد بن أبي طلحة. و قتل عبد الله بن حميد بن زُهرة بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، و أبا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفيّ، و الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، و أخاه: اميّة بن أبي حُذَيْفة بن المغيرة، و أرْطاة بن شرَحْبيل، و هشام بن امَيَّة، و عمرو بن عبد الله الجمحيّ، و بُشر بن مالك، و صواباً مولى بني عبد الدار. هؤلاء كلّهم قتلوا على يد أمير المؤمنين عليه السلام و كان الفتح له يوم احُد.

  • و رجوع الناس من هزيمتهم إلى النبيّ صلى الله عليه و آله بمقامه عليه السلام يذبّ عنه دونهم. و توجّه العتاب من الله تعالى إلى كافّتهم لهزيمتهم يومئذٍ سواه عليه السلام و من ثبت معه من رجال الأنصار، و كانوا ثمانية نفر. و قيل: أربعة أو خمسة. و في قتله عليه السلام من قتل يوم احُد، و عنائه في الحرب و حُسن بلائه يقول الحجّاج بن عِلّاط السُّلَميّ:

  • لِلَّهِ أيّ مُذَبِّبٍ عَنْ حَرِيمِهِ***أعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ المُعِمَ 1 المُخْوِلَا 2

  • جَادَتْ يَدَاكَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ***تَرَكَتْ طُلَيْحَةَ لِلْجَبِينِ مُجَدَّلَا

  • وَ شَدَدْتَ شِدَّةَ بَاسِلٍ فَكَشَفْتَهُمْ***بِالسَّفْحِ إذْ يَهْوُونَ أسْفَلَ أسْفَلا

  • وَ عَلَلْتَ سَيْفَكَ بِالدِّمَاءِ وَ لَمْ تَكُنْ***لِتَرُدَّهُ حَرَّانَ حتى يَنْهَلَا 3

    1. المعمّ: من كرم أعمامه، و كذلك المخول. و المراد هنا أنّ أعمام أمير المؤمنين عليه السلام و أخواله كلّهم كرماء النفوس ذو و مجد و اعتبار و شأن.
    2. -« الإرشاد» للشيخ المفيد ص 49، الطبعة الحجريّة. و نقل ابن هشام الأبيات الثلاثة الأولى في سيرته، ج 3، ص 655. و ذكر مكان أسْفَلَ أسْفَلا: أخْوَلَ أخْوَلَا. و قال ابن الأثير الجَزَريّ في« الكامل» ج 2، ص 157 و 158، طبعة بيروت: و قاتل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يوم احُد قتالًا شديداً، فرمى بالنبل حتى فني نبله، و انكسرت سِيَةَ قَوسه و انقطع وتره. و لمّا جُرح رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم جعل عليّ[ عليه السلام] ينقل له الماء في درقته من المهراس و يغسله، فلم ينقطع الدم. فأتت فاطمة و جعلت تعانقه و تبكي، و أحرقت حصيراً و جعلت على الجرح من رماده، فانقطع الدم.
    3. -« الإرشاد» للشيخ المفيد ص 49، الطبعة الحجريّة. و نقل ابن هشام الأبيات الثلاثة الأولى في سيرته، ج 3، ص 655. و ذكر مكان أسْفَلَ أسْفَلا: أخْوَلَ أخْوَلَا. و قال ابن الأثير الجَزَريّ في« الكامل» ج 2، ص 157 و 158، طبعة بيروت: و قاتل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يوم احُد قتالًا شديداً، فرمى بالنبل حتى فني نبله، و انكسرت سِيَةَ قَوسه و انقطع وتره. و لمّا جُرح رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم جعل عليّ[ عليه السلام] ينقل له الماء في درقته من المهراس و يغسله، فلم ينقطع الدم. فأتت فاطمة و جعلت تعانقه و تبكي، و أحرقت حصيراً و جعلت على الجرح من رماده، فانقطع الدم.

معرفة الإمام ج۱۳

37
  • و أضاف ابن شهرآشوب إلى هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ المفيد في «الإرشاد» في قتلى أمير المؤمنين عليه السلام أشخاصاً آخرين و هم: خالد، و مخلّد، و كَلدة، و محالس أولاد طلحة بن أبي طلحة الأربعة، فصاروا مع ابنه الآخر أبي سعيد خمسة، و الوليد بن أرطاة، و مُسافِع، و قاسِط بن شُرَيح العَبْديّ، و المغيرة بن المغيرة. ما عدا الذين قتلهم بعد الهزيمة.

  • صمود عليّ عليه السلام و فرار أبي بكر و عمر و عثمان يوم احُد

  • ثمّ قال ابن شهرآشوب: لا إشكال في هزيمة عمر و عثمان. و إنّما الإشكال في أبي بكر هل ثبت إلى وقت الفرج أو انهزم!1

  • أجل، إنّ هدفنا من توسيع رقعة هذا البحث هو موقف الخلفاء المدّعين بالخلافة! إذ تخلّوا عن نبيّهم في أحرج اللحظات و الدقائق بعد ما أحدقت به كتائب العدوّ من كلّ جانب، و كانوا يريدون قتله بل أسره و تعذيبه،2 فتركوه وحده و اختاروا الفرار على الصمود معه، و رأوا أنفسهم الملوّثة أكرم و أعظم و أعزّ و أحبّ من نفس النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله.

    1. -« المناقب» ج 2، ص 82، طبعة قم؛ و في« روضة الصفا» ذُكرت أسماء بعض المقتولين بيده عليه السلام؛ و الواقديّ في« المغازي» ج 1، ص 307 و 308، مقتل طلحة بن أبي طلحة، و أرطاة بن شرحبيل، و أبي الحكم بن الأخنس بن شريق، و اميّة بن أبي حذيفة ابن المغيرة بِيَدِ سيّد الشجعان عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
    2. قال الواقديّ في« المغازي» ج 1، ص 260: و كان كعب بن مالك يقول: أصابني الجراح يوم احُد. فلمّا رأيت مَثْلَ المشركين بقتلي المسلمين أشدّ المثل و أقبحه، قمتُ فتجاوزت عن القتلى حتى تنحّيت، فإنّي لفي موضعي، إذ أقبل خالد بن الأعلم العُقيليّ جامع اللأمَة يحوز المسلمين يقول: استوسقوا كما يُستوسق جُربُ الغَنَم مدجّجاً في الحديد يصيح: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَا تَقْتُلُوا مُحَمَّداً ائْسِرُوهُ أسِيراً حتى نُعَرِّفُهُ بِمَا صَنَعَ. و يصمد له قُزمان، فيضربه بالسيف ضربة على عاتقه رأيت منها سَحْرَه.

معرفة الإمام ج۱۳

38
  • فَوَيْلٌ لَهُمْ ثُمَّ وَيْلٌ.

  • قلنا: إنّ أبا بكر، و عمر، و عثمان لم يُجرحوا في هذه الغزوة، بل لم يُخدَشوا. و هذا ديدنهم في سائر غزوات رسول الله كبدر، و الأحزاب، و حُنَين. و لم نجد في التأريخ أنّهم جُرحوا في غزوة من الغزوات في حين جُرح أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة احُد تسعين جُرحاً و هو القائل: كان ستّة عشر جرحاً منها عميقةً، و تلزمني الأرض و يُغمى عَلَيّ في كلّ منها، و لم أملك نفسي حتى كان جبرئيل يأتيني و يرفعني و هو يقول: قم يا عليّ، فليس لمحمّد غيرك معين! و لمّا وضعت الحرب أوزارها، و عاد رسول الله و أمير المؤمنين بالمسلمين إلى المدينة، لازم أمير المؤمنين عليه السلام الفراش. و وضعوا له فتيلة لمعاجلة جراحة، و ذلك بسبب عمقها.

  • الجراح التي ألمّت برسول الله صلى الله عليه و آله يوم احُد

  • و أمّا الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله فقد ضُرب في وجهه بالحجر حتى كُسر عظمه، و سال الدم، و لم ينقطع. و غرزت حلقات الدرع في عظم وجهه و عصت فلم تخرج. و ضُرب على شفتيه المباركتين بالسيف حتى سقطت رباعيّاته.1 و اغمي عليه مرّات لشدّة ضغط الدرع الثقيل عليه، و سقط في الحفرة التي كان قد حفرها أبو عامر الراهب الفاسق في أرض احُد بمعاضدة المشركين، و اغمي عليه، و لم يتمكّن من الخروج، و بلغ منه العطش مبلغاً إذ حين اتي له بالماء بعد الحرب، و قرّبه من فمه، لم يستطع

    1. تسمّى الأسنان الأربع الأماميّة: ثنايا. و هما اثنتان في الفكّ العلويّ و اثنتان في الفكّ السفليّ. و تسمّى الأسنان الأربع المتّصلة بها: أنياب. اثنتان في الأعلى و اثنتان في الأسفل، و تسمّى الأسنان الأربع المتّصلة بها: رُباعيّات. اثنتان في أعلى الفم و اثنتان في أسفله.

معرفة الإمام ج۱۳

39
  • أن يشرب.

  • و الله أعلم كم عانى من النبال و الأحجار و الحِراب و السيوف، ذلك أنّ كتائب من الخيّالة و الرجّالة تتكوّن من ثلاثمائة أو مائتي رجل برئاسة خالد بن الوليد، و عكرمة بن أبي جهل، و ضِرار بن الخطّاب، و عتبة بن أبي وقّاص، و عبد الله بن شهاب و ابن قَميئة، و ابيّ بن خَلَف، كانت تحمل بمجموعها حملة رجل واحد. و لكن لمّا كان صلى الله عليه و آله متدرّعاً بدرعَين، و على رأسه مِغفر،1 و كان أمامه عدد من أصحابه الأوفياء كأبي دُجانة، و سهل بن حُنيف، و قليل من الصالحين الملتزمين الباذلين مهجهم و هم يحوطونه. و كان أمير الولاية حيدر الكرّار يحمل عليهم كالليث الباسل و هو المدرّب على العرفان و التوحيد، و يفرّق صفوفهم و يمزّقهم و يبعثرهم، و من جهة اخرى كان الله تعالى قد وعده بالنصر، و هو الحافظ لروحه المقدّسة، لذلك لم يستطيعوا قتله.

  • قال الواقديّ في «المغازي»: و كان أربعة من قريش قد تعاهدوا و تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم و عرفهم المشركون بذلك، عبد الله بن شِهاب، و عتبة بن أبي وقّاص، و ابن قَميئَة، و ابيّ بن

    1. قال العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 254، الطبعة الثانية: حين رأى خالد بن الوليد قلّة من بقي من الرماة[ من أصحاب النبيّ]، حمل عليهم فقتلهم. و شدّ بمن معه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم من خلفهم. و تبادر المنهزمون من المشركين حينئذٍ بنشاط مستأنف لقتال المسلمين حتى هزموهم بعد أن قتلوا سبعين من أبطالهم فيهم أسد الله و[ أسد] رسوله حمزة بن عبد المطّلب. و قاتل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يومئذٍ قتالًا شديداً. فرمى بالنبل حتى فني نبله، و انكسرت سية قوسه، و انقطع وتره، و اصيب بجرح في وجنته، و آخر في جبهته، و كُسرت رباعيّته السفلى، و شقّت- بأبي هو و امّي- شفته، و علاه ابن قمئة بالسيف.

معرفة الإمام ج۱۳

40
  • خَلَف.

  • و رمى عُتبة يومئذٍ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بأربعة أحجار، وَ كَسَرَ رُبَاعِيتَه- أشْظَى بَاطِنَهَا اليُمْنَى السُّفْلَى- وَ شُجَّ في وَجْنَتَيْهِ1 (حتى غابَ حَلَقُ المِغْفَرِ في وَجْنَتِهِ) وَ اصِيبَتْ رُكْبَتَاهُ فَجُحِشَتَا.2 و كانت حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين. و كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم واقفاً على بعضها و لا يشعر به.

  • قال الواقديّ: و الثابت عندنا أنّ الذي رمى و جنتَي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم ابن قميئة، و هو يقول: دُلّوني على محمّد، فو الذي يُحلَف به، لئن رأيته لأقتلنّه. فعلاه بالسيف، و رماه عتبة بن أبي وقّاص مع تجليل السيف. و كان عليه صلى الله عليه و آله و سلّم درعان. فوقع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم في الحفرة التي أمامه فَجُحِشت رُكبتاه. و لم يصنع سيف ابن قميئة شيئاً إلّا وَهَن الضربة بثِقَل السيف، فقد وقع لها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم.3 و انتهض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم و طلحة يحمله من ورائه، و عليّ [عليه السلام] آخذ بيده حتى استوى قائماً.4

    1. وَجْنَة، وِجْنَة، وُجْنَة، وَجَنَة، وَجِنَة، أجَنَة، إجَنَة، اجْنَة: ما ارتفع من الخدّين.
    2. جَحَشَ الجِلْدَ: قَشَرَهُ وَ خَدَشَهُ.
    3. قال الطبرسيّ في« إعلام الوري»، ص 92: و قيل له في غزوة احد: أ لا تدعو عليهم؟! قال: اللَهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. و رمي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم ابن قميئة بقذّافة فأصاب كفّه حتى ندر السيف من يده و قال: خُذها مِنِّي وَ أنَا ابنُ قميئة، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: أذلّك الله و أقمأك. و ضربه عتبة بن أبي وقّاص بالسيف حتى أدمي فاه، و رماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه.
    4. -« المغازي» ج 1، ص 243 و 244.

معرفة الإمام ج۱۳

41
  • و قال الواقديّ أيضاً: و كان أبو سعيد الخُدريّ يحدّث أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم اصيب وجهه يوم احد فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه، فلمّا نُزِعتا جعل الدم يسرب كما يسرُب الشنّ.1

  • نقول: في ضوء ما ذكرنا من الخصوصيّات و المواصفات، أ ليس من الإجحاف خذلان النبيّ الذي يزعم الإنسان أنّه يفديه بروحه و ماله و عرضه و ناموسه و كلّ شيء في حياته؟ و بلغ الأمر أنّ الآية القرآنيّة المباركة الآتية تُنبئ المسلمين بهذا الفرار و تعنّفهم على ما ارتكبوه من خطيئة عظيمة:

  • إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ.2

  • هذه هي قصّة المنهزمين الفارّين، إذ تخاطب الآية المسلمين قائلة: ترقون الجبلَ فارّين و الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله يناديكم: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! أنَا رَسُولُ اللهِ! إلَيّ، إلَيّ، فَلَا يَلْوِي عَلَيْهِ أحَدٌ.

  • قال الواقديّ في سياق الآيات النازلة في غزوة احد عند تفسير قوله تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ3 إنّ إبليس تصوّر يوم احُد في صورة جُعال بن سراقة الثعلبيّ فنادى: إنّ محمّداً قد قُتل، فتفرّق الناس من كلّ وجه.45

  • معرفة الإمام ؛ ج13 ؛ ص41
    1. -« المغازي» ج 1، ص 247.
    2. الآية 153، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 144، من السورة 3: آل عمران.
    4. حكى آية الله السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 254، الطبعة الثانية، عن« الكامل» لابن الأثير( أنّ الناس لمّا جعلوا يقولون: قُتِل محمّد، قُتِل محمّد، فأوغل المسلمون في الهرب على غير رشد). و كان أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم كعب بن مالك، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أبشروا، هذا رسول الله حيّ لم يُقْتَل. فأشار إليه[ رسول الله] أن أنصت.( مخافة أن يسمع العدوّ فيهجم عليه). و قال في ص 255: بعد غلبة الكفّار و استشهاد حمزة و التمثيل به، أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أ في القوم محمّد؟ ثلاثاً. فقال رسول الله: لا تُجيبوه! فقال أبو سفيان: انشدك الله يا عمر أ قتلنا محمّداً؟ قال عمر: اللهمّ لا و إنّه ليسمع كلامك! نرى هنا أنّ عمر خالف رسول الله بصراحة، و قد أعلن للعدوّ أنّه حيّ في وقت كانت حياته صلى الله عليه و آله في خطر.
    5. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

42
  • إقرار عمر بفراره في غزوة احُد

  • يقول عمر: كنت أرقى في الجبل كأنّي ارْوِيّة1 حتى انتهيت إلى رسول الله صليّ الله عليه و آله و هو ينزل عليه: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- الآية.

  • و معنى قوله: وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ: يتولّى. وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا.2

  • و كذلك روى الواقديّ عن الضحّاك بن عثمان، عن ضمرة بن سعيد، قال: قال رافع بن خَديج: [كنت يوم احُد] إلى جنب أبي مسعود الأنصاريّ و هو يذكر من قُتل من قومه و يسأل عنهم، فيُخبَر برجال منهم سعد بن ربيع و خارجة بن زُهير، و هو يسترجع و يترحّم عليهم، و بعضهم يسأل بعضاً عن حميمه، فهم يخبرون بعضهم بعضاً. فبينا هم على ذلك، ردّ الله المشركين ليذهب بالحزن عنهم، فإذا عدوّهم فوقهم قد علوا، و إذا كتائب المشركين. فنسوا ما كانوا يذكرون.

  • و نَدَبنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم و حضّنا على القتال، و أنّي لأنظر إلى فلان و فلان في سفح الجبل يعدون.

  • فكان عمر يقول: لمّا صاح الشيطان: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، أقبلتُ أرقى في

    1. قال في« صحاح اللغة» ص 2363: الارْوِيَّة: الانْثَي مِنَ الوُعُولِ.
    2. الآية 145، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

43
  • الجبل كأنّي ارويّة، فانتهيتُ إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم و هو يقول: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.1 الآية. و أبو سفيان في سفح الجبل. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: اللَهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونَا.2 فَانْكَشَفُوا.3

  • و نقل الواقديّ أيضاً أنّ إبليس لمّا صاح: إنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ، تفرّق الناس، فمنهم من ورد المدينة، فكان أوّل من دخل المدينة يخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم قد قُتِل سعد بن عثمان أبو عُبادة. ثمّ ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم، حتى جعل النساء يقلن: أ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَفِرُّونَ؟!

  • قال يقول ابن امّ مكتوم: أ عن رسول الله تفرّون؟ ثمّ جعل يؤفّف بهم. و كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم خلّفه بالمدينة يصلّي بالناس. ثمّ قال: اعدلوني على الطريق- يعني طريق احُد- فعدلوه على الطريق. فجعل يستخبر كلّ من لقي عن طريق احُد حتى لحق القوم، فعلم بسلامة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم ثمّ رجع.

  • بعض المسلمين الفارّين في حرب احُد

  • و كان ممّن ولّى فلان،4 و الحارث بن حاطب، و ثَعْلَبة بن حاطب،

    1. الآية 144، من السورة 3: آل عمران
    2. و قال الطبريّ في تاريخه، ج 2، ص 521، الطبعة الثانية: لمّا أشرف أبو سفيان علي رسول الله و المسلمين و هو يهمّ بهم، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: ليس لهم أن يعلونا. اللهمّ إن تُقتل هذه العصابة لا تُعبَد. ثمّ ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم.
    3. -« المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 295.
    4. قال في التعليقة: في ح:« عمر و عثمان». و ذكر البلاذريّ، عن الواقديّ، عثمان و لم يذكر عمر.(« أنساب الأشراف» ج 1، ص 326).

معرفة الإمام ج۱۳

44
  • و سوّاد بن غَزيّة، و سعد بن عثمان، و عُقبة بن عثمان، و خارجة بن عامر بلغ مَلَل،1 و أوس بن قيظيّ في نفر من بني حارثة بلغوا الشُّقْرة.2 و لقيتهم امّ أيمن تحثي في وجوههم التراب، و تقول لبعضهم: هَاكَ المَغْزَلَ فَاغزِلْ بِهِ، وَ هَلُمَّ سَيْفَكَ! فوجّهت إلى احُد مع نُسَيَّات معها.3

  • و روى الواقديّ أيضاً بسنده المتّصل عن نَمْلَة بن أبي نملة- و اسم أبي نملة عبد الله بن معاذ و كان أبوه مُعاذ أخ للبراء بن معرور لُامّه- فقال: لمّا انكشف المسلمون ذلك اليوم نظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم و ما معه أحد إلّا نُفَير، فأحدق به أصحابه من المهاجرين و الأنصار و انطلقوا به إلى الشِّعب، و ما للمسلمين لواء قائم، و لا فئة، و لا جمع، و إنّ كتائب المشركين لتحوشهم مقبلة و مدبرة في الوادي، يلتقون و يفترقون. ما يرون أحداً من الناس يردّهم.

  • فاتّبعتُ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم فأنظر إليه و هو يؤمّ أصحابه. ثمّ رجع المشركون نحو عسكرهم و تآمروا في المدينة و في طلبنا. فالقوم على ما هم عليه من الاختلاف. و طلع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم إلى أصحابه، فكأنّهم لم يصبهم شيء حين رأوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم سالماً.4

  • و روى الواقديّ أيضاً بسنده المتّصل عن أبي سفيان مولى ابن أبي

    1. مَلَل موضع في طريق مكّة بين الحرمين. قال ابن السكّيت: هو منزل علي طريق المدينة إلى مكّة عن ثمانية و عشرين ميلًا من المدينة.(« معجم البلدان» ج 8، ص 153).
    2. الشُّقْرَة موضع بطريق فَيد بين جبال حمر علي نحو ثمانية عشر ميلًا من النخيل و علي يوم من بئر السائب، و يومين من المدينة(« وفاء الوفا» ج 2، ص 330).
    3. -« المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 277 و 278.
    4. -« المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 238.

معرفة الإمام ج۱۳

45
  • أحمد قال: سمعتُ محمّد بن مَسْلَمة يقول:

  • سَمِعَتْ اذُنَايَ وَ أبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ وَ قَدِ انْكَشَفَ النَّاسُ إلَى الجَبَلِ وَ هُمْ لَا يَلْوُونَ عَلَيْهِ، وَ إنَّهُ لَيَقُولُ: إلَيّ يَا فُلَانُ! إلَيّ يَا فُلَانُ!1 أنَا رَسُولُ اللهِ فَمَا عَرَّجَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ عَلَيْهِ وَ مَضَيَا.2

  • كلام خالد بن الوليد في فرار عمر

  • و روى الواقديّ أيضاً عن ابن أبي سَبْرَة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم، و اسم أبي جهم عُبَيد، قال: كان خالد بن الوليد يُحَدِّث و هو بالشام يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانِي لِلإسلامِ! لقد رأيتني و رأيت عمر بن الخطّاب حين جالوا و انهزموا يوم احُد، و ما معه أحَد. و إنّي لفي

    1. قال ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 23، طبعة دار إحياء الكتب: حضرتُ عند محمّد بن معد العلويّ الموسويّ الفقيه على رأى الشيعة الإماميّة رحمه الله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان و ستمائة و قارئ يقرأ عنده« مغازي الواقديّ» فقرأ: حدّثنا الواقديّ. و تلا هذا الحديث. فأشار ابن معد إليّ أن أسمع! فقلتُ: و ما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما. فقلتُ: و يجوز ألّا يكون عنهما، لعلّه عن غيرهما. قال: ليس في الصحابة من يُحتشم و يُستحيا من ذكره بالفرار و ما شابهه من العيب، فيضطرّ القائل إلى الكناية إلّا هما. قلتُ له: هذا وَهْم فقال: دعنا من جدلك و منعك. ثمّ حلف أنّه ما عنى الواقديّ غيرهما و أنّه لو كان غيرهما، لذكره صريحاً و بان في وجهه التنكّر من مخالفتي له.
    2. -« المغازيّ» للواقديّ، ج 1، ص 237.
      و روى الطبريّ في تأريخه، ج 2، ص 519، و 520، الطبعة الثانية، بسنده عن السُّدِّيّ قال: أتي ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فرمى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بحجر فكسر أنفه و رباعيّته، و شجّه في وجهه فأثقله و تفرّق عنه أصحابه. و دخل بعضهم المدينة و انطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها. و جعل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يدعو الناس: إليّ عباد الله، إليّ عباد الله. فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا فجعلوا يسيرون بين يديه. فلم يقف أحد إلّا طلحة و سهل بن حنيف.

معرفة الإمام ج۱۳

46
  • كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري. فنكبت عنه و خشيتُ إن أغريتُ به من معي أن يصمدوا له،1 فنظرتُ إليه موجّهاً إلى الشِّعب.2

  • و روى الطبريّ في تاريخه بسنده عن قاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن نجّار، قال: انتهى أنس بن النضر- عمّ أنس بن مالك- إلى عمر بن الخطّاب و طلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين و الأنصار و قد ألقوا بأيديهم. فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. قال: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا (كِرَاماً) عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلّم، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتى قُتل. و به سُمّي أنس بن مالك.3

  • و العجيب هنا أنّ بعض هؤلاء العديمي الغيرة الذين كانوا جالسين على الجبل و قد أطلقوا العنان لأنفسهم، قالوا: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن ابيّ

    1. عمر بن الخطّاب ابن عمّة خالد بن الوليد.( السيرة الحلبيّة ج 3، ص 220؛ و« تاريخ أبو الفداء» ج 7، ص 115).
    2. -« المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 237. ذكر الشيخ الطبرسيّ في« إعلام الوري» ص 90، ما نصّه: فخرج كمين المشركين عليهم خالد بن الوليد فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله. ثمّ أتى الناس من أدبارهم، و وضع في المسلمين السلاح فانهزموا. و صاح إبليس لعنه الله: قُتِلَ مُحَمَّدُ. و رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يدعوهم في اخراهم: أيُّهَا النَّاسُ! أنَا رَسُولُ اللهِ وَ إنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي النَّصْرَ فَإلَيّ، أيْنَ الفَرَار؟ فيسمعون الصوت و لا يلوون على شيء. و ذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة. فصاحت فاطمة عليها السلام و لم تبق هاشميّة و لا قرشيّة إلّا وضعت يدها على رأسها و خرجت فاطمة تصرخ.
    3. -« تاريخ الامم و الملوك» للطبريّ، ج 2، ص 517، الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر؛ و نقلها أبو الفداء أيضاً في تاريخه؛ و كذلك أوردها ابن كثير الدمشقيّ في« البداية و النهاية» ج 4، ص 34.

معرفة الإمام ج۱۳

47
  • فيأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان!

  • و ذكر الطبريّ في تاريخه أيضاً أنّه لمّا فشا خبر قتل رسول الله صلى الله عليه و آله قال بعض الفارّين إلى الجبل و كانوا على الصخرة:

  • لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ ابَيّ، فَيَأخُذَ أمَنَةً مِنْ أبِي سُفْيَانَ. يَا قَوْمِ! إنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ! فَارْجِعُوا إلَى قَوْمِكُمْ قَبْلَ أنْ يَأتُوكُمْ فَيَقْتُلُوكُمْ.

  • قال لهم أنس بن النضر: يَا قَوْمِ! إنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. اللَهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤلاءِ وَ أبْرَا إلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤْلَاءِ! ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حتى قُتِلَ.1

  • و انطلق رسول الله صلى الله عليه و آله يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة (و هم الذين اعتزلوا القتال و ارتقوا الصخرة)، فلمّا رأوه، وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه، فقال: أنا رسول الله.2

  • إنّ أنس بن النضر ذلك الرجل الغيور الشهم الوجيه صاحب الحميّة و العزّة و ذو المنطق الرزين، الذي ذكرنا كيفيّة استشهاده قد رُمي بالنبال و ضُرب بالسيوف حتى أنّ اخته لم تستطع أن تعثر على جسده بعد استشهاده، و ما عرفته آخر الأمر إلّا من بنانه أو من ثناياه. و قيل: وجد به

    1. ذكرها ابن الأثير أيضاً في« الكامل» ج 2، ص 156 و 157. و جاء في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 248، الطبعة الثانية: أنّ أنس بن النضر سمع نفراً من الفارّين- و فيهم عمر و طلحة- يقولون لمّا سمعوا أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم قُتِل: ليت لنا من يأتي عبد الله بن ابيّ بن سلّول ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان قبل أن يقتلونا. فقال لهم أنس: يا قوم! إن كان ... إلى آخره.
    2. -« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 520، الطبعة الثانية.

معرفة الإمام ج۱۳

48
  • سبعون ضربة في جسده، و لم يسلم موضع من بدنه، و إنّما عرفته اخته من بنانه أو من ثناياه.1

  • فرار عثمان و إيواؤه معاوية بن المغيرة

  • و أمّا عثمان فقد سمعتم الروايات المنقولة فيه عن تواريخ العامّة الموثّقة. و نذكر فيما يأتي وثيقة تأريخيّة مهمّة اخرى عن الطبريّ الذي يعدّ من المؤرّخين الموثّقين عند العامّة:

  • قال أبو جعفر الطبريّ: و قد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه و آله [يوم احُد] حتى انتهى بعضهم إلى المنقي دون الأعوص. و فرّ عثمان بن عفّان، و عقبة بن عثمان، و سعد بن عثمان (رجلان من الأنصار) حتى بلغوا الجَلْعَب (و هو جبل بناحية المدينة ممّا يلي الأعوص) فأقاموا به ثلاثاً. ثمّ رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فزعموا أنّه قال لهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.2

  • و لم يفرّ عثمان فحسب، بل لمّا قدم المدينة آوى معاوية بن المغيرة

    1. قال الواقديّ في« المغازي» ج 1، ص 280: و قالوا: أتينا عمر بن الخطّاب في رهط من المسلمين قعوداً، و مرّ بهم أنس بن النضر بن ضمضم عمّ أنس بن مالك فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قُتل رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثمّ جالَد بسيفه حتى قُتل. فقال عمر بن الخطّاب: إنّي لأرجو أن يبعثه الله امّة وحده يوم القيامة. و وجد به سبعون ضربة في وجهه. ما عرف حتى عرفتْ اخته حُسن بنانه أو حُسن ثناياه. و ذكر ابن الأثير قصّته في« الكامل» ج 2، ص 156.
    2. -« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 522، الطبعة الثانية. و جاء في الجزء الأوّل من« السيرة الحلبيّة»، ص 240 أيضاً: و من المنهزمين عثمان بن عفّان، و الوليد بن عقبة، و خارجة بن زيد، و رفاعة بن المعلّى، أقَامُوا ثَلَاثَةَ أيَّامٍ ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ: ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.

معرفة الإمام ج۱۳

49
  • ابن أبي العاص الذي كان من ألدّ أعداء رسول الله صلى الله عليه و آله و قد اشترك في هذه الغزوة. و هو الذي زعم أنّه مثّل بحمزة سيّد الشهداء عليه السلام و شقّ شفتي رسول الله و كسر رباعيّته. و كان رسول الله قد هدر دمه. و لمّا دلّت رقيّة بنت رسول الله الصحابة الذين كانوا يبحثون عنه على مكانه في البيت، ضربها بعصا رحله حتى اعتلّت و لزمت الفراش، ثمّ ماتت بعد ذلك.1

  • و نحن نذكر هذه القضيّة عن مغازي الواقديّ الذي يعدّ من أقدم الوثائق التأريخيّة و أوثقها:

  • قال الواقديّ: و كان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قد انهزم يومئذٍ، فمضى على وجهه، فنام قريباً من المدينة. فلمّا أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفّان، فضرب بابه، فقالت امرأته امّ كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه و آله: ليس هو هاهنا. هو عند رسول الله صلى الله عليه و آله.

  • قال [معاوية]: فارسلي إليه فإنّ له عندي ثمن بعير اشتريته عام أوّل فجئته بثمنه، و إلأ ذهبتُ. قال: فأرسلتْ [أمّ كلثوم]2 إلى عثمان، فجاء.

    1. أورد ابن الأثير الجزريّ قصّة معاوية بن المغيرة مفصّلًا في« كامل التواريخ» ج 2، ص 165، طبعة بيروت. و نصّ على أنّه هو الذي جدع أنف حمزة و مثّل به.
    2. -- الصحيح رقيّة. ذلك أنّ عثمان تزوّج امّ كلثوم بعد وفاة رقيّة. و كانت و فاتها في سنة 9 ه-. و نقل المؤرّخون، و كذلك نصّ عليه المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج 6، ص 707 و 708، طبعة الكمبانيّ، أنّ رقيّة تزوّجها عتبة، و امّ كلثوم تزوّجها عتيق- و هما ابنا أبي لهب- قبل الإسلام. ثمّ طلّقاهما قبل زفافهما بأمر أبي لهب. فتزوّج عثمان رقيّة بالمدينة و ولدت له عبد الله صبيّاً لم يجاوز ستّ سنين، و كان ديكٌ نَقَرَهُ على عينه فمات. و تزوّج بعدها امّ كلثوم. و ماتت في السنة التاسعة من الهجرة.

معرفة الإمام ج۱۳

50
  • فلمّا رآه قال: وَيْحَكَ! أهْلَكْتَنِي وَ أهْلَكْتَ نَفْسَكَ. مَا جَاءَ بِكَ؟ قال: يا بن عمّ! لم يكن لي أحد أقرب إليّ منك و لا أحقّ! فأدخله عثمان في ناحية البيت. ثمّ خرج إلى النبيّ صلى الله عليه و آله يريد آن يأخذ له أماناً.

  • و قد قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم قبل أن يأتيه عثمان: إنّ معاوية قد أصبح بالمدينة فاطلبوه. فطلبوه فلم يجدوه. فقال بعضهم: اطلبوه في بيت عثمان بن عفّان. فدخلوا بيت عثمان، فسألوا امّ كلثوم، فأشارت إليه فاستخرجوه من تحت حِمارة1 لهم، فانطلقوا به إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و عثمان جالس عند رسول الله صلى الله عليه و آله فلمّا رآه عثمان قد اتي به قال: و الذي بعثك بالحقّ، ما جئتك إلّا أن أسألك أن تؤمّنه! فهبه لي يا رسول الله! فوهبه له و أمّنه و أجّله ثلاثاً، فإن وُجدِ بعدهنّ قُتِل.

  • قال: فخرج عثمان [من دار الرسول الأكرم] فاشترى له بعيراً و جهّزه. ثمّ قال: ارتحل. فارتحل. و سار رسول الله صلى الله عليه و آله إلى حمراء الأسد.2 و خرج عثمان مع المسلمين إلى حمراء الأسد [أيضاً]. و أقام معاوية [بن المغيرة في المدينة] حتى كان اليوم الثالث، فجلس على راحلته و خرج حتى إذا كان بصدور العقيق، قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: إنّ معاوية قد أصبح قريباً فاطلبوه. فخرج الناس في طلبه، فإذا

    1. جاء في نهاية ابن الأثير، ج 1، ص 258: الحمارة ثلاثة أعواد يشدّ بعض أطرافها إلى بعض و يخالَف بين أرجلها و تعلّق عليها الإداوة ليبرد الماء.
    2. قال في« شرح المواهب اللدنّيّة» ج 2، ص 70: حمراء الأسد علي ثمانية أميال- و قيل عشرة- من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.

معرفة الإمام ج۱۳

51
  • هو قد أخطأ الطريق، فخرجوا في أثره حتى أدركوه في اليوم الرابع.

  • و كان زيد بن حارثة، و عمّار بن ياسر أسرعا في طلبه. فأدركاه بالجمّاء. فضربه زيد بن حارثة. و قال عمّار: إنّ لي فيه حقّاً. فرماه عمّار بسهم فقتلاه. ثمّ انصرفا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم فأخبراه. و يقال: ادرك بثَنِيَّة الشَّريد على ثمانية أميال من المدينة، و ذلك حيث أخطأ الطريق. فأدركاه، فلم يزالا يرميانه بالنبل، و اتّخذاه غرضاً حتّى مات.1

  • و قال المؤرّخون: كان خلال الأيّام الثلاثة التي أقامها في المدينة يتسقّط أخبار النبيّ و المسلمين ليوافي بها كفّار قريش.

  • قصّة اعتقال معاوية بن المغيرة

  • قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: روى البلاذريّ أنّ معاوية بن المغيرة هذا هو الذي جدع أنف حمزة سيّد الشهداء و مثّل به يوم احد. روى ذلك عن الكلبيّ و قال: هو ابن عمّ عثمان لحّاً، إذ إنّ عثمان ابن عفّان بن أبي العاص، و هو معاوية ابن المغيرة بن أبي العاص. و لا عقب له إلّا بنت تسمّى عائشة، تزوّجها مروان بن الحكم فولدت له ابنه عبد الملك.2

  • مقتل رقيّة ابنة رسول الله بضرب عثمان

  • و أمّا قصّة مقتل رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله على ما نقله محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب «الكافي» فهي كما يأتي: روى بسنده عن يزيد بن خليفة الحاربيّ أنّه قال: سأل عيسى بن عبد الله أبا عبد الله عليه السلام [الإمام الصادق] و أنا حاضر فقال: تخرج النساء إلى الجنازة؟!

  • و كان متّكئاً فاستوى جالساً، ثمّ قال: إنّ الفاسق عليه لعنة الله3 آوى

    1. -« المغازي» للواقديّ»، ج 1، ص 333 و 334.
    2. -« شرح نهج البلاغة» ج 5، ص 46 و 47، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
    3. المراد عثمان. و جاء في الرواية: عمّه المغيرة. و لعلّها من إسقاط النسّاخ، و نحن ذكرنا في النصّ أعلاه: ابن عمّه معاوية بن المغيرة.

معرفة الإمام ج۱۳

52
  • ابن عمّه معاوية بن المغيرة بن أبي العاص و كان ممّن هدر رسول الله دمه. فقال لابنة رسول الله: لا تخبري أباكِ بمكانه! كأنّه لا يوقن أنّ الوحي يأتي محمّداً.

  • فقالت [رقيّة]: ما كنتُ لأكتم رسول الله صلى الله عليه و آله عدوّه. فجعله بين مشجب له و لحفه بقطيفة. فأتى رسول الله صلى الله عليه و آله الوحيُ فأخبره بمكانه. فبعث إليه عليّاً عليه السلام، و قال: اشتمل على سيفك و ائت بيت ابنة عمّك، فإن ظفرتَ بالمغيرة فاقتله. فأتى [أمير المؤمنين عليه السلام] البيت فجال فيه، فلم يظفر به، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فأخبره. فقال: يا رسول الله! لم أره. فقال [رسول الله]: إنّ الوحي قد أتاني فأخبرني أنّه في المشجب. و دخل عثمان بعد خروج عليّ عليه السلام فأخذ بِيَدِ ابن عمّه، فأتى به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم. فلمّا رآه أكبّ و لم يلتفت إليه. و كان نبيّ الله صلى الله عليه و آله حيّياً كريماً.

  • فقال [عثمان]: يا رسول الله هذا ابن عميّ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، و الذي بعثك بالحقّ ما آمنُه. فأعادها ثلاثاً.

  • و أعادها أبو عبد الله عليه السلام ثلاثاً: كذب عثمان، و الذي بعثه بالحقّ نبيّاً. كان عثمان يأتي عن يمين رسول الله، ثمّ يأتي عن يساره. فلمّا كان في الرابعة، رفع رأسه إليه فقال: قد جعلت لك ثلاثاً، فإن قدرتُ عليه بعد ثلاثة، قتلتُه.

  • فلمّا أدبر و تولّى، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: اللَهُمَّ العَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ المُغيرةِ وَ العَنْ مَنْ يُؤْوِيهِ، وَ العَنْ مَنْ يَحْمِلُهُ، وَ العَنْ مَنْ يُطْعِمُهُ،

معرفة الإمام ج۱۳

53
  • وَ العَنْ مَنْ يَسْقِيهِ، وَ العَنْ مَنْ يُجَهِّزُهُ، وَ العَنْ مَنْ يُعْطِيهِ سِقَاءً أو حِذَاءً أو رِشَاءً أو وِعَاءً!

  • و هو يعدّهنّ بيمينه. و انطلق به عثمان و آواه و أطعمه و سقاه و حمله و جهّزه حتى فعل جميع ما لعن عليه النبيّ صلى الله عليه و آله من يفعله به. ثمّ أخرجه في اليوم الرابع يسوقه.

  • فلم يخرج من أبيات المدينة حتى أعطب الله راحلته و نقب حذاءه و دميت قدماه، فاستعان بيده و ركبته، و أثقله جهازه حتى وجّر به، فأتى سُمرة فاستظلّ بها. فأتى رسول الله صلى الله عليه و آله الوحي فأخبره بذلك، فدعا عليّاً عليه السلام فقال: خذ سيفك فانطلق أنت و عمّار و ثالث لهم، فإنّ [معاوية] بن المغيرة بن أبي العاص تحت شجرة كذا. فأتاه

  • أمير المؤمنين عليه السلام، فقتله.1

    1. روى المجلسيّ رضي الله عنه في« بحار الأنوار» ج 6، ص 516 عن الكازرونيّ في« المنتقى»، عن ربيعة بن الحارث في غزوة حمراء الأسد قال: و ظفر رسول الله صلى الله عليه و آله في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص و بأبي غِرَّة الجمحيّ. و كان أبو غِرَّة اسر يوم بدر فأطلقه النبيّ صلى الله عليه و آله لأنّه شكى إليه فقراً و كثرة العيال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله عليه العهود أن لا يقاتله و لا يعين على قتاله. فخرج معهم يوم احد و حرّض على المسلمين. فلمّا اتى به رسول الله قال: يَا مُحَمَّد! امْنُنْ عَلَيّ. قال: المُؤمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ. و أمر به فقتله. و أمّا معاوية و هو الذي جدع أنف حمزة و مثّل به مع من مثّل به، و كان قد أخطأ الطريق[ في رجوعه إلى مكّة]، فلمّا أصبح أتى دار عثمان بن عفّان. فلمّا رآه، قال له عثمان: أهْلَكْتَنِي وَ أهْلَكْتَ نَفْسَكَ. فقال: أنت أقربهم منّي رحماً و قد جئتك لتجيرني. فأدخله عثمان داره و صَيّره في ناحية منها. و عرض المجلسيّ هذا الموضوع عن الكازرونيّ مفصّلًا بالصورة التي نقلناها عن الواقديّ. و قال في آخره: و روى هذا الخبر ابن أبي الحديد أيضاً و أكثر اللفظ له. ثمّ قال: و يقال: إنّه ادرك على ثمانية أميال من المدينة. فلم يزل زيد و عمّار يرميانه بالنبل حتى مات. و هذا كان جدّ عبد الملك ابن مروان لُامّه- انتهى كلام الكازرونيّ.
      قال المجلسيّ: هذه القصّة كانت سبب قتل عثمان ابنة رسول الله صلى الله عليه و آله، كما سيأتي شرحه إن شاء الله في مثالبه، و باب أحوال أولاد رسول الله صلى الله عليه و آله- انتهى كلام المجلسيّ.
      و أنا أقول: لم تقتصر جرائم عثمان على إيوائه معاوية. قال المسعوديّ في« التنبيه و الإشراف» ص 232 و 233: و أمر رسول الله صلى الله عليه و آله[ في فتح مكّة] بقتل ابن الأخطل، و عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، و مِقْيَس بن حبابة. و كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان لُامّه و أحد كتّاب الوحي فارتدّ مشركاً و لحق بمكّة. فلمّا أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم بقتله أخفاه عثمان ثمّ أتى به النبيّ صلى الله عليه و آله سائلًا فيه. فصمت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم طويلًا ثمّ قال: نعم! فلمّا انصرف به عثمان قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لمن حضره من أصحابه: أمَا و الله لقد صمتُّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: فهلّا أو ماتَ يا رسول الله؟ فقال: إنَّ النَّبِيّ لا يَقْتُلُ بِالإشَارَةِ. و يمكن أن نفهم من هذا الحديث أيضاً حرمة الاغتيال في الإسلام. و عبد الله بن سعد بن أبي سرح هذا هو الذي عزّزه عثمان و كرّمه أيّام حكومته الغاصبة ثمّ ولّاه على مصر.

معرفة الإمام ج۱۳

54
  • فضرب عثمان بنت رسول الله صلى الله عليه و آله [بخشبة المحمل ضرباً كثيراً] و قال: أنتِ أخبرتِ أباكِ بمكانه. فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه و آله تشكو ما لقيت. فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه و آله: اقْنِي حَيَاءَكِ، فَمَا أقْبَحَ بِالمَرْأةِ ذَاتِ حَسَبٍ وَ دِينٍ في كُلِّ يَوْمٍ تَشْكُو زَوْجَهَا. فأرسلت إليه مرّات، كلّ مرّة يقول لهأ ذلك [و يأمرها بالصبر و التحمّل]. فلمّا كان في الرابعة، دعا عليّاً و قال: خذ سيفك و اشتمل عليه ثمّ ائت بنت ابن عمّك فخذ بيدها فإن حال بينك و بينها فأحطمه بالسيف فأقبل رسول الله صلى الله عليه و آله كالواله من منزله إلى دار عثمان. فأخرج عليّ عليه السلام ابنة رسول الله. فلمّا نظرت إليه، رفعت صوتها بالبكاء. و استعبر رسول الله و بكى، ثمّ أدخلها منزله. و كشفت عن ظهرها. فلمّا أن

معرفة الإمام ج۱۳

55
  • رأى ما بظهرها قال ثلاث مرّات: قَتَلكِ قَتَلَهُ اللهُ. و كان ذلك يوم الأحد. و بات عثمان متلحّفاً بجاريتها. فمكثت الاثنين و الثلاثاء و ماتت في يوم الأربعاء. فلمّا حضر أن يخرج بها، أمر رسول الله صلى الله عليه و آله فاطمة عليها السلام فخرجت و نساء المؤمنين معها.

  • و خرج عثمان يشيّع جنازتها. فلمّا نظر إليه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم قال: من أطاف البارحة بأهله أو بفتاته فلا يتّبعن جنازتها. فلم يخرج عثمان، و خرجت فاطمة عليه السلام و نساء المؤمنين و المهاجرين فصلّين على الجنازة.1

  • و نطالع في كتاب «الغدير» للعلّامة الأمينيّ ردّاً على كتاب «حياة محمّد» للمستشرق أميل درمنغم، و قد ترجمه الاستاذ الفلسطينيّ مُحَمَّد عَادِل زُعَيْتِر، إذ انتقد العلّامة أصل الكتاب و مترجمه بشدّة. ذلك أنّ مؤلّفه يقول فيه: و كان صهرا النبيّ الأمويّان (عثمان و أبو العاص) أكثر مداراة للنبيّ من عليّ. فقال العلّامة في سياق جوابه عن هذا الموضوع: و إنّي لا يسعني المجال لتحليل كلمة الرجل: و كان صهرا النبيّ الأمويّان: و حسبك في مداراة عثمان حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه و آله لمّا شهد دفن رقيّة ابنته العزيزة و قعد على قبرها و دمعت عيناه فقال: أيّكم لم يقارف الليلة أهله؟! فقال أبو طلحة [الأنصاريّ]2: أنا. فأمره أن ينزل

    1. ذكر المرحوم المجلسيّ هذا الحديث في« بحار الأنوار» ج 6، ص 709 و 710، طبعة الكمبانيّ، في باب أحوال أولاد النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، نقلًا عن الكلينيّ. و كذلك أورد في الكتاب نفسه و في هذا الموضع، و أيضاً في ج 8، ص 215، باب كفر الثلاثة و نفاقهم و فضائح أعمالهم، رواية قريبة من هذا المضمون عن« الخرائج و الجرائح» للراونديّ.
    2. جاء في« أسد الغابة» عند ترجمة أبي طلحة، ج 6، ص 181، رقم 6029: هو زيد ابن سهيل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ. شهد بدراً و له يوم احد مقام مشهود و كان يقي رسول الله صلى الله عليه و آله بنفسه، و يرمي بين يديه و يتطاول بصدره ليقي رسول الله و يقول: نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَ نَفْسِي دُونَ نَفْسِكَ. و كان رسول الله يقول: صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل. آخى رسول الله بينه و بين أبي عبيدة بن الجرّاح و شهد المشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه و آله. و كان زوج امّ سليم امّ أنس بن مالك.

معرفة الإمام ج۱۳

56
  • في قبرها.

  • قال ابن بَطّال: أراد النبيّ صلى الله عليه و آله أن يحرم عثمان النزول في قبرها. و قد كان أحقّ الناس بذلك، لأنّه كان بعلها و فقد منها علقاً لا عوض منه. لأنّه حين قال صلى الله عليه و آله: أيّكم لم يقارف الليلة أهله؟ سكت عثمان و لم يقل: أنا، لأنّه قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، و لم يشغله الهمّ بالمصيبة و انقطاع صهره من النبيّ صلى الله عليه و آله عن المقارفة. فحرم بذلك ما كان حقّاً له. و كان أولى به من أبي طلحة و غيره.

  • و هذا بيّن في معنى الحديث. و لعلّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد كان علم ذلك بالوحي، فلم يقل له شيئاً لأنّه فعل فعلًا حلالًا غير أنّ المصيبة لم تبلغ منه مبلغاً يشغله حتى حرّم ما حرّم من ذلك بتعريض غير صريح. ( «الروض الانُف» ج 2، ص 107).1

  • اعتراف عثمان بفراره في حرب احُد

  • و كان عثمان نفسه يعترف أنّه فرّ في معركة احُد ثلاثة أيّام كما أنّ عمر كان يعدّه في الفارّين. قال الواقديّ: كان بين عبد الرحمن بن عوف و عثمان كلام. فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عُقبة فدعاه فقال: اذهب إلى أخيك فبلّغه عنّي ما أقول لك، فإنّي لا أعلم أحداً يبلّغه غيرك. قال الوليد: أفعل.

  • قال: قل، يقول لك عبد الرحمن: شهدتُ بدراً و لم تشهد! و ثبتُ

    1. -« الغدير» ج 3، ص 24.

معرفة الإمام ج۱۳

57
  • يوم احُد و ولّيتَ عنه! و شهدتُ بيعة الرضوان و لم تشهدها! فجاءه فأخبره. فقال عثمان: صدق أخي. تخلّفتُ عن بدر على ابنة رسول صلى الله عليه و آله و سلّم و هي مريضة. فضرب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بسهمي و أجرى فكنت بمنزلة من حضر. و ولّيتُ يوم احُد فقد عفا الله ذلك عنّي. فأمّا بيعة الرضوان، فإنّي خرجتُ إلى أهل مكّة، بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: إنّ عثمان في طاعة الله و طاعة رسوله، و بايع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم إحدى يديه الاخرى، فكانت شمال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم خيراً من يميني. فقال عبد الرحمن حين جاءه الوليد بن عُقبة: صدق أخي.

  • و قال الواقديّ: و نظر عمر بن الخطّاب إلى عثمان بن عفّان فقال: هذا ممّن عفا الله عنه، و الله ما عفا الله عن شيء فردّه، و كان تولّى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ.

  • و قال أيضاً: و سأل رجل [عبد الله] بن عمر عن عثمان فقال: إنّه أذنب يوم احُد ذنباً عظيماً، فعفا الله عنه، و هو مِمَّن تَوَلَّى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، و أذنب فيكم ذنباً صغيراً فقتلتموه!1

  • و الآن ينبغي أن نعرف: هل عُفي عن عثمان؟ و هل صفح الله عنه و غفر له كما استفاد ذلك عمر و ابنُه من الآية القرآنيّة الكريمة؟ أم لا.

    1. انظر« المغازي» للواقديّ، ص 278 و 279. و ذكر ابن أبي الحديد هذه الروايات الثلاث في« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 21 و 22، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة. و قال ابن الأثير الجزريّ في« الكامل» ج 2، ص 158، طبعة بيروت: و انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين، فيهم عثمان بن عفّان و غيره إلى الأعوص. فأقاموا به ثلاثاً ثمّ أتوا النبيّ صلى الله عليه و آله فقال لهم حين رآهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.

معرفة الإمام ج۱۳

58
  • ليس كذلك، و لا يستفاد من الآية الكريمة المباركة أبداً أنّ الله قد عفا عنه و غفر له؟

  • و علينا أن نعرف سلفاً أنّ الفرار من ساحة القتال بلا عذر شرعيّ بيّنه الله، كبيرة من الكبائر عموماً، و هو من أشدّ أقسام المعاصي الكبيرة التي أوعد القرآن الكريم عليها جهنّم. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.1

  • خلوّ الآية القرآنيّة من الدلالة على العفو عن عثمان بمعنى الغفران

  • نلاحظ في هذه الآية أنّ المسلم لا يحقّ له أن يولّي العدوّ دبره إلّا في حالتين لا غير: الأولى: إذا أراد مثلًا أن ينتقل من الميمنة إلى الميسرة أومن القلب إلى الجناح لمصلحة قتاليّة. الثانية: إذا أراد أن يلحق بطائفة من المسلمين أو غير المسلمين ليستمدّهم القوّة و العِدّة و العُدّة للقتال. و في غير هاتين الحالتين لا يجوز الفرار من لقاء الكفّار. و مَن فعل فإنّه موعَد بغضب الله و ناره.2

  • من خيانات عثمان

    1. الآيتان 15 و 16، من السورة 8: الأنفال.
    2. لا تقتصر خيانات عثمان و جناياته على الفرار من الزحف، و إيواء معاوية بن المغيرة الذي مثّل بحمزة. و قتل السيّدة رقيّة بالضرب. فمن جناياته الاخرى إيواؤه( خفيةً) أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح و جلبه إلى المدينة. قال الطبريّ و ابن الأثير في تاريخهما في باب خلافة عثمان: لمّا زادت المعارضات على عثمان بن عفّان، و أنكر عليه الناس كثيراً من اموره، استشار مروان بن الحكم، و معاوية. فأشارا عليه بإنفاذ عسكر لفتح إفريقية حتى ينشغل الناس به، و لا يجدوا مجالًا للكلام فيه، فَلَا يَكُونُ هِمَّةُ أحَدِهِمْ إلَّا دُبَرة خَيْلِهِ وَ القُمَّلُ يَجْرِي على ظَهْرِهِ. و كذلك ذكر الطبريّ، و ابن الأثير، و صاحب« الاستيعاب» في ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنّ عثمان سرّح جيشاً إلى إفريقية و عليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح. و لمّا فتح عبد الله إفريقية، دفع إليه عثمان خراجها كلّه لم يُشرك معه أحداً. و عبد الله هذا هو الذي ارتدّ و كفر بعد إسلامه فهدر رسول الله صلى الله عليه و آله دمه. و لمّا سار رسول الله إلى فتح مكّة، أوصى صحابته بقتله حيث وجدوه حتى لو كان متعلّقاً بأستار الكعبة. لكنّ عثمان أخفاه في مكّة. و لمّا تمّ فتح مكّة، أتى به عثمان إلى رسول الله مستشفعاً. فلم يقل رسول الله شيئاً، و انتظر حتى يقوم أحد أصحابه فيقتله. فقال عمر: هلّا أو مات يا رسول الله بقتله؟! فقال: نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لَا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ لَنَا خَائِنَةُ الأعْيُنِ.

معرفة الإمام ج۱۳

59
  • و إذا تبيّن هذا الموضوع فإنّا نقول: على ما ذا يُحمل فرار عثمان ثلاثة أيّام في نقطة نائية عن المدينة غير البَوْء بغضب الله و مأواه جهنّم و بئس المصير؟ كيف غفر الله له؟ هل نُسخت الآية النازلة فيه و في أترابه؟ علماً أنّه لم يصلنا عن عثمان نفسه أنّه قد خجل و استحيا من فعله و تاب إلى الله توبةً نصوحاً.

  • و أمّا من استدلّ على غفرانه بقوله تعالى: وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. فليعلم أنّ هذه الآية لا تدلّ على غفران. فالعفو هنا يعني عدم المؤاخذة الدنيويّة، و عدم إجراء الكفّارة و عدم تنفيذ حكم الإعدام فيه. و إلّا فإنّ حكم الإسلام في المتخلّف عن ساحة القتال مع الكفّار الإعدام. و الله تعالى لم يطبّق هذا الحكم على عثمان و نظائره، إذ ليس إلى ذلك من سبيل لأنّه لو طبّقه لُاعدم أكثر من نصف الجيش الذي شهد احُداً، و هذا ليس في مصلحة الإسلام الفتيّ، و إلّا لا يبقى أحد من المسلمين.

  • جاء حكم العفو الإلهيّ في آيتين من الآيات الواردة في سورة آل عمران و يختلف العفو في هاتين الحالتين:

  • الاولى: هذه الآيات: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما

معرفة الإمام ج۱۳

60
  • فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ.1

  • و نرى في هذه الآيات أنّ طائفة من الذين فرّوا رجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و كانوا عنده، فأثابهم الله غمّاً بغمّ، ثمّ غشاهم الاطمئنان و النعاس. و هؤلاء قد شملهم العفو بمعنى الغفران. و يؤيّد هذا المعنى قوله بعد العفو: وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

  • أمّا الذين فرّوا و لم يرجعوا إلى النبيّ في ساحة القتال، فهم المعنيّون بقوله تعالى: وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ. إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.2

  • و لم يرد غفران و رحمة للذين فرّوا و لم يرجعوا و كانوا يهتمّون بحفظ أنفسهم و حصانتها. و العفو يعني الصفح و عدم المحاكمة في الدنيا. و الدليل على ذلك قوله: أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. و هو صبور على أعمالهم، و لم يقل: «رحيم»، أي: يرحمهم و يعطف عليهم.

  • إذاً، العفو الأوّل يشمل الذين ندموا على فرارهم و عادوا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و كان هذا في وقت فارق رسول الله صلى الله عليه و آله فيه المشركين و جاء إلى الشِّعب، و إن كان رجوع هذه الطائفة من المؤمنين تدريجيّاً و بعد علمهم بأنّ رسول الله لم يُقتل. و فيهم قال تعالى: وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

    1. من الآية 152 إلى قسم من الآية 154، من السورة 3: آل عمران.
    2. قسم من الآية 154 و الآية 155، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

61
  • أمّا العفو الثاني فيشمل الذين واصلوا فرارهم و ظنّوا بالنبيّ سوءاً، و قالوا: لو كنّا على الحقّ ما قُتِلنا. و فيهم قال سبحانه: أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.

  • و من الطبيعيّ أنّ الكلام يحوم حول المؤمنين من الصحابة إذ كانوا فريقين، و لا علاقة له بالمنافقين، لأنّ الله تبارك و تعالى يبيّن حالة المنافقين كعبد الله بن ابيّ و زمرته في آيات اخرى مستقلّة ستأتي.1

  • و اعترف عمر نفسه أنّه فرّ يوم احُد. قال ابن أبي الحديد:2 و احتجّ من روى أنّ عمر فرّ يوم احُد بما روى أنّه جاءته في أيّام خلافته امرأة تطلب بُرداً من برود كانت بين يديه، و جاءت معها بنت لعمر تطلب بُرداً أيضاً، فأعطى المرأة و ردّ ابنته، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ أبا هذه ثبت يوم احُد، و أبا هذه فرّ يوم احُد و لم يثبت.3

    1. استهدينا في هذا الموضوع بكتاب« الميزان في تفسير القرآن» ج 4، ص 43 إلى 54. و قد عرضناه ملخّصاً.
    2. نقل ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج 11، ص 100، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، رواية عن فضيل بن عياض في عمر، قال فيها: أعطى رجلًا عطاءه أربعة آلاف درهم ثمّ زاده ألفاً. فقيل له: أ لا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا؟ قال: إنّ هذا ثبت أبوه يوم احُد، و إنّ عبد الله فرّ أبوه و لم يثبت.
    3. و من الأدلّة على فرار عمر و عثمان التشيّع الذي نسبه البعض إلى الواقديّ لأنّه لم يجعلهما في مكانتهما المعهودة كما جاء في كثير من مواضع كتابه، و من ذلك أنّه سمّي في كتابه عثمان و عمر، أو عمر، أو عثمان، و عدّهما من الفارّين في غزوة احُد. قال الدكتور مارسدن جونس في ص 18 من مقدّمته على كتاب« المغازي» للواقديّ: مثلًا في المخطوطة التي اتّخذناها أصلًا لهذه النشرة، نرى قائمة بمن فرّ عن النبيّ يوم احُد، تبدأ بهذه الكلمات: و كان ممّن ولّى فلان، و الحارث بن حاطب، و ثعلبة بن حاطب، و سواد بن غزية، و سعد ابن عثمان، و عقبة بن عثمان، و خارجة بن عامر، و قد بلغ« ملل»، و أوس بن قيظي في نفر من بني حارثة، بينما نرى النصّ عند ابن أبي الحديد عمر و عثمان بدلًا من فلان. و يروي البلاذريّ عن الواقديّ عثمان، و لا يذكر عمر. و يظهر بوضوح أنّ النصّ في المخطوطة الامّ كان يذكر عثمان و عمر، أو عمر وحده، أو عثمان وحده ممّن ولّوا الأدبار يوم احد. و لكنّ الناسخ لم يقبل هذا في حقّ عمر أو عثمان، فابدل اسميهما أو اسم أحدهما بقوله: فلان. و لا شكّ أنّ نصّ الواقديّ الأصليّ وقع في أيدي طائفة من الشيعة و قرؤوا فيه هذه الأخبار التي أوردها في حقّ عمر و عثمان مثلًا، فاعتقدوا أنّه شيعيّ قطعاً. انتهى موضع الحاجة من كلام الدكتور مارسدن جونس.
      و قال الواقديّ في مغازيه، ج 1، ص 271: حدّثنا يعقوب بن محمّد، عن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: اتِيَ عمرُ بن الخطّاب بمُروط( المِرط كساء من خزّ أو كتّان)، فكان فيها مرط واسع جيّد. فقال بعضهم: إنّ هذا المِرط لثمن كذا و كذا( المرط يُشبه الدِّثار في يومنا هذا) فلو أرسلتَ به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفيّة بنت أبي عُبَيد- و ذلك حِدثان ما دخلت على ابن عمر- فقال: أبعث به إلى من هو أحقّ منها، امّ عُمارة نُسَيبة ابنة كعب. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يوم احُد يقول: ما التفتُّ يميناً و لا شمالًا إلّا و أنا أراها تقاتل دوني. و هذه القصّة تماثل القصّة السابقة أيضاً.

معرفة الإمام ج۱۳

62
  • حديث نبويّ صريح في فرار عمر يوم احُد

  • و من الأدلّة الرصينة على فرار عمر بن الخطّاب رواية ذكرها الواقديّ في مغازيه و هي تدور حول قصّة الحُدَيبيّة، عن أبي سعيد الخُدريّ قال: كنت جالساً يوماً عند عمر بن الخطّاب فقال: لقد دخلني يومئذ من الشكّ، و راجعت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم يومئذٍ مراجعة ما راجعته مثلها قطّ. و لقد عتقتُ فيما دخلني يومئذٍ رقاباً، و صمتُ دهراً و إنّي لأذكر ما صنعتُ خالياً فيكون أكبر همّي.

  • و ينقل عمر القصّة هنا مفصّلًا، و يستمرّ الراوي فيقول: و قال عمر و رجال معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله: يا رسول الله! أ لم تكن حدّثتنا أنّك ستدخل المسجد الحرام، و تأخذ مفتاح الكعبة و تعرّف مع المعرّفين؟! و هَدْينا لم يصل إلى البيت و لا نحن!

  • فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: قُلْتُ لَكمْ في سَفَرِكُمْ هَذَا؟! قال عمر: لَا. فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: أمَا إنَّكُمْ

معرفة الإمام ج۱۳

63
  • سَتَدْخُلُونَهُ، و آخُذُ مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ، وَ أحْلِقُ رَأسِي وَ رُؤُوسَكُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، وَ اعَرِّفُ مَعَ المُعَرِّفِينَ.

  • ثم أقبل على عمر، فقال: أ نَسِيتُمْ يَوْمَ احُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ وَ لَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَ أنَا أدْعُوكُمْ في اخْرَاكُمْ؟! أ نَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزَابِ1 إذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ؟! أ نَسِيتُمْ يَوْمَ كَذَا؟!

  • وَ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يُذَكِّرُهُمْ امُوراً- أ نَسِيتُمْ يَوْمَ كَذَا؟

  • فقال المسلمون: صدق الله و رسوله يا نبيّ الله، ما فكّرنا فيما فكّرت فيه. لأنتَ أعلم بالله و بأمره منّا.

  • فلمّا دخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم عام القضيّة (عمرة القضاء) و حلق رأسه، قال: «هذا الذي وعدتكم». فلمّا كان يوم الفتح أخذ المفتاح فقال: «ادعوا لي عمر بن الخطّاب، فقال: هذا الذي قلتُ لكم». فلمّا كان في حجّة الوداع بعَرَفة فقال: «أي عمر، هذا الذي قلتُ لكم».2

    1. قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص 21: و في يوم الخندق أزفت الآزفة حيث تيمّم المشركون مكاناً ضيّقاً فاقتحموه بخيلهم. فخرج لهم عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها. و كان عمرو بن عبد ودّ- فارس العرب- يريد أن يعرف مكانه يوم الخندق. فنادى من فوق الخيل: هل من مبارز؟ فبرز له عليّ. قال له عمرو: ما احبّ أن أقتلك لما بيني و بين أبيك. و أصرّ عليّ و نزل عمرو عن فرسه، و تجاولا. فما انجلى النقع حتى قتله عليّ. و فرّ أصحاب الثغرة بخيولهم منهزمين.
    2. -« المغازي» للواقديّ، ج 2، ص 607 إلى 609.
      و ذكر الشيخ المفيد في« الإرشاد» ص 82، الطبعة الحجريّة، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله لمّا حاصر الطائف بعد فتح مكّة، و دام ذلك الحصار أكثر من عشرة أيّام، أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام ليكسر كلّ صنم وجده. فكسر الأصنام و عاد إلى رسول الله. فلمّا رآه كبّر للفتح و أخذ بيده فخلا به و ناجاه طويلًا. فأتاه عمر بن الخطّاب، فقال: أ تُنَاجِيهِ دُونَنَا وَ تَخْلُو بِهِ؟! فقال: يَا عُمَرُ! مَا أنَا انْتَجَيْتُهُ، بَلِ اللهُ انْتَجَاهُ. فأعرض عمر و هو يقول: هَذَا كَمَا قُلْتَ لَنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامِ إن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ، فَلَمْ نَدْخُلُهُ وَ صُدِدْنَا عَنْهُ. فَنَادَاهُ النَّبِيّ: لَمْ أقُلْ لَكُمْ إنَّكُمْ تَدْخُلُونَهُ في ذَلِكَ العَامِ. و وردت في ص 527 من كتاب« غاية المرام» ثمانية أحاديث عن طريق العامّة، و ثمانية عشر حديثاً عن طريق الخاصّة في مناجاة رسول الله صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام.

معرفة الإمام ج۱۳

64
  • يقول المستدلّون على فرار عمر أنّه لو لم يفرّ يوم احُد، لما قال له رسول الله: «أنسيتم يوم احُد إذ تُصعِدون و لا تلوون على أحد»؟1

  • لم يشهد رسول الله لأبي بكر بالجنّة

  • و شهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم على أنّ جميع المقتولين في غزوة احُد من أهل الجنّة، و أنّ كتاب أعمالهم خُتم بخير، و أنّهم أبلوا بلاءً محموداً، و أنّ السعادة مكتوبة لهم في دار الآخرة.

  • بَيدَ أنّ هذا لشهداء احُد فحسب، و ليس لكلّ من اشترك و جاهد في احُد. إذ إنّ من الممكن أن تمرّ بلاءات بعد احُد فلا يثبت فيها المغرورون بأنفسهم و مناصبهم، المتظاهرون بالتقوى و الصلاح، و هم ينشدّون إلى عالم الغرور في تلك النكات الدقيقة. و تتجلّى أنفسهم في الامّة بطابع فرعوني مع جميع ما لهم من أرصدة السبق و القِدَم، فينكرون الحقّ و يؤثِرون أنانيّتهم على الحقّ و الانقياد المحض إليه. و حينئذٍ، كيف تكون عاقبتهم خيراً إذا هلكوا و هم على هذه الحالة من الاستكبار و الزهو و العُجب و حبّ الذات، حتى لو كانوا بارزين في الزهد، بارعين في علوم القرآن، متشرّفين بصحبة رسول الله سنين طويلة! كما أنّ شهداء بدر من أهل الجنّة

    1. -« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد ج 15، ص 25، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة؛ ذكر ابن أبي الحديد غزوة احُد مفصّلًا في الجزء المذكور، ص 3 إلى 60.

معرفة الإمام ج۱۳

65
  • أيضاً، لا كلّ من شهد بدراً، لأنّه قد يتعرّض للبلاء، فلا يثبت فيه و لا يخرج منه مفلحاً.

  • إنّ الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن مجاهدي بدر و أصحاب بيعة الرضوان تحت الشجرة أثنت عليهم ثناءً مؤقّتاً كما يتطلّبه موقفهم يومئذٍ، و لم تثن عليهم ثناء مطلقاً إلى الأبد. و في بدر أدلّة، و في احُد أدلّة أيضاً.

  • كان طلحة بن عبيد الله من الذين ثبتوا و لم يفرّوا يوم احُد. و قد آزر النبيّ كثيراً، لكنّه نكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام في خلافته، فاريقت دماء الآلاف من الأبرياء على أثر ذلك. و كذلك دأب الزبير بن العوّام، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقّاص على اختلاف مراتبهم و درجاتهم.

  • و ذكر مالك حديثاً عجيباً في «الموطّأ»، و يمكن استنتاج أشياء مفيدة كثيرة منه بالمناط العامّ:

  • حَدَّثَني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمْرَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لِشُهَدَاءِ احُدٍ: هَؤُلَاءِ أشْهَدُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أ لَسْنَا يَا رَسُولَ اللهِ إخْوَانَهُمْ؟ أسْلَمْنَا كَمَا أسْلَمُوا، وَ جَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: بلى، وَ لَكِنْ لَا أدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي؟! فَبَكَى أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: أئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟!1

    1. -« الموطّأ» لمالك، تحقيق و تعليق محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2، ص 461، و 462، كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله؛ و كتاب« تنوير الحوالك» للسيوطيّ، في شرح موطّأ مالك، الكتاب و الباب أنفسهما، ص 18، أصل الحديث في صدر الصفحة، و شرحه و تفسيره في ذيلها.
      و ذكر محمّد بن عمر الواقديّ المتوفّى سنة 207 في كتاب« المغازي» ج 1، ص 310، مثل هذا الحديث مع زيادة؛ قال: و كان طلحة بن عبيد الله، و ابن عبّاس، و جابر بن عبد الله يقولون: صلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم على قتلى احُد و قال: أنَا على هَؤلَاء شَهِيدٌ. فقال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللهِ! أ لَيْسُوا إخْوَانَنَا، أسْلَمُوا كَمَا أسْلَمْنَا، وَ جَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا؟ قَالَ: بلى، وَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَأكُلُوا مِنْ اجُورِهِمْ شَيْئاً، وَ لَا أدْرِي مَا تُحِدْثُونَ بَعْدِي؟! فَبَكَى أبُو بَكْرٍ، وَ قَالَ: إنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟!
      و ذكر الواقديّ أيضاً في كتابه المشار إليه، ص 309، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال في حمزة و سائر شهداء احُد: أنَا الشَّهِيدُ على هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
      و أورد المولى المتّقي في« كنز العمّال» ج 11، ص 179، طبعة بيروت، حديثاً مماثلًا لهذا الحديث و رقمه 31122، عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللهُ مِنْهُ مِمِّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ! هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ، إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَأكُلُوا مِنْ اجُورِهِمْ شَيْئاً وَ خَرَجُوا وَ أنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وَ إنَّكُمْ مَنْ أكَلْتُمْ مِنْ اجُورِكُمْ وَ لَا أدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي.( ابن المبارك، عن الحسن مرسلًا).

معرفة الإمام ج۱۳

66
  • يقول محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقته: هذا الحديث مرسل عند جميع الرواة، لكنّ معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة. و ذكر السيوطيّ هذا اللفظ نفسه في شرحه.1

  • و قال في شرح قوله صلى الله عليه و آله: هَؤُلَاءِ أشْهَدُ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي أشْهَدُ لَهُمْ بِالإيمَانِ الصَّحِيحِ وَ السَّلَامَةِ مِنَ الذُّنُوبِ المُوبِقَاتِ وَ مِنَ التَّبدِيلِ وَ التَّغْيِير وَ المُنَافَسَةِ في الدُّنْيَا وَ نَحْوَ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ البِرِّ.2

  • و نفهم من هذا الحديث ما يأتي:

  • أوّلًا: أنّ الجهاد في احُد لم ينفع أبا بكر شيئاً، و أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله لم يؤيِّد سلامَة دينه، و خلاصَه من الذنوب الموبقة، و من التغيير و التبديل في العقيدة و النيّة، و الحوادث، و التنافس على الرئاسة

    1. -« الموطّأ» لمالك، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2، ص 461.
    2. -« تنوير الحوالك» ج 2، ص 18.

معرفة الإمام ج۱۳

67
  • و حبّ الجاه، و لم يشهد له بالإيمان الصحيح. و بعبارة موجزة: لم يؤيِّد كونه من أهل الجنّة.

  • ثانياً: لمّا كان النبيّ صلى الله عليه و آله عالِماً بالغيب، و أنّه أخبر بالوقائع و الحوادث قبل وقوعها و حدوثها بسنين طويلة، فإنّ كلامه: «لا أدري ما تُحدِثون بعدي». بمنزلة قوله: «لأنّي أعلم ما تُظهرون بعدي من البدع و ما تفتعلون من الحوادث». فلهذا أنتم لستم كشهداء احُد الذين رحلوا عن هذه الدنيا طاهرين مطهّرين. فأنتم- لا جرم- ستكونون من أصحاب النار!

  • ثالثاً: لو كان أبو بكر باحثاً عن الحقّ و الحقيقة، لسأل رسول الله بعد إخباره الصحابة، و بعد بكاء أبي بكر نفسه: و ما ذا نفعل إذاً؟ أرشدنا إلى سبيل النجاة من تلك الحوادث و الكوارث، كي لا نُمني بتلك الذنوب الموبقة المهلكة، و لا نُحدث تلك البدع، و لنظلّ سالمين و نكون من أهل الوجوه المبْيَضَّة شامخين كشهداء احُد! بَيدَ أنّه قطع كلام رسول الله، و حسم الموضوع ببكائه و قوله: أ إنّا لكائنون بعدك.1

    1. روى الشيخ المفيد في أماليه، ص 37 و 38، طبعة جماعة المدرّسين، بسنده المتّصل عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إنِّي على الحَوْضِ أنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيّ مِنْكُمْ وَ لَيُقْطَعَنَّ بِرِجَالٍ دُونِي، فَأقُولُ: يَا رَبِّ أصْحَابِي أصْحَابِي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ! إنَّهُمْ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ على أعْقَابِهِم القَهْقَرَى.
      قال في التعليقة: قال المجلسيّ: اعلم أنّ أكثر العامّة على أنّ الصحابة كلّهم عدول، و قيل: هم كغيرهم مطلقاً. قيل: هم كغيرهم إلى حين ظهور الفتن بين عليّ عليه السلام و معاوية. و أمّا بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقاً.
      و قالت المعتزلة: هم عدول إلّا مَنْ عُلِمَ أنّه قاتل عليّاً عليه السلام فإنّه مردود.
      و ذهبت الإماميّة إلى أنّهم كسائر الناس من أنّ فيهم العادل، و فيهم المنافق و الفاسق و الضالّ، بل كان أكثرهم كذلك! و لا أظنّك ترتاب بعد ملاحظة تلك الأخبار المأثورة من الجانِبَيْنِ المتواترة بالمعنى في صحّة هذا القول- انتهى كلام المجلسيّ رضي الله عنه.
      و ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية في« الشيعة و التشيّع» ص 13، أنّه جاء في الحديث النبويّ أنّ مُحَمَّداً يرى يَوْمَ القِيَامَةِ أكْثَرَ امَّتِهِ تَدْخُلُ النَّارَ. وَ حِينَ يَسْألُ عَنِ السَّبَبِ يُقَالُ لَهُ: إنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ على أدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى(« كتاب الجمع بين الصحيحين» الحديث 267).
      و ورد في« صحيح البخاريّ» ج 4، ص 144. و في ج 8، ص 151، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال لأصحابه. سَتتَّبِعُونَ سُنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حتى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ! قَالُوا: أ تَرَاهُمُ اليَهُودَ وَ النَّصَارَى؟! قَالَ: فَمَنْ إذَاً؟
      و جاء في« صحيح البخاري» ج 7، ص 209: و« صحيح مسلم» في باب الحوض، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: يُؤْتَى بِأصْحَابِي يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ذَاتِ الشِّمَالِ. فَأقُولُ: إلى أيْنَ؟ فَيُقَال: إلى النَّارِ وَ اللهِ، فَأقُولُ: يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ أصْحَابِي! فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ! فَأقُولُ: سَحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي وَ لَا أرَاهُ يَخْلَصُ مِنْهُمْ إلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ.
      و في« سنن الترمذي» كتاب الإيمان؛ و« سند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 120؛ و« سنن ابن ماجه» كتاب الفتن، ج 2، الحديث 3993، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: سَتَفْتَرِقُ امَّتِي إلى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةٍ، كُلُّهَا في النَّارِ إلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ.

معرفة الإمام ج۱۳

68
  • لقاء آية الله المعزّيّ الملايريّ مع العقيد سنبل في جدّة

  • يحسن بنا و قد بلغنا هذا الموضع أن نذكر آية الله العظمى البروجرديّ تغمّده الله برضوانه و نعيمه فنورد ما نقله عنه صديقنا العزيز الكريم و رفيقنا البرّ الشفيق الذي تربطنا به صحبة يزيد أمدها على أربعين سنة. و هو سماحة آية الله الشيخ إسماعيل المعزّيّ الملايريّ دامت بركاته.

  • حدّثني هذا الرجل حديثاً قبل ثلاثين سنة تقريباً، ثمّ طلبت منه أن يكتبه. فكتبه و أرسله لي بالبريد من قم إلى طهران، و خطّه الآن بين يديّ. و ها أنا أذكر فيما يأتي كلامه نصّاً.

  • قال بعد البسملة و التحميد و الصلوات و السلام و السؤال عن الأحوال، و الآداب المألوفة في المجاملات:

  • «و أمّا الموضوع فهو أنّي تشرّفت بالمثول بين يدي المرحوم آية الله

معرفة الإمام ج۱۳

69
  • العظمى السيّد البروجرديّ رضي الله عنه سنة 1378 ه-. ق لُاودّعه قبل سفري إلى حجّ بيت الله الأعظم، و كان كتاب «الموطّأ» لمالك بن أنس في يده، فقلَّبَ عدداً من أوراقه. ثمّ دفعه إليّ و قال: احفظ هذا الحديث فإنّه سينفعك يوماً! ثمّ أردف قائلًا: كان أبو بكر ماكراً إلى درجة أنّه تباكى و قطع الموضوع.

  • فحفظتُ الحديث. و بعد تشرّفى بزيارة مكّة، قدمنا جدّة لنعود إلى إيران، فراجعنا دائرة شئون الحجّاج، و كان مديرها عقيداً يُدعى «سنبل»، و لمّأ ذهبتُ إليه لتوقيع الجواز، دار بيني و بينه حديث طُرحَتْ فيه مسائل شتّى، و واصلناه حتى سألني قائلًا: هل ترون الشيخين من الذين حضروا بيعة الرضوان.1

    1. يلاحظ في كتب العامّة كثيراً أنّ الشيخين كانا حاضرين في بيعة الرضوان، و قد و عدا برضا الله تعالى، إذ قال: رضي الله عن المؤمنين، فهما- إذاً- من أهل الجنّة. و لقد تحدّثنا عن هذا الموضوع مفصّلًا و قلنا:
      أوّلًا: إنّ الرضا هنا مؤقّت حسب ما يستدعيه الحال، و ما تستلزمه الجنّة هو عدم العدول، و الرضا الدائم، و هذا ما لا ينسجم مع الانحراف و ارتكاب الإثم و التلوّث بعد البيعة.
      ثانياً: اثر حديث نبويّ شريف في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس 142، إلى 148، عن« المستدرك» للحاكم و فيه أنّ الرسول الأكرم قال لعمر: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. و هذا ما يمنع من كونهم من أهل الجنّة.
      و نقول هنا: أجمعت الشيعة و السنّة على أنّ رأس المنافقين و الجاحدين عبد الله بن ابيّ من أهل جهنّم، في حين أنّه شهد بيعة الرضوان و بايع رسول الله. فلو كانت البيعة في الحديبيّة تحت الشجرة وحدها كافية لضمان الجنّة، لكان المذكور من أهل الجنّة أيضاً.
      و قال آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 153، الطبعة الثانية، في المتن و التعليقة: خرج رسول الله صلى الله عليه و آله من المدينة مستهلّ ذي القعدة سنة ستّة للهجرة يريد العمرة ... فاستنفر الناس إلى العمرة معه، فلبّاه من المهاجرين و الأنصار و غيرهم من الأعراب ألف و أربعمائة رجل. و كان ممّن خرج معه المغيرة بن شعبة، و عبد الله بن ابيّ بن سلّول و بايعاه تحت الشجرة.
      و قال في ص 156: ثمّ أخذ منهم البيعة فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته، و كانوا ألفاً و أربعمائة رجل فيهم كهف المنافقين ابن سلّول، لم يتخلّف منهم عن هذه البيعة إلّا رجل يدعى الجدّ بن قيس الأنصاريّ.

معرفة الإمام ج۱۳

70
  • قلت: ورد في بعض الأحاديث أنّهما حضراها و بايعا رسول الله صلى الله عليه و آله أيضاً.

  • قال: فَلِمَ ترون أنّهما من أهل جهنّم؟!

  • قلتُ: لا، لا نرى أنّهما كذلك.

  • قال: فهل تعتقدون أنّهما من أصحاب الجنّة؟

  • قلتُ: لا. الجنّة و النار للّه تعالى، و نحن لا نعلم من يسوقه الله إلى الجنّة و من يسوقه إلى جهنّم. يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَآءُ وَ يَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ.

  • قال: أنتم لستم على يقين من ذهاب أحد إلى الجنّة؟

  • قلتُ: و لِمَ ذلك! نحن على يقين أنّ رسول الله يذهب إلى الجنّة.

  • قال: كيف تقول ذلك؟

  • قلتُ: إذا لم يذهب إلى الجنّة و هو صفوة الخلق و نقاوته، فَلِمَ خَلَقَ الله الجنّة!

  • قال: و هل أنتم على يقين من ذهاب غيره إليها؟

  • قلتُ: نعم، نحن على يقين من ذهاب الحسن و الحسين عليهما السلام إليها أيضاً.

  • قال: ما الدليل على ذلك؟

  • قلتُ: حديث رسول الله صلى الله عليه و آله: الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.

معرفة الإمام ج۱۳

71
  • قال: و هل أنتم على يقين من ذهاب غيرهما إليها؟

  • قلتُ: نعم، نحن على يقين من ذهاب عليّ بن أبي طالب إليها أيضاً.

  • قال: ما الدليل على ذلك؟

  • قلتُ: ما جاء في ذيل الحديث السابق، و هو قوله صلى الله عليه و آله: أبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا، فإذأ ذهب الحسن و الحسين إلى الجنّة، فلا جرم أنّ أباهما، و هو خير منهما، يذهب إليها أيضاً.

  • قال: و هل تعتقد أنّ شخصاً آخر يذهب إليها حتماً؟

  • قلتُ: نعم، فاطمة الزهراء عليها السلام.

  • قال: ما الدليل؟

  • قلتُ: ما ورد في الحديث، و هو قوله: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ آذَاها فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ ... إلى آخره، فإذا ساق الله فاطمة إلى جهنّم، فقد آذى فاطمة و نبيّه، و الله لا يؤذي نبيّه أبداً.

  • قال: يا خبيث؛ أراك تشكّ في ذهاب أبي بكر و عمر فحسب إليها.

  • قلتُ: لا أجد أخبث منّي إلّا أنت! عليك أن تتحدّث بدليل و برهان و تضرب عن التعصّب صفحاً، و إذا كان النبيّ و أبو بكر قد ارتابا في ذهاب أبي بكر إلى الجنّة، فكيف تزعم أنّك على يقين من ذهابه إليها!

  • قال: أين ورد أنّهما قد ارتابا في ذلك!

  • فقرأتُ الحديث، و قلتُ: لا يستبين من هذا الحديث شكّ النبيّ فحسب، بل يُشَمُّ منه أيضاً كفر القوم و دخولهم في جهنّم، لأنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال بصراحة: لا أشهد.

  • على أيّة حال، هذا الحديث وارد، و أنت تقول: أنا على يقين. و إذا لم يشكّ أبو بكر، فَلِمَ سأل ذلك! و إذا لم يشكّ رسول الله، فَلِمَ قال: لا! و يتّضح من هذا الحديث أيضاً أنّ بيعة الرسول، و قتال أعداء الدِّين، و أداء

معرفة الإمام ج۱۳

72
  • سائر الفرائض، كلّ ذلك ينفع المرء إذا ظلّ مستقيماً و لم يقترف عملًا مخالفاً للّه و رسوله حتى آخر عمره، و إلّا فيمكن أن تُحبط بعضُ المعاصي أثر العبادات الماضية.

  • ثمّ قال: أرني هذا الحديث!

  • قلتُ: هات مُوَطَّأ مالك لُاريك. و عند ما رجعتُ إلى وطني، حدّثتُ المرحوم آية العظمى السيّد البروجرديّ بالحوار المذكور فسُرّ كثيراً».

  • إلى هنا تنتهي رسالته في شأن هذا الحديث، ثمّ قال: و لمّا تشرّفت بالحجّ من قابلٍ، التقيتُ بالعقيد سنبل و سألته عن أحواله. فقال: وجدتُ الحديث في مُوَطّأ مالك.1

    1. قال العالم المصريّ الخبير المتضلّع الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه القيِّم:« أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 295 و 296، الطبعة الثانية، في المتن و التعليقة: قال الشافعيّ: أصحّ الكتب بعد كتاب الله موطّأ مالك. و قال الدهلويّ في« حجّة الله البالغة»: إنّ الطبعة الأولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب:« الموطّأ» و« صحيح البخاريّ» و« صحيح مسلم»، و الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ« الموطأ» و الصحيحين و لكنّها تتلوها،« سنن أبي داود» و« الترمذيّ» و« النسائيّ»، و الثالثة: مسانيد و مصنّفات صنّفت قبل البخاريّ و مسلم، و في زمانهما و بعدهما- جمعت بين الصحيح، و الحسن، و الضعيف، و المعروف، و الغريب، و الشاذّ، و المنكر، و الخطأ، و الصواب، و الثابت، و المقلوب- و على الطبقة الثانية اعتماد المحدّثين. و نقل السيوطيّ في« تنوير الحوالك» عن القاضي أبي بكر بن العربيّ أنّ« الموطّأ» هو الأصل الأوّل، و« البخاريّ» هو الأصل الثاني. و أنّ مالكاً روى مائة ألف حديث اختار منها في« الموطّأ» عشرة آلاف، ثمّ لم يزل يعرضها على الكتاب و السنّة( أي: السنّة العمليّة) حتى رجعت إلى خمسمائة حديث، أي: الحديث المسند،، و رواية ابن الهباب: ثمّ لم يزل يعرضه على الكتاب و السنّة و يختبرها بالآثار و الأخبار حتى رجعت إلى 500 حديث. و وردت هناك روايات اخرى منها:« ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك»، و« لا أعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك»،« ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك»، و« ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ». و أطلق جماعة على« الموطّأ» اسم الصحيح.، الحديث المسند هو الحديث الذي رفعه الصحابيّ بسنده إلى الرسول الأكرم. و هو ظاهر الاتّصال. و المُرسل ما سقط من سنده الصحابيّ بأن يرويه التابعيّ عن رسول الله مباشرة. و الموقوف ما اضيف إلى الصحابيّ قولًا أو فعلًا أو نحوه متّصلًا كان أو منقطعاً. و المرفوع هو ما أخبر فيه الصحابيّ عن رسول الله.( الشيخ محمود أبو ريّة رحمه الله).

معرفة الإمام ج۱۳

73
  • و من الضروريّ هنا أن نشير إلى بعض النقاط:

  • الاولى: نقل دِهْخُدا في معجمه اللغويّ (معجم لغويّ فارسيّ)، مادّة (ذو الفقار) عن ترجمة تأريخ الطبريّ أنّ أبا بكر، و عمر جُرحا في غزوة احد و رجعا.1

  • لقد بان رجوع أبي بكر، و عمر من الحرب، بَيدَ أنّ جرحهما كذب محض. فأمّا حدث تحريف متعمَّد في ترجمة «تاريخ الطبريّ» أو في النقل عن الترجمة. و على أيّة حال فعندي دورتين مختلفتين من «تاريخ الطبريّ»، و ليس فيهما هذا الموضوع. و كذلك هو لم يرد في تاريخ «البداية و النهاية» لابن كثير الدمشقيّ مع شدّة تعصّبه في تسنّنه، و لم يذكره صاحب «السيرة الحلبيّة»، و لا ابن هشام في سيرته. كما لم يُشَرْ إليه في كتاب «الكامل في التأريخ» لابن الأثير الجزريّ، و «روضة الصفا» لميرخواند، و «حبيب السير» لخواندمير، و «تاريخ المسعوديّ»، و «تاريخ اليعقوبيّ» بل لم يذكر في مغازي الواقديّ الذي يعدّ من أقدم الوثائق التأريخيّة، و لم ينقله ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة».2

  • لم يقصد رسول الله القتل يوم احُد

  • الثانية: أنّنا ذكرنا هنا الآية وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ و شأن نزولها في

    1. حرف الذال، ص 86، العمود الثالث.
    2. ذكر ابن أبي الحديد غزوة احُد مفصّلًا في« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 3 إلى 60، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

معرفة الإمام ج۱۳

74
  • غزوة احُد فحسب، و لم نتطرّق إلى مواصفات غزوة احُد و وقائعها كلّها، و هي كثيرة. و مَن وقف على تفاصيل تأريخها، وجد أنّ المشركين لم يحاربوا المسلمين يومئذٍ، بل ذبحوهم و قطّعوهم إرباً إرباً بسواطيرهم. مع ذلك لم يفكّر النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بإراقة الدماء و ارتكاب المذابح، و لم يحاول التدارك و تسكين الفورات العاطفيّة، بل كان يدافع لا غير. و كان هذا دأبه كلّما حملوا عليه. و لم يأمر بالقتل و السلب و الغارة بعد أن وضعت الحرب أوزارها. إذ إنّ مهمّته الربّانيّة لم تكن القتل و الذبح، بل كانت مهمّته هداية المشركين و ارشادهم إلى الإسلام. و أنّ أخلاقه العظيمة و صفاته الكريمة هي التي دفعتهم إلى الإسلام، و قد أسلم كثير من امراء جيشهم كخالد بن الوليد، و عكرمة بن أبي جهل. فلاحظوا كم كانت مهمّته دقيقة، إذ جمع بين الدفاع و القتل، و بين إمساك يده رجاء إسلامهم و هدايتهم.

  • و كان اولئك الكافرون من أرحام رسول الله صلى الله عليه و آله، بل كان بعضهم من أرحامه القريبين. و كانوا منه بمنزلة الأبناء، و لكن أيّ أبناء! أبناء متغطرسون و مغرورون قطعوا قرابة خمسمائة كيلومتر من مكّة إلى المدينة لإطفاء النور النبويّ و بتلك الطريقة المعروفة لئلّا تكون الرئاسة و الإمارة للنبيّ صلى الله عليه و آله، و لكي لا ينقادوا لحكمه.

  • و هذا جهل، و هو جهل عميق مشوب بالكبر و الحسد و الغِلّ و الانتقام و الطمع، بَيدَ أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه و آله واجه تلك الأفعال السيّئة القبيحة بدعائه المعروف: اللهُمَّ اهْدِ قَوْمي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.1

    1. -« روضة الصفا» مير خواند، ج 2، الطبعة الحجريّة. و قال القمّيّ في« سفينة البحار» ج 1، ص 412: قال القاضي عياض في« الشفاء»: و روى أنّه لمّا كسرت رباعيّته و شجّ وجهه يوم احُد، شقّ ذلك على أصحابه شديداً و قالوا: لو دعوتَ عليهم! فقال: إنّي لم ابعث لعّاناً و لكنّي بُعِثتُ داعياً و رحمة. اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون.
      ثمّ قال القاضي بعد رواية اخرى قريبة من ذلك: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل و درجات الإحسان و حسن الخُلق و كرم النفس و غاية الصبر و الحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه و آله على السكوت عنهم حتى عفى عنهم ثمّ أشفق عليهم و رحمهم و دعا و شفّع لهم، فقال: اللهمّ اغفر أو اهدِ، ثمّ أظهر بسبب الشفقة و الرحمة بقوله: لقومي، ثمّ اعتذر عنهم بجهلهم، فقال: فإنّهم لا يعلمون.
      أقول: ما أجمل ما أنشده الشاعر الفارسيّ في وصفه صلى الله عليه و آله:
      اي قمر طلعت و مكّى مطلع--مَدَنى مهد و يمانى برقع
      شقّة برقع تو برق افروز--لمعة نور رُخت برقع سوز
      ليلة القدر ز مويت ثارى--وحى منزل ز لبت گفتارى
      با تو آنان كه در جنگ زدند--دُرّ دندان تو را سنگ زدند
      گوهرين جام لبت را خستند--ساغر دولت خود بشكستند
      دُر دندانت به خون پنهان شد--رشته لؤلو تو مرجان شد
      گوئيا صيرفى مُلك و مَلَك--زد از آن سنگ زرت را به محك
      لا جرم حُقّهات از ضربت سنگ--اهد قومى به برون داد آهنگ
      --
      يقول:« يا قمر الطلعة و يا مكّيّ المطلع، يا مدنيّ المهد و يا يمانيّ البرقع.
      إنّ قطعة برقعك تضيء البرق، و إنّ تألّق نور وجهك يُحرق البرقع.
      إنّ ليلة القدر شعرة واحدة منك، و إنّ الوحي المنزل كلام من شفتك.
      إنّ الذين طرقوا عليك باب القتال، و حَصَبوا درّ أسنانك.
      و جرحوا شفتك التي هي كالجوهرة، إنّما كسروا كأس حظّهم.
      لقد اختفى درّ أسنانك بالدم، و صارت أسنانك مرجاناً.
      كأنّ صيرفيّ المُلك و المَلَك( الله تعالى) أراد أن يضع حجر ذهبك على المحك( أراد اختبارك).
      لا جَرَم أنّ ما نطق به فمك و ما ردّدته نغمة صوتك بعد ضربك بالحجر هو دعاؤك: اللهمّ اهدِ قومي إنّهم لا يعلمون».

معرفة الإمام ج۱۳

75
  • و نقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ قوله: و روى سعد بن أبي وقّاص

معرفة الإمام ج۱۳

76
  • قال: و لقد حرصتُ على قتل أخي عتبة بن أبي وقّاص حرصاً ما حرصتُ على شيء قطّ، و إن كان ما علمتُ لعاقّاً بالوالد، سيّئ الخُلُق، و لقد تخرّقتُ صفوف المشركين مرّتين أطلب أخي لأقتله، و لكنّه راغ منّي رَوَغان الثعلب. فلمّا كان الثالثة، قال لي رسول الله صلى الله عليه و آله: يَا عَبْدَ اللهِ! ما تُرِيدُ؟! أ تُرِيدُ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ؟ فكففتُ. فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: اللهمّ لا تحولنّ الحول على أحدٍ منهم!1

  • و نقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ قال: [لمّا] رأى رسول الله صلى الله عليه و آله بحمزة مَثْلًا شديداً، حزنه ذلك. فقام أبو قَتادة الأنصاريّ فجعل ينال من قريش لما رأى من عَمّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم. و في كلّ ذلك يشير إليه أن أجلس ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: يَا أبَا قَتَادَةَ! إنَّ قُرَيْشاً أهْلُ أمَانَةٍ، مَنْ بَغَاهُمُ العَوَاثِرَ2 كَبَّهُ اللهُ لِفِيهِ! وَ عَسَى أنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أنْ تَحْقِرَ عَمَلَكَ مَعَ أعْمَالِهِمْ، وَ فِعَالَكَ مَعَ فِعَالِهِمْ! لَوْ لا أنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لأخْبَرْتَهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.

  • فقال أبو قتادة: و الله يا رسول الله! ما غضبت إلّا للّه و رسوله حين نالوا منه (من حمزة) ما نالوا. فقال: صدقتَ! بِئْسَ القَوْمُ كَانُوا لِنَبِيِّهِمْ.3

  • الثالثة: نقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ أنّه قال: إنّ الذي شجّ رسول الله صلى الله عليه و آله في جبهته ابن شهاب، و الذي أشظى رباعيّته و أدمى شفتيه عُتبة بن أبي وقّاص، و الذي أدمى وَجْنَتَيْهِ حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة، و إنّه سال الدم من الشجّة التي في جبهته حتى أخضل

    1. -« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 5، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
    2. العاثور حفرة تُحفر للأسد. و يعني البئر أيضاً. جمعه عواثر و عواثير.
    3. -« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 17 و 18، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

معرفة الإمام ج۱۳

77
  • لحيته. و كان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه و رسول الله صلى الله عليه [و آله] يقول: كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَ هُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى؟! فأنزل الله تعالى قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ.1 و2

  • و نجد هنا أنّ الذات الأحديّة المقدّسة العزيزة العظيمة لا تُبقى لنبيّها حتى رجاءً واحداً، و تسلب منه الحكم بعدم الفوز و الفلاح، و يقول بجدّ: أنت عبدي و ليس لك أن تتدخّل في أمري! كيف تحكم بعدم فلاحهم؟! إنّي أنا الله، إنّي ذو العزّة و الجلال، و لا يرد في عظمتي حتى رجاء الغير و حكمه، و إن كان صادراً من خاتم الأنبياء و المرسلين.

  • الرابعة: نقل أمين الإسلام أبو عليّ الفضل بن الحسن في كتاب «إعلام الوري» عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: انهزم الناس عن رسول الله يوم احُد فغضب غضباً شديداً، وَ كَانَ إذَا غَضِبَ انْحَدَرَ مِنْ وَجْهِهِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ مِنَ العَرَقِ. فنظر فإذا عليّ عليه السلام إلى جنبه فقال: مَا لَكَ لَمْ تَلْحَقْ بِبَنِي أبِيكَ! فقال عليّ عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أ كُفْراً بَعْدَ الإسْلَامِ؟ إنَّ لي بِكَ اسْوَةً- الحديث.3

  • و نحن نعلم مقام مولى المتّقين عليه السلام و عظمته و إيثاره و اخوّته و تضحيته و سوابقه المتألّقة، بَيدَ أنّ المكان هنا هو مكان العزّة، و رسول الله

    1. الآية 128، من السورة 3: آل عمران.
    2. -« شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 4. و ذكره أيضاً ابن هشام في سيرته ج 3، ص 597، و مير خواند في« روضة الصفا» ج 2 من الطبعة الحجريّة، و الطبريّ في تاريخه، طبعة دار المعارف، مصر، ج 2، ص 515. و قال الواقديّ في مغازيه، ج 1، ص 320 بعد ذكر هذه الآية المباركة عند تفسير قوله: فَإنَّهُمْ ظَالِمُونَ: يعني الذين انهزموا يوم احُد.
    3. -« إعلام الوري بأعلام الهدي» ص 91.

معرفة الإمام ج۱۳

78
  • في مقام الوحدة المنيع لا يستطيع أن يرى شخصاً آخراً غيره حتى لو كان عليّاً. و لهذا قال: «ما لك لم تذهب»؟! إلّا أن يصير عليّ هنا نفس النبيّ، و قد صار كذلك، و قال: أنا معك! «إنّ لي بك اسوة»!

  • و هذا الخطاب هو ما ينبغي أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله كما ينبغي أن يُلقى مثل ذلك الجواب من أمير الموحّدين، تماماً كخطاب سيّد الشهداء عليه السلام أخاه أبا الفضل و أولاد عقيل ليلة عاشوراء.

  • الخامسة: ذكر ابن هشام في سيرته قائلًا: لمّا رأى رسول الله صلى الله عليه و آله جسد حمزة و قد مُثِّل به قال: لَوْ لا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ، وَ يَكُونَ سُنَّةَ مِنْ بَعْدِي، لَتَرَكْتُهُ حتى يَكُونَ في بُطُونِ السِّبَاعِ وَ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ. وَ لَئِنْ أظْهَرَنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ في مَوْطِنٍ مِنَ المَوَاطِنِ لأمْثُلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ.1

  • و نقل ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ هذه الآية نزلت: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.2 و3

  • لا يقاوم شيء في مقام العِزّة الربوبيّة

  • و نلحظ هنا أيضاً أنّ الله جعل نبيّه في ظلّ ذلّ العبوديّة المحضة و خاطبه قائلًا: ليس لك أن تحكم، فالحكم للّه، و هو الذي أمر أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، لا أكثر، و في الوقت نفسه، فإنّ رفع اليد عن

    1. -« سيرة ابن هشام» ج 3، ص 610 و 611. و ذكر الطبريّ في تاريخه، ج 2، ص 529، طبعة دار المعارف، مصر: كانت صفيّة اخت حمزة لأبيه و امّه. و قال رسول الله لابنها الزبير بن العوّام: إلقها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير و أبلغها. فقالت: لِمَ أرجع! و ذلك في الله قليل. فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ و لأصبرنّ إن شاء الله.
    2. الآيتان 126 و 127، من السورة 16: النحل.
    3. -« سيرة ابن هشام» ج 3، ص 611.

معرفة الإمام ج۱۳

79
  • العقوبة أفضل، و هو محمود دائماً عند المؤمنين بالله.

  • و هذه الآية قائمة على أساس قانون العدالة، و قانون الأخلاق الكريمة في آن واحد. و هذان القانونان كلاهما محمودان و مرضيّان. و ينبغي أن يتجلّيا في نبيّ الله المتخلّق بأخلاق الله من طريق أولى، كما ينبغي أن يعمل بهما أفضل من غيره و أكثر. فلهذا، يأمر مقام العبوديّة المطلقة قائلًا: إصبر. و كان صلى الله عليه و آله يصبر في كلّ موطن و موضع، و لم يمارس أعماله من وحي الثأر و الانتقام، و كان يتعامل مع الناس كافّة بالمواساة و المساواة. صلى اللهُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!

  • صبر رسول الله صلى الله عليه و آله و إحسانه

  • و جاء في كتب التأريخ جميعها أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: «لئن أظهرني الله لأمثلنّ بثلاثين منهم»، و انفرد صاحب «روضة الصفا» بقوله: بسبعين منهم.

  • و لعلّ درجة الإحسان تكون من نصيب المؤمن في مثل هذه المواطن من الصبر و التحمّل، إذ قال تعالى بعد الآيتين المذكورتين: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.1

  • و في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله سئل عن مقام الإحسان، فقال اعْبُدِ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ!

  • أجل، إنّ هدفنا من الإسهاب في الحديث عن غزوة احُد هنا عند شرحنا آية الهداية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ2 هو أن يعلم الجميع أنّ الفاتح الوحيد و المتحمّس الحميم و المضحّي المتفاني و المولَع برسول الله أيّ ولع، و الحامي الفريد له، و الذابّ الحقيقيّ عن

    1. الآية 128، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 144، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

80
  • الإسلام و القرآن هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و أنّ أبا بكر، و عمر، و عثمان كانوا من الفارّين، و أنّ الآية الكريمة: و ما محمد إلا رسول ... أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، نزلت فيهم و في أترابهم و نظائرهم.

  • و هؤلاء الذين تحمّسوا من أجل الإسلام بعد وفاة النبيّ و رفعوا عقيرتهم: وا إسلاماه! هم الذين تركوا النبيّ وحده بالأمس، و أودعوه بين الحديد و النار بأيدي المتهوّرين من مشركي قريش، و أنقذوا أنفسهم منهزمين إلى الجبل، و كان أحدهم كالارْويّة على حدّ تعبيره.

  • و ليس اعتباطاً حين يطلب رسول الله صلى الله عليه و آله كتفاً و دواةً ليُحْكِمَ أمر عليّ بن أبي طالب، أن ينسبه عمر إلى الهَجْر و الهذيان و التخريف. و في الوقت نفسه يتلو رسول الله هذه الآية لفلذّة كبده فاطمة الزهراء عليها السلام و يقول لها: بُنيّتي فاطمة: اقرئي هذه الآية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- إلى آخر الآية.

  • اللحظات الأخيره من عمر رسول الله و وصيّته لفاطمة عليها السلام

  • قال الشيخ الكبير و المفسّر العظيم أمين الإسلام أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسيّ قدّس الله نفسه صاحب تفسير «مجمع البيان» في كتابه النفيس الممتع «إعلام الوري»: وضع عليّ بن أبي طالب عليه السلام رأس رسول الله صلى الله عليه و آله في حجره، فاغمي عليه، و أكبّت فاطمة تنظر في وجهه و تندبه و تبكي و تقول:

  • وَ أبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ***ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ

  • ففتح رسول الله صلى الله عليه و آله عينيه و قال بصوت ضئيل: يَا بُنَيَّةُ! هَذَا قَوْلُ عَمِّكِ أبِي طَالِبٍ، لَا تَقُولِيهِ! وَ لَكِنْ قُولِي: «و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم».

  • فبكت طويلًا فأومأ إليها بالدنو منه. فدنت إليه. فأسرّ إليها شيئاً تهلّل

معرفة الإمام ج۱۳

81
  • له وجهها.1 ثمّ قضى و يد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها. ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ عليه إزاره و اشتغل بالنظر إلى أمره.

  • فسئلت: ما الذي قال لك رسول الله فسرى عنك؟! قالت: أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به و أنّه لن تطول المدّة بي بعده حتى أدركه فسرى ذلك عنّي.2

  • و من الواضح هنا أنّ رسول الله لم يُرِدْ أن يمنع فاطمة من حقيقة و مفاد الشعر الرفيع الذي أنشده أبو طالب عليه السلام. بل أراد أن يُشعرها بأنّ يوماً عصيباً ينتظرها، و أنّ الراجعين عن الإسلام سوف يقتلونها و يغصبون حقّها و حقّ بعلها، و كلّهم سيعودون إلى البربريّة و الجاهليّة حسب هذه الآية. و أنّها و بعلها عليّ بن أبي طالب من الشاكرين، و أنّ ذيل الآية: وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ تعنيهما.3

  • معرفة الإمام ؛ ج13 ؛ ص81
    1. روى البخاريّ في صحيحه، ج 6، ص 10، طبعة بولاق، باب مرض النبيّ من كتاب النبيّ بسنده عن عائشة قالت: دعا النبيّ صلى الله عليه و آله فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه، فسارّها بشيء فبكت. ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت. فسألنا عن ذلك، فقالت: سارّني النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم أنّه يُقبض في وجعه الذي توفّي فيه فبكيت. ثمّ سارّنى فأخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكتُ.
    2. -« إعلام الورى بأعلام الهدي» ص 143. و ذكرها الشيخ المفيد أيضاً في« الإرشاد» ص 173، طبعة إسلاميّة الحديثة سنة 1364 ه-. ش. و روى ابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 193، بسنده عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ دعا رسول الله صلى الله عليه و آله فاطمة فقال: إنّي نُعِيَتْ إلَيّ نفسي. قالت: فبكيتُ. فقال: لا تبكِ فإنّكِ أوّل أهلي بي لحوقاً فضحكتُ. و قال رسول الله« إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ» و جاء أهل اليمن و هم أرقّ أفئدة و الإيمان يُمَان، و الحكمة يمانيّة.( فاستعدّ للارتحال إلى ربّك بالحمد و التسبيح و الثناء، فهو التوّاب الغفّار).
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

82
  • كيف يمكن أن نتصوّر أنّ رسول الله يمنع بنته من شعر حاميه و معينه و ناصره الوحيد في مكّة في حين أنّه عند ما ذكر شعر أبي طالب سُرَّ سروراً بالغاً حتى ضحك من شدّة السرور و الفرح؟

  • شعر أبي طالب في مدح رسول الله صلى الله عليه و آله

  • ذكر عليّ بن عيسى الإربليّ في باب معجزات رسول الله أنّ من معجزاته نزول المطر بدعائه صلى الله عليه و آله، و ذلك حين شكا إليه أهل المدينة فدعا الله، فمطروا حتى أشفقوا من خراب دورها فسألوه في كشفه، فقال: اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَ لَا عَلَيْنَا. فَاسْتَدَارَ حتى صَارَ كَالإكْلِيلِ و الشَّمْسُ طَالِعَةٌ في المَدِينَةِ، و المَطَرُ يَجِيءُ عَلَى مَا حَوْلَهَا يرى ذَلِكَ مُؤْمِنُهُمْ وَ كَافِرُهُمْ.

  • فضحك صلى الله عليه و آله و قال: لِلَّهِ دَرُّ أبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيَّاً قَرَّتْ عَيْنَاهُ. فقام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قال: يا رسول الله! كأنّك تريد قوله:

  • وَ أبْيَضَ يُسْتَسْقَي الغَمَامَ بِوَجْهِهِ***ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرَامِلِ

  • يَطُوفُ بِهِ الهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ***فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمَةٍ وَ فَوَاضِلِ 1

  • و أخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: ربّمأ ذكرتُ قول أبي طالب و أنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه و آله على المنبر يستسقى. فما ينزل حتى يجيش كلّ ميزاب:

  • وَ أبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ 2 بِوَجْهِهِ***ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ 3

    1. -« كشف الغمّة» ص 9، الطبعة الحجريّة.
    2. قال في« جامع الشواهد»: الغمام منصوب بنزع الخافض. يعني: من الغَمام- انتهى. فيكون قوله:« بوجهه» نائب فاعل للفعل المجهول: يُسْتَسْقَى.
    3. -« شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطيّ، ج 1، ص 398. علماً أنّ ابن هشام صاحب كتاب« مغني اللبيب» ذكر هذا البيت في مُغنيه، الباب الأوّل، حرف( رُبَّ) و قال: قوله:« و أبيض» مجرور برُبّ المحذوفة، أي، و ربّ أبيض، و ربّ هنا للتقليل. و على هذا النهج ذكر« جامع الشواهد» هذا البيت مع البيتين الآخرين. أمّا السيوطيّ فقد قال في« شرح شواهد المغني»:« أبيض» منصوب بالعطف على قوله:« سيّداً» لا مجروراً بواو رُبّ( و الواو واو العطف لا واو رُبّ). و ممّن نبّه على ذلك الدمامينيّ ثمّ ابن حجر في« شرح البخاريّ» انتهى. أقول: يتمّ هذا الكلام إذا كان« سيّداً» في البيت السابق للبيت الذي فيه قوله:« و أبيض» و أمّا على فرض بعديّته، فلا يتمّ كما يستبين ذلك من كلام السيوطيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

83
  • و روى البيهقيّ في «دلائل النبوّة» عن أنس أنّ أعرابيّاً جاء فقال: يا رسول الله! لقد أتيناك مَا لَنَا بعيرٌ يَنَطُّ،1 وَ لَا صَبِيّ يَصِيحُ. فصعد صلى الله عليه و آله المنبر ثمّ رفع يديه فقال: اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً، مَرِيَّاً مَرِيعاً، غَدَقاً طَبَقاً، عَاجِلًا غَيْرَ رَابِثٍ،2 نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ! فما ردّ يديه في نحره حتى ألقت السماء بأردافها، و جاءوا يضجّون: الغَرَقَ الغَرَقَ.

  • فضحك رسول الله صلى الله عليه و آله حتى بدت نواجذه، ثمّ قال: لِلَّهِ دَرُّ أبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيَّاً قَرَّتْ عَيْنَاهُ، مَنْ يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ؟ فقام عليّ عليه السلام فقال: يا رسول الله! كأنّك أردت قوله:

  • وَ أبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ بِوَجْهِهِ***ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ

  • يَلُوذُ بِهِ الهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ***فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمَةٍ وَ فَوَاضِلِ 3

  • و قال السيوطيّ أيضاً: هذا من قصيدة لأبي طالب يمدح بها النبيّ صلى الله عليه و آله و يصف تمالؤ قريش عليه، و أوّلها:

  • وَ لَمَّا رَأيْتُ القَوْمَ لَا ودَّ فِيهِمُ***وَ قَدْ قَطَعُوا كُلَّ العُرَى وَ الوَسَائِلِ

  • إلى أن قال:

    1. في« الأمالي» للمفيد: يئطّ. و أطَّ الإبل: حنَّت.
    2. و فيه أيضاً: غير رائث، و راث: أبطأ.
    3. -« شرح شواهد المغني» للسيوطيّ، ج 1، ص 398.

معرفة الإمام ج۱۳

84
  • كَذَبْتُمْ وَ بَيْتَ اللهِ نُبْزِي مُحَمَّداً***وَ لَمَّا نُطَاعِنْ حَوْلَهُ وَ نُنَاضِلِ

  • وَ نُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ***وَ نَذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا وَ الحَلائِلِ

  • و قال:

  • وَ مَا تَرَكَ قَوْمٌ لَا أبَا لَكَ سَيِّداً***يَحُوطُ الذِّمَارَ في مِكَرٍّ وَ نَائِلِ 1

  • و أضاف العلّامة الأمينيّ بعد البيتين اللذين يبدآن بقوله: و أبيض ... و يلوذ به الهلّاك ... هذا البيت:

  • وَ مِيزَانُ عَدْلٍ لا يخيسُ شَعِيرَةً***وَ وَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ هَائِلِ 2

  • يستبين من هذه المطالب أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله كان يحبّ السيّد أبا طالب حبّاً شديداً، و كان يهتمّ بشعره اهتماماً تامّاً، بَيدَ أنّه كان يرى في تلك المرحلة العصيبة- و هو على فراش الموت- و قائع مقلقة إلى درجة أنّ شعر أبي طالب يُنسى معها.3

    1. -« شرح شواهد المغني» للسيوطيّ، ج 1، ص 395 إلى 398.
    2. -« الغدير» ج 7، ص 346، عن« شرح صحيح البخاريّ» للقسطلاني، ج 2، ص 227؛ و« المواهب اللدنّيّة» ج 1، ص 48؛ و« الخصائص الكبرى» ج 1، ص 86 و 124؛ و« شرح بهجة المحافل» ج 1، ص 119؛ و« السيرة الحلبيّة» ج 1، ص 125؛ و« السيرة النبويّة» لزيني دحلان في حاشية« الحلبيّة» ج 1، ص 87؛ و« طلبة الطالب» ص 42.
    3. كان الدليل الواضح على أنّ قصد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله من عدم قراءة شعر أبي طالب، و تلاوته هذه الآية، لفت أنظار المسلمين إلى ارتداد و كفر طلّاب السلطة من الصحابة. فقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات القرآنيّة في مقام و شأن و عظمة النبيّ و المؤمنين الحقيقيّين، كالآية 29 من السورة 48: الفتح: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... إلى آخر الآية. و الآية 2 من السورة 47: محمّد صلى الله عليه و آله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ. و حينئذٍ ما هو الداعي لرسول الله أن يغضّ الطرف عن تلاوة هذه الآيات، و يقرأ آية تدلّ على ارتداد الصحابة و كفرهم بعد وفاته؟

معرفة الإمام ج۱۳

85
  • هل يمكن أن نتصوّر خطراً أكثر من طعن رسول الله بالهذيان و التخريف؟ و من ثمّ عزل وليّ الدين الأعظم عليّ المرتضى سيّد الوصيّين أحد الثقلَين عن رئاسة المسلمين و زعامتهم؟ و التجرّؤ على ساحة الرسول الأكرم بوصفه بالهجر حين طلب كتفاً و دواة ليُحكم أمر عليّ، و يعلن للناس وصايته بتعليمات خطّيّة مؤكّدة، ناهيك عن خطبه و كلماته التي كان يُدلي بها! و إثارة الضجّة برفع الصوت عالياً بكلمة: كَفَانَا كِتَابُ اللهِ، و إكثار اللغط و الجَلَبة و الضوضاء؟ و إيذاء رسول الله و إعناته، ليفارق الدنيا مغموماً مهموماً حزيناً، بعد ثلاث و عشرين سنة من القيام بمهمّة النبوّة؟

  • أمر رسول الله بسدّ الأبواب و الإتيان بالكتف و الدواة لكتابة الوصيّة

  • قال مير خواند- و هو سنّيّ المذهب- في «روضة الصفا»: قالت امّ سلمة: شدّ رسول الله على رأسه المبارك عصابة أيّام مرضه، و صعد المنبر، و استهلّ كلامه بالاستغفار لشهداء احُد، ثمّ أمر بسدّ أبواب الصحابة الشارعة في المسجد إلّا باب عليّ. و قال: لا بدّ من صحبته لي و صحبتي له.

  • قال عمر: يا رسول الله! إئذن لي أن أدع خوخة أرى فيها خروجك من البيت إلى المسجد! فلم يأذن له. فقال أحد الصحابة: يا رسول الله! ما هو المراد من فتح الأبواب؟! و ما سبب سدّها؟ قال: ما بأمري سددتها و لا بأمري فتحتها.

  • (إلى أن قال): روى علماء السير أنّه لمّا اشتدّت العلّة برسول الله و كان أصحابه مجتمعين حوله في حجرته قال: إئتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده. فاختلفوا، فمن قائل: قرّبوا يكتب لكم. و من قائل: هل هذا كلام من اشتدّ به المرض، أم كلام جِدّ؟ فقال عمر: غلب على رسول الله الوجع. عندنا القرآن حسبنا كتاب الله. فمنهم من أيّد

معرفة الإمام ج۱۳

86
  • عمر، و منهم من أصرّ على خلافه و قالوا: قرّبوا له ما أراد، فاختصموا، و علت الأصوات في مجلسه المبارك، و تجاوز الاختلاف حدّ الاعتدال.

  • فقال النبيّ الأقدس صلى الله عليه و آله: قوموا، لا ينبغي عند نبيّ نزاع! و مع ذلك قال: اوصيكم بثلاث: أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب! و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت اجيزهم.

  • روى سليمان هذا عن سعيد بن جبير و قال: لا أعلم، لَمْ يَرَ سعيد بن جبير مصلحة في ذكر الثالثة، أو أنّه ذكرها لكنّ عناكب النسيان نسجت خيوطها في خاطري؟

  • قال ابن عبّاس: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله و بين أن يكتب لهم.1 (إلى أن قال:)

  • قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: أوصى النبيّ في مرضه الذي مات فيه. و لمّا فرغ، نزلت سورة النصر. قلتُ: يا رسول الله! هذه وصيّة المودّعين؟

  • قال: نعم يا عليّ! ضاق صدري من هذه الدنيا. ثمّ اتّكأ، و أغمض عينه لحظة. و لمّا أفاق قال: يا جبرئيل! خذني و فِ بما وعدتني! ثمّ دعاني إليه و وضع رأسه المبارك على منكبي، و شحب لون وجهه الميمون، و تصبّب جبينه عرقاً.

  • حزن فاطمة عليها السلام لفقد أبيها

  • و لمّا رأت فاطمة ما به، قامت لجزعها، و أخذت

    1. هذه المطالب كلّها التي ذكرها مير خواند في« روضة الصفا» أوردها خواند مير في« حبيب السير»، ج 1، ص 419. و قال أيضاً: يرى علماء الشيعة أنّ سبب رفض الصحابة كتابة الكتاب هو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أراد أن يكتب وصيّة في ولاية أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه. و البيتان الآتيان الواردان في كتاب« كشف الغمّة» يُشعران بهذا المعنى:
      أوْصَى النَّبِيّ فَقَالَ قَائِلُهُمْ--قَدْ ضَلَّ يَهْجُرُ سَيِّدُ البَشَر
      وَ أرَى أبَا بَكْرٍ أصَابَ وَ لَمْ--يَهْجُرُ وَ قَدْ أوْصَى إلى عُمَر
      --

معرفة الإمام ج۱۳

87
  • بأيدي الحسنين و صاحت: يا أبتاه! من يرحم حال ابنتك فاطمة بعدك؟ و من يواسي و لديك الحسنين؟! و من يحفظ أفواج الناس القادمين من أطراف الآفاق؟ يا أبتاه! بنفسي أنتَ! ويل اذُني التي لن تسمع كلامك الطيّب، و ويل عيني التي لن ترى وجهك الحسن!

  • و لمّا سمع النبيّ الأقدس صلى الله عليه و آله أنين فاطمة، فتح عينيه و دعاها إليه و وضع يده المباركة على صدر ابنته العزيزة و قال: اللهمّ اربط على قلب فاطمة! ثمّ قال لها: أبشري، فأنتِ أوّل أهلي لحوقاً بي!

  • قال عليّ عليه السلام: قلتُ: يا فاطمة! اسكتي و لا تذرّي الملح على جرح رسول الله! فقال النبيّ: دعها تذرف دموعها على أبيها! ثمّ أغمض عينيه المتعبتين. و قالت فاطمة للحسنين: قوما و ائتيا أبا كما الرحيم! لعلّه ينصحكما بما يسكّن قلبيكما. فامتثل قرّتا عين الزهراء كلام امّهما، و جاءا عند رسول الله. فقال الحسن: يا أبتاه كيف نصبر على فراقك؟! و من الذي نودعه أسرارنا؟! و من يرحمنا أنا و أخي و أبي بعدك؟! ...

  • قال عليّ بن أبي طالب: فبكيتُ جزعاً ...1.

  • و قال رسول الله لعائشة: يا عائشة! عليكِ أن تجلسي في ركن بيتك،

    1. روى سليم بن قيس في كتابه ص 213،( الطبعة الثالثة، النجف) عن ابن عبّاس أنّه قال: سمعت حديثاً من عليّ عليه السلام لم أفهم معناه، سمعته يقول: إنّ رسول الله أسَرَّ إلَيّ في مرضه و عَلَّمني مفتاح ألف باب من العلم يفتح كلّ باب ألف باب. و إنّي لجالس بذي قار في فسطاط عَلِيّ و قد بعث الحسن و عمّاراً يستنفران الناس إذ أقبل عَلِيّ عليه السلام فقال: يا ابن عبّاس! يقدم عليك الحسن و معه أحد عشر ألف رجل غير رجل أو رجلين. فقلت في نفسي: إن كان كما قال فهو من تلك الألف باب. فلمّا أظلّنا الحسن بذلك الجند استقبلتُ الحسن، فقلت لكاتب الجيش الذي معه أسماؤهم: كم رجل معكم؟ فقال: أحد عشر ألف رجل غير رجل أو رجلين.

معرفة الإمام ج۱۳

88
  • و تمسّكي بعروة الصبر و الستر و الحفظ الوثقى كما قال الحقّ تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ.1

  • قال هذا الكلام و بكى بكاءً سجرت به نار المصيبة عند الجميع. قالت امُّ سلمة: ممّ بكاؤك و قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟!

  • قال: إنَّمَا بَكَيْتُ رَحْمَةً لُامَّتِي. ثمّ بشّر فاطمة، فسألته: أين أجدك يوم الفزع الأكبر؟! قال: تجديني على باب الجنّة تحت لواء الحمد، و أنا مشغول باستغفار الرحمن من ذنوب امَّتي ....

  • و وقف عزرائيل على باب حجرة رسول الله المباركة بهيئة أعرابيّ، و قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَوْضِعَ الرِّسَالَةِ! أ تأذنوا لي بالدخول رحمكم الله؟!

  • و كانت فاطمة الزهراء جالسة على فراش أبيها، فقالت: رسول الله مشغول بنفسه فلا تتيسّر زيارته الساعة.

  • ثمّ استأذن مَلَك الموت ثانية فسمع الجواب نفسه. و في الثالثة رفع صوته عالياً حتى رجف لهيبته كلّ من كان حاضراً في المنزل المقدّس.

  • و كان رسول الله صلى الله عليه و آله مغميّاً عليه في تلك الساعة، فأفاق، و فتح عينيه المباركتين و سأل: ما خطبكم! فأخبروه. فقال: يا فاطمة! هل علمتِ مع مَن تكلّمتِ! قالت: اللهُ وَ رَسُولُهُ أعْلَمُ.

  • قال: هَذَا مَلَكُ المَوْتِ، هَادِمُ اللَّذَّاتِ، وَ قاطع الامْنِيَّاتِ، وَ مُفَرِّقُ

    1. الآية 33، من السورة 33: الأحزاب. وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى. هذه الآية تخاطب نساء النبيّ صلى الله عليه و آله. و أشار رسول الله قائلًا لعائشة و هو ينصحها: ما أنتِ و حرب الجمل و ركوبك الجمل تقودين الجيش في ساحة القتال؟! قرّي في بيتك أيّتها المرأة و لا تخرجي من قعره طاعة لهواكِ، و طلباً للرئاسة، و حقداً دفيناً على عليّ عليه السلام!

معرفة الإمام ج۱۳

89
  • الجَمَاعَاتِ، وَ مُرَمِّلُ النِّسَاءِ، وَ مُيَتِّمُ الأوْلَادِ.

  • و لمّا سمعت فاطمة ذلك قالت: يَا مَدِينَتَاهْ! خَرِبَتِ المَدِينَةُ.

  • فَأخذ رسول الله يدها و ضمّها إلى صدره المبارك، و لم يفتح عينيه برهة فظنّ الحاضرون أنّ روحه عرجت إلى ذي العرش. فهمست فاطمة في اذُنه قائلة: يَا أبَتَاهْ! فلم تسمع شيئاً، فقالت: روحي لك الفداء! انظر إليّ و حدّثني!

  • ففتح صلى الله عليه و آله عينيه و قال: يا بُنيّتي! دعي عنكِ البكاء فإنّ حَمَلَة العرش يبكون لبكائكِ. و نَكَفَ الدمع عن وجه عزيزته بيده، و اهتمّ بتسكينها و بشّرها و قال: اللهمّ مُنّ عليها بالصبر لفراقي! و قال لها: إذا قُبضت روحي فقولي: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. يا فاطمة! إنّ كلّ مَن أصابته مصيبة سيرى عنها عوضاً.

  • قالت فاطمة: يا رسول الله! من يكون و ما ذا يكون عنك عوضاً؟! ثمّ أغمض عينيه مرّة اخرى، فقالت فاطمة: وَا كَرباه! فقال رسول الله: لا كرب و لا غمّ على أبيكِ بعد اليوم. أي: أنّ الحزن و الاضطراب اللذين يسيطران على الإنسان سببهما التعلّقات الجسمانيّة، و الآن قطعت علائق البشريّة، و تناهى إلى الأسماع النداء المتمثّل بقوله تعالى: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. و ستسرع الروح اللطيفة الوديعة إلى جوار رحمة ربّ العالمين. و قد شوهد الرَّوح و الريحان و جنّة النعيم، فلن تبقى حسرة و حزن و ألم. ß

  • حديث العلّامة السيّد شرف الدين في فضيلة الزهراء عليها السلام

معرفة الإمام ج۱۳

90
  • 1

    1. ذكر آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ بعض المطالب في كتابه القيِّم« النصّ و الاجتهاد» ص 93 إلى 95، الطبعة الثانية، في المتن و التعليقة، و محصّلها:
      أوّلًا: إنّما فاطمة الزهراء سلام الله عليها بمثابة من القدس تعدل بها مريم ابنة عمران بحكم النصوص الصريحة في السنن المتضافرة الصحيحة، فمنها ما أخرجه ابن عبد البرّ في« الاستيعاب» و غيره من أعلام أثباتهم أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله عادها و هي مريضة. فقال: كيف تجدينك يا بُنيّة؟ قالت: إنّي لوجعة و إنّه ليزيدني أنّي ما لي طعام آكله. قال: يا بُنيّة! أ ما ترضين أنّكِ سيّدة نساء العالمين؟! قالت: يا أبه! فأين مريم ابنة عمران؟! قال: تلك سيّدة نساء عالمها و أنتِ سيّدة نساء عالمكِ! أما و الله لقد زوّجتكِ سيّداً في الدنيا و الآخرة ... إلى آخر الحديث.
      ثانياً: أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من مريم ابنة عمران. و تفضيلها على مريم عليها السلام أمر مفروغ منه عند أئمّة العترة الطاهرة و أوليائهم من الإماميّة و غيرهم. صرّح بأفضليّتها على سائر النساء حتى السيّدة مريم كثير من محقّقي أهل السنّة و الجماعة كالتقيّ السبكيّ، و الجلال السيوطيّ، و البدر، و الزركشيّ، و التقيّ المقريزيّ، و ابن أبي داود، و المناويّ فيما نقله عنهم العلّامة النبهانيّ في فضائل الزهراء، ص 59 من كتابه« الشرف المؤبّد».
      ثالثاً: أنّ فاطمة، و مريم، و خديجة، و آسية أفضل نساء الجنّة. أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في ص 293 من الجزء الأوّل من مسنده. و رواه أبو داود كما في ترجمة خديجة من« الاستيعاب»، و قاسم بن محمّد كما في ترجمة الزهراء من« الاستيعاب» أيضاً.
      رابعاً: أنّ فاطمة و الثلاث خير نساء العالمين. أخرجه أبو داود كما في ترجمة خديجة من« الاستيعاب» بالإسناد إلى أنس. و رواه عبد الوارث بن سفيان كما في ترجمة الزهراء، و خديجة من« الاستيعاب».
      خامساً: أنّ فاطمة سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الامة. أخرجه البخاريّ في ص 64 من الجزء الرابع من صحيحه، و مسلم في باب فضائل فاطمة من الجزء الثاني من صحيحه، و الترمذيّ في الصحيح، و صاحب« الجمع بين الصحيحين»، و صاحب« الجمع بين الصحاح الستّة»، و الإمام أحمد من حديث الزهراء ص 282 من الجزء السادس من مسنده، و ابن عبد البرّ في ترجمتها من استيعابه، و محمّد بن سعد في ترجمتها من الجزء الثامن من طبقاته، و في باب ما قاله النبيّ في مرضه من المجلّد الثاني من« الطبقات الكبرى» أيضاً. و اللفظ الذي نذكره الآن هو للبخاريّ في آخر ورقة من كتاب الاستئذان، من الجزء الرابع من صحيحه، قال: حدّثنا موسى عن أبي عوانة، عن فراس، عن عامر، عن مسروق، قال: حدّثتني عائشة امّ المؤمنين، قالت: إنّا كنّا أزواج النبيّ عنده جميعاً لم تغادر منّا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، لا و الله ما تخفي مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه و آله، فلمّا رآها رحّب، و قال: مرحباً بابنتي، ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثمّ سارت فبكت بكاءً شديداً. فلمّا رأى حزنها، سارّها الثانية، إذا هي تضحك، فقلتُ لها أنا من بين نسائه: خصّكِ رسول الله بالسرّ من بيننا، ثمّ أنتِ تبكين؟! فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه و آله سألتُها: عمّ سارّكِ؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سرّه. فلمّا توفّى قلتُ لها: عزمت عليك بما لي عليكِ من الحقّ لما أخبرتني. قالت: أمّا الآن فنعم، فأخبرتني.
      قالت: أمّا سارّني في الأمر الأوّل فإنّه أخبرني أنّ جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ سنة مرّة، و أنّه قد عارضني به العام مرّتين، و لا أرى الأجل إلّا اقترب، فاتّقي الله و اصبري، فإنّي نِعْمَ السلف أنا لكِ! فبكيتُ بكائي الذي رأيتِ. فلمّا رأى جزعي، سارّني الثانية، قال: يا فاطمة! أ لا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين، أو نساء هذه الامّة؟! فضحكتُ.
      علماً أنّ السيّد شرف الدين ذكر هذين الحديثين أيضاً في كتابه الآخر:« الكلمة الغرّاء» ص 242 و 243.

معرفة الإمام ج۱۳

91
  • و يواصل مير خواند الموضوع فيقول: لمّا دُفن رسول الله، و رجع أصحابه من قبره، جاءوا إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام و عزّوها. فسألتهم قرّة عين النبيّ: دفنتموه؟! قالوا: نعم! قالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا عليه التراب؟! إنّه نبيّ الرحمة! قالوا: يا بنت رسول الله! نحن أيضاً محزونون لهذا المصاب، و لكن لا بدّ من التسليم لحكم الباري سبحانه و تعالى.

  • و جاء في «مقصد أقصي» (/ المقصد الأقصى): كلّما نظرت فاطمة إلى الحسن و الحسين، تحسّرت و تأوّهت لِيُتم ولديها حتى تشبّ النار من قلبها، و يبكي الناس دماً لمصابها، و كان الأحباب و الأصحاب جميعهم يبكون معها و ينشدون هذه الأبيات في مخاطبة سيّد الكائنات و خلاصة

معرفة الإمام ج۱۳

92
  • الموجودات:

  • اى خواجه! زين شكسته دلان تا چه ديدهاى***كز ما رميده جاى دگر آرميدهاى!

  • نشناختيم قدر تو أي ساية خداى***زان روى سايه از سر ما در كشيدهاى

  • اين تنگناى فرش چو در خور تو نبود***مسكن فراز عرش مُعلّا گزيدهاى

  • بى بدرقه به كوى وصالش گذشتهاى***بى واسطه به حضرت خاصش رسيدهاى

  • تو مرغ آشيانه قدسى! غريب نيست***گر باز ازين قفس سوى گلشن پريدهاى

  • ما را شمامهاى بفرست أي گل اميد***زان شمّه كز رياض حقايق شنيدهاى 1

    1. -« روضة الصفا» الجزء الثانى من الطبعة الحجريّة، باب وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله؛ و كذلك ذكر خواند مير أحوال النبيّ أيّام مرض موته في« حبيب السير» ج 1، ص 419 إلى 422.
      يقول:« أيّها السيّد العظيم! ما ذا رأيتَ منّا نحن البائسين فتركتنا و ذهبتَ إلى مكان آخر؟
      ما عرفنا قدرك يا ظلّ الله و لهذا منعتَ عنّا ظلّك.
      لم يَلِقْ بك هذا العالم الضيّق فاخترتَ الإقامة في العرش الأعلى.
      مضيتَ إلى وصاله بلا وداع، و بلغت ساحة قدسه الخاصّة بلا واسطة.
      و لا غرو فأنت طائر عشّه القدسيّ، إذ حلّقتَ ثانية من هذا القفص إلى الرياض.
      أفض علينا شيئاً من العبير الفوّاح يا زهرة الرجاء ممّا تعطّرتَ به مِن رياض الحقائق».

معرفة الإمام ج۱۳

93
  • در كام جان تشنه دلان جرعهاى بريز***زان خمرِ بى خمار كه از حقّ چشيدهاى 1

  • أهمّيّة مقام ولاية رسول الله و خلافته

  • أجل، إنّ محنة رسول الله في مرضه الذي مات فيه يعود معظمها إلى رحمته بالمسلمين، إذ كان يرى امّته بلا راعٍ، و كان يدرك و يفهم جيّداً الخطط المدروسة المدبّرة لعزل أمير المؤمنين عليه السلام، و ترك الامّة بلا إمام و ولى.

  • و كان صلى الله عليه و آله يرى كالشمس الساطعة أنّ خلود نبوّته و حراستها و تثبيت القرآن و تعزيزه منوطان بوجود عليّ بن أبي طالب. و إذا كبراء القوم و رموزهم قد شدّوا عقد مآزرهم بخطط مريبة لاقتلاع هذه الشجرة و التربّع على مسند الإمامة. و الويل للُامّة التعِسة إذا ولى امورها إنسان غير بصير و غير مطّلع.

  • و إذا حلّ الغراب و الحدأة محلّ البلبل في روضة النور و الوحدة و العرفان و المعرفة، و يسجن الطائر الغرِّيد المحلّق في روضة العلم و الدراية و البصيرة في القفص مهيض الجناح. و يجلس الجلّادون و الصيّادون المتربّصون على أريكة الأمر و النهي و الحكومة باسم النصراء و الحماة و الناصحين و المتحمّسين و الأحمّاء، و يبدّلون النبوّة إلى حكومة و رئاسة ظاهريّة.

  • و كان أبو بكر، و عمر، و عثمان، و عبيدة بن الجرّاح، و المغيرة بن شُعبة، و اسيد بن حُضَير، و خالد بن الوليد، و قُنفذ بن عُمير، و سالم مولى أبى حذيفة من الأشخاص المعروفين الذين تخبّطوا كالمجانين لإطفاء نور

    1. يقول:« و اسكب في أفواه الظامئين جرعة من ذلك الخمر الذي ذقته من الحقّ و ليس فيه صداع».

معرفة الإمام ج۱۳

94
  • الولاية.1

  • قال ابن أبي الحديد: و ممّن دخل بيت فاطمة مع عمر و عصابته: اسَيْد بن حُضَيْر، و سَلَمَة بن سَلَامَة بن قُرَيش، و قيس بن شمّاس، و عبد الرحمن بن عوف، و محمّد بن مَسْلَمة و هو الذي كسر سيفَ الزبير.2

  • و كان هؤلاء رجالًا معروفين مشهورين بارزين خُدع عوامّ الناس بإجرائهم المذكور فساروا خلفهم كالدهماء. و تمّ التحرّك نحو الكفر و الضلال و الارتداد عن محور الولاية التي تمثّل روح النبوّة و حقيقتها من قبل شر ذمة قليلة، و سلك سائر الناس مسلكهم كالهمج الرعاع.

  • أمر رسول الله بخروج وجوه المهاجرين و الأنصار في جيش اسامة

  • و عقد النبيّ صلى الله عليه و آله- و هو على فراش الاحتضار- لواء الحرب لشابٍّ يدعى اسامة، و أمره بالخروج من المدينة فوراً. و أصدر

    1. روى الشيخ المفيد في أماليه، طبعة جماعة المدرّسين، ص 49 و 50، بسنده المتّصل عن مروان بن عثمان أنّه قال: لمّا بايع الناس أبا بكر دخل عليّ عليه السلام، و الزبير، و المقداد بيت فاطمة عليها السلام، و أبَوْا أن يخرجوا فقال عمر بن الخطّاب: اضرموا عليهم البيت ناراً. فخرج الزبير و معه سيفه. فقال أبو بكر: عليكم بالكلب. فقصدوا نحوه، فزلّت قدمه و سقط إلى الأرض و وقع السيف من يده. فقال أبو بكر: اضربوا به الحجر، فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر. و خرج عليّ بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية( كلّ ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها و عمائرها إلى تهامة فهو العالية. و كلّ ما كان دون ذلك فهو السافلة) فلقيه ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال: ما شأنك يا أبا الحسن؟! فقال: أرادوا أن يحرقوا عَلَيّ بيتي و أبو بكر على المنبر يُبايَع و لا يدفع عن ذلك و لا ينكره. فقال له ثابت: لا تفارق كفّي يدك حتى اقتل دونك! فانطلقا جميعاً حتى عادا إلى المدينة، و إذا فاطمة عليها السلام واقفة على بابها، و قد خلت دارها من أحد من القوم و هي تقول: لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا و صنعتم بنا ما صنعتم و لم تروا لنا حقّاً.
    2. -« شرح نهج البلاغة» الجزء الثاني من الطبعة ذات الأجزاء الأربعة، ص 19.

معرفة الإمام ج۱۳

95
  • أمراً جازماً جادّاً يقتضي خروج جميع الوجوه المعروفة- الذين ذكر أسماءهم واحداً بعد آخر- تحت لواء اسامة. و كان هدف رسول الله- و هو يرى دنوّ أجله- من ذلك التأكيد و الإبرام و الإصرار بعد الإصرار، و لعن المتخلّفين عن جيش اسامة بذلك التعجيل و التشديد، إخلاء المدينة من شرّ وجود اولئك المدّعين الأظآر،1 و تمهيد الأرضيّة لاستقرار حكومة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ليتحقّق أمر الخلافة بلا منازع ينازعه، و لا تكن هناك عقبة في طريقة.

  • و هل يُرتجى هدف غير هذا من وراء تعبئة ذلك الجيش العظيم بقيادة شابّ كاسامة، و أمر المشيخَة أن ينضووا تحت لوائه و يعملوا بأوامره و التعجيل في تحرّكه و خروجه؟!2

  • قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: لمّا كان يوم الأربعاء في أواخر صفر من السنة العاشرة من الهجرة بُدئ برسول الله صلى الله عليه و آله فحُمّ و صُدّع: فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لُاسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغز باسم الله في سبيل الله فقاتِل من كفر بالله!

  • فخرج بلوائه معقوداً و عسكر بالجُرْف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين و الأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر، و عمر بن الخطّاب، و أبو عبيدة الجرّاح، و سعد بن أبي وقّاص، و سعيد بن زيد،

    1. جمع ظئر، و هي العاطفة على ولد غيرها، و قيل: أ ظئر أعطف من امّ؟
    2. ذكر السيّد هاشم البحرانيّ في ص 602 إلى 606، البابان 75 و 76 من كتابه« غاية المرام» اثني عشر حديثاً عن طريق العامّة، و حديثاً عن طريق الخاصّة حول جيش اسامة. و فيها أنّ رسول الله جعل فيه أبا بكر، و عمر، و عثمان، و أبا عبيدة الجرّاح، و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة، و الزبير، و غيرهم. و لعن من تخلّف عنه. و روى قول رسول الله: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير منهما، في أبي بكر.

معرفة الإمام ج۱۳

96
  • و قُتادة بن النعمان، و سَلمة بن أسلم بن حريش. فتكلّم قوم و قالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين. فغضب رسول الله صلى الله عليه و آله غضباً شديداً فخرج و قد عصب على رأسه عصابة و عليه قطيفة. فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثمّ قال:

  • أمّا بعد؛ أيّها الناس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة. و لئن طعنتم في إمارتي اسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه! زيد بن حارثة من قبله! و أيم الله إن كان للإمارة لخَليقاً و إنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، و إن كان لمن أحبّ الناس إليّ. و أنّهما لمُخيلان لكلّ خير. و استوصوا به خيراً فإنّه من خياركم.1

  • قال هذا ثمّ نزل من المنبر، و ذلك يوم السبت ....

  • و ثقل رسول الله فجعل يقول: أنْفِذُوا بَعْثَ اسَامَة.2

  • ذكر ابن هشام في سيرته أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله استبطأ الناس في بعث اسامة [بن زيد] و هو في وجعه. فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر. و قد كان الناس قالوا في إمرة اسامة: أمّر غلاماً حَدَثاً

    1. روى ابن سعد في الجزء الثاني من طبقاته، ص 248 إلى 250، تحت عنوان: ما قال رسول الله صلى الله عليه و آله في مرضه لُاسامة بن زيد رحمه الله خمسة أحاديث في تأكيد الرسول الأكرم و إصراره على تجهيز جيش اسامة و منها هذا الحديث. و ذكر حديثاً آخر بسنده عن عروة بن الزبير أنّه قال: قد بعث رسول الله صلى الله عليه و آله اسامة و أمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قُتل أبوه و جعفر. فجعل اسامة و أصحابه يتجهّزون و قد عسكر بالجرف. فاشتكى رسول الله و هو على ذلك. ثمّ وجد في نفسه راحة فخرج عاصباً رأسه فقال: أيُّهَا النَّاسُ! أنْفِذُوا بَعْثَ اسَامَةَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَاسْتُعِزَّ بِهِ فَتُوُفِّي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.
    2. -« الطبقات الكبرى» ج 2، ص 190، طبعة بيروت 1376 ه-. ق.

معرفة الإمام ج۱۳

97
  • على جِلّة المهاجرين و الأنصار. فحمد الله و أثنى عليه بما هو له أهل، ثمّ قال: أيّها الناس! انفذوا بعث اسامة! فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله. و إنّه لخليق للإمارة و إن كان أبوه لخليقاً لها.1

  • ثمّ نزل رسول الله صلى الله عليه و آله و انكمش (أسرع) الناس في جهازهم.2

  • خطبة رسول الله في التمسّك بالثقلين

  • روى ابن سعد بسنده عن أبي سعيد الخُدريّ عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال: إنِّي اوشِكُ أن ادْعَى فَاجيبَ، و إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. و إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخَلِّفُونِّي فِيهِمَا!3

    1. -« السيرة النبويّة» ج 4، ص 299 و 300، طبعة بيروت، دار إحياء التراث العربيّ؛ و« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 431، طبعة دار الاستقامة.
    2. -« الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 194، طبعة بيروت.
    3. إنّ من الأدلّة الساطعة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و عظمته هو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله لم يؤمِّر عليه أحداً في جيش. و إذا ما أشخص جيشاً فهو الأمير عليه. و عند ما أمّر أبا بكر ثمّ عمر على الجيش الذي أنفذه لفتح خيبر، و لا ذا بالفرار، لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام موجوداً فيه. بَيْدَ أنّه حينما قال: لُاعطين الراية غداً رجلًا يحبّه اللهُ و رسولُه و يحبّ الله و رسولَه كرّار غير فرّار. و أعطاها عليّاً عليه السلام و أمّره، جعل أبا بكر و عمر تحت قيادته. و لمّا أمر وجوه المهاجرين و الأنصار و أعلامهم أن ينضووا تحت لواء اسامة بن زيد، لم يأمر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك. و كان هذا من أجل أن يبيّن للُامّة أنّ اسامة ابن السبع عشرة- أو الثماني عشرة أو التسع عشرة، أو العشرين، و لم ينصّ أحد على أكثر من ذلك- أهلٌ للإمارة، و غيره ليس أهلًا لها. و للّه درّ ابن أبي الحديد المعتزليّ إذ يقول في قصيدته الرائيّة، و هي إحدى علويّاته السبع، ذاكراً أفضليّة أمير المؤمنين عليه السلام:
      وَ لَا كَانَ في بَعْثِ ابن زِيدٍ مُؤَمَّرا--عَلَيْهِ لِيُضْحِى لإبْنِ زَيْدٍ مُؤَمَّرا
      وَ لَا كَانَ يَوْمَ الغَارِ يَهْفُوا جَنَانُهُ--حِذَاراً وَ لَا يَوْمَ العَرِيشِ تَسَتَّرَا
      وَ لَا كَانَ مَعْزُولًا غَدَاةَ بَرَاءَةٍ--وَ لَا في صَلَاةٍ امَّ فِيهَا مُؤَخَّرَا
      فتى لَمْ يُعَرِّقْ فِيهِ تَيْمُ ابْنُ مُرَّةٍ--وَ لَا عَبَدَ اللَّاتَ الخَبِيثَةَ أعْصُرَا
      إمَامُ هُدى بِالقُرْصِ آثَرَ فَاقْتَضَى--لَهُ القُرْصُ رَدَّ القُرْصِ أبْيَضَ أزْهَرَا
      يُزَاحِمُهُ جِبرِيلُ تَحْتَ عَبَاءَةٍ--لَهَا قِيلَ: كُلّ الصَّيْدِ في جَانِبِ الفَرَا
      --
      ( من القصيدة الثانية لابن أبي الحديد، مع شرح السيّد محمّد صاحب« المدارك» و قد طبع طباعة حجريّة في مجموعة مع المعلّقات السبع و قصيدة البردة).
      نجد أنّ أبا الحديد يعدّ هنا مناقب الإمام في مقابل مثالب أبي بكر و يقول: لم يكن الإمام في جيش اسامة بن زيد الذي كان رسول الله قد جعله أميراً، فيكون اسامة أميره. و لم يرتجف قلب الإمام في مبيته على فراش النبيّ إلى الصباح عند ما هاجر و التحق به أبو بكر في الغار و كان قلب أبي بكر يرتجف. و عند ما نشبت معركة بدر قتل أمير المؤمنين وحده خمسة و ثلاثين رجلًا و قتل الملائكة و باقي المسلمين خمسة و ثلاثين. أمّا أبو بكر فقد استتر في العريش الذي كان قد صُنع للنبيّ في حين لم يستتر أمير المؤمنين فيه. و لمّا أنفذ النبيّ صلى الله عليه و آله أبا بكر ليبلِّغ سورة براءة في مكّة ثمّ عزله و كلّف أمير المؤمنين بذلك، لم يعزله كما لم يُؤَخَّر في صلاة جماعة قطّ. و عليّ هو ذلك الفتى الذي لم يُضرب فيه بتيم بن مُرّة بعِرق، لأنّه ليس من قبيلة أبي بكر، ففيه عِرق أجداد رسول الله. كما لم يسجد أمام اللات الخبيثة و لم يعبدها أزماناً طويلة و أعصاراً متوالية كما كان يفعل أبو بكر. و عليّ هو إمام الهدى الذي أعطى السائل قرصه عند إفطاره فرُدّ له قرص الشمس الأبيض الساطع. و هو الذي أخذه رسول الله يوم المباهلة مع نصارى نجران، إذ جعله و فاطمة و الحسنين عليهم السلام تحت الكساء اليمانيّ فأدخل جبرائيل نفسه تحت الكساء و افتخر بصحبته. فهو جامع الفضائل و المناقب كما جاء في المثل المشهور: كلّ الصيد في جوف الفرا. أي: إذا أردت صيداً صحراويّاً لذيذاً ففتّش عنه في داخل بطن الحمار الوحشيّ، فهو ألذّ و صيده أشقّ.

معرفة الإمام ج۱۳

98
  • قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: ثمّ كان ممّا أكّد له رسول الله صلى الله عليه و آله من الفضل و تخصّصه منه بجليل رتبته ما تلا حجّة الوداع من الأمور المتجدّدة لرسول الله صلى الله عليه و آله و الأحداث التي اتّفقت بقضاء الله و قدره. و ذلك أنّه تحقّق من دنوّ أجله ما كان قدّم الذكر به

معرفة الإمام ج۱۳

99
  • لُامّته. فجعل يقوم مقاماً بعد مقام في المسلمين يحذّرهم الفتنة بعده و الخلاف عليه و يؤكّد وصايته بالتمسّك بسنّته و الإجماع عليها و الوفاق، و يحثّهم على الاقتداء بعترته و الطاعة لهم و النصرة و الحراسة و الاعتصام بهم في الدين، و يزجرهم عن الاختلاف و الارتداد. و كان فيمأ ذكره من ذلك صلى الله عليه و آله ما جاءت به الرواية على اتّفاق و اجتماع من قوله:

  • أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرُطُكُمْ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ. ألَا وَ إنِّي سَائِلُكُمْ عَنِ الثَّقَلَيْنِ!

  • فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَلْقَيَانِي. وَ سَألْتُ رَبِّي ذَلِكَ فَأعْطَانِيهِ. ألَا وَ إنِّي قَدْ تَرَكْتُهُمَا فِيكُمْ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَفَرَّقُوا، وَ لَا تَقْصُرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.

  • أيُّهَا النَّاسُ! لَا الْفِيَنَّكُمْ بَعْدِي تَرْجِعُونَ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ! فَتَلْقَوْنِي في كَتِيبَةٍ كَبَحْرِ السَّيْلِ الجَرَّارِ! ألَا وَ إنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أخِي وَ وَصِيِّي، يُقَاتِلُ بَعْدِي عَلَى تَأوِيلِ القُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ.

  • وَ كَانَ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يَقُومُ مَجْلِساً بَعْدَ مَجْلِسٍ بِمِثْلِ هَذَا الكَلَامِ وَ نَحْوِهِ.

  • ثُمّ إنّه عقد لُاسامة بن زيد بن حارثة الأمرة، و أمره و ندبه أن يخرج بجمهور الامّة إلى حيث اصيب أبوه من بلاد الروم، و اجتمع رأيه عليه السلام على إخراج جماعة من مقدّمي المهاجرين و الأنصار في معسكره، حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرئاسة و يطمع في التقدّم على الناس بالإمارة، و يستتبّ الأمر لمن استخلفه من بعده، و لا ينازعه في حقّه منازع. فعقد له الإمرة على ما ذكرناه، و جدّ صلى الله

معرفة الإمام ج۱۳

100
  • عليه و آله و سلّم في إخراجهم، و أمر اسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف، و حثّ الناس على الخروج إليه و المسير معه، و حذّرهم من التلوّم و الإبطاء عنه.

  • استغفار رسول الله لموتى البقيع و إخباره بإقبال الفتن

  • فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفّي فيها. فلمّا أحسّ بالمرض1 الذي عراه، أخذ بِيَدِ عليّ عليه السلام و اتّبعه جماعة من الناس و توجّه إلى البقيع. فقال للذي اتّبعه: إنّي قد امرت بالاستغفار لأهل البقيع، فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم و قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ، لِيَهْنِئْكُمْ مَا أصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ! أقْبَلَتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يَتْبَعُ أوَّلَهَا آخِرُهَا.

  • ثمّ استغفر لأهل البقيع طويلًا. و أقبل على أمير المؤمنين عليه السلام

    1. قال العلّامة آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في« الفصول المهمّة» ص 86، الطبعة الثانية: كان اليوم الذي عبّأ فيه الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله جيش اسامة و جعل فيه وجوه المهاجرين و الأنصار كأبي بكر، و عمر، و أبي عبيدة، و سعد، و أمثالهم هو أربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة للهجرة. فلمّا كان من الغد، دعا اسامة، فقال له: سر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش. فلمّا كان يوم الثامن و العشرين من صفر، بدأ به صلى الله عليه و آله مرض الموت، فحُمّ و صدّع. فلمّا أصبح يوم التاسع و العشرين و وجدهم مثّاقلين، خرج إليهم، فحضّهم على السير و عقد صلى الله عليه و آله اللواء لُاسامة بيده الشريفة.
      و قال في ص 87: تباطأ جيش اسامة و امتنع عن المسير حتى يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأوّل فخرج صلى الله عليه و آله قبل وفاته بيومين و هو معصّب الرأس محموماً مألوماً. و خطب و غضب من طعنهم غضباً شديداً.
      و قال في ص 88: رجع اسامة إلى المدينة يوم 12 ربيع الأوّل و معه عمر و أبو عُبيدة و كان النبيّ يجود بنفسه. فرجع الجيش باللواء إلى المدينة.
      أقول: هذا هو المشهور عند العامّة. و المأثور عند الخاصّة أنّه توفّى صلى الله عليه و آله لليلتين بقيتا من صفر.

معرفة الإمام ج۱۳

101
  • فقال له: إنّ جبرائيل كان يعرض عَلَيّ القرآن في كلّ سنة مرّة، و قد عرضه عَلَيّ العام مرّتين و لا أراه إلّا لحضور أجلي. ثمّ قال: يا عليّ! إنّي خُيِّرتُ بين خزائن الدنيا و الخلود فيها أو الجنّة، فاخترت لقاء ربّي و الجنّة. فإذا أنا متُّ فاغسلني و استر عورتي، فإنّه لا يراها أحد إلّا أكمه. ثمّ عاد إلى منزله، فمكث ثلاثة أيّام موعوكاً، ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمداً على أمير المؤمنين عليه السلام بيُمنى يديه، و على الفضل بن العبّاس باليد الاخرى حتى صعد المنبر فجلس عليه ثمّ قال:

  • مَعَاشِرَ النَّاسِ! قَدْ حَانَ مِنِّي خُفُوقٌ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي عِدَةٌ فَلْيَأتِنِي اعْطِهِ إيَّاهَا! وَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيّ دَيْنٌ فَلْيُخْبِرْنِي بِهِ! مَعَاشِرَ النَّاسِ! لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَ بَيْنَ أحَدٍ شَيءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْراً أو يَصْرِفُ عَنْهُ بِهِ شَرّاً إلَّا العَمَلُ! أيُّهَا النَّاسُ! لَا يَدَّعِي مُدَّعٍ وَ لَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَ الذي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيّاً لَا يُنْجِي إلَّا عَمَلٌ مَعَ رَحْمَةٍ، وَ لَوْ عَصَيْتُ لَهَويْتُ. اللَهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟!1

    1. روى ابن أبي الحديد هذا الحديث أيضاً في« شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 561، شرح الخطبة 195 من« نهج البلاغة» طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة الكبرى. و خطب الإمام تلك الخطبة لدعوة الناس إلى الجهاد و بيان منزلته الخصيصة من رسول الله صلى الله عليه و آله، و كيفيّة وفاة رسول الله و هبوط الملائكة و عروجهم. و تبدأ الخطبة بقوله: وَ لَقَدْ عَلِمَ المُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنِّي لَمْ أردَّ على اللهِ وَ على رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ.
      و روى السيّد البحرانيّ الحديث الأوّل في« غاية المرام» ص 217 و 218 عن الخاصّة، عن الشيخ الصدوق بسنده المتّصل عن حذيفة بن اسَيْد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: معاشر الناس! إنّي فَرَطُكم و أنتم واردون عَلَيّ الحوض، حوضاً ما بين بُصَري و صَنعاء، فيه عدد النجوم قد حان من فضّةٍ، و إنّي سائلكم حتى تردون عَلَيّ الحوضَ عن الثَّقلين، فانظروا كيف تخلفونّي فيهما؟ الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله و طرفه بيدكم، فاستمسكوا به و لن تضلّوا و لا تبدّلوا في عترتي أهل بيتي فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنَّهما لن يَفتَرقا حتى يَردا عَلَيّ الحوضَ. معاشر أصحابي! كأنّي على الحوض أنتظر من يرد عَلَيّ منكم، و سوف تؤخّر أناسٌ دوني فأقول: يا ربّ! منّي و من امّتي. فيقال: يا محمّد! هل شعرتَ بما عملوا؟ إنّهم ما رجعوا بعدك يرجعون على أعقابهم. ثمّ قال: اوصيكم في عترتي خيراً و أهل بيتي فقام إليه سلمان فقال: يا رسول الله! منِ الأئمّة بعدك؟ أما هم من عترتك؟ فقال: هم الأئمّة من بعدي من عترتي عدد نقباء بني إسرائيل تسعة من صُلب الحسين، أعطاهم الله علمي و فهمي، فلا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، و اتّبعوهم فإنّهم مع الحقّ و الحقّ معهم عليهم السلام.

معرفة الإمام ج۱۳

102
  • ثمّ نزل صلى الله عليه و آله فصلّى بالناس صلاة خفيفة. ثمّ دخل بيته، و كان إذ ذاك في بيت امّ سلمة رضي الله عنها فأقام به يوماً أو يومين. فجاءت عائشة إليها تسألها أن تنقله إلى بيتها لتتولّى تعليله، و سألت أزواج النبيّ في ذلك، فأذِنَّ لها، فانتقل إلى البيت الذي أسكنه عائشة، و استمرّ به المرض فيه أيّاما و ثقل. فجاء بلال عند صلاة الصبح و رسول الله صلى الله عليه و آله مغمور بالمرض فنادى: الصَّلَاةُ يَرْحَمُكُمُ اللهُ. فاوذن رسول الله بندائه فقال: يصلّي بالناس بعضُهم فإنّي مشغول بنفسي، فقالت عائشة: مُروا أبا بكر. و قالت حفصة: مروا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه و آله حين سمع كلامهما و رأى حرص كلّ واحدة منهما على التنويه بأبيها و افتتانهما بذلك و رسول الله حيّ! اكْفُفْنَ فَإنَّكُنَّ صُوَيْحَبَاتُ يُوسُفَ!

  • ثمّ قام صلى الله عليه و آله مبادراً خوفاً من تقدّم أحد الرجلين و قد كان أمرهما بالخروج مع اسامة و لم يكن عنده أنّهما قد تخلّفا. فلمّا سمع من عائشة و حفصة ما سمع علم أنّهما متأخّران عن أمره. فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشبهة. فقام- و أنّه لا يستقلّ على الأرض من الضعف- فأخذ بيده عليّ بن أبي طالب عليه السلام و الفضل بن العبّاس فاعتمد عليهما و رِجلاه

معرفة الإمام ج۱۳

103
  • تخطّان الأرض من الضعف.

  • فلمّا خرج إلى المسجد، وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأوما إليه بيده أن تأخّر عنه! فتأخّر أبو بكر، و قام رسول الله مقامه فكبّر و ابتدأ الصلاة التي كان قد ابتدأها أبو بكر و لم يبن على ما مضى من فعاله. فلمّا سلّم، انصرف إلى منزله و استدعى أبا بكر و عمر و جماعة ممن حضر بالمسجد من المسلمين ثمّ قال: أ لَمْ آمُرْكُمْ أنْ تُنْفِذُوا جَيْشَ اسَامَةَ؟! فقالوا: بلى يَا رَسُولَ اللهِ. قال: فَلِمَ تَأخَّرْتُمْ عَنْ أمْرِي؟! قال أبو بكر: إنّي خرجت ثمّ رجعتُ لُاجدّد بك عهداً! و قال عمر: يا رسول الله! إنّي لم أخرج لأنّني لم احبّ أن أسأل عنك الركب!

  • فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: نَفِّذُوا جَيْشَ اسَامَةَ! نَفِّذُوا جَيْشَ اسَامَةَ! يكرّرها ثلاث مرّات. ثمّ اغميَ عليه من التعب الذي لحقه و الأسَف الذي ملكه1 فمكث هُنيئة مُغميً عليه. و بكى المسلمون، و ارتفع النحيب من أزواجه و ولده و نساء المسلمين و جميع من حضر من المسلمين.

  • منع عمر جلب الكتف و الدواة و قذفه النبيّ بالهجر

  • فأفاق رسول الله صلّى الله عليه و آله فنظر إليهم ثمّ قال: إئْتُونِي بِدَوَاةٍ وَ كَتِفٍ

    1. قال آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في« الفصول المهمّة» ص 90، الطبعة الثانية: كان اسامة ابن سبع عشرة سنة حين أمّره رسول الله على الأظهر. و قيل: كان ابن ثمان عشرة سنة. و قيل: ابن تسع عشرة سنة. و قيل: ابن عشرين سنة. و لا قائل بأنّ عمره كان أكثر من ذلك. و إنّما أمّر عليهم اسامة ليّاً لأعنّة البعض، و ردّاً لجماح أهل الجماح منهم و احتياطاً على الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمّر أحدهم كما لا يخفى، لكنّهم فطنوا إلى كلّ ما دبّر صلى الله عليه و آله فطعنوا في تأمير اسامة، و تثاقلوا عن السير معه، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبيّ صلى الله عليه و آله بربّه. فهمّوا حينئذٍ بإلغاء البعث و حلّ اللواء تارة، و بعزل اسامة اخرى. ثمّ تخلّف كثير منهم عن الجيش كما سمعتَ. فهذه خمسة امور في هذه السريّة لم يتعبّدوا فيها بالنصوص الجليّة إيثاراً لرأيهم في الامور السياسيّة و ترجيحاً لاجتهادهم فيها على التعبّد بنصوصه صلى الله عليه و آله.

معرفة الإمام ج۱۳

104
  • لأكْتُبَ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً!

  • ثمّ اغمي عليه. فقام بعض من حضره يلتمس دواة و كتفاً. فقال له عمر: ارْجِعْ فَإنَّهُ يَهْجُرُ. فرجع و ندم مَن حضر على ما كان منهم من التضييع في إحضار الدواة و الكتف و تلاوموا بينهم و قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. لقد أشفقنا من خلاف رسول الله. فلمّا أفاق صلى الله عليه و آله قال بعضهم: ألّا نأتيك بدواة و كتف يا رسول الله؟! فقال: أ بَعْدَ الذي قُلْتُمْ؟! لَا، وَ لَكِنِّي اوصِيكُمْ بِأهْلِ بَيْتِي خَيْراً. و أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا و بقي عنده العبّاس، و الفضل بن العبّاس، و عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و أهل بيته خاصّة.

  • فقال له العبّاس: يا رسول الله إن يكن هذا الأمر فينا مستقرّاً من بعدك فبشّرنا، و إن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فاقض بنا. فقال: أنْتُمُ المُسْتَضْعَفُونَ مِنْ بَعْدِي. و صمت.1

  • فنهض القوم و هم يبكون قد يئسوا من النبيّ صلى الله عليه و آله.2

  • إنّ ما أوردناه هنا نقلناه عن العالم البصير الفقيه و المتكلّم الإماميّ أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، الشيخ المفيد المولود سنة 336

    1. روى الشيخ المفيد في أماليه، طبعة جماعة المدرّسين، ص 212 بسنده عن زيد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه عليهم السلام، قال: وضع رسول الله صلى الله عليه و آله في مرضه الذي توفّي فيه رأسه في حجر امّ الفضل و اغمي عليه، فقطرت قطرة من دموعها على خدّه، ففتح عينيه و قال لها: مَا لَكِ يَا امَّ الفَضْلِ؟ قالت: نُعِيَتْ إلَيْنَا نَفْسُكَ، وَ أخْبَرتَنَا أنَّكَ مَيِّت. فإن يكن الأمر لنا فبشّرنا، و إن يكن في غيرنا فأوص بنا. فقال لها النبيّ صلى الله عليه و آله: أنتم المقهورون المستضعفون من بعدي.
    2. -« الإرشاد» للشيخ المفيد ص 97 إلى 101، الطبعة الحجريّة، و في الطبعة الحديثة: ص 165 إلى 171، الفصل 52.

معرفة الإمام ج۱۳

105
  • أو 338 ه-، و المتوفّى سنة 413 ه-. و هو على درجة لا توصف من العظمة و الجلالة.

  • يقول علماء الشيعة: كان عمر يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أراد أن يوصي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من ذرّيّته حتى قائمهم صلوات الله عليهم أجمعين خطّيّاً، فلهذا حال دون إحضار الدواة و الكتف، و أخلّ بنظم المجلس و نسب إلى رسول الله الهجر، و من أجل ذلك ظلّ في المدينة و تخلّف عن الخروج في جيش اسامة، و نقض سنّة رسول الله بصراحة، و لم يعمل بقوله صلى الله عليه و آله: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، بل بذل هو و أعوانه قصارى جهودهم من أجل طمس ذلك.

  • و ها نحن نذكر فيما يأتي بحول الله و قوّته هذه المطالب نقلًا عن أوثق كتب أهل السنّة و صحاحهم و نُثبت أنّ هذه المطالب و القضايا كلّها منقولة على لسان أهل السنّة أنفسهم، و مع ذلك يتعصّبون تعصّباً جاهليّاً فيتّبعونه عُمياً على غير بصيرة، و ينكّلون بالشيعة ظالمين لهم حتى ظهور إمام الحقّ الإمام المهديّ عجّل الله فرجه الشريف. إذَنْ يبتني إثباتنا معرفةَ الإمام على أساس قول إجماعيّ اتّفاقيّ لا على أساس خصوص أقوال علماء الشيعة و أحاديث أئمّتهم عليهم السلام و منهاجهم.

  • و سنستعرض هذا الموضوع باسلوب يُقنع كلّ عالِم متتبّع من أهل السنّة و يدفعه إلى التشيّع و الإمامة شاء أم أبى، ذلك أنّ البحث الاجتهاديّ القائم على اسسهم الثابتة في اصول العقائد مُلزم لهم.

  • روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن أبى مُوَيْهِبَة غلام رسول الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله من جوف الليل: إنّي قد امرتُ أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي! فخرج و خرجت معه حتى جاء البقيع

معرفة الإمام ج۱۳

106
  • فاستغفر لأهله طويلًا ثمّ قال (لهم مخاطباً): لِيَهْنِئْكُمْ مَا أصْبَحْتُمْ مِمَّا أصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ! أقْبَلَتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضاً، يَتْبَعُ آخِرُها أوَّلَهَا، الآخرةُ شَرٌّ مِنَ الأولى.1

  • و هذا الدعاء و الاستغفار هو نفسه الذي ذكره الشيخ المفيد إلّا أنّ الشيخ ذكر أنّه ذهب إلى البقيع مع عليّ بن أبي طالب، و جاء هنا أنّه ذهب مع أبي مُوَيْهِبةَ. و لا فرق بينهما في أصل الموضوع، و هو الإخبار عن الفتن المظلمة.

  • نقل الحاكم في مستدركه بسنده عن جماعة، عن عائشة أنّها قالت: إنّ رسول الله بدأه مرضه الذي مات به في بيت ميمونة، فخرج عاصباً رأسه فدخل عَلَيّ بين رَجلينِ تخطّ رجلاه الأرض. عن يمينه العبّاس، و عن يساره رجل.

  • قال عبيد الله (راوي الحديث) أخبرني ابن عبّاس أنّ الذي عن يساره

    1. -« الطبقات الكبرى» ج 2، ص 204، في ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه و آله إلى البقيع و استغفاره لأهله و الشهداء؛ و« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 432، طبعة مطبعة الاستقامة؛ و« المستدرك» للحاكم، ج 3، ص 52.
      و روى ابن شُبَّة أبو زيد عمر بن شُبَّة النميريّ البصريّ المولود سنة 173 ه- و المتوفّى سنة 262 ه- في« تاريخ المدينة» ج 1، ص 87، منشورات دار الفكر، قم سنة 1410 ه-، بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مويهبة قال: أهَبَّنِي رَسُولُ اللهِ، و كان ذلك في جوف الليل، فقال: إنّي قد امرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلقتُ معه. و لمّا أشرف على البقيع قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، لو تعلمون ما نجّاكم الله منه ليهن ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها. الآخرة شرّ من الأولى. ثمّ استغفر لهم، ثمّ قال: يا أبا مويهبة! إنّي قد اعطيت خزائن الدنيا و الخُلد ثمّ الجنّة، فخُيّرتُ بين ذلك و بين لقاء ربّي و الجنّة. فقلتُ: بأبي أنت و امّي! فخذ خزائن الدنيا و الخُلد ثمّ الجنّة! فقال: لا و الله يا أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربّي و الجنّة.

معرفة الإمام ج۱۳

107
  • عليّ.1

  • اتّكاء رسول الله على عليّ و العبّاس، و دخوله حجرة عائشة

  • و روى الطبريّ في تاريخه بسنده عن عائشة قالت: تتامّ برسول الله وجعه و هو يدور على نسائه حتى استُعِزَّ به و هو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يُمَرَّض في بيتي.2 فأذِنَّ له فخرج رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بين رَجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العبّاس و رجل آخر، تخطّ قدماه الأرض عاصباً رأسه حتى دخل بيتي. قال عبيد الله: فحدّثتُ هذا الحديث عنها عبد الله بن عبّاس فقال: هل تدري من الرجل! قلتُ: لا. قال: عليّ بن أبي طالب، و لكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير. و هي تستطيع أن تقول: بين الفضل بن العبّاس و عليّ بن أبي طالب.3

  • و تحمل هذه الروايات أيضاً مضمون ما رواه الشيخ المفيد إلّا أنّ الفارق الوحيد فيها هو أنّ عائشة لم تقدر على النطق باسم عليّ، فقالت: رجل آخر.

  • الروايات الواردة في منع عمر كتابة رسول الله في مرض الموت

  • الروايات الواردة في منع عمر النَّبيّ صلى الله عليه و آله

  • أن يكتب كتاباً في المرض الذي توفّي فيه

  • 1- روى البخاريّ في صحيحه بسنده عن عبيد الله بن عبد الله، عن

    1. -« المستدرك على الصحيحين في الحديث» ج 3، ص 56.
    2. قال ابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 232: في رواية ابن شهاب، قال: قالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها لنساء رسول الله: إنّه يشقّ على رسول الله الاختلاف( التردّد في حجرات زوجاته) فأذِنّ له، فخرج من بيت مَيمونة إلى بيت عائشة.
    3. -« تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 433، طبعة مطبعة الاستقامة؛ و روى ابن سعد مثلها في طبقاته، ج 2، ص 231 و 232؛ و ذكرها ابن هشام في سيرته، ج 1، ص 298، الطبعة الرابعة، بيروت.

معرفة الإمام ج۱۳

108
  • ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ في البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: هَلُمَ1 أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ!

  • فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، وَ عِنْدَكُمُ القُرْآنُ. حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ فَاخْتَصَمُوا، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَهُ عُمَرُ.

  • فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ وَ الاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيّ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: قُومُوا.

  • فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ بَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِن اخْتِلَافِهِمْ وَ لَغَطِهِمْ.2 و3

  • و هذا الحديث من الأحاديث التي لا شكّ في صحّتها و صدورها عند العامّة،4 لأنّ البخاريّ رواه عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن مُعَمَّر،

    1. هَلُمَّ: تعال. و هو لازم، و قد يتعدّى كقوله تعالى: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ و هلمّ اسم فعل يستوي فيه المفرد و الجمع و المذكّر و المؤنّث. و يُصْرَف و يُتَّخذ فعلًا و يُلْحَقُ به ضمير. و يقال في تثنيته: هَلُمَّا، و في تأنيثه: هلمِّي، و في الجمع: هلمّوا.
    2. اللَّغط: الصوت و الجَلَبة، أو أصوات مبهمة لا تُفهم.
    3. ذكر البخاريّ هذا الحديث في كتاب الطبّ و المرضي، في باب قول المريض: قوموا عنّي. ج 7، ص 120 في طبعة بولاق سنة 1312 ه-، و في: ج 4، ص 5، طبعة المطبعة العثمانيّة المصريّة، سنة 1351 ه-، و في: ج 4، ص 6، طبعة مطبعة دار إحياء الكتب العربيّة مع حاشية سندي؛ و نقله البخاريّ أيضاً في كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق، ج 6، ص 9 و 10، و ذكر قوله:« قال بعضهم» مكان قوله:« قال عمر».
    4. و رواها الشيخ المفيد أيضاً في أماليه، طبعة جماعة المدرّسين ص 36 و 37 بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس بهذا المتن عينه. و جاءت كلمة« أبداً» بعد كلمة« بعده». و وردت« قوموا» مكان« قرّبوا»، و تلحظ فيه زيادة في كلام عمر:« لا تأتوه بشيء» أيضاً. و قال في التعليقة: قال العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه: خبر طلب رسول الله صلى الله عليه و آله الدواة و الكتف و منع عمر عن ذلك مع اختلاف ألفاظه متواتر بالمعنى، و أورده البخاريّ و مسلم و غيرهما من محدّثي العامّة في صحاحهم، و قد أورده البخاريّ في مواضع من صحيحه منها في الصفحة الثانية من مفتتحه.

معرفة الإمام ج۱۳

109
  • و كذلك عن عبد الله بن محمّد، عن عبد الرزّاق، عن مُعَمَّر، عن الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس. و لا شبهة عند العامّة في توثيق هؤلاء و تعديلهم.

  • 2- و كذلك روى البخاريّ في صحيحه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وَهَب، عن يونس بن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَجَعُهُ قَالَ: إئْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ! قَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ غَلَبَهُ الوَجَعُ وَ عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَ كَثُرَ اللَّغَطُ.

  • قَالَ: قُومُوا عَنِّي وَ لَا يَنْبَغي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ بَيْنَ كِتَابِهِ.1

  • و هذا الحديث أيضاً من الأحاديث الصحيحة عند العامّة و لا شبهة و لا شكّ في رواته.

  • 3- و كذلك روى البخاريّ عن قَبِيصَة، عن ابن عُيَيْنَة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس أنّه قال:

    1. -« صحيح البخاريّ» ج 1، ص 30، كتاب العلم، باب كتابة العلم، طبعة بولاق مصر، و في طبعة المطبعة العثمانيّة المصريّة: ج 1، ص 22 و 23، و في: طبعة دار إحياء الكتب العربيّة مع حاشية سندي: ج 1، ص 32 و 33.

معرفة الإمام ج۱۳

110
  • يَوْمُ الخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حتى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ. فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: إئْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً. فَتَنَازَعُوا- وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيّ تَنَازُعٌ- فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.

  • قَالَ: دَعُونِي! فَالَّذِي أنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إلَيْهِ. وَ أوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَ أجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ اجِيزُهُمْ، وَ نَسِيتُ الثَّالِثَةَ.1

  • و ذكر مسلم في صحيحه أيضاً، في آخر كتاب الوصايا ثلاثة أحاديث في هذا الشأن. يحمل الأوّل بعينه مضمون هذا الحديث الثالث الذي نقلناه عن البخاريّ لكنّه يختلف عنه فيما يأتي: أوّلًا: جاء مكان قوله: فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ، قوله: وَ قَالُوا: مَا شَأنُهُ؟ أ هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ!

  • ثانياً: ذكر بدل قوله: وَ نَسِيتُ الثَّالِثَةَ، قوله: وَ سَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أوْ قَالَهَا فَانسِيتُهَا.

  • و يحمل الثالث نفسه مضمون الحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ.

  • و من الجدير ذكره أنّ هذين الحديثين أوردهما مسلم بأسناد اخرى غير أسناد البخاريّ، و يتماثلان في المضمون فحسب. و روى الثاني عن

    1. -« صحيح البخاريّ» ج 4، ص 69 و 70، كتاب الجهاد و السير، باب جوائز الوفد، طبعة بولاق، و: ج 2، ص 117، طبعة المطبعة العثمانيّة بمصر، و: ج 2، ص 178، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
      و تتمّة الحديث: يقول يعقوب بن محمّد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب أين تكون؟ فقال: مكّة و المدينة و اليمامة و اليمن. و قال يعقوب: العرج أوّل تهامة.

معرفة الإمام ج۱۳

111
  • إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن مالك بن المِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرّف، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس أنّه قال: يَوْمُ الخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حتى رَأيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إئْتُونِي بِالكَتِفِ وَ الدَّوَاةِ (أوِ اللَّوْحِ وَ الدَّواة)1 اكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً، فَقَالُوا: إنَّ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَهْجُرُ.2

  • و روى أحمد بن حنبل الأحاديث الثلاثة التي نقلناها عن البخاريّ بنفس الأسناد و الألفاظ في ص 325 و 222 و 355 من الجزء الأوّل من مسنده بالتسلسل.

  • أجل، إنّ حديث طلب الدواة و الكتف، و منع عمر، و قذف رسول الله بالهجر و الهذيان، و رزيّة يوم الخميس التي كان يبكي منها ابن عبّاس كلّما ذكرها، كلّ ذلك من القضايا المشهورة و المعروفة عند أصحاب السِّير و السُّنن و الأخبار. نقلها كبار العامّة في كتبهم و أقرّوا بها.3

    1. قال في« المصباح»: اللوح كلّ صحيفة من خشب و كتف، إذا كُتب عليه سمّي لوحاً؛ و الدواة هي التي يُكْتَب فيها.
    2. انظر:« صحيح مسلم» ج 2، ص 15 و 16، طبعة عيسى البابيّ الحلبيّ بمصر، و في طبعة دار إحياء التراث العربيّ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي: ج 3، ص 1257 و 1258، الأحاديث المرقّمة 20 و 21 و 22. و معنى قوله: سكت عن الثالثة، أنّ ابن عبّاس امتنع عن ذكرها. و معنى قوله: انسيتها، أنّ سعيد بن جبير نساها.
    3. ذكر ابن الأثير الجزريّ في كتاب« الكامل في التاريخ» ج 2، ص 320، طبعة بيروت 1385 ه-، الرواية الثالثة التي نقلناها عن البخاريّ. و أورد أبو الفداء الدمشقيّ في« البداية و النهاية» ج 5، ص 227، الحديث الذي نقلناه عن مسلم في صحيحه، و جاء فيه: ما شأنه؟ يهجر استفهموه، و نقله أبو الفداء عن مسلم و البخاريّ كليهما، و الحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ و مسلم. نقله هو أيضاً عنهما.

معرفة الإمام ج۱۳

112
  • ذكر ابن سعد في طبقاته تسعة أحاديث في هذا المجال. و أورد الحديث الأوّل و الثالث- اللذين نقلناهما عن البخاريّ- عن مسلم، و عن يحيى بن حمّاد بسنده عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، و فيه: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ.

  • و أورد حديثاً عن محمّد بن عبد الله الأنصاريّ بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، و حديثاً عن حفص بن عمر الحوضيّ بسنده عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و حديثاً عن محمّد بن عمر بسنده عن جابر، بحديثين آخرين: الأوّل: عن محمّد بن عمر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال:

  • كُنَّا عِنْدَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ النِّسَاءِ حِجَابٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: اغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ وَ أتُونِي بِصَحِيفَةٍ وَ دَوَاةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً! فَقَالَ النِّسْوَةُ: إئْتُوا رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِحَاجَتِهِ! قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: اسْكُتْنَ فَإنَّكُنَّ صَوَاحِبُهُ. إذَا مَرِضَ عَصَرْتُنَّ أعْيُنَكُنَّ. وَ إذَا صَحَّ أخَذْتُنَّ بِعُنُقِهِ!1 فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: هُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ!

  • و أخرجه الطبرانيّ أيضاً في أوسطه عن عمر.2

  • الثاني: عن محمّد بن عمر بسنده عن عكرمة، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنَّ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ: إئْتُونِي

    1. و يمكن أن يكون المعني كالآتي: إذا مرض، تبكين عليه، و إذا صحّ، تأخذن بعنقه.( كناية عن إعناته و إيقاعه في المشقّة).
    2. كما روي الملّا علي المتّقي الهنديّ في« كنز العمّال» ج 3، ص 138، الطبعة الأولى.

معرفة الإمام ج۱۳

113
  • بِدَوَاةٍ وَ صَحِيفَةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: مَنْ لِفُلَانَةَ وَ فُلَانَةَ مَدَائِنِ الرُّومِ؟ إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حتى نَفْتَحَهَا، وَ لَوْ مَاتَ لَا نتَظَرْنَاهُ كَمَا انْتَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ موسى. فَقَالَتْ زَيْنَبُ زَوْجُ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أ لَا تَسْمَعُونَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَعْهَدُ إلَيْكُمْ؟! فَلَغَطُوا، فَقَالَ: قُومُوا! فَلَمَّا قَامُوا قُبِضَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَكَانَهُ!1

  • مقدّمة عمر للحؤول دون كتابة رسول الله

  • و الآن- بعد أن تحدّدت مصادر هذا الحديث في هذه الرزيّة من كتب الصحاح و السنن الموثوقة من الدرجة الأولى لأهل السنّة-2 نعرض فيما يأتي عدداً من الأبحاث حول مفاد ما تقدّم:

  • البحث الأوّل: يستفاد من هذه الأحاديث و الروايات أنّ هذه الواقعة لم تكن مفاجئة، حيث ينكر القوم ابتداءً تخطيط الرسول الأعظم للكتابة،

    1. -« الطبقات الكبرى» ج 2، ص 242، طبعة بيروت، سنة 1376 ه-: ذكر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه و آله أن يكتبه لُامّته في مرضه الذي مات فيه.
    2. أورد المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ رحمه الله في كتاب« أعيان الشيعة» ج 2، ص 226 إلى 232، الطبعة الثانية، من المطالب التي ذكرها الشيخ المفيد في« الإرشاد» و التي نقلناها هنا و كذلك روايات العامّة عن البخاريّ، و مسلم. و ذكر السيّد ابن طاووس كثيراً من هذه الروايات في طرائفه، طبعة مطبعة الخيّام بقم، ص 431 إلى 435 تحت عنوان: منع عمر النبيّ صلى الله عليه و آله عند وفاته أن يكتب كتاباً لا يضلّ بعده أبداً، عن محمّد بن عليّ المازندرانيّ في كتاب« أسباب نزول القرآن»، و عن الحميديّ في« الجمع بين الصحيحين»، و عن مسند أحمد بن حنبل، و صحيح مسلم، و صحيح البخاريّ. و عرض بحثاً كلاميّاً دقيقاً. خاطب عمر و حاكمه و عاتبه في مواطن كثيرة منتحلًا اسم عبد المحمود. فأدان عمر إدانة قاطعة و حمّله آثام الامّة كلّها، و ألقى على عاتقه جميع أسباب الخلافات، و نشوب الحروب و المذابح و النهب و السلب، و ضلال الامّة بعد رسول الله. و عدّه السبب الوحيد للانحراف.

معرفة الإمام ج۱۳

114
  • بل تدلّ القرائن المشهودة على أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله كان يعلم بتآمرهم على حكومة عليّ عليه السلام، لذلك أنفذ جيش اسامة. و كان قد أدرك جيّداً الخطط المدبّرة من خلال الأخبار المبثوثة داخل بيته من قبل حزب النساء المعارضات، و كذلك من خلال الأخبار التي تناهت إلى سمعه من خارج البيت و دارت حول تأخير جيش اسامة و تخلّف أبي بكر، و عمر عن اللحاق به، فلهذا طلب الدواة و الكتف في مثل هذا الظرف على أساس تلك الشواهد و المشهودات.

  • و لم يجتمع عمر و شر ذمته في ذلك المجلس صدفة و بغتة، بل كانوا يجتمعون مراراً في مجالس سابقة و يخطّطون لغصب ولاية المسلمين و إمارتهم. و كان اجتماعه الأخير مع زمرته و أترابه مخطَّطاً له من قبل. و كيف يمكن أن نتصوّر أنّ حضور عمر مع جميع أعوانه- الذين كان عددهم من الكثرة بحيث أوجدوا جبهتين في مجلس الرسول الأكرم و صاحوا و قالوا: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، و بلغ الذمر أنّهم تميّزوا عن الصحابة المؤمنين المطيعين الذين كانوا في حجرة نبيّهم، و زاد لَغَطُهم حتى غلبوهم- كان صدفة، و قد تحقّق بصورة تلقائيّة اعتياديّة! كيف يتسنّى لنا تصوّر ذلك في مجلس زعيم الحاضرين و متكلّمهم فيه عمر الذي حاكاه رفقاؤه في كلامه فاعترضوا على كلام رسول الله؟1

    1. يُستشفّ من أخبار العامّة و أحاديثهم أنّ لعمر صحابة و أتباع و عصابة كما كان لرسول الله صحابة و أتباع. روى العلّامة شرف الدين في« النصّ و الاجتهاد» ص 177، الطبعة الثانية، عن« سنن أبي داود» المثبّتة في هامش شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك، و كذلك في ص 103 من الجزء الثاني لشرح الزرقانيّ الموجود في هامش الصفحة، في باب حجّ التمتّع و كراهة عمر التمتّع بالنساء وسط العمرة إلى الحجّ، قال: وَ هذا ما كَرِهَهُ عُمَر و بعضُ أتباعِهِ فقال قائلهم: أ نَنطلقُ و ذكورنا تقطر؟ من جهة اخرى، لمّا سأل أبو موسى الأشعريّ عمر عن هذه المسألة- وفقاً لرواية الإمام أحمد في ص 50 من الجزء الأوّل لمسنده من حديث عمر- قال له عمر مجيباً: قد علمتُ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد فعله هو و أصحابه و لكن كرهت أن يضلّوا بها معرّسين في الأراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم! و نجد هنا بكلّ وضوح أنّ عمر و أصحابه في جانب، و رسول الله و صحابته في جانب آخر. فافهم و تأمّل و اغتنم.

معرفة الإمام ج۱۳

115
  • رأينا في الحديث الأوّل الذي نقله البخاريّ أنّ ابن عبّاس يقول: اختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. و منهم من يقول ما قاله عمر. أي: أنّ رسول الله يهجر. و يتبيّن هنا أنّ عمر كان إمام المعترضين و زعيمهم، و أوّل من نطق بهجر رسول الله.

  • البحث الثاني: لا شكّ و لا شبهة أنّ الجملة التي تفوّه بها عمر هي قوله: إنَّ رَسُولَ اللهِ يَهْجُرُ. بَيدَ أنّ أصحاب السنن و الأخبار لمّا رأوا أنّ كلمته مستهجنة جدّاً، أرادوا أن يخفّفوا من استهجانها، و يدافعوا عن أدب عمر فاستبدلوا بها كلمتهم: إنَّ النَّبِيّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ.

  • نسبة عمر الهجر إلى رسول الله صلى الله عليه و آله

  • و الدليل على كلامنا رواية ذكرها ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» بتخريج أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب «السقيفة» بإسناده إلى ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولُ اللهِ الوَفَاةُ وَ في البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: إئْتُونِي بِدَوَاةٍ وَ صَحِيفَةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ (قَالَ): فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أنَّ الوَجَعَ قَدْ غَلَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، ثُمَّ قَالَ: عِنْدَنَا القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ.

  • فَاخْتَلَفَ مَنْ في البَيْتِ وَ اخْتَصَمُوا فَمِنْ قَائِلٍ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ، وَ مِنْ قَائِلٍ: مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغَطَ وَ اللَّغْوَ وَ الإخْتِلَافِ

معرفة الإمام ج۱۳

116
  • غَضِبَ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ: قُومُوا! إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أنْ يُخْتَلَفَ عِنْدَهُ هَكَذَا. فَقَامُوا، فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

  • فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ مَا حَالَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ كِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، يَعْنِي الاخْتِلَافَ وَ اللَّغَطَ.

  • يقول ابن أبي الحديد: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان: محمّد بن إسماعيل البخاريّ، و مسلم بن الحجّاج القُشَيْريّ في صحيحيهما. و اتّفق كافّة المحدّثين على روايته.1

  • و نكتفي هنا بذكر النكتة الآتية التي تمثّل الدليل على ما نقول:

  • يقول هنا: قال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول الله. و هذا صريح أنّ كلمة عمر كانت شيئاً آخراً. و لمّا لم يرغب القوم في ذكر كلمته نصّاً، استبدلوا بها مفادها و معناها. و تلك الكلمة هي الهَجْر.2

  • و دليلنا الآخر هو عقد مقارنة بين الروايات المذكورة، إذ لو وضعناها جنباً إلى جنب و وازنّا بينها، لتبيّن لنا بلا مراء أنّ كلمة عمر كانت قوله: إنَ النَّبِيّ يَهْجُرُ.

  • إنّ البخاريّ الذي ذكر في الصحيحتين الأولى و الثانية اسم المعترض بصراحة- و هو عمر- قال: كانت كلمته: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، بَيدَ أنّه لم يصرّح باسمه في صحيحته الثالثة، و كذلك لم يفعل مسلم في صحيحته، بل قالا بنحو عامّ: قَالُوا، و أوردا كلمة عمر نفسها: يَهْجُر. فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَيَهْجُرُ.3 و قال ابن سعد في طبقاته في

    1. -« شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 20، طبعة دار الكتب العربيّة الكبرى.
    2. هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْراً في نَوْمِهِ أوْ مَرَضِهِ: خَلَطَ وَ هَذَي.
    3. حتى البخاريّ الذي نقلنا عنه الرواية الأولى عن كتاب الطبّ، في باب قول المريض: قوموا عنّي و ذكر فيها هذا اللفظ: فقال عمر، نجد قد أورد هذه الرواية عينها بنفس اللفظ و السند في كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق، ج 6، ص 9 و 10، و قال: قال بعضهم. و ذكر عبارة: و منهم من يقول غير ذلك مكان عبارة: و من قائل ما قال عمر.

معرفة الإمام ج۱۳

117
  • الرواية التي نقلناها عن سعيد بن جُبَيْر: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ. و هنا لمّا لم يتعيّن قائل كلمة: يَهْجُرُ بنفسه، و ذُكر بلفظ: قَالُوا، أو: قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فإنّ الإتيان بكلمة هَجَرَ و يَهْجُرُ لم تُسْتَهْجَنْ بل ذُكرت كما هي.

  • و لكنّنا عند ما نوازن بين هذه الروايات، يستبين لنا جيّداً أنّ قائل كلمة يَهْجُرُ في قولهم: قَالُوا، أو: بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هو عمر نفسه، بَيْدَ أنّ هؤلاء المحرّفين و المبدّلين و حماة أريكة الاستبداد و الظلم استبدلوا بها في تلك الروايات كلمتهم: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ حماية لعمر و لشأنه.

  • تغيير لفظة الهجر من قبل أنصار عمر

  • و قد لاحظنا في إحدى روايات مسلم بن الحجّاج أنّه ذكر عمر بكلامه: أ هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ! و من الواضح أنّ لفظ عمر لا يحمل الاستفهام و الشكّ و قد قال ما قال جازماً، إذ تفوّه بكلمته: هَجَرَ. و إذا بعض المدافعين عنه قالوا: لعلّه قال: هَجَرَ على سبيل الاستفهام، و لا فرق بينهما في الكتابة. ثمّ جاء بعض آخر فأراد أن يثبّت هذا الاستفهام و يؤيّده، فوضع همزة الاستفهام في أوّل الكلمة و قال: أ هَجَرَ؟ ثمّ أضاف مدافعون آخرون جملة: اسْتَفْهِمُوهُ، لتثبيت كلمتهم: أ هَجَرَ؟

  • و نجد في الروايات كثيراً من هذه التصرّفات التي تتّضح للشخص الخبير مواضع التغيير و التحريف فيها. و قد استبان جيّداً من خلال بحثنا هذا، و من خلال عقد المقارنة بين روايات البخاريّ، و مسلم، و ابن سعد أنّ كلمة عمر كانت هَجَرَ و يَهْجُرُ، و لا ريب أنّ التغييرات الواردة في ألفاظ

معرفة الإمام ج۱۳

118
  • الروايات المختلفة نابعة من تدخّل الرواة و المحدِّثين و تحريفهم.

  • البحث الثالث: ما ذا كان يقصد رسول الله صلى الله عليه و آله من الكتابة؟ و ما هو الشيء الذي أراد أن يكتبه فلا تضلّ امّته بعده أبداً؟

  • و يمكننا أن نستخرج الجواب ابتداءً من كلام عمر نفسه: عِنْدَكُمُ القُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ و هو الوارد في صحيحة البخاريّ الأولى. و كذلك من كلامه الآخر: عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، و هو المأثور في صحيحته الثانية. أي: أنّنا نستطيع أن نفهم ما ذا أراد الرسول الأعظم أن يكتب عند ما طلب دواة و كتفاً، و ذلك من خلال كلام عمر نفسه، بلا رجوع إلى الأخبار و الشواهد التأريخيّة، و الروايات و القرائن الموجودة. و لمّا كان عمر في مقام الاعتراض على كتابة رسول الله. قال: حَسْبُنَا كتاب الله و كَفَانَا كتاب الله. و ينكشف لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله كان يريد أن يلحق بالقرآن شيئاً آخراً، أو يجعله حجّة للمسلمين، بَيدَ أنّ عمر منع من إلحاقه بالقرآن أو إفراده بالحجّيّة و الولاية. و ليس هذا الشيء إلّا العترة الطاهرة المتمثّلة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و أبنائه المعصومين.

  • و ذلك هو ما جاءت به الأحاديث المتواترة- بل التي فاقت حدّ التواتر- و هي التي ذكرها الشيعة و العامّة في كتبهم بمئات الأسانيد، و فيها أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله خطب في مواطن عديدة، منها في مرضه الذي مات فيه، حيث ذهب إلى المسجد، فقال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. و نحن قد ذكرنا في بحثنا هذا خطبة رسول الله- حين مرضه- في المسجد حول حجّيّة القرآن و العترة و خلافتهما باللفظ المذكور نقلًا عن الشيخ المفيد في «الإرشاد»،1 و ابن سعد

    1. -« الإرشاد» ص 97، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۳

119
  • في «الطبقات الكبرى».1

  • قصد رسول الله من الكتابة الوصيّة لعليّ

  • و لكنّ القوم لمّا حالوا دون تطبيق تلك الخطب الشفويّة عمليّاً، و حاولوا معارضة ذلك و طمسه، و كان رسول الله يعرف هذا الموضوع، لذلك أراد أن يثبّته و يعزّزه خطّيّاً و هو على فراش المرض، و في يوم الخميس الذي سمّاه ابن عبّاس يوم الرزيّة، أثار عمر الخلاف بجلبته و ضجيجه و لغطه و صياحه و لغوه فجرح مشاعر رسول الله، حتى أعرض صلى الله عليه و آله بوجهه الكريم عنهم و قال لهم: قوموا!

  • فلهذا لمّا قالوا: نأتيك بالدواة و الكتف! قال: أ بَعْدَ الذي قُلْتُمْ؟ لَا، وَ لَكِنِّي اوصِيكُمْ بِأهْلِ بَيْتِي خَيْراً. و يتبيّن أنّ موضوع كتابته هم أهل البيت، بَيدَ أنّه لمّا تعذّرت عليه الوصيّة الخطّيّة، اجتزأ بالوصيّة الشفويّة.

  • و نقرأ في رواية البخاريّ الثالثة و رواية مسلم الأولى اللتين ذكرناهما هنا أنّ رسول الله يوصي بثلاث. و الراوي هو سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. قال: وَ سَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أوْ انسِيتُهَا. سكت ابن عبّاس عن الثالثة، أو قال: و أنا سعيد بن جبير راوي هذا الحديث قد نسيتها. و الواضح هو أنّ

    1. -« الطبقات» ج 2، ص 194، طبعة بيروت؛ و هذا الجزء نفسه، الدرس 181 إلى 185. و من الأدلّة الفاضحة الواضحة اعتراف الشهرستانيّ و كلامه أنّ القائل كان عمر. قال العلّامة الحلّيّ في كتاب« منهاج الكرامة» ص 48 و 49، طبعة عبد الرحيم: و قد ذكر الشهرستانيّ و هو أشدّ المتعصّبين على الإماميّة: أنّ منشأ الفساد بعد إبليس الاختلافات الواقعة في مرض النبيّ صلى الله عليه و آله: فأوّل تنازع في مرضه فيما رواه البخاريّ بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ صلى الله عليه و آله مرضه الذي توفّي فيه، قال: إئتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي! فقال عمر: إنّ صاحبكم ليهجر حسبنا كتاب الله! و كثر اللَّغَط. فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع!

معرفة الإمام ج۱۳

120
  • تلك الوصيّة هي الأمر بالتمسّك بالعترة، و حجّيّة إمارة و ولاية أمير المؤمنين و ذرّيّته حتى الإمام الثاني عشر عليهم السلام، و هو ما جاء في حديث الثَّقَلَين. و لا جرم أنّ ابن عبّاس لم يسكت، و ابن جبير لم يَنْسَ، و إنّما هي ظُلمة عصر السياسة و الاستبداد التي انتهت بسيف الحجّاج بن يوسف الثَّقَفيّ أنست سعيد بن جبير و منعته من ذكرها.1

  • و أمّا الاحتمال القائل إنّ الوصيّة الثالثة هي الوصيّة بجيش اسامة، فليس له محلٌّ من الإعراب هنا، و هو ما ذكره محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على صحيح مسلم نقلًا عن المهلّب. و هذا ليس بِذِي بالٍ فيُسكت ابن عبّاس أو يُنسي ابن جبير.

  • إنّ الدليل الواضح على أنّ المراد من كتابة رسول الله صلى الله عليه و آله الوصيّة بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام هو ما قاله عمر نفسه: إنّي كنتُ أعلم أنّ رسول الله أراد أن يوصي في مرضه لعليّ بن أبي طالب فخالفته و صددته.2

  • ذكر ابن أبي الحديد سفر ابن عبّاس مع عمر إلى الشام، و نقل أنّ عمر أخبره في الطريق بعتابه لأمير المؤمنين عليه السلام لعدم اصطحابه في

    1. هل يعقل أنّ الصحابة الحاضرين في المجلس ينسون وصيّة رسول الله و هم الذين نُقل عنهم جودة حفظهم و قدرة أذهانهم، إذ كانت تُقرأ عليهم القصائد الطويلة مرّة واحدة فيحفظونها، و تُتلى عليهم الخطب البديعة المفصّلة فيحفظونها بلا أدنى تغيير؟ فهل يخال المرء أنّ مثل هؤلاء الرجال ينسون الوصيّة النبويّة الثالثة؟! لا، ليس الأمر كذلك، و لكنّ السياسة الحاكمة الجائرة أرغمتهم على النسيان و عدم الذكر، و ذلك ما أصبح العوبة بِيَدِ اللاعبين و موضعاً لسخرية اولئك الصحابة الجهلاء حقّاً. و لا يخامرنا أدنى شكّ في أنّ تلك الوصيّة هي الوصيّة باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام، و قد ذكرها الراوي.
    2. « صحيح مسلم» ج 3، ص 1258، طبعة دار إحياء التراث، التعليقة رقم 4.

معرفة الإمام ج۱۳

121
  • سفره إلى الشام، و هو يراه واجداً عليه. و بلغ كلامه موضعاً قال فيه: ذُكر جواب عمر لابن عبّاس بطريق آخر و هو قوله: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أرَادَ أنْ يَذْكُرَهُ لِلأمْرِ في مَرَضِهِ فَصَدَدْتُهُ عَنْهُ خَوْفاً مِنَ الفِتْنَةِ وَ انْتِشَارِ أمْرِ الإسْلَامِ، فَعَلِمَ مَا في نَفْسِي وَ أمْسَكَ، وَ أبى اللهُ إلَّا إمْضَاءَ مَا حَتَمَ.1

  • و قد ذكرنا تفصيل هذا السفر في الجزء السابع من كتابنا هذا «معرفة الإمام». و تحدّثنا أيضاً في بعض المواضع عن منع عمر رسول الله من الكتابة.2 و لكنّ حديثنا كان في كلّ موضع حسب مناسبته الخاصّة، و ورد هنا لمناسبة الأمر بالكتابة و حديث الثقلين. لذلك فمضافاً إلى أنّ مطالباً بديعة و واضحة قد مرّت في كلّ موضع، فهذا الموضع أيضاً قد فصّلنا فيه إجمالًا، بَيدَ أنّه ليس فيه تكرار أبداً، بل إنّ المطالب فيه جديدة أيضاً.

  • قبول القرآن دون قبول كلام الرسول خطأ فادح

  • البحث الرابع: لو تغاضينا عن الوصاية لأمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ كلام عمر: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وَ عِنْدَكُمُ القُرْآنُ خطأ في حدّ نفسه سواء أوصى النبيّ لأمير المؤمنين بالخلافة أم لم يُوصِ، ذلك أنّ لكلام3

  • معرفة الإمام ؛ ج13 ؛ ص121
    1. -« شرح نهج البلاغة» ج 3، ص 14، سطر 27 و 28، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة الكبرى. و ذكر العلّامة البحرانيّ في« غاية المرام» ص 595 إلى 620، سبعة عشر حديثاً عن طريق العامّة، منها ثمانية عن ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة»، و سبعة عن صاحب كتاب« سير الصحابة»، كما ذكر حديثين عن طريق الخاصّة: أحدهما: مفصّل جدّاً عن كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ، و الآخر عن مؤلّف كتاب« الصراط المستقيم». و كلّها تدور حول تجرّؤ عمر بن الخطّاب علي رسول الله، إذ كان يعلم أنّ النبيّ أراد أن يكتب نصّاً علي ولاية عليّ عليه السلام في مرضه الذي مات فيه.
    2. كما في الدرس 14، الجزء الأوّل من كتابنا هذا« معرفة الإمام» الدرس 91 إلى 93 من الجزء السابع منه. و الدرس 110 إلى 115 من الجزء الثامن منه.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

122
  • رسول الله حُجّيّة في كلّ موضوع حسب ما نصّ عليه القرآن الكريم. قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.1 و قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.2 و قال: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ.3 و قال: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.4 و قال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ.5

  • في ضوء هذه الآيات القرآنيّة و آيات كثيرة غيرها، تكون طاعة الرسول واجبة كطاعة الله المتمثّلة في كتاب الله. و أنّ فرز حُجّيّة القرآن عن حُجّيّة كلام الرسول جمع بين المتناقضين.6

  • مضافاً إلى ذلك أنّ القرآن نفسه يثبت وجوب قبول قول النبيّ. و أنّ العمل بالكتاب دون طاعة الرسول نقض للعمل بالكتاب. إذن كان عمر أوّل مَن رفض السُّنَّة، أي: أوّل من تجاهل و أهمل قول رسول الله. بل هو لم يعمل حتى بقوله: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فهو قد رفض الكتاب و السنّة معاً

    1. الآية 80، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 59، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 64، من السورة 4: النساء.
    4. الآية 7، من السورة 59: الحشر.
    5. الآيات 19 إلى 22، من السورة 81: التكوير.
    6. ألّف أحمد أمين المصريّ كتاباً في اخريات حياته تراجع فيه عن كثير من التهم التي كان قد لصقها بالشيعة في كتابَيْه:« فجر الإسلام»، و« ضحى الإسلام»، و كتابه المذكور في الحقيقة كتاب توبة و إن لم يصرّح فيه بالتوبة و الاعتذار. قال في ص 12 منه: وَ أمّا السُّنَّة فهي أهمّ مصدر بعد القرآن، و قد تجرّأ قوم فأنكروها و اكتفوا بالعمل بالقرآن وحده. و هذا خطأ. ففي السُّنَّة تفسير كثير من النبيّ صلى الله عليه و آله في القرآن. ثمّ يشرح أحمد أمين هذا الموضوع بشكل مفصّل نسبيّاً.

معرفة الإمام ج۱۳

123
  • و نبذهما جانباً. أمّا الشيعة فقد عملوا بالكتاب و السنّة كليهما. فهم السنّة الحقيقيّون حقّاً. أمّا السُّنَّة فلا كتاب لهم و لا سنّة، إذ رفضوا السنّة، و من ثمّ رفضوا الكتاب، مع ذلك فإنّهم وضعوا لهم اسماً بلا مسمّى و لا محتوى، أي: أهل السنّة و التابعين كلام رسول الله، و سمّوا الشيعة رافضةً، في حين هم الرافضة أنفسهم، و الشيعة هم السنّة الحقيقيّون. و هذه مكيدة من مكائدهم إذ يرون أنفسهم محقّين من خلال اسم و نسبة غير صحيحة، و يرون الشيعة مبطلين بلا دليل مقنع.

  • البحث الخامس: هل توافق القرآن نسبةُ الهجر و الهذيان إلى رسول الله، أو قولُ: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، و رفع الصوت عالياً عند رسول الله، و نبذ رأيه و تقديم آرائهم مهما كان المنطلق و النيّة؟ فالقرآن الكريم يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.1 لا تُبدوا آراءكم في العمل و الإرادة، و لا تقدّموا آراءكم و عقائدكم بل اتّبعوهما دائماً و اقتفوا أحكامهما!

  • و يقول أيضاً: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ2

  • و يقول بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ.3

    1. الآية 1، من السورة 49: الحجرات.
    2. الآية 2، من السورة 49: الحجرات.
    3. الآية 3، من السورة 49: الحجرات.
      و من العجيب حقّاً أنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر و عمر لمّا تصايحا و تنازعا عند رسول الله. قال السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 196 و 197، الطبعة الثانية: و كان سبب نزولها أن قدم على رسول الله صلى الله عليه و آله ركب من بني تميم يسألونه أن يؤمّر عليهم رجلًا منهم، فقال أبو بكر- فيما أخرجه البخاريّ في تفسير الحجرات من الجزء الثالث من صحيحه ص 127-: يا رسول الله! أمّر عليهم القعقاع بن معبد! متقدِّماً بقوله هذا و مبادراً برأيه. فقال عمر على الفور من قول صاحبه: بل أمّر الأقرع بن حابس أخا بني مجاشع يا رسول الله! فقال أبو بكر: ما أردتَ إلّا خلافي يا عمر. و تماريا جدالًا و خصومةً، و ارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآيات الحكيمة بسبب تسرّعهما في الرأي، و تقدّمهما فيه بين يدي رسول الله و رفع أصواتهما فوق صوته صلى الله عليه و آله.
      ثمّ فسّر السيّد شرف الدين الآية:\i لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ\E كالآتي: نهى عن القول المشعر بأنّ لهم مدخلًا في الامور أو وزناً عند الله و رسوله، لأنّ من رفع صوته فوق صوت غيره، فقد جعل لنفسه اعتباراً خاصّاً، و صلاحيّة خاصّة، و هذا ممّا لا يجوز و لا يحسن من أحد عند رسول الله صلى الله عليه و آله.

معرفة الإمام ج۱۳

124
  • و حينئذٍ ما هو التناسب بين رفع الصوت و الجَلَبة و اللَّغَط لطمس إمامة عليّ المعصوم و آله الطاهرين. و بين موازين القرآن؟ و أيّ صوت و جلبة و لَغَط؟ إنّه الصوت و الجلبة و اللَّغَط الذي آذى رسول الله!

  • البحث السادس: كان عمر يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله هو الاسوة الوحيدة للحقّ و الحقيقة و إقصاء الباطل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً.1

  • و كان يعلم أنّ كلّ دعوة لرسول الله صلى الله عليه و آله هي دعوة إلى الحياة الحقيقيّة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ.2

    1. الآية 21، من السورة 33: الأحزاب.
    2. الآية 24، من السورة 8: الأنفال.

معرفة الإمام ج۱۳

125
  • و كان يعلم أنّ مصير مَن يخالف رسول الله صلى الله عليه و آله و يخاصمه جهنّم. قال تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً.1

  • و كان يعلم قوله تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.2

  • و كان يعلم أنّ قول رسول الله ليس قولًا شعريّاً خياليّاً لفّقه من عنده. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.3

  • كان عمر يعلم ذلك كلّه جيّداً، و هذه آيات كانت تتلى ليل نهار، لعلّ أطفال المدينة كانوا يعلمونها أيضاً. و لا يعقل مسلماً ينسب الهجر أو الكلام الصادر من شدّة الوجع و المحكي عبثاً و لغواً إلى نبيّه أبداً.

  • كان عمر يعرف ذلك بأسره، و أنّ ما نسبه من الهجر إلى رسول الله

    1. الآية 115، من السورة 4: النساء.
      و قال آية الله العلّامة السيّد شرف الدين العامليّ في خطبة كتاب« النصّ و الاجتهاد» هامش ص 50، الطبعة الأولى 1375، بعد الاستشهاد بهذه الآية: أخرج ابن مردويه في تفسير الآية أنّ المراد بمشاققة الرسول هنا إنّما هي المشاققة في شأن عليّ[ بن أبي طالب]. و أنّ الهدى في قوله: بعد ما تبيّن له الهدى إنّما هو شأنه عليه السلام. و أخرج العيّاشيّ في تفسيره نحوه. و الصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة في أنّ سبيل المؤمنين إنّما هو سبيلهم عليهم السلام.
    2. الآيات 1 إلى 5، من السورة 53: النجم.
    3. الآيات 40 إلى 43، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة الإمام ج۱۳

126
  • لم يقله صادقاً، إذ إنّه نفسه لم يعتقد أنّ النبيّ يهجر، بَيدَ أنّه تفوّه بذلك اللفظ البذيء لإثارة اللَّغَط و الفتنة و الفوضى. و أراد هو و أعوانه أن يؤذي النبيّ من خلال افتعال ذلك الموقف الشائن، و من ثمّ يحول دون تحقيق هدف النبيّ، و قد بلغ ما أراد.

  • فلهذا عند ما قال صلى الله عليه و آله: قُومُوا، قاموا قاطبة و ذهبوا و لم يقل أحد منهم إنّ هذا الكلام (قوموا) هَجْر! و ما علينا إلّا الجلوس و عدم الذهاب!

  • و كان ينبغي أن تكتب رسالة النبيّ الأعظم في وصاية أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين في مثل ذلك المجلس الذي كان يضمّ عُلِّيَّة القوم و وجهاءهم من قريش، و بعبارة اخرى، أهل الحلّ و العقد منهم، لتكون حجّة عليهم، و إلّا كان صلى الله عليه و آله قادراً على أن يكتب ذلك في الخفاء أو بمحضر بعض الصحابة من أولى النُّهَى و البصائر، لكنّهم كانوا سينكرونها، إذ لن يقولوا: هذا ليس إملاء النبيّ و ختمه، بل يقولون: كتب ذلك من وحي الهجر و غلبة المرض. إنّهم بتكتّلهم تقوّلوا على النبيّ الهجر و هو حيّ بين ظهرانيهم، فكيف إذا غاب عنهم؟ أ لا يفعلون في غيابه كما فعلوا في حياته؟

  • و ما فتئ صلى الله عليه و آله يدعو إلى وصاية عليّ عليه السلام و خلافته طول عصر نبوّته ابتداءً من اليوم الأوّل لدعوته العامّة في دار أبي طالب، إذ أنذر عشيرته الأقربين، حتى اللحظات الأخيرة من حياته المقدّسة. بَيدَ أنّه امر بالتوقّف عند غدير خُمّ لإعلان ذلك رسميّاً، فأوقف الركب كلّه و ألقى خطبته الغرّاء الشاملة الكاملة في الحاضرين.

  • لكنّه لمّا أحسّ أنّ زاعمي الخلافة و أترابهم لم يهتمّوا بتلك الخطبة، و أنّ روح النبوّة في خطر بسبب عزل عليّ عليه السلام، عزم على تدوين ما

معرفة الإمام ج۱۳

127
  • قاله شفويّاً و رأى ذلك لزاماً عليه، فبادر إلى الكتابة و ختمها بختم النبوّة.

  • تواطؤ عمر و أبي بكر للحؤول دون خلافة عليّ عليه السلام

  • و كان عمر يتحدّث يوماً في أيّام خلافته مع ابن عبّاس. و دار حديثه حول عليّ بن أبي طالب، و أقرّ في حديثه بأنّ أحداً لا يليق بالخلافة بعد رسول الله غيره، و ذكر بأنّ سبب إقصائه هو حداثة سنّه و حبّه بني عبد المطّلب،1 و قال بصراحة: كان أبو بكر منذ اليوم الأوّل كارهاً خلافة عليّ.2

  • من هذا المنطلق نجد أنّ عمر و أبا بكر كانا مترافقين متعاونين دائماً سواء في حياة رسول الله أو بعد مماته. و قد تاخيا معاً في المؤاخاة التي عقدها رسول الله. و كلاهما تخلّف عن جيش اسامة قبيل رحيل رسول الله، و تباطا و فترا و أتيا بالمعاذير الواهية، إلى أن قُبِض رسول الله فأسرعا إلى السقيفة عاجلًا، وَ كَانَا يَتَسَابَقَانِ على حدّ تعبير ابن أبي الحديد.

  • و على هذا الأساس قال عمر بمحضر رسول الله في مجلس الرزيّة المعهود: إذا مات النبيّ، فنحن ننتظره حتى يرجع فيفتح حواضر الروم، كأصحاب موسى الذين انتظروه و رجع إليهم. و كان كلام عمر هذا من أجل أن يقول حين وفاة النبيّ أنّه لم يمت. و قد فعل ذلك، و شهر سيفه، و جاب أزقّة المدينة و هو يقول: ما مات رسول الله و مَن قال إنّه مات ضربت عنقه بسيفي هذا. لما ذا كان ذلك؟ كان ذلك لأنّ أبا بكر لم يكن حاضراً في المدينة وقتئذٍ، إذ كان ذهب إلى زوجته في السُّنْح على فرسخ من المدينة.

    1. -« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 57 ضمن الخطبة 26، طبعة دار الإحياء، إذ قال عمر لابن عبّاس: خشيناه علي حداثة سنّه و حبّه بني عبد المطّلب.
    2. -« شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 58 ضمن الخطبة 26، طبعة دار الإحياء، إذ قال عمر لابن عبّاس: يا بن عبّاس! إنّ أوّل من ريّثكم عن هذا الأمر أبو بكر! إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوّة.

معرفة الإمام ج۱۳

128
  • و ما كان يتمّ أمر الخلافة بدون قدوم أبي بكر، و كان قلقاً من انثيال الناس على أمير المؤمنين فور سماعهم خبر وفاة النبيّ، إذ يبادر المهاجرون و الأنصار إلى بيت رسول الله الذي كان فيه أمير المؤمنين فيبايعونه، و حينئذٍ تبطل خططهم و يُنْقَضُ نسجهم و تذهب جهودهم كلّها أدراج الرياح. فلهذا سلّ سيفه و نادى إنّ رسول الله لم يمت، حتى تزبّد شدقاه، و أراد من ذلك أن يُبقي الناس على ما هم عليه ريثما يعود أبو بكر من السنح.

  • و ما إن قال أبو بكر: مات النبيّ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إلى آخر الآية، قال عمر هذا صحيح، مات رسول الله. و كلاهما لم يأت دار رسول الله، و لم يشهدا جنازته، و لم يصلّيا عليه. بل توجّها إلى سقيفة بني ساعدة، و نصب عمر صاحبه أبا بكر خليفة للمسلمين بمكيدة و كلمات سجّلها التأريخ.

  • و من الجلاء بمكان أنّ هذا الطريق هو طريق الضلال و الغي، و لو تعبّدوا بنصّ رسول الله، و استجابوا لأمره في الكتابة لأمِنُوا مِنَ الضَّلَالِ، و رتعوا في وادي الأمن و الأمان الخصب، و كانوا على الصراط المستقيم السويّ، لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أبَداً.1 لكنّهم

    1. على الرغم من أنّ عمر كان يعلم و يدرك أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله، لكنّه بادر إلى غصب الخلافة منه. روى المرحوم السيّد ابن طاووس في طرائفه، طبعة مطبعة الخيّام بقم، ص 133 عن الفقيه الشافعيّ ابن المغازليّ في مناقبه بإسناده إلى نافع غلام ابن عمر قال: قلتُ لابن عمر- و نحن نعلم أنّ رأى ابن عمر كرأي عمر في مثل هذه المسائل- مَن خيرُ الناسِ بعد رسول الله صلى الله عليه و آله؟ قال ابن عمر: ما أنت و ذاك لا امّ لك؟ ثمّ قال: أستغفر الله، خيرهم بعده من كان يحلّ له ما يحلّ له، و يحرم عليه ما يحرم عليه. قلتُ: من هو؟! قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام. سدّ أبواب المسجد و ترك باب عليّ و قال له: لك في هذا المسجد ما لي و عليك فيه ما عَلَيّ، و أنت وارثي و وصيّي تقضي دَيني و تنجز عداتي و تقتل على سنّتي، كذب من زعم أنّه يبغضك و يحبّني. و هذه الرواية موجودة في« مناقب ابن المغازليّ» ص 261، و« بحار الأنوار» ج 39، ص 33، الطبعة الحديثة.

معرفة الإمام ج۱۳

129
  • غرقوا في الضلالة و أوّل درجتها نسبة الهجر و الهذيان إلى رسول الله.

  • القرآن وحده لا يكفي

  • وليتهم اكتفوا بعدم امتثال أمر رسول الله، و عدم جلب الدواة و الكتف، و لم يردّوا كلام رسول الله بقولهم: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. و كأنّ النبيّ لم يعرف منزلة كتاب الله بينهم! أو كانوا أعرف منه بخواصّ الكتاب و فوائده و آثاره و أرادوا أن ينبّهوه على هذه النقطة.

  • وليتهم اكتفوا بقوله: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، و لم يتفوّهوا بكلمتهم القبيحة: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ بوجه ذلك النبيّ المبعوث رحمةً للعالمين و هو يُحْتَضَر. ما ذا قالوا في وداع النبيّ الأكرم و هو في اللحظات الأخيرة من حياته؟ لقد قاموا من المجلس تاركين له و هم يقولون: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ!

  • وليتهم أدركوا أنّهم بحاجة ماسّة إلى كتابة رسول الله، و أنّ القرآن وحده لا يكفيهم، لأنّ القرآن هو الذي جعل كلام رسول الله حجّة، و ضمّ في طيّاته قوله: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.1 وليتهم عرفوا أنّ النبيّ و الإمام هما روح القرآن، و أنّ كلامهما سند القرآن و أنّ القرآن بلا إمام كالقِربة بلا ماء.

  • وليتهم و آلاف ليتهم كانوا يفهمون، فلم يجرّوا أنفسهم و الامّة وراءهم إلى الضلال حتى يوم القيامة.

  • و نحن إذا نظرنا في كلام رسول الله صلى الله عليه و آله: إئْتُونِي أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. و كلامه الآخر في حديث الثقلين: إنِّي تَارِكٌ


    1. 1- الآية 7، من السورة 59: الحشر.

معرفة الإمام ج۱۳

130
  • فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي! و وازنّا بينهما، نجدهما ذوَي مفاد واحد، و هو ضمان عدم الضلالة الأبديّة على نهج واحد. فوجودهما معاً (الكتاب و العترة) لازم و ضروريّ. و لا شكّ أنّ ما أراد أن يكتبه رسول الله هو: «عَلَيْكُم بِعَلِيّ بن أبي طالب و وُلْده المعصومين من بعدي إماماً و خليفةً» و أمثال هذه العبارات. و هذه الكتابة في الحقيقة تفصيل إجمال حديث الثَّقَلين، إذ أراد رسول الله أن يعيّن الثقل الآخر باسمه و سِمَته خطّيّاً.1

  • سبب إعراض النبيّ عن كتابة الكتاب بعد نسبة الهجر إليه

  • البحث السابع: سبب عدم كتابة رسول الله صلى الله عليه و آله في وقت كان عمر و مرافقوه لم يقوموا بعد و لم يذهبوا، إذ طلب بعض الحاضرين من النبيّ أن يأتيه بما أراد، فقال: لا! بعد الذي قلتم.

  • لعلّ شخصاً يقول هنا: ما ضرّ لو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله كتب ما أراده بعد انصرافهم، و أودعه أمير المؤمنين أو عمّه العبّاس ليكون حجّة قاطعة على الجميع، بخاصّة في مثل هذا الموضوع الخطير الذي يكفل سعادة الامّة و ينقذها من الضلال؟

  • و جوابه أنّ الظروف كانت بنحو لو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله كتب فيها ما أراد، لرفع الحزب المعارض عقيرته قائلًا: لقد كتب

    1. قال ابن حجر في« الصواعق المحرقة» أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع، ص 75: قال رسول الله صلى الله عليه و آله في حجرته المباركة في مرضه و الحجرة غاصّة بأصحابه: أيُّهَا النَّاسُ! يُوشك أن اقبضَ قبضاً سريعاً فَيُنْطَلق بي، و قد قدّمتُ إليكم القولَ معذرة إليكم، ألا إنّي مُخلِّفٌ فيكم كتابَ ربّي عزّ و جلّ و عترتي أهل بيتي. ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ فرفعها فقال: هذا عليّ مع القرآن، و القرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يَرِدَا عَلَيّ الحوضَ- الحديث. و نقله السيّد شرف الدين رحمه الله أيضاً في مراجعاته ص 15 و 16، الطبعة الأولى، عن« الصواعق».

معرفة الإمام ج۱۳

131
  • رسول الله هذه الورقة من وحي الهجر و خبط الدماغ و العياذ بالله من ذلك، و حينئذٍ تفقد جميع كلماته التي تفوّه بها في مرضه حُجّيّتها. و تدلّ القرائن و الشواهد على أنّ القوم بلغوا هذه المرحلة من انتهاك الحُرمة. و أنّ مَن نسب إلى رسول الله الهجر و الهذيان بمحضر الصحابة و النساء اللائي كُنَّ خلف الستار و رسول الله حيّ، يسهل عليه الإنكار و القذف بالهجر أيضاً، كما نسب أبو بكر الكذب إلى الصِّديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها التي امتلأت مجاميع أهل السُّنَّة و كتبهم بالأحاديث النبويّة في شأنها، و منها أنّ رسول الله قال: «سيّدة نساء أهل الجنّة»، و فيها و في أبيها و بعلها و ولديها الحسنين نزلت آية التطهير في القرآن الكريم. و من المؤلم حقّاً أن يكذّبها أبو بكر، و يطلب منها شاهداً على فدك، و يغصب منها فدكاً بحديث موضوع هو وضعه و نسبه إلى أعرابيّ بَوَّال على عَقِبَيْه: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و ما ورّثناه صدقة للمسلمين».

  • و أنّ من وضع الحبل في عنق أمير المؤمنين عليه السلام و قاده إلى المسجد من أجل البيعة، و جرّ صدّيقته معفّرةً بالتراب ملطّخةً بالدم، و أسقط جنينها، و ضربها بالسوط على عضدها حتى ظلّ بادياً كالدملج إلى أن ماتت، فهذا الشخص ممّ يخاف إن أنكر كتابة رسول الله؟ و ممّ يخشى إن تقوّل بالهجر و عدّ كلمات رسول الله في مرضه لغواً و عبثاً؟ إنّ الموضوع المهمّ هنا هو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله تنازل عن الكتابة احتراماً لسُّنَّته و صوناً لحرمته، و حجّيّة قوله الذي هو عِدل كتاب الله، و أغضى عن هذا الأمر حفظاً لجماعة المسلمين و شوكتهم، و حرصاً على بقاء كتاب الله. كما كان يُرجئ الخطبة الغديريّة التي كُلِّف بإلقائها لتعريف عليّ خوفاً من حدوث الانشقاق بين المسلمين إلى أن هبط جبرائيل مهدّداً

معرفة الإمام ج۱۳

132
  • بقوله تعالى: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.1

  • لقد واجه عمر رسول الله في مواطن عديدة، و تصرّف معه بغلظة و فظاظة. و أنّ رزيّة يوم الخميس التي كان يبكي لها ابن عبّاس حتى ابتلّت الأرض من دموع عينيه التي كانت تسيل من وجهه ليست أوّل تصرّف فظّ اجترحه عمر مع رسول الله، فقد سبقه تصرّفه الشائن في صلح الحديبيّة، إذ افتعل تلك الواقعة التأريخيّة، و كان على رأس المناوئين لرسول الله و المتّهمين إيّاه بالكذب،2 حتى قال هو نفسه من أجل كفّارة ذلك: مَا زِلْتُ أصُومُ وَ أتَصَدَّقُ وَ اصَلِّي وَ اعْتِقُ مَخَافَةَ كَلَامِي الذي تَكَلَّمْتُ بِهِ.3

  • و كان تصرّفه قبيحاً فظّاً شاذّاً مع النبيّ عند ما أراد أن يصلّي على جنازة عبد الله بن ابيّ حتى صرفه عن ذلك باعتراضه قائلًا: لِمَ تصلّي على رجل منافق؟ و هذا ما أثبتته كتب التأريخ كلّها.4

    1. الآية 67، من السورة 5: المائدة.
    2. ذكر أصحاب السير و التواريخ في كتبهم قصّة نفاق عمر و ارتداده في صلح الحديبيّة مفصّلًا، منهم البخاريّ في صحيحه، في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، ج 2، ص 122، و مسلم في صحيحه، باب صلح الحديبيّة، ج 2.
    3. السيرة الحلبيّة، باب صلح الحديبيّة، ج 2، ص 706.
      و قال آية الله السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص 160، الطبعة الثانية: أخرج الإمام أحمد من حديث المسوّر بن مخرمة، و مروان بن الحكم في مسنده، و نصّ الحلبيّ في غزوة الحديبيّة من سيرته و غير واحد من أهل الأخبار: أنّ عمر جعل يردّ على رسول الله الكلام، فقال له أبو عبيدة الجرّاح: أ لا تسمع يا بن الخطّاب رسول الله صلى الله عليه و آله يقول ما يقول؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم! قال الحلبيّ و غيره: و قال رسول الله صلى الله عليه و آله يومئذٍ: يا عمر إنّي رضيتُ و تأبى!
    4. ذكرنا قصّة عبد الله بن ابيّ مفصّلًا في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس 142 إلى 148.

معرفة الإمام ج۱۳

133
  • أمّا رزيّة يوم الخميس فقد كانت أشدّ، لأنّه هو و زمرته كانوا جميعهم حاضرين في مجلس رسول الله، و قد أخلّوا بنظم المجلس، و هو نفسه نسب الهجر و الهذيان إلى رسول الله، و دعمه أترابه، أي: كلّهم تقوّلوا بالهجر و الهذيان حتى عطّلوا المجلس و لم يستطع النبيّ أن يحقّق هدفه. فلو كتب النبيّ ورقة في مثل ذلك الجوّ، أ لا يمزّقونها؟ أ لم يمزّق عمر سند فدك الذي كانت فاطمة عليها السلام قد أخذته من أبي بكر؟ و جاء إلى أبي بكر و قال له بفظاظة: كيف تُرجع السند إلى فاطمة في مثل هذه الحالة التي يحتاج فيها المسلمون إلى المال؟!

  • بيان العلّامة الطباطبائيّ في عدم التصريح باسم عليّ في القرآن

  • سألتُ سماحة سيّد الأساتذة آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الزكيّة يوماً فقلتُ له: ما ضرّ لو صرّح الله تعالى باسم عليّ في القرآن كما صرّح باسم محمّد تجنّباً لهذا الخلاف العميق؟ فقال: لو فعل ذلك لحذفوه بسهولة. فلهذا لم يصرّح به حفظاً لكتابه العظيم.

  • إذن، غياب اسم عليّ عن القرآن لا يضرّ الإسلام و الإيمان و الولاية و المؤمنين، لأنّ الذين اتّبعوا السنّة و اقتفوا كلام نبيّهم كانوا شيعة عليّ الذائبين فيه يوم كان نبيّهم بين ظهرانيهم. و المؤمنون حقّ الإيمان هم شيعته المغرمون به منذ يوم الخميس الذي لم يستطع أن يكتب فيه رسول الله شيئاً إلى يومنا هذا. و ها هو التشيّع اليوم يرتقى في سيره التصاعديّ و تعلو رايته في أرجاء شتّى من العالم، إذ نشهد سنويّاً إقبالًا متعاظماً عليه من أتباع مختلف المذاهب.1

    1. كالعالم الجليل و العلّامة المجاهد الكبير قاضي القضاة في حلب السوريّة الشيخ محمّد مرعي أمين الأنطاكيّ الذي اعتنق مذهب التشيّع، و ألّف كتابه المعروف:« لما ذا اخترتُ مذهب الشيعة مذهب أهل البيت؟» و له الأبيات الآتية:
      لما ذا اخترتُ مذهب آل طه--و حاربتُ الأقارب في ولاها
      و عفتُ ديار آبائي و أهلي--و عيشاً كان ممتلئاً رفاها؟
      لأنّي قد رأيتُ الحقّ نصّاً--و ربّ البيت لم يألف سواها
      فمذهبي التشيّع و هو فخرٌ--لمن رام الحقيقة و امتطاها
      و هل ينجو بيوم الحشر فردٌ--مشى في غير مذهب آل طه؟
      --
      لقد طالعتُ الكتاب المذكور فرأيته نفيساً ثميناً حقّاً. و كذلك الدكتور السيّد محمّد التيجانيّ السماويّ و هو من أهل قفصة التونسيّة، و له كتاب عنونه:« ثمّ اهتديتُ»، ذكر فيه سفره إلى الحجاز و العراق و التقاءه بعلماء الشيعة في النجف الأشرف. و نقل أنّه تأثّر كثيراً بكلام المرحوم آية الله السيّد محمّد باقر الصدر أعلى الله مقامه الذي استُشهد على يد حزب البعث في العراق. ثمّ اختار مذهب التشيّع بعد تحقيق عميق في صحاح العامّة و سننهم دام ثلاث سنين. و قد وصلني الكتاب في هذه السنة و طالعتُه كلّه فوجدته عذباً رائعاً يشدّه الدليل و البرهان. أطال الله بقاء مؤلّفه و نصر الله به الحقّ في تأييد المذهب المبين.

معرفة الإمام ج۱۳

134
  • سبب الحئول دون تدوين الحديث النبويّ

  • البحث الثامن: تزعزع شأن الولاية و فُتح باب الاجتهاد في مقابل النصّ في موقف عمر بتقدّمه على كلام رسول الله صلى الله عليه و آله و سنّته يوم الخميس. و لقد آثر هو و صاحبه أبو بكر رأييهما على سنّة رسول الله مصلحة للمسلمين بزعمهما، و كانت محصّلة ذلك إقصاء السنّة و الكتاب معاً، و تراكم الآراء الفاسدة في مقابل القرآن. و قد ضيّعا الحقائق في كلّ موضوع من الموضوعات بذريعة المصلحة. و فُتح باب الاجتهاد في مقابل كتاب الله و سنّة رسوله بنحو لم يُعْهَدْ مثله حتى ذلك اليوم قطّ. و لوحظ في كلّ يوم موضوع جديد يغاير الكتاب و السنّة، و وقع أصل الدين و حقائقه في الخطر بغلالة ولاية المصلحة التي يتطلّبها الزمان، حتى وصل الدور إلى عثمان الذي قدّم رأيه على كتاب الله بصراحة، و حطّم سنّة رسول الله عمليّاً، و ضرب معاوية على وتر: «أنا ربّكم الأعلى» في الشام. و أخيراً، أغار الأمويّون على الكتاب و السنّة خلال ثمانين سنة من

معرفة الإمام ج۱۳

135
  • حكمهم، و جاء بعدهم العبّاسيّون ففعلوا كفعل أسلافهم طول خمسمائة سنة من حكمهم، و جرى كلّ ذلك تحت غطاء الإمارة و الولاية و مصلحة المسلمين. و هُجرت حقيقة الكتاب و الولاية و غُربت. و فُتح هذا الباب حتى قيام قائم آل محمّد صلى الله عليه و آله.

  • و قد أمضى فقهاء العامّة و قضاتهم من أمثال شُريح جرائم حكّام الجور و امراء الظلم جميعها تحت عنوان: تَأوَّلَ فَأخْطَأ. و أيّدوهم في جرائمهم. و في باب ولاية الفقيه و الحاكم. أحبطوا و خرّبوا أحكام القرآن الثابتة و سنّة رسول الله المقطوع بها، أو نسوا أو تناسوا أنّ ولاية الفقيه في الموضوعات الشخصيّة الاجتماعيّة، لا في تبديل و تغيير الكتاب و أحكام السنّة. و سمّوا امراء الجور خلفاء تجب طاعتهم حسب سنّة عمر و أبي بكر، و أضفوا عليهم لقب اولو الأمر. و أبادوا معارضيهم تحت لظى سياطهم و تعذيبهم و حبسهم و إعدامهم و صلبهم و تخريب بيوتهم على رؤوسهم بتهمة مخالفة رأى الفقيه و الحاكم المفترض الطاعة.

  • البحث التاسع: من الواضح أنّ الوضع الذي أوجده الحزب المناوئ لأمير المؤمنين عليه السلام منذ ذلك الحين، و ما كان يمارسه هذا الحزب، إذ كان يتبادل الأخبار على شكل شبكة اتّصال بين ما يجري داخل البيت النبويّ (عائشة و حفصة و غيرهما) و بين ما يجري خارج البيت، و قد أتى بعمر إلى الميدان و حطّم السنّة من خلال انتهاك حرمة الرسول الأعظم بنطق الهذيان و الهجر، فذلك الوضع لا يمكن للحزب المنتصر معه أن يعمل حسب نهج رسول الله إذا أراد أن يبقى ممسكاً بزمام الامور، إذ إنّ ذلك النهج كان قراءة كتاب الله و التدبّر فيه، و نقل حديث رسول الله و بيانه، و ذِكره و عرض مواعظه و أحكامه و خطبه في كلّ مجلس و محفل.

  • أجل، إذا أراد هذا الحزب أن يدع الناس أحراراً في بيان الحديث

معرفة الإمام ج۱۳

136
  • و السنّة، فلا شكّ أنّ الحديث سيدور حول مقام و منزلة أهل بيت العترة و علوم أمير المؤمنين عليه السلام اللامتناهية و فضائله و مناقبه، و سيرة الصدِّيقة الكبرى و منهاجها، و طهارة آل العباء و عصمتهم، و أمثال هذه الموضوعات التي كان المؤمنون يسمعونها من رسول الله منذ بداية النبوّة حتى ذلك الحين. و سيحوم الكلام حول مثالب الخلفاء المتحكّمين و سيّئاتهم، و حزبهم في داخل بيت النبيّ (عائشة و حفصة)، و خارجه الذي يُمثّله الفارّون من الحروب، و كذلك يحوم حول انتهاك حرمة الرسول، و قتل ابنته رقيّة على يد عثمان، و مقتل الصدِّيقة الكبرى بعد غارة الحزب المنتصر على بيتها لإخراج المعتصمين فيه، من أجل البيعة و التسليم لذلك النظام الظالم. و سيحوم أيضاً حول تفسير الآيات القرآنيّة التي بيّنها النبيّ كلّها، و هي حافلة بذكر مولى المتّقين و مقامه و شأن نزول الآيات فيه. و سيتناول الحديث حقائق و أسرار لا شأن للحزب المذكور بها طبيعيّاً.

  • فلهذا، ما إن تصرّمت سنتا أبي بكر، و جاء دور عمر، حتى منع طرح السنّة النبويّة تماماً، فعادت لا تذكر في المساجد و المحافل و المدارس و خطب العيدين و الجمعة على امتداد مائة و خمسين سنة بعد المنع، كما لم يدوّن كتاب في الحديث و السنّة قرابة مائة عام.

  • أي: أنّ ردّ عمر كلام رسول الله قد هيّأ هذه اللوازم الواسعة، ثمّ تطوّع الوضّاعون من متزلّفي بلاط معاوية كأبي هريرة و أبي الدرداء اللذين كانا من الصحابة، فوضعوا من الأحاديث في مناقب أبي بكر و عمر و عثمان، و عائشة بخاصّة ما ملأ الكتب و طوامير المسانيد و الصحاح، و قلّلوا الأحاديث المأثورة في فضائل أمير المؤمنين و آل العبا إلى درجة أنّك نادراً ما تجد فيها حديثاً بشأنهم.

  • و عليه، فإنّ الأحاديث الواردة كلّها في هذا المجال موضوعة،

معرفة الإمام ج۱۳

137
  • و لا ينظر الشيعة إلى صحّة السند في مثل هذه الحالات، بل يرون المتن دليلًا على كذبه، لأنّه من الواضح أنّ الحزب الذي انتصر و قمع معارضيه بالسيف و الحجر و القتل صبراً، و ارتكب الجرائم النكراء- كجريمته في واقعة الطفّ، و واقعة محمّد و إبراهيم وَلَدَي عبد الله المحض، و واقعة زيد بن عليّ بن الحسين و ابنه يحيى، و واقعة الحسين بن عليّ صاحب فخّ القريبة من المدينة، و هي كواقعة الطفّ، ثمّ تأمير العبّاسيّين أنفسهم و سعيهم في إطفاء نور منافسيهم من أولاد فاطمة عليها السلام و حياتهم و علمهم و حتى حياتهم المادّيّة- سوف لن يتورّع في تحريف السنّة النبويّة و افتراء الأحاديث الكاذبة على رسول الله ممّا يقبله الناس جميعهم.

  • حديث البخاريّ المنحول في تقليل منزلة عليّ عليه السلام

  • و من الأحاديث المختلقة التي وضعت بدهاءٍ تامّ، و تبدو عليها آثار الكذب بقرائن و شواهد عديدة، حديث أورده البخاريّ في صحيحه، و نحن نذكره فيما يأتي بسنده ثمّ نناقشه:

  • حدّثني إسحاق عن بِشر بن شُعَيْب بن أبي حمزة قال: حدّثني أبي عن الزُّهريّ، قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ- و كعب ابن مالك أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم- أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره:

  • إنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في وَجَعِهِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أبَا حَسَنٍ! كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ؟! فَقَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئاً! فَأخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أنْتَ وَ اللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ العَصَا!1 وَ إنِّي وَ اللهِ لأرَى رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ سَوْفَ

    1. أي: أنّك ستتعرّض إلى الأذي و سيخيفونك بعد ثلاثة أيّام. و جاء في« أقرب الموارد»: الناس عبيد العصا: يهابون مَن آذاهم.

معرفة الإمام ج۱۳

138
  • يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا. إنِّي لأعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلْنَسْألْهُ فِيمَنْ هَذَا الأمْرُ؟ إنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَأ ذلِكَ، وَ إنْ كَانَ في غَيْرِنَا، عَلِمْنَاهُ فَأوْصَى بِنَا!

  • فقال عليّ: إنّا و الله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه و آله فمنعناها لا يُعطيناها الناس بعده، و إنّي و الله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه و آله.1

  • الجواب عن حديث البخاريّ المنحول

  • تفرّد البخاريّ وحده في نقل هذا الحديث، إذ لم يُلْحَظْ في أيّ كتاب من كتب أهل السنّة و صحاحهم، و كلّ مَن جاء بعده من مصنّفي كتب السيرة و التأريخ أخذه منه. و الله أعلم هل وضعه البخاريّ نفسه أو أخذه من وضّاع آخر؟ و لا ريب أنّ البخاريّ كان ضاغناً على أمير المؤمنين عليه السلام، إذ ذكر الأحاديث المرويّة في مناقبه و فضائله مبتورةً، و قد وجدنا عنده حالات كثيرة من هذا القبيل.

  • و قال ابن كثير الذي نقل هذا الحديث في تأريخه: انْفَرَد بِهِ البُخَارِيّ.2

  • و ذكره مير خواند في «روضة الصفا» بنحو يقبله العقل تقريباً. و لعلّ أصل الحديث هو المذكور عنده، ثمّ حُرِّف عند البخاريّ و اتّخذ ذلك الطابع

    1. -« صحيح البخاريّ» ج 6، ص 12، كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق؛ و ذكره ابن أبي الحديد في شرحه علي النهج، ج 2، ص 51؛ و كذلك نقله المقريزيّ في كتاب« النزاع و التخاصم فيما بين بني اميّة و بني هاشم» طبعة النجف، سنة 1386، ص 32، عن البخاريّ، عن حديث الزهريّ.
    2. -« البداية و النهاية» لأبي الفداء ابن كثير الدمشقيّ، ج 5، ص 227؛ و ابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 245، طبعة بيروت؛ و« السيرة النبويّة» لابن هشام، ج 4، ص 304، الطبعة الرابعة، بيروت.

معرفة الإمام ج۱۳

139
  • الذي لا يُعقل.

  • يقول مير خواند: ينقل أنّ عليّاً عليه السلام خرج يوماً من عند رسول الله في مرضه الذي مات منه، فقال له الصحابة: كيف حال رسول الله هذا اليوم يا أبا الحسن؟! فقال: أصبح بحمد الله على أحسن وجه. فأخذ العبّاس يد عليّ و قال له بصوت خفيض: سينتقل النبيّ إلى جوار رحمة ربّ العالمين بعد ثلاثة أيّام، لأنّي أرى أمارات الموت على وجهه المبارك. و الآن تقتضي المصلحة أن نذهب عنده و نسأله لمن تكون الخلافة بعده؟ فإذا كانت لنا، فيها، و إذا كانت لغيرنا، سألناه أن يوصيه بنا. فامتنع عليّ عليه السلام و قال: و الله لا أسأله و لا أطلب الدنيا.1

  • نلاحظ في نحل هذا الحديث أنّ عدداً من النقاط المهمّة قد زُوِّرت و دُسّت في جواب عليّ عليه السلام لابن عبّاس.

  • الاولى: يُشعرنا الحديث أنّ الإمام عليه السلام لم يعلم بخلافته. و بعامّة لم يُنْصَبْ أحدٌ خليفةً لرسول الله، و كانت هناك حاجة إلى سؤال النبيّ صلى الله عليه و آله. و هذه أهمّ نقطةً دقيقة يتوكّأ عليها الحزب المناوئ، و يريد أن يُثبت أحقّيّته على هذا الأساس.

  • الثانية: يُحتمل أن يمنع رسول الله صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام من الخلافة بعد سؤاله رسولَ الله، و حينئذٍ لن تكون الخلافة من نصيبه. و هذه من أبدع مكائد التزوير، إذ تُتيح للحزب المناوئ فرصة أكبر لأن يجول و يصول أنّي شاء، كما تمنحه مجالًا أوسع لتوطيد دعائمه.

  • الثالثة: يبيّن لنا الحديث أنّ عليّاً عليه السلام رجل محبّ للدنيا

    1. -« روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، الجزء الثاني، تاريخ رسول الله، ذِكر مرض موت رسول الله صلى الله عليه و آله.

معرفة الإمام ج۱۳

140
  • و الرئاسة و الإمارة، فإذا ما منعه رسول الله، فإنّ الناس لن ينصبوه خليفة. فلندع السؤال إذن، إذ يزول عندئذٍ احتمال الرئاسة و الإمارة و إن كان في أعصار بعيدة.

  • هذه هي الاحتمالات الواردة في الحديث المذكور، و مواطن الدسّ و التزوير واضحة فيه إلى درجة أنّ كلّ من له اطّلاع مجمل على سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، و تأريخ ذينك العظيمين، يعلم أنّه كذب و افتراء. فإنّ خلافته قد عُيِّنَتْ من قبل، و أنّ رسول الله يراه خليفته الوحيد الفريد، و كان هو نفسه مطّلعاً على هذا الموضوع، و أنّ أمر سقيفة بني ساعدة و ترشيح أبي بكر للخلافة كان غامضاً لديه و لا يمكن قبوله كما يبدو. و تدلّ على ذلك خطب «نهج البلاغة» و سائر الخطب و الأحاديث المأثورة عن الشيعة و العامّة، و العالم كلّه يعلم بما فيه مؤرّخو اليهود و النصارى، و المستشرقون أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن طالب حكم و رئاسة. لقد كان رجلًا إلهيّاً بما لهذه الكلمة من معنى، و لم تزنه الخلافة، بل هو زانها. و نجد أنّ بعض العامّة يقرّون أنّه لم يكن من أهل السياسة، بل كان هو و خاصّة أصحابه كالمسيح و حواريّيه شغلهم الشاغل هو الشؤون المعنويّة و الروحانيّة و الإلهيّة. لقد كان عليه السلام ملاكاً سماويّاً، فما شأنه و الانهماك في الشؤون الدنيويّة و اللعب السياسيّة و مزاولتها؟

  • إنّ الحديث المذكور و أمثاله على درجة واضحة من النحل و الافتراء بحيث إنّ كلّ من كان له أدنى اطّلاع على الأخبار و التأريخ يحكم بتزويره فور رؤيته. و نحن عند ما امرنا من قِبل رسول الله صلى الله عليه و آله أن نعرض الأخبار على كتاب الله فنقبل منها ما وافقه و نرفض ما خالفه، فإنّنا نرى أنّ معظم الآيات القرآنيّة قد نزلت في شأنه و فضائله. حتى نقل أثباتُ

معرفة الإمام ج۱۳

141
  • العامّة و مشاهيرهم مصدِّقين أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: مَا أنْزَلَ اللهُ آيَةً فِيهَا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلَّا وَ عَلِيّ رَأسُهَا وَ أمِيرُهَا.1

  • و عند ما نجد أنّ أعيان العامّة رووا فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال للأنصار: يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ! أ لَا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً؟! قَالُوا: بلى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: هَذَا عَلِيّ فَأحِبُّوهُ بِحُبِّي وَ أكْرِمُوهُ بِكَرَامَتِي، فَإنَّ جِبْرِيلَ أمَرَني بِالَّذِي قُلْتُ لَكُمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ.2

  • و عند ما نقرأ أنّهم رووا فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال له: يَا عَلِيّ! أخْصِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ وَ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي.3 و أنت فُقتَ الناس جميعهم بسبع خصال.

  • و عند ما نجد أنّ الآيات القرآنيّة نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام كما في التفاسير الموثوقة لأهل السنّة كتفسير الثَّعْلَبي، و القُرطبيّ، و «الدرّ المنثور»، علمنا أنّ الحديث المذكور منحول و موضوع.

    1. الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهانيّ المتوفّى سنة 430 في كتاب« حلية الأولياء» ج 1، ص 64؛ و« مناقب الخوارزميّ» ص 179، الطبعة الحجريّة، بسنده المتّصل عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلى الله عليه و آله.
    2. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 63 بسنده المتّصل عن رسول الله أنّه قال: ادعوا لي سيّد العرب! يعني عليّ بن أبي طالب، قالت عائشة: أ لستَ سيّد العرب؟! فقال: أنا سيّد ولد آدم و عليّ سيّد العرب. و لمّا قَدِم عليّ، قال للأنصار: يا معشر الأنصار ...
    3. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 65 و 66، بسنده المتّصل عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: يا عَلِيّ! أخصمك بالنبوّة و لا نبوّة بعدي، و تخصم الناس بسبع و لا يحاجّك فيها أحد من قريش: أنت أوّلهم إيماناً بالله، و أوفاهم بعهد الله، و أقومهم بأمر الله، و أقسمهم بالسويّة، و أعدلهم في الرعيّة، و أبصرهم بالقضيّة، و أعلمهم عند الله مزيّة.

معرفة الإمام ج۱۳

142
  • و يمكننا من خلال الموازنة بين الأحاديث أن نقف على صدقها و كذبها، فنرفضها أو نقبلها.

  • و كذلك عند ما نجد أنّ القرآن الكريم أحبط عمل الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبيّ صلى الله عليه و آله، أي: أنّ جميع حسناتهم و أعمالهم الصالحة التي قاموا بها من قبل تُحبَط و تزول فور القيام بالعمل المذكور (و هذا هو معنى حبط الأعمال)، عند ما نجد ذلك، و نلاحظ من جهة اخرى أنّ عمر رفع صوته فوق صوت رسول الله و نسب إليه الهجر، و أعدّ هو و أصحابه مجلس الانتهاك و التعدّي حقّاً، فحينئذٍ نفهم أنّ الأحاديث التي نقرأها في كتب العامّة حول فضائله و مناقبه كلّها منحولة موضوعة. لأنّ رسول الله قال: قيسوا صحّة الحديث بكتاب الله! فإذا جعل كتابُ الله جزاءَ رفع الصوت عند رسول الله حبطاً للأعمال، فكيف يتسنّى لنا إذن أن نسلّم بهذه المناقب المنحولة؟!

  • كلام أبي الفداء الدمشقيّ الماكر في الجمع بين أحاديث الوصيّة

  • البحث العاشر: قال أبو الفداء ابن كثير الدمشقيّ في تاريخه بعد إيراد الحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ، ثمّ ذكرناه عن مسلم، و هو أيضاً رواه عنهما، و جاء فيه: مَا شَأنُهُ؟ أ هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ! وَ هَذَا الحَدِيثُ مِمَّا قَدْ تَوَهَّمَ بِهِ بَعْضُ الأغْبِيَاء مِنْ أهْلِ البِدَعِ مِنَ الشِّيعَةِ وَ غَيْرِهِمْ؛ كُلٌّ مُدَّعٍ أنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أنْ يَكْتُبَ في ذَلِكَ الكِتَابِ مَا يَرْمُونَ إلَيْهِ مِنْ مَقَالاتِهِمْ. ثمّ قال: هذا توهّم باطل. و هذا هو التمسّك بالمتشابه و ترك المحكم، و أهل السنّة يأخذون بالمحكَم و يردّون ما تشابه إليه. و هذه هي طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عزّ و جلّ في كتابه.

  • ثمّ قال: و هذا الموضع ممّا زلّ فيه أقدام كثير من أهل الضلالات. و أمّا أهل السنّة فليس لهم مذهب إلّا اتّباع الحقّ يدورون معه كيفما دار. و هذا الذي كان يريد رسول الله صلى الله عليه و آله أن يكتبه قد جاء في

معرفة الإمام ج۱۳

143
  • الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه. فإنّه قد قال الإمام أحمد ابن حنبل عن مؤمّل، عن نافع، عن ابن عمر، و ابن أبي مليكة، عن عائشة أنّها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و اله في مرض موته: ادْعُوا لي أبَا بَكْرٍ وَ ابْنَهُ لِكَي لَا يَطْمَعَ في أمْرِ أبِي بَكْرٍ طَامِعٌ وَ لَا يَتَمَنَّاهُ مُتَمَنٍّ. ثمّ قال: يَأبَى اللهُ ذَلِكَ وَ المُؤْمِنُونَ مَرَّتَيْنِ. انفرد به أحمد من هذا الوجه.

  • و روى أحمد بن حنبل أيضاً عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشيّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لمّا ثقل رسول الله، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائْتِنِي بِكَتِفٍ أوْ لَوْحٍ حتى أكْتُبَ لأبِي بَكْرٍ كِتَاباً لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ أحَدٌ. فلمّأ ذهب عبد الرحمن ليقوم، قال: أبى اللهُ وَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكَ يَا أبَا بَكْرٍ! انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضاً.

  • و روى أيضاً عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى ابن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة أنّها قالت: قال رسول الله: لَقَدْ هَمَمْتُ أن ارْسِلَ إلَى أبِي بَكْرٍ وَ ابْنِهِ فَأعْهَدَ أنْ يَقُولَ القَائِلُونَ أوْ يَتَمَنَّى مُتَمَّنُونَ، فَقَالَ: يَأبَى اللهُ- أوْ يَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أوْ يَدْفَعُ اللهُ وَ يَأبَى المُؤْمِنُونَ.1

  • الأحاديث المتقدّمة من وضع عائشة

  • لا يداخلنا الريب أنّ هذه الأحاديث من صنع عائشة، إذ وضعتها لتعزيز موقع أبيها و أخيها عبد الرحمن الذي ارصد له العذاب الأبديّ حسب الآيتين الكريمتين: وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ

    1. -« البداية و النهاية» ج 5، ص 227 و 228.

معرفة الإمام ج۱۳

144
  • الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ،1 و عائشة هي التي أو قدت نار الجَمَل، و سبّبت في قتل اثني عشر ألفاً من المسلمين، بعد أن ركبت جملها و تولّت قيادة الجيش من أجل إطفاء نور أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الإمام بالحقّ و الحجّة على الخلق و مركز الولاية و مصدر الصدق و الحقيقة.

  • و هي التي كانت تقول في عثمان: اقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ كَفَرَ. و لكن لمّا بايع الناس أمير المؤمنين عليه السلام، قالت: عليّ قاتل عثمان، و كتبت إلى الأمصار تدعو الناس إلى حرب أمير المؤمنين متذرِّعة بأنّ عثمان قُتل مظلوماً و أنّ عليّاً هو الذي قتله.

  • و لكن ما عسانا أن نقول لإخواننا السنّة الذين يرون أنّ عائشة هي الصدِّيقة الوحيدة، و قد أضفوا عليها لقب حبيبة رسول الله، و عدّوها طاهرة مطهّرة أمينة صادقة، و صحّحوا الأحاديث المنقولة عنها.

  • و نحن ندعو القرّاء الكرام إلى مطالعة كتاب «أحاديث امّ المؤمنين عائشة» للعلّامة الجليل المجاهد ابن خالنا المكرّم سماحة آية الله السيّد

    1. الآيتان 17 و 18، من السورة 46: الأحقاف. نقل العلّامة الطباطبائيّ في تفسير« الميزان» ج 18، ص 225 رواية عن تفسير« الدر المنثور» في أنّ هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر. و قال: قصّة خطبة مروان في مسجد المدينة و دعوته الناس إلى قبول استخلاف معاوية يزيد، و إنكار عبد الرحمن ذلك عليه، و جواب مروان له بقوله: أ لستَ الذي قال لوالديه: افٍّ لكما؟ و جواب عبد الرحمن بقوله: أ لست ابن اللعين الذي لعن أباك رسولُ الله؟ كلّ ذلك معروف. يريد العلّامة أن يستفيد من هذه الآية شيئاً، إذ لمّا جاء فيها. حقّ عليهم القول، فيمكن أن يفهم منها أنّ إسلام عبد الرحمن كان صوريّاً لا أثر له فهو من المخلّدين في النار و من الخاسرين إلّا أن ننكر هذه الروايات فيه كما أنكرتها اخته عائشة.

معرفة الإمام ج۱۳

145
  • مرتضى العسكريّ1 أطال الله بقاءه، و أمدّ في عمره الشريف و نفع المسلمين بدوام حياته و مؤلّفاته، و ذلك من أجل أن تستبين لهم سيرة عائشة و أحاديثها.

  • و لا نروم التحدّث عن عائشة و أحاديثها المنحولة الموضوعة هنا أو في مواطن اخرى. و إنّما يحوم حديثنا حول أبي الفداء الدمشقيّ مؤلّف كتاب «البداية و النهاية» الذي عدّ الأحاديث المنقولة عن ابن عبّاس في رزيّة يوم الخميس التي طلب فيها رسول الله الكتف و الدواة متشابهة، و الأحاديث الموضوعة على لسان عائشة محكمة، و أرجع تلك الأحاديث إلى هذه الأحاديث، و تقوّل على الشيعة و قذفهم بالغباء و الحمق، إذ استهدوا بها دليلًا على ولاية أمير المؤمنين و خلافته.

  • و نكتفي في شرح و توضيح بطلان كلام هذا الرجل المتعصّب بالقول: حسناً، نحن لا نقول شيئاً إذ حسبتَ تلك الأحاديث (الأحاديث المنقولة عن ابن عبّاس) متشابهة، و هذه الأحاديث (المنقولة عن عائشة) محكمة، لكن كيف تنكر الحقيقة و المعالم واضحة دالّة عليها؟ إذا كان مراد رسول الله من كتابته الوصيّة لأبي بكر، فلما ذا زعق عمر و أعوانه؟ و لما ذا نسب الهجر إلى رسول الله؟ و لما ذا أخلّوا بنظم المجلس و كثر اللَّغط و علت الجَلَبة؟ و لما ذا قال رسول الله: هذه النساء خير منكم؟ و قال: قوموا، اذهبوا؟ و لما ذا عدّ ابن عبّاس تلك القضيّة رزيّة؟ و لما ذا ذكر شدّة تلك المصيبة و صعوبتها بقوله: يوم الخميس و ما يوم الخميس؟ و لما ذا بكى

    1. العلّامة الحاج السيّد مرتضى العسكريّ سبط المرحوم المحدّث العظيم آية الله ميرزا محمّد الطهرانيّ الشريف العسكريّ، و هذا المرحوم قدّس الله نفسه خال والدي المرحوم السيّد محمّد صادق.

معرفة الإمام ج۱۳

146
  • حتّى ابتلّ الحصى بدموع عينيه، و كانت دموعه تسيل كحبّات اللؤلؤ؟

  • كان عمر النصير الوحيد لأبي بكر، و كان معينه و أخاه و أداته التنفيذيّة! فلا بدّ أن يبتهج إذا ما أراد النبيّ أن يوصي له، و لا بدّ أن يؤيّده، و يرى كلامه و حياً منزلًا! فلما ذا أثار تلك الضجّة مشاقّة لرسول الله، فيقول بعض الحاضرين: ائتوا بالكتف و الدواة كما قال رسول الله، و بعض آخر يرى ما رآه عمر فلا حاجة إلى ذلك؟

  • هذه كلّها قرائن و أدلّة ساطعة كالشمس، و هي تكشف لنا أنّ المراد من كتابة رسول الله كتابة خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و تفصيل حديث الثَّقَلَين المتكرّر.

  • و لو كانت الأحاديث المأثورة عن عائشة صحيحة أيضاً، فعليك أن تعدّها محكمة بهذه القرائن الكثيرة، في الأحاديث العديدة التي ذكرها البخاريّ، و مسلم، و أحمد، و غيرهم، و سندها صحيح أيضاً، و تعدّ أحاديث أحمد متشابهة، و تُرجع تلك إلى هذه، فتكون قد قمت بعمل عقلائيّ، و أرحتَ نفسك و المسلمين و أتباع مذهبك، و نفضتَ عنك غبار الجهل و الإصرار على العناد بشهادة أنَّ عَلِيَّاً أمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الوَصِيِّينَ وَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ! و هذا هو الصراط المستقيم.

  • بَيْدَ أنّك لم تفعل ذلك! و حسبتَ الشيعة ضالّين إذ وصفتهم بالغباء و الحمق، و ظننتَ أنّ الموضوع قد انتهى عند هذا الحدّ! هَيهاتَ! هَيهاتَ! فإنّ الآيات الظاهرة مَعْلَم على إخفاء الحقيقة. و نحن الشيعة نحمّلكم أنتم العلماء و المصنّفون و المؤلّفون وِزر الامّة المسكينة و إصرها، فإنّكم زوّرتم الحقائق مع علمكم و تدبيركم! إنّكم عجزتم عن أن تفعلوا شيئاً لهذه الأحاديث الصحيحة المرويّة في صحاحكم عن ابن عبّاس و هي أظهر من الشمس في دلالتها! و عجزتم عن أن تقدحوا في صحّتها! و عجزتم عن أن

معرفة الإمام ج۱۳

147
  • تتغاضوا عنها فتريحوا أنفسكم من شرّها! عجزتم عن ذلك كلّه و جئتم فحسبتموها متشابهة بهذا التزوير و الدسّ، و خلتم أنفسكم من الراسخين في العلم و جلستم مجلسهم وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ1 وا حسرتاه، إذ لم تعلموا أنّهم يريدون أن يضلّوكم و ينزلوكم من مجلسكم.

  • أجوبة علماء العامّة في الاعتذار عن عمل عمر مرفوضة كلّها

  • البحث الحادي عشر: إنّ الأجوبة التي قدّمها علماء العامّة لهذا الحديث تتمثّل في أنّ مراد رسول الله صلى الله عليه و آله من هذه الكتابة لم يكن الوصيّة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، و تعود محصّلة تلك الأجوبة إلى عدد من الأجوبة، هي:

  • الأوّل: لعلّ رسول الله حين أمرهم بإحضار الدواة و الكتف لم يكن قاصداً لكتابة شيء من الأشياء، و إنّما أراد بكلامه مجرّد اختبارهم، هل يطيع أحد أمره أم لا؟ كاختبار الله تعالى إبراهيم في ذبح ولده، اذ لم يكن القصد حقيقة الذبح، بل هو اختبار إبراهيم عليه السلام.

  • و تنبّه عمر الفاروق وحده هنا لهذه النقطة دون غيره من الصحابة، فمنعهم من الإحضار، فيجب- على هذا- عدّ تلك الممانعة في جملة كراماته و موافقاته لربّه تعالى.

  • و لا يصحّ هذا الجواب، لأنّ قوله: لَا تَضِلُّوا يأبى ذلك، لأنّه جواب ثان لأمر رسول الله: ائْتُونِي، و جوابه الأوّل: أكْتُبْ. فمعناه أنّكم إن أتيتم بالدواة و الكتف، أكتب لكم، و إذا كتبتُ لا تضلّوا بعده! و لا يخفى أنّ الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرّد الاختبار إنّما هو نوع من الكذب الواضح الذي يجب تنزيه كلام الأنبياء عليهم السلام عنه، لا سيّما في موضع يكون ترك إحضار الدواة و الكتف أولى من إحضارهما.

    1. الآية 7، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

148
  • مضافاً إلى ذلك، أنّ صريح الحديث يدلّ على أنّ هذه الواقعة إنّما كانت حال احتضار رسول الله، فالوقت لم يكن وقت اختبار، و إنّما كان وقت إعذار و إنذار، و وصيّة بكلّ مهمّة، و نظر في الامور الواجبة الذكر، و نصح تامّ للُامّة.

  • و المحتضر بعيد عن الهزل و المفاكهة، مشغول بنفسه و بمهمّاته، و مهمّات ذويه، و لا سيّما إذا كان نبيّاً. و إذا كانت صحّته مدّة حياته كلّها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره؟

  • على أنّ قوله صلى الله عليه و آله حين أكثروا اللغو و اللَّغَط و الاختلاف عنده: «قوموا» ظاهر في استيائه منهم. و لو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم، و أظهر الارتياح إليها.

  • و مَن ألَمَّ بأطراف هذا الحديث، و بخاصّة قول عمر: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ يقطع بأنّهم كانوا عالمين أنّه إنّما يريد أمراً يكرهونه، و لذا تجاسروا بكلمة هَجَرَ رَسُولُ اللهِ تلك و أكثروا عنده اللغو و اللغط و الاختلاف كما لا يخفى، و بكاء ابن عبّاس بعد ذلك لهذه الحادثة، و عدّها رزيّة دليل على بطلان هذا الجواب.

  • و لو كان هذا الأمر للاختبار، فإنّه دليل على ذمّ عمر لا مدحه، لأنّه سقط فيه! و نحن نجد في الأمر الاختباريّ كما في قصّة إبراهيم عليه السلام أنّه عمل حسب الأمر الموجَّه إليه، لكنّ الله حال بينه و بين تنفيذ العمل. أمّا عمر فإنّه لم يأتمر بل خالف منذ البداية. و لو قام و أتى بالكتف و الدواة، و منعه رسول الله صلى الله عليه و آله من ذلك، لكان هذا التسويغ موجّهاً، بَيدَ أنّ الموضوع على عكس ذلك!

  • الثاني: إنّ أمره صلى الله عليه و آله هنا لم يكن أمر عزيمة و إيجاب حتى لا يجوز ردّه، و يصير الرادّ عاصياً، بل كان أمر مشورة. لأنّ الناس

معرفة الإمام ج۱۳

149
  • كانوا يردّون كلام النبيّ في بعض تلك الأوامر، و لا سيّما عمر، فإنّه كان يعلم من نفسه أنّه موفّق للصواب في إدراك المصالح، و كان صاحب إلهام من الله تعالى. و قد أراد التخفيف عن النبيّ إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض و الوجع، و قد رأى أنّ ترك إحضار الدواة و البياض أولى.

  • و ربّما خشى أن يكتب النبيّ صلى الله عليه و آله اموراً يعجز الناس فيستحقّون العقوبة بسبب ذلك، لأنّها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها.

  • و لعلّه خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سبباً للفتنة، فقال: حَسبُنَا كِتَابُ اللهِ لقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.1 و قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.2 و كأنّ عمر أ مِنَ من ضلال الامّة حيث أكمل الله لها الدين و أتمّ عليها النعمة، لذا قال: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ.

  • و هذا الجواب لا يصحّ أيضاً، لأنّ قول رسول الله صلى الله عليه و آله: لَا تَضِلُّوا يفيد أنّ الأمر أمر عزيمة و إيجاب لا أمر مشورة. لأنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب. و استياء النبيّ صلى الله عليه و آله منهم و قوله لهم: قوموا، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أنّ أمره إنّما كان للإيجاب لا للمشورة.

  • و مضافاً إلى ذلك فإنّهم قالوا: إنّ عمر كان موفّقاً للصواب في إدراك المصالح، و كان صاحب إلهام من الله تعالى. و هذا ممّا لا يُصغي إليه في

    1. الآية 38، من السورة 6: الأنعام.
    2. الآية 3، من السورة 5: المائدة.

معرفة الإمام ج۱۳

150
  • مقامنا هذا، لأنّه يرمي إلى أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ صلى الله عليه و آله، و أنّ إلهام عمر يومئذٍ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه و آله.

  • و إذا قال أحد هنا لردّ الأمر الإيجابيّ: لو كان الإتيان بالدواة و الكتاب واجباً، و كانت الكتابة واجبة على النبيّ، ما تركها بمجرّد مخالفتهم، كما أنّه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين.

  • و جوابه: لو تمّ هذا الكلام، فإنّما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب غير واجبة على النبيّ صلى الله عليه و آله. و هذا لا يُنافي وجوب الإتيان بالدواة و الكتف عليهم حين أمرهم النبيّ به، و بيّن لهم أنّ فائدته الأمن من الضلال و دوام الهداية لهم. إذ الأصل في الأمر إنّما هو الوجوب على المأمور، لا على الأمر، و لا سيّما إذا كانت فائدته إلى المأمور خاصّة، و الوجوب عليهم هو محلّ الكلام، لا الوجوب عليه. على أنّه يمكن أن يكون واجباً على النبيّ أيضاً، ثمّ سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم، و قولهم: هَجَرَ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة و الفساد.

  • الثالث: إنّ عمر لم يفهم من كلام رسول الله صلى الله عليه و آله أنّ ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلّ فرد من أفراد الامّة من الضلال، بحيث لا يضلّ بعده منهم أحد أصلًا، و إنّما فهم من قوله: لا تضلّوا، أنّكم لا تجتمعون على الضلال بقضّكم و قضيضكم، و كان يعلم أنّ اجتماعهم على الضلال ممّا لا يكون أبداً، و بسبب ذلك لم يجد أثراً لكتابته. و ظنّ أنّ مراد النبيّ ليس إلّا زيادة الاحتياط في الأمر، لما جُبِل عليه من وفور الرحمة. فعارضه تلك المعارضة بناءً منه على أنّ الأمر ليس للإيجاب.

  • و هذا الجواب غير سديد أيضاً، لأنّ قوله: لا تضلّوا يفيد أنّ الأمر للإيجاب، و استياءه منهم دليل على أنّهم تركوا أمراً من الواجبات عليهم.

معرفة الإمام ج۱۳

151
  • و هذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى أفهام الناس، و فهم القرويّ و الحضريّ على أنّه لو كُتب، لكان علّة تامّة في حفظ كلّ فرد من الضلال. و عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، فيفهم أنّ مراده عدم اجتماع الامّة على الضلال.

  • و كان عمر يعلم يقيناً أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله لم يكن خائفاً على امّته أن تجتمع على الضلال، لأنّه كان يسمع قوله صلى الله عليه و آله: لَا تَجْتَمِعُ امتِي عَلَى ضَلَالٍ. وَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الخَطَأ. و كان يسمع قوله: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ امَّتِي ظَاهِرينَ عَلَى الحَقِّ. و كان يقرأ قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.1 إلى كثير من نصوص الكتاب و السنّة الصريحين بأنّ الامّة لا تجتمع بأسرها على الضلال.

  • فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله حين طلب الدواة و الكتف كان خائفاً من اجتماع امّته على الضلال. و الذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه إلى الأذهان، لا ما تنفيه صِحاح السنّة و محكمات القرآن.

  • على أنّ استياء رسول الله منهم دليل على أنّ الذي تركوه كان من الواجب عليهم. و لو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا، لأزال النبيّ شبهته، و أبان له مراده منه، بل لو كان في وسع النبيّ أن يقنعهم بما أمرهم به، لما آثر إخراجهم عنه.

    1. الآية 55، من السورة 24: النور.

معرفة الإمام ج۱۳

152
  • و بكاء ابن عبّاس و جزعه من أكبر الأدلّة على ما نقوله. و الإنصاف أنّ هذه الرزيّة من أعظم الرزايا التي حلّت بالنبيّ و الإسلام و الشرف و الإنسانيّة، و هي ممّا يضيق عنها نطاق العذر عن عمر دفاعاً عن ساحته.

  • و قولهم: خاف عمر من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه صلى الله عليه و آله في حال المرض، فيصير سبباً للفتنة، اعتباط و محال، مع وجود قوله صلى الله عليه و آله: لا تضلّوا، لأنّه نصّ بأنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين؟

  • و إذا كان عمر خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب، فلما ذا بذر لهم بذرة القدح، حيث عارض و مانع و قال: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ.

  • و أمّا قولهم في تفسير قوله: حسبنا كتاب الله أنه تعالى قال: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» و قال: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» فغير صحيح، لأنّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، و لا تضمنان الهداية للناس. فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما؟

  • و لو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الامّة من الضلال و التفرّق ما لا يُرجَى زواله.

  • و لم يكن مراد رسول الله من الكتاب كتابة الأحكام، حتى يقال في جوابه: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. و لو فرض أنّ مراده كان كتابة الأحكام، فلعلّ النصّ عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النصّ اكتفاءً بالقرآن.

  • و لو فرضنا أنّه لم يكن لذلك الكتاب أثر إلّا الأمن من الضلال بمجرّده، لما صحّ تركه و الإعراض عنه أيضاً اعتماداً على أنّ كتاب الله جامع لكلّ شيء. و هذا كلام لا يُعقَل.

معرفة الإمام ج۱۳

153
  • إنّ الامّة الإسلاميّة بحاجة ماسّة إلى السنّة المقدّسة، و لا تستغني عنها بكتاب الله تعالى و إن كان جامعاً مانعاً، لأنّ الاستنباط منه غير مقدور لكلّ أحد.

  • و لو كان كتاب الله مغنياً عن بيان الرسول، ما أمر الله نبيّه ببيانه للناس، إذ قال: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.1

  • و أجاب البعض عن فعل عمر بأنّه على خلاف سيرة القوم كَفَرْطَةٍ سَبَقَتْ وَ فَلْتَةٍ نَذَرَتْ. و نحن لا نعلم وجه صحّته مفصّلًا.

  • و هذا غير سديد أيضاً، لأنّ القضيّة لو كانت زلّة مؤقّتة مضت في وقتها و لم تُعْقِب شيئاً، لأمكن التغاضي عنها. بَيدَ أنّها لم تكن كذلك، إذ أعقبت نتائج سيّئة للنبوّة و الولاية و حياة البشريّة و المسلمين حتى قيام قائم آل محمّد صلى الله عليه و آله.

  • إنّ هذه الفرطة و الفلتة كعمل ضئيل يسير يتمثّل في إصدار قائد الجيش أمراً يُبيد فيه جنوده برمّتهم. و هي كالضغط على زرّ قنبلة هيدروجينيّة أو ذرّيّة، فيحيل الضاغط قارّة بأسرها رماداً على غرّة. و ينبغي أن لا نقول عملًا ضئيلًا يمكن التغاضي عنه، إذ لا بدّ أن نرى مدى

    1. الآية 44، من السورة 16: النحل.
      و الأجوبة الواردة في البحث الحادي عشر، التي قدّمها علماء العامّة للدفاع عن عمر في ردّ كتابة رسول الله، و أجوبتها كلّها مأخوذة من الكتاب النفيس الثمين« المراجعات» ص 246 إلى 251، المراجعتان 87 و 88، الطبعة الأولى. و كان المرحوم آية الله السيّد شرف الدين العامليّ قد سافر إلى مصر سنة 1329 ه-. و ناظر فيها أحد علمائها الأعلام- الذي كان شيخ الإسلام في ربوعها- ثمّ تبودلت مناظراتهما عبر المراسلة. و قد طُبع هذا السِّفر الكريم لحدّ الآن( سنة 1410 ه-) عشرين مرّة. و رحّب جميع المسلمين بموضوعاته، و تشيّع الكثيرون من إخواننا السُّنَّة ببركة مطالعته. و هو من الكتب الخالدة. و ينبغي للجميع مطالعته.

معرفة الإمام ج۱۳

154
  • أثره إلى أقصى مداه في العالم. مضافاً إلى ذلك، أنّنا لم نجد أنّ عمر قد ندم على عمله، بل كان يزداد انتهاكاً و تعدّياً على مرِّ الأيّام منذ الوقت الذي رتّب فيه ذلك المجلس المعروف. فهل يمكن التغاضي عن هذا الإصر؟!

  • جرائم عمر غيّرت مجرى التأريخ

  • إن جرائم عمر لم تقتصر على أهل بيت النبوّة و بني عبد المطّلب و على رأسهم عليّ بن أبي طالب و بضعة الرسول الكريمة فاطمة الزهراء، بل امتدّت فغيّرت مجرى التأريخ الإسلاميّ. إنّه أساء إلى خطّ النبوّة و انتهك قداسته، و خان إبراهيم و موسى و المسيح، و أضرّ بأصل الإنسانيّة و مسّ شرفها و خلودها. و أغار على موكب السائرين في طريق المعرفة، و ترك الدنيا ناراً مستعرة، و شلّ الخطّة التي أتى بها رسول الله بأمر ربّه من أجل خير الناس و إعدادهم لدخول الجنّة. فلو كانت قضيّة عمر منحصرة في جنايته على أمير المؤمنين و فاطمة الزهراء و حدهما، لأمكن التغاضي عنها.

  • إنّه حطّم كيان الصدق و الأمانة، و اشتبك مع روح النبوّة من خلال نسبة الهجر إلى القطب الأوّل في عالم الوجود، و تشكيل مشهد المنع، و ردّ الاعتراض. إنّه طَيَّن عين الشمس.

  • شور بختان به آرزو خواهند***مقبلان را زوال نعمت و جاه

  • گر نبيند به روز شبپره چشم***چشمه آفتاب را چه گناه

  • راست خواهى هزار چشم چنان***كور، بهتر كه آفتاب سياه 1

    1. -« گلستان سعدي» ص 15، طبعة عبد العظيم گرگانى.
      يقول:« يتمنّى الأشقياء من صميم قلوبهم أن تزول نعمة السعداء و جاههم.
      و إذا لم يبصر الخفّاش طريقه في النهار، فما هو ذنب عين الشمس؟
      إذا رُمتَ الصواب و الحقيقة فإنّ ألف عين عمياء كعيون الخفّاش خير من أن تكون الشمس كاسفة».

معرفة الإمام ج۱۳

155
  • لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام روح رسول الله صلى الله عليه و آله و سرّه و نفسه النفيسة. و كان عالماً بالكتاب و السنّة، عارفاً بالله و مبدأه و معاده. و لم يكن أحد مثله كما أجمعت على ذلك الامّة بأسرها. أمّا عمر فقد سلّط فأسه على جذر هكذا شجرة، و حاول تنزيله من مقامه الشامخ ليرديه إلى الأرض! لقد عزل أمير المؤمنين، أو حقيقة العلم و المعلّم الثاني للُامّة بعد رسول الله، و لم يعزله خمساً و عشرين سنة فحسب، بل عزله حتى ظهور الإمام المهديّ. و قد طمس معنى القرآن و تفسيره و تأويله، و قدّمه إلى الامّة جسداً بلا روح كالورق. و لو كان عمله جزئيّاً و فلتة و فرطة، فلا معنى عندنا للعمل العامّ و المهمّ.

  • و هنا يتبيّن كلام رسول الله: مَا اوذِيَ نَبِيّ مِثْلَ مَا اوذِيتُ قَطُّ. إنّه الأذى الروحي الذي عاناه رسول الله صلى الله عليه و آله من مقرّبين كهؤلاء حتى قال و هو يحتضر: قوموا، اذهبوا، و أعرض بوجهه الكريم عنهم، و رأى أنّ أفضل هديّة يقدّمها لابنته فاطمة بعده هي الموت. و لمّا أخبرها أنّها أوّل أهله لحوقاً به، سُرَّتْ و ضحكت. أيّ فاطمة هي؟ إنّها فاطمة التي قال الشاعر في حقّها:

  • مِشْكَاةُ نُورِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ***زَيْتُونَة عَمَّ الوَرَى بَرَكَاتُهَا

  • هي قُطْبُ دَائِرَةِ الوُجُودِ وَ نُقْطَةٌ***لَمَّا تَنَزَّلَتْ أكْثَرَت كَثَراتِهَا

  • هي أحْمَدُ الثَّانِي وَ أحْمَدُ عَصْرِهَا***هي عُنْصُرُ التَّوْحِيدِ في عَرَصَاتِهَا 1

    1. نقلًا عن كتاب« خصائص الفاطميّة» للميرزا محمّد باقر واعظ الطهرانيّ. ذكرها عن الشيخ الحرّ العامليّ.

معرفة الإمام ج۱۳

156
  • صبر رسول الله و عليّ عليهما السلام و تحمّلهما أمام المشاكل

  • و أوصى رسول الله صلى الله عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام بالصبر و الاستقامة حفظاً للإسلام و بقاءً للشرف الإنسانيّ، و صبر عليه السلام و استقام حتى حار الصبر و الاستقامة منه.

  • و ينبغي أن لا نتلمّس شجاعة علىّ في السيف يوم احُد، و بدر، و الأحزاب، و حُنَين. بل نتلمّسها هنا، إذ السيف بيده و لم يضرب به، و لم يسفك قطرة دم واحدة حتى لو عصروا فاطمة بين الباب و الجدار. ذلك أنّ حبيبه رسول الله قال له: إن لم تجد ناصراً، فلا تُشهر سيفك!

  • غير از على، كه لايق پيغمبرى بُدى؟***گر خواجة رسل نبُدى ختم أنبياء

  • فردا كه هر كسى به شفيعى زنند دست***دست من است و دامن معصوم مرتضي 1

  • يقول القاضي نور الله الشوشتريّ في «مجالس المؤمنين» في باب تشيّع سعدي الشيرازيّ: من جملة أشعار الشيخ العظيم التي تدلّ على صحّة عقيدته البيتان المذكوران اللذان رأيتهما في نسخة قديمة من ديوانه.

  • و يمكن أن نعد شعره في ديباجة «بوستان» دليلًا آخراً على تشيّعه أيضاً؛ يقول:

  • خدايا به حقّ بنى فاطمه***كه بر قول ايمان كنم خاتمه

  • اگر دعوتم رد كنى يا قبول***من و دست دامان آل رسول 2

    1. يقول:« لو لم يكن سيّد الرسل خاتم الأنبياء، فمن يليق بالنبوّة غير عليّ؟
      و إذا استشفع المرء بأحد غداً فإنّي أمسك بتلابيب المعصوم المرتضى».
    2. يقول:« إلهي! بحقّ بني فاطمة وفّقني أن أختم حياتي بالإيمان.
      و إذا رددتني أو قبلتني فإنّي أمسك بحبل آل الرسول».

معرفة الإمام ج۱۳

157
  • و يرشدنا البيت الآتي أيضاً بصراحة إلى ولائه لإمامة أمير المؤمنين عليه السلام و ولايته:

  • سعديا شرمى بدار آخر چه مىترسى بگو***نيست بعد از مصطفى مولاي ما إلّا على 1

  • روى أبو نُعَيم الإصفهانيّ بسنده عن أبي صالح الحنفيّ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أوْصِنِي! قَالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ! قَالَ: قُلْتُ: اللهُ رَبِّي وَ مَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاللهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إلَيْهِ انِيبُ! فَقَالَ: لِيَهنِكَ العِلْمُ أبَا الحَسَنِ لَقَدْ شَرِبْتَ العِلْمَ شُرْباً، وَ نَهِلْتَهُ نَهْلًا.

  • و نحن لا نجد أحداً من الصحابة مطّلعاً على سرّ عالَم الوجود و سبيل الخير و السعادة و طريق الحصانة من الآفات و العاهات الروحيّة و المعنويّة كأمير المؤمنين عليه السلام، و خطبه و كلماته كخطب رسول الله و كلماته، و كأنّه هو و رسول الله قد تناميا من جذر واحد. فهما عليهما الصلاة و السلام

    1. يقول:« أ ما تستحي يا سعدي؟ ممّ تخاف؟ قل: ليس لنا مولى بعد المصطفى إلّا عليّ».
      يرى البعض أنّ سعدي كان سنّيّاً، مستدلّين بظاهر عباراته و أشعاره، بخاصّة قصيدته التي نظمها في رثاء المستعصم و سمّاه فيها: أمير المؤمنين. و منها هذا البيت.
      آسمان را حق بود گر خون ببارد بر زمين--بر زوال ملك مستعصم أمير المؤمنين
      --
      ( يقول:« حقيق لو مطرت السماء دماً لزوال ملك أمير المؤمنين المستعصم»). و ذهب كثير من العلماء إلى أنّه كان شيعيّاً، حاملين أشعاره و كلماته في الخلفاء على التقيّة، و نخصّ منهم القاضي نور الله الشوشتريّ الذي ذكر البيتين الأوّلين اللذين نقلناهما في النصّ، و قال إنّه رآهما في نسخة قديمة من نسخ ديوانه. و عندي أنّ سعدي، و العطّار، و محيي الدين بن عربي و أمثالهم كانوا في البداية سُنّة، ثمّ أدركوا الحقيقة في الفترة الأخيرة من أعمارهم بسبب كثرة مطالعاتهم أو بسبب تألّق نور العرفان في قلوبهم، فتشيّعوا.

معرفة الإمام ج۱۳

158
  • من منظار التحليل العلميّ في خطّ واحد و مسير واحد. لذا يجب أن يكون عليّ خليفة محمّد صلى الله عليهما و سلّم.

  • كلماتٌ لأمير المؤمنين عليه السلام

  • انظر في الكلمات الآتية المأثورة عن أمير المؤمنين، فهي في قوّتها و رصانتها ككلمات رسول الله صلى الله عليه و آله:

  • روى أبو نُعَيم بسنده عن قيس بن أبي حازم أنّه قال: قال عليّ عليه السلام: كُونُوا لِقَبُولِ العَمَلِ أشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكُمْ بِالعَمَلِ! فَإنَّهُ لَنْ يَقِلَّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَ كَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يُتَقَبَّلُ؟

  • و روى أيضاً عن عبد خَير، عن عليّ عليه السلام قال: لَيْسَ الخَيْرَ أنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وَلَدُكَ وَ لَكِنَّ الخَيْرَ أنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَ يَعْظُمَ حِلْمُكَ، وَ أنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ. فَإنْ أحْسَنْتَ حَمِدتَ اللهَ، وَ إنْ أسَأتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ. وَ لَا خَيْرَ في الدُّنْيَا إلَّا لأحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ أذْنَبَ ذَنْباً فَهُوَ تَدَارَكَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ، أوْ رَجُلٍ يُسَارِعُ في الخَيْرَاتِ، وَ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ في تَقْوَى، وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ؟

  • و روى أيضاً بسنده عن عِكَرَمة بن خالد أنّه قال، و كذلك بسنده الآخر عن أبي زَغَل أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: احْفَظُوا عَنِّي خَمْساً! فَلَوْ رَكِبْتُمُ الإبِلَ في طَلَبِهَا لأنْضَيْتُمُوهُنَّ قَبلَ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لَا يَرْجُو عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، وَ لَا يَخَافُ إلأ ذنْبَهُ، وَ لَا يَسْتَحْيِي جَاهِلٌ أن يَسْألَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ، وَ لَا يَسْتَحْيِي عَالِمٌ إذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أن يَقُولَ: اللهُ أعْلَمُ. وَ الصَّبْرُ مِنَ الإيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ. وَ لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ.

  • و روى أيضاً بسنده عن المهاجر بن عُمَير أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنَّ أخْوَفَ مَا أخَافُ اتِّبَاعُ الهَوَى وَ طُولُ الأمَلِ. فَأمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وَ أمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ.

  • ألَا وَ إنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً. ألَا وَ إنَّ الآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً،

معرفة الإمام ج۱۳

159
  • وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ. فَكُونُوا مِنْ أبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابٌ، وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلٌ.1

  • و كذلك روى بسنده عن عاصم بن ضُمَرَة أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: ألَا إنَّ الفَقِيهَ كُلَّ الفَقِيهَ الذي لَا يُقَنِّطَ النَّاسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، وَ لَا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَ لَا يُرَخِّصُ لَهُمْ في مَعَاصِي اللهِ، وَ لَا يَدَعُ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وَ لَا خَيْرَ في عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَ لَا خَيْرَ في عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَ لَا خَيْرَ في قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا.2

  • و روى أيضاً بسنده عن عمرو بن مُرَّة، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: كُونُوا يَنَابِيعَ العِلْمِ، مَصَابِيحَ اللَّيْلِ، خَلِقَ الثِّيَابِ، جُدُدَ القُلُوبِ، تُعْرَفُوا بِهِ في السَّمَاءِ، وَ تُذْكَرُوا بِهِ في الأرْضِ.3

  • و روى بسنده عن أبي أراكة أنّه قال: صلى عَلِيّ الغَدَاةَ ثُمَّ لَبِثَ في مَجْلِسِهِ حتى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ كَأنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ أثَراً مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَمَا أرَى أحَداً يُشْبِهُهُمْ. وَ اللهِ إنْ كَانُوا لَيُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً صُفْراً، بَيْنَ أعْيُنِهِمْ مِثْلُ رُكَبِ المَعْزَى، قَدْ بَاتُوا يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أقْدَامِهِمْ وَ جِبَاهِهِمْ (بين السجود و القيام)،4 إذَأ ذكِرَ اللهُ مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرَةُ في يَوْمِ رِيحٍ، فَانْهَمَلَتْ

    1. انظر في جميع ما تقدّم ممّا نقله أبو نعيم:« حلية الأولياء» ج 1، ص 65 إلى 76.
    2. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 77. و ذكره الكُلينيّ أيضاً بسندين في« اصول الكافي» ج 1، ص 26، كتاب العلم، باب صفة العلماء، طبعة حيدري.
    3. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 77.
    4. أي: كانوا يتلون القرآن في ركعات صلاة الليل وقوفاً، ثمّ يركعون و يسجدون بعد الفراغ من التلاوة. و هذه هي كيفيّة صلاة الليل و تلاوة القرآن. و نحن تحدّثنا مفصّلًا عن هذا الموضوع في كتاب« نور ملكوت القرآن» ج 3، البحث السادس.

معرفة الإمام ج۱۳

160
  • أعْيُنُهُمْ حتى تَبَلَّ وَ اللهِ ثِيَابُهُمْ، وَ اللهِ لَكَأنَّ القَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ.1

  • و روى بسنده عن نوف البِكاليّ أنّه قال: رأيتُ عليّ بن أبي طالب خرج و نظر في النجوم و قال: يَا نَوْفُ! أ رَاقِدٌ أنْتَ أمْ رَامِقٌ؟! قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: يَا نَوْفُ! طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ في الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ في الآخِرَةِ، اولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الأرْضَ بِسَاطاً، وَ تُرابَهَا فِرَاشاً، وَ مَاءَهَا طِيباً، وَ القُرآنَ و الدُّعَاءَ دِثَاراً وَ شِعاراً، قَرَضُوا الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  • يَا نَوْفُ! إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَى عيسى أنْ مُرْ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ لَا يَدْخُلُوا بَيْتاً مِنْ بُيُوتِي إلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، وَ أبْصَارٍ خَاشِعَةٍ، وَ أيْدٍ نَقِيَّةٍ، فَإنِّي لَا أسْتَجِيبُ لأحَدٍ مِنْهُمْ وَ لأحَدٍ مِنْ خَلْقِي عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ.

  • يَا نَوْفُ! لَا تَكُنْ شَاعِراً، وَ لَا عَرِيفاً، وَ لَا شُرْطِيّاً، وَ لَا جَابِياً، وَ لَا عَشَّاراً، فَإنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ في سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إنَّهَا سَاعَةٌ لَا يَدْعُو عَبْدٌ إلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا، إلَّا أنْ يَكُونَ عَرِيفاً، أوْ شُرطِيّاً، أوْ جَابِياً، أوْ عَشَّاراً، أوْ صَاحِبَ عُرْطُبَةِ- وَ هُوَ الطُّنْبُورُ- أوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ- وَ هُوَ الطَّبْل-.2

  • هل تعلمون لما ذا لم يَنْقَدْ أبو بكر، و عمر و زمرتهما من قريش لأمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين؟ لأنّهم يعلمون أنّه رجل من هذا الطراز. و هذا هو خطّه و منهجه، و هذه هي علومه و زهده، و هذا هو إنصافه و عدله، و هذه هي كلماته و مواعظه.

  • إنّ عليهم أن يلملموا رحلهم في ظلّ حكومة عليّ، و عليهم أن يكونوا

    1. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 76.
    2. -« حلية الأولياء» ج 1، ص 79.

معرفة الإمام ج۱۳

161
  • مأمورين بالسير في هذه الطرق، بَيدَ أنّهم لا يريدون ذلك، يريدون أن يكونوا امراء، امراء في تعبئة الجيوش، و الانتهاك، و العدوان، و الغارة، و الأسر، لا للّه و لا في الله، بل حبّاً لرئاستهم، و إن اقترنت أعمالهم تلك بضروب الظلم و العدوان، لذلك فهم يهجون حكومة عليّ، و يرونها في غير سَدَد.

  • و أنا مشغول الآن بكتابة هذه الكلمات، خطر في ذهني معنى لقول عمر: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ. و هو أنّه أراد أن يقول: رئاسة عليّ و إمارته، و حكومته هَجْر و هذيان، كقولنا: إنّ الموضوع الفلانيّ ناتج عن رؤيا مضطربة. أنّه يقول: إنّ كلام رسول الله في أبديّة الثقلين يتعذّر قبوله إلى درجة أنّه عين الهجر و الهذيان.

  • أمّا عليّ فقد اجتاز أنانيّة الهوى و الهوس، و لَحِقَ بالحقّ، و اندكّ في الذات الأحديّة، و وقّف نفسه فداءً للّه و رسوله، فما علاقته بمكيدة القوم التي استخدموها لإقرار حكومتهم؟

  • شعر في مدح أمير المؤمنين عليه السلام

  • و ما أروع الشعر الذي نظمه سماحة استاذنا الأكرم آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الشريفة! حيث قال:

  • دامن از انديشة باطل بكش***دست از آلودگى دل بكش

  • كار چنان كن كه در اين تيره خاك***دامن عصمت نكنى چاكچاك 1

  • 2
    1. يقول:« طهّر نفسك من الباطل و ارْعَوِ عن تدنيس قلبك.
      اعملْ في هذه الدنيا المظلمة عملًا تحافظ فيه علي عصمتك و طهارتك( و تصون فيه سمعتك و ماء وجهك)».
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

162
  • يا به دل انديشة جانان ميار***يا به زبان، نام دل و جان ميار

  • پيش نياور سخن گنج را***ور نه فراموش نما رنج را

  • يا منگر سوى بتان تيز تيز***يا قدم دل بكش از رستخيز

  • روى بتان گر چه سراسر خوش است***كشتى آنيم كه عاشق كش است

  • عشق بلند آمد و دلبر غيور***در أدب آويز رها كن غرور

  • چرخ بدين سلسله پا در گل است***عقل بدين مرحله لا يعقل است

  • جان و جسد سوخته زين مرهمند***مُلك و مَلَك سوخته اين غمند 1

    1. يقول:« إمّا لا تُشْعِر قلبك بفكرة الله، أو لا تذكر اسم الحبيب على لسانك.
      لا تتحدّث بالكنز و إذا أردتَ أن تتحدّث به فانسَ العناء.
      إمّا لا تنظر بوَلَعٍ إلى ذوي الوجوه الحسان، أو اصدف عن الاعتقاد بيوم القيامة.
      إن الوجوه الحسان و إن كانت مُبهجة كلّها بَيدَ أننا ضحايا حبيب يقتل العاشقين.
      إن عالم العشق رفيع جدّاً و إنّ محبوبنا و معشوقنا غيور فراعِ الأدب و دعِ الغرور.
      الكون كلّه مقيّد بسلسلة العشق و أقدام الجميع غاطسة في الوحل، و العقل في هذه المرحلة لا يعقل.
      إن الأرواح و الأجساد احترقت من هذا المرهم، و المُلك و المَلَك احترقا بنار العشق و غمّه».
      و قد نشرت صحيفة« قُدس» المحلّيّة الصادرة في مدينة مشهد المقدّسة هذه الأبيات للعلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه في العدد 549، السنة الثانية، يوم الأربعاء 15 ربيع الآخر 1410 ه- المصادف 24/ 8/ 1368 ه-. ش،( الموافق 15/ 11/ 1989 م).
      و من المؤسف أنّ الصحيفة المذكورة جعلت الذكرى السنويّة لوفاة العلّامة في اليوم المشار إليه حسب التأريخ الشمسيّ. و حسبت الذكرى وفقاً للسنة الشمسيّة على خلاف الموازين الشرعيّة كلّها. و كان يوم وفاة العلّامة في الثامن عشر من محرّم الحرام، و ليس الخامس عشر من ربيع الثاني، فتأمّل و افهم و انظر إلى أين يجرّ الضلالُ الإنسانَ.
      خشت اوّل چون نهد معمار كج--تا ثريّا مىرود ديوار كج
      --
      يقول:« إذا وضع المعمار اللبنة الأولى معوجّة، فإنّ الجدار يظلّ معوجّاً و لو ارتقى إلى الثريّا».

معرفة الإمام ج۱۳

163
  • أجل، إنّ عليّاً هو الذي اجتاز الكون و المكان، و طاطأ رأسه مسلّماً خاضعاً لعبوديّة الحقّ.

  • صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا أبَا الحَسَنِ وَ عَلَى زَوْجَتِكَ الطَّاهِرَةِ وَ أوْلَادِكَ الطَّاهِرِينَ مَا بَقِيَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ.

  • مهر تو را به عالم امكان نميدهم***اين گنج پر بهاست من ارزان نميدهم

  • يك قطره از سرشگ كه ريزم به يادشان***آن قطره را به گوهر غلطان نميدهم

  • گر انتخاب جنّت و كوثر به من دهند***كوى تو را به جنّت و رضوان نميدهم 1

    1. يقول:« لا اقايض حبَّك بعالَم الإمكان( لا أرتضي بعالم الإمكان، عن حبّك بدلًا) فهو كنز ثمين لا اعطيه زهيداً.
      إن الدمعة التي أسكبها عند ذكرهم لا اعادلها بالجوهرة المستديرة.
      لو خُيِّرتُ بين الجنّة و الكوثر و بين دربك لما اخترتُ الجنّة و الرضوان دونه».

معرفة الإمام ج۱۳

164
  • نام تو را به نزد أجانب نميبرم***چون اسم أعظم است، به ديوان نميدهم

  • من را غلامى تو بود تاج افتخار***اين تاج را به افسر شاهان نميدهم

  • دست طلب ز دامنشان من نميكشم***دل را به غير عترت و قرآن نميدهم

  • درّ ولايتى كه نهفتم ازو به دل***تابنده گوهرى است من ارزان نميدهم

  • در عاريت سراى جهان! جان عاريت***جز در ثناى حضرت جانان نميدهم

  • آل على است جان جهان و جهان جان***بى مهرشان به قابض جان، جان نميدهم

  • جان مىدهم به شوق وصال تو يا على***تا بر سرم قدم ننهى جان نميدهم 1

    1. يقول:« لا أذكر اسمك عند الأجانب( خوفاً من هتك حرمته) فهو الاسم الأعظم، و لا اعطيه العفاريت.
      إن عبوديّتي لك تاجُ فخرٍ لي و لا أبتغي تاج الملوك عنه بدلًا.
      لا أقبض يدي عن التعلّق بأذيالهم( عن أهل البيت) و قلبي لا ينشدّ إلّا إلى القرآن و العترة.
      إن درّ الولاية الذي أخذته منه و أخفيته في قلبي جوهر ساطع لا اعطيه زهيداً.
      إن روحي المودعة بين جَنْبَيّ في هذه الدنيا العارية لا أفديها إلّا في الثناء على الحبيب المعشوق.
      إن آل عليّ روح العالَم و عالَم الروح و لا اسلّم روحي لقابض الأرواح بدون حبّهم.
      أبذل مهجتي شوقاً إلى لقائك يا عليّ، و لا أجود بروحي ما لم تضع قدمك على رأسي».

معرفة الإمام ج۱۳

165
  • امروز هر كسي به بُتى جان سپرده است***من سر به غير قبلة ايمان نميدهم 1

  • و روى أبو نعيم الإصفهانيّ بسنديه عن حُذيفة بن اليمان أنّه قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أ لَا تَسْتَخْلِفُ عَلِيَّاً؟ قَالَ: إنْ تُوَلُّوا عَلِيَّاً تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ.2

  • و كذلك روى بسندين عن حُذيفة أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنْ تَسْتَخْلِفُوا عَلِيَّاً- وَ مَا أرَاكُمْ فَاعِلين- تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَحْمِلُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ.3

  • حَفِظْتَ رَسُولَ اللهِ فِينَا وَ عَهْدَهُ***إلَيْكَ وَ مَنْ أولى بِهِ مِنْكَ مَنْ وَ مَنْ

  • أ لَسْتَ أخَاهُ في الهُدَى وَ وَصِيَّةُ***وَ أعْلَمَ مِنْهُمْ بِالكِتَابِ وَ بِالسُّنَن 4

    1. يقول:« لقد عكف الناسُ اليومَ كلٌّ على صنمه، أمّا أنا فلا أتوجّه إلّا شطر قِبلة الإيمان».
      عن كتاب« مصيبة الأولياء» طبعة إقبال، من نظم أحمد الحسينيّ الفيروزآباديّ. و قد نظمها صاحبها في الإمام الحسين عليه السلام، فلذا جاء البيت الآتي بعد البيت الرابع:
      اى خاك كربلاى تو مهر نماز من--آن مهر را به مهر سليمان نميدهم
      --
      يقول:« يا مَن تربة كربلائك تربة صلاتى، فلا اقايض تلك التربة بخاتم سليمان».
      و جاء في البيت ما قبل الأخير قوله:
      ، جان مىدهم به شوق وصال تو يا حسين،
      يقول:« أبذل مهجتي شوقاً إلى لقائك يا حسين».
      بَيدَ أنّا لمّا أوردنا هذه الأبيات في أمير المؤمنين عليه السلام، فقد نقلناها بالنحو المذكور على سبيل الاقتباس و الاستخدام.
    2. ( 2 و 3)-« حلية الأولياء» ج 1، ص 64.
    3. ( 2 و 3)-« حلية الأولياء» ج 1، ص 64.
    4. -« المراجعات» ص 287، الطبعة الأولى. و البيتان لحسّان بن ثابت.

معرفة الإمام ج۱۳

166
  • وَ إنَّ وَلِيّ الأمْرِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ***عَلِيّ وَ في كُلِّ المَوَاطِنِ صَاحِبُهْ

  • وَصِيّ رَسُولِ اللهِ حَقَّاً وَ صِنْوُهُ 1***وَ أوَّلُ مَنْ صلى وَ مَنْ لَانَ جَانِبُهْ 2

    1. -« المراجعات» ص 286. و البيتان لعبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب.
    2. -« المراجعات» ص 286. و البيتان لعبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب.

معرفة الإمام ج۱۳

168
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ السَّادِسُ وَ الثَّمانُونَ بَعْدَ المِائَةِ إلى التِّسْعِينَ بَعْدَ المِائَةِ تواتر حديث الثقلين

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱۳

170
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ و آلِهِ الطَّاهِرِينَ

  • و لَعْنَةُ اللهِ عَلَى أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَى قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ

  • و لَا حَولَ و لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ

  •  

  •  

  • مهمّة رسول الله في بيان الآيات للناس

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.1

  • شاهِدُنا هنا هو ذيل الآية الثانية: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ. أي: أنّنا أرسلنا القرآن إلى الناس تدريجيّاً، و نزوله الدفعيّ إليك من أجل أن تبيّنه للناس و تشرحه و تفسّره، فأنت نافذة و آية لعبور الوحي إلى الناس؛ و نزل القرآن في الحقيقة إليهم و عليهم عبر مرآة نفسك و آيتها و نافذتها الوحيدة! و هكذا فبيانه و توضيحه و شرحه و تفسيره عليك أنت لا على غيرك!

  • قال سماحة استاذنا الأكرم آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه في تفسير هذه الفقرة:

  • لا شكّ أنّ تنزيل الكتاب على الناس، و إنزال الذكر على النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله واحد، بمعنى أنّ تنزيله على الناس هو إنزاله إليه

    1. الآيتان 43 و 44، من السورة 16: النحل.

معرفة الإمام ج۱۳

171
  • ليأخذوا به و يوردوه مورد العمل كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.1 و قال: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ.2

  • فيكون محصّل المعنى أنّ القصد بنزول هذا الذكر إلى عامّة البشر و أنّك و الناس في ذلك سواء. و إنّما اخترناك لتوجيه الخطاب و إلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبيّة و إرادة تكوينيّة إلهيّة فنجعلك مسيطراً عليهم و على كلّ شيء! بل لأمرين:

  • أحدهما: أن تبيّن للناس ما نُزِّل إليهم، لأنّ المعارف الإلهيّة لا ينالها الناس بلا واسطة! فلا بدّ من بعث واحدٍ منهم للتبيين و التعليم. و هذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثمّ يؤمر بتبليغه و تعليمه و تبيينه.

  • و الثاني: رجاءَ أن يتفكّروا فيك فيتبصّروا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله. فإنّ الأوضاع المحيطة بك و الحوادث و الأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليُتم، و خمود الذكر، و الحرمان من التعلّم و الكتابة، و فقدان مُرَبّ صالح، و الفقر و الاحتباس بين قوم جهلة أخسّاء صفر الأيدي من مزايا المدنيّة و فضائل الإنسانيّة، كانت جميعاً أسباباً قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة، و لا تقبض من عُرى السعادة على مسكة، لكنّ الله سبحانه و تعالى أنزل إليك ذكراً تتحدّى به الجنّ و الإنس مهيمناً على سائر الكتب السماويّة تبياناً لكلّ شيء و هدى و رحمة و برهاناً و نوراً مبيناً.

  • (إلى أن قال): و من لطيف التعبير في الآية قوله: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، و: ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ بتفريق الفعلين بالإفعال الدالّ على اعتبار الجملة و الدفعة،

    1. الآية 174، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 10، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة الإمام ج۱۳

172
  • و التفعيل الدالّ على اعتبار التدريج.

  • و لعلّ الوجه في ذلك أنّ العناية في قوله: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ بتعلّق الإنزال بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله فقط من غير نظر إلى خصوصيّة نفس الإنزال، و لذلك أخذ الذكر جملة واحدة، فعبّر عن نزوله من عنده تعالى بالإنزال.

  • و أمّا الناس، فإنّ الذي لهم من ذلك هو الأخذ و التعلّم و العمل، و قد كان تدريجيّاً، و لذلك عُني به، و عبّر عن نزوله إليهم بالتنزيل.

  • و في الآية دلالة على حُجّيّة قول النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله في بيان الآيات القرآنيّة.

  • و أمّا ما ذكره بعضهم أنّ ذلك في غير النصّ و الظاهر من المتشابهات، أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله و ما فيه من التأويل فممّا لا ينبغي أن يُصغى إليه.

  • هذا في نفس بيانه صلى الله عليه و آله، و يلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر و غيره. و أمّا سائر الامّة من الصحابة أو التابعين أو العلماء، فلا حجّيّة لبيانهم، لعدم شمول الآية و عدم وجود نصّ معتمد عليه يعطي حجّيّة بيانهم على الإطلاق.

  • و أمّا قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، فقد تقدّم أنّه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة.

  • هذا كلّه في نفس بيانهم المتلقّي بالمشافهة. و أمّا الخبر الحاكي له، فما كان منه بياناً متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعيّة، و ما يلحق به فهو حجّة لكونه بيانهم. و أمّا ما كان مخالفاً للكتاب أو غير مخالف لكنّه ليس بمتواتر و لا محفوفاً بالقرينة، فلا حجّيّة فيه لعدم كونه بياناً في الأوّل،

معرفة الإمام ج۱۳

173
  • و عدم إحراز البيانيّة في الثاني. و للتفصيل محلّ آخر.1

  • القرآن كلام الله و تجلّيه في هذا اللباس للخلائق قاطبة من جنّ و إنس، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ في كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونُوا رَأوْهُ.2

  • و قال الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: لَقَدْ تَجَلَّى اللهُ لِخَلْقِهِ في كَلَامِهِ وَ لَكِنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ.3

  • و من الواضح أنّ معنى التجلّي هو الظهور، و الظهور غير البينونة كما أنّ التجلّي غير التجافي. و يُلحَظُ في التجلّي أنّ المتجلِّي، و المتجلَّى فيه، و حقيقة التجلّي شيء واحد. و كذلك يُلْمَسُ في الظهور أنّ الظاهر، و المَظهَر، و حقيقة الظهور شيء واحد.

  • إن عالم الوجود بما فيه القرآن الكريم تجلّى الله حسب المنظور القرآنيّ. و هذا الموضوع من الثوابت في مدرسة أهل البيت، و يُعَدُّ من أبجديّتها و ألفبائها. و لا تعني الخلقة بينونة المخلوق عن الخالق و تولّده منه، فللّه سبحانه و تعالى معيّة وجوديّة و ذاتيّة ترافق الموجودات و المخلوقات بأسرها، و حينئذٍ لا يُتَصَوَّرُ الانفصال و البينونة. أمّا الجاهلون بمعارف القرآن و أهل البيت، فإنّهم لم يدركوا هذا المعنى، و كفّروا القائلين بوحدة الوجود، بينما هم منغمسون في الشرك من رأسهم حتى أخمصهم.

  • إنّهم ظنّوا أنّ معنى وحدة الوجود يتمثّل في لباس الاتّحاد أو الحلول

    1. -« الميزان في تفسير القرآن» ج 12، ص 275 إلى 278.
    2. -« نهج البلاغة» ج 1، ص 265، الخطبة 45، تعليق الشيخ محمّد عبده، طبعة مصر.
    3. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 107، الطبعة الحديثة، طهران.

معرفة الإمام ج۱۳

174
  • و أمثال ذلك ممّا يستلزم تكثّر ذات الحقّ المقدّسة. و هذا ليس معنى الوحدة. بل معناها الوحدة في الذات و الاسم و الصفة، و معيّته الحقيقيّة لا الاعتباريّة. و هذه نقطة دقيقة سامية يبتني عليها أصل التوحيد القرآنيّ.

  • و لمّا كان القرآن تجلّياً للّه، فإنّ الله معه في العوالم الخمسة النازلة المسمّاة الحَضَرات الخَمْس كلّها إلى أن يصل عالم الحسّ و الشهادة هذا.

  • و كذلك معنى القرآن و حقيقته الحافظة له، و المهيمنة عليه، فهي معه اعتباراً من روح القُدُس الذي هو أعظم الملائكة، إلى هذا العالم، عالم المادّة الذي هو أظلم العوالم. طَرَفٌ منه: وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ،1 و طرف في هذا العالم المليء بالصخب و الضجيج، و الناس المبتلين بالآفات و العاهات و الغرائز و الحواسّ: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.2

  • الإمام مع القرآن في جميع العوالم

  • إنّ النبيّ و الإمام الحاملَين للقرآن الحافظَين له هما مع القرآن الكريم في المراحل الملكوتيّة و المُلكيّة برمّتها، و هذا الموضوع شرط ولايتهما الكلّيّة، إذ هما مع كلّ موجود في كلّ عالم، و لا يفترقان عنه أبداً.

  • روى عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره، و المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «الغيبة» للنعمانيّ، بثلاثة أسناد عن أمير المؤمنين، و الباقر، و الصادق عليهم السلام أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله قال في خطبته المشهورة التي ألقاها في حجّة الوداع في مسجد الخيف: إنِّي وَ إنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَى الحَوْضِ، حَوْضاً عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَي3 إلى صَنْعَاءَ،

    1. الآية 6، من السورة 27: النمل.
    2. الآية 102، من السورة 16: النحل.
    3. بُصري قريبة من دمشق، و صنعاء مدينة عامرة باليمن مليئة بالمياه و الأشجار. و قصد النبيّ هنا سعة الحوض، إذ يشغل مساحة الجزيرة العربيّة كلّها، لأنّ صنعاء في جنوبها، و بصري في شمالها.

معرفة الإمام ج۱۳

175
  • فيه قِدْحَانٌ1 عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَ إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ القُرْآنُ، وَ الثَّقَلُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، هُمَا حَبْلُ اللهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا، سَبَبٌ مِنْهُ بِيَدِ اللهِ وَ سَبَبٌ بِأيْدِيكُمْ.2

  • و في حديث آخر: طَرَفٌ مِنْهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفٌ مِنْهُ بِأيْدِيكُمْ، إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ قَدْ نَبَّأنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، كَإصْبَعَيّ هَاتَيْنِ- وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- وَ لَا أقُولُ كَهَاتَيْنِ- وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتِهِ وَ الوُسْطَى فَتَفْضُلَ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ.

  • و نقل المجلسيّ عن كتاب «العلل» لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم أنّ العلّة في قوله صلى الله عليه و آله «لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض» أنّ القرآن معهم في قلوبهم في الدنيا، فإذا صاروا إلى عند الله عزّ و جلّ كان معهم. و يوم القيامة يردون الحوض و هو معهم.3

  • و الطريف في هذا الخبر قوله: هُمَا حَبْلُ اللهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَ. أي: كما أنّ القرآن من الله لخلقه، و كلام الله الصادر عن عالم التجرّد لكم أيّها البشر في عالم الطبيعة- فهو حبل ممدود من هناك إلى هنا- فكذلك عترة رسول الله، إذ هم من الله، و هم كلمته التكوينيّة الإلهيّة من

    1. جاء في كتب اللغة جميعها أنّ جمع قدح أقداح، كما ورد في« المصباح المنير»، و« لسان العرب»، و« مجمع البحرين» مثل سَبَب أسباب.
    2. و 3-« تفسير القميّ» ص 4 و 5؛ و« بحار الأنوار» ج 92، ص 102 و 103، عن كتاب« الغيبة» للنعمانيّ، ص 17.
    3. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 106.

معرفة الإمام ج۱۳

176
  • عالم التجرّد لكم أيّها الناس المغمورون في عالم الحسّ و الشهادة، و هم الحبل المعنويّ و الحقيقيّ و واسطة الفيض من الله إلى خلقه، و هداية خلق الله إلى الله بأمر الله الملكوتيّ.

  • و هذا هو المراد من الولاية الكلّيّة و السيطرة التكوينيّة و الوجوديّة لتلك الذوات المقدّسة على عوالم الوجود بأسرها، و هو معنى الولاية نفسه. و كون القرآن معهم، و هم معه في كلّ عالم من هذه العوالم يفيد أنّنا لو أردنا- فرضاً- أن نلقي القرآن في نقطةً من النقاط بدونهم، فهذا يعني أنّنا لا قرآن عندنا، و لو أردنا أن نلقاهم في موطن من المواطن خالين من القرآن فهذا يعني أنّنا لا أئمّة عندنا.

  • و في ضوء هذا المنطق، نجد أنّ قول القائل: عِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ خلاف ضرورة العقل و القواعد القويمة للشرع المبين. و المعادلة التي نستنتجها هي:

  • كتاب الله- عترة رسول الله/ كتاب الله- كتاب الله.

  • إذ إنّ كتاب الله جعل كلام رسول الله و سنّته حجّة، و كلام رسول الله هو الذي نطق بكتاب الله. و لا شبهة و لا تردّد عند أحد المسلمين في وجوب اتّباع كتاب الله و العمل به. بينما جعل كتابُ الله أمَر رسول الله و نهيه و كلامه و سنّته و خطّه و منهاجه و وصيّته حجّةً، و عليه قدّم رسول الله عترته الذين هم أهل بيته بوصفهم القائمين بالأمر، و الأئمّة، و الامراء، و القادة، و السادة، و الرؤساء، و الحكّام، و حرّاس كتاب الله، و حافظيه، و مُبيّنيه، و مفسّريه، و حامليه، و صائنيه، و العلماء به، و معلّميه. و كما كان واجباً على الناس في عصره أن يرجعوا إليه، و يأخذوا منه كتاب الله علماً و عملًا، و ينظروا إليه على أنّه الإمام و الاسوة و المقتدى و واجب الطاعة، فكذلك عرّف رسول الله عترته بعده بهذه المنزلة و المكانة، و جعل الإمامة فيهم

معرفة الإمام ج۱۳

177
  • واحداً بعد آخر حتى مهديّهم و قائمهم عليهم السلام.

  • النتيجة: العمل بكتاب الله واجب، و العمل بسنّة رسول الله على أساس كتاب الله واجب. و حينئذٍ يكون العمل بمنهاج العترة و خطّها، و اتّباعها على أساس سنّة رسول الله واجباً أيضاً.

  • مقدّم چون پدر، تالى چون مادر***نتيجه هست فرزند أي برادر 1

  • لو فرضنا هنا أنّنا لا نملك دليلًا روائيّاً و تاريخيّاً و تفسيريّاً من كتب العامّة في وجوب طاعة أهل البيت و إمامتهم و خلافتهم- في حين نجد أنّ كتبهم مشحونة بذلك و قد بلغت في الكثرة مبلغاً أنّنا قد لا نجد مثلها في كتب الشيعة و أثبتنا حقّانيّتهم و وصايتهم و خلافتهم بلا فصل، و لزوم اتّباعهم اعتماداً على كلامهم و كتبهم ك- «الاصول الأربعمائة»، و «نهج البلاغة»، و «الصحيفة السجّاديّة»، و «مصحف فاطمة»، و كتاب عليّ، و الأحاديث المتقنة الموثوقة من طرق الشيعة كسُلَيْم بن قيس الهلاليّ، لكفانأ ذلك، و كانت الحجّة قد تمّت على عامّة المسلمين، و لا يلزم الدَّوْر، فيُقال: إنّ إثبات إمامتهم يبتني على صحّة هذه المطالب، و صحّة هذه المطالب تبتني على إثبات إمامتهم. و هذا هو الدَّوْر.

  • ذلك أنّنا نثبت مطالبهم و لزوم اتّباعهم من كلام رسول الله، إذ جعلهم حجّة في أحاديثه المتواترة كحديث الغدير، و حديث الثقَلَين، و حديث السفينة، و حديث باب حطّة بني إسرائيل و أمثالها التي وصلت إلينا بالتواتر. و ينبغي أن يعتقد أهل العلم و الاطّلاع من المسلمين جميعهم بتواترها و ثبوتها.

  • و على هذا فإنّ إثبات كلام أمير المؤمنين في «نهج البلاغة» أو سائر

    1. يقول:« أيّها الأخ! إنّ المقدّم كالأب، و المؤخّر كالامّ، و منهما يكون الولد».

معرفة الإمام ج۱۳

178
  • كلمات الأئمّة و أقوالهم، أو حديث الثقلين محرزٌ، إذ يصدّقه الطرفان. فكيف يستلزم الدَّوْر؟

  • روايات الشيعة في حديث الثقلين

  • روى الشيخ الصدوق في كتاب «عيون أخبار الرضا» بثلاثة أسناد عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا! ß

معرفة الإمام ج۱۳

179
  • 1

    1. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 13، الطبعة الحديثة، طهران؛« عيون الأخبار» ج 2، ص 31. و من الجدير ذكره أنّ خَلَفَ يَخْلُفُ خِلَافةً من باب( نصر ينصر) بمعنى: صار خليفة. أي: كان خليفته- صار خليفته في أهله. و خَلَّفَ تَخْلِيفاً من باب التفعيل بمعنى جعل أحداً خليفة. و أمّا صيغة تَخْلُفُونِّي فقد كانت في الأصل تَخْلُفُونَنِي ثمّ ادغمت نون الإعراب بنون الوقاية فصارت تَخْلُفُونِّي. أي: على أيّ نحو تحفظونني و تحفظون حقيقتي و آثاري- و أخيراً جميع شئوني و خصوصيّاتي- في ذينك الاثنين، و تؤدّون حقّ خلافتي فيهما؟! قال في« صحاح اللغة» جمع الخليفة: الخلائف جاءوا به على الأصل مثل كريمة و كرائم، و قالوا أيضاً: خُلَفاء من أجل أنّه لا يقع إلّا على مذكّر، و فيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء فصار مثل ظريف و ظرفاء، لأنّ فعيلة بالهاء لا تجمع على فعلاء. و يقال: خَلَفَ فلانٌ فلاناً إذا كان خليفته.[ و] يقال: خَلَفَهُ في قومه خلافةً. و منه قوله تعالى: وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي. و خَلَفْتُهُ أيضاً إذا جئتُ بعده، و ورد في« لسان العرب»( ج 9، ص 83، العمود الأيسر): وَ خَلَفَ فلانٌ فلاناً إذا كان خليفته. ثمّ ذكر ما أوردناه عن« صحاح اللغة» آنفاً. و قال في ص 82، العمود الأيسر: وَ خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ: صَارَ خَلْفَهُ. وَ اخْتَلَفهُ: أخَذَهُ مِنْ خَلَفِهِ. اخْتَلَفَهُ وَ خَلَّفَهُ وَ أخْلَفَهُ: جَعَلَهُ خَلْفَهُ. و قال ابن الأثير في« النهاية» ج 2، ص 69 بعد شرحٍ لمعنى خلف: و في حديث أبي بكر، جاءه أعرابيّ فقال له: أنتَ خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله؟! قال: لا! قال: فما أنتَ؟! قال: أنَا الخَالِفةُ بَعْدَهُ. ثمّ قال ابن الأثير: الخليفة مَن يقوم مقام الذاهب و يسدّ مسدّه. و الهاء فيه للمبالغة. و جمعه الخلفاء على معنى التذكير الخَالِفَةُ فَهُوَ الذي لا غِناء عنده و لا خير فيه؛ و كذلك الخالف. و قيل: هو الكثير الخلاف.
      ثمّ قال صاحب« النهاية» هنا: و هو( أبو بكر) بيّن الخلافة بالفتح. و إنّما قال ذلك تواضعاً و هضماً من نفسه حين قال له: أنتَ خليفةُ رسول الله.
      و ذكر صاحب« لسان العرب» هذا الكلام مع ذيله في ج 9، ص 89، العمود الأيمن و الأيسر من كتابه نقلًا عن ابن الأثير. و قال مؤلّف« مجمع البحرين» بعد نقل هذه الواقعة عن ابن الأثير: و هو لعمري عذرٌ فاضحٌ غير واضحٌ. و على قولنا: عذر أسوأ من ذنب. فأبو بكر نفسه يقرّ بتخلّفه لكنّ المتملّقين أوحوا إلى فكره الفاسد الزورَ و الكذب.
      و قال في« شرح القاموس»- بالفارسيّة- و خَلَف فُلَانٌ خَلَافَةٌ بفتح الأوّل و خُلُوف كسرور، أي: أفِنَ الأحمق؛ فذلك الشخص خالف ككامل، و خالفة ككاملة. قال المترجم: و قد مضى قبل ذلك أيضاً قوله: و بالضمّ العَيْبُ و الحُمق كالخِلافة. و قال بعد فاصلة قليلة: و الخَالِفَة الأحمقُ كالخالفِ، فهو مكرّر. و خَلَفَ عن خُلق أبيه. و خَلَفَ فلاناً صار خليفته- انتهى كلام« شرح القاموس».
      و قال في« لسان العرب»( ص 91، العمود الأيسر): و في الحديث أنّ اليهود قالت: لقد علمنا أنّ محمّداً لم يترك أهله خُلوفاً. أي: لم يتركهنّ سُدى لا راعيَ لهنّ و لا حامي.
      أجل، أوصى رسول الله الناس بطاعة أهل بيته، و أوصى أهل بيته بالتصدّى لولاية الناس و إمامتهم. و ترسيخ القرآن و الإسلام الحقيقيّ في أوساطهم. فأهل البيت خلفاء رسول الله في الولاية و الإمامة، و الناس خلفاؤه في رعاية أهل البيت و المحافظة عليهم كرعاية رسول الله نفسه و المحافظة عليه. و هذا هو المعنى المقصود من قوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! أمّا أهل البيت فقد جدّوا و اجتهدوا في رعاية خلافة النبيّ حتى جادوا بأرواحهم و بذلوا مهجهم في هذا السبيل. و أمّا الناس فقد ضيّعوا خلافته حتى قتّلوا أهل بيته. قال في« لسان العرب»( ص 89، العمود الأيمن): يقال في الفعل منه: خَلَفَهُ في قومه و في أهلِهِ يَخْلُفُهُ خَلَفاً و خِلَافَةً. و خَلَفَنِي فَكَانَ نِعْمَ الخَلَفُ أوْ بِئسَ الخَلَفُ. و منه خَلَفَ الله عليك بخير خَلَفاً و خِلَافَةً. و الفاعل منه خَلِيفٌ و خَلِيفَةٌ و الجمع خُلَفَاء و خَلَائِف. فالخَلَفُ في قولهم: نِعْمَ الخَلَف و بِئسَ الخَلَف، و خَلَفُ صِدْقٍ و خَلَفُ سُوءٍ، و خَلَفٌ صالِحٌ و خَلَفٌ طالِحٌ، هو في الأصل مصدر سُمِّي به مَن يكون خليفةً، و الجمع أخلاف كما تقول: بَدَلٌ و أبْدَالٌ لأنّه بمعناه. و يتحصّل من هذا أنّ أهل بيت النبوّة كانوا نِعم الخَلَف لرسول الله و أنّ الناس كانوا بئس الخَلَف له في أهل بيته.

معرفة الإمام ج۱۳

180
  • و قال ابن شهرآشوب في مناقبه: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: لَمْ يَمُتْ نَبِيّ قَطُّ إلَّا خَلَّفَ تَرِكَتَهُ، وَ قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.1

  • و روى العيّاشيّ في تفسيره عن مسعدة بن صدقة أنّه قال: قال الصادق عليه السلام:

  • إنَّ اللهَ جَعَلَ وَلَايَتَنَا أهْلَ البَيْتِ قُطْبَ القُرآنِ، وَ قُطْبَ جَمِيعِ الكُتُبِ عَلَيْهَا يَسْتَدِيرُ مُحْكَمُ القُرآنِ، وَ بِهَا يُوهَبُ الكُتُبُ، وَ يَسْتَبِينُ الإيمَانُ، وَ قَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنْ يُقْتَدَى بِالقُرآنِ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ في آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلَ الأكْبَرَ وَ الثَّقَلَ الأصْغَرَ، فَأمَّا الأكْبَرُ فَكِتَابُ رَبِّي، وَ أمَّا الأصْغَرُ فَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَاحْفَظُونِي فِيهِمَا فَلَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا.2

  • و قال المجلسيّ في موضع آخر، قد مضى في احتجاج الحسن بن عليّ عليهما السلام و أصحابه على معاوية أنّه عليه السلام قال: نَحْنُ نَقُولُ أهْلَ البَيْتِ: إنَّ الأئِمَّةَ مِنَّا، وَ إنَّ الخِلافَةَ لَا تَصْلَحُ إلَّا فِينَا، وَ إنَّ اللهَ جَعَلَنَا أهْلَهَا في كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، و إنَّ العِلْمَ فِينَا وَ نَحْنُ أهْلُهُ، وَ هُوَ عِنْدَنَا مَجْمُوعٌ كُلُّهُ بِحَذَافِيرِهِ، وَ إنَّهُ لَا يَحْدُثُ شىْءٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ حتى أرْشُ الخَدْشِ إلَّا وَ هُوَ عِنْدَنَا مَكْتُوبٌ بِإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ خَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ.3

    1. -« غاية المرام» ص 230، الحديث التاسع و الأربعون عن الخاصّة.
    2. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 27؛« تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 6.
    3. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 47.

معرفة الإمام ج۱۳

181
  • جمعُ عليّ عليه السلام القرآن و حمله إلى المسجد

  • و روى عن مناقب ابن شهرآشوب، عن أبي نُعَيم في حليته، و عن الخطيب في «الأربعين» بإسناده عن السُّدّيّ، عن عبد خَيْر، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أقْسَمْتُ- أوْ حَلَفْتُ- أن لَا أضَعَ رِدَايَ عَلَى ظَهْرِي حتى أجْمَعَ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ. فَمَا وَضَعْتُ رِدَايَ حتى جَمَعْتُ القُرْآنَ.

  • و في أخبار أهل البيت عليهم السلام: إنَّهُ آلَى أنْ لَا يَضَعَ رِدَاءَهُ عَلَى عَاتِقِهِ إلَّا لِلصَّلَاةِ حتى يُؤَلِّفَ القُرْآنَ وَ يَجْمَعَهُ. فَانْقَطَعَ عَنْهُمْ مُدَّةً إلَى أنْ جَمَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِم بِهِ في إزَارٍ يَحْمِلَهُ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ في المَسْجِدِ، فَأنْكَرُوا مَصِيرَهُ بَعْدَ انْقِطَاعٍ مَعَ التِّيهِ.1 فَقَالُوا: لأمْرٍ مَا جَاءَ أبُو الحَسَنِ؟!

  • فَلَمَّا تَوَسَّطَهُمْ وَضَعَ الكِتَابَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي! وَ هَذَا كِتَابُ اللهِ وَ أنَا العِتْرَةُ.

  • فَقَامَ إلَيْهِ الثَّانِي فَقَالَ: إنْ يَكُنْ عِنْدَكَ قُرآنٌ فَعِنْدَنَا مِثْلُهُ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمَا! فَحَمَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الكِتَابَ وَ عَادَ بِهِ بَعْدَ أنْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ.2

  • و في خبر طويل عن الصادق عليه السلام أنّه حَمَلَهُ و ولّى راجعاً نحو حجرته و هو يقول: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.3 و لهذا قرأ ابن مسعود: إنَّ عَلِيَّاً جَمَعَهُ وَ قَرَأ بِهِ وَ إذَا قَرَأ فَاتَّبِعُوا قِرَاءَتَهُ.4

    1. التِّيه: النُّبل و الكِبر. و جاء في بعض نسخ« البحار» الإلبة. و تعني: القوم تجمعهم عداوةُ واحد.
    2. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 52.
    3. الآية 187، من السورة 3: آل عمران.
    4. تُنْظَرُ الآيتان 17 و 18، من السورة 75: القيامة.« بحار الأنوار» ج 92، ص 53، عن مناقب ابن شهرآشوب، ص 41.
      و قال الشيخ المفيد في« الإرشاد»: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: أيُّهَا الناس! أنا فَرَطكم و أنتم واردون عَلَيّ الحوضَ، ألا إنِّي سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تَخْلُفونّي فيهما؟! فإنّ اللطيفَ الخبيرَ نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يلقياني، و سألتُ ربّي ذلك فأعطانيه. ألا و إنّي قد تركتهما فيكم: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، فلا تسبقوني فتمرقوا، و لا تقصروا عنهم فتهلكوا، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.(« غاية المرام» ص 229، ص 230، الحديث 46). و ذكر الشيخ المفيد« في الإرشاد» أيضاً حديث غدير خمّ الذي جاء فيه الأمر بالتمسّك بالثقلين مفصّلًا.(« غاية المرام» ص 230، الحديث 47 عن الخاصّة. و قال أيضاً: رواه الطبرسيّ في« إعلام الوري»).

معرفة الإمام ج۱۳

182
  • تعريف رسول الله عليّاً عليهما السلام في الحجرة

  • و روى الشيخ الطوسيّ في أماليه بسنده عن أبي ثابت غلام أبي ذرّ، عن امّ سلمة رضي الله عنها أنّها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في مَرَضِهِ الذي قُبِضَ فِيهِ، يَقُولُ وَ قَدِ امْتَلأتِ الحُجْرَةُ مِنْ أصْحَابِهِ: أيُّهَا النَّاسُ! يُوشِكُ أنْ اقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعاً فَيُنْطَلَقَ بِي، وَ قَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ القَوْلَ مَعْذِرَةً إلَيْكُمْ، ألَا إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ كِتَابَ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.

  • ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَفَعَهَا فَقَالَ: هَذَا عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ وَ القُرْآنُ مَعَ عَلِيّ، خَليفَتَانِ بَصِيرَتَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَأسْألُهُمَا مَا ذَا خُلِّفْتُ فِيهِمَا؟1

  • و ذكر ابن حجر هذا الحديث في «الصواعق المحرقة» بالألفاظ نفسها،

    1. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 80؛ و« الأمالي» للطوسيّ، ج 2، ص 92؛ و ذكره أيضاً السيّد حامد حسين الهنديّ في« عبقات الأنوار» كتاب الثقلين، ج 2، ص 625، نقلًا عن« جواهر العقدين» للسمهوديّ بتخريج ابن عقدة عن جعفر بن محمّد الرزّاز، عن امّ سلمة. و رواه صاحب« ينابيع المودّة» في ص 40 من كتابه بتخريج ابن عقدة، عن طريق عروة بن خارجة، عن فاطمة الزهراء عليها السلام.

معرفة الإمام ج۱۳

183
  • إلّا أنّ ما جاء في آخره هو قوله: فَاسْألُوهُمَا ما خُلِّفْتُ فِيهِمَا.1 و كذلك ذكره آية الله السيّد شرف الدين العامليّ في أوّل كتاب «المراجعات».2

  • و هذا الحديث أيضاً رائع جدّاً، لأنّ قول امّ سلمة عن رسول الله صلى الله عليه و آله: عَلَيّ مَعَ القُرآنِ وَ القُرآنُ مَعَ عَلِيّ ورد في كثير من الكتب بهذا اللفظ و بلا شيء يُضَمّ إليه. بَيدَ أنّ ذِكره بهذه المواصفات و بيان الثقلينِ، ثمّ الاستشهاد بمعيّة الإمام للقرآن بهذا اللفظ، ناهيك عن رفعه يد الإمام و تقديمه إلى الناس بعينه و بشخصه، و قوله إنّ كلامه آخر حجّة يُلقيها، كلّ اولئك من المزايا و الأدلّة على تأكيد معيّة عليّ و القرآن، و عدم افتراقهما حتى ورودهما على رسول الله الحوض معاً.

  • و لعلّ ذلك المجلس كان منطلَق الشيخ الطوسيّ، إذ روى في أماليه بسند آخر عن أبي ثابت غلام أبي ذرّ، عن امّ سلمة أنّها سمعت رسول الله يقول: إنَّ عَلِيَّاً مَعَ القُرْآنِ وَ القُرْآنُ مَعَ عَلَيّ، لَا يَفْتَرِقَانِ حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.3

  • مقام العترة في بيان الأئمّة عليهم السلام

  • و جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: ألَا إنَّ العِلْمَ الذي هَبَطَ بِهِ آدَمُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرضِ وَ جَمِيعِ مَا فُضِّلْ بِهِ النَّبِيُّونَ إلَى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ عِنْدِي وَ عِنْدَ عِتْرَةِ خَاتَمِ النَّبيِّينَ، فَأيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ بَلْ أيْنَ تَذْهَبُونَ؟4

    1. -« الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتميّ، الفصل الثالث، الباب التاسع بعد أربعين حديثا ذكرها في هذا الفصل، ص 75.
    2. -« المراجعات» ص 15 و 16، الطبعة الأولى.
    3. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 80؛ و« الأمالي» للطوسيّ، ج 2، ص 120؛ و« غاية المرام» ص 230، الحديث عن الخاصّة، عن كتاب« الأربعين».
    4. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 80؛ و« تفسير القمّيّ» ص 5.

معرفة الإمام ج۱۳

184
  • و ذكر العيّاشيّ عن مرزام أنّه قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام [الإمام الصادق] يقول: إنَّا أهْلُ بَيْتٍ لَمْ يَزَلِ اللهُ يَبْعَثُ فِينَا مَنْ يَعْلَمُ كِتَابَهُ مِنْ أوَّلِهِ إلَى آخِرهِ. و إنَّ عِنْدَنَا مِنْ حَلَالِ اللهِ وَ حَرَامِهِ مَا يَسَعُنَا مِنْ كِتْمَانِهِ، مَا نَسْتَطِيعُ أنْ نُحَدِّثَ بِهِ أحَداً.1

  • و كذلك ذكر العيّاشيّ عن يوسف بن السخت البصريّ أنّه قال: رأيتُ التوقيع بخطّ محمّد بن محمّد بن عليّ2 فكان فيه:

  • الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ وَ لَكُمْ أنْ تَقُولُوا: إنَّا قُدْوَةٌ وَ أئِمَّةٌ وَ خُلَفَاءُ اللهِ في أرْضِهِ، وَ امَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَ حُجَجُهُ في بِلَادِهِ، نَعْرِفُ الحَلالَ وَ الحَرَامَ، وَ نَعْرِفُ تَأوِيلَ الكِتَابِ وَ فَصْلَ الخِطَابِ.3

  • و قال أمير المؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة»:

  • أيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ، وَ يَبْلَى مَنْ بلى مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ، فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فإنَّ أكْثَرَ الحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَ أعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ أنَا هُوَ. أ لَمْ أعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأكْبَرِ (كتاب الله) وَ أتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأصْغَرَ؟4 وَ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإيمَانِ؟ وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الحَلَالِ

    1. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 96؛ و« تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 16.
    2. قال في الهامش: كذا في الأصل. و في« تفسير العيّاشيّ» ذيل هذا الحديث: كذا في نسخَتَي الأصل و« البحار». و في نسخة« البرهان» ج 1، ص 17:« محمّد بن محمّد بن الحسن بن عليّ» و الظاهر« محمّد بن الحسن بن عليّ» و هو الحجّة المنتظر المهديّ صلوات الله عليه و على آبائه الطاهرين.
    3. -« بحار الأنوار» ج 92، ص 96. و« تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 16.
    4. قال الشيخ محمّد عبده في الهامش: الثقل الأصغر ولداه. و قيل: عترته قدوة للناس. و في الحديث عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله قال: تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي. أي: النفيسينِ.

معرفة الإمام ج۱۳

185
  • وَ الحَرَامِ؟ وَ ألْبَسْتُكُمُ العَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي؟ وَ فَرَشْتُكُمُ المَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي؟ وَ أرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي؟! فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ البَصَرُ، وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إلَيْهِ الفِكْرُ.1

  • خطب «نهج البلاغة» في لزوم التمسّك بالعترة

  • و قال عليه السلام في «نهج البلاغة» أيضاً: وَ إنِّي لعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي، وَ إنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِحِ ألقُطُهُ لَقْطاً.2

  • انْظُرُوا أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ! فَالزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَ اتَّبِعُوا أثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدى، وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ في رَدَى، فَإنْ لَبِدُوا فَالْبُدُوا، وَ إنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا! فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَ لَا تَتَأخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا!3

  • و كذلك قال عليه السلام فيه: عِتْرَتُهُ خَيْرُ العِتَرِ، وَ اسْرَتُهُ خَيْرُ الاسَرِ، وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ في حَرَمٍ، وَ بَسَقَتْ في كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوالٌ وَ ثَمَرَةٌ لَا تُنَالُ. فَهُوَ إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى.

  • سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ. سِيَرتُهُ القَصْدُ، وَ سُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وَ كَلَامُهُ الفَصْلُ، وَ حُكْمُهُ العَدْلُ.4

  • و قال فيه: بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ، وَ تَسَنَّمْتُمْ العَلْيَاءَ، وَ بِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ. وَقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةَ.5

  • يريد الإمام من قوله: بِنَا اهْتَدَيْتُمْ رسول الله و هو نفسه، إذ كان رفيق

    1. من الخطبة 85، طبعة مصر، بتعليق الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 154 و 155.
    2. ذكر الشيخ محمّد عبده في شرحه أنّ الإمام سمّي اتّباعه لمنهاج الحقّ لقطاً، لأنّ الحقّ واحد و الباطل ألوان مختلفة، فهو يلتقط الحقّ من بين ضروب الباطل.
    3. من الخطبة 95، طبعة مصر، بتعليق الشيخ عبده، ج 1، ص 189.
    4. الخطبة 92، طبعة مصر، بتعليقة عبده، ج 1، ص 185.
    5. من الخطبة 4، طبعة مصر، بتعليقة محمّد عبده، ج 1، ص 38.

معرفة الإمام ج۱۳

186
  • دربه في مراحل التعليم و الإرشاد و الهداية و الهجرة و الجهاد و تحمّل المشاكل و المصاعب.

  • و قال في خطبة بعد بيان فضائل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: أيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الكَدَرِ.1 و المراد علومه عليه السلام التي تمثّل ينبوع المعارف الزلال الصافي.

  • و قال في خطبة أيضاً بعد بيان زهد رسول الله و إعراضه عن زينات الدنيا: نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ، وَ مُخْتَلَفُ المَلَائِكَةِ، وَ مَعَادِنُ العِلْمِ، وَ يَنَابِيعُ الحِكَمِ. نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ.2

  • و نقل صاحب «الصواعق المحرقة» فيه عن ابن عبّاس أنّه قال: نَحْنُ أهْلَ البَيْتِ شَجَرةُ النُّبُوَّةِ وَ مُخْتَلَفُ المَلَائِكَةِ وَ أهْلُ بَيْتِ الرِّسَالَةِ وَ أهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، وَ مَعْدِنُ العِلْمِ.3

  • و خطب الإمام عليه السلام خطبة تحدّث فيها عن بعثة الأنبياء، و وصف أهل البيت، ثمّ تطرّق إلى فريق آخر فقال: أيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ دُونَنَا، كِذْباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا؟ أنْ رَفَعَنَا اللهُ وَ وَضَعَهُمْ، وَ أعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ، وَ أدخَلَنَا وَ أخْرَجَهُمْ.

  • بِنَا يُسْتَعْطَي الهُدَى، وَ يُسْتَجْلَي العَمَى. إنَّ الأئِمَّةَ مِنْ قُرَيشٍ، غُرِسُوا

    1. من الخطبة 102، طبعة مصر، بتعليقة محمّد عبده، ص 201.
    2. من الخطبة 107، طبعة مصر، بتعليقة عبده، ج 1، ص 215.
    3. -« الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتميّ، ص 142 في آخر باب خصوصيات أهل البيت. و نقل علماء العامّة هذه العبارات عن ابن عبّاس في كتبهم.

معرفة الإمام ج۱۳

187
  • فِي هَذَا البَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لَا تَصْلَحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَ لَا تَصْلَحُ الوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

  • (مِنْهَا) آثَرُوا عَاجِلًا وَ أخَّرُوا آجِلًا، و تَرَكُوا صَافِياً، وَ شَرِبُوا آجِناً.1

  • نلاحظ في هذه العبارات التي يتحدّث فيها الإمام صلوات الله عليه عن الأنبياء، ثمّ عن ولاية و خلافة بني هاشم خاصّة لا قريش كلّها، يتبعه ذمّ الآخرين من غير بني هاشم ممّن ظلموا و غصبوا الخلافة- أنّ الإمام يقصد الخلفاء الثلاثة الماضين الذين أدانوا الأنصار في السقيفة باستدلالهم إنّ الأئمّة من قريش، بَيدَ أنّهم خانوا، إذ لم يذكروا فرع بني هاشم خاصّة، فلهذا عند ما بلغ الإمام استدلالهم، قال: احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أضَاعُوا الثَّمَرَةَ.

  • و قال عليه السلام في سعادة و نجاة المتمسّكين بولاية أهل البيت: فإنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً وَ وَقَعَ أجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وَ قَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ. وَ إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَ أجَلًا.2

  • أحاديث «الصواعق المحرقة» في إمامة الأئمّة الطاهرين

  • و ذكر ابن حجر في «الصواعق المحرقة» هذه الكلمات عن الإمام، و هي قوله: نَحْنُ النُّجَبَاءُ،3 وَ أفْرَاطُنَا4 أفْرَاطُ الأنْبِيَاءِ، وَ حِزْبُنَا حِزْبُ اللهِ

    1. من الخطبة 142، طبعة مصر، بتعليقة الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 262.
    2. من الخطبة 158، طبعة مصر، بتعليق الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 368.
    3. النجيب هو الرجل المحمود في النظر أو في القول أو في العمل. و يعني أيضاً: الفاضل النفيس في نوعه. و جمعه: النجباء.
    4. الفَرَط: العَلَم يُهتدي به. و جمعه: أفراط. و من معانيه: المتقدّم قومه إلى الماء ليعثر عليه. و من معانيه: ما لم يُدرِك من الوُلد، الذي يسبق أباه و امّه إلى الثواب و الجنّة ....

معرفة الإمام ج۱۳

188
  • عَزَّ وَ جَلَّ، وَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَ مَنْ سَوَّى بَيْنَنَا وَ بَيْنَ عَدُوِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.1

  • و قال ابن حجر أيضاً في «الصواعق المحرقة» في تفسير الآية الخامسة من الآيات التي ذكرها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر في فضائل أهل بيت النبيّ، و هي قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً2: ذكر الثعلبيّ في تفسيره عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ دأب الإمام أبي محمّد عليّ بن الحسين زين العابدين و سيّد الساجدين إذا تلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.3 يدعو الله عزّ و جلّ دعاءً طويلًا يشتمل على طلب اللحوق بدرجات الصادقين و الدرجات العلية، و يتضمّن وصف المحن و ما انتحلته المبتدعة المفارقة لأئمّة الدين، و الشجرة النبويّة. ثمّ يقول: وَ ذَهَبَ آخَرُونَ إلَى التَّقصِير في أمْرِنَا، وَ احْتَجُّوا بِمُتَشَابِهِ القُرْآنِ، فَتَأوَّلُوا بِآرَائِهِمْ، وَ اتَّهَمُوا مَأثُورَ الخَبَرِ فِينَا.

  • إلى أن قال: فَإلَى مَنْ يَفْزَعُ خَلَفُ هَذِهِ الامَّةِ، وَ قَدْ دَرَسَتْ أعْلَامُ هَذِهِ المِلَّةِ، وَ دَانَتِ الامةُ بِالفُرْقَةِ وَ الاخْتِلَافِ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ».4

  • فَمَنِ المَوْثُوقُ بِهِ عَلَى إبْلَاغِ الحُجَّةِ، وَ تَأوِيلِ الحُكْمِ إلَّا أعْدَالُ الكِتَابِ وَ أبْنَاءُ أئِمَّةِ الهُدَى، وَ مَصَابِيحُ الدُّجَى، الَّذِينَ احْتَجَّ اللهُ بِهِمْ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لَمْ يَدَعِ الخَلْقَ سُدَى مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. هَلْ تَعْرِفُونَهُمْ أوْ تَجِدُونَهُمْ إلَّا

    1. -« الصواعق المحرقة» ص 142.
    2. الآية 103، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 119، من السورة 9: التوبة.
    4. الآية 105، من السورة 3: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۳

189
  • مِنْ فُرُوعِ الشَّجَرَةِ المُبَارَكَةِ، وَ بَقَايَا الصَّفْوَةِ الَّذِينَ أذهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً، وَ بَرَّأهُمْ مِنَ الآفَاتِ، وَ افْتَرَضَ مَوَدَّتَهُمْ في الكِتَابِ.1

  • و قال ابن حجر أيضاً في «الصواعق المحرقة»: نصّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عليه أيّام خلافته، لمّا بدره رجل من بني أسد فطعنه بخنجر و هو ساجد- و لم يستشهد الإمام على أثر تلك الطعنة، و عاش بعدها عشر سنوات- فقام خطيباً فقال:

  • يَا أهْلَ العِرَاقِ اتَّقُوا اللهَ فِينَا! فَإنَّا امَرَاؤُكُمْ وَ ضِيفانُكُمْ وَ نَحْنُ أهْلَ البَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ: «إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». قَالُوا: وَ لأنْتُمْ هُمْ؟! قَالَ: نَعَمْ!2

  • الأحاديث الواردة عن العامّة في التمسّك بالثقلين

  • و أخرج الترمذيّ في سننه عن زيد بن أرقم أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي،

    1. قال ابن حجر في ص 90 من صواعقه: روى الثعلبيّ في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: نَحن حبل الله الذي قال الله:« وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لَا تَفَرَّقُوا». و إذا تلا جدّه زين العابدين هذه الآية يقول: ... إلى آخره.
      و قال القندوزيّ في« ينابيع المودّة» ص 273 و 274: و قد أخرج الحافظ عبد العزيز بن الأخضر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة- و هو آخر الصحابة موتاً بالاتّفاق قال: كان عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السلام إذا تلا هذه الآية:\i يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ\E. يقول: اللهم ارفعني في درجات هذه الندبة، و أعني بعزم الارادة حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي. و ذكر ما يشتمل على المحن و ما انتحلته طوائف من هذه الامّة بعد مفارقتها لأئمّة الدين و الشجرة النبويّة. إلى أن قال: و ذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا ... إلى آخر ما ذكره القندوزيّ في المتن نقلًا عن تفسير الثعلبيّ. و في آخره قول الإمام: هم العروة الوثقى و معدن التُّقى و خير حبال العالمين و وثيقها.
    2. -« الصواعق المحرقة» ص 137.

معرفة الإمام ج۱۳

190
  • أحَدُهُما أعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا.1

  • و أخرج الترمذيّ و النسائيّ عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.2

  • و أخرج أحمد بن حنبل من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللهِ

    1. -« كنز العمّال» للملّا علي المتّقي، ج 1، ص 44 الحديث 874، و ج 1، ص 154، طبعة حيدرآباد سنة 1364 ه-. ق.
      و روى في كتاب« الجمع بين الصحاح الستّة» ج 3 من أربعة أجزاء، عن صحيح أبي داود و هو سننه، و عن صحيح الترمذيّ بإسنادهما عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أحَدُهُمَا أعظم من الآخَر، و هُوَ كِتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض فانظروا كيف تخلفونّي فيهما؟! رواه الترمذيّ في صحيحه ج 13، ص 200؛ و السيّد ابن طاووس في طرائفه ص 115؛ و في كتاب« العمدة» ص 36؛ و في« بحار الأنوار» ج 23، ص 108، الطبعة الحديثة.
    2. -« كنز العمّال» ج 1، ص 44، باب الاعتصام بالكتاب و السنّة، الحديثان 871 و 872، و ج 1، ص 153 من طبعة حيدرآباد.
      و روى ابن المغازليّ بطرق متعدّدة مع أسانيدها منها أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنِّي اوشك أن ادعى فاجيب، و إنّي قد تركتُ فيكم الثَّقَلَين: كتاب الله، حبل ممدودٌ من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض، فانظروا ما ذا تخلفونّي فيهما؟! و ذكره السيّد ابن طاووس في« الطرائف» ص 115 و 116. و جاء في مناقب ابن شهرآشوب، ص 235؛ و في« بحار الأنوار» ج 23، ص 108، الطبعة الحديثة.

معرفة الإمام ج۱۳

191
  • حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ- أوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • و أورد الحاكم في مستدركه أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • و قال الحاكم بعد إيراده هذه الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين و لم يخرِّجاه. و أورده الذهبيّ أيضاً في «تلخيص المستدرك» معترفاً بصحّة سنده على شرط الشيخين.

  • و روى الملّا على المتَّقي عن الباورديّ، عن أبي سعيد الخُدْريّ أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ: كِتَابَ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْديكُمْ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.3

  • و روى أحمد بن حنبل، و أبو شَيْبة، و أبو يَعْلَى، و ابن سعد، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِتْرَتِي. كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي. وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟4

    1. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 182 و 189؛ و الطبرانيّ في« المعجم الكبير»، و« كنز العمّال» ج 1، ص 44، الحديث 873، و من طبعة حيدرآباد: ج 1، ص 154.
    2. -« المستدرك علي الصحيحين» ج 3، ص 148.
    3. -« كنز العمّال» ج 1، ص 165، الحديث 944، طبعة حيدرآباد.
    4. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 17 و 26؛ و« كنز العمّال» ج 1، ص 47، الحديث 945، و من طبعة حيدرآباد: ج 1، ص 165 و 166.

معرفة الإمام ج۱۳

192
  • و أخرج الحاكم في «المستدرك» بطريقين صحيحين عن زيد بن أرقم أنّه قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه و آله من حجّة الوداع، و نزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقُممن، فقال: كَأنِّي دُعِيتُ فَأجَبْتُ، إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ تَعَالَى وَ عِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا، فَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.

  • ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَوْلَايَ وَ أنَا مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ. اللَهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ. إلى آخر الحديث بطوله.1

  • و أخرجه الذهبيّ في «تلخيص المستدرك» معترفاً بصحّة سنده.

  • و روى الطبرانيّ، و السيوطيّ، و النبهانيّ عن عبد الله بن حنطب أنّه قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ بِالجُحْفَةِ فَقَالَ: أ لَسْتُ أولى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟! قَالُوا: بلى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: فَإنِّي سَائِلُكُمْ عَنِ اثْنَيْنِ: القُرْآنِ وَ عِتْرَتِي.2

  • كلام العلّامة السيّد شرف الدين حول حديث الثقلين

  • قال آية الله السيّد شرف الدين العامليّ بعد ذكر كثير من هذه الأخبار: و الصحاح الحاكمة بوجوب التمسّك بالثقلين متواترة، و طرقها عن

    1. -« المستدرك على الصحيحين» ج 3، ص 169 و 533. و أخرجه في الحديث الأوّل مرفوعاً و قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. و قال في الحديث الثاني أيضاً: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرّجاه.
    2. -« المراجعات» ص 15، الطبعة الأولى، عن« معجم الطبراني»، و« إحياء الميت» للسيوطيّ، و« أربعين الأربعين» للنبهانيّ. ثمّ قال: و أنت تعلم أنّ خطبته صلى الله عليه و آله يومئذٍ لم تكن مقصورةً على هذه الكلمة، فإنّه لا يقال عمّن اقتصر عليها إنّه خطبنا، لكنّ السياسة كم اعتقلت ألسُن المحدّثين و حبست أقلام الكاتبين، و مع ذلك فإنّ هذه القطرة من ذلك البحر، و الشذرة من ذلك البذر كافية وافية و الحمد للّه.

معرفة الإمام ج۱۳

193
  • بضع و عشرين صحابيّاً متضافرة. و قد صدع بها رسول الله صلى الله عليه و آله في مواقف له شتّى. تارةً يوم غدير خمّ، و تارةً يوم عَرَفَة في حجّة الوداع، و تارةً بعد انصرافه من الطائف، و مرّة على منبره في المدينة، و اخرى في حجرته المباركة في مرضه، و الحجرة غاصّة بأصحابه.

  • و قد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور. حتى قال ابن حجر- إذ أورد حديث الثقلين- ثُمَّ اعْلَمْ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابيّاً. و مرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُّبَه.1

  • و في بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، و في اخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه، و قد امتلأت الحجرة بأصحابه. و في اخرى أنّه قال ذلك بغدير خُمّ، و في اخرى أنّه قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف. و لا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن و غيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز و العترة الطاهرة.2

  • و حَسْبُ أئمّة العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله و رسوله بمنزلة الكتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ.3 و كفى بذلك حجّة تأخذ بالأعناق إلى التعبّد بمذهبهم. فإنّ المسلم لا يرتضى بكتاب الله بدلًا، فكيف ينبغي عن أعداله حِوَلًا؟

    1. ذكر ابن حجر في الباب الخامس من صواعقه شبهات الشيعة الخمس عشرة و أجاب عنها بزعمه.
    2. -« الصواعق المحرقة» ص 89. ذكر ذلك في آخر الصفحة عند تفسير الآية الرابعة من الآية الواردة في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر في شأن أهل البيت و فضائلهم، و هي قوله: وَ قِفُوهُمْ إنَّهُمْ مسْئُولُونَ.
    3. الآية 42، من السورة 41: فصّلت.

معرفة الإمام ج۱۳

194
  • على أنّ المفهوم من قوله: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي. إنّما هو ضلال من لم يستمسك بهما معاً كما لا يخفى.

  • و يؤيّد ذلك قوله صلى الله عليه و آله في حديث الثقلين عند الطبرانيّ: فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُقْصِرُوا1 عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.

  • قال ابن حجر: و في قوله صلى الله عليه و آله: فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُقْصِرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ دليل على أنّ من تأهَّلَ منهم للمراتب العليّة و الوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره.2

  • أجل، إنّ حديث الثقلين- كما مرّت الإشارة إليه- من أقوى أسناد الشيعة على إمامة مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه

    1. أقصر من باب الأفعال، إذا تعدّى بعن أفاد معنى الكَفّ عن الشيء و تركه مع القدرة عليه. أقصر عن الأمر: أمسك عنه مع القدرة عليه.
    2. -« الصواعق المحرقة» ص 135 في باب وصيّة النبيّ بهم؛ و« المراجعات» ص 15 إلى 17، الطبعة الأولى. ثمّ قال في الهامش رادّاً على ابن حجر: ثمّ سله لما ذا قدّم الأشعريّ عليهم في اصول الدين، و الفقهاء الأربعة في الفروع؟ و كيف قدّم في الحديث عليهم عمران ابن حطّان و أمثاله من الخوارج، و قدّم في التفسير عليهم مقاتل بن سليمان المرجئ المجسِّم، و قدّم في علم الأخلاق و السلوك و أدواء النفس و علاجها معروفاً و أضرابه؟! و كيف أخّر في الخلافة العامّة و النيابة عن النبيّ أخاه و وليّه الذي لا يؤدّي عنه سواه؟ ثمّ قدّم فيها أبناء الوزغ على أبناء رسول الله صلى الله عليه و آله؟ و من أعرض عن العترة الطاهرة في كلّ ما ذكرناه من المراتب العليّة و الوظائف الدينيّة و اقتفى فيها مخالفيهم، فما عسى أن يصنع بصحاح الثقلين و أمثالها؟ و كيف يتسنّى له القول بأنّه متمسّك بالعترة و راكب سفينتها و داخل باب حطّتها؟

معرفة الإمام ج۱۳

195
  • السلام و خلافته بلا فصل. و قد أورد علماء الشيعة رضوان الله عليهم منذ صدر الإسلام حتى اليوم هذا الحديث المتواتر الصحيح السَّند المقطوع الصدور في كتبهم الكلاميّة، و استدلّوا على مفاده و محتواه، و اهتمّوا به اهتماماً بالغاً إلى عصرنا هذا حيث دوّن المرحوم سماحة آية الله العظمى البروجرديّ رضوان الله عليه كتابه النفيس الممتع: «جامع أحاديث الشيعة» الذي تحدّث في مقدّمته حديثاً وافياً شافياً حول سنده و دلالته.

  • و إذا كانت هذه المقدّمة قد كتبت بقلم سماحة آية الله الشيخ إسماعيل الملايريّ دامت بركاته و بفضل تتبّعه، و هو من أعزّ أصدقائنا و رفقائنا أيّام دراسة العلوم الدينيّة في حوزة قم المقدّسة، بَيدَ أنّها دُوِّنت جميعها بإرشادات الاستاذ آية الله البروجرديّ الخاصّة و توجيهاته المسدِّدة، و قد أشرف عليها بنفسه.1 و نلاحظ في هذه المقدّمة أنّه ينسب الحديث المذكور إلى أربعة و ثلاثين صحابيّاً و صحابيّة. لكنّي تتبّعت رواته فوجدتهم أكثر من أربعة و ثلاثين، مع أنّ ابن حجر ذكر في صواعقه عشرين و نيّفاً، و أنّ العلّامة الخبير المتضلّع المتتبّع نحرير البحث و نقّاد الكلام سماحة آية الله مير حامد حسين الكهنويّ الهنديّ النيسابوريّ لم يزد على خمسة و عشرين راوياً كما في كتابه النفيس الثمين «عَبَقَات الأنْوار».

  • «عبقات الأنوار» و شرح حديث الثقلين

  • و قد وقّف العالم المذكور رضوان الله عليه الجزءَ الأوّل من الجزء الثاني عشر من عبقاته على البحث في سند الحديث المشار إليه، و تحدّث فيه حديثاً تامّاً وافياً عن مائة و سبعة و ثمانين رجلًا من مشاهير علماء أهل السنّة الذين رووا هذا الحديث أو أثبتوه أو صحّحوه، و شغل حديثُه قَرابة

    1. -« جامع أحاديث الشيعة» ج 1، ص 29 إلى 52، المقدِّمة، طبعة رحليّة.

معرفة الإمام ج۱۳

196
  • ألف صفحة من ذلك الجزء.

  • و أورد السيّد المؤلّف ترجمة هؤلاء العلماء مفصّلًا، و ذكر متن الحديث بألفاظه المختلفة و تعابيره المتباينة مع الكتب التي ادرج فيها، و أسماء الرواة. و أثبت الحديث بنحو رائع جذّاب، و إشارات و تتبّعات جميلة لطيفة متقنة متينة. و بغضّ النظر عن سائر أجزاء هذه الموسوعة المباركة، يمكننا أن نعدّ هذا الجزء وحده (جزء الثقلين) كنزاً من العلم و البصيرة و الخبرة.1 و نقل الكتاب أسماء علماء السنّة الذين ذكروا الحديث، حسب التسلسل الزمنيّ اعتباراً من القرن الثاني حتى القرن الثالث عشر الهجريّ.

  • و إذا كان كثير من العلماء الأعلام قد صنّفوا كتباً مستقلّة في هذا الحديث بعد تلك الآية العظمى (المرحوم مير حامد حسين أعلى الله مقامه)، غير أنّهم جميعاً اقتبسوا من مشكاة أنوار هذا المجاهد العظيم و الآية الإلهيّة العلميّة الكبرى، فحقيق أن نقول: كُلُّ الصَّيْدِ في جَوفِ الفَرَا، لأنّ كثيراً من مصادر تحقيقه و تأليفه مخطوطات فذّة فريدة.

  • و ألّف المرحوم ابن خالى آية الله الميرزا نجم الدين شريف العسكريّ قدّس الله نفسه كتاباً جميلًا لطيفاً تحت عنوان: «مُحَمَّدٌ وَ عَليّ وَ حَدِيثُ الثَّقَلَيْنِ وَ حَدِيثُ السَّفِينَةِ» و هو رائع حقّاً، بَيدَ أنّه كما أشار بل نصّ على أنّه استهدى ب- «العبقات» في معظم المواطن.

  • إنّ الجزء المذكور من كتاب «عبقات الأنوار» يدور حول حوار

    1. تمّت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في جزءين سنة 1314 ه-. ق بالهند. أمّا طبعته الثانية فقد كانت في إصفهان سنة 1379 و 1380 ه-. ق من قِبَلِ« مؤسّسة نشر نفايس مخطوطات اصفهان»(/ مؤسّسة نشر نفائس المخطوطات في إصفهان).

معرفة الإمام ج۱۳

197
  • المؤلّف مع صاحب «التُّحْفَة الاثنا عَشَرِيَّة» بخصوص حديث الثقلين. و قد أماط اللثام رحمه الله عن مغالطاته و تخديعاته1 و تحريفاته العشرة عند نقل الحديث (المقصود مغالطات صاحب التحفة و ...).

  • و من المناسب- إذ بلغ كلامنا حول الحديث الشريف المذكور هذا الموضع- أن نتوسّع في كلامنا نوعاً ما ليدور حول قوّة سنده و عظمة و إتقان مفاده و معناه، و ذلك لمزيد اطّلاع المؤمنين و استبصار المستبصرين.

  • مشاهير علماء العامّة الذين رووا حديث الثقلين

  • فمن جملة مشاهير العلماء و الرواة الذين رووا هذا الحديث أو أثبتوه أو صحّحوه:

  • 1- ابن راهْوَيه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ شيخ البخاريّ، رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام. و يسمّيه العامّة أمير المؤمنين في فنّ الحديث.

  • 2- مسلم بن الحجّاج القُشَيْريّ في صحيحه، رواه عن زيد بن أرقم.

  • 3- أبو عبد الله محمّد بن ماجه القزوينيّ، صاحب السنن، عن زيد ابن أرقم.

  • 4- أبو داود السجستانيّ، صاحب السنن، عن زيد بن أرقم.

  • 5- التِّرمَذيّ أبو عيسى محمّد بن عيسى؛ صاحب «الصحيح»، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، و أبي ذرّ، و أبي سعيد الخُدريّ، و زيد بن أرقم، و حُذَيفَة بن اسَيْد.

  • 6- عبد الله بن أحمد بن حنبل، صاحب «زيادات المسند»، عن

    1. خدّعه بالسيف: ضربه ضرباً لا ينفذ و لا يُحيك. أي: أنّ حملات صاحب« التحفة الاثنا عشريّة» ليست إلّا حملات عقيمة لا طائل تحتها كالذي يضرب شخصاً بسيفه فلا ينفذ و لا يؤثّر فيه. و الملحوظ أنّ السيّد حامد حسين يستعمل كلمة« تخديعات» كثيراً. منها قوله في ص 7 من الجزء الأوّل، حديث الثقلين: إنّ أوّل تخديع صدر من المخاطَب هنا هو ... إلى آخره.

معرفة الإمام ج۱۳

198
  • زيد بن أرقم.

  • 7- النّسَائيّ أبو عبد الرحمن، صاحب «السنن»، عن زيد بن أرقم.

  • 8- الطبريّ أبو جعفر، صاحب التاريخ، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و أبي سعيد، و زيد بن أرقم.

  • 9- ابن عَبْدِ رَبِّهِ القُرْطُبِيّ الاندلُسيّ، صاحب «العِقْد الفَريد» و بيان مصدر حديثه.

  • 10- ابن عُقْدَة الحافظ أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و جابر، و أبي ذرّ، و امّ سلمة، و أبي رافع، و امّ هاني، و خُزَيْمَةَ بن ثابت، و ضُمَيْرَة الأسْلَميّ.

  • 11- الطبرانيّ، صاحب «المعجم الكبير و الأوسط و الصغير»، عن أبي سعيد، و زيد بن أرقم، و زيد بن ثابت، و عبد الله بن حَنْطَب.

  • 12- الدارقطنيّ الحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر، عن امّ سلمة.

  • 13- الذَّهَبيّ أبو طاهر محمّد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد.

  • 14- الحاكم النيسابوريّ أبو عبد الله، صاحب «المستدرك على الصحيحين»، عن زيد بن أرقم.

  • 15- الثَّعْلَبي أبو إسحاق أحمد، صاحب تفسير «الكشف و البيان»، عن أبي سعيد.

  • 16- أبو نُعَيْم الإصفهانيّ، صاحب «حِلْيَة الأولياء» في «مَنقَبة المُطَهَّرين»، عن جُبَيْر بن مُطْعم، و أبي سعيد، و زيد بن أرقم، و أنس بن مالك، و البَراء بن عَازِب، و في «حلية الأولياء» مفصّلًا عن حُذَيفة بن اسَيْد.

  • 17- البَيْهَقيّ الحافظ أبو بكر، صاحب «السنن»، عن زيد بن أرقم.

  • 18- القُرطُبيّ الأندُلُسيّ أبو عبد الله بن عبد البرّ، صاحب «الاستيعاب»، و «التمهيد»، و «جامع بيان العلم»، عن زيد بن أرقم.

معرفة الإمام ج۱۳

199
  • 19- الخطيب البغداديّ، صاحب «تاريخ بغداد»، عن جابر.

  • 20- ابن المغازليّ، صاحب «المناقب» بأسناد عديدة، عن زيد بن أرقم و أبي سعيد.

  • 21- السَّمعانيّ أبو المُظفَّر، صاحب «فضائل الصَّحَابة»، عن أبي سعيد.

  • 22- رَزين بن معاوية العَبْدَريّ، صاحب «الجمع بين الصحاح الستّة»، عن زيد بن أرقم.

  • 23- القاضي عياض اليَحْصُبيّ، صاحب «الشفا بتعريف حقوق المصطفي»، بلا سند.

  • 24- الخوارزميّ: أخطب خوارزم، صاحب «المناقب»، عن زيد بن أرقم.

  • 25- ابن عساكر الحافظ أبو القاسم، صاحب «تاريخ دمشق»، عن حُذَيفة بن اسَيد الغفاريّ، و زيد بن أرقم.

  • 26- أبو الفتوح العِجْلِيّ الإصفهانيّ، صاحب «فضائل الخلفاء»، عن عامر بن ليلى بن ضمرة.

  • 27- ابن الأثير الجَزَريّ مجد الدين، صاحب «جامع الاصول» و «النهاية»، عن جابر و زيد بن أرقم.

  • 28- ابن الأثير الجَزَريّ عزّ الدين، صاحب «اسد الغابة»، و هو أخو مجد الدين، عن زيد بن أرقم، و عبد الله بن حَنْطَب.

  • 29- محمّد بن طلحة الشافعيّ، صاحب «مطالب السَّئول»، عن زيد ابن أرقم.

  • 30- سِبط بن الجوزيّ، صاحب «تذكرة خواصّ الامّة»، عن زيد بن أرقم.

معرفة الإمام ج۱۳

200
  • 31- محمّد بن يوسف الكنجيّ، صاحب «كفاية الطَّالب»، عن زيد ابن أرقم.

  • 32- محبّ الدين الطَّبريّ، صاحب «ذخائر العُقْبَي»، عن أبي سعيد، و زيد بن أرقم.

  • 33- الحمّوئيّ صدر الدين إبراهيم بن مؤيّد، صاحب «فرائد السِّمْطَيْن»، عن أبي سعيد الخُدْريّ، و حُذَيفة بن اسَيْد الغفاريّ، و زيد بن أرقم.

  • 34- الخازن البغداديّ علاء الدين عليّ، صاحب التفسير، عن زيد ابن أرقم.

  • 35- الذهبيّ شمس الدين محمّد، صاحب «ميزان الاعتدال» تصحيح حديث زيد بن أرقم.

  • 36- الزَّرَنْديّ المَدَنيّ جمال الدين محمّد، صاحب «نظم دُرَر السِّمْطَين»، عن جابر، و زيد بن أرقم.

  • 37- ابن كثير الدمشقيّ إسماعيل بن عمر، صاحب «التفسير»، بأسناد كثيرة في آية التطهير و آية المودّة، عن زيد بن أرقم، و جابر، و أبي سعيد، و أبي ذرّ، و حذيفة بن اسَيد.

  • 38- السيّد عليّ الهمدانيّ بن شهاب الدين، صاحب «مودّة القُربي»، عن أبي سعيد، و جُبَيْر بن مُطْعِم.

  • 39- التفتازانيّ سعد الدين، صاحب «شرح المقاصد»، أثبت الحديث.

  • 40- الهيتميّ نور الدين عليّ، صاحب «مجمع الزَّوائد»، بلا سند.

  • 41- الفيروزآباديّ مجد الدين، صاحب «القاموس» في مادّة ثقل في قاموسه.

معرفة الإمام ج۱۳

201
  • 42- الخواجة محمّد بارسا، صاحب «فصل الخطاب»، عن جابر، و حُذَيفة بن اسَيْد، و زيد بن أرقم.

  • 43- السخاويّ شمس الدين، صاحب «الضَّوء اللامع» في «استجلاب ارتقاء الغُرَف»، عن جمع كثير من الصحابة.

  • 44- الملّا حسين الواعظ الكاشفيّ، صاحب «التفسير»، بلا سند.

  • 45- السيوطيّ الحافظ جلال الدين عبد الرحمن، في كتب عديدة: «إحياء الميّت بفضائل أهل البيت»، و «نهاية الإفضال في شرف الآل»، و «أساسٌ في مناقب بني العبّاس»، و «إنافَةٌ في رُتبة الخلافة»، و «بُدُور سافِرة عن امور الآخرة»، و «الجامع الصغير»، و «الدُّرّ المنثور»، و «الدُّرّ النَّثير»، عن زيد بن أرقم، و أبي هُرَيرة، و أبي سعيد، و أبي ذرّ، و عبد الله بن حَنطَب، و حنطب والد عبد الله، و زيد بن ثابت، و جابر بن عبد الله الأنصاريّ.

  • 46- ابن حَجَر الهَيْتَمي شهاب الدين، صاحب «الصواعق المحرقة» بسند صحيح، عدد من الأحاديث عن زيد بن أرقم.

  • 47- السمهوديّ نور الدين عليّ شريف، صاحب «جواهر العقدين»، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و امّ هاني، و امّ سلمة، و أبي ذرّ، و حُذَيفة بن اسَيْد، و أبي الطُّفَيْل، و زيد بن أرقم، و زيد بن ثابت.

  • 48- روزبهان فضل الله الخنجيّ الشيرازيّ، في شرح الرسالة الاعتقاديّة.

  • 49- القسطلانيّ المدنيّ شهاب الدين أحمد، صاحب «المواهب اللدنيّة»، عن زيد بن أرقم.

  • 50- شاه وليّ الله الدِّهْلويّ، صاحب «إزالة الخَفَاء»، عن زيد بن أرقم.

  • 51- الزبيديّ السيّد محمّد مرتضى، صاحب «تاج العروس» شارح1

  • معرفة الإمام ؛ ج13 ؛ ص201
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

202
  • القاموس، بلا سند.

  • 52- العُجَيْليّ أحمد بن عبد القادر، صاحب «ذَخيرة المآل» في مواضع متعدّدة، عن زيد بن أرقم.

  • و ننقل فيما يأتي بحول الله و قوّته جميع الأحاديث المأثورة عن خمسة و عشرين صحابيّاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه و آله بطرق العامّة و أسانيدهم المختلفة من غير أن نكرّر المتن، مكتفين منه بالمقدار اللازم من حديث الثقلين. علماً أنّي أحصيتُ زُهاء مائة متن متباين العبارة.

  • حديث الثقلين كما رواه أمير المؤمنين عليه السلام

  • الأوّل: حديث الثَّقَلَيْنِ برواية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام:

  • 1- قال: قَالَ رَسوُلُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي مَقْبُوضٌ، وَ إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا.1

  • 2- قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • 3- إنِّي مَقْبُوضٌ، و إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. وَ إنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا، وَ إنَّهُ لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حتى يُبْتَغَى

    1. برواية السيوطيّ في كتاب« إحياء الميّت بفضائل أهل البيت» المطبوع في حاشية« الاتحاف بحبّ الأشراف» للشبراويّ، ص 247، الحديث رقم 23، و بتخريج الهيتميّ في« مجمع الزوائد» ج 9، ص 163. و جاءت كلمة( يعني) فقط بعد لفظ( الثقلين).
    2. الشيخ عبيد الله الحنفيّ في كتاب« أرجح المطالب» ص 337 بتخريج البزّاز و الدولابيّ. و ورد في« عبقات الأنوار» ج 2، ص 581، برواية الجعابيّ أيضاً، و« ينابيع المودّة» ص 39، عن الجعابيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

203
  • أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَمَا يُبْتَغَى الضَّالَّةُ فَلَا تُوجَدُ.1

  • 4- تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ سَبَبُهُ بِيَدِهِ وَ سَبَبُهُ بِأيْدِيكُمْ، وَ أهْلَ بَيْتِي.2

  • 5- قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ.3

  • 6- قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ سَبَبٌ بِيَدِهِ وَ سَبَبٌ بِأيْدِيكُمْ وَ أهْلَ بَيْتِي.4

  • 7- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، وَ لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.5

  • 8- أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ

    1. -« عبقات الأنوار» ج 2، ص 581، جزء الثَّقلين، طبعة إصفهان، بتخريج البزّاز.
    2. -« عبقات الأنوار» ج 2، ص 581، عن شمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاويّ القاهريّ الشافعيّ في كتاب« استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول ذوي الشرف» بتخريج إسحاق بن راهويه شيخ البخاريّ في مسنده و برواية الدولابيّ في كتاب« الذرّيّة الطاهرة».
    3. -« ينابيع المودّة» للشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ، ص 39، طبعة إسلامبول الأولى، سنة 1301 ه-. ق، عن« مسند إسحاق بن راهويه». و قال: هذا سند جيّد، و كذلك ذكره الدولابيّ في« الذُّرّيّة الطاهرة».
    4. -« أرجح المطالب» ص 337 عن« مسند إسحاق بن راهويه»؛ و« كنز العمّال» ج 1، ص 96، و قال: ذكره ابن جرير في« تهذيب الآثار» و صحّحه.
    5. -« فرائد السمطين» للحمّوئيّ، ج 2، ص 147، باب 33 من السمط الثاني، بتخريج الشيخ الصدوق ابن بابويه؛ و ذكره الصدوق في« إكمال الدين» ج 1، ص 138 من الطبعة الأولى، أواسط الباب 22؛ و أورده السيّد هاشم البحرانيّ بنفس اللفظ و السند في« غاية المرام» ص 215، الحديث 29 عن طريق العامّة، عن« فرائد السمطين» للحمّوئيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

204
  • بِهِمَا، الأكْبَرُ مِنْهُمَا كِتَابُ اللهِ، وَ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ عَهِدَ إلَيّ أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَهَاتَيْنِ- وَ أشَارَ بالسَّبَّابَتَيْنِ- وَ لَا أنَّ أحَدَهُمَا أقْدَمُ مِنَ الآخَرِ، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، وَ لَا تَقَدَّمُوا مِنْهُمْ، وَ لَا تَخَلَّفُوا عَنْهُمْ، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.1

  • 9- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، وَ إنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا إنِ اتَّبَعْتُمْ وَ اسْتَمْسَكْتُمْ بِهِمَا.2

  • 10- إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: يَعْنِي كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا.3

  • 11- أيُّهَا النَّاسُ: إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلَ الأكْبَرَ وَ الثَّقَلَ الأصْغَرَ، فَأمَّا الأكْبَرُ هُوَ حَبْلٌ فَبِيَدِ اللهِ طَرَفُهُ، وَ الطَّرَفُ الآخَرُ بِأيدِيكُمْ وَ هُوَ كِتَابُ اللهِ، إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، وَ لَنْ تَذِلُّوا أبَداً، وَ أمَّا الأصْغَرُ فَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.

  • إنَّ اللهَ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، وَ سَألْتُ ذَلِكَ لَهُمَا فَأعْطَانِي. وَ اللهُ سَائِلُكُمْ كَيْفَ خَلَفْتُمُونِّي في

    1. -« ينابيع المودّة» ص 34، عن« مناقب ابن شهرآشوب»، عن« كتاب سُليم بن قيس» في يوم عرفة علي الناقة القصوي و في مسجد الخيف، و يوم الغدير، و يوم الوفاة عن أمير المؤمنين، عن النبيّ.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 35، عن« مناقب ابن شهرآشوب»، عن أبي ذرّ أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لطلحة، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقّاص: هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال كذا؟! قالوا: نعم.
    3. -« ينابيع المودّة» ص 39، برواية البزّاز.

معرفة الإمام ج۱۳

205
  • كِتَابِ اللهِ وَ أهْلِ بَيْتِي؟!1

  • 12- ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَ أثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ مَا أنْتُم قَائِلُونَ؟! قَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- ثُمَّ قَالَ: إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي مَسْؤُولٌ وَ أنْتُم مَسْؤُولُونَ!

  • ثُمَّ قَالَ: أيهَا النَّاسُ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى- يَرِدا عَلَيّ الحَوْضَ. نَبَّأنِي بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.

  • ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللهَ مَوْلَايَ وَ أنَا مَوْلَى المُؤْمِنِينَ. أ لَسْتُم تَعْلَمُونَ أنِّي أولى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟! قَالُوا: بلى ذَلِكَ ثَلَاثاً.

  • ثُمَّ أخَذَ بِيَدِكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَرَفَعَهَا وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَن عَادَاهُ.

  • فَقَالَ عَلِيّ: صَدَقْتُمْ وَ أنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ!2

    1. -« ينابيع المودّة» ص 39، عن ابن عقدة، عن طريق سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و عن أبي رافع غلام رسول الله صلى الله عليه و آله. الثَّقَلَيْنِ أحدهما أفضل من الآخر: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوضَ( الحديث 64).
    2. -« ينابيع المودّة» ص 38، عن أبي نُعَيم في« حلية الأولياء».
      ذكر محمّد بن يعقوب بسنده المتّصل عن سليم، عن أمير المؤمنين عليه السلام حديثاً مفصّلًا في كلامه: أدنى ما يكون به العبد مؤمناً، و في آخره قال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه و آله في آخر خطبة خطبها: إنِّي قَد تركتُ فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي إن تمسّكتم بهما: كتاب الله عزّ و جلّ و عترتي أهل بيتي فإنّ اللّطيف الخبير قد عهد إلَيّ أنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحَوض- و جمع بين مُسبّحتيه- و لا أقول: كهاتين- و جمع بين المسبّحة و الوُسطى- فتسبق إحداهما الاخرى، فتمسّكوا بهما لا تزلّوا و لا تضلّوا، و لا تقدّموهم فتضلّوا.(« غاية المرام» ص 230، الحديث 50، عن الخاصّة»، و ذكر في ص 232 و 233، عن الخاصّة، عن الصدوق بسنده المتّصل، عن أمير المؤمنين أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنّي مَقبوض و اوشك أن ادعى فاجيب، و إنّي قد تركتُ فيكُمُ

معرفة الإمام ج۱۳

206
  • روى أبو نُعَيم في «حلية الأولياء» و غيره عن أبي الطُّفَيل أنّ علياً عليه السلام قام فحمد الله و أثنى عليه. ثمّ قال: انشد الله من شهد يوم غدير خمّ إلّا قام! و لا يقوم رجل يقول: نُبّئتُ أو بلغني إلّا رجل سمعت اذُناه و وعاه قلبُه. فقام سبعة عشر رجلًا منهم: خُزَعْةُ بن ثابت، و سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، و عَدِيّ بنُ حاتَم، و عُقبَةُ بنُ عامرٍ، و أبو أيّوب الأنصاريّ، و أبو سعيد الخُدريّ، و أبو شُرَيح الخُزاعيّ، و أبو قُدامة الأنصاريّ، و أبو يَعْلَى الأنصاريّ، و أبو الهَيثَم بن التَّيِّهان، و رجال من قريش. فقال عليّ عليه السلام: هاتوا ما سمعتم!

  • فقالوا: نشهد أنّا أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه و آله من حجّة الوداع نزلنا بغدير خُمّ، ثمّ نادى بالصلاة فصلّينا معه.1

  • 13- إنِّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، لَنْ تَضِلُّوا مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا، لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ؟ قَالُوا: اللَهُمَّ نَعَمْ.2

  • 14- يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ و عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا! فَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ أخْبَرَنِي وَ عَهِدَ إلَيّ أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.

    1. -« ينابيع المودّة» ص 38، عن أبي نُعَيم في« حلية الأولياء».
    2. -« مناقب الخوارزميّ» ص 218 و 219، الطبعة الحجريّة، ذكره في سياق مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام أصحاب الشوري الذين قالوا كلّهم بعد إتمام المناشدة: اللهمّ نعم! و هذه المناشدة مهمّة جدّاً و تتضمّن مقالات مولي الموحّدين و درجاته. و اقتصرنا منها هنا علي حديث الثقلين مكتفين به.

معرفة الإمام ج۱۳

207
  • و فيه: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شِبْهَ المُغْضِبِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ كُلُّ أهْلِ بَيْتِكَ؟! فَقَالَ: لَا، وَ لَكِنْ أوْصِيَائِي مِنْهُمْ، أوَّلُهُمْ أخِي وَ وَزِيرِي وَ خَلِيفَتِي في امَّتِي وَ وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي، هُوَ أوَّلُهُمْ، ثُمَّ ابْنِي الحَسَنُ (ثُمَّ ابْنِي الحُسَيْنُ) ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ حتى يَرِدُوا عَلَيّ الحَوْضَ، شُهَدَاءُ اللهِ في أرْضِهِ وَ حُجَجُهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ خُزَّانُ عِلْمِهِ وَ مَعَادِنُ حِكْمَتِهِ. مَنْ أطَاعَهُمْ فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، وَ مَنْ عَصَاهُمْ فَقَدْ عَصَى اللهَ.1

  • 15- أيُّهَا النَّاسُ! أ لَسْتُ أولى بِكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ؟! قَالُوا بلى! قَالَ: فَإنِّي كَائِنٌ لَكُمْ عَلَى الحَوْضِ فَرَطاً وَ سَائِلُكُمْ عَنِ اثْنَيْنِ: عَنِ القُرْآنِ وَ عَنْ عِتْرَتِي.2

  • 16- أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. نَبَّأنِي بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلَيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.3

    1. -« فرائد السمطين» للحمّوئيّ، ج 1، ص 317 و 318، باب 58، و هذا الحديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام و احتجاجه القويّ المستدلّ في عهد عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه و آله. و هو مفصّل جدّاً و يضمّ مطالب عالية. و يستغرق سبع صفحات، من ص 312 إلى 318؛ و رواه البحرانيّ في« غاية المرام» ص 37 إلى 39، الباب 34، عن طريق العامّة، عن« فرائد السمطين» عن سليم بن قيس الهلاليّ.
    2. -« حلية الأولياء» ج 9، ص 64، رواه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله خطب بالجحفة و قال: ....
    3. ذكر صاحب كتاب« أرجح المطالب» في ص 339 منه عن أبي الطفيل أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قام خطيباً فقال: من سمع يوم الغدير و حفظ فليقم. فقام سبعة عشر فشهدوا، فقال الإمام في ختام ذلك: صدقتم و أنا على ذلك من الشاهدين.
      و روى في« غاية المرام» ص 222 الحديث 11، عن الخاصّة، عن ابن بابويه بسنده المتّصل، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض كهاتين، و ضمّ بين سبّابتيه، فقام إليه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله! مَن عترتك؟ قال: عليّ و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة.

معرفة الإمام ج۱۳

208
  • حديث الثقلين كما روته فاطمة عليها السلام و امّ هاني و امّ سلمة

  • الثاني: حديث الثقلين برواية السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام:

  • 17- قالَتْ: سَمِعْتُ أبِي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في مَرَضِهِ الذي قُبِضَ فِيهِ يَقُولُ وَ قَدْ امْتَلأتِ الحُجْرَةُ مِنْ أصْحَابِهِ: أيُّهَا النَّاسُ! يُوشِكُ أنْ اقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعاً وَ قَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ القَوْلَ مَعْذِرَةً إلَيْكُمْ، ألَا إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ كِتَابَ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي!

  • ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَقَالَ: هَذَا عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ وَ القُرآنُ مَعَ عَلَيّ لَا يَفْتَرِقَانِ حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ فَأسْألُكُمْ مَا تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا.1

  • الثالث: حديث الثقلين برواية امّ هاني اخت أمير المؤمنين عليه السلام:

  • 18- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجيبَ وَ قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أبَداً: كِتَابَ اللهِ حَبْلٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، ألَا إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • 19- أمَّا بَعْدُ أيُّهَا النَّاسُ! فَإنِّي مُوشِكٌ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ وَ قَدْ تَرَكْتُ

    1. قال: في« ينابيع المودّة» ص 40، أخرجه ابن عقدة من طريق عروة بن خارجة عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها.
    2. و قال فيه أيضاً: أخرج البزّاز في مسنده عن امّ هاني بنت أبي طالب قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه و آله من حجّته حتى نزل بغدير خمّ، ثمّ قام خطيباً بالهاجرة، فقال ....

معرفة الإمام ج۱۳

209
  • فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً: كِتَابَ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفٌ بِأيْدِيكُمْ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي ألَا إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • 20- ذكر صاحب «العبقات» هذا المضمون عينه، بَيدَ أنّه أورد كلمة يوشك مكان مُوشكٌ، و أضاف هذه العبارة: اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي بعد قوله: وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.2

  • و لا فرق حقّاً بين هذه العبارة و العبارة الواردة في «ينابيع المودّة»، إذ جاء فيها قوله: اوشِكُ مكان يوشِكُ المكسورة الشين.

  • الرابع: حديث الثقلين برواية امّ المؤمنين امّ سلمةَ:

  • 21- قالت امّ سلمة: أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله بِيَدِ عليّ عليه السلام بغدير خُمّ فرفعها حتى رأينا بياض إبطه فقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، وَ لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.3

  • 22- متن الحديث الوارد عن فاطمة الزهراء عليها السلام في المرض

    1. -« عبقات الأنوار» ج 2، ص 582، قال: روي السخاويّ حديث امّ هاني بتخريج ابن عقدة عن حديث عمر بن سعيد بن( عن ظ) عمر بن جعدة بن هبيرة عن أبيه، عن امّ هاني.
    2. ذكره صاحب« العبقات» في عبقاته، ج 2، ص 644 و 645، عن« جواهر العقدين» للسمهوديّ، بتخريج ابن عقدة عن حديث عمرو بن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدّه أنّه سمع امّ هاني تقول كذا.
    3. أورده في« ينابيع المودّة» ص 40، بتخريج ابن عقدة، عن طريق عمرو بن سعيد ابن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدّه، عن امّ سلمة؛ و نقله صاحب« العبقات» في عبقاته، ج 2، ص 582، عن كتاب« استجلاب ارتقاء الغرف» للسخاويّ، بتخريج ابن عقدة من حديث هارون بن خارجة، عن فاطمة ابنة عليّ عليه السلام عن امّ سلمة؛ و ذكره صاحب« أرجح المطالب» أيضاً في ص 338 من كتابه المذكور؛ و ورد في« عبقات الأنوار» أيضاً ج 2، ص 645، عن« جواهر العقدين» للسمهوديّ باختلاف يسير في اللفظ.

معرفة الإمام ج۱۳

210
  • الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه و آله و الحجرة غاصّة بالناس. و نحن ذكرناه في الرقم 17 بثلاثة فروق مختصرة هي:

  • 1- أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَرَفَعَهَا.

  • 2- قَبْضاً سَرِيعاً فَيَنْطَلَقُ بِي.

  • 3- فَأسْألُهُمَا مَا خُلِّفْتُ فِيهِمَا.1

  • حديث الثقلين كما رواه أبو ذرّ الغفاريّ

  • الخامس: حديث الثقلين برواية أبي ذرّ الغفاريّ:

  • 23- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟2

  • 24- يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.3

  • 25- مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَ مَنْ تَرَكَهَا هَلَكَ. وَ يَقُولُ: مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ في بَنِي إسرائيلَ مَنْ

    1. -« عبقات الأنوار» ج 2، ص 645 عن« جواهر العقدين» للسمهوديّ، بتخريج جعفر بن محمّد الرزّاز، عن امّ سلمة، و: ج 1، ص 295، بتخريج الدارقطنيّ؛ و« غاية المرام» ص 231، الحديث 54، عن الخاصّة.
      و روى في« غاية المرام» عن كتاب الأربعين، حديث في الأربعين بسنده المتّصل عن أبي ثابت غلام أبي ذرّ، عن امّ سلمة أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: عليّ مع القرآن و القرآن معه لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 39، و قال: أخرجه الترمذيّ في جامعه بسنده عن أبي ذرّ أنّه أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: إنّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و آله يقول ... و ذكره صاحب« العبقات» في ج 1، ص 269، عن السخاويّ، عن الترمذيّ، بتخريج ابن عقدة.
    3. رواه صاحب« أرجح المطالب» في ص 335 إلى 341، بهذا اللفظ نفسه عن جابر بعد أن أورده عن جماعة من الصحابة، ثمّ قال بعد ذلك: روى في هذا الباب عن أبي ذرّ، و أبي سعيد، و زيد بن أرقم، و حذيفة.

معرفة الإمام ج۱۳

211
  • دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ. وَ يَقُولُ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، وَ لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • 26- يَا أيُّهَا النَّاسُ إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.2

  • 27- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. ألَا وَ إنَّ أهْلَ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ.3

  • 28- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟!4

    1. روى في« ينابيع المودّة» ص 28، عن سُليم بن قيس الهلاليّ قال: بينا أنا و حبيش بن المعتمر بمكّة إذ قام أبو ذرّ و أخذ بحلقة باب الكعبة فقال ... و ورد في« غاية المرام» ص 227، الحديث 36، عن الخاصّة برواية سُليم.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 30، عن الترمذيّ في باب مناقب أهل البيت، عن جابر في يوم عرفة. و قال: و في الباب عن أبي ذرّ.
    3. -« زين الفتى في تفسير سورة هل أتي» للعاصميّ، بسنده عن أبي إسحاق، عن حَنَش أنّه قال: رأيتُ أبا ذرّ و قد تعلّق بباب الكعبة و هو يقول: من عرفني فقد عرفني. و من لم يعرفني فأنا أبو ذرّ. قال حنش: قال بعض أصحابي: سمعناه يقول ... و رواه صاحب« العبقات» في عبقاته، ج 1، ص 398، بهذا اللفظ عن العاصميّ.
    4. روى في« العبقات» ج 2، ص 581، عن السخاويّ في« استجلاب ارتقاء الغرف» أنّه ذكره عن الترمذيّ في جامعه، بتخريج ابن عقدة من حديث سعد بن طريف عن الأصبغ، عن أبي ذرّ أنّه أخذ بحلقة باب الكعبة و قال: ....
      و روى في« غاية المرام» ص 233، الحديث 70، عن الخاصّة، عن ابن بابويه بسنده عن عيسى بن المعتمر أنّه قال: رأيتُ أبا ذرّ الغفاريّ و قد أخذ بحلقة الكعبة و هو يقول: ألا من عرفني فقد عرفني. و من لم يعرفني فأنا جندب بن السكين سمعت رسول الله يقول: إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنّهما لن يفترقاحتّي يردا عليّ الحوض و إنّ مَثَلَهُمَا كسفينة نوح من ركب فيها نجا و من تخلّف عنها غرق.

معرفة الإمام ج۱۳

212
  • حديث الثقلين كما رواه ابن عبّاس و جابر بن عبد الله الأنصاريّ

  • السادس: حديث الثقلين برواية ابن عبّاس:

  • 29- يَا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ! إنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أوْحَى إلَيّ أنِّي مَقْبُوضٌ، أقُولُ لَكُمْ قَوْلًا إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ نَجَوْتُمْ وَ إن تَرَكْتُمُوهُ هَلَكْتُمْ. إنَّ أهْلَ بَيْتِي وَ عِتْرَتِي هُمْ خَاصَّتِي وَ حَامَّتِي، وَ إنَّكُمْ مَسؤُولُونَ عَنِ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي، إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟1

  • السابع: حديث الثقلين برواية جابر بن عبد الله الأنصاريّ:

  • 30- يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.2

  • 31- أيُّهَا النَّاسُ! قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَلَا تَنَافَسُوا وَ لَا تَحَاسَدُوا وَ لَا تَبَاغَضُوا وَ كُونُوا إخواناً كَمَا أمَرَكُمْ اللهُ. ثُمَّ اوصِيكُمْ بِعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، ثُمَّ اوصِيكُمْ بِهَذَا الحَيّ مِنَ الأنصَارِ.3

    1. روي صاحب« ينابيع المودّة» ص 35، بإسناده عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيي، عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله خطب و قال ... و ذكره البحرانيّ في« غاية المرام» ص 219، الحديث 8، عن الخاصّة مفصّلًا.
    2. -« أرجح المطالب» ص 336، من حديث جابر أنّه قال: رأيت رسول الله في حجّة الوداع يوم عرفة و هو علي ناقته العضباء يخطب، و يقول ... و ذكره في« ينابيع المودّة» ص 30، عن الترمذيّ في باب مناقب أهل البيت عن جابر أيضاً، و أورده صاحب« الينابيع» أيضاً في ص 41 من ينابيعه عن الترمذيّ، عن جابر بسند آخر.
    3. -« ينابيع المودّة» ص 40، بتخريج السيّد أبي الحسين يحيي بن الحسن في كتابه« أخبار المدينة» عن محمّد بن عبد الرحمن، عن خلّاد، عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبيّ صلى الله عليه و آله بيد عليّ و الفضل بن عبّاس في مرض وفاته فيعتمد عليهما حتى جلس علي المنبر فقال ....

معرفة الإمام ج۱۳

213
  • 32- أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي مَسْئُولٌ وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ، فَمَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟! قَالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ وَ أدَّيْتَ! قَالَ: إنِّي لَكُمْ فَرَطٌ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ! وَ إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.

  • ثُمَّ قَالَ: أ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟! قَالُوا: بلى! فَقَالَ آخِذاً بِيَدِ عَلِيّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. ثُمَّ قَالَ: اللَهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.1

  • 33- أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسُ! فإنِّي لأرَانِي يُوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي مَسْؤُولٌ وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ، فَمَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟! قَالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَ نَصَحْتَ وَ أدَّيْتَ! قَالَ: إنَّنِي لَكُمْ فَرَطٌ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ، وَ إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ (وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي- صح ظ).2

    1. -« ينابيع المودّة» ص 41، بتخريج ابن عقدة، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه قال: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه و آله في حجّة الوداع. فلمّا رجع إلى الجحفة نزل ثمّ خطب الناس، فقال: ....
    2. قال صاحب« عبقات الأنوار» في ج 1، ص 267 منه: أخرج ابن عقدة في كتاب« الولاية» عن طريق يونس بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن جابر رضي الله عنه أنّه قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم في حجة الوداع. فلمّا رجع الجُحفة أمر بدوحات فقُممن ثمّ قال: ... رواه العلّامة شمس الدين السخاويّ في كتاب« استجلاب ارتقاء الغرف» عن ابن عقدة. أجل، ذكر صاحب« العبقات» هذه المطالب كلّها في ترجمة ابن عقدة. و من الخليق بالذكر أنّ مؤلّف« العبقات» أورد هذه المطالب نفسها و هذا الحديث عينه في ج 2، ص 578 عند ترجمة السخاويّ الذي روى عن ابن عقدة و قال: ذكر السخاويّ هذه المطالب في كتاب« استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول ذوي الشرف» الذي اقتنيت أنا القاصر الكاسف البال نسخة قديمة منه بحمد الله المنعم المفضال بحسن سعى أحد المتمسّكين بأذيال السادات قادات الأقيال و لطف إقباله، لا زال ناهلًا من مناهل العلم و الكمال بحرمتهم الباهرة الجلال عليهم آلاف السلام من الملك المتعال.

معرفة الإمام ج۱۳

214
  • إذا تأمّلنا متن هذا الحديث، فسيتّضح لنا أنّه نفس الحديث الذي نقلناه عن «ينابيع المودّة» في التسلسل 32، و لكنّ يد التحريف في الأحاديث الواردة في مناقب أهل البيت قد امتدّت إليه فورد أبتراً ناقصاً. و لعلّه وصل السخاويّ ناقصاً أو أنّ النسّاخ بتروأ ذيله بعده.

  • و هذا المتن الوارد في الحديث الأخير هو أفضل و أعلى مضمون وصل في أحاديث هذا الباب من حيث المحتوى، إذ جاء فيه: وَ إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ فجمع بين لفظ الثقلين، و لفظ التخليف ذي المفاد و المفهوم الذي يوحي بعنوان الخليفة تذكاراً له.

  • و اللفظ الأكثر تصريحاً و إشراقاً من هذا هو قوله الذي سيأتينا بَعْدُ، و نصّه:

  • إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ خَلِيفَتَيْنِ.1

  • إنّ الحديث الذي أوردناه عن جابر في التسلسل (30) مذكور بنفس اللفظ و المتن و بلا كلمة (بعدي) في «كنز العمّال»،2 و «جامع الاصول»،3

    1. ورد هذا الحديث في« كنز العمّال» ج 1، ص 154، طبعة حيدرآباد، سنة 1364، عن زيد بن ثابت برواية أحمد بن حنبل في مسنده، و الطبرانيّ في معجمه الكبير، تحت الرقم 873.
    2. -« كنز العمّال» ج 1، ص 152 و 154، رقم 872.
    3. -« جامع الاصول» لابن الأثير الجَزَريّ. أخرج مبارك بن محمّد بن محمّد بن عبد الكريم حديث جابر باللفظ المذكور عن رسول الله في حجّة الوداع يوم عرفة و هو علي ناقة قُصوَى. و قال في آخره: أخرجه الترمذيّ ح. غ. ز. ت.

معرفة الإمام ج۱۳

215
  • و «مصابيح السُّنَّة»،1 و «استجلاب ارتقاء الغرف»،2 و «نَظْم دُرَر السِّمْطَيْن»،3 و ورد في المصادر المشار إليها بهذا اللفظ:

  • 34- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. و جاء في كتاب «الشفا» مضافاً إليه قوله صلى الله عليه و آله: فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا.4

  • 35- تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.5

  • حديث الثقلين كما روياه حذيفة بن اليمان و حذيفة بن اسيد الغفاريّ

    1. -« مصابيح السنّة» للبغويّ، ج 2، ص 206، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه و آله و هو على الناقة القصوى يوم عرفة.
    2. قال صاحب« عبقات الأنوار» في ج 2، ص 577 و 578 عند ترجمة السخاويّ: قال السخاويّ في كتاب« استجلاب ...»: روى الترمذيّ حديث جابر في جامعه بهذا اللفظ عن طريق زيد بن الحسن الأنماطيّ، عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله يوم عرفة و هو على ناقة قصوى يقول ...
    3. -« نظم دُررِ السِّمطين» للزرنديّ الشافعيّ، ص 232، طبعة النجف، رواه عن جابر باللفظ المذكور نفسه: يوم عرفة على ناقة قصوى.
    4. كتاب« الشفا بتعريف حقوق المصطفي» للقاضي عياض بن موسى اليحصبيّ. ذكر صاحب« عبقات الأنوار» لفظه هذا عند ترجمته في ج 1، ص 378.
    5. -« كنز العمّال» ج 1، ص 167 عن ابن أبي شيبة، و الخطيب في« المتّفق و المفترق» عن جابر.
      و روى في كتاب« غاية المرام» ص 224، الحديث التاسع عشر عن الخاصّة، عن سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ في كتاب« بصائر الدرجات» بسنده المتّصل عن الإمام الباقر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: يَا أيّهُا النَّاس! إنّي تَاركٌ فيكم الثقلين: الثقل الأكبر و الثقل الأصغر إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا و لن تبدّلوا، فإنّي سألت الله اللطيف الخبير لا يفترقان حتى يردا علَيّ الحوض فاعطيتُ
      ذلك. فقيل: فما الثقل الأكبر؟ و ما الثقل الأصغر؟ فقال: الأكبر كتاب الله عزّ و جلّ، سببٌ طرفه بِيَدِ الله عَزَّ وَ جَلَّ، و الثقل الأصغر عترتي أهل بيتي.

معرفة الإمام ج۱۳

216
  • الثامن: حديث الثقلين برواية حُذَيفة بن اليَمَان:

  • 36- مَعَاشِرَ أصْحَابِي! اوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَ العَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَ إنِّي ادْعَى فَاجِيب، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهَا1 لَنْ تَضِلُّوا، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ؛ فَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.2

  • قال حذيفة بن اليمان: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و آله الظهر، ثمّ أقبل بوجهه الكريم إلينا، فقال: معاشر أصحابي ....

  • و العجيب في هذا الحديث أنّه يقول فيه: إن تمسّكتم بأهل البيت، لن تضلّوا، في مقابل بقيّة الأحاديث التي توصي بالتمسّك بهما. و سرّ ذلك أنّ من تمسّك بالعترة فقد تمسّك بكتاب الله لا محالة.

  • التاسع: حديث الثَّقَلَيْنِ برواية حُذَيفَة بن اسَيْدٍ الغفاريّ:3

    1. مصدرنا:« ينابيع المودّة» طبعة إسلامبول( مطبعة أختر) سنة 1301 ه-. و جاء فيه:« بها». أمّا في« غاية المرام» فقد ورد فيه:« بهما». و ذلك حديث آخر بسند آخر، عن الخاصّة، مع أنّ ذِكر الكلام الآتي يؤيّد وجود ضمير المؤنّث المفرد في الجملة: و من تمسّك بعترتي من بعدي، كان من الفائزين. و من تخلّف عنهم كان من الهالكين.
    2. أخرجه في« ينابيع المودّة» ص 35، عن مناقب أحمد بن حنبل، عن أحمد بن عبد الله بن سلام عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: ....
      و روى صاحب« غاية المرام» هذه الخطبة مفصّلًا عن حذيفة و فيها أسماء الأئمّة عليهم السلام كلّهم. المصدر المذكور، ص 218، الحديث الثاني، عن الخاصّة.
    3. نقل صاحب« فرائد السمطين» ج 2، ص 274 و 275، الباب 55، حديث حذيفة ابن اسيد الغفاريّ بسنده عن أبي الطفيل، عن حذيفة بالنصّ الآتي: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه و آله من حجّة الوداع خطب فقال: أيّها الناس! إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لن يُعَمَّرَ نَبِيّ إلّا مثل نصف عمر الذي يليه من قبل، و إنّي أظنّ أنْ يُوشِك أن ادعى فاجيب و إنّي فرطكم على الحوض و إنّي سائلكم حين تَرِدون علَيّ عن الثقلين. فانظروا كيف تَخْلُفُونِّي فيهما؟! الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرف( منه) بِيَدِ الله و طرف بأيديكم، فاستمسكوا به و لا تضلّوا و لا تبدّلوا، و عترتي أهل بيتي، فإنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عَلَيّ الحوض.

معرفة الإمام ج۱۳

217
  • 37- يَأ أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنَّهُ لَنْ يُعَمَّرَ نَبِيّ إلَّا نِصْفَ عُمْرِ الذي يَلِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. وَ إنِّي يُوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي مَسْؤُولٌ وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ، فَمَا ذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟

  • قَالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ جَاهَدْتَ وَ نَصَحْتَ!

  • قَالَ: أ لَيْسَ تَشْهَدُونَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ، وَ نَارَهُ حَقٌّ، وَ أنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَ أنَّ البَعْثَ حَقٌّ بَعْدَ المَوْتِ، وَ أنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ؟!

  • يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ اللهَ مَوْلايَ وَ أنَا مَوْلَى المُؤْمِنِينَ أولى بِهِمْ مِنْ أنفُسِهِمْ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ- يَعْنِي عَلِيَّاً اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

  • يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرَطُكُمْ وَ إنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ، أعْرَضُ مَا بَيْنَ بُصْرَى إلَى صَنْعَاء، فِيهِ عَدَدَ النُّجُومِ قِدْحَانٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَ إنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ- سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا وَ لَا تُبَدِّلُوا وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي فَإنَّهُ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنَّهُمَا لَنْ يَنْقَضِيَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

    1. روى صاحب« كنز العمّال» في كتابه المذكور، ج 1، ص 168 و 169، طبعة حيدرآباد، سنة 1364، عن« نوادر الاصول» للحكيم الترمذيّ، و عن« المعجم الكبير» للطبرانيّ بسنديهما عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اسيد أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله ... و أخرجه صاحب« ينابيع المودّة» في ينابيعه ص 37 عن الطبرانيّ في معجمه الكبير، و عن الضياء في« المختارة»؛ و ذكر العلّامة البحرانيّ مختصره في« غاية المرام» ص 216، الحديث 33، عن العامّة برواية الحمّوئيّ.
      و من الجدير ذكره أنّ راوى هذا الحديث عن حذيفة بن اسيد هو أبو الطفيل: عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثيّ المكّيّ الذي وردت ترجمته في كتاب« المراجعات» ص 71 كالآتي: وُلِد عام احُد، و أدرك من حياة النبيّ صلى الله عليه و آله ثمان سنين. عدّه ابن قتيبة في كتاب« المعارف» في أوّل الغالية من الرافضة، و ذكر أنّه كان صاحب راية المختار، و آخر الصحابة موتاً. و ذكره ابن عبد البرّ في الكني من« الاستيعاب» فقال: نزل الكوفة، و صحب عليّاً في مشاهده كلّها. فلمّا قُتل عليّ، انصرف إلى مكّة، إلى أن قال: و كان فاضلًا عاقلًا، حاضر الجواب فصيحاً، و كان متشيّعاً في عليّ، و قال: قدم أبو الطفيل يوماً على معاوية فقال: كيف وَجْدُكَ على خليلك أبي الحسن؟ قال: كوجد امّ موسى على موسى، و أشكو إلى الله التقصير؛ و قال له معاوية: كنت فيمن حصر عثمان؟ قال: لا، و لكنّي كنتُ فيمن حضره. قال: فما منعك من نصره؟ قال: و أنت فما منعك من نصره؟! إذ تربّصتَ به ريب المنون، و كنت في أهل الشام و كلّهم تابع لك فيما تريد. فقال له معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟! قال: إنّك لَكَما قال أخو جعف:
      لُالفينّك بعد الموت تَنْدُبنى--و في حياتى ما زَوَّدْتَنى زادا
      --

معرفة الإمام ج۱۳

218
  • و من الجدير بالذكر أنّ هذا الحديث الشريف أخرجه جماعةٌ من أكابر علماء العامّة في كتبهم بهذه الألفاظ المشار إليها، منهم ابن عساكر الذي قيل فيه إنّه أخذ أحاديثه عن ألف و ثلاثمائة شيخ، و ثمانين و نيّف شيخة. و أخرج هذا الحديث عنه ابن كثير في تاريخه، في محلّ ذِكر الحديث.1

  • و منهم: شمس الدين السخاويّ في كتاب «استجلاب ارتقاء

    1. روي ابن عساكر حديثه عن معروف بن خرّبوذ المالكيّ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن اسيد كما في« عبقات الأنوار» ج 8، ص 272، طبعة الهند.

معرفة الإمام ج۱۳

219
  • الغُرَف».1 و منهم: نور الدين السمهوديّ في كتاب «جواهر العقدين».2 و منهم: الشيخ سليمان القُندوزيّ في كتاب «ينابيع المودّة».3 و منهم: شيخ الإسلام الحمّوئيّ في «فرائد السمطين».4

  • و من الجدير ذكره أيضاً أنّ أبا موسى المدائنيّ صاحب «سِيَر الصحابة» روى حديث الثقلين في كتابه بسنده المتّصل عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اسيد الفزاريّ، و لا نلاحظ في هذا الحديث الإضافات الموجودة في حديث «كنز العمّال» الذي نقلناه في التسلسل 37. بَيدَ أنّها موجودة تماماً في «غاية المرام» ص 214، الحديث 19، عن طريق العامّة. و لا نوردها هنا رغبة منّا في عدم الإطالة، و نكتفي منها بذكر ما يأتي:

  • 38- ألَا وَ إنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَنْزِلُونَ عَلَيّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ! فَانْظُرُوا كَيْفَ

    1. -« عبقات الأنوار» ج 2، ص 578 و 588، طبعة إصفهان، 1364، عن السخاويّ، روي هذا الحديث عن الطبرانيّ في معجمه الكبير، عن طريق سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اسيد الغفاريّ، و عن زيد بن أرقم، و قال في آخره: و من هذا الوجه روي الضياء في« المختارة» و أبو نعيم في« الحلية» و غيرهما من حديث زيد بن الحسن الأنماطيّ عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة.
    2. -« عبقات الأنوار» ص 640 و 641، عن السمهوديّ، عن حذيفة أو عن زيد بن أرقم، و قال السمهوديّ في آخره: رواه الطبرانيّ في معجمه الكبير، و الضياء في« المختارة» عن طريق سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل- و هما من رجال الصحيح- عن حذيفة مع الشكّ في صحبته، و أمّا أبو نعيم فقد رواه في حليته، و رواه غيره من حديث زيد بن الحسن الأنماطيّ- الذي حسّنه الترمذيّ و ضعّفه غيره- عن معروف بن خرّبوذ عن أبي الطفيل- و هما من رجال الصحيح عن حذيفة وحده بلا شكّ في صحبته.
    3. -« ينابيع المودّة» ص 37 و 38؛ بتخريج الطبرانيّ في« المعجم الكبير»، و الضياء في« المختارة».
    4. -« فرائد السمطين» ج 2، ص 274، الحديث 539، من الباب 55، من السمط الثاني.

معرفة الإمام ج۱۳

220
  • تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا حِينَ تَلْقَوْنِّي؟! قَالُوا: وَ مَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!

  • قال: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ- سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَ لَا تَضِلُّوا وَ لَا تُبَدِّلُوا- وَ الثَّقَلُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.

  • قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَلْقَيَانِّي، وَ سَألْتُ رَبِّي لَهُمَا ذلِكَ فَأعْطَانِي. لَا تُسَابِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُقْصِرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.1

  • 39- أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ اللهَ مَوْلَايَ وَ أنَا أولى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ. ألَا وَ مَنْ كُنتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ- وَ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَرَفَعَهَا حتى عَرَفَهُ القَوْمُ أجْمَعُونَ ثُمَّ قَالَ: اللَهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

  • ثُمَّ قَالَ: وَ إنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ عَنِ الثَّقَلَيْنِ! فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! قَالُوا: وَ مَا الثَّقَلَانِ؟!

  • قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ- سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُم- وَ الأصْغَرُ عِتْرَتِي. وَ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنْ لَا يَفْتَرِقَا حتى يَلْقِيَانِّي، وَ سَألْتُ رَبِّي لَهُمْ ذَلِكَ فَأعْطَانِي، فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.2

    1. أورده صاحب« عبقات الأنوار» في عبقاته ج 2، ص 642 و 643، عن نور الدين السمهوديّ في« جواهر العقدين» بتخريج ابن عقدة في كتاب« الموالاة» عن طريق عبد الله بن سنان، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اسيد و زيد بن أرقم، و كذلك عن أبي موسى المدائنيّ في كتاب« سِيَر الصحابة» عن طريق ابن عقدة. و قال: غريبٌ جدّاً، و ذكره الحافظ أبو الفتوح العجليّ في كتابه:« الموجز في فضائل الخلفاء».
    2. -« ينابيع المودّة» ص 38 و 39، بتخريجَي ابن عقدة في كتاب« الموالاة»، الأوّل: عن عامر بن أبي ليلي بن ضمرة و حذيفة بن اسيد، و الثاني: عن عبد الله بن سنان، عن أبي الطفيل، عن عامر و حذيفة بن اسيد.

معرفة الإمام ج۱۳

221
  • إذا ألقينا نظرة خاطفة على مضمون هذه الأحاديث الواردة عن حُذَيفة بن اسَيْد، يتبيّن لنا أنّ حديثه كان واحداً لا أكثر، و يعرض فيه موضوع غدير خُمّ، بخاصّة أنّ راوي حديثه شخص واحد، و هو أبو الطُّفيل عامر بن واثلة. و هذا الحديث هو الذي ذكره المدائنيّ في كتاب «سِيَر الصَّحابة»، و نقله عنه العلّامة البحرانيّ مفصّلًا في كتاب «غاية المرام»، و لكنّ يد التحريف و التبديل أو جزته بتلك الصِّيَغ المتقدّمة. و يماثل أصله جدّاً الحديث المفصّل الوارد عن زيد بن أرقم.

  • حديث الثقلين كما روياه أبو رافع و زيد بن ثابت

  • العاشر: حديث الثقلين برواية أبي رافع غلام رسول الله صلى الله عليه و آله:

  • من الجدير بالذكر أنّ العلّامة الكبير السيّد حامد حسين الهنديّ أعلى الله تعالى مقامه الشريف ذكر حديث الثقلين برواية أبي رافع في ثلاثة مواضع من كتابه الكريم: «عبقات الأنوار»، و هي متماثلة تماماً من حيث المضمون و اللفظ، و أخرجها ابن عقدة جميعها في كتابه: «الموالاة».

  • و يبيّن المؤلّف تخريج ابن عقدة في موضعين عن طريق محمّد بن عُبَيْد الله (عبد الله) بن أبي رافع، عن جدّه أبي رافع غلام رسول الله صلى الله عليه و آله،1 و في موضع عن طريق سعد بن طَريف، عن الأصبغ بن نُباتة، عن أبي ذرّ، و أبي رافع.2 و فيما يأتي متن الحديث:

  • 40- قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ [و آله] وَ سَلَّمَ وَ رَضِيَ

    1. جزء الثقلين من« العبقات» ج 1، ص 269 عن السخاويّ في كتاب« استجلاب ارتقاء الغرف» و تخريج ابن عقدة، و« العبقات» ج 2، ص 581 و 582، عن السخاويّ و تخريج ابن عقدة أيضاً.
    2. -« العبقات» ج 2، ص 644، عن السمهوديّ في« جواهر العقدين في فضل الشرفين شرف العلم الجليّ و النسب العليّ» و تخريج ابن عقدة.

معرفة الإمام ج۱۳

222
  • عَنْهُ عِنْدَ غَدِيرِ خُمّ مَصْدَرِهِ مِنْ حِجَّةِ الوَدَاعِ قَامَ خَطِيباً بالنَّاسِ بِالهَاجِرَةِ فَقَالَ:

  • أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ وَ الثَّقَلُ الأصْغَرُ، فَأمَّا الثَّقَلُ الأكْبَرُ فَبِيَدِ اللهِ طَرَفُهُ وَ الطَّرَفُ الآخَرُ بِأيديكُمْ وَ هُوَ كِتَابُ اللهِ، فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا وَ لَنْ تَذِلُّوا (تَزِلُّوا) أبَداً. وَ أمَّا الثَّقَلُ الأصْغَرُ فَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.

  • إنَّ اللهَ هُوَ الخَبِيرُ أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، وَ سَألْتُهُ ذَلِكَ لَهُمَا. وَ الحَوْضُ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَى وَ صَنْعَاءَ، فِيهِ مِنَ الآنِيَةِ عَدَدَ الكَوَاكِبِ. وَ اللهُ سَائِلُكُمْ كَيْفَ خَلَفْتُمُونِي في كِتَابِهِ وَ أهْلِ بَيْتِي- الحديث.

  • و أخرجه الشيخ عبيد الله الآمر تسرّي الهنديّ عن ابن عقدة بهذا اللفظ أيضاً.1

  • و أمّا الشيخ سليمان القُندوزيّ فقد ذكره في «ينابيع المودّة» بهذا اللفظ و بتخريج ابن عقدة عن طريق سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و عن أبي رافع. و أمّا بتخريج ابن عقدة عن طريق محمّد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، و عن أبي هريرة، فقد جاء باللفظ الآتي:

  • 41- إنِّي خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا أبَداً: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2 و إذا لاحظنا متن هذا الحديث الذي ذكرناه، عن طريق محمّد بن عبد الله بن أبي

    1. -« أرجح المطالب» ص 337.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 39 و 40.

معرفة الإمام ج۱۳

223
  • رافع، يستبين لنا حجم التحريف الذي ناله في هذا الطريق الذي وصل فيه بِيَدِ شيخ الإسلام القُندوزيّ، و يظهر إلى أيّ مدى نُقل فيه هذا الحديث ناقصاً.

  • الحادي عشر: حديث الثقلين برواية زيد بن ثابت:

  • 42- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ أهْلَ بِيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • 43- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرض- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

    1. نقل أحمد بن حنبل هذا الحديث بالألفاظ نفسها عن زيد بن ثابت بطريقين صحيحين: الأوّل في بداية ص 182، و الثاني في آخر ص 189 من الجزء الخامس من مسنده؛ و أخرجه الطبرانيّ في معجمه الكبير بإضافة كلمة( من بعدي) بعد كلمة( الثقلين) كما نقل الميرزا محمّد البدخشانيّ في« مفتاح النجا» و« نُزُل الأبرار».(« عبقات الأنوار» ج 1، ص 280)؛ و رواه المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج 7، ص 31، طبعة الكمبانيّ، عن السيوطيّ في« الدرّ المنثور» عن أحمد بن حنبل، عن زيد بن ثابت؛ و ذكره البحرانيّ في« غاية المرام» ص 212، الحديث الثالث، عن العامّة.
    2. نقله صاحب« كنز العمّال» في كنزه المطبوع بحيدرآباد، سنة 1364، ج 1، ص 154، رقم 873، عن« مسند أحمد بن حنبل» و الطبرانيّ في« المعجم الكبير» عن زيد بن ثابت، كما نقله مؤلّف« العبقات» في عبقاته، ج 1، ص 280 و 281، عن السيوطيّ في« الجامع الصغير»، و« إحياء الميّت» ص 270، رقم 56، و عن ابن باكثير في« وسيلة المآل» عن« مسند أحمد»، و عن الطبرانيّ في معجمه الكبير، و عن البدخشانيّ في« مفتاح النجا» عن الطبرانيّ؛ و ذكره بدون لفظ حبل ممدود عن ابن باكثير، عن الطبرانيّ، و أورده بإضافة ما بين السماء إلى الأرض بعد لفظ ما بين السماء و الأرض عن الطبرانيّ، كما نقل السمهوديّ في« جواهر العقدين»، و عن أحمد بن حنبل؛ و جاء أيضاً في« ينابيع المودّة» ص 183، عن أحمد و الطبرانيّ في« المعجم الكبير». و روى السيّد ابن طاووس في« الطرائف» ص 114، عن أحمد بن حنبل في مسنده، عن زيد بن ثابت أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إنَّي تَارِك فيكم الثَّقلين خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي و إنَّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحَوْضَ.

معرفة الإمام ج۱۳

224
  • 44- إنِّي لَكُمْ فَرَطٌ، وَ إنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوضَ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلى بُصْرَى، فِيهِ عَدَدَ الكَوَاكِبِ مِنْ قِدْحَانِ الذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ.

  • فَانظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي في الثَّقَلَيْنِ؟! قِيلَ: وَ مَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!

  • قَالَ: الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَنْ تَزِلُّوا وَ لَا تَضِلُّوا؛ وَ الأصْغَرُ عِتْرَتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. وَ سَألْتُ لَهُمَا ذلِكَ رَبِّي، وَ لَا تَقَدَّموهُما فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمَا فَإنَّهُمَا أعْلَمُ مِنْكُمْ.1

  • 45- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ بَعْدِي لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • روى الحمّوئيّ هذا الحديث في «فرائد السِّمطين» عن زيد بن ثابت، بطريق أبى جعفر بن بابويه المتّصل، و لفظه:

    1. نقله صاحب« كنز العمّال» في كنزه، ج 1، ص 166، رقم 947، عن الطبرانيّ في معجمه الكبير، عن زيد بن ثابت.
    2. -« كنز العمّال» ج 1، ص 166، رقم 946، عن عبد بن حميد و ابن الأنباريّ، عن زيد بن ثابت. و أورده صاحب« ينابيع المودّة»، في ص 38 من ينابيعه بعد الحديث المنقول في التسلسل 43 بتخريج ابن عقدة؛ و ذكره بسند جيّد عن أحمد بن حنبل خالياً من كلمة( بعدي)، و قال في آخره: و أخرج الطبرانيّ في« المعجم الكبير» برجال ثقات، و لفظه: إنِّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، و أهل بيتي. و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض، فانظروا كيف تَخلُفُونِّي فِيهما؟!

معرفة الإمام ج۱۳

225
  • 46- قَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ألَا وَ هُمَا الخَلِيفَتَانِ مِنْ بَعْدِي، وَ لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • يُعدّ هذا الحديث أعلى و ألطف حديث ورد في هذا الباب من حيث المتن و المضمون، لأنّه جاء بلفظ: تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أوّلًا، و لفظ ألَا وَ هُمَا الخَلِيفَتَانِ مِنْ بَعْدِي ثانياً، فنصّ على خليفته الفذّ الفريد بأبين العبارات و أوضح الدلالات، و نلحظ أنّ صراحة هذا الحديث أكثر من صراحة الحديثين السابقين: إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ.

  • حديث الثقلين كما رواه أبو سعيد الخدريّ

  • الثاني عشر: حديث الثقلين برواية أبي سعيد الخُدريّ:

  • إنّ طرق الأحاديث الواردة عن أبي سعيد الخُدريّ و مضامينها كثيرة. و نقل إبراهيم بن محمّد الحمّوئيّ ثلاثة أحاديث عنه في «فرائد السِّمطين»:

  • الأوّل: بسنده المتّصل عن عطيّة العوفيّ، عنه:

  • 47- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أمْرَيْنِ، أحَدُهُمَا أطْوَلُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ وَ عِتْرَتِي. ألَا وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَقُلْتُ: مَنْ عِتْرَتُهُ؟ قَالَ: أهْلُ بَيْتِهِ.2 و هذا السؤال الأخير سأله عطيّة راوي الحديث أبا سعيد.

  • الثاني: بسنده المتّصل أيضاً عن أبي سعيد أنّه قال:

    1. -« فرائد السمطين» ج 2، ص 144، الباب 33، الحديث 437؛ و« غاية المرام» ص 215، الحديث 26، عن العامّة، برواية الحمّوئيّ، و بلفظ يفترقا، و ذكره في ص 222، الحديث 10، عن الخاصّة، برواية الصدوق عن يزيد بن ثابت.
    2. -« فرائد السمطين» ج 2، الباب 33، ص 144، و 145، الحديث رقم 438؛ و« غاية المرام» ص 215، الحديث 27، عن العامّة.

معرفة الإمام ج۱۳

226
  • 48- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • رواه عبد الله بن حنبل بسنده المتّصل عن أبي إسرائيل، عن عطِيّة، عن أبي سعيد في «مسند أحمد بن حنبل».2

  • و رواه الطبرانيّ في «المعجم الصغير» بسنده عن كثير النوّاء، عن عطيّة، عن أبي سعيد.3 و قال: لم يروه عن كثير النوّاء غير المسعوديّ.

  • و رواه أبو نُعيم الإصفهانيّ في كتاب «مَنْقَبَة المُطَهَّرين» عن زيد بن أرقم و أبي سعيد الخُدريّ. و في آخره قوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟!4

  • الثالث: عن الشيخة الصالحة زينب بنت القاضي عماد الدين أبي صالح نصر بن عبد الرزّاق بسنده المتّصل عن محمّد بن طلحة، عن الأعمش، عن أبي سعيد:

  • 49: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ [حَبْلٌ] مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخبيرَ أخْبَرَنِي []

    1. -« فرائد السمطين» ج 2، ص 146، الحديث 440؛ و« غاية المرام» ص 215، الحديث 28، عن العامّة.
    2. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 14؛ و الطبرانيّ في« المعجم الصغير».
    3. -« عبقات الأنوار» ج 1، ص 275 و 276، طبعة إصفهان.
    4. -« عبقات الأنوار» ج 1، ص 310 و 311، و قال: روي هذا الحديث عن أبي نُعيم علي ما نُقِل.

معرفة الإمام ج۱۳

227
  • أنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا1 حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا مَا تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟2

  • رواه ابن المغازليّ بسنده المتّصل عن محمّد بن طلحة، عن عطيّة، عن أبي سعيد.3 و ذكره أيضاً أحمد بن حنبل،4 و ابن سعد الكاتب الواقديّ،5 و «غاية المرام» عن السمعانيّ في كتاب «فضائل الصحابة»،6 و أورده نور الدين السمهوديّ في «جواهر العقدين»،7 و شمس الدين السخاويّ في «استجلاب ارتقاء الغرف»،8 و السيوطيّ في «إحياء الميّت

    1. هذا الحديث الذي رواه البحرانيّ في« غاية المرام» ص 215 و 216، الحديث 32 عن العامّة، عن« فرائد السِّمطين» جاء بلفظ( لن يفترقا).
    2. -« فرائد السِّمطين» ج 2، الباب 54، ص 272، رقم الحديث 538.
    3. -« مناقب ابن المغازليّ» ص 235 و 236، الحديث 283. و جاءت كلمة ما ذا مكان كلمة ما.
    4. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 17، و لم يرد فيه لفظ ممدود من السماء إلى الأرض.
    5. -« طبقات ابن سعد» في طبعة مصر: ج 2، ص 194، و في طبعة ليدن: ج 2، ص 2، ق 2.
    6. -« غاية المرام» ص 213، الحديث 15، عن العامّة؛ و« عبقات الأنوار» ج 1، ص 358، عن« الرسالة القواميّة» المعروفة ب-« فضائل الصحابة».
    7. -« العبقات» ج 2، ص 638، عن السمهوديّ، و قال السمهوديّ في آخره: ذكره الطبرانيّ في« المعجم الأوسط» و أبو يعلي بسند جيّد؛ و أورده الحافظ أبو محمّد عبد العزيز ابن الأخضر في« معالم العترة النبويّة».
    8. -« العبقات» ج 2، ص 575، و 576، عن السخاويّ، و قال السخاويّ في آخره: حديث أبي سعيد عند أحمد في مسنده من حديث الأعمش، و كذا من حديث أبي إسرائيل الملّائيّ إسماعيل بن خليفة، و عبد الملك بن أبي سليمان؛ و رواه الطبرانيّ في« الأوسط» من حديث كثير النوّاء، أربعتهم عن عطيّة؛ و رواه أبو يعلي و آخرون أيضاً. و تعجّبت من إيراد ابن الجوزيّ له في« العلل المتناهية» بل أعجب من ذلك قوله: إنّه حديث لا يصحّ.

معرفة الإمام ج۱۳

228
  • بفضائل أهل البيت»،1 و أبو نُعيم في «منقبة المطهّرين»،2 و الطبريّ في تاريخه،3 و القندوزيّ في «ينابيع المودّة».4

  • و ذكر الملّا عليّ المتّقي الهنديّ في «كنز العمّال» أربعة أحاديث عن أبي سعيد الخُدريّ: الأوّل:

  • 50- إنّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلِيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي؛ كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ خَبَّرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟

  • رواه عن «مُسنَد ابن أبي شيبة»، و ابن سعد، و أحمد بن حَنبل، و أبي يعلى عن أبي سعيد.5

  • و قال العلّامة آية الله مير حامد حسين: قال أحمد بن فضل بن محمّد با كثير في كتاب «وسيلة المآل»: أخرجه أحمد في «المسند»، و الطبرانيّ في «الأوسط»، و أبو يعلي، و غيرهم، و لا بأس بسنده.6 و رواه العلّامة البحرانيّ

    1. -« إحياء الميّت بفضائل أهل البيت» في حاشية« الإتحاف بحبّ الأشراف» ص 269.
    2. -« العبقات» ج 1، ص 310، بدون عبارة حبل ممدود، عن أبي نعيم، علي ما نُقل عنه، و بإضافة جملة فاتّقوا الله بعد كلمة الحوض.
    3. -« أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تاريخه، علي ما نقل صاحب« عبقات الأنوار» ج 1، ص 224.
    4. -« ينابيع المودّة» ص 36، و قال: و أخرجه أيضاً الطبرانيّ في« الأوسط»، و أبو يعلي و غيرهما، و سنده لا بأس به.
    5. -« كنز العمّال» ج 1، ص 165 و 166، الحديث 945 طبعة حيدرآباد؛ و« ذخائر العُقبي» ص 16، باب فضل أهل البيت، عن أحمد بن حنبل؛ و ذكره نفسه أيضاً صاحب« عبقات الأنوار» ج 1، ص 472، نقلًا عن محبّ الدين الطبريّ صاحب« ذخائر العُقبي».
    6. -« العبقات» ج 1، ص 276، و ذكره أيضاً في ج 1، ص 298، عن الذهبيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

229
  • في «غاية المرام» باللفظ نفسه عن السمعانيّ في «فضائل الصحابة».1

  • و رواه السيوطيّ في كتاب «إحياء الميّت» باللفظ الآتي:

  • 51- إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ خَبَّرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟2

  • الثاني:

  • 52- كَأنِّي قَدْ دُعِيتَ فَأَجَبْتُ، إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! ثمّ قال الملّا عليّ: رواه أبو يعلى، و الطبرانيّ عن أبي سعيد.3

  • و رواه أيضاً الميرزا محمّد البدخشانيّ في كتاب «مفتاح النجا» بتخريج أبي يعلى، و الطبرانيّ في «معجمه الكبير» عن أبي سعيد الخُدريّ.4

  • الثالث:

  • 53- يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: أمْرَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. قال الملّا عليّ المتّقي هنا: أخرجه أبو يعلى، و الطبرانيّ عن

    1. -« غاية المرام» ص 213، الحديث 15، عن العامّة.
    2. -« إحياء الميّت ...» في حاشية« الإتحاف ...» ص 241، الحديث الثامن.
    3. -« كنز العمّال» ج 1، ص 167، الحديث 953، طبعة حيدرآباد؛ و« غاية المرام» ص 232، الحديث 61، عن الخاصّة.
    4. -« العبقات» ج 1، ص 277، و قال مير حامد حسين هنا: و ورد أيضاً في« الدرّ المنثور» أنّ الطبرانيّ أخرج هذا الحديث الشريف برواية أبي سعيد.

معرفة الإمام ج۱۳

230
  • أبي سعيد.1

  • و ذكره السيوطي في «الدرّ المنثور»2 و الطبرانيّ في «المعجم الكبير»،3 و العلّامة الميرزا محمّد البدخشانيّ في «مفتاح النجا».4 و ابن كثير الدمشقيّ في تاريخه،5 و الترمذيّ في صحيحه.6

  • الرابع:

  • 54- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ: كِتَابَ اللهِ- سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيدِيكُمْ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. قال الملّا عليّ: أخرجه الباورديّ عن أبي سعيد.7

  • حديث أبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ- كما قال العلّامة مير حامد حسين- عن حديث «كنز العمّال» بالنحو الآتي:

  • 55- كَأنْ (كَأنِّي ظ) قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ (و ظ) إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! فَإنَّهُمَا

    1. -« كنز العمّال» ج 1، ص 166 و 167، الحديث 950، طبعة حيدرآباد؛ و جاء أيضاً في« بحار الأنوار» ج 7، ص 31، طبعة الكمبانيّ، عن سعيد، و أحمد، و الطبرانيّ.
    2. تفسير« الدرّ المنثور» ج 2، ص 6.
    3. ( 3 و 4)-« العبقات» ج 1، ص 277.
    4. ( 3 و 4)-« العبقات» ج 1، ص 277.
    5. -« العبقات» ج 2، ص 515 و 516، و قال: تفرّد الترمذيّ في رواية هذا الحديث.
    6. -« العبقات» ج 1، ص 201 و 202، و قال الترمذيّ في آخره: هذا حَسَنٌ غريبٌ.
    7. -« كنز العمّال» ج 1، ص 165، الحديث 944 طبعة حيدرآباد؛ و أخرجه السيوطيّ في« إحياء الميّت ...» في هامش« الإتحاف بحبّ الأشراف» ص 269، رقم 55، عن الباورديّ بدون كلمة( بعده).

معرفة الإمام ج۱۳

231
  • لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • و روى عبد الله بن أحمد بن حنبل حديثاً في مسند أبيه عن أبي سعيد الخُدريّ باللفظ الآتي:

  • 56- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَليْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، ألَا إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • و كذلك روى عبد الله حديثاً آخر عن أبيه بسنده المتّصل عن أبي سعيد الخُدريّ قال:

  • 57- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ- مَا إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي-: الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ألَا وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.3

  • و قال أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبيّ في تفسيره المعروف ب- «الكشف و البيان عن تفسير القرآن» عند تفسير الآية: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً: حدّثنا الحسن بن محمّد بن حبيب المفسِّر، قال: وجدت في كتاب جدّي الذي بخطّه أنّه قال: حدّثنا أحمد بن الأحجم القاضي المرفديّ (المرنديّ ظ) قال: حدّثنا الفضل بن موسى الشيبانيّ قال:

    1. -« العبقات» ج 1، ص 224.
    2. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 26.
    3. -« مسند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 59. و ذكر العلّامة الزرنديّ في كتاب« نظم درر السمطين» ص 232، هذا المتن بدون لفظ الثقلين، و ورد فيه لفظ و الأرض مكان إلى الأرض. و أورده السيّد ابن طاووس في« الطرائف» ص 114، بتغيير مكان كلمة الثقلين.

معرفة الإمام ج۱۳

232
  • أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخُدريّ:

  • 58- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ: يَا أيُّهَا النَّاسُ إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ إنْ أخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ألَا وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • و روى شيخ الإسلام القندوزيّ الحنفيّ هذا الحديث في «ينابيع المودّة» عن تفسير الثعلبيّ، عن عطيّة، عن أبي سعيد، لكنّه يختلف عنه بثلاثة أشياء: أوّلًا: عدم وجود يا في قوله: أيّها الناس. ثانياً: ذكر كلمة ثقلين مكان كلمة خليفتين. ثالثاً: ليس فيه لفظ بعدي بعد لفظ لن تضلّوا.2

    1. -« العبقات» ج 1، ص 307 و 308 في ترجمة الثعلبيّ. و قال صاحب« العبقات» أيضاً: و قال الثعلبيّ في كتاب« الكشف و البيان» عند تفسير الآية: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ: قال بعض أهل المعاني: كلّ شيء نفيس خطير يتنافس في أخذه الناس يسمّى ثَقَلًا. و منه سمّى بيضُ النعام المصون: ثقلًا، لأنّ الصيّاد و الطالب له يفرح إذا وجده. قال الشاعر:
      فتذاكرا ثَقلًا رشيداً بعد ما
      ألقت ذكاء يمينها في كافرِ و قال النبيّ صلى الله عليه و آله: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي. فجعل الكتاب و العترة ثقلين إعظاماً لقدرهما و تفخيماً لشأنهما.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 32.
      و قال العلّامة الميرزا نجم الدين الشريف العسكريّ في كتاب« عليّ و الوصيّة» ص 57، الحديث 24: عثرنا على جزء من تفسير الثعلبيّ في خزانة كتب الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام. و فيه روى عند تفسير الآية:\i وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا\E بسنده عن أبي سعيد أنّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: أيّها الناس! إنّي تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض- أو قال: ما بين السماء و الأرض- و عترتي أهل بيتي: ألا و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض.

معرفة الإمام ج۱۳

233
  • و نقل القندوزيّ أيضاً حديثاً آخر عن تفسير الثعلبيّ بسنده المتّصل عن عطيّة، عن أبي سعيد بالمضمون الآتي:

  • 59- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أحَدُهُمَا أعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟1

  • و روى القندوزيّ أيضاً حديثاً آخر عن «مسند أحمد بن حنبل» بسنده المتّصل بأبي سعيد، قال:

  • 60- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، أمَّا الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ألَا إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • قال ابن نمير: قال بعض أصحابنا: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟!3

  • و روى القندوزيّ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل في «زيادات مسند أحمد» بسنده المتّصل عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال:

  • 61- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.

    1. -« ينابيع المودّة» ص 30.
    2. -« ينابيع المودّة» ص 31.
    3. -« ينابيع المودّة» ص 32.

معرفة الإمام ج۱۳

234
  • وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • و جمع العلّامة شمس الدين السخاويّ حديث الثقلين عن جماعة من الصحابة و التابعين بألفاظ مختلفة و أسانيد متفاوتة، منها: في حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام اولئك القوم أن يقوموا و يشهدوا! و لا يشهد إلّا من سمعته اذنه و وعاه قلبه! فقام سبعة عشر و شهدوا، منهم أبو سعيد الخُدريّ. و جاء في سياق خطبة غدير خمّ قوله صلى الله عليه و آله:

  • 62- ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. نَبَّأنِي بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.2

  • و قال العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ في ترجمة الطبرانيّ: و ذكر الطبرانيّ أيضاً حديث أبي سعيد في «المعجم الصغير» بسند آخر، كما قال: حدّثنا ... عن أبي سعيد الخُدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال:

  • 63- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي. وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. و لم يروه عن هارون

    1. -« ينابيع المودّة» ص 32. و ذكر صاحب« العبقات» حديث الثقلين في ج، ص 518 و 519، برواية صاحب كتاب« مودّة القربي» عن أبي سعيد الخدريّ كالآتي: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: إنِّي تَارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و أهل بيتي.( و يُروي و عترتي). لم( لن ظ) يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض.
    2. -« العبقات» ج 2، ص 579، في سياق بيان حديث خزيمة؛ و« ينابيع المودّة» ص 245، عن كتاب« مودّة القربي» للمير السيّد عليّ بن شهاب الهمدانيّ، بلفظ من السماء، مرفوعاً عن أبي سعيد الخدريّ.

معرفة الإمام ج۱۳

235
  • ابن سعد إلّا يونس.1 و أخرجه الطبرانيّ أيضاً في «المعجم الأوسط» برواية أبي سعيد الخُدريّ.

  • و قال نور الدين السمهوديّ في «جواهر العقدين» بعد نقل حديث الثقلين عن لفظ الترمذيّ: روى أحمد معناه في مسنده عن أبي سعيد الخُدريّ، و لفظه:

  • 64- إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ (ظ) أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا بِمَا تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟2

  • و أخرجه أيضاً الطبرانيّ في «الأوسط» و أبو يعلى و غيرهما بسند لا بأس به!

  • حديث الثقلين كما رواه زيد بن أرقم

  • الثالث عشر: حديث الثقلين برواية زيد بن أرقم:

  • إنّ مضامين الأحاديث الواردة عن طريق زيد بن أرقم و أسنادها

    1. -« مودّة القربي» ج 1، ص 276.
    2. -« العبقات» ج 1، ص 276؛ و ذكره الحمّوئيّ في« فرائد السمطين» ج 2، ص 272، الباب 54؛ و« غاية المرام» ص 212، الحديث 8.
      و ذكر القندوزيّ سبعين منقبة لأمير المؤمنين عليه السلام في« ينابيع المودّة» و منها منقبة ذكرها في ص 241، الحديث 68 عن أبي سعيد الخُدريّ، و لفظه أنّه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم فقال: يَا أيُّها الناس! إنّي تركتُ فيكم الثقلين خليفتي إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي و هم أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض. ثمّ قال القندوزيّ: أورده الثعلبيّ، و ذكره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده. أقول: و ذكره العلّامة الميرزا نجم الدين الشريف العسكريّ في كتاب« عليّ و الوصيّة» ص 54، و يُلحظ حذف في نقل لفظه، و ذكرت كلمة عترتي بينما جاء فيه عترتي أهل بيتي.

معرفة الإمام ج۱۳

236
  • أكثر من الواردة عن الطرق الأخرى جميعاً. و كذلك علماء العامّة الذين رووا حديثه فإنّهم أكثر من غيرهم. و نتطرّق فيما يأتي إلى بعض الأحاديث الواردة عنه، التي أوردها علماء العامّة في كتبهم:

  • قال السمهوديّ في «جواهر العِقدَين في فضل الشَّرفين: شرف العلم الجَليّ وَ النَّسَبِ العَلِيّ»:1 روى الطبرانيّ في «الأوسط»، و أبو يَعْلى، و غيرهما بسند جيّد، و الحافظ أبو محمّد عبد العزيز في «معالم العترة النَّبويَّة»، و في «صحيح مسلم» و غيره عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه و آله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة و المدينة، فحمد الله و أثنى عليه، و وعظ، و ذكّر. ثمّ قال:

  • 65- ألَا يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكٌ أنْ يَأتِي رَسُولُ رَبِّي فَاجِيبَ، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أوَّلَهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدَى وَ النُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ وَ اسْتَمْسِكُوا بِهِ- فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَ رَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ:- وَ أهْلُ بَيْتِي- اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي.2

    1. قال القندوزيّ بحقّه في« ينابيع المودّة» ص 36:« جواهر العقدين» للشريف السمهوديّ المصريّ، العلّامة في بلاد مصر و الحجاز، مصنّف« تاريخ المدينة المنوّرة النبويّة» علي صاحبها آلاف آلاف التحيّة و الصلوات.
    2. -« العبقات» ج 2، ص 637 و 638؛ و« صحيح مسلم» ج 4، ص 1873، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الحديث 36، طبعة محمّد فؤاد؛ و أيضاً في« العبقات» ج 1، ص 342، عن الأزديّ الحميديّ، صاحب كتاب« الجمع بين الصحيحين»، و فيه أيضاً: ج 1، ص 374 و 375، عن رزين العبدريّ صاحب كتاب« الجمع بين الصحاح الستّة»؛ و رواه أيضاً في: ج 1، ص 425، عن ابن الأثير الجزريّ صاحب كتاب« جامع الاصول»؛ و ذكره القندوزيّ أيضاً في« ينابيع المودّة» ص 29، عن مسلم. و أورده محبّ الدين الطبريّ في« ذخائر العقبي» ص 16؛ و ذكره ابن حجر الهيتميّ في« الصواعق المحرقة» ص 89؛ و أورده السيّد ابن طاووس في طرائفه، ص 115؛ و البحرانيّ في« غاية المرام» ص 212، الحديث الرابع عن العامّة؛ و ذكره الحمّوئيّ في« فرائد السمطين» ج 2، ص 268.

معرفة الإمام ج۱۳

237
  • الثاني: حديث ذكره مسلم في صحيحه. و هو المتن الأوّل نفسه مضافاً إليه ما أخرجه جرير عن أبي حيّان، عن زيد بن أرقم، و زاد فيه:

  • 66- كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدَى وَ النُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَ أخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَ مَنْ أخْطَأهُ ضَلَّ.1

  • الثالث: حديث ذكره مسلم بسند آخر عن ابن مسروق، عن يزيد ابن حيّان، عن زيد بن أرقم (أنّ ابن مسروق) قال دخلنا (أنا و يزيد بن حيّان) على زيد، فقال له يزيد: لقد رأيتَ خيراً: لقد صاحبتَ رسول الله صلى الله عليه و آله و صلّيت خلفه! و يسوق الحديث هنا بنحو حديث أبي حيّان غير أنّه يروي كلام رسول الله صلى الله عليه و آله بالشكل الآتي:

  • 67- ألَا وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَ مَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ.2 و فيه: فقلنا: مَن أهل بيته، نساؤه؟!

  • قال: أيم الله إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها. و أهل بيته صلى الله عليه و آله أصله و عصبته

    1. -« صحيح مسلم» ص 1874؛ و أخرجه القندوزيّ في« ينابيع المودّة» ص 183، عن أحمد، و عبد حميد، و مسلم بالمتن الأخير عينه، و قوله صلى الله عليه و آله: اذكّركم الله في أهل بيتي مرّة واحدة.
    2. -« صحيح مسلم» ج 4، ص 1874، الحديث 37. و نقله في« ينابيع المودّة» ص 29، عن مسلم بإضافة قوله: و عترتي أهل بيتي؛ و ذكر البحرانيّ المتن نفسه في« غاية المرام» ص 212، الحديث السادس عن العامّة.

معرفة الإمام ج۱۳

238
  • الذين حرموا الصدقة بعده.1

  • ذكر ابن المغازليّ في مناقبه حديثاً بسنده المتّصل، و لفظه: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2 و أورده الحاكم في مستدركه،3 و الحافظ الترمذيّ في جامعه.4 و أيضاً الحاكم في «المستدرك»،5 و الطبرانيّ في معجمه الكبير.6

  • و ذكر حديثاً ثالثاً بسنده المتّصل، و هو كالحديث الأوّل عن «صحيح مسلم» من حيث اللفظ. و نحن نقلناه في التسلسل (65) المتقدّم.7

  • و رواه الحافظ الدارميّ في سننه،8 كتاب فضائل القرآن، و أحمد بن

    1. -« صحيح مسلم» ج 4، ص 1874، الحديث 37. و نقله في« ينابيع المودّة» ص 29، عن مسلم بإضافة قوله: و عترتي أهل بيتي؛ و ذكر البحرانيّ المتن نفسه في« غاية المرام» ص 212، الحديث السادس عن العامّة.
    2. -« مناقب ابن المغازليّ» ص 234، الحديث 281؛ و أورد القندوزيّ هذا اللفظ في« ينابيع المودّة» ص 37 عن« صحيح مسلم» بدون لفظ عترتي و ذلك في طريق الحديث الثالث الذي نقله صاحب كتاب« معالم العترة النبويّة»؛ و جاء أيضاً في« غاية المرام» ص 232، الحديث 59، عن الخاصّة، برواية ابن بابويه؛ و نقله الحمّوئيّ في« فرائد السِّمطين» ج 2، ص 142 و 143، الباب 33، بدون لفظ أهل بيتي و فيه لن يتفرّقا مكان لن يفترقا.
    3. -« المستدرك علي الصحيحين» ج 3، ص 148. و قال الحاكم: هذا الحديث صحيح السند علي شرط الشيخين، و لم يُخرجاه.
    4. -« جامع صحيح الترمذيّ» 13/ 200، طبعة الصاويّ.
    5. -« المستدرك» ج 3، ص 109، بلفظ: إنّي قد تركت، و إضافة جملة أحدهما أكبر من الآخر، و قال: هذا الحديث صحيح أيضاً علي شرط الشيخين، و لم يخرجاه.
    6. نسخة جامعة طهران، رقم 137.
    7. -« مناقب ابن المغازليّ» ص 236، الحديث 284.
    8. -« سنن الدارميّ» ج 2، ص 431.

معرفة الإمام ج۱۳

239
  • حنبل في مسنده1 بذكر نصّ الحديث، و بالاعتراف بقطعه و ثبوته في موضع آخر،2 و الحافظ البيهقيّ.3 كلّهم رووه عن أبي حيّان التيميّ بنفس السند و اللفظ؛ و أورد ابن المغازليّ حديثاً آخراً سنأتي عليه في التسلسل (80).

  • و ذكر الملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» أربعة أحاديث عن زيد بن أرقم:

  • الأوّل: نفس المضمون الذي ذكرناه في التسلسل (43) من الأحاديث الواردة عن زيد بن ثابت، و هو رواها أيضاً عن «مسند أحمد بن حنبل»، و عن الطبرانيّ في «المعجم الكبير»، و سعيد بن منصور في «السنن» عن زيد بن ثابت، و عن الطبرانيّ في «المعجم الكبير» عن زيد بن أرقم.4

  • الثاني: عن «مستدرك الحاكم» عن زيد بن أرقم أنّ رسول الله قال:

  • 68- أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَ أهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي.5 تَعْلَمُونَ أنِّي أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِمْ! مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.6

  • الثالث: حديث نقله عن الطبرانيّ في «المعجم الكبير»، و عن الحاكم

    1. -« مسند أحمد» ج 4، ص 367.
    2. -« مسند أحمد» ج 4، ص 371.
    3. -« البيهقيّ في« السنن» ج 10، ص 113، و: ج 2، ص 148؛ و في كتاب« الاعتقاد» ص 164.
    4. -« كنز العمّال» ج 1، ص 166، رقم 948، طبعة حيدرآباد.
    5. إلى هنأ ذكره القندوزيّ في« ينابيع المودّة» ص 37، بلفظ الطريق الثاني، عن« صحيح مسلم» نقلًا عن كتاب« معالم العترة النبويّة».
    6. -« كنز العمّال» ج 1، ص 167، الحديث رقم 951.

معرفة الإمام ج۱۳

240
  • في «المستدرك»، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم:

  • 69- كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! فَإنّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. إنَّ اللهَ مَوْلَايَ وَ أنَا وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَن عَادَاهُ.1

  • الرابع: حديث رواه عن الطبرانيّ في «المعجم الكبير»، عن أبي الطفيل،2 عن زيد بن أرقم. ثمّ عرض خطبة رسول الله صلى الله عليه و آله

    1. -« كنز العمّال» ج 1، ص 167، الحديث 954؛ و« العبقات» ج 1، ص 278 و 279؛ عن الطبرانيّ.
    2. أبو الطفيل نفسه من أصحاب رسول الله، لكنّه لم يروِ هذا الحديث بلا واسطة. فلعلّه لم يشهد يوم الغدير. ذكر آية الله السيّد حسن الصدر ترجمته في كتاب« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 186، ضمن شعراء الشيعة، و قال: و منهم: أبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابيّ، ذكره في« نسمة السحر في ذكر مَن تشيّع و شعر»، قال: فاضل اجتمعت له الصحبة و حبّ أهل البيت؛ و قال أبو الفرج الإصفهانيّ: كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله، و روى الحديث و عمّر بعده طويلًا، و صحب عليّاً عليه السلام، و كان من وجوه الشيعة، و له منه محلّ خاصّ. و كان فارساً كريماً شجاعاً شاعراً، و عاش بعد عليّ عليه السلام، فخرج مع المختار طالباً بدم الحسين عليه السلام، فكان معه حتى قتل المختار، و عمّر بعد ذلك. قال قطرب بن خليفة: سمعت أبا الطفيل يقول: لم يبق من الشيعة غيرى، ثمّ تمثّل:
      و خلّفت سهماً في الكنانة واحداً--سيرمي به أو يكسر السهمَ كاسِرُه
      --
      إلى أن قال صاحب« نسمة السحر»: كانت وفاته سنة مائة، و هو آخر الصحابة مَوتاً- انتهى.
      و قال ابن قتيبة في كتاب« المعارف» عند ذكره لأبي الطفيل: و شهد مع عليّ عليه السلام المشاهد كلّها، و كان مع المختار صاحب رايته، و كان يؤمن بالرجعة، و ذكر البيتين السابقين و بيتين آخرين.

معرفة الإمام ج۱۳

241
  • في غدير خُمّ، و إشهاده المؤمنين، إلى أن بلغ قوله صلى الله عليه و آله:

  • ألَا هَلْ تَسْمَعُونَ؟! فَإنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ، وَ إنَّ عَرْضَهُ أبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَ بُصْرَى، فِيهِ أقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي في الثَّقَلَيْنِ؟!

  • قَالُوا: وَ مَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!

  • قَالَ: كِتَابُ اللهِ- طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَ لَا تَضِلُّوا- وَ الآخَرُ عِتْرَتِي. وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَسَألْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُقْصِرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا. وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.1

  • مَنْ كُنْتُ أولى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَعَلِيّ وَلِيُّهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.2

  • قال الحاكم النيسابوريّ في «المستدرك» بعد بيان حديث زيد بن أرقم كما ذكرناه في التسلسل (69) عن «كنز العمّال»، بعد قول رسول الله وَ أنا وليّ كلّ مؤمن: فأخذ يد عليّ و قال: مَنْ كُنتُ مَوْلَاهُ (فَهَذَا وَلِيُّهُ) اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.3

  • و ذكر الحاكم أيضاً في آخر الحديث الذي نقلناه عن «كنز العمّال» في التسلسل (68) ما نصّه: ثُمَّ قَالَ: أ تَعْلَمُونَ أنِّي أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِمْ؟!- ثَلَاثَ مَرَّاتِ- قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ

  • 4
  • معرفة الإمام ؛ ج13 ؛ ص241
    1. ذكره في« بحار الأنوار» إلى هنا عن السيوطيّ، عن الطبرانيّ في: ج 7، ص 31، طبعة الكمبانيّ.
    2. -« كنز العمّال» ج 1، ص 168، الحديث 958.
    3. -« المستدرك» ج 3، ص 109. و قال الحاكم في آخره: هذا الحديث صحيح علي شرط الشيخين( البخاريّ و مسلم)، و لم يُخرجاه.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۳

242
  • وَ آلِهِ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.1

  • و أخرج الذهبيّ هذين الحديثين أيضاً في «تلخيص المستدرك»، و طُبعا في ذيل الصفحة المطبوعة.

  • روى الخوارزميّ: موفّق بن أحمد، أخطب خوارزم بسنده المتّصل عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه و آله من حجّة الوداع، نزل غدير خُمّ و أمر بدوحات فقُممن، ثمّ قام فقال:

  • 70- كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.

  • ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَوْلَايَ وَ أنَا وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ2 وَ مُؤْمِنَةٍ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

  • قال أبو الطفيل راوي الحديث عن زيد بن أرقم: قلتُ له: أنتَ سمعتَ هذا منه (من رسول الله صلى الله عليه و آله)؟! قال: نعم، و ما كان هناك (أي تحت الدوحات) أحد إلّا و قد رآه بعينه و سمعه باذنه.3

    1. -« المستدرك» ج 3، ص 110 و قال: حديث بُريدة الأسلميّ صحيح علي شرط الشيخين.
    2. ذكر القندوزيّ هذا الحديث إلى هنا في« ينابيع المودّة»، بلفظ الطريق الأوّل عن« صحيح مسلم» نقلًا عن كتاب أبي محمّد عبد العزيز الأخضر في« معالم العترة النبويّة».
    3. -« مناقب الخوارزميّ» في الطبعة الحجريّة: ص 13، و في الطبعة الحديثة بالنجف: ص 93؛ و« العبقات» ج 1، ص 399، في ترجمة الخوارزميّ؛ و« ينابيع المودّة» ص 32، عن الخوارزميّ؛ و« غاية المرام» ص 232، رقم 60، عن الخاصّة؛ و ذكره أبو الفداء بن كثير الدمشقيّ في كتاب« البداية و النهاية» ج 5، ص 209، بدون لفظ أحدهما أكبر من الآخر؛ و أورده النسائيّ في« خصائص» مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، ص 21، بكلمة تارك مكان تركتُ.

معرفة الإمام ج۱۳

243
  • ذكر العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ ثلاثة أحاديث نقلًا عن أبي نُعيم الإصفهانيّ في كتاب «منقبة المطهّرين»، الأوّل: عن أبي سعيد و زيد بن أرقم، أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال:

  • 71- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا أثْقَلُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ- حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ- وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟!1

  • الثاني: عن زيد بن أرقم، قال: رجعنا مع رسول الله إلى الجحفة بعد الحجّ، و صلى الظهر في غدير خُمّ، ثمّ قام خطيباً فقال:

  • 72- يَا أيُّهَا النَّاسُ! هَلْ تَسْمَعُونَ؟! إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ، إنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى، إنِّي مَسْؤُولٌ وَ إنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ، إنِّي مَسْؤُولٌ هَلْ بَلَّغْتُكُمْ؟ وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ هَلْ بُلِّغْتُمْ؟ فَمَا ذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟!

  • قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ بَلَّغْتَ وَ جَهَدْتَ. قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ وَ أنَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. ألَا هَلْ تَسْمَعُونَ؟ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ، مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَ مَا الثَّقَلَانِ؟!

  • قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَنْ تَهْلِكُوا وَ تَضِلُّوا، وَ الآخَرُ عِتْرَتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

    1. -« العبقات» ج 1، ص 310 و 311؛ و« ذخائر العقبي» ص 16 بلفظ أعظم من الآخر، عن الترمذيّ؛ و« الصواعق المحرقة» ص 89.
    2. -« العبقات» ج 1، ص 311.

معرفة الإمام ج۱۳

244
  • الثالث: عن زيد بن أرقم أيضاً أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله وقف في مكان بين مكّة و المدينة فيه ماء يقال له: خُمّ، فقام فينا خطيباً، و حمد الله و أثنى عليه و قال:

  • 73- أمَّا بَعْدُ؛ ألَا يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَاجِيبَ. وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَليْنِ. أوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدى وَ النُّورِ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ!

  • فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَ رَغَّبَ فِيهِ وَ قَالَ (ثُمَّ قَالَ: و ظ) أهْلُ بَيْتِي. اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي!

  • قال له الحصين (و هو ممّن حضر و سأل): يا زيد! مَنْ أهل بيته؟ أ ليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى، إنّ نساءه من أهل بيته، و لكنّ أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: و مَن هُم؟ قال: آل عليّ، و آل جعفر، و آل عقيل، و آل العبّاس!1

  • إنّ التفسير المذكور لأهل البيت كلام زيد نفسه. و هو تفسير باطل لأسباب عديدة، و قدح بعض علماء العامّة في هذا التفسير أيضاً. و سنتحدّث عن هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.2

  • من الجدير ذكره أنّ الحديث الأخير الذي نقلناه عن صاحب «العبقات»، و هو نقله عن أبي نُعَيم، و أوردناه في التسلسل (73)، ذكره كثير من علماء العامّة، منهم: الزَّرنْديّ في «نظم دُرَر السِّمطين»،3 و البيهقيّ في

    1. -« العبقات» ج 1، ص 311؛ و« غاية المرام» ص 215، الحديث 30، عن العامّة، برواية الحمّوئيّ في« فرائد السمطين».
    2. في آخر هذا الكتاب.
    3. -« نظم درر السمطين» ص 231، طبعة النجف.

معرفة الإمام ج۱۳

245
  • «السنن»،1 و ابن حَجَر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة»،2 و العلّامة الشيخ رضي الدين الصنعانيّ في كتاب «مشارق الأنوار النبويّة من صحاح الأخبار المصطفويّة»، و الفارق فيها أنّ لفظ: اذَكِّرُكُمُ اللهِ في أهْلِ بَيْتِي ذكر ثلاث مرّات.

  • يُضاف إلى هذا الحديث، و الحديث الذي أوردناه في التسلسل (59) عن أبي سعيد الخُدريّ- و قد صرفنا النظر عنه هنا رغبة في عدم تكرار مضمونه برواية زيد بن أرقم- حديثٌ آخر نقله الزرنديّ في «نظم درر السمطين» عن زيد بن أرقم، عن رسول الله صلى الله عليه و آله في يوم حجّة الوداع بالمضمون الآتي:

  • 74- إنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ وَ أنْتُمْ تَبَعي، وَ إنَّكُمْ تُوشِكُونَ أنْ تَرِدُوا عَلَيّ الحَوْضَ فَأسْألُكُمْ عَنْ ثَقَلَيّ كَيْفَ خَلَّفْتُمُونِي فِيهِمَا؟! فقام رجل من المهاجرين و قال: ما الثقلان؟ قَالَ: الأكْبَرُ مِنْهُمَا كِتَابُ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِأيدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَ الأصْغَرُ عِتْرَتِي.

  • فَمَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتِي وَ أجَابَ دَعْوَتِي فَلْيَسْتَوْصِ لَهُمْ خَيْراً- أوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ، وَ لَا تَقْهَرُوهُمْ، وَ لَا تُقْصِرُوا عَنْهُمْ، وَ إنِّي سَألْتُ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ، فَأعْطَانِي أنْ يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَهَاتَيْنِ- وَ أشَارَ بِالمُسَبِّحَتَيْنِ- نَاصِرُهُمَا لي نَاصِرٌ، وَ خَاذِلُهُمَا لي خَاذِلٌ، وَ وَلِيُّهُمَا لي وَلِيّ، وَ عَدُوّهُمَا لي عَدُوٌّ.3

    1. -« سنن البيهقيّ» ج 10، ص 113 و 114، و قال في آخره: أخرجه مسلم في صحيحه عن حديث أبي حيّان التيميّ.
    2. -« الصواعق المحرقة» ص 136.
    3. -« نظم درر السمطين» ص 233 و 234؛ و ورد في لفظ الكتاب: ناصرهما إليّ و خاذلهما إليّ، فصحّحناهما بلفظ ناصرهما لي. و خاذلهما لي؛ و نقل القندوزيّ هذا الحديث في« ينابيع المودّة» ص 37، عن الزرنديّ في« نظم دُرَر السمطين» بدون لفظ أو كما قال رسول الله، و ورد في أربعة مواضع لي مكان إليّ، ثمّ قال: و في الباب زيادة على عشرين من الصحابة؛ و أخرجه ابن عقدة في كتاب« الموالاة»؛ و أورده السيّد ابن طاووس في طرائفه ص 117، الحديث 179، عن ابن المغازليّ باختلاف يسير، و أضاف في آخره هذا اللفظ: ألا و إنّه لن تهلك امّة قبلكم حتى تدين بأهوائها، و تظاهر على نبيّها، و تقتل من يأمر بالقسط فيها. و حكاه المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج 23، ص 109 و 110، الطبعة الحديثة، عن« الطرائف».

معرفة الإمام ج۱۳

246
  • قال البدخشانيّ في كتاب «مفتاح النَّجا»: ذكر الطبرانيّ في معجمه الكبير عن زيد بن أرقم أنّه قال:

  • 75- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي لَكُمْ فَرَطٌ، وَ إنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ- عَرْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى بُصْرَى، فِيهِ عَدَدَ الكَوَاكِبِ مِنْ قِدْحَانِ الذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ- فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي في الثَّقَلَيْنِ؟!

  • قِيلَ: وَ مَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!

  • قَالَ: الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَنْ تَزِلُّوا وَ لَا تَضِلُّوا، وَ الأصْغَرُ عِتْرَتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. وَ سَألْتُ لَهُمَا ذلِكَ رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.1

  • و نقل الحمّوئيّ في «فرائد السمطين» حديثاً بسنده المتّصل عن يزيد ابن حيّان. قال: دخلنا على زيد بن أرقم، فقال لنا: خطبنا رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:

  • 76- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، مَنْ تَبِعَهُ

    1. -« العبقات» ج 2، ص 744، في ترجمة الميرزا محمّد البدخشيّ.

معرفة الإمام ج۱۳

247
  • كَانَ عَلَى الهُدَى، وَ مَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْتِي. اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، قالها ثلاثاً.1

  • و نقل ابن المغازليّ في كتاب «فضائل القرآن» حديثاً آخراً عن زيد ابن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم:

  • 77- إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي وَ قَرَابَتِي- الحديث.2

  • و اخرج حديث في الثقلين عن الطبرانيّ في معجمه الكبير برواية حذيفة بن اسَيد الغفاريّ أو زيد بن أرقم، و نحن نذكره فيما يأتي برواية العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ أعلى الله مقامه الشريف لأهمّيّته و شدّة اهتمام علماء العامّة به، قال:

  • قال العلّامة السخاويّ في «استجلاب ارتقاء الغرف»: [أمّا حديث

    1. -« فرائد السمطين» ج 2، ص 250، الباب 48، الحديث 5020.
    2. -« غاية المرام» ص 214، الحديث 21، عن العامّة؛ و روى السيّد هاشم البحرانيّ هنا حديثاً آخراً عن ابن المغازليّ تحت الرقم 22، عن العامّة، فقد ذكر بإسناده إلى عليّ بن أبي ربيعة أنّه قال: لقيتُ زيد بن أرقم، و هو يريد أن يدخل على المختار، فقلت: بلغني عنك. قال: و ما هو؟ قلتُ: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إنِّي قد تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي؟! قال: اللهمّ نعم! و روى الحديث الأوّل في« غاية المرام» ص 211، عن العامّة، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بسنده عن عليّ بن ربيعة قال: لقيتُ زيد بن أرقم و هو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلتُ له: سمعتَ رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إنِّي تارك فيكم الثقلين؟! قال: نعم؛ و ذكره في« ينابيع المودّة» ص 32، عن« زيادات مسنده» لعبد الله بن أحمد بن حنبل؛ و أورده السيّد ابن طاووس في« الطرائف» ص 114، عن أحمد بن حنبل في مسنده، عن إسرائيل بن عثمان بن المغيرة بن ربيعة؛ و نقله في ص 16 من طرائفه عن عليّ بن ربيعة. و جاء أيضاً في« بحار الأنوار» ج 23، ص 109، الطبعة الحديثة.

معرفة الإمام ج۱۳

248
  • حُذَيفة بن اسَيْد الغفاريّ، فقد رواه الطبرانيّ في معجمه الكبير عن طريق سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، عن أبي سعيد، عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما، قال:]

  • 78- لَمَّا صَدَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْ حِجَّةِ الوَدَاعِ، نَهَى أصْحَابَهُ عَنْ شَجَراتٍ بِالبَطْحَاءِ مُتَقَارِبَاتٍ أنْ يَنْزِلُوا تَحْتَهُنَّ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِنَّ، فَقُمَّ مَا تَحْتَهُنَّ مِنَ الشَّوْكِ، وَ عَمَدَ إلَيْهِنَّ فَصَلَّى تَحْتَهُنَّ.

  • ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنَّهُ لَنْ يُعَمَّرَ نَبِيّ إلَّا نِصْفَ عُمْرِ الذي يَلِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. وَ إنِّي لأظُنُّ أنْ يُوشِكَ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ، وَ إنِّي مَسْؤُولٌ وَ إنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ، فَمَا ذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟!

  • قَالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ جَهَدْتَ وَ نَصَحْتَ، فَجَزَاكَ اللهُ خَيْراً.

  • فَقَالَ: أ لَيْسَ تَشْهَدُونَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ، وَ نَارَهُ حَقٌّ، وَ أنَّ المَوْتَ حَقٌّ، وَ أنَّ البَعْثَ حَقٌّ بَعْدَ المَوْتِ، وَ أنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ؟!

  • قَالُوا: بلى! نَشْهَدُ بِذَلِكَ، قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ!

  • ثُمَّ قَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ اللهَ مَوْلَايَ وَ أنَا مَوْلَى المُؤْمِنِينَ، وَ أنَا أولى بِهِمْ مِنْ أنفُسِهِمْ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ- يَعْنِي عَلِيَّاً- اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.

  • ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرَطُكُمْ وَ إنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ، حَوْضٌ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَى إلى صَنْعَاءَ، فِيهِ عَدَدَ النُّجُومِ قِدْحَانٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَ إنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا وَ لَا تُبَدِّلُوا، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ فَإنَّهُ قَدْ

معرفة الإمام ج۱۳

249
  • نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنَّهُمَا لَنْ يَنْقَضِيَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.1

  • ثمّ قال السمهوديّ، راوي هذا الحديث عن الطبرانيّ: من هذا الطريق رواية الضياء في «المختارة»، و أبو نُعَيْم في «الحِلية» و غيرهما. رووه من حديث زيد بن الحسن الأنماطيّ، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة.

  • و يتّضح من إفادة العلّامة السمهوديّ في «جواهر العِقدين»، و محمّد

    1. -« العبقات» ج 1، ص 279، في سياق ترجمة الطبرانيّ؛ و في« العبقات» ج 1، ص 402 أيضاً، رواه ابن عساكر الدمشقيّ عن حذيفة بن اسيد. و قال ابن عساكر في آخره: روى هذا الحديث الشريف عن زيد بن أرقم.
      قال ابن الصبّاغ المالكيّ في« الفصول المهمّة» في الطبعة الحجريّة: ص 24، و في الطبعة الحديثة: ص 22: روى الترمذيّ عن زيد بن أرقم أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال: من كنتُ مولاه فعليّ مولاه. ذكر الترمذيّ هذا اللفظ و لم يضف عليه شيئاً، و أمّا الزُّهريّ فقد ذكر اليوم و الزمان و المكان؛ و ذكر الحديث كما يأتي: لمّا حجّ رسول الله صلى الله عليه و آله حجّة الوداع و عاد قاصداً إلى المدينة قام بغدير خُمّ و هو ماء بين مكّة و المدينة و ذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام وقت الهاجرة فقال: يا أيّها النّاس إنّي مسؤول و أنتم مسؤولون، هل بلّغت؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغتَ و نصحتَ. قال: و أنا أشهد أنّي قد بلّغت و نصحت، ثمّ قال: أيّها الناس أ ليس تشهدون أن لا إله إلّا الله و أنّي رسول الله؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله و أنّك رسول الله. قال: و أنا أشهد مثل ما شهدتم. ثمّ قال: أيّها الناس قد خلّفتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله و أهل بيتي، ألا و إنّ اللطيف أخبرني أنّهما لم يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض، حوضي ما بين بُصرى و صنعاء عدد آنيته عدد النجوم، إنّ الله مسائلكم كيف خلفتموني في كتابه و أهل بيتي. ثمّ قال: أيّها الناس! من أولى الناس بالمؤمنين؟ قالوا: الله و رسوله أعلم. قال: إنّ أولى الناس بالمؤمنين أهل بيتي( قال ذلك ثلاث مرّات) ثمّ قال في الرابعة و أخذ بِيَدِ عليّ: اللهمّ مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه و عاد من عاداه( يقولها ثلاث مرّات) ألا فليبلّغ الشاهد الغائب. روى عليّ بن عيسى الإرْبليّ متن هذا الحديث عن الزُّهريّ في« كشف الغمّة» ص 16.

معرفة الإمام ج۱۳

250
  • ابن يوسف الشاميّ في كتاب «سُبُل الهُدى و الرشاد» المعروف ب- «السيرة الشاميّة»، و ابن حَجَر المكّيّ في «الصواعق المحرقة»، و الفخر الجَهْرُميّ في «البراهين القاطعة»، و نور الدين الحلبيّ في كتاب «إنسان العيون» المعروف ب- «السيرة الحلبيّة»، و أحمد بن فضل بن محمّد با كثير في «وسيلة المآل»، و محمود بن محمّد القادريّ في «الصراط السويّ»، و الميرزا محمّد البَدَخشانيّ في «مفتاح النَّجا»، و «نُزُل الأبرار»، و محمّد صدر العالم في «معارج العُلى»، و أحمد بن عبد القادر العُجَيليّ في «ذخيرة المآل»، و مولوى وليّ الله الكهنويّ في «مرآة المؤمنين» أنّ الطبرانيّ أخرج هذا الحديث كما ستطّلع عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.1

  • و قال الميرزا محمّد البدخشانيّ في «مفتاح النَّجا» أيضاً: أخرج الحاكم عن زيد بن أرقم، و أخرج الطبرانيّ في «المعجم الكبير» عن زيد بن أرقم، و زيد بن ثابت أنّه:

  • 79- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيِهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مِنْ بَعْدِي: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • و أورد ابن البطريق حديث الغدير المفصّل و الخطبة المذكورة بألفاظ اخرى تماثل ألفاظ حديث الطبرانيّ مفاداً و معنى. و ذلك في كتاب «العمدة» بسنده المتّصل عن وليد بن صالح، عن زيد بن أرقم. و نقل عن

    1. -« العبقات» ج 1، ص 279 و 280، في ترجمة الطبرانيّ.
    2. -« العبقات» ج 1، ص 280؛ و رواه السيّد هاشم البحرانيّ في« غاية المرام» ص 213، الحديث 16، عن صاحب« العمدة» و هو ابن البطريق نفسه بدون لفظ من بعدي و قال: ذكره صاحب« العمدة» من طريق المخالفين بالأسناد عن زيد بن أرقم، و هذا يدلّ علي أنّ ابن البطريق كان شيعيّاً.

معرفة الإمام ج۱۳

251
  • رسول الله صلى الله عليه و آله بخصوص التوصية بالثقلين قوله:

  • 80- ألَا وَ إنِّي فَرَطُكُمْ وَ إنَّكُمْ تَبَعِي تُوشِكُونَ أنْ تَرِدُوا عَلَيّ الحَوْضَ، وَ أسْألُكُمْ حِينَ تَلْقَوْنِّي عَنْ ثَقَلَيّ كَيْفَ خَلَفْتُمُونِّي فِيهِمَا؟! فَأعْضَلَ عَلَيْنَا مَا نَدْرِي مَا الثَّقَلَانِ؟ حتى قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ فَقَالَ: بِأبِي أنْتَ وَ امِّي يَا نَبِيّ اللهِ مَا الثَّقَلَانِ؟!

  • قَالَ: الأكْبَرُ مِنْهُمَا كِتَابُ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ تعالى وَ طَرَفٌ بِأيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ وَ لَا تَزِلُّوا وَ لَا تَضِلُّوا؛ وَ الأصْغَرُ مِنْهُمَا عِتْرَتِي- الخطبة.1

    1. -« العبقات» ج 1، ص 340 و 341. و ذكر في ترجمة ابن المغازليّ قائلًا: و قال ابن المغازليّ أيضاً في كتاب« المناقب» على ما نقل عنه العلّامة ابن البطريق طاب ثراه في كتابه الموسوم ب-« العمدة»: أخبرنا ... إلى آخر الخطبة الطويلة جدّاً و الشاملة على ملاحظات دقيقة. و يستفاد تشيّع الرجل و جلالة إيمانه من تعبير صاحب« العبقات» بقوله: طاب ثراه.
      و هذا حديث ابن المغازليّ الذي ذكره في« المناقب» ص 16 إلى 18، الرقم 23، بسنده المتّصل عن وليد بن صالح، عن امرأة زيد بن أرقم. و فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال بعد العبارات المذكورة: مَن استقبل قبلتي و أجاب دعوتي! فلا تقتلوهم و لا تقهروهم و لا تقصروا عنهم فإنّي سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر، و خاذلهما لي خاذل، و وليّهما لي وليّ و عدوّهما لي عدوّ. ألا و إنّها لم تهلك امّة قبلكم حتى تتديّن بأهوائها و تظاهر على نبوّتها، و تقتل من قام بالقسط، ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ بن أبي طالب عليه السلام فرفعها ثمّ قال: مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه. و من كنتُ وليَّه فهذا وليُّه. اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه. كرّر رسول الله صلى الله عليه و آله هذه الجملة ثلاث مرّات. هذا كان آخر الخطبة و جاء في النسخة المطبوعة من« المناقب»، و« ينابيع المودّة» ص 22، عن ابن المغازليّ، عن امرأة زيد بن أرقم. و نقل ابن المغازليّ الحديث عن امرأة زيد بن أرقم و قال في الهامش: في« البحار» نقلًا عن« عمدة ابن البطريق» ص 51، ابن امرأة زيد بن أرقم. و هكذا أخرجه في« الغدير» 7/ 37 عن« العمدة»- انتهى. و أمّا في النسخة المطبوعة من« العبقات» في إصفهان، التي نقلنا عنها، عن ابن امرأة زيد بن أرقم، فإنّ العلّامة مير حامد حسين صحّح ذلك بذكر زيد بن أرقم كما يبدو.

معرفة الإمام ج۱۳

252
  • و ذكر الشيخ أحمد بن عبد القادر العُجيليّ الشافعيّ في كتابه «ذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآل» ما يشبه مضمون ابن البطريق عن زيد بن أرقم أيضاً.

  • و أورده جلال الدين السيوطيّ في «الجامع الصغير» عن «مسند أحمد ابن حنبل»، و «صحيح مسلم»، و «مسند عبد بن حميد» باللفظ الآتي:

  • 81- أمَّا بَعْدُ؛ ألَا أيُّهَا النَّاسُ! فَإنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَاجِيبَ، وَ أنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدَى وَ النُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ وَ أخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَ مَنْ أخْطَأهُ ضَلَّ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ تعالى وَ اسْتَمْسِكُوا بِهِ، وَ أهْلُ بَيْتِي. اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي. ثمّ قال السيوطيّ: حديثٌ صحيح.1

  • و نقل ابن حَجَر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة» حديثاً آخراً أيضاً عن زيد بن أرقم، و قال: روايةٌ صحيحةٌ.

  • 82- كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أحَدُهُمَا آكَدُ مِنَ الآخر: كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ عِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخلُفُونِّي فِيهِمَا؟! فَإنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.2

  • و في حديث آخر: وَ إنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، سَألْتُ رَبِّي ذَلِكَ لَهُمَا فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.3

  • ثمّ قال: و لهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع و عشرين صحابيّاً. و في

    1. -« الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير» ج 1، ص 64، الطبعة الرابعة.
    2. ( 2 و 3)-« الصواعق المحرقة» ص 149، طبعة مكتبة القاهرة، دار الطباعة المحمّديّة.
    3. ( 2 و 3)-« الصواعق المحرقة» ص 149، طبعة مكتبة القاهرة، دار الطباعة المحمّديّة.

معرفة الإمام ج۱۳

253
  • هذه الأحاديث لا سيّما قوله صلى الله عليه و آله: انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؛ وَ اوصِيكُمْ بِعِتْرَتِي خَيْراً؛ وَ اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي الحثّ الأكيد على مودّتهم، و مزيد الإحسان إليهم، و احترامهم، و إكرامهم، و تأدية حقوقهم الواجبة و المندوبة. كيف و هم أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً و حسباً و نسباً؟

  • و يستفاد من كلام رسول الله صلى الله عليه و آله: لَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ أنّ من تأهّل منهم للمراتب العلية و الوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره.1

  • الرابع عشر: حديث الثقلين برواية عبد الله بن حنطب:

  • قال السيوطيّ في كتاب «إحياء الميِّت»: أخرج الطبرانيّ عن المطَّلب ابن عبد الله بن حنطب، عن أبيه عبد الله أنّه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه و آله بالجحفة فقال:

  • 83- أ لَسْتُ أولى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟! قَالُوا: بلى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: فَإنِّي سَائِلُكُمْ عَنِ اثْنَيْنِ: عَنِ القُرْآنِ وَ عِتْرَتِي.2

  • و أخرج العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ عن السيوطيّ في كتاب «الإنافة في رتبة الخلافة» عن الطبرانيّ، عن عبد الله بن حنطب نفسه أنّه قال:

  • خطبنا رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:

    1. -« الصواعق المحرقة» ص 136.
    2. -« إحياء الميّت بفضائل أهل البيت» في حاشية« الإتحاف بحبّ الأشراف» ص 261 و 262، الحديث 43؛