/ ۳۱۲

معرفة الإمام ج۱۲

1

معرفة الإمام ج۱۲

2
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ السَّادِسُ وَ السِّتُّونَ بَعْدَ المِائَةِ إلَى السَّبْعِينَ بَعْدَ المِائَةِ: حَوْلَ العُلُومِ الغَيْبِيَّةِ لأمِيرِ المُؤمِنيِنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱۲

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • اختصاص الله تعالى بعلم الغيب و إظهار الرسل عليه

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً* لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً.۱

  • يخبرنا صدر الآية أنّ الله تعالى وحده عالم الغيب، بل عالم بجميع أنواع الغيب. و خاصّة أنّه جعل الاسم الظاهر الغيب مكان الضمير، فلم يقل: فَلَا يُظْهِرُ عَلَيْهِ، بل قال: فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ. و هذا المعنى ملحوظ في الآية المذكورة. ثمّ قال: إنّه يُطْلع على غيبه كلّ من ارتضاه من أنبيائه و رسله إلى خلقه، و يمكّنه من عالم الغيب و يرفع الحجاب عن بصره. فهو تعالى يلهمه من غيبه شيئاً.

  • و عند ما يرفع الله عنهم الحجاب و يظهر رسله على الغيب، فإنّه يجعل عليهم فريقين من الرصد و المراقبين:

  • الأوّل: فريق من الملائكة يجعلهم بين أيديهم بعد الوقوف على

    1. الآيات ۲٦ إلى ۲۸، من السورة ۷۲: الجنّ.

معرفة الإمام ج۱۲

5
  • الغيب كي لا توسوس لهم الشياطين في أداء تلك المهمّة و إبلاغ ذلك العلم للناس، و لا تكدّر ذلك العلم الصافي الخالص بالهواجس النفسانيّة و الأهواء الشيطانيّة.

  • الثاني: فريق من الرصد المحافظين يجعلهم بين مصدر الوحي و التنزيل و بينهم من خلفهم قبل الوقوف على الغيب ليظلّ الوحي مصوناً من تدخّل مخلوقات العالم العلويّ خلال سيره النزوليّ في عوالمه إلى أن يصل إلى قلب الرسول. و يتكوّن هذا الفريق من ملائكة هم شركاء في إنزال الوحي و سيره في مراتبه و درجاته حتى يُبَلّغ به الرسول.

  • أنّ الهدف من جميع هذا المراقبات و المراقبين هو أن يتحقّق إبلاغ رسالات اولئك الرسل بنحو صائب صحيح، إذ إنّ من الواضح أنّ قوله: لِيَعْلَمَ أن قَدْ أبْلَغُوا يُشعِر بعلم الله الفعليّ لا علمه الذاتيّ. و العلم الفعليّ هو نفس تحقّق الامور الخارجيّة، و عين الواقعيّة و الحقيقة في الخارج، و ليس منفصلًا عن نفس التحقّق الخارجيّ، لأنّ علم الله بالموجودات ليس حصوليّاً، بل حضوريّاً محضاً. و معنى العلم الحضوريّ هو وجود المعلوم و تحقّقه عند العالم به. و على هذا، فمعنى لِيَعْلَمَ: لِيَتَحقَّقَ. أي: أنّ حضور هذين الفريقين من الملائكة أمام الرسل و خلفهم هو للاطمئنان على تحقّق إبلاغهم، إذ يبلّغون الناس ما يتلقّونه من الوحي.۱

  • إن هذا الاسلوب من الإرسال يشبه اسلوب السلاطين و الحكّام في

    1. إنّ مثل هذا المعنى من العلم القائل بأنّ التحقّق الخارجيّ في التعبير العلميّ هو العلم الفعليّ كثير في القرآن الكريم كالآية ۳، من السورة ۲٩: العنكبوت: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. أي: يتحقّق ظهور الصادقين و الكاذبين في الخارج، و هو ما يستوعبه العلم الفعليّ للحقّ تعالى. و كالآية ۲۵، من السورة ۵۷: الحديد: وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ. أي: ليتحقّق علم الله الفعليّ بوجود ناصري الله و رسله.

معرفة الإمام ج۱۲

6
  • بعث الرسائل إلى ممثّليهم و رسلهم كي يبلّغونها الناس. فهم أوّلًا: يحافظون على رسالتهم بواسطة عدد من الحرّاس حتى تصل إلى ذوي العلاقة. و ثانياً: يجعلون الحرّاس في هذا المسير لأداء هذه المهمّة كي لا تمتدّ إليها يد التغيير و التبديل بعد وصولها، و قبل إبلاغها للناس.

  • و حيث ينبغي في القسم الأوّل، أعني: إرسال الله علم الغيب إلى رسله، أن لا يظهر فيه أي تصرّف و تبدّل، و كذلك الأمر في القسم الثاني المتجسّد في إبلاغ الناس علم الرسل، إذ يجب أن لا يطرأ عليه أي تغيير أيضاً. فإنّ هذا يتوقّف أوّلًا: على تلقّي الرسول الوحي و الغيب كما هو على حقيقته. ثانياً: على حفظه جيّداً بعد التلقّي الصحيح. ثالثاً: تبليغه الناس بلا زيادة و لا نقصان بعد التلقّي الصحيح و الحفظ الجيّد. و لا بدّ من توفّر هذه المراحل الثلاث من العصمة في الرسل. هذا في المرحلة الأماميّة، أو بتعبير القرآن الكريم: مِن بيْنِ يَدَيْهِ، مضافاً إلى العصمة السابقة و مرحلة الخلف، أو بتعبير القرآن: مِنْ خَلْفِهِ.

  • يضاف إلى ذلك، أنّ الآية تخبرنا أنّ الله قد أحصى كلّ شيء من صغير و كبير، و مُلكيّ و ملكوتيّ، و مادّيّ و معنويّ، و طبعيّ و طبيعيّ و مثاليّ. و هو عليم بمقدار ذرّاتها و هويّتها. و هو خبير مطّلع على ما عند الرسل من الامور النفسيّة و الاعتقاديّة، و المنهاج و السنّة، و المعارف اليقينيّة و العلوم الغيبيّة، و ما عند المرسَل إليهم- الناس- من قابليّات و إمكانيّات، و مواقع اجتماعيّة، و استعدادات، أنّه خبير مطّلع على ذلك كلّه. و على هذا الأساس جعل وجودهم مرضيّاً عنده، و أظهرهم على عوالم غيبه بمقدار رضاه عنهم. و ينبغي التذكير هنا بعدّة من امور:

  • الأوّل: أنّ جميع العلوم- و منها علم الغيب- مقصورة على الله تعالى و لا سبيل لأحد إليها، بالاستقلال و الأصالة. و أنّ كافّة العلوم التي تفضّل

معرفة الإمام ج۱۲

7
  • مستواه علماً معيّناً، لكنّه بالتبعيّة و بإفاضة الله و إعطائه. و حينئذٍ لا منافاة و لا تضارب بين الآيات الكريمة التي تحصر علم الغيب بالله كالآية:

  • وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.۱

  • و الآية: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.۲

  • و الآية: وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.۳ و بين الآية الكريمة، مطلع البحث، التي ترى أنّ الرسل يعلمون الغيب، و تفتح لهم الطريق إلى الغيب.

  • و قد ورد مثل هذا الاستقلال و التبعيّة، إمّا ذاتيّ و عرضيّ، أو أصليّ و ظلّيّ، كثيراً في القرآن الكريم كالآية: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ٤ الدالّة على الحصر، مع الآية: حتى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا.۵ و كالآية: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً،٦ مع الآية: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.۷

    1. الآية ۵٩، من السورة ٦: الأنعام.
    2. الآية ٦۵، من السورة ۲۷: النمل.
    3. الآية ۷۷، من السورة ۱٦: النحل.
    4. الآية ٤۲، من السورة ۳٩: الزمر.
    5. الآية ٦۱، من السورة ٦: الأنعام.
    6. الآية ۱۳٩، من السورة ٤: النساء: أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.
    7. الآية ۸، من السورة ٦۳: المنافقون.

معرفة الإمام ج۱۲

8
  • و هذه الآية تجعل العزّة لرسول الله و للمؤمنين، مضافاً إلى الله تعالى.

  • و على ضوء ذلك، نجد أنّ علم الغيب أمر ضروريّ و حتميّ لرسل الله، و لا يغاير اختصاصه تعالى به.

  • الثاني: نلحظ في كثير من الآيات القرآنيّة أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله ينفي علمه بالغيب كما نقرأ في الآية: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ۱

  • و الآية: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.۲

  • و الآية: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.۳

  • هذه الآيات كلّها و ما يماثلها تخبرنا أنّ رسول الله ينفي علمه بالغيب استقلالًا لا تبعيّةً. أي: أنّ العلم للّه وحده، و أنا لم آت به مستقلًّا من عندي كما لم يمنحنيه الله تفويضاً. أنا مرآة و آية من علم الله. و علمه الاستقلاليّ تقدّس ذكره ينحصر فيه، و يتجلّى في أنا المرآة، و لذلك لا أعلم الغيب، بل لا أعلم شيئاً. فجميع علومي من الله، و تجلّت في بالمقدار الذي أراده، و في الزمان الذي شاءه. و إذا ما انطوى زمانه، فهو يعود إليه. فالمصدر هو نفسه، و المبدأ هو عينه، و المنتهى هو ذاته. و على هذا فإنّي لا أملك علماً

    1. الآية ۵۰، من السورة ٦: الأنعام.
    2. الآية ۱۸۸، من السورة ۷: الأعراف.
    3. الآية ٩، من السورة ٤٦: الأحقاف.

معرفة الإمام ج۱۲

9
  • من عندي، كما لا أملك قدرة، و لا نفعاً، و لا ضرّاً، و لا موتاً، و لا حياة، و لا نشوراً. فكلّ هذه الصفات للّه وحده لا يشاركه فيها أحد، و مرجعها إلى الله. و العارية في هذه الحياة تُعطَى كعارية، ثمّ تعود إلى أصلها.

  • جاء في سورة الأعراف: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.۱

  • و ورد في سورة يونس: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.۲

  • معرفة الأنبياء علم الغيب الإلهيّ

  • الثالث: لمّا كان عموم الآية موضع بحثنا المذكورة في مطلع الكلام: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، قد تخصّصت في الرسل المرضيّين عند الله، و قد استُثنى هؤلاء الرسل من مفاد قوله: فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ بأداة الاستثناء إلَّا في قوله: إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ، فلا مانع حينئذٍ من تخصيص سائر الأنبياء الذين هم أنبياء فحسب، و ليسوا رسلًا. و نرى في هذه الحالة أنّ الله- وفقاً للآيات القرآنيّة- أوحي إلى الأنبياء الذين هم في قبال الرسل، و أطلعهم على الغيب: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ.۳

  • و من الطبيعيّ أنّ هذا يتحقّق عند ما يتخصّص لفظ الرسول في قوله: مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ بالأنبياء المرسلين، و إلّا لو كان أعمّ منهم و من الأنبياء غير المرسلين، فلا حاجة إلى الاستثناء و إلى تخصيص آخر، و قوله: إلَّا مَنِ ارْتَضَى وحده يخرج جميع الأنبياء و المرسلين من قوله:

    1. الآية ۱۸۸، من السورة ۷: الأعراف.
    2. الآية ٤٩، من السورة ۱۰: يونس.
    3. الآية ۱٦۳، من السورة ٤: النساء.

معرفة الإمام ج۱۲

10
  • لَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، و يذيق الجميع حلاوة علم الغيب.

  • و أمّا الإمام بالمعنى الذي استعمله القرآن الكريم للفظ الإمام، فإنّنا نرى من جهة أنّ الله يصف الأئمّة بالصبر و اليقين: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ.۱

  • و من جهة اخرى يجعل انكشاف غطاء الغيب و رؤية ملكوت السماوات و الأرض مقدّمة لبلوغ مقام اليقين: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. (ليقرّ بوحدانيّة الله و صفاته، و يسلّم لربّ العالمين، و ينظر إلى آزر و قومه الذين يعبدون الأصنام و هم في غيّهم و ضلالهم.) وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.۲

  • و يؤكّد أيضاً في سورة التكاثر أنّ رؤية الجحيم و مشاهدة ملكوت جهنّم يلازمان علم اليقين، و لذلك فإنّ شروط علم اليقين كشف حجاب الغيب، و طيّ بساط الاعتبار و الكثرة، و الدخول في عالم التوحيد و وحدة ذات الحقّ. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ.۳

  • و على هذا، فقد اجتاز جميع الأئمّة و سالكي سبيل معرفة الذات الأحديّة المتأسّين بهم مراحل عالم المادّة و الطبع، و قطعوا شوطاً في المنهاج القويم و الصراط المستقيم لتزكية النفس، فكان كشف الحجب الظلمانيّة و النورانيّة أمراً ضروريّاً لهم، و تحقّق لهم معنى و مفهوم قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.٤ و تيسّر لهم ما عسر أو

    1. الآية ۲٤، من السورة ۳۲: السجدة.
    2. الآية ۷۵، من السورة ٦: الأنعام.
    3. الآيتان ۵ و ٦، من السورة ۱۰۲: التكاثر.
    4. الآية ۲۲، من السورة ۵۰: ق.

معرفة الإمام ج۱۲

11
  • استحال على الناس العاديّين.

  • الرابع: انّ المراد من الغيب في هذه الآية الكريمة هو الغيب المخفيّ الذي لا تدركه حواسّنا الظاهرة على البسيطة في هذه الحياة الدنيا، و إن كان لا يخفى على البعض الآخر الذين يدركونه بحواسّهم. مثلًا وقائع الغد غيب لنا و لكنّها شهود لمن يأتون في غضون الغد. و الإخبار عن الأشياء المشاهدة في الخارج غيب للأعمى و الأصمّ، بَيْدَ أنّه شهود للبصير و السميع.

  • و أنّ ما تشهده الملائكة و تعلمه في العوالم العِلْويّة غيب للساكنين في نشأة الطبيعة، إذ ينبغي أن يلاحَظَ المشهود و الغيب على أساس الظروف و النشآت التي تنال حظّها من البحث. و أنّ عالم القيامة و ما يجري على الأموات غيب على ضوء النصّ القرآنيّ، و عدّ القرآن الإيمان بالمعاد إيماناً بالغيب، مع أنّ ما يجري على الأموات من حوادث هو عين الشهود: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.۱

  • الخامس: أنّ جميع الكائنات في ضوء الاصول الاعتقاديّة للإسلام و منطق القرآن هي أسماء الحقّ جلّ و علا و صفاته. و أنّ الخلقة- بمعنى إيجاد الشيء- غير منفصلة عن نطاق الذات الأحديّة و اسمها و صفتها و فعلها، و هي تعني ظهور الذات المنزّهة الظاهرة الجليّة و تجلّيها و آيتها و دلالتها. و كلّ كائن يوجد و يرتدي خلعة الوجود اسم من أسمائه تعالى. فهو الحيّ من حيث الوجود و الحياة، و هو القادر من حيث قدرة الحقّ بالحجم الذي يتّسم فيه بالقدرة. و هو العالم من حيث علم الحقّ بالقدر الذي

    1. الآية ۱۰۳، من السورة ۱۱: هود: إنَّ في ذَلِكَ لأيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مشْهُودٌ.

معرفة الإمام ج۱۲

12
  • يستوعبه من العلم، و هكذا بالنسبة إلى سائر أسماء الباري تعالى شأنه العزيز و صفاته. فهو يكون تحت الأسماء الكثيرة و يطلق عليه السميع، و البصير، و الحكيم، و المريد، و المختار، و غيرها.

  • علم الإمام و الرسول عين علم ذات الحقّ

  • لذلك، فإنّ علم الأشخاص بالغيب الإلهيّ بإذنه تعالى لا يعني أنّهم أنفسهم صاروا عالمين بالغيب في مقابل ذات الحقّ، فيكون ذلك مغايراً للتوحيد، بل يعني أنّه عين علمه الذي ظهر فيهم حقيقةً. و هذا هو عين التوحيد. و أنّ الله لا يعطي الغير مستقلًّا مثقال حبّة من خردل من علمه اللامتناهي، و لا يمكن أن يعطيه، لأنّ هذا العطاء يستلزم نقصان علمه اللامتناهي، بل نقصان ذاته، تعالى اللهُ عَنْ ذَلِكَ. أمّا العطاء غير المستقل، فلا ينافي التوحيد، بل هو التوحيد نفسه.

  • إن العطاء غير المستقلّ يعني الظهور و التجليّ و الإشعاع و التألّق كالشمس التي تبسط نورها و أشعّتها في العالم، و تنشر ضوءها في كلّ مكان و على كلّ كائن اعتباراً من الذرّة حتى الدُّرّة، و من البسيطة إلى الأفلاك و المجرّات. و كلٌّ يأخذ منها النور و الحرارة فينشأ و ينمو بمقدار سعته و حجم ما يستوعبه وجوده، بَيْدَ أنّ النور لا ينفصل عن الشمس، كما أنّها لا تظلّ مشعّة إلى الأبد على الموجودات و الكائنات التي تعطيها ضوءها. فما دامت الشمس في كبد السماء، فإنّها تضيء الأشياء، و لا تهب الأشياء النور، بل لها إشعاع ذو طابع إعاريّ مؤقّت. و إذا ما حان الليل، و غاب منبع النور تحت الافق، فإنّه يأخذ معه التألّق و النور و الظهور، و يترك الأشياء خالية من نوره.

  • و ما ضرّ هذه الشمس التي لا تفصل النور عن نفسها، و لا ينقص نورها في نطاق ذاتها و فعلها أنّ تمنح النور بمقدار ذرّة، أو تمنحه فيشمل جميع عوالم الطبيعة و الفضاء غير المرئيّ و الكواكب التي لا حدّ و لا حصر

معرفة الإمام ج۱۲

13
  • لها؟ فالشمس ليست بخيلة، و هي تمنح الجميع نورها، و تلقي شعاعها، و تبسطه بكلّ سخاء. بَيْدَ أنّ كلّ شيء من الأشياء يأخذ نصيبه منها حسب استعداده، فالذرّة تنال حظّها بمقدار صغرها، و هكذا بقيّة الأشياء كالجبل، و الصحراء، و السهل، و البحر، و المحيط، و الفضاء الواسع، فكلّ واحد من هذه الأشياء يأخذ نصيبه بما يتمتّع به من استيعاب، و قابليّة، و استعداد.

  • و يجري علم الله جلّ شأنه على هذا النسق. فالكائنات مرايا و أوعية لتجلّي علم ذاته و تألّقه. و هو تعالى غير ضنين أن يمنّ على الآخرين بعلومه في طابع الظهور و اللمعان، سواء كان شعوريّاً، بأن يمنّ بها على ذبابة، أم علميّاً بأن يمنّ بها على الناس العاديّين، و الجنّ، و الملائكة، و الحيوانات، أم علميّاً أيضاً فيفيض بها من خزانته الخاصّة على الإمام و الرسول. و إذا ما أطلع اولئك على علم الغيب، و غيب الغيب، و السرّ، و السرّ المستور، و السرّ المستسرّ، و الخزائن المخفيّة التي لا تصل إليها يد البشر و الملائكة، فهو أمر اعتياديّ، و لا ينقص من كبريائه و عظمته حتى بمقدار سمّ الخياط، بل إنّ ذلك هو عين كبريائه و عظمته و جماله المطلق، إذ يجعل كائناً من الكائنات في عوالم الإمكان مرآة لظهور جميع صفاته.

  • الإمام مرآة، و آية، و اسم. غاية الأمر أنّه مرآة تامّة لظهور صفات الباري، و من مفردات هذه المرآة التامّة علم الباري. وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.۱

  • السادس: أنّ جميع الكائنات في عالم الطبيعة سواء كانت جماداً أم حيواناً أم إنساناً تتّصف بالوحدة على الرغم من الاختلاف الملحوظ بين

    1. الآية ۱۸۰، من السورة ۷: الأعراف.

معرفة الإمام ج۱۲

14
  • أفرادها. و بغضّ النظر عن خصوصيّات الزمان و المكان و سائر العوارض و الأعراض المؤدّية إلى تميّزها و تفرّدها و تحقّقها الخارجيّ، فإنّ ذلك الأمر الوحدانيّ موجود. و أنّ كافّة هؤلاء الأشخاص المختلفين يوجدون، و ينمون و يقطعون الطريق في مسير تكاملهم بواسطة ذلك الأمر الوحدانيّ المشترك بين الجميع.

  • و ذلك الأمر الوحدانيّ المنبعث من عالم الأمر و الملكوت هو الذي عبّر عنه الشرع المقدّس بمَلَك التدبير، و عبّرت عنه الفلسفة ب- المُثُلِ الأفلَاطُونِيَّةِ. و برهن عليه المرحوم الملّا صدرا الشيرازيّ أعلى الله مقامه الشريف في أسفاره الأربعة، و ذكرناه نحن أيضاً في المجلس السابع عشر الوارد في الجزء الثالث من كتاب «معرفة المعاد» الصادر ضمن سلسلة دورة العلوم و المعارف الإسلاميّة، و أثبتنا هناك أنّ العلوم التي يظفر بها البشر- في ضوء النظريّة الإسلاميّة- إنّما تتحقّق بواسطة ملائكة العلم. و كلّ من كان له علم، فهو يُفاض عليه عبر مَلَكِ العلم، حتى يبلغ العلم الكلّيّ للحقّ تعالى الذي يُمنَح بواسطة جبرائيل و الروح.

  • و كلّ إنسان يزيد علمه، يخضع لملك أقوى و أعلى حتى يبلغ درجة يُوكَّل فيها جبرائيل على علومه، و الأعلى من ذلك أنّ الروح الأمين، و مقامه واحد، و درجته أعلى من درجة جميع الملائكة المقرّبين يمسك زمام اموره. و أنّ الرسل و الأئمّة الذين يعلمون الغيب يزوَّدُونَ من قبل جبرائيل الأمين، و بعضهم يُزَوَّدُ من قبل الروح الأمين.

  • السابع: انّ الاستثناء الوارد في الآية التي هي مثار بحثنا: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يشمل كافّة الأقسام الخاصّة بتبليغ رسالة الرسول. أي: أنّ الله يربط قلب رسوله المرضيّ عنده بالغيب في كلّ ما يتوقّف عليه إبلاغ رسالته، سواء كان ذلك متن رسالته، كالمعارف الاعتقاديّة و الشريعة

معرفة الإمام ج۱۲

15
  • و الأحكام و القصص و الاعتبارات و المواعظ و الحكم، أم كان من آيات رسالته و أشراطها، أم من المعجزات الدالّة على صدقه.

  • كما نقرأ في القرآن الكريم أنّ الله تعالى يصف الكلام الغيبيّ الذي قاله نبيّه صالح لقومه بقوله: فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.۱

  • و نقرأ كلام عيسى ابن مريم على نبيّنا و آله و عليهما الصلاة و السلام الذي قاله لليهود و بني إسرائيل: وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ.۲ (لا يعلم أحد بما تأكلون و ما تدّخرون غيركم).

  • و ما ورد في القرآن الكريم من مواعيد الأنبياء بالملاحم و الإخبار بالغيب، و قد وقع ذلك كلّه، كوعيد نوح بحدوث الطوفان، و إنذار هود، و شعيب، و لوط بوقوع العذاب.

  • إخبار رسول الله صلى الله عليه و آله بالغيب على لسان القرآن

  • و نقرأ في سورة الروم معجزة من معجزات رسول الله، و هي إخباره بانهزام الفُرس على يد الروم: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. ß

    1. الآية ٦۵، من السورة ۱۱: هود.
    2. الآية ٤٩، من السورة ۳: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱۲

16
  • ... ß۱

    1. الآيات ۱ إلى ٤، من السورة ۳۰: الروم.
      ذكر الشيخ المفيد في« الإرشاد» ص ۱۷۳، الطبعة الحجريّة، حوادث غيبيّة اخرى أخبر بها رسول الله على لسان القرآن الكريم مضافاً إلى حادثة انهزام الروم في الآية:\i الم\E،\i غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ\E. منها ما يتعلّق بأهل بدر قبل الواقعة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ( الآية ٤۵، من السورة ۵٤: القمر). فكان الأمر كما قال الله تعالى من غير اختلاف في ذلك. و قال عزّ و جلّ( الآية ۲۷، من السورة ٤۸: الفتح):\i لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ\E ... فكان الأمر في ذلك كما قال الله تعالى. و قال سبحانه( الآيتان ۱ و ۲، من السورة ۱۱۰: النصر)\i إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ، وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً\E، فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى، و قال سبحانه:\i وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ\E( الآية ۸، من السورة ۵۸: المجادلة). فخبّر عن ضمائرهم و ما أخفوه من سرائرهم. و قال جلّ ذكره في قصّة اليهود:( الآيتان ۵ و ٦، من السورة ٦۲: الجمعة):\i قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ\E. فكان الأمر كما قال الله تعالى و لم يجسر أحد منهم أن يتمنّاه. فحقّق ذلك خبره و أبان عن صدقه. و دلّ به على نبوّته في أمثال ذلك ممّا يطول به الكتاب.
      أقول: من الموارد التي أسند القرآن الكريم إخبار النبيّ و سائر الأنبياء فيها إلى الغيب صراحة( الآية ۱۷٩، من السورة ۳: آل عمران):\i وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ\E. و( الآية ٤٩، من السورة ۱۱: هود):\i تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ\E. بيّن الله تعالى هذه الآية بعد سرد قصّة نوح و الطوفان و غرق المتمرّدين. و منها( الآية ۱۰۲، من السورة ۱۲: يوسف):\i ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ\E. هذه الآية من الآيات الأخيرة في سورة يوسف ذُكرت بعد بيان قصّة يوسف و إلقائه في غيابت الجُبِّ، و بيعه في سوق مصر، ثمّ حكومته على مصر و جمع شمله مع أبيه يعقوب. و منها( الآية ٤٤، من السورة ۳: آل عمران):\i ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ\E. جاءت هذه الآية بعد بيان ولادة السيّدة مريم، و دعاء زكريّا بالولد في كبره. و منها( الآية ۳، من السورة ٦٦: التحريم):\i وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ\E. نزلت هذه الآية في حفصة بنت عمر بن الخطّاب، و هي من آيات سورة التحريم النازلة في عائشة و حفصة. و منها( الآية ۲۷، من السورة ٤۸: الفتح):\i لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ\E. و منها( الآية ۸۵، من السورة ۲۸: القصص):\i إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ\E. و منها مواطن أخبر فيها النبيّ الأكرم بالغيب في مقام التحدّي و إعجاز القرآن بأن يأتي كلّ من يستطيع بسورة أو عشر سور مثله، و لم يأت أحد بذلك. منها( الآية ۳۸، من السورة ۱۰: يونس):\i فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ\E. و( الآية ۱۳، من السورة ۱۱: هود):\i فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ\E. و منها مواضع جاء فيها الوعد بالفتوحات و الغنائم الكثيرة، ك-( الآية ۲۰، من السورة ٤۸: الفتح):\i وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها\E. و منها إخباره تعالى أنّه يحفظ نبيّه من أذى المنافقين، ك-( الآية ٦۷، من السورة ۵: المائدة):\i وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ\E. و( الآية ٤۲، من السورة ۵: المائدة):\i وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً\E. و منها إخباره بكفر أبي لهب و كونه في جهنّم في( الآية ۳، من السورة ۱۱۱: المسد):\i سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ\E. و منها إخباره تعالى بحفظ نبيّه من أذى مشركي العرب عند ما كانوا يعذّبون المسلمين في رمضاء الحجاز، ك-( الآيتين ٩٤ و ٩۵، من السورة ۱۵: الحجر):\i فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ\E. و بعض الموارد الاخرى الواردة في سورة الفتح، كقوله:\i سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ\E-\i سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ\E-\i فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا\E. و جاء في كتاب« راه سعادت»(/ طريق السعادة) لآية الله الفقيد الميرزا أبى الحسن الشعرانيّ رضوان الله عليه، و هو من الكتب المفيدة، ستّة و عشرون خبراً غيبيّاً عن رسول الله صلى الله عليه و آله، من ص ٤٩ إلى ۷٤.

معرفة الإمام ج۱۲

17
  • و عن «الخرائج و الجرائح» للقطب الراونديّ روى محمّد بن الفضل الهاشميّ، عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه نظر إلى ابن هذّاب فقال: إن أنا أخبرتك أنّك ستُبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك، لكنت مصدّقاً لي؟ قال: لا، فإنّ الغيب لا يعلمه إلّا الله تعالى. قال الإمام: أ وَ ليس أنّه يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ. فرسول الله صلى الله عليه و آله عند الله مرتضى. و نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه. فعلمنا ما كان و يكون إلى يوم القيامة.۱

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۲۰، ص ۱۳۵.

معرفة الإمام ج۱۲

18
  • و الأخبار الواردة في هذا الموضوع تفوق حدّ الإحصاء. و مفادها و مدلولها أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أخذ علم الغيب بوحي من ربّه، و أنّ الأئمّة الطاهرين عليهم السلام أخذوه بالوراثة منه صلى الله عليه و آله. و أنّ العلوم الغيبيّة المأثورة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و الواردة في كتب الأحاديث، و التواريخ، و التفاسير. و السِّيَر، و السنن، و التي اعترف بها الخاصّة و العامّة، و عدّوها من المسلّمات اليقينيّة كثيرة. و لمّا كانت هذه كلّها تفوق العدّ، نكتفي فيما يأتي بمختصر منها:

  • ذكر في «مروج الذهب» في وقائع سنة ۱۸۳ ه-: حجّ هارون الرشيد في هذه السنة، و هي آخر حجّة حجّها. و لمّا انصرف منها، و اجتاز بالكوفة، قال أبو بكر بن عيّاش- و كان من علية أهل العلم-: لا يعود إلى هذا الطريق، و لا خليفة من بني العبّاس بعده أبداً.

  • فقيل له: أضرب من الغيب؟ قال: نعم. قيل: بوحي؟! قال: نعم. قيل: إليك؟ قال: لا، إلى محمّد صلى الله عليه و آله. و كذلك أخبر عنه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام المقتول في هذا الموضع و أشار إلى الموضع الذي قتل فيه على عليه السلام بالكوفة.۱

  • إن صاحب كتاب «مروج الذهب» هو عليّ بن الحسين المسعوديّ المتوفّى سنة ۳٤٦ ه-. صنّف كتابه المذكور في حدود سنة ۳۰۰ ه-. أي: ثلاثمائة و خمسون سنة قبل انقراض الدولة العبّاسيّة على يد هولاكو، و قتل المستعصم بالله الذي كان آخر حاكم عبّاسيّ. و ذكر أبو بكر بن عيّاش هذا الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام سنة ۱۸۲ ه-، في أواخر القرن الثاني الهجريّ. أي ٤٦۸ سنة قبل تقويض حكومتهم و العجيب هنا أنّه خلال هذه

    1. «مروج الذهب» ج ۳، ص ۳۵۳ و ۳۵٤، طبعة مصر، مطبعة السعادة، سنة ۱۳٦۷.

معرفة الإمام ج۱۲

19
  • المدّة التي تناهز خمسة قرون لم يذهب حاكم عبّاسيّ إلى حجّ بيت الله الحرام.

  • الكلام الغيبيّ الذي قاله أمير المؤمنين عليه السلام لخولة الحنفيّة

  • و روى القطب الراونديّ في كتاب «الخرائج و الجرائح» عن دِعبل الخُزاعيّ، قال: حدّثنا الرضا عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال: كنتُ عند أبي الباقر عليه السلام إذ دخل عليه جماعة من الشيعة و فيهم جابر بن يزيد فقالوا: هل رضي أبوك عليّ بن أبي طالب بإمامة الأوّل و الثاني؟ قال: اللهمّ لا. قالوا: فلم نكح من سبيهم خولة الحنفيّة إذا لم يرض بإمامتهم؟

  • فقال [الإمام] الباقر عليه السلام: امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبد الله الأنصاريّ فقل له: إنّ محمّد بن عليّ يدعوك. قال جابر بن يزيد: فأتيتُ منزله و طرقت عليه الباب. فناداني جابر بن عبد الله من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد. فقلتُ في نفسي: من أين علم جابر بن عبد الله أنّي جابر بن يزيد، و لا يعرف الدلائل إلّا الأئمّة من آل محمّد صلى الله عليه و آله؟ و الله لأسألنّه إذا خرج إليّ. فلمّا خرج قلتُ له: من أين علمتَ أنّي جابر بن يزيد، و أنا على الباب، و أنت داخل الدار؟!

  • قال: أخبرني مولاي الباقر عليه السلام البارحة أنّك تُسأل عن الحنفيّة في هذا اليوم، و أنا أبعثه إليك يا جابر بكرة غدٍ و أدعوك. فقلتُ: صدقتَ.

  • قال [جابر بن عبد الله]: سر بنا. فسرنا جمعياً حتى أتينا المسجد. فلمّا بصر مولاي الباقر عليه السلام بنا و نظر إلينا، قال للجماعة: قوموا إلى الشيخ فاسألوه، حتى ينبّئكم بما سمع و رأى.

  • فقالوا: يا جابر! هل راضٍ إمامك عليّ بن أبي طالب بإمامة من تقدّم؟ قال: اللهمّ لا. قالوا: فلم نكح من سبيّهم خولة الحنفيّة إذا لم يرض

معرفة الإمام ج۱۲

20
  • بإمامتهم؟

  • قال جابر: آه آه! لقد ظننتُ أنّي أموت و لا اسأل عن هذا، فالآن إذ سألتموني، فاسمعوا و عوا. حضرتُ السبيّ و قد ادخلت الحنفيّة فيمن أدخل، فلمّا نظرتْ إلى جميع الناس، عدلتْ إلى تربة رسول الله صلى الله عليه و آله، فرنّت و زفرت و أعلنتْ بالبكاء و النحيب، ثمّ نادت: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَ عَلَى أهْلِ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ! امَّتَكَ سَبَتْنَا سَبيَ النَّوبِ وَ الدَّيْلَمِ، وَ اللهِ مَا كَانَ لَنَا إلَيْهِمْ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا المَيْلُ إلَى أهْلِ بَيْتِكَ فحُوِّلَتِ الحَسَنَةُ سَيِّئَةً، وَ السَّيِّئَةُ حَسَنَةً، فَسُبِينَا. ثمّ التفتت إلى الناس، و قالت: لِمَ سبيتمونا و قد أقررنا بشهادة أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّداً رسول الله؟ قال أبو بكر: منعتم الزكاة!

  • قالت: هب الرجال منعوكم، فما بال النسوان؟ فسكت المتكلّم كأنّما القم حجراً. ثمّ ذهب إليها خالد [بن غسّان] و طلحة يرميان في التزويج إليها، و رميا عليها ثوبيهما. فقالت: لستُ بعريانة فتكسونني. قيل: إنّهما يريدان أن يتزايدا عليكِ، فأيّهما زاد على صاحبه، أخذك من السبي.

  • قالت: هيهات! لا يكون هذا أبداً و لا يملكني و لا يكون لي ببعلٍ إلّا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجتُ من بطن امّي! فسكت الناس و نظر بعضهم إلى بعض، و ورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم، و أخرس ألسنتهم، و بقي القوم في دهشة من أمرها. فقال أبو بكر: ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض؟ قال الزبير: لقولها الذي سمعت.

  • فقال أبو بكر: ما هذا الأمر الذي أحصر أفهامكم. إنّها جارية من سادات قومها و لم يكن لها عادة بما لقيت و رأت، فلا شكّ أنّها داخَلها الفزع و تقول ما لا تحصيل له.

  • قالت: رميتَ بكلامك غير مرميّ! و الله ما داخلني فزع و لا جزع،

معرفة الإمام ج۱۲

21
  • و و الله ما قلتُ إلّا حقّاً، و ما نطقتُ إلّا فصلًا. و لا بدّ أن يكون كذلك و حقّ صاحب هذه البنيّة، ما كذبت. ثمّ سكتت.

  • و أخذ خالد [بن غسّان] و طلحة ثوبيهما. و هي قد جلست ناحية من القوم فدخل عليّ بن أبي طالب عليه السلام [المسجد] فذكروا له حالها، فقال: عليه السلام: هي صادقة فيما قالت. و كان من حالها و قصّتها كيت و كيت في حال ولادتها. و قال: إنّ كلّ ما تكلّمت به في حال خروجها من بطن امّها هو كذا و كذا. و كلّ ذلك مكتوب على لوح معها. فرمت باللوح إليهم لمّا سمعت كلامه عليه السلام. فقرأوا ذلك على ما حكى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لا يزيد حرفاً و لا ينقص.

  • فقال أبو بكر [للإمام]: خُذها يا أبا الحسن. بارك الله لك فيها.

  • فوثب سلمان، فقال: و الله، ما لأحد هاهنا منّةٌ على أمير المؤمنين عليه السلام، بل للّه المنّة و لرسوله و لأمير المؤمنين. و الله ما أخذها [عليّ عليه السلام] إلّا لمعجزه الباهر، و علمه القاهر، و فضله الذي يعجز عنه كلّ ذي فضل.

  • ثمّ قام بعده المقداد فقال: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم الطريق للهداية فتركوه، و أخذوا طريق العمى؟ و ما من قوم إلّا و تبيّن لهم فيه دلائل أمير المؤمنين [عليه السلام]!

  • و قال أبو ذرّ: وا عجباً لمن يعاند الحقّ! و ما من وقت إلّا و ينظر إلى بيانه. أيّها الناس، قد تبيّن لكم فضل أهل الفضل، ثمّ قال: يا فلان! أ تمنّ على أهل الحقّ بحقّهم. و هم بما في يديك أحقّ و أولى؟!

  • و قال عمّار: اناشدكم الله! أ ما سلّمنا على أمير المؤمنين هذا عليّ بن أبي طالب عليه السلام في حياة رسول الله بإمرة المؤمنين؟

  • فزجره عمر عن الكلام، فقام أبو بكر؛ فبعث عليّ عليه السلام خولة

معرفة الإمام ج۱۲

22
  • إلى بيت أسماء بنت عميس، و قال: خذي هذه المرأة و أكرمي مثواها. فلم تزل خولة عندها إلى أن قدم أخوها، فتزوّجها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فكان الدليل على علم أمير المؤمنين و فساد ما يورده القوم من قولهم أنّ الإمام تزوّج بها من طريق السبي. فالإمام عليه السلام تزوّج بها نكاحاً لا استرقاقاً و سبياً.

  • فقالت الجماعة لجابر: أنقذك الله من حرّ النار كما أنقذتنا من حرارة الشكّ.۱

  • و رواها السيّد هاشم البحرانيّ مفصّلًا في «مدينة المعاجز» عن كتاب «سِيَر الصحابة» بسنده المتّصل عن الباقر عليه السلام.۲

  • كما رواها ابن شهرآشوب في مناقبه، باب إخباره بالفتن و الملاحم، مرسلًا عن الإمام الباقر عليه السلام. و ورد فيها أنّ خالداً و طلحة لمّا طرحا عليها ثوبين، قالت: يا أيّها الناس! لستُ بعريانة فتكسوني، و لا سائلة فتتصدّقون عَلَيّ فقال الزبير: إنّهما يريدانك.

  • فقالت: لا يكون لي بعل إلّا من خبّرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن امّي. فجاء أمير المؤمنين عليه السلام و ناداها: يا خولة! اسمعي الكلام وعي الخطاب! لمّا كانت امّك حاملة بك و ضربها الطلق و اشتدّ بها الأمر، نادت: اللهمّ سلّمني من هذا المولود سالماً! فسبقت الدعوة لك بالنجاة. فلمّا وضعتك، ناديتِ من تحتها: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّداً

    1. «الخرائج و الجرائح» ص ۲۲۸ و ۲۲٩، في مجموعة مجلّدة مع« الأربعين» للمجلسيّ؛ و« كفاية الأثر» للشيخ عليّ بن محمّد الخزّاز؛ و كذلك رواها المجلسيّ في بحاره عن« الخرائج و الجرائح» ج ٩، ص ۵۸۲ طبعة الكمبانيّ.
    2. «مدينة المعاجز» ص ۱۲۸ و ۱۲٩، الحديث ۳٦۱.

معرفة الإمام ج۱۲

23
  • رَسُولُ اللهِ. يا امّاه! لم تدعين عَلَيّ و عمّا قليل سيملكني سيّد يكون لي منه ولد.

  • فكتبتْ امّك ذلك الكلام في لوح نحاس، فدفنته في الموضع الذي سقطتِ فيه. فلمّا كانت في الليلة التي تغيّبت امّك فيها (قبضت روحها- خ ل)، أوصت إليك بذلك. فلمّا كان وقت سبيك، لم تكن لكِ همّة إلّا أخذ ذلك اللوح، فأخذتيه و شددتيه على عضدك! هاتي اللوح فأنا صاحب اللوح! و أنا أمير المؤمنين، و أنا أبو ذلك الغلام الميمون و اسمه محمّد- إلى آخر الرواية، و فيها: فلم تزل عندها (أي عند أسماء) إلى أن قدم أخوها فَتَزَوَّجَهَا مِنْهُ وَ أمْهَرَهَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ تَزَوَّجَهَا نِكَاحَاً.۱

  • و قال ابن شهرآشوب هنا و هو ينقل هذا الخبر و سائر الأخبار الغيبيّة لأمير المؤمنين عليه السلام: و هذه كلّها أخبار بالغيب أفضى إليه النبيّ صلى الله عليه و آله ممّا أطلعه الله عزّ و علا عليه، كما قال الله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. و لم يشحّ النبيّ صلى الله عليه و آله على وصيّه بذلك كما قال تعالى: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ۲ و لا ضنّ عليّ عليه السلام على الأئمّة من ولده عليهم السلام. و أيضاً لا يجوز أن يخبر بمثل هذا إلّا من أقامه رسول الله صلى الله عليه و آله مقامه من بعده.۳

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۲، الطبعة الحجريّة.
    2. الآية ۲٤، من السورة ۸۱: التكوير.
    3. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۲، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

24
  • و لمّا كان الجدّ الأعلى لخولة حَنَفِيَّة بن لجيم، قيل لها: خولة الحنفيّة. و قيل لابنها محمّد: ابن الحنفيّة تميّزاً له عن سائر أولاد أمير المؤمنين عليه السلام و خاصّة الحسنين عليهما السلام. و إذا استثنينا الحسنين عليهما السلام، فهو أشجع أولاد الإمام و أعلمهم و أزهدهم. و كان لواء أبيه بيده يوم الجمل و صفّين.

  • و ذكر ابن خَلَّكان نسب امّه خولة كالآتي: خولة بنت جعفر بن قَيْس ابن مَسْلَمَة بن عبد الله بن تغلِبَة بن يَرْبُوع بن تَغْلِبَةِ بن الدُّؤل بن الحَنفِيَّة بن لجيم. و قال ابن أبي الحديد بعد هذا السرد: ابن صَعْب بن عليّ بن بكر ابن وائل.۱ و اسرت خولة في حروب الردّة أيّام أبي بكر، و سيقت إلى المدينة. و عرفنا ما جرى لها.

  • من الجدير ذكره أنّ حروب الردّة التي وقعت في عهد أبي بكر كانت على ضربين: الأوّل: حروب الردّة الحقيقيّة عن الإسلام، كحرب مسيلمة الكذّاب، و الأسود العنسيّ الكذّاب و طُليحة، و غيرهم. و الثاني: حروب قامت بسبب عدم انقياد أصحابها لخلافة أبي بكر.

  • واقع الضرب الأوّل من تلك الحروب أنّ أصحابها كانوا لا يقيمون الصلاة، و لا يؤذّنون، و لا يطبّقون سائر شعائر الدين. أمّا واقع الضرب الثاني منها فهي أنّ أصحابها كانوا يؤذّنون و يقيمون و يؤدّون الصلاة، بَيدَ أنّهم امتنعوا عن دفع الزكاة إلى الحاكم آنذاك، و كانوا يقولون: إنّ النبيّ نصب وصيّاً له، و نحن ندفع زكاتنا إلى وصيّه. و ما لم يقبل الوصيّ منّا ذلك، فإنّا لا ندفعها إلى صندوق الخليفة المزيّف المفروض. و كانت حرب

    1. «شرح نهج البلاغة» طبعة مصر و اوفسيت بيروت، دار المعرفة، دار الكاتب العربيّ، دار إحياء التراث العربيّ؛ و قد ورد فيه ثَعْلَبَة بدلًا من تَغْلِبَة، و عُبَيْد بدلًا من عبد الله.

معرفة الإمام ج۱۲

25
  • خالد بن الوليد مع قبيلة بني يربوع، و هم الحنفيّة الذين ينتمي إليهم مالك ابن نُوَيْرَة من هذا الضرب. علماً أنّ خولة الحنفيّة اسرت في هذه الحرب.

  • قدم مالك بن نُوَيْرة المدينة أيّام رسول الله صلى الله عليه و آله و تشرّف بالإسلام بين يديه، و طلب من رسول الله أن يوصيه. فأوصاه بأمير المؤمنين عليه السلام. و هو نفسه سمع من رسول الله إمامة أمير المؤمنين و وصايته و خلافته. و كان- من جهة اخرى- رئيس قبيلته، و شاعراً منيعاً رفيع الهمّة.

  • و لمّا توفّى رسول الله صلى الله عليه و آله، جاء إلى المدينة مع جماعة من بني تميم و رأى أبا بكر على منبر رسول الله، فقال له: مَنْ أرْقَاكَ هَذَا المِنْبَرَ وَ قَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلِيَّاً وَصِيَّهُ وَ أمَرَنِي بِمُوالاتِهِ؟

  • فأمر أبو بكر بإخراجه من المسجد. فأخرجه قُنفُذ بن عمير، و خالد ابن الوليد. و عاد إلى قبيلته و نصح قومه الذين كانوا يريدون الامتناع عن دفع الزكاة و قال: إنّا مسلمون و قد اعتنقنا هذا الدين فتربّصوا بزكاتكم حتى نوصلها إلى وصيّ محمّد صلى الله عليه و آله.

  • قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة و زناه بزوجته

  • فوجّه إليه أبو بكر خالد بن الوليد و قال له: أنت تعلم ما قال لنا مالك أخيراً؟ و لستُ آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتئم، فاقتله.

  • قدم خالد البطاح فلم يجد من خالفه و قال له جنوده: رأينا هؤلاء القوم يؤذّنون و يقيمون الصلاة. و ممّن شهد على ذلك عند خالد بن الوليد أبو قُتادة الحارث بن رِبعي حليف بن سلمة، قال: أنا رأيت و سمعت صلاتهم و أذانهم. فلم يسمع كلامه. فلمّا جنّ الليل و آمنهم خالد و طلب منهم أن يضعوا أسلحتهم لأنّهم مسلمون! و ضعوا أسلحتهم على الأرض فضرب خالد أعناقهم، و كان مع مالك بن نويرة عدد من بني ثعلبة بن

معرفة الإمام ج۱۲

26
  • يربوع، و فيهم عاصم، و عبيد، و عَرين، و جعفر. و جعل رؤوسهم أثافي لقدورهم طبخوا عليها طعامهم. و في تلك الليلة تزوّج خالد بزوجة مالك، و هي امّ تميم بنت المنهال، و كان قد رآها و فتن بجمالها. و قيل: إنّها كانت من أجمل نساء عصرها. و قال لها مالك عند قتله: أنتِ قتلتيني بعرض نفسك!

  • و قال أبو قتادة لخالد: قتلت مسلماً بريئاً و نزوت على امرأته في تلك الليلة، و الله لا أسير تحت لواء خالد في جيش أبداً. و ركب فرسه شادّاً إلى أبي بكر، فقدم المدينة و أخبر أبا بكر بالقصّة، فلم يقبل قوله.

  • و كان عمر صاحب مالك بن نويرة و حليفه في الجاهليّة فغضب لما فعل خالد، و مضى إلى أبي بكر و حرّضه على قتل خالد و رجمه، لأنّه قتل مسلماً و زنى بزوجته. فقال أبو بكر: هِيهِ يَا عُمَرُ! تَأوَّلَ وَ أخْطَأ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ. فقال عمر: إن لم تقتله، فاعزله من إمارة الجيش! فقال أبو بكر: لَا، يَا عُمَرُ! لَمْ أكُنْ لأشِيمَ سَيْفَاً سَلَّمهُ اللهُ عَلَى الكَافِرِينَ.

  • و لمّا رجع خالد، دخل المسجد و عليه قباء غشاه صدأ الحديد و قد غرز في عمامته أسهماً، فقام إليه عمر فانتزعها، فحطّمها و قال له: أ رِيَاءٌ؟ قَتَلْتَ امْرِءَاً مُسْلِماً ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأتِهِ! وَ اللهِ لأرْجُمَنَّكَ بِأحْجَارِكَ. و خالد لا يكلّمه، يظنّ أنّ رأى أبي بكر مثله. و دخل على أبي بكر، فعذره أبو بكر و تجاوز عنه. و لمّا خرج خالد من عنده، التفت إلى عمر و قال: هَلُمَّ إلَيّ يَا بْنَ امَّ شَمْلَةَ. يُعرّض بذلك بعمر.

  • و جملة القول أنّ أبا بكر أعطى دية مالك بن نويرة من بيت المال. و يرى أصحابنا رضوان الله عليهم أنّ هذه الحادثة من مطاعن أبي بكر. و قدحوا فيها من عدّة جهات. منها: لو فرضنا أنّ مالكاً وجب قتله بمنع الزكاة، فلا ريب في إسلام النساء و الذراري. و ليس ارتداد الرجال بمنعهم

معرفة الإمام ج۱۲

27
  • الزكاة موجباً لكفر النساء و الذراري. وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.۱ و لو فرضنا أنّ أبا بكر عذر خالداً لقتله مالكاً، فما عذر خالد في سبي النساء و الذراري؟ و ما عذر المدافع عنه أبي بكر؟ هل يجوز غصب الفروج، و الزنا بامرأة مسلمة، و نهب أموال القوم؟

  • فلهذا مضافاً إلى أنّ عمر قد أقسم أن يقتصّ من خالد و يقتله إذا تقلّد أمر الحكومة، فإنّه أقسم أيضاً أن يردّ السبايا مع الأموال المنهوبة إلى أصحابها. و كذلك فعل فيما يخصّ الأموال و السبايا. أوّلًا: لم يتصرّف في حصّته من الأموال. ثانياً: جمعها مع باقي الأموال و السبايا، مع أنّ بعض النساء كنّ حوامل، و كنّ قد اشخصن إلى مناطق بعيدة كنواحي الشام و أطراف الروم، جمعها كلّها و أرجعها إلى بني ثعلبة بن يربوع.

  • و لكن هل اقتصّ من خالد و رجمه؟ أبداً. و من هنا نفهم أنّ عتابه أبا بكر و مؤاخذته إيّاه لقتل مالك لم تنطلق من حسّ دينيّ و شعور بالذبّ عن شريعة سيّد المرسلين، بل انطلقت من كونه صديقاً و حليفاً له في الجاهليّة.

  • قتل خالد سعد بنَ عُبادة و نسبته القتل إلى الجنّ

  • و نقول في توضيح هذه المسألة: لمّا امتنع سعد بن عُبادة،۲ رئيس الخزرج، و هم من أنصار المدينة، من بيعة أبي بكر بعد حادثة سقيفة بني ساعدة، و أراد المبايعون لأبي بكر أن يطالبوه بالبيعة، قال لهم ولده قيس:

    1. وردت هذه الآية المباركة في خمسة مواضع من القرآن الكريم. و فيها كناية عن أنّ ذنوب كلّ امريءٍ و أوزار معصيته تتعلّق به نفسه، و لا يُسأل عنها غيره.
    2. ذكرت ترجمته في كتب التراجم، و جاء نسبه في« الإصابة» و« اسد الغابة» كالآتي: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ، سيّد الخزرج(« الإصابة» ج ۲، ص ۲۷؛ و« اسد الغابة» ج ۲، ص ۲۸۳).

معرفة الإمام ج۱۲

28
  • إنّي ناصح لكم، فاقبلوا منّي. قالوا: و ما ذاك؟ قال: إنّ سعداً حلف أن لا يبايعكم. و إذا حلف، فعل. و لن يبايعكم حتى يقتل. و لن يقتل حتى يقتل معه ولده و أهل بيته. و لن يقتلوا حتى تقتل الخزرج كلّها. و لن يقتلوا حتى تقتل الأوس كلّها (ذلك أنّهما من الأنصار في مقابل المهاجرين). و لن يقتل الأوس و الخزرج، حتى تقتل اليمن كلّها. فلا تفسدوا عليكم أمراً قد كمل و استتمّ لكم. فسمعوا نصيحته و قبلوها، و لم يتعرّضوا لسعد.

  • ثمّ إنّ سعداً خرج من المدينة إلى الشام، فنزل في قرى غسّان من بلاد دمشق. و كان غسّان من عشيرته. و كان خروج سعد مثيراً لأنصار الخلافة، و خاصّة أنّها أقلقت الأجواء من خلال معارضة أمير المؤمنين عليه السلام و عدم بيعته هو و جميع بني هاشم و كثير من الأنصار، و الوجهاء من المهاجرين. و كان خالد بن الوليد يومئذٍ بالشام. و كان ممّن يعرف بجودة الرمي، و كان معه رجل من قريش موصوف بجودة الرمي. فاتّفقا على قتل سعد بن عبادة لامتناعه من البيعة لقريش، فاستترا ليلة بين شجر و كرم. فلمّا مرّ بهما، رمياه بسهمين، و أنشدا بيتين من الشعر و نسباهما إلى الجنّ:

  • نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ***سَعْدَ بْنَ عُبَادَه

  • وَ رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ***فَلَمْ نُخْطِ فَؤَادَه

  • و قرأهما ليلة بالمدينة من داخل بئر فظنّ الناس أنّهما للجنّ، و أنّ الجنّ قتلوه. و لمّا ملك عمر، و رأى خالداً يوماً في بعض بساتين المدينة، قال له: يا خالد! أنت الذي قتلت مالك بن نويرة؟ فقال خالد: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إن كُنتُ قَتَلْتُ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، فَقَدْ قَتَلْتُ لَكُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ. فسُرّ عمر بكلامه و اعجب به، و قام و ضمّه إلى صدره، و قال له: أنتَ سَيْفُ اللهِ وَ سَيْفَ رَسُولِهِ.

  • و لم يتعرّض عمر لخالد بعد ذلك لأنّه علم أنّ قاتل سعد بن عبادة هو

معرفة الإمام ج۱۲

29
  • خالد نفسه، فجعل دم مالك بدم سعد بن عبادة، و تجاوز عن خالد، و هو الذي أقسم في أيّام أبي بكر إنّه لو ملك، لاقتصّ منه: وَ اللهِ لَئِنْ وُلِّيتُ الأمْرَ، لُاقَيِّدَنَّكَ بِهِ! و على هذا استبان ممّا ذكرناه أنّ عمر لم يدافع عن مالك بن نويرة، بل كان شريكاً في دمه. إذ لم يقتصّ في أيّام حكومته من خالد لأجل مصالحه الدنيويّة!۱

  • و كانت مظلوميّة مالك منذ البداية موضع بحث و احتجاج بين علمائنا و مخالفينا. و هي مذكورة في الكتب الكلاميّة و التواريخ، منها: «تاريخ الطبريّ»، و «الكامل» لابن الأثير الجَزَريّ، و «روضة الأحباب» لعطاء الله، و «نهاية العقول» للفخر الرازيّ، و «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، و «الاستيعاب» لابن عبد البرّ، و «العِقد الفريد» لابن عبد ربّه، و «المغني» للقاضي عبد الجبّار، و كتب التفتازانيّ، و القوشجيّ، و الشريف الجرجانيّ، و الشريف المرتضى في «الشافي في الإمامة»، و كتب العلّامة الحلّيّ، و كتب العلّامة المجلسيّ رحمه الله و غيرهم. و ما نقلناه هنا مختصر من الطعن الخامس للمجلسيّ على أبي بكر، الوارد في «بحار الأنوار»،۲ مع جمل من

    1. ذكر الحلبيّ في سيرته، ج ۳، ص ۲۲۰، و ابن كثير في تاريخه، ج ۷، ص ۱۱۵: أنّ أصل العداوة بين خالد و عمر على ما حكاه الشعبيّ أنّهما و هما غلامان تصارعا، و كان خالد ابن خال عمر. فكسر خالد ساق عمر فعولجت و جبرت. و لمّا ولى عمر كان أوّل شيء بدأ به عزل خالد لِما تقدّم و قال: لا يلي لي عملًا أبداً. و من ثمّ أرسل إلى أبي عُبيدة الجرّاح بالشام إن أكذب خالد نفسه،[ إذ كان قد بلغ عمر أنّ خالداً أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم] فهو أمير على ما كان عليه. و إن لم يكذب نفسه، فهو معزول، فانتزع عمامته، و قاسمه ماله نصفين. فلم يكذب نفسه، فقاسمه أبو عبيدة ماله حتى إحدى نعليه و ترك له الاخرى. و خالد يقول: سمعاً و طاعة لأمير المؤمنين.
    2. «بحار الأنوار» ج ۸، ص ۲٦٤ إلى ۲٦۸ تحت عنوان:« مطاعن أبي بكر و الاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم»، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

30
  • «تاريخ الطبريّ».۱

  • إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيّبات

  • قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: و الذي كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الصدد (أي الإخبار بالغيب) ما لا يستطاع إنكاره إلّا مع الغباوة و الجهل و البهت و العناد. أ لا ترى إلى ما تظاهرت به الأخبار، و انتشرت به الآثار، و نقلته الكافّة عنه عليه السلام من قوله قبل قتاله الفرق الثلاث بعد بيعته: امِرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَ القَاسِطِينَ وَ المَارِقِينَ. (و المقصود من هؤلاء هم أصحاب الجمل، و أصحاب معاوية، و خوارج النهروان الذين قاتلهم في الجمل، و صفّين، و النهروان) فقاتلهم عليه السلام و كان الأمر فيما خبّر به على ما قال.۲

  • و قال عليه السلام لطلحة و الزبير حين استأذناه في الخروج إلى العُمرة: وَ اللهِ مَا تُرِيدَانِ العُمْرَةَ وَ إنَّمَا تُريدَانِ البَصْرَةَ. و كان الأمر كما قال.۳

  • و قال عليه السلام لابن عبّاس يخبره عن استئذانهما له في العُمرة: إنَّنِي أذِنْتُ لَهُمَا مَعَ عِلْمِي بِمَا قَدِ انْطَوَيَا عَلَيْهِ مِنَ الغَدْرِ وَ اسْتَظْهَرْتُ بِاللهِ عَلَيْهِمَا وَ إنَّ اللهَ تعالى سَيَرُدُّ كَيْدَهُمَا وَ يَظْفُرُنِي بِهِمَا. فكان الأمر كما قال.٤

  • و قال ابن شهرآشوب بعد الرواية الاولى التي قال فيها عليه السلام: وَ إنَّمَا تُرِيدَانِ البَصْرَةَ: و في رواية: إنَّمَا تُرِيدَانِ الفِتْنَةَ. و قال عليه السلام أيضاً: لَقَدْ دَخَلَا بِوَجْهٍ فَاجِرٍ وَ خَرَجَا بِوَجْهٍ غَادِرٍ، وَ لَا ألْقَاهُمَا إلَّا في كَتِيبَةٍ، وَ أخْلَقُ بِهِمَا أنْ يُقْتَلَا.

    1. «تاريخ الامم و الملوك» ج ۲، ص ۵۰۲ إلى ۵۰٤، طبعة مطبعة الاستقامة ۱۳۵۷.
    2. «الإرشاد» ص ۱۷۳ و ۱۷٤، الطبعة الحجريّة.
    3. ( ۳ و ٤)-« الإرشاد» ص ۱۷٤.
    4. ( ۳ و ٤)-« الإرشاد» ص ۱۷٤.

معرفة الإمام ج۱۲

31
  • و في رواية أبي الهَيْثَمْ بن التَّيِّهان، و عبد الله بن رافع (أنّه عليه السلام قال لهما): وَ لَقَدْ انْبِئْتُ بِأمْرِكُمَا وَ ارِيتُ مَصَارِعَكُمَا؛ فَانْطَلَقَا وَ هُوَ يَقُولُ، وَ هُمَا يَسْمَعَانِ: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ».۱

  • و نقل المجلسيّ رضوان الله عليه عن «المناقب» لابن شهرآشوب، عن ابن عبّاس، أنّ الإمام عليه السلام قال يوم الجمل: لَنَظْهَرَنَّ عَلَى هَذِهِ الفِرْقَةِ وَ لَنَقْتُلَنَّ هَذَينِ الرَّجُلَيْنِ. و في رواية: لَتَفْتَحُنَّ البَصْرَةَ وَ لَيأتِيَنَّكُمُ اليَوْمَ مِنَ الكُوفَةِ ثَمَانِيَةُ آلافٍ وَ بِضْعٌ وَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا.۲ فكان كما قال. و في رواية: ستّة آلاف و خمسة و ستّون.

  • إخباره اويس القرنيّ و مجيء ألف رجل من الكوفة

  • و قال الشيخ المفيد: و قال عليه السلام بذي قار و هو جالس لأخذ البيعة: يَأتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الكُوفَةِ ألْفُ رَجُلٍ لَا يَزِيدُونَ رَجُلًا وَ لَا يَنقُصُونَ رَجُلًا يُبَايُعوني عَلَى المَوْتِ.

  • قال ابن عبّاس: فجزعتُ لذلك و خفتُ أن ينقص القوم عن العدد أو يزيدوا عليه فيفسد الأمر علينا. و لم أزل مهموماً دأبي إحصاء القوم، حتى ورد أوائلهم، فجعلت احصيهم، فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل و تسعة و تسعين رجلًا. ثمّ انقطع مجيء القوم، فقلتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ما ذا حمله على ما قال؟

  • فبينا أنا مفكّر في ذلك إذ رأيت شخصاً قد أقبل، حتى إذا دنا، فإذا هو راجل عليه قباء صوف، معه سيفه و تُرسه و إداوته، فقرب من

    1. الآية ۱۰، من السورة ٤۸: الفتح. ذُكر ذلك في« المناقب» ج ۱، ص ٤۲۱، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ۸، ص ۵۸٤، طبعة الكمبانيّ.
    2. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵؛ و« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲٦، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

32
  • أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: امدُدْ يَدَكَ ابَايِعْكَ.

  • فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟

  • قال: عَلَى السَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ وَ القِتَالِ بَيْنَ يَدَيْكَ حتى أمُوتَ أوْ يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ.

  • فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما اسمك؟ قال: اوَيْس. قال: أنْتَ اوَيْسُ القَرَنِيّ؟ قال: نعم.

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: اللهُ أكْبَرُ، أخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أنِّي ادْرِكُ رَجُلًا مِنْ امَّتِهِ يُقَالُ لَهُ: اوَيْسُ القَرَنِيّ، يَكُونُ مِنْ حِزْبِ اللهِ وَ رَسُولِهِ، يَمُوتُ عَلَى الشَّهَادَةِ، يَدْخُلُ في شَفَاعَتِهِ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ، اللهُ أكْبَرُ.

  • قال ابن عبّاس: فَسُرِيَ وَ اللهِ عَنِّي.۱

  • و قال الشيخ المفيد أيضاً: و من ذلك (أي إخباره عليه السلام بالغيب) قوله و قد رفع أهل الشام المصاحف، و شكّ فريق من أصحابه و لجأوا إلى المسالمة و دعوه إليها: وَيْلَكُمْ، إنَّ هَذِهِ خَدِيعَةٌ وَ مَا يُرِيدُ القَوْمَ القُرْآنَ لأنَّهُمْ لَيْسُوا بِأهْلِ قُرْآنٍ، فَاتَّقُوا اللهَ وَ امْضُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ في قِتَالِهِمْ، فَإن لَمْ تَفْعَلُوا تَفَرَّقَتْ بِكُمُ السُّبُلُ وَ نَدِمْتُمْ حَيْثُ لَا تَنْفَعُكُمُ النَّدَامَةُ.

  • فكان الأمر كما قال. و كفر القوم بعد التحكيم، و ندموا على ما فرط منهم في الإجابة إليه، و تفرّقت بهم السبل، و كان عاقبتهم الدمار.۲

  • إخباره عليه السلام بقتل ذي الثديّة بالنهروان

  • و قال الشيخ المفيد أيضاً: و قال عليه السلام و هو متوجّه إلى قتال

    1. «الإرشاد» ص ۱۷٤، الطبعة الحجريّة؛ و في« المناقب» لابن شهرآشوب إشارة إلى هذا الموضوع، ج ۱، ص ٤۲٦.
    2. «الإرشاد» ص ۱۷٤ و ۱۷۵.

معرفة الإمام ج۱۲

33
  • الخوارج: لَوْ لا أنِّي أخَافُ أنْ تَتَّكِلُوا وَ تَتْرُكُوا العَمَلَ لأخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَاهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ قَاتَلَ هَؤُلَاءِ القَوْمَ مُسْتَبْصِراً بِضَلَالَتِهِمْ، وَ إنَّ فِيهِمْ لَرَجُلًا مَوْذُونَ۱ اليَدِ، لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْي المَرْأةِ، وَ هُمْ شَرُّ الخَلْقِ وَ الخَلِيقَةِ، وَ قَاتِلُهُمْ أقْرَبُ خَلْقِ اللهِ إلَى اللهِ وَسِيلَةً.۲

  • و لم يكن المُخْدِجُ۳ (و هو ذو الثُّدَيَّة الذي كانت إحدى يديه ناقصة و هي كالثدي في جانب صدره) معروفاً في القوم. فلمّا قتلوا جعل (أمير المؤمنين) عليه السلام يطلبه في القتلى، و يقول: وَ اللهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ. حتى وُجد في القوم، فَشُقّ قميصه فكان على كتفه سلعة كثدي المرأة، عليها شعرات إذا جذبت انجذب كتفه معها. و إذا تُركت رجع كتفه إلى موضعه. فلمّا وجده أمير المؤمنين عليه السلام، كبّر، ثمّ قال: إنَّ في هَذَا لَعِبْرَةٌ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ.٤

    1. جاء في« أقرب الموارد» في مادّة وذن: تَوَذَّنَهُ تَوَذُّناً: صَرَفَهُ وَ حَوَّله. و حينئذٍ يكون معني موذون اليد: صاحب اليد الملتوية.
    2. قال ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲٦۷، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم: في« مسند أحمد بن حنبل» عن مسروق، قال: قالت لي عائشة: إنّك من ولدي و من أحبِّهم إليّ، فهل عندك علم من المخدَج؟ فقلتُ: نعم، قتله عليّ بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تاقرّا، و لأسفله النهروان بين لخاقيق و طرفاء. قالت: ابغي على ذلك بيّنة. فأقمتُ رجالًا شهدوا عندها بذلك. قال: فقلت لها: سألتُكِ بصاحب القبر، ما الذي سمعتِ من رسول الله صلى الله عليه و آله فيهم؟ فقالت: نعم، سمعته يقول: إنَّهُمْ شَرُّ الخَلْقِ وَ الخَلِيقَةِ، يَقْتُلُهُمْ خَيْرُ الخَلْقِ وَ الخَلِيقَةِ وَ أقْرَبَهُمْ عِنْدَ اللهِ وَسِيلَةً.
    3. خَدَجَت خِداجاً و أخدَجَت الدَّابَّة: ألقت ولدها ناقص الخلق أو قبل تمام الأيّام، فهي خادج و مخدِج، و ولدها خديج و خُدُوج و مُخْدَج. أخْدَجَ الشيء: نقص.
    4. «الإرشاد» ص ۱۷۵؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۷۷ طبعة الكمبانيّ، و في
      الطبعة الحديثة( الحيدري) ج ٤۱، ص ۲۸۳؛ و المسعوديّ في« مروجّ الذهب» ج ۲، ص ٤۱۷، طبعة مصر، مطبعة السعادة.

معرفة الإمام ج۱۲

34
  • قال المجلسيّ: روى ابن أبي الحديد أنّ أهل السير كافّة ذكروا أنّ عليّاً عليه السلام لمّا طحن الخوارج، طلب ذا الثُّديَّة طلباً شديداً، و قلّب القتلى ظهراً لبطن، فلم يقدر عليه، فساءه ذلك و جعل يقول: وَ اللهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ! اطلبوا الرجل و إنّه لفي القوم. فلم يزل يتطلّبه حتى وجده و (هُوَ رَجُلٌ مُخْدِجُ اليَدِ كَأنَّهَا ثَدْيٌ في صَدْرِهِ).۱

  • و روى إبراهيم بن ديزيل في كتاب «صفيّن» عن الأعمش، عن زيد ابن وهب قال: لمّا شجر أمير المؤمنين عليه السلام الخوارج بالرماح، قال: اطلبوا ذا الثُّديَّة، فطلبوه طلباً شديداً حتى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى. فاتي به و إذا رجل على يديه مثل سبلات۲ السِّنَّوْر، فكبّر عليّ عليه السلام، و كبّر الناس معه سروراً بذلك.۳

  • و روى مُسْلِم الضَّبّيّ أيضاً عن حَبَّةَ العُرَنِيّ أنّ ذا الثُّديَّة كان رجلًا أسوداً منتن الريح، له ثدي كثدي المرأة، إذا مُدّت كانت بطول اليد الاخرى. و إذا تُركت اجتمعت و تقلّصت و صارت كثدي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرّة.٤

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲، طبعة الكمبانيّ.
    2. يقال لشارب الإنسان: سبِيل( بالفارسية). و أصله سَبَلَة و هو عربيّ جمعه سبلات.
    3. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲، طبعة الكمبانيّ.
    4. جاء في« النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج ٤، ص ۱٩۵، في باب الكاف و اللام، في كلمة كَلَبَ: و في حديث ذي الثَّدِيّة: يَبْدو في رأسِ ثَدْيِهِ شُعَيْرَاتٌ كَأنَّها كُلْبَةُ كَلْبٍ، أي: مخالبه. هكذا قال الهرويّ، و لكن الزمخشريّ قال: كَأنَّها كُلْبَةُ كَلْبٍ أوْ سِنَّوْر. و هي الشعر النابت في جانبي أنفه. و يقال للشعر الذي يخرز به الإسكاف: كُلْبَة.

معرفة الإمام ج۱۲

35
  • فلمّا وجدوه قطعوا يده و نصبوها على رمح. ثمّ جعل أمير المؤمنين عليه السلام ينادي: صَدَقَ اللهُ وَ بَلَّغَ رَسُولُهُ. لم يزل يقول ذلك هو و أصحابه من العصر إلى أن غربت الشمس أو كادت.۱

  • و روى ابن ديزيل أيضاً، قال: لمّا عيل صبر عليّ عليه السلام في طلب المخدج، قال: آتوني ببلغة رسول الله صلى الله عليه و آله، فركبها، و أتبعه الناس: فرأى القتلى و جعل يقول: اقلبوا. فيقلبون قتيلًا عن قتيل حتى استخرجه، فسجد على عليه السلام شكراً.۲

  • و روى كثير من الناس أنّه لمّا دعا بالبغلة، قال: ائتوني بها فإنّها هادية. فوقفت به على المخدج، فأخرجه من تحت قتلى كثيرين.۳

  • و روى العوامّ بن حَوشَب عن أبيه، عن جدّه: يزيد بن رويم، قال: قال عليّ عليه السلام (بالنهروان): يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثديّة، فلمّا طحن القوم، ورام استخراج ذي الثديّة، فأتعبه، أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة. (و ركب بغلة رسول الله و قال لي: اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة).٤ فلم أزل كذلك و أنا بين يديه و هو راكب خلفي، و الناس يتبعونه، حتى بقيت في يدي واحدة.

  • فنظرت إليه و إذا وجهه أربد، و إذا رجله في يدي، فجذبتها، و قلتُ: هذه رِجل إنسان! فنزل عن البغلة مسرعاً، فجذب الرِّجل الاخرى، و جرّرناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج. فكبّر عليّ عليه السلام

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲: طبعة الكمبانيّ.
    2. ( ۲ و ۳)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲: طبعة الكمبانيّ.
    3. ( ۲ و ۳)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲: طبعة الكمبانيّ.
    4. العبارة بين الهلالين مذكورة من مصدر هذه الرواية في تعليقة« بحار الأنوار» ج ٤۱، ص ۳٤۱، الطبعة الحديثة.

معرفة الإمام ج۱۲

36
  • بأعلى صوته، ثمّ سجد فكبّر الناس كلّهم.۱

  • شكّ جندب بن عبد الله و إخبار الإمام عن أهل النهروان

  • قال الشيخ المفيد: و روى أصحاب السيرة في حديثهم عن جُندب بن عبد الله الأزديّ أنّه قال: شهدتُ مع عليّ عليه السلام الجمل و صفّين، لا أشكّ في قتال من قاتله، حتى نزلنا النهروان. فدخلني شكّ و قلتُ: قُرَّاؤُنَا وَ خِيَارُنَا نَقْتُلُهُمْ؟ إنَّ هَذَا الأمْرَ عَظِيمٌ.

  • فخرجت غدوةً أمشي و معي إداوة ماء حتى برزتُ عن الصفوف، فركزت رمحي، و وضعت ترسي إليه و استترتُ من الشمس. فإنّي لجالس حتى ورد عَلَيّ أمير المؤمنين عليه السلام فقال لي: يا أخا الأزد! أ معك طهور؟! قلتُ: نعم. فناولته الإداوة.

  • فمضى حتى لم أره. ثمّ أقبل و قد تطهّر فجلس في ظلّ التُّرس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين! هذا فارس يريدك! قال: فأشِرْ إليه، فأشرتُ إليه، فجاء، فقال: يا أمير المؤمنين! قَدْ عَبَرَ القَوْمُ، وَ قَدْ قَطَعُوا النَّهْرَ. فقال (عليه السلام): كَلَّا ما عَبَرُوا. فقال: بَلَى وَ اللهِ لَقَدْ فَعَلُوا. قال: كَلَّا مَا فَعَلُوا. قال: فَإنَّهُ لَكَذَلِكَ. إذ جاء آخر، فقال: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! قَدْ عَبَرَ القَوْمُ. فقال الإمام: كَلَّا مَا عَبَرُوا.

  • قال: و الله ما جئتك حتى رأيتُ الرايات في ذلك الجانب و الأثقال. فقال الإمام: وَ اللهِ مَا فَعَلُوا وَ إنَّهُ لَمَصْرَعُهُمْ وَ مُهَرَاقُ دِمَائِهِم.

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲، طبعة الكمبانيّ. و هذه الروايات الستّ الأخيرة التي نقلها المجلسيّ عن ابن أبي الحديد، كلّها مذكورة في« شرح نهج البلاغة»، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج ۲، ص ۲۷۵ إلى ۲۷۷. و جاء بعد قوله في الرواية الأخيرة في« الشرح»: أربد وجه عليّ: قال عليّ عليه السلام: وَ اللهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِّبتُ. فإذا خرير ماء عند موضع دالية. فقال لي: فتّش هذا ففتّشته، فإذا قتيل قد صار في الماء، و إذا رِجله في يدي- إلى آخر الرواية.

معرفة الإمام ج۱۲

37
  • ثمّ نهض (أمير المؤمنين عليه السلام) و نهضتُ معه. فقلتُ في نفسي: الحمد للّه الذي بصّرني هذا الرجل، و عرّفني أمره. هذا أحد رجلين: إمّا رجل كذّاب جريء أو على بيّنة من ربّه، و عهد من نبيّه. اللهمّ إنّي اعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة: إن أنا وجدتُ القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله، و أوّل من يَطعنُ بالرمح في عينه. و أن كان القوم لم يعبروا، أن اقيم على المناجزة و القتال.

  • فدُفعنا إلى الصفوف، فوجدنا الرايات و الأثقال كما هي. قال: فأخذ (أمير المؤمنين عليه السلام) بقفاي و دفعني، ثمّ قال: يَا أخَا الأزْدِ! أ تَبَيَّنَ لَكَ الأمْرُ؟ قلتُ: أجل يا أمير المؤمنين. فقال (أمير المؤمنين عليه السلام): فَشَأنَكَ بِعَدُوِّكَ. فقتلتُ رجلًا من القوم. ثمّ قتلتُ آخر، ثمّ اختلفتُ أنا و رجل آخر أضربه و يضربني فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي فأفقتُ حين أفقتُ و قد فرغ من القوم.

  • قال الشيخ المفيد في ذيل هذه الرواية: و هذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار، و قد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين عليه السلام و بعده. فلم يدفعه عنه دافع، و لا أنكر صدقه فيه مُنكرٌ. و فيه إخبار بالغيب، و إبانة عن علم الضمير و معرفة ما في النفوس. و الآية فيه باهرة لا يعادلها إلّا ما ساواها في معناها من عظيم المعجِز و جليل البرهان.۱

  • و ذكر ابن شهرآشوب هذا الحديث بحذافيره، و نقله المجلسيّ عنه.

    1. «الإرشاد» ص ۱۷۵ و ۱۷٦؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۷۷ و ۵۷۸، طبعة الكمبانيّ، نقلًا عن« الإرشاد» للمفيد؛ و ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ نفس هذا المتن في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص ۱۱۳ و ۱۱٤، الطبعة الثانية، عن الطبرانيّ في« الأوسط» تحت عنوان: جندب بن زهير بن الحارث الأزديّ.

معرفة الإمام ج۱۲

38
  • و فيه أنّ جُندباً قال: رَأيْتُ أصْحَابَ النَّهْرَوَانِ وَ لَهُمْ دَوِيّ كَدَوِيّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، و فِيهِمْ أصْحَابُ البَرَانِسِ. و البرنس قلنسوة طويلة كانت تُلبَس في صدر الإسلام، و هي للمشايخ و الناس المحترمين.

  • و في هذا الحديث أيضاً أنّ الإمام عليه السلام قال: مصرعهم و مهراق دمائهم في هذا الجانب من النهر. و في رواية: لَا يَبْلِغُونَ إلَى قَصْرِ بُورَي بِنْتِ كِسْرَي.۱

  • و قال الشريف الرضي في «نهج البلاغة»: لمّا عزم الإمام عليه السلام على حرب الخوارج، و قيل له: إنّ القوم قد عبروا جسر النهروان، قال: مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ. وَ اللهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.۲

  • قال الشريف الرضيّ: يعني بالنطفة ماء النهر، و هي أفصح كناية عن الماء و إن كان كثيراً جمّاً. و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم عند مضيّ ما أشبهه.

  • كلام ابن أبي الحديد في إعجاز إخبار الإمام بالغيب

  • و قال ابن أبي الحديد في شرحه: هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة، لاشتهاره و نقل الناس كافّة له؛ و هو من معجزاته و أخباره المفصّلة عن الغيب.

    1. «المناقب»، ج ۱، ص ٤۲٦؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ.
    2. «نهج البلاغة» الخطبة ۵٩؛ و قال المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲، طبعة الكمبانيّ: ذكر المدائنيّ في كتاب« الخوارج» أنّ عليّاً عليه السلام لمّا خرج إلى أهل النهروان، أقبل رجل من أصحابه ممّن كان على مقدّمته فأخبره بأنّ القوم قد عبروا النهر، فحلّفه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث مرّات في كلّها يقول: نعم. فقال عليه السلام: وَ اللهِ مَا عَبروه و لن يعبروه، و إنّ مصارعهم دون النطفة. فجاء الفرسان كلّهم يركضون و يقولون ما قاله الأوّل، فلم يكترث عليه السلام بقولهم حتى ظهر خلاف ما قالوا.

معرفة الإمام ج۱۲

39
  • ثمّ قال: الأخبار على قسمين:

  • أحدهما: الأخبار المجملة، و لا إعجاز فيها، نحو أن يقول الرجل لأصحابه: إنّكم ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غداً. فإن نُصِرَ، جعل ذلك حجّة له عند أصحابه، و سمّاها معجزة. و إن لم ينصر، قال لهم: تغيّرت نيّاتكم و شككتم في قولي، فمنعكم الله نصره، و نحو ذلك من القول.

  • و لأنّه قد جرت العادة أنّ الملوك و الرؤساء يعدون أصحابهم بالظفر و النصر، و يُمنّونهم الدول؛ فلا يدلّ وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمّن إعجازاً.

  • و القسم الثاني: الأخبار المفصّلة عن الغيوب، مثل هذا الخبر، فإنّه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعيّن في أصحابه و في الخوارج، و وقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة و لا نقصان. و ذلك أمر إلهيّ عرفه من جهة رسول الله صلى الله عليه و آله، و عرفه رسول الله صلى الله عليه و آله من جهة الله سبحانه. و القوّة البشريّة تقصُر عن إدراك مثل هذا. و لقد كان له (لأمير المؤمنين) عليه السلام من هذا الباب ما لم يكن لغيره. و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته، و أحواله المنافية لقوى البشر، غلا فيه من غلا، حتى نُسب إلى أنّ الجوهر الإلهيّ حلّ في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام.

  • و قد أخبره رسول الله صلى الله عليه و آله بذلك، فقال: يَهْلِكُ فِيكَ رَجُلَان: مُحِبٌّ غَالٍ وَ مُبْغِضٌ قَالٍ.

  • و قال له تارة اخرى:

  • وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَا أنِّي اشْفِقُ أنْ تَقُولَ طَوائِفُ مِنْ امَّتِي فِيكَ مَا قَالَتِ النصارى في ابْنِ مَرْيَمَ، لَقُلْتُ اليَوْمَ فِيكَ مَقَالًا، لَا تَمُرُّ بِمَلأٍ مِنَ

معرفة الإمام ج۱۲

40
  • النَّاسِ إلَّا أخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ لِلبَرَكَةِ.۱

  • و روى ابن شهرآشوب عن ابن بطّة في «الإبانة»، و أبي داود في «السنن» عن أبي مجلد في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في الخوارج مخاطباً أصحابه: وَ اللهِ لَا يُقْتَلُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.

  • و في رواية اخرى: وَ لَا يَنْفَلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنَّا عَشَرَةٌ. فقُتل من أصحابه تسعة، و انفلت من أهل النهروان تسعة: اثنان إلى سجستان، و اثنان إلى عُمان، و اثنان إلى بلاد الجزيرة، و اثنان إلى اليمن، و واحد إلى مَوْزَن.۲ و الخوارج من هذه المواضع منهم.

  • و قال الأعثم: المقتولون من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام: رُوَيبَة بن وَبَر العجليّ، و سَعد بن خالد السبيعيّ، و عبد الله بن حَمَّاد الأرْحَبيّ، و الفيّاض بن خليل الأزديّ، و كَيْسُوم بن سَلِمَة الجُهَنيّ، و عُبَيد بن عُبَيد الخَوْلانِيّ، و جميع بن جشم الكِندِيّ، و ضَبّ بن عاصم الأسديّ.۳

  • إخبار الإمام بالحوادث التي ستقع بعده- إخباره بفتن بني اميّة

  • و نقرأ في «نهج البلاغة» خطبة للإمام عليه السلام فيها إخبار بِمُغَيَّبات كثيرة. يقول عليه السلام:

  • أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسُ! فَأنَا فَقَأتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ، وَ لَمْ تَكُنْ لِيَجْرُأ عَلَيْهَا أحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا. فَاسْألُوني قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي؟

    1. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج ۵، ص ۳ و ٤؛ و نقله المجلسيّ عن« نهج البلاغة» و« شرح ابن أبي الحديد» في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ.
    2. في« القاموس»: مَوْزَن كمقعد: موضع، و قال في« معجم البلدان»: قياسه كسر الزاي، و إنّما جاء فتحها شاذّاً. و هو بلد بالجزيرة، ثمّ ديار مُضَر.
    3. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۲، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

41
  • فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ، وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا۱ وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا؛ وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أهْلِهَا قَتْلًا، وَ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً.

  • وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الامُورِ، وَ حَوازِبُ الخُطُوبِ، لأطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ المَسْؤولِينَ. وَ ذَلِكَ إذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضَيْقاً تَسْتطِيلُونَ مَعَهُ أيَّامَ البَلَاءِ عَلَيْكُمْ حتى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الأبْرارِ مِنْكُمْ. إنَّ الفِتَنَ إذَا أقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَ إذَا أدْبَرَتْ نَبَّهَتْ. يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ، يَحُمْنَ حَوْلَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً.

  • ألَا إنَّ أخوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي امَيَّةَ، فَإنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَ أصَابَ البَلَاءُ مَنْ أبْصَرَ فِيهَا، وَ أخْطَأ البَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا. وَ أيْمُ اللهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي امَيَّةَ لَكُمْ أرْبَابَ سُوءٍ كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا. لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حتى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إلَّا نَافِعاً لَهُمْ أوْ غَيْرَ ضَائِر بِهِمْ. وَ لَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ حتى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أحَدِكُمْ مِنْهُمْ إلَّا كانْتِصَارِ العَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ. تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدَى، وَ لَا عَلَمٌ يُرَى.

  • نَحْنُ أهْلُ البَيْتِ۲ مِنْهَا بِمَنْجَاهٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ. ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ۳

    1. روى السيّد ابن طاووس هذه الخطبة الشريفة إلى هذه الكلمة في« الملاحم و الفتن» ص ۱٦، عن أبي هارون الكوفيّ، عن عمرو بن قيس الهلاليّ، عن المنهال، عن ابن عمرو، عن زرّ بن حبيش أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال هكذا.
    2. إنّ معنى قوله عليه السلام:« نحن أهل البيت منها بمنجاة» هو أنّنا لا نتلوّث روحاً، و يبقى ديننا فيها سليماً، كما أنّ قوله: و لسنا فيها بدُعاة جملة تفسيريّة، و إلّا فإنّ ما نزل بأهل البيت من بلايا و مصائب مادّيّة و بدنيّة كالقتل و الصلب و السبي و التعذيب و الحبس و نهب الأموال و تضييع الحقوق قد بلغ ما بلغ حتى ملأ صفحات التأريخ. و هل استشهاد سيّد الشهداء و أولاده و هتك حريمه و نهب أمواله، و كذلك استشهاد الإمام الحسن المجتبى، و زيد بن عليّ بن الحسين، و يحيى بن زيد، و غيرهم إلّا جنايات الأمويّين أنفسهم؟
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

42
  • عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً، وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأسٍ مُصَبَّرَةٍ، لَا يُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ وَ لَا يُحْلِسُهُمْ إلَّا الخَوْفَ.

  • فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَني مَقَاماً وَاحِداً وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي.۱

  • قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة: إنّما قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أحَدٌ غَيْرِي، لأنّ الناس كلّهم كانوا

    1. «نهج البلاغة» الخطبة ٩۱، طبعة مصر، مطبعة عيسى البابي الحلبيّ، و تعليقة الشيخ محمّد عبده، ج ۱، ص ۱۸۲ إلى ۱۸٤؛ و في نسخة ابن أبي الحديد: لِيَجْتَرِئ عَلَيْهَا مكان لِيَجْرُأ عَلَيْهَا. و هذه أوّل خطبة نقلها إبراهيم بن محمّد الثقفيّ في غاراته، ص ۱ إلى ۱۳ بألفاظ أكثر. و رواها بسندين عن زرّ بن حُبَيْش؛ و رواها المجلسيّ عنه في« بحار الأنوار» باب قتال الخوارج و احتجاجاته، ج ۸، ص ٦۰۵ و ٦۰٦ طبعة الكمبانيّ.
      و روى ابن أبي الحديد في شرحه، طبعة دار الإحياء بمصر، ج ۲، ص ۲۸٦ عن ابن هلال الثقفيّ في كتاب« الغارات»، عن زكريّا بن يحيى العطّار، عن فضيل، عن محمّد بن عليّ أنّه قال: لمّا قال أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تُضلّ مائةً و تهدي مائةً إلَّا أنبأتُكم بناعقها و سائقها، قام إليه رجل فقال: أخبرني بما في رأسي و لحيتي من طاقة شعر. فقال له عليّ عليه السلام: و الله لقد حدّثني خليلي رسول الله أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكاً يلعنك، و أنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك، و أنّ في بيتك سخلًا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه و آله- و كان ابنه قاتل الحسين عليه السلام يومئذٍ طفلًا يحبو، و هو سنان بن أنس النخعيّ- و ذكر الشيخ المفيد هذه الرواية بهذا السند في« الإرشاد» ص ۱۸۲ و ۱۸۳، الطبعة الحجريّة، إلّا أنّ فيها إضافة، و هي قوله: لو لم يكن برهان سؤالك عسيراً، لأخبرتك بشعر رأسك و لحيتك. و آية صدق كلامي أنّ في بيتك طفلًا يقتل ابن رسول الله. و لم يذكر اسم القاتل في هذه الرواية أيضاً.

معرفة الإمام ج۱۲

43
  • يهابون قتال أهل القبلة، و لا يعلمون كيف يقاتلونهم؟ هل يتبعون مولِّيهم أم لا؟ و هل يجهزون على جريحهم أم لا؟ و هل يقسمون فيئهم أم لا؟ و كانوا يستعظمون قتال من يؤذّن كأذاننا، و يصلّي كصلاتنا، و استعظموا أيضاً حرب عائشة و حرب طلحة و الزبير لمكانهم في الإسلام، و توقّف جماعتهم عن الدخول في تلك الحرب، كالأحنف بن قيس، و غيره. فلو لا أنّ عليّاً اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحدٌ عليها.

  • ثمّ قال عليه السلام: سَلُوني قَبْلَ أنْ تَفْقِدُوني. روى صاحب كتاب «الاستيعاب» و هو أبو عمر محمّد بن عبد البرّ عن جماعة من الرواة و المحدّثين، قالوا: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: «سَلُوني» إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.

  • و روى شيخنا أبو جعفر الإسكافيّ في كتاب «نقض العثمانيّة» عن عليّ بن الجعد، عن ابن شُبْرمة، قال: لَيْسَ لأحَدٍ مِنَ النَّاسِ أنْ يَقُولَ عَلَى المِنْبَرِ: «سَلُوني» إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثمّ فتح ابن أبي الحديد فصلًا في امور غيبيّة أخبر بها الإمام عليه السلام، فقال ما نصّه:

  • اعلم أنّ عليّاً عليه السلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده، إنّهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم و بين القيامة إلّا أخبرهم به. و إنّه ما صحّ من طائفة من الناس يهتدي بها مائة و تضلّ بها مائة، إلّا و هو مخبر لهم- إن سألوه- برعاتها، و قائدها، و سائقها، و مواضع نزول ركابها و خيولها، و من يُقتَلُ منها قتلًا، و من يموت منها موتاً.

  • و هذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادّعاء الربوبيّة، و لا ادّعاء النبوّة؛ و لكنّه كان يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أخبره بذلك.

  • عدد من أخبار الإمام الغيبيّة

  • و لقد امتحنّا إخباره عليه السلام، فوجدناه موافقاً. فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كاخباره عن الضربة التي يُضربُ بها في رأسه

معرفة الإمام ج۱۲

44
  • فتخضب لحيته.

  • و إخباره عن قتل الحسين- ابنه- عليهما السلام، و ما قاله في كربلاء حين مروره بها.

  • و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده.

  • و إخباره عن الحجّاج [بن يوسف الثقفيّ]، و عن يوسف بن عمر، و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان.

  • و ما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، و صلب من يصلب، و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين.

  • و إخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها.

  • و إخباره عن عبد الله بن الزبير، و قوله فيه: خَبٌّ ضَبٌّ،۱ يَرُومُ أمْراً وَ لَا يُدْرِكهُ، يَنْصِبُ حَبَالَةَ الدِّينِ لِاصطِيَادِ الدُّنْيَا، وَ هُوَ بَعْدُ مَصْلُوبُ قُرَيْشٍ.

  • و كإخباره عن هلاك البصرة لحرب أهلها. و هلاكها تارة اخرى بالزنج، و هو الذي صحّفه قوم، فقالوا: بالريح.

  • و كإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، و تنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق (بتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة) و هم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين و ولده، و إسحاق بن إبراهيم. و كانوا هم و سلفهم دعاة الدولة العبّاسيّة.

    1. الخبّ: الخدّاع و المحتال. الضبّ: الحسود و الحقود بحقد خفيّ. و يقال في المحاورات: فلان خبّ ضبّ، أي: مراوغ. و المراوغ هو الذي يصارع بخدعة فيصرع منافسه على الأرض.

معرفة الإمام ج۱۲

45
  • و كإخباره عن الأئمّة الذين ظهروا من ولده بطبرستان، كالناصر، و الداعي، و غيرهما، في قوله عليه السلام: وَ إنَّ لآلِ مُحَمَّدٍ بِالطَّالَقَانِ لَكَنْزاً سَيُظْهِرُهُ اللهُ إذَا شَاءَ. دُعَاؤُهُ حَقٌّ، يَقُومُ بِإذْنِ اللهِ فَيَدْعُو إلَى دِينِ اللهِ.

  • و كاخباره عن مقتل ذي النفس الزكيّة بالمدينة، و قوله: إنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ أحْجَارِ الزَّيْتِ. و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة: يُقْتَلُ بَعْدَ أنْ يَظْهَرَ وَ يُقْهَرُ بَعْدَ أنْ يَقْهَرَ.

  • و قوله فيه أيضاً: يَأتِيهِ سَهْمُ غَرْبٍ يَكُونُ فِيهِ مَنِيَّتُهُ. فَيَا بُؤْسَاً لِلرَّامي! شُلَّتْ يَدُهُ، وَ وَهَنَ عَضُدُهُ.

  • و كإخباره عن قتلى وَجّ،۱ و قوله فيهم: هُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ.

    1. جاءت هذه الكلمة بالواو و تشديد الجيم في« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد بطبعتيه: طبعة بيروت ذات الأجزاء الأربعة، و طبعة مصر ذات الأجزاء العشرين. و يبدو أنّه سهو. و الصحيح هو فَخّ بالفاء و الخاء المشدّدة. كما نقلها الشارح الميرزا حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ في شرحه، ج ۷، ص ۸۳ من الطبعة الحديثة في شرح هذه الخطبة، و ذلك عن ابن أبي الحديد. و واقعة فَخّ مشهورة كالشمس في كبد السماء. و فَخّ موضع بين مكّة و التنعيم، على بعد فرسخ عن مكّة. و تكرّرت فيها قصّة عاشوراء بمواصفاتها كلّها، لكنّها كانت في سنة ۱٦٩ ه-، أي بعد واقعة الطفّ بثماني و مائة سنة. و استشهد فيها الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام. و هو حفيد الحسن المثلّث و من أولاد الإمام الحسن المجتبي عليه السلام. و يقال له: الحسين بن عليّ شهيد فَخّ في مقابل شهيد كربلاء الحسين بن عليّ شهيد الطفّ. و ما ورد من الأخبار في شهداء فَخّ الذين كانوا قرابة ثلاثمائة، كلّه مدح و ثناء و تمجيد بهم، ذلك أنّ الحسين بن على شهيد فخّ لم يخرج من أجل الرئاسة و المنصب، بل نهض من أجل صدّ الظلم. إذ كان و الى المدينة في عصره من أحفاد عمر بن الخطّاب، و قد شدّد النكير على العلويّين إلى درجة أنّه قال: إذا غاب العلويّ الفلانيّ، و لم يعرّف نفسه كلّ يوم، فسأقتلكم جميعاً إن لم تحضروه. و كان هذا الخطاب موجّهاً إلى العلويّين. و حينئذٍ وقع العلويّون في مأزق لم يجدوا منه محيصاً إلّا الخروج. و كان خروجهم ذهاباً من المدينة إلى مكّة بتأييد الإمام الصادق عليه السلام. و كان معهم ولده عبد الله بن جعفر. و توجّهوا إلى مكّة ليس لهم شغل بأحد حتى فاجأهم جيش موسى الهاديّ العبّاسيّ فقتل ذلك السيّد الجليل مع جميع أهل بيته و أصحابه. و الأخبار المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام تثني عليهم ثناءً بليغاً. و منها قول أمير المؤمنين عليه السلام: هم خير أهل الأرض؛ من خير أهل الأرض. و أمّا وجّ فلم نظفر بمعنى مناسب لها. و ذكر ياقوت في« معجم البلدان» أنّ وجّ اسم الطائف. و في حديث رسول الله صلى الله عليه و آله: إنّ آخر وطأة للّه يوم وجّ. و المراد بلدة الطائف. و كانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله.

معرفة الإمام ج۱۲

46
  • و كإخباره عن المملكة العلويّة بالغرب، و تصريحه بذكر كتامة، و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم. و كقوله و هو يشير إلى أبي عبد الله المهديّ: وَ هُوَ أوَّلُهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ صَاحِبُ القَيْرَوَانِ۱ الغَضُّ البَضُّ، ذُو النَّسَبِ المَحْضِ، المُنْتَجَبُ مِنْ سُلَالَةِ ذِي البَدَاءِ، المُسَجَّى بِالرِّدَاءِ.

  • و كان عبيد الله المهديّ أبيضاً مترفاً مشرباً بحُمرة، رخص البدن، تارّ الأطراف.۲ و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمّد عليهما السلام. و هو المسجّى بالرداء، لأنّ أباه الصادق عليه السلام سجّاه بردائه لمّا مات. و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه، ليعلموا موته، و تزول عنهم الشبهة في أمره.

  • و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم: وَ يَخْرُجُ مِنْ دَيْلَمَانَ بَنُو الصَّيَّادِ. إشارة إليهم. و كان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو و عياله بثمنه. فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكاً ثلاثة،۳ و نشر ذرّيّتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم. و كقوله عليه السلام فيهم: ثُمَّ يَسْتَشْرِي أمْرُهُمْ

    1. كان امراء مصر و القيروان من الإسماعيليّة.
    2. التارّ: الممتلئ جسمه و عظمه ريّاً.
    3. أولاد بويه الثلاثة هم: عماد الدولة عليّ بن بويه، ركن الدولة حسن بن بويه، معزّ الدولة أحمد بن بويه.

معرفة الإمام ج۱۲

47
  • حَتَّى يَمْلِكُوا الزَّوْرَاءَ وَ يَخْلَعُوا الخُلَفَاءَ. فقال له قائل: فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مِائَةٌ أوْ تَزِيدُ قَلِيلًا.

  • و كقوله فيهم: وَ المُتْرَفُ ابْنُ الأجْذَمِ، يَقْتُلُهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلَى دِجْلَةَ. و هو إشارة إلى عِزِّ الدَّوْلَةِ بختيار بن مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أبي الحسين. و كان مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أقطع اليد، قطعت يده للنكوص في الحرب. و كان ابنه عِزُّ الدَّوْلَةِ بختيار مترفاً، صاحب لهو و شرب. و قتله عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَنَّاخُسْرُو ابن عمّه بقصر الجُصّ على دجلة في الحرب، و سلبه ملكه.

  • و أمّا خلعهم للخلفاء، فإنّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ خلع المُسْتَكْفِي، و رتّب عوضه المُطِيعَ لِلَّهِ. و بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أبو نصر بن عَضُد الدّوْلَةِ خلع الطَّائِعَ لِلَّهِ و رتّب عوضه القَادِرَ بِاللهِ. و كانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليه السلام.

  • و كإخباره عليه السلام لعبد الله بن عبّاس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده. فإنّ عليّ بن عبد الله لمّا ولد، أخرجه أبوه عبد الله إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأخذه، و تفل في فيه و حنّكه بتمرة قد لاكها، و دفعه إليه، و قال: خُذْ إلَيْكَ يَا أبَا الأمْلَاكِ. هكذا الرواية الصحيحة. و هي التي ذكرها أبو العبّاس المبرّد في «الكامل» و ليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة، و لا منقولة من كتاب معتمد عليه.

  • و كم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى، ممّا لو أردنا استقصاءه لكرّسنا له كراريس كثيرة. و كتب السير تشتمل عليها مشروحة.

  • سبب اعتقاد الناس بالوهيّة الإمام دون رسول الله

  • فإن قلتَ: لما ذا غلا الناس في أمير المؤمنين عليه السلام، فادّعوا فيه الإلهيّة لإخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عياناً. و لم يغلوا في رسول الله صلى الله عليه و آله فيدّعوا له الإلهيّة، و أخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها و علموها يقيناً. و على هذا كان النبيّ أولى بذلك، لأنّه

معرفة الإمام ج۱۲

48
  • الأصل المتبوع، و معجزاته أعظم، و أخباره عن الغيوب أكثر؟!

  • قلتُ: إنّ الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه و آله، و شاهدوا معجزاته، و سمعوا إخباره عن الغيوب الصادقة عياناً، كانوا أشدّ آراءً، و أعظم أحلاماً، و أوفر عقولًا من تلك الطائفة الضعيفة العقول، السخيفة الأحلام الذين رأوا أمير المؤمنين عليه السلام في آخر أيّامه، كعبد الله بن سبأ و أصحابه، فإنّهم كانوا من ركاكة البصائر و ضعفها على حال مشهورة. فلا عجب عن مثلهم أن تستخفّهم المعجزات، فيعتقدوا في صاحبها أنّ الجوهر الإلهيّ قد حلّه، لاعتقادهم أنّه لا يصحّ من البشر هذا إلّا بالحلول.

  • و قد قيل: إنّ جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى و اليهود، و قد كانوا سمعوا من آبائهم و سلفهم القول بالحلول في أنبيائهم و رؤسائهم، فاعتقدوا فيه عليه السلام مثل ذلك.

  • و يجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام. فذهبوا إلى ذلك. و لو كانوا في أيّام رسول الله صلى الله عليه و آله، لقالوا فيه مثل هذه المقالة، إضلالًا لأهل الإسلام، و قصداً لإيقاع الشبهة في قلوبهم. و لم يكن في الصحابة مثل هؤلاء. و لكن قد كان فيهم منافقون و زنادقة، و لم يهتدوا إلى هذه الفتنة، و لا خطر لهم مثل هذه المكيدة.

  • و ممّا ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم، و بين العرب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه و آله أنّ هؤلاء من العراق و ساكني الكوفة، و طينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء و أصحاب النحل العجيبة و المذاهب البديعة. و أهل هذا الإقليم أهل بَصَر و تدقيق و نظر، و بحث عن الآراء و العقائد، و شبه معترضة في المذاهب. و قد كان منهم في أيّام الأكاسرة مثل: ماني، و دَيصان، و مزدك، و غيرهم.

معرفة الإمام ج۱۲

49
  • و ليست طينة الحجاز هذه الطينة، و لا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان. و الغالب على أهل الحجاز الجفاء، و العجرفة، و خشونة الطبع. و من سكن المدن منهم كأهل مكّة، و المدينة، و الطائف، فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة. و لم يكن فيهم من قبلُ حكيم و لا فيلسوف، و لا صاحب نظر و جدل، و لا موقع شبهة، و لا مبتدع نحلة. و لهذا نجد مقالة الغلاة طارئة و ناشئة من حيث سكن عليّ عليه السلام بالعراق و الكوفة، لا في أيّام مقامه بالمدينة، و هي أكثر عمره.

  • ثمّ شرع ابن أبي الحديد بشرح ألفاظ الخطبة و كلماتها و عباراتها بمقدار غير قليل. و قال في شرح كلامه عن انقراض الحكومة الأمويّة: ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُم كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ: هذا الكلام إخبار عن ظهور المسوَّدة، و انقراض ملك بني اميّة. و وقع الأمر بموجب إخباره صلوات الله عليه، حتى لقد صدق قوله: لَقَدْ تَوَدُّ قُرَيْشٌ ... الكلام إلى آخره؛ فإنّ أرباب السير كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد (مروان الحمار، آخر حاكم أمويّ غاصب) قال يوم الزاب،۱ لمّا شاهد عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس بإزائه في صفّ خراسان: لَوَدِدْتُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ تَحْتَ هَذِهِ الرَّايَةِ بَدَلًا مِنْ هَذَا الفَتَى. و القصّة طويلة و هي مشهورة.

  • و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير، و هي متداولة منقولة مستفيضة، خطب بها عليّ عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان. و فيها ألفاظ لم يوردها الشريف الرضيّ رحمه الله. من ذلك قوله عليه السلام:

    1. الزاب موضعٌ فرّ إليه مروان الحمار للتخلّص من هجوم الجيش العبّاسيّ. و ذكر ابن الأثير الجَزَريّ في كتاب« الكامل في التاريخ» ج ۵، ص ٤۱۷ إلى ٤۲٩، طبعة بيروت سنة ۱۳۸۵ ه-، قصّة فراره إلى ذلك المكان و إلى مناطق اخرى، و من ثمّ قتله و انقراض ملك بني اميّة.

معرفة الإمام ج۱۲

50
  • وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا غَيْرِي وَ لَوْ لَمْ أكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أصْحَابُ الجَمَلِ وَ النَّهْرَوَانِ. وَ أيْمُ اللهِ لَوْ لَا أنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا العَمَلَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً لِضَلَالَتِهِمْ، عَارِفاً لِلْهُدَى الذي نَحْنُ عَلَيْهِ. سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَإنِّي مَيِّتٌ عَنْ قَرِيبٍ أوْ مَقْتُولٌ بَلْ قَتْلًا، مَا يَنْتَظِرُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَ هَذِهِ بِدَمٍ، وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ إلَى لِحْيَتِهِ. (قوله: عارفاً للهدى ... أي مقامات و درجات منحهم الله، و إلى أي مدى رفع مقامهم، و كرّم منزلتهم).

  • و منها في ذكر بني اميّة: يَظْهَرُ أهْلُ بَاطِلهَا عَلَى أهْلِ حَقِّهَا، حتى تَمْلأ الأرْضَ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً وَ بِدَعاً إلَى أنْ يَضَعَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرُوتَهَا، وَ يَكْسِرَ عَمَدَهَا، وَ يَنْزِعَ أوْتَادَهَا. ألَا وَ إنَّكُمْ مُدْرِكُوهَا، فَانْصُرُوا قَوْماً كَانُوا أصْحَابَ رَايَاتِ بَدْرٍ وَ حُنَيْنٍ، وَ لَا تُمَالِئُوا عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، فَتَصْرَعَكُمُ البَلِيَّةُ وَ تَحِلَّ بِكُمُ النِّقْمَةُ.

  • و منها: إلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ العَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ، إذَا رَآهُ أطاعَهُ، وَ إنْ تَوَارَى عَنْهُ شَتَمَهُ. وَ أيْمُ اللهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ.

  • إخبار الإمام عليه السلام بقيام الإمام المهديّ عليه السلام

  • و منها: فَانْظُرُوا أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ! فَإنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ، فَلَيُفَرِّجَنَّ اللهُ الفِتْنَةَ بِرَجُلٍ مِنَّا أهْل البَيْتِ. بِأبِي ابْنُ خِيَرَةِ الإمَاءِ، لَا يُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً، مَوْضُوعاً عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أشْهُرٍ حتى تَقُولَ قُرَيْشٌ: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. يُغْريه اللهُ بِبَنِي امَيَّةَ حتى يَجْعَلَهُمْ حُطَاماً وَ رُفَاتاً «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا».۱

    1. الآيتان ٦۱ و ٦۲، من السورة ۳۳: الأحزاب.

معرفة الإمام ج۱۲

51
  • ذمّ طلحة و الزبير و عائشة

  • فان قيل: لما ذا قال الإمام: «و لو لم أكُ فيكم، لما قوتل أهل الجمل و أهل النهروان» و لم يذكر صفّين؟

  • قيل: لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل و أهل النهروان ظاهرة الالتباس، لأنّ الزبير و طلحة موعودان بالجنّة، و عائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه و آله في الآخرة، كما هي زوجته في الدنيا. و حال طلحة و الزبير في السَّبْق و الجهاد و الهجرة معلومة. و حال عائشة في محبّة رسول الله صلّى الله عليه و آله لها و ثنائه عليها، و نزول القرآن فيها (في قصّة الإفك) معلومة. ßو أمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن و عبادة

معرفة الإمام ج۱۲

52
  • ... ß ۱

    1. إنّ ما ذكره ابن أبي الحديد من وعد طلحة و الزبير و عائشة بالجنّة ينطلق من مذهبه و هو مذهب العامّة. و لكنّ أصحابنا الإماميّة لا يقرّون بهذه الأخبار، و أثبتوا بطلانها في كتبهم الكلاميّة مفصّلًا. و تستبين هذه الحقيقة أيضاً ممّا ذكرناه في أجزاء كتابنا هذا« معرفة الإمام» من دورة العلوم و المعارف الإسلاميّة، لأنّنا لو فرضنا صحّة الخبر القائل بوعدهم الجنّة، فإنّه يدلّ على حالهم أو عملهم الذي يستوجبون به الجنّة، أي في خصوص ذلك الظرف، و لا يدّل أبداً على أنّ ذلك العمل الجزئيّ يوجب الخلود في الجنّة، و إن صدرت بعده أعمال سيّئة يستحقّ صاحبها النار. و بغضّ النظر عن الروايات التي لا تحصى، و قد وضعها الوضّاعون لتزكية كثير من الصحابة الذين يعنيهم أمر الخلافة و الشهادة لهم بأنّهم من أصحاب الجنّة، كما دلّ ذلك على التأريخ الصحيح، فإنّ رواية ما، لو وردت في مدحهم أحياناً، فهو مدح الجملة، و في زمن خاصّ و ظروف خاصّة. و من الواضح أنّ المدح لا معنى له إذا زالت موجباته. مثلًا لو جاء غريب إلى منزلك يوماً، و تغدّى عندك، و قام بخدمة لك في البيت إذ كنسه، و سقى الأوراد، و شذّب الأشجار، فاستحسنتَ عمله و باركته، فلا يدلّ هذا على أنّ جميع أعماله حسنة. و ربّما قام هذا الضيف الغريب ليلًا، و واقع زوجتك. و ذبح ابنك، و سرق ذهبك و جواهرك و ولّى. فلو قبضتَ عليه، فإنّه لا بدّ أن يرجم لزناه بزوجتك قسراً، و لا بدّ أن يقتل لقتله ولدك، و لا بدّ أن تقطع يده لسرقته مالك، و حينئذٍ ليس له أن يقول لك: أنت مدحتني و رحبّت بعملي و باركته. و مضافاً إلى أنّه ليس من حقّك أن تقتصّ منّي و تعاقبني، فعليك أن تبيّتني في منزلك الليلة كما بتُّ فيه البارحة جزاء لما قمتُ به من عمل حسن لك.
      إن طلحة و الزبير آمنا برسول الله و جاهدا، و لكن لو خالفا و نكثا البيعة، و قاما حبّاً للجاه و المنصب و التأمّر مع معرفتهما التامّة لأمير المؤمنين عليه السلام، فهل يتركا، و لا يعاقبا و إن جمعا اثني عشر ألف مسلم و أتيا بهم إلى البصرة للقتل؟ هل يبقى عملهما بلا عقوبة؟ إنّ جزاء قتل المسلم هو القصاص و الخلود في جهنّم. أ ليس جزاء تعريض أكثر الناس للقتل الخلود في جهنّم؟ فكيف إذا كان ذلك بغياً و إشهاراً للسيف بوجه إمام زمانهم و حجّة دهرهم؟ و ذلك هو في حكم محاربة رسول الله، بل محاربة الله ذاته! و هنا يكمن دليل الشيعة و منطقهم\i ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ\E.( الآية ۱۸۲، من السورة ۳: آل عمران؛ و الآية ۵۱، من السورة ۸: الأنفال). و أمّا عائشة بما حملته من حقد و ضغن على أمير المؤمنين، و الزهراء عليهما السلام خاصّة، فإنّها لو تحرّكت من الحرم النبويّ قائدة للجيش، و ركبت ناقتها متوجّهة من المدينة و مكّة إلى البصرة، و عرّضت اثنى عشر ألفاً من الناس للقتل، فهل تستحقّ الجنّة و مجاورة رسول الله و النوم معه؟ و تلك هي عائشة التي لم تتب من عملها، و كانت تتحسّر حتى آخر عمرها على وصول الخلافة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و فرحت عند ما سمعت باستشهاده. و تلك هي عائشة التي فعلت مع بضعة الرسول ما فعلت، و سُرّت بموتها، و لم تحضر عزاءها متمارضة كما نطق بذلك التأريخ الصحيح. و تلك هي عائشة التي شوّشت تأريخ الإسلام و قلبته، فهل تدخل الجنّة يوم القيامة؟ و تتّكي مع رسول الله على سرير واحد؟ و تظهر هناك عداوتها للزهراء أيضاً، و تقول: أنا حبيبة رسول الله، لا آذن للحسن أن يدخل بيت رسول الله كما لا آذن بدفنه عند جدّه في الدنيا؟! و هنا ينبغي لقرّائنا الكرام من أهل السنّة أن يعيدوا النظر في عقائدهم عاجلًا، و لا يشيّدوا الدين القائم على العقل و المنطق على عواطفهم و أوهامهم. و على ضوء عقيدة العامّة و رواياتهم، نزلت آيات الإفك( تهمة الزنا) في عائشة فحسب. أمّا عند الشيعة، فقد نزلت في مارية القبطيّة. و في كلتا الطائفتين من الروايات إشكال ذكره العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله سرّه في تفسير« الميزان» ج ۱۵، ص ۱۰٤ إلى ۱۱٦ عند تفسير آيات الإفك. و هب أنّ آية الإفك نزلت في عائشة. فلا تدلّ على شرف و ميزة لها، بل تدلّ على أنّه لا يجوز للمسلمين أن يقذفوا أحداً بالزنا. و من الثابت أنّ الشيعة ينزّهون ساحة أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله عن مثل هذه الفواحش، سواء كانت عائشة أم غيرها. بل يطهّرون ساحة أزواج الأنبياء جميعهم من لوث الزنا، و إلّا لَتخلخل تبليغ الرسالة، و بطلت دعوة الرسول لِتنفّر الناس و استيائهم منه. و بعبارة اخرى، أنّ آيات الإفك تنفي إثباتاً و ثبوتاً قذف حريم رسول الله بالزنا، سواء كانت عائشة أم مارية. و لا غمز في هذا الموضوع، كما أنّه ليس دليلًا على منقبة و فضيلة. و أنّ آلاف النساء المسلمات لا يزنين، و عائشة واحدة منهنّ. بَيدَ أنّ في القرآن الكريم سورة، و هي سورة التحريم نزلت في ذمّ عائشة و حفصة و انتقادهما، قال تعالى:\i إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ* عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً\E. إلى أن بلغ قوله في الآية التي يشبّه فيها عائشة و حفصة بامرأتي النبيّين نوح و لوط اللتين خانتا زوجيهما فقيل لهما ادخلا جهنّم:\i ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ\E.
      و ورد في تفاسير العامّة و الخاصّة أنّ هذه الآيات نزلت في عائشة و حفصة. و قال الزمخشريّ في تفسير« الكشّاف» ج ۲، ص ٤۷۱، الطبعة الاولى، طبعة المطبعة الشرفيّة، في ذيل الآية:\i إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما\E: خطاب لحفصة و عائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما. و عن ابن عبّاس: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عنهما حتى حجّ و حججتُ معه. فلمّا كان ببعض الطريق، عدل و عدلت معه بالإداوة. فسكبتُ الماء على يده، فتوضّأ. فقلتُ: من هما؟ فقال: عجباً يا ابن عبّاس- كأنّه كره ما سألتُه عنه- ثمّ قال: هما حفصة، و عائشة- انتهى.

معرفة الإمام ج۱۲

53
  • و اجتهاد، و عزوف عن الدنيا، و إقبال على امور الآخرة، و هم كانوا قرّاء أهل العراق و زهّادهم. و أمّا معاوية فكان فاسقاً، مشهوراً بقلّة الدين، و الانحراف عن الإسلام. و كذلك ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص، و من اتّبعهما من طَغام أهل الشام و أجلافهم و جهّال الأعراب. فلم يكن أمرهم خافياً في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم، بخلاف حال من تقدّم ذكره.

معرفة الإمام ج۱۲

54
  • فإن قيل: و من هذا الرجل الموعود به الذي قال عليه السلام عنه: بأبي ابْنُ خِيَرَةِ الإمَاءِ؟ قيل: أمّا الإماميّة فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر، و أنّه ابن أمَة اسمها نَرْجِس.

  • الإخبار بقيام إمام العصر و الزمان عليه السلام و انقراض بني اميّة

  • و أمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطميّ يولد في مستقبل الزمان، لُامّ ولد (الأمَة التي تنجب بعد مواقعة مولاها إيّاها). و ليس بموجود الآن.

  • فإن قيل: فمن يكون من بني اميّة في ذلك الوقت موجوداً، حتى يقول عليه السلام في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم، حتى يودّوا لو أنّ عليّاً عليه السلام كان المتولّي لأمرهم عوضاً عنه؟ قيل: أمّا الإماميّة فيقولون بالرجعة، و يزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني اميّة و غيرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، و أنّه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم، و يسمل عيون بعضهم، و يصلب قوماً آخرين، و ينتقم من أعداء آل محمّد المتقدّمين و المتأخّرين.

  • و أمّا أصحابنا فيزعمون أنّه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلًا من ولد فاطمة عليها السلام ليس موجوداً الآن، و أنّه يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جوراً و ظلماً، و ينتقم من الظالمين، و ينكّل بهم أشدّ النكال، و أنّه لُامّ وَلَد كما قد ورد في هذا الأثر و في غيره من الآثار، و أنّ اسمه محمّد كاسم رسول الله صلى الله عليه و آله، و أنّه إنّما يظهر بعد أن يستولي على

معرفة الإمام ج۱۲

55
  • كثير من الإسلام ملك من أعقاب بني اميّة، و هو السفيانيّ الموعود به في الخبر الصحيح.

  • و هو من ولد أبي سفيان بن حرب بن اميّة، و أنّ الإمام الفاطميّ يقتله و يقتل أشياعه من بني اميّة و غيرهم. و حينئذٍ ينزل المسيح عليه السلام من السماء، و تبدو أشراط الساعة، و تظهر دابّة الأرض، و يبطل التكليف، و يتحقّق قيام الأجساد عند نفخ الصور، كما نطق به الكتاب العزيز.

  • فإن قيل: فإنّكم قلتم فيما تقدّم: إنّ الوعد إنّما هو بالسفّاح و بعمّه عبد الله بن عليّ، و المسوّدة، و ما قلتموه الآن مخالف لذلك. قيل: إنّ ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضيّ رحمه الله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة». و هذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضيّ، و هي قوله: بِأبِي ابْنُ خَيرَةِ الإمَاءِ. و قوله: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. فلا مناقضة بين التفسيرين.۱

  • نقلنا هذا الشرح كلّه عن ابن أبي الحديد في شرحه، لأنّه وثيقة قويّة و معتبرة- من حيث السند- لمعجزات أمير المؤمنين عليه السلام و إخباره بالغيب، و إن كان ابن أبي الحديد عامّيّ المذهب، معتزليّ الاصول، شافعيّ الفروع، بَيدَ أنّ له مقاماً شامخاً حقّاً من حيث سعة الاطّلاع، و القدرة الأدبيّة، و التمكّن من العربيّة و الشعر و العلم، و الإلمام بالتأريخ و الكلام و الجدل، و حبّ أمير المؤمنين عليه السلام و عرفانه عرفاناً يفوق الوصف. اللّهُمَّ احْشُرْهُ مَعَ مَنْ يَتَولَّاهُ وَ يُحِبُّهُ، وَ أبْعِدْهُ مِمَّنْ يَتَبَرَّا مِنْهُ وَ يُبْغِضُهُ!

  • و ذكر المجلسيّ رضوان الله عليه في كتابه الشريف «بحار الأنوار» في

    1. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ۲، ص ۱۷٤ إلى ۱۷٩، طبعة بيروت، دار المعرفة؛ و طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة: ج ۷، ص ٤٤ إلى ٦۰.

معرفة الإمام ج۱۲

56
  • «باب معجزات كلامه من إخباره بالغائبات و علمه باللغات» هذه التفاصيل كلّها نقلًا عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، مع إضافاته حتى بداية قوله: إن قَلتَ، قلتُ، لفظاً بلفظ.۱

  • كلام العلّامة الخوئيّ في الرواية الماضية

  • و قال العلّامة الميرزا حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ في شرحه على «نهج البلاغة» بعد نقله شرح ابن أبي الحديد برمّته: قال شرّاح «نهج البلاغة»: هذه الفقرات ثُمّ يُفَرِّجُ اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً إشارة إلى انقراض دولة بني اميّة بظهور بني العبّاس، كما هو مذكور في كتب السير و التواريخ. و لكنّ الأظهر بملاحظة الزيادات الآتية في رواية سُليم بن قيس الهلاليّ، و إبراهيم الثقفيّ في كتاب «الغارات»- و لم يذكرها السيّد الرضيّ، و لا ابن أبي الحديد- أنّها إشارة إلى ظهور السلطنة الإلهيّة و الدولة القائميّة. و على هذا يكون قول أمير المؤمنين عليه السلام: يَسُومُهُمْ خَسْفَاً إشارة إلى خسف الأرض بجيش السفيانيّ في البيداء، كما هو مرويّ في أخبار الرجعة.

  • و على الاستظهار، يكون كلام أمير المؤمنين عليه السلام: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأقبَلَ مِنْهُمْ مَا أطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي، الذي فسّره ابن أبي الحديد بكلام مروان بن محمّد يوم الزاب حين رأى جيش عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، إشارة إلى ظهور الإمام المهديّ، و التمنّي الذي يتحقّق عند قيامه.

  • ثمّ ذكر العلّامة الخوئيّ تحت عنوان: تكملة، هذه الخطبة مع جميع إضافاتها عن العلّامة المجلسيّ، عن كتاب «الغارات» لإبراهيم بن محمّد

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲ إلى ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

57
  • الثقفيّ. و له بيان عن «بحار الأنوار» أيضاً، عن كتاب سليم بن قيس الهلاليّ.۱ و من الواضح في هاتين الروايتين أنّ المراد من القائم على الظالمين و بني اميّة هو السيّد الفاطميّ ابن الأمَة، و هو نفسه المقصود في كلتا الفقرتين، لا أنّه السفّاح في موضع، و القائم عليه السلام في موضع آخر.

  • و جاء في رواية إبراهيم الثقفيّ و سُليم أيضاً أنّ أهل صفّين ذكروا مع أهل الجمل، و أهل النهروان: وَ لَوْ لَمْ أكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أصْحَابُ الجَمَلِ وَ لَا أهْلُ صِفِّينٍ وَ لَا أهْلُ النَّهْروَانِ.۲ ثُمّ قال الخوئيّ في التعليقة و هو يوضّح معنى الزاب: الزاب نهر بالموصل. و روى الشارح المعتزليّ ابن أبي الحديد في شرح الخطبة المائة و الرابعة أنّه لمّا نزل مروان بالزاب، جرّد من رجاله ممّن اختاره من أهل الشام، و الجزيرة، و غيرها مائة ألف فارس على مائة ألف فارح، ثمّ نظر إليهم و قال: إنَّها العُدَّةُ وَ لَا تَنْفَعُ العُدَّةُ إذَا انْقَضَتِ المُدَّةُ.

  • و لمّا أشرف عبد الله بن عليّ يوم الزاب في المسوّدة، و في أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت، أقبل مروان على رجل بجنبه و قال: أ لا تعرّفني من صاحب جيشهم؟ فقال: عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب. قال مروان: وَيْحَكَ! من ولد العبّاس هو؟! قال: نعم! قال: وَ اللهِ لَوَدَدْتُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ مَكَانَهُ في هَذَا الصَفِّ.

  • قال ذلك الرجل: تقول هذا لعليّ مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها؟!

    1. «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج ۷، ص ٦٩ إلى ٩٦ الطبعة الحديثة و استظهاره في ص ٩۱. و وردت كلمة أهل صفّين في ص ٩۳.
    2. «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج ۷، ص ٦٩ إلى ٩٦ الطبعة الحديثة و استظهاره في ص ٩۱. و وردت كلمة أهل صفّين في ص ٩۳.

معرفة الإمام ج۱۲

58
  • قال مروان: وَيْحَكَ! إنَّ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ شَجَاعَتِهِ صَاحِبُ دِينٍ، وَ الدِّينُ غَيْرُ المُلْكِ.۱

  • إخبار الإمام عليه السلام بعدم هلاك الخوارج

  • و من الامور الغيبيّة التي أخبر بها أمير المؤمنين عليه السلام خبر يرتبط ببقاء الخوارج، و عدم هلاكهم جميعهم.

  • جاء في «نهج البلاغة»: لمّا قُتِل الخوارج، قيل له: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلَكَ القَوْمُ بِأجْمَعِهِمْ. فَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: كَلَّا! وَ اللهِ إنَّهُمْ نُطَفٌ في أصْلَابِ الرِّجَالِ وَ قَرارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ، قُطِعَ حتى يَكُونَ آخرُهُمْ لَصُوصاً سَلَّابِينَ.

  • (أي: يبلغ الخوارج من الوضاعة حدّاً أنّهم لا ينهضون من أجل الحكومة و الرئاسة و لا يستندون إلى مذهب، و لا يدعون إلى عقيدة، شأنهم شأن اللصوص و الأشرار و قطّاع الطرق).

  • و قال عليه السلام فيهم: لَا تَقْتُلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي! فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقَّ فَأخْطَأهُ كَمَنْ طَلَبَ البَاطِلَ فَأدْرَكَهُ. (يعني معاوية و أصحابه).۲

  • و قال ابن أبي الحديد بعد أن ذكر أشخاصاً كثيرين من الخوارج ولدوا بعد أمير المؤمنين عليه السلام، و لم يسلكوا طريق أسلافهم، بل كان همّهم إخافة السبيل و الفساد في الأرض، و اكتساب الأموال من غير حلّها؛ و من المشهورين برأي الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنّهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء: عكرمة مولى

    1. «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج ۷، ص ٩۲.
    2. «نهج البلاغة» الخطبة ۵٩، ص ۱۰۷ و ۱۰۸، طبعة مصر مع تعليقة محمّد عبده.

معرفة الإمام ج۱۲

59
  • ابن عبّاس، و مالك بن أنَس الأصبَحي الفقيه.۱ يروي عنه أنّه كان يذكر عليّاً عليه السلام و عثمان و طلحة، و الزبير، فيقول: و الله ما اقتتلوا إلّا على الثريد الأعفَر.۲

  • و نُسب أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد إلى رأي الخوارج أيضاً لإطنابه في كتابه المعروف ب- «الكامل» في ذكرهم و ظهور الميل منه إليهم.۳

  • و قال ابن أبي الحديد في شرح كلام الامام: لا تقتلوا الخوارج بعدي :

    1. ذكرنا ترجمة عكرمة مولى عبد الله بن عبّاس في الجزء الثالث من كتابنا هذا عند شرح آية التطهير، في الدرس ٤۰ إلى ٤۵. و علمنا أنّه كان يرى رأي الخوارج. و ذهب صاحب« تنقيح المقال» إلى هذا الرأى أيضاً في كتابه المذكور: ج ۲، ص ۲۵٦. و أمّا مالك بن أنس الأصبحي صاحب كتاب« المُوَطّأ» و أحد أئمّة العامّة الأربعة، فلم يلاحظ في كتاب ما أنّه خارجيّ. و له ترجمة في« روضات الجنّات» ص ۵۸۳، الطبعة الحجريّة، عدّه مؤلّف الكتاب فيها أوّل من ابتدع العمل بالرأي و القياس. ولد سنة ٩۵ ه- و مات سنة ۱۷٩ ه- و له من العمر ۸٤ سنة. و كان يعيش في عصر الإمام الصادق عليه السلام. و أخذ منه الرواية و العلم. و كما
      ذكر العلّامة المجلسيّ في« بحار الأنوار» عن أبي نعيم، فإنّ مالك بن أنس، و شعبة بن الحجّاج، و سفيان الثوريّ من الأئمّة الذين أخذوا العلم من الإمام. و قال غير أبي نعيم: إنّ مالكاً، و الشافعيّ، و الحسن بن صالح، و أبا أيّوب السجستانيّ، و عمر بن دينار، و أحمد بن حنبل أخذوا العلم منه عليه السلام. و قال مالك بن أنس: مَا رَأتْ عَيْنٌ وَ لَا سَمِعَتْ اذُنٌ وَ لَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ أفْضَلَ مِنْ جَعْفَرٍ الصَّادِق عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضْلًا وَ عِلْمَاً وَ عِبَادَةً وَ وَرَعَاً، إلى آخر ما ذكره في أفضليّة الإمام صلوات الله عليه.
    2. جاء في الشرح المطبوع بمصر في عشرين جزءاً و المحقَّق من قبل محمّد أبو الفضل إبراهيم: الأعفر بالعين المهملة. و الأعفر نوع من الظباء و هو من أبطأها عدواً. و لكن في الشرح المطبوع ببيروت في أربعة أجزاء: الأغفر بالغين المعجمة. و لمّا كان الغَفْر و الغُفر هو وعل الجبل الذي له قرنان منحنيان، و يقال للعِجل: غفر أيضاً، فإنّ معناه هو أنّهم حاربوا من أجل الثريد الذي فيه لحم الوعل أو العجل.
    3. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ۱، ص ٤٤٦ و ٤٤۷، طبعة بيروت، دار المعرفة؛ و طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة: ج ۵، ص ۷٦ و ۷۷.

معرفة الإمام ج۱۲

60
  • مراده أنّ الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم. و كانوا يطلبون الحقّ؛ و لهم في الجملة تمسّك بالدين، و محاماة عن عقيدة اعتقدوها، و إن أخطأوا فيها. و أمّا معاوية فلم يكن يطلب الحقّ. و إنّما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة. و أحواله كانت تدلّ على ذلك، فإنّه لم يكن من أرباب الدين، و لا ظهر عنه نُسُك، و لا صلاح حال. و كان مترفاً يُذهب مال الفيء في مآربه، و تمهيد ملكه، و يصانع به عن سلطانه. و كانت أحواله كلّها

  • مؤذنة بانسلاخه عن العدالة، و إصراره على الباطل. و إذا كان كذلك، لم يَجُز أنّ ينصُر المسلمون سلطانه، و تحارب الخوارج عليه و إن كانوا أهل ضلال، لأنّهم أحسن حالًا منه.

  • فإنّهم كانوا ينهون عن المنكر، و يرون الخروج على أئمّة الجور واجباً. و عند أصحابنا أنّ الخروج على أئمّة الجور واجب. و عند أصحابنا أيضاً أنّ الفاسق المتغلّب بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على من يخرج عليه ممّن ينتمي إلى الدين، و يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر بل يجب أن يُنصر الخارجون عليه، و إن كانوا ضالّين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينيّة دخلت عليهم، لأنّهم أعدل منه، و أقرب إلى الحقّ، و لا ريب في تلزّم الخوارج بالدين، كما لا ريب في أنّ معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك.۱

  • لا يصّح ما ذكره ابن أبي الحديد من تقديم الخوارج على الفاسق المتغلّب إلّا إذا كانت الشبهة العارضة للخوارج ترتبط بالمسائل الفرعيّة. و أمّا في المسائل الاصوليّة كالتوحيد، و المعاد، و الإمامة و الولاية، فلا ريب في أنّ المؤمن بالله و المعاد، و الرسالة، و الولاية مقدّم على الخوارج، و إن

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۵، ص ۷۸ و ۷٩، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.

معرفة الإمام ج۱۲

61
  • ظهر منه فسق، و لا يمكن نصر الخوارج عليه. و أمّا معاوية فقد كان أمير المؤمنين يرى عليه السلام قتاله واجباً بعده، لا قتال الخوارج، فلأنّ معاوية لم يكن له دين، و لم يعتقد بالله، و المعاد، و الإسلام. و ما آمن إلّا مكرهاً في فتح مكّة، و كان يُحسَبُ من المنافقين حقّاً.

  • ،،، و من أخبار الإمام الغيبيّة، خبره في مروان بن الحكم. فقد جاء في «نهج البلاغة»: اخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فاستشفع الحسن و الحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فكلّماه فيه فخلّى سبيله.

  • و على هذا فمروان بن الحكم طليق الإمام. و في ضوء ذلك لم يكن أولاد أبي سفيان وحدهم أبناء الطلقاء، بل كان بنو مروان كافّة أبناء الطلقاء أيضاً. فاولئك طلقاء النبيّ، و هولاء طلقاء الوصيّ.

  • فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين.

  • قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: أ وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ۱ قَتْلِ عُثمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ، إنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ. لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ. أمَا إنَّ لَهُ إمْرَةً كَلَعْقَةِ الكَلْبِ أنْفَهُ. وَ هُوَ أبُو الأكْبُشِ الأرْبَعَةِ، وَ سَتَلْقَى الامَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أحْمَرَ.۲

    1. قال محمّد عبده في التعليقة: جاء في نسخة: قبل قتل عثمان.
    2. الخطبة ۷۱. و من« نهج البلاغة» طبعة مصر بتعليقة عبده، ج ۱، ص ۱۲۳ و ۱۲٤. و في عبارة عبده: لَغَدَرَ بِسَبْتِهِ. و فسّرها بالإست. و لكنّ ابن أبي الحديد ذكرها في شرحه الذي حقّقه محمّد أبو الفضل إبراهيم كالآتي: بِسُبَّتِهِ. و من الواضح أنّ معناها الإست. فالمعنى واحد في كلتا الصورتين. و لمّا كان الإنسان يصرّ كثيراً على إخفاء إسته( حلقة دبره)، فإنّ الإمام استعمل هذه الكلمة كناية عن غدر مروان و مكره الخفيّ تحقيراً له، إذ حتى لو بايع بيده علناً، فإنّ كفّه يهوديّة. و هو يخفى غدره و مكره.

معرفة الإمام ج۱۲

62
  • قال ابن أبي الحديد: قد روى هذا الخبر من طرق كثيرة، و رويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب «نهج البلاغة»، و هي قوله عليه السلام في مروان: يَحْمِلُ رَايَةُ ضَلَالَةٍ بَعْدَ مَا يَشِيبُ صُدْغَاهُ. وَ إنَّ لَهُ إمْرَةً ... إلى آخر الكلام.

  • ثمّ قال: و الأكْبُش الأربعة بنو عبد الملك: الوليد، و سليمان، و يزيد، و هشام ... و لم يل الخلافة من بني اميّة و لا من غيرهم أربعة إخوة إلّا هؤلاء؛ و كلّ الناس فسّروا الأكبش الأربعة بما ذكرناه. و عندي أنّه يجوز أن يعني به بني مروان لصُلبه، و هم: عبد الملك، و عبد العزيز، و بِشر، و محمّد، و كانوا كباشاً أبطالًا أنجاداً. أمّا عبد الملك فولي الخلافة. و أمّا بشر فولي العراق. و أمّا محمّد فولي الجزيرة. و أمّا عبد العزيز فولي مصر. و لكلّ منهم آثار مشهورة. و هذا التفسير أولى، لأنّ الوليد و إخوته أبناء ابنه، و هؤلاء بنوه لصُلبه.

  • و يقال لليوم الشديد يوم أحمر. و للسنة ذات الجدب: سنة حمراء. و كلّ ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام وقع كما أخبر به. كذلك قوله: يَحْمِلُ رَايَةَ ضَلَالَةٍ بَعْدَ مَا يَشِيبُ صُدْغَاهُ. فإنّه ولى الخلافة و هو ابن خمس و ستّين في أعدل الروايات.۱

  • و ذكر المجلسيّ هذه الخطبة في «بحار الأنوار»، في باب إخبار الإمام بالمغيّبات و علمه باللغات، مع كلا التفسيرين المتعلّقين ببني

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ٦، ص ۱٤٦ إلى ۱٤۸، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

63
  • مروان لصُلبه، أو بني عبد الملك لصُلبه.۱

  • إخبار الإمام عليه السلام بحكومة معاوية في الشام

  • و من جملة إخبار الإمام بالغيب خطبة خطبها في معاوية و زعمه و نعيقه بالشام، و من ثمّ تحرّكه إلى الكوفة على رأس جيش جرّار. و هذه الخطبة في «نهج البلاغة». قال عليه السلام فيها:

  • الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أوَّلٍ، وَ الآخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ. بِأوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أنْ لَا أوَّلَ لَهُ، وَ بِآخِريَّتِهِ وَجَبَ أنْ لَا آخِرَ لَهُ. وَ أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، شَهَادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلَانَ وَ القَلْبُ اللِّسَانَ. أيُّهَا النَّاسُ! لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي، وَ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي، وَ لَا تَتَرَامُوا بِالأبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْتَمِعُونَهُ مِنِّي. فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَ بَرَأ النَّسَمَةَ، إنَّ الذي انَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ. مَا كَذَبَ المُبَلِّغُ (رسول الله) وَ لَا جَهِلَ السَّامِعُ (و هو أنا).

  • وَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى ظِلِّيلٍ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ في ضَوَاحِي كُوفَانَ. فَإذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَ اشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَ ثَقُلَتْ في الأرْضِ وَطْأتُهُ. عَضَّتِ الفِتْنَةُ أبْنَاءَهَا بِأنْيَابِهَا، وَ مَاجَتِ الحَرْبُ بِأمْوَاجِهَا، وَ بَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا، وَ بَدَا مِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا.

  • فَإذَا أيْنَعَ زَرْعُهُ، وَ قَامَ عَلَى يَنْعِهِ، وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ، وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ، عَقَدَتْ رَايَاتُ الفِتَنِ المُعْضِلَةِ وَ أقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ وَ البَحْرِ المُلْتَطِمِ. هَذَا وَ كَمْ يَخْرِقُ الكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ، وَ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ. وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ القُرُونُ بِالقُرُونِ، وَ يُحْصَدُ القَائِمُ، وَ يُحْطَمُ المَحْصُودُ.۲

  • قال المجلسيّ رضوان الله عليه: قيل: المراد بالضلّيل معاوية. و قيل أيضاً: السُّفيانيّ و قال ابن أبي الحديد: المراد عبد الملك بن مروان، لأنّ

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ.
    2. «نهج البلاغة» الخطبة ٩٩، ج ۱، ص ۱٩٤ و ۱٩۵، تعليق محمّد عبده، طبعة مصر.

معرفة الإمام ج۱۲

64
  • هذه الصفات كانت فيه أتمّ منها في غيره، لأنّه أقام بالشام حين دعا إلى نفسه، و هو معنى نعيقه. و فحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق، و قتل مصعباً. و تارة لمّا استخلف الامراء على الكوفة، كأخيه بشر بن مروان و غيره، حتى انتهى الأمر إلى الحجّاج، و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل وطأته.

  • و حينئذٍ صعب الأمر جدّاً، و أقبلت الفتن واحدة تلو الاخرى. إذ اصطدم بالخوارج، و حارب عبد الرحمن بن الأشعث. و لمّا كمل أمر عبد الملك، هلك. و عقدت رايات الفتن المعضلة بعده كحروب أولاده مع بني المهلّب، و مع زيد بن عليّ عليه السلام. و مثل الفتن الواقعة بالكوفة أيّام يوسف بن عمر، و خالد القسريّ، و عمر بن هُبَيرة، و غيرهم. و ما حدث في عهدهم من ضروب الفساد و الظلم، و ذهاب النفوس، و تضييع الأموال.۱

  • و قد قيل: إنّ الإمام كنّى عن معاوية و ما حدث في أيّامه من الفتن، و ما حدث بعده من فتنة يزيد، و عبيد الله بن زياد، و واقعة الحسين عليه السلام. و الأوّل أرجح، لأنّ معاوية في أيّام أمير المؤمنين عليه السلام كان قد نعق بالشام، و دعاهم إلى نفسه. و الكلام يدلّ على إنسان ينعق فيما بعد. أ لا تراه يقول: لَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعِقَ بِالشَّامِ.۲

  • و قال المجلسيّ بعد أن فسّر كلمات هذه الخطبة: سيأتي كثير من الأخبار في كتاب «الفتن» للبُرْسيّ، من كتاب «مشارق أنوار اليقين».

  • إخبار الإمام عليه السلام بجلب جنازة من اليمن

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۵، طبعة الكمبانيّ.
    2. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ۷، ص ٩٩ و ۱۰۰، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

65
  • و روى عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يوماً جالساً في نجف الكوفة، فقال لمن حوله: مَنْ يَرَى مَا أرى؟ فقالوا: وَ مَا تَرَى يَا عَيْنَ اللهِ النَّاظِرَةَ في عِبَادِهِ؟

  • فقال عليه السلام: أرى بعيراً يحمل جنازة و رجلًا يسوقه و رجلًا يقوده، و سيأتيكم بعد ثلاثة أيّام. فلمّا كان اليوم الثالث، قدم البعير و الجنازة مشدودة عليه، و رجلان معه. فسلّما على الإمام و على الجماعة. فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن حيّاهم: مَن أنتم؟ و مِن أين أقبلتم؟ و مَن هذه الجنازة؟! و لما ذا قدمتم؟!

  • فقالوا: نحن من اليمن. و أمّا الميّت فأبونا. و إنّه عند الموت أوصى إلينا فقال: إذا غسّلتموني و كفّنتموني و صلّيتم عَلَيّ، فاحملوني على بعيري هذا إلى العراق فادفنوني هناك بنجف الكوفة!

  • فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام: هل سألتماه لما ذا؟ فقالا: أجل قد سألناه، فقال: يُدْفَنُ هُنَاكَ رَجُلٌ لَوْ شَفَعَ في يَوْمِ القِيَامَةِ لأهْلِ المَوْقِفِ لَشُفِّعَ. فقام أمير المؤمنين عليه السلام و قال: صَدَق؛ أنَا وَ اللهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ.۱

  • إخبار الإمام عليه السلام بفتنة صاحب الزنج

  • و من الأخبار الغيبيّة للإمام عليه السلام خبر يتعلّق بصاحب الزنج الذي عبّأ جيشاً نحو البصرة، و قتل الناس، و دمّر الدور. و منها خبر في وصف الأتراك الذين ارتكبوا مذابح جماعيّة بحقّ الناس.

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۵، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

66
  • أمّا صاحب الزنج، فقد قال عليه السلام في «نهج البلاغة» ضمن وصف الملاحم و الوقائع التي تحدث في البصرة: يَا أحْنَفُ، كَأنِّي بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالجَيْشِ الذي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، وَ لَا لَجَبٌ، وَ لَا قَعقَعَةُ لُجُمٍ، وَ لَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ، يُثِيرُونَ الأرْضَ بِأقْدَامِهِمْ كَأنّها أقْدَامُ النَّعَامِ (يُومِئُ بِذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ. ثُمَّ قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ:)

  • وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ العَامِرَةِ وَ الدُّورِ المُزَخْرَفَةِ التي لَهَا أجْنِحَةٌ كَأجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَ خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الفِيلَةِ، مِنْ اولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَ لَا يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ. أنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَ قَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَ نَاظِرُهَا

  • بِعَيْنِهَا.۱

  • قال المجلسيّ: قوله عليه السلام: «يثيرون الأرض»؛ لأنّ أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل. و قيل: كناية عن شدّة وطئهم الأرض ليلائم قوله: «لا يكون له غبار».

  • و أمّا قوله عليه السلام: «كأنّها أقدام النعام»؛ لمّا كانت أقدام الزنج في الأغلب قصاراً عراضاً منتشرة الصدر مفرّجات الأصابع، فأشبهت أقدام النعام. و أجنحة الدور التي شبّهها بأجنحة النسور رواشنها و ما يعمل من الأخشاب و البواري بازرة عن السقوف لوقاية الحيطان و غيرها من الأمطار و شعاع الشمس. و خراطيمها ميازيبها التي تطلى بالقار تكون نحواً من خمسة أذرع (مترين و نصف تقريباً) تدلى من السطوح حفظاً للحيطان. و أمّا قوله عليه السلام: «لا يُندب قتيلهم»؛ فقيل: إنّه وصف لهم بشدّة البأس و الحرص على القتال، و قيل: لأنّهم كانوا عبيداً غرباء لم يكن لهم أهل و ولد و عشيرة. و قيل: «لا يفتقد غائبهم»، وصف لهم بالكثرة، و إنّهم

    1. «نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲٤٤ و ۲٤۵، الخطبة ۱۲٦، طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده. و ذكر ابن شهرآشوب القسم الأوّل من الخطبة في« المناقب» ج ۱، ص ٤۲٩، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

67
  • إذا قتل منهم قتيل، سدّ مسدّه غيره.۱

  • و تحدّث ابن أبي الحديد بالتفصيل عن تاريخ صاحب الزنج و ظهوره و هزيمته.۲ قال: فأمّا صاحب الزنج هذا فإنّه ظهر في فرات البصرة سنة خمس و خمسين و مأتين رجل زعم أنّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى ابن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فتبعه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ في البصرة. و أكثر الناس يقدحون في نسبه و خصوصاً الطالبيّين (أبناء أبي طالب سواء كانوا فاطميّين أم سائر العلويّين و غير العلويّين) ... و جمهور النسّابين اتّفقوا على أنّه من عبد القيس، و أنّه عليّ بن محمّد بن عبد الرحيم، و امّه أسديّة من أسد بن خزيمة، جدّها محمّد بن حكيم الأسديّ من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام على هشام بن عبد الملك. فلمّا قتل زيد، هرب فلحق بالري، و جاء إلى القرية التي يقال لها و رزنين، فأقام بها مدّة. و بهذه القرية ولد عليّ بن محمّد صاحب الزنج، و بها منشؤه. و كان أبو أبيه المسمّى عبد الرحيم رجلًا من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، فقدم العراق، و اشترى جارية سنديّة، فأولدها محمّداً أباه.

  • إلى أن قال: و قد ذكر المسعوديّ في كتابه المسمّى «مروج الذهب» أنّ أفعال عليّ بن محمّد صاحب الزنج تدلّ على أنّه لم يكن طالبيّاً، و تصدّق ما رُمي به من دعوته في النسب. لأنّ ظاهر حاله كان ذهابه مذهب الأزارقة (فرقة من فرق الخوارج) في قتل النساء، و الأطفال،

  • و ذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ أنّ عليّ بن محمّد شخص

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۰ و ۵٩۱، طبعة الكمبانيّ.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱۲۵ إلى ۲۱٤، طبعة دار الإحياء و تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

معرفة الإمام ج۱۲

68
  • و الشيخ الفاني، و المريض. و قد روى أنّه خطب مرّة، فقال في أوّل خطبته: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ. و كان يرى الذنوب كلّها شركاً. و من الناس من يطعن في دينه و يرميه بالزندقة و الإلحاد، و هذا هو الظاهر من أمره، لأنّه كان متشاغلًا في بدايته بالتنجيم و السحر و الأصْطُرْلَاب.۱

  • من سامرّاء، و كان يعلّم الصبيان بها، و يمدح الكتاب، و يستميح الناس في سنة تسع و أربعين و مائتين إلى البحرين، فادّعى بها أنّه عليّ بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و دعا الناس بهَجَر إلى طاعته.۲

  • إلى أن قال: و ذكر عنه أنّه عند مصيره إلى البادية، أوهم أهلها أنّه يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.۳

  • إلى أن قال: ثمّ صار إلى بغداد، فأقام بها سنة، و انتسب في هذه السنة إلى محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد.٤

  • إلى أن قال: و انتسب صاحب الزنج في هذه الأيّام إلى محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين، بعد انتسابه الذي كان إلى أحمد بن عيسى بن زيد. و ذلك لأنّه بعد إخرابه البصرة، جاء إليه جماعة من

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱۲٦ إلى ۱۲٩.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱۲٩، طبعة دار الإحياء.
    3. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱۳۰، طبعة دار الإحياء.
    4. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱۳۳، طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

69
  • العلويّة الذين كانوا بالبصرة، و أتاه فيمن أتاه منهم قوم من ولد أحمد بن عيسى بن زيد. فلمّا خافهم ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، و انتسب إلى محمّد بن زيد.۱ ثمّ انتقل إلى يحيى بن زيد، و هو كاذب لأنّ الإجماع واقع على أنّ يحيى بن زيد مات و لم يعقب، و لم يولد له إلّا بنت واحدة ماتت، و هي ترضع.۲

  • إلى أن قال ابن أبي الحديد: ذكر عليّ بن الحسين المسعوديّ في «مروج الذهب» أنّ هذه الوقعة بالبصرة، هلك فيها من أهلها ثلاثمائة ألف إنسان. و أنّ عليّ بن أبان المهلّبيّ بعد فراغه من الوقعة، نصب منبراً في الموضع المعروف ببني يشكُر، صلى فيه يوم الجمعة، و خطب لعليّ بن محمّد صاحب الزنج، و ترحّم بعد ذلك على أبي بكر، و عمر، و لم يذكر عثمان و لا عليّاً عليه السلام في خطبته. و لعن أبا موسى الأشعريّ، و عمرو ابن العاص، و معاوية ابن أبي سفيان. قال المسعوديّ: و هذا يؤكّد ما ذكرناه و حكيناه من رأيه، و إنّه كان يذهب إلى قول الأزارقة.۳

  • إخبار الإمام عليه السلام بغارة التتر و جنكيزخان

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱٤۸، طبعة دار الإحياء.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱٤٩، طبعة دار الإحياء.
    3. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۱٤٩ و ۱۵۰، طبعة دار الإحياء.
      و ذكر الزركليّ في« الأعلام» ج ۵، ص ۱٤۰ و ۱٤۱ ترجمته، فقال: صاحب الزنج المقتول سنة ۲۷۰ ه-: عليّ بن محمّد الورزنينيّ العلويّ الملقّب بصاحب الزنج، من كبار أصحاب الفتن في العهد العبّاسيّ، و فتنته معروفة بفتنة الزنج، لأنّ أكثر أنصاره منهم. ولد و نشأ في ورزنين، إحدى قرى الري. و ظهر في أيّام المهتديّ العبّاسيّ سنة ۲۵۵ ه-. و كان يرى رأي الأزارقة. و التفّ حوله سودان أهل البصرة و رعاعها. فامتلكها، و استولى على الأبلة، و تتابعت لقتاله الجيوش. فكان يَظهرُ و يشتّتها. و نزل البطائح، و امتلك الأهواز، و أغار على واسط، و بلغ عدد جيشه ثمانمائة ألف مقاتل. و جعل مقامه في قصر اتّخذه بالمختاره. و عجز عن قتاله الخلفاء حتى ظفر به الموفّق بالله، فقتله، و بعث برأسه إلى بغداد. قال المرزبانيّ: تروي له أشعار كثيرة في البسالة و الفتك كان يقولها و ينحلها غيره. و في نسبه طعن و خلاف.
      و قال في هامش كتابه المذكور: سمّاه ابن خلدون في تاريخه ج ٤، ص ۱۸: عليّ بن عبد الرحيم. و قال هو من بني عبد القيس، من قرية دريفن من قرى الري. سار إلى البحرين سنة ۲٤٩ ه- فادّعى أنّه علويّ و اتّبعه كثير من أهل هَجَر، ثمّ تفرّقوا عنه، و لحق بالبصرة، فكان منه ما كان.
      و قال الشيخ عبده في هامش الخطبة ۱۰۰ من« نهج البلاغة»، طبعة مصر، ص ۱٩٦: صاحب الزنج عليّ بن عبد الرحيم من بني القيس، ادّعى أنّه علويّ ... إلى آخر كلامه.

معرفة الإمام ج۱۲

70
  • و أمّا جيش الأتراك المقصود به جيش جنكيز خان التتريّ، فقد قال في «نهج البلاغة» بعد كلامه السابق: كَأنِّي أرَاهُمْ قَوْماً كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطَرَّقَةُ، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَ الدِّيبَاجَ، وَ يَعْتَقِبُونَ الخَيْلَ العِتَاقَ. وَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حتى يَمْشِيَ المَجْرُوحُ عَلَى المَقْتُولِ، وَ يَكُونَ المُفْلِتُ أقَلَّ مِنَ المَأسُورِ.

  • (فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أصْحَابِهِ: لَقَدْ اعْطِيتَ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِين عِلْمَ الغَيْبِ! فَضَحِكَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَ قَالَ لِلرَّجُلِ (وَ كَانَ كَلْبِيّاً): يَا أخَا كَلْبٍ! لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَ إنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَ إنَّمَا عِلْمُ الغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ مَا عَدَّدَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» [وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ وَ مَا تَدْرِي نَفسٌ مَا ذَا تَكْسِبُ غَداً وَ مَا تَدْرِي نَفسٌ بِأيّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ]- الآيَةُ.۱ فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا في الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ انْثَى، وَ قَبِيحٍ أوْ جَمِيلٍ، وَ سَخِيّ أوْ بَخِيلٍ، وَ شَقِيّ أوْ سَعِيدٍ، وَ مَنْ يَكُونُ في النَّارِ حَطَباً أوْ في الجِنَانِ لِلنَّبيِّينَ مُرَافِقَاً. فَهَذَا عِلْمُ الغَيْبِ الذي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ. وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ وَ دَعَا لِي بِأنْ

    1. الآية ۳٤، من السورة ۳۱: لقمان.

معرفة الإمام ج۱۲

71
  • يَعِيَهُ صَدْرِي وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي.۱

  • قال المجلسيّ رضوان الله عليه بعد هذا الكلام الذي نقله في باب معجزات كلامه عليه السلام من إخباره بالغائبات: ضحكه عليه السلام إمّا من السرور بما آتاه الله من العلم أو للتعجّب من قول القائل. ثمّ قال: و انطباقها على قصص جنكيز خان و أولاده لا يحتاج إلى بيان.۲

  • و تحدّث ابن أبي الحديد حديثاً وافياً عن فتنة التتر و جنكيز خان في شرحه لهذه الخطبة.۳ و قال في تفرّد الله تعالى بعلم هذه الأشياء الخمسة النازلة في الآية المباركة:

  • روى أنّ إنساناً قال لموسى بن جعفر عليه السلام: إنّي رأيت الليلة في منامي أنّي سألتك: كم بقي من عمري؟ فرفعتَ يدك اليُمنى، و فتحتَ أصابعها في وجهي مشيراً إليّ، فلم أعلم خمس سنين، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيّام! فقال: و لا واحدة منهنّ، بل ذاك إشارة إلى الغيوب الخمسة التي استأثر الله تعالى بها في قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ- الآية.

  • فإن قلتَ: لِمَ ضحك أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قال له الرجل: لقد اوتيتَ علم الغيب. و هل هذا إلّا زهو في النفس، و عُجب بالحال؟

  • قلتُ: قد رُوى أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله ضحك في مناسب هذه الحال، لمّا استسقى فسُقي و أشرف درور المطر. فقام إليه الناس فسألوه أن يسأل الله تعالى أن يحبسه عنهم. فدعا صلى الله عليه و آله،

    1. الخطبة ۱۲۸ من طبعة عبده ج ۱، ص ۲٤۵. و ذكر ابن شهرآشوب أوّلها في مناقبه، ج ۱، ص ٤۲٩.
    2. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۱، طبعة الكمبانيّ.
    3. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۲۱۵ إلى ۲٤۳، طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

72
  • و أشار بيده إلى السحاب، فانجاب حول المدينة كالإكليل، و هو يخطب على المنبر، فضحك حتى بدت نواجذه، و قال: أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ.

  • و سرّ هذا الأمر أنّ النبيّ أو الوليّ إذا حدثت عنده نعمة الله سبحانه، أو عرف الناس و جاهته عند الله، فلا بدّ أن يسرّ بذلك. و قد يحدث الضحك من السرور، و ليس ذلك بمذموم إذا خلا من التَّيه و العُجْب، و كان محض السرور و الابتهاج، و قد قال تعالى في صفة أوليائه: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.۱

  • فإن قلتَ: فإنّ من جملة العلوم الخمسة: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً، و قد أعلم الله تعالى نبيّه بامور يكسبها في غده نحو قوله: ستفتح مكّة، و أعلم نبيُّه وصيَّهُ بما يكسبه في غده، نحو قوله له: سَتُقَاتِلُ بَعْدِيَ النَّاكِثِينَ ...- الخبر.

  • قلتُ: المراد بالآية أنّه لا تدري نفس جميع ما تكسبه في مستقبل زمانها. و ذلك لا ينفي جواز أن يعلم الإنسان بعض ما يكسبه في مستقبل زمانه.۲

  • إخبار الإمام عليه السلام بالفتن التي تقع في آخر الزمان

  • و من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام الجارية مجرى الخطبة: الخطبة المائة من «نهج البلاغة»:

  • وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللهُ فِيهِ الأوَّلِينَ وَ الآخِرِينَ لِنِقاشِ الحِسَابِ وَ جَزَاءِ الأعْمَالِ، خُضُوعاً قِيَاماً، قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ، وَ رَجَفَتْ بِهِمْ الأرْضُ. فَأحْسَنُهُمْ حَالًا مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً.

    1. الآية ۱۷۰، من السورة ۳: آل عمران.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۸، ص ۲۱۷ و ۲۱۸، طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

73
  • و يتعلّق هذا المقدار من كلامه عليه السلام بيوم القيامة.

  • قال المجلسيّ: و بعد هذا، كلامه عليه السلام في فتنة آخر الزمان أو فتنة صاحب الزنج، إذ قال:۱ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، وَ لَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً، يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا، وَ يُجْهِدُهَا رَاكِبُهَا. أهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ في سَبِيلِ اللهِ قَوْمٌ أذِلَّةٌ عِنْدَ المُتَكِبِّرِينَ، في الأرْضِ مَجْهُولُونَ، وَ في السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ.

  • فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللهِ لَا رَهَجَ لَهُ وَ لَا حِسَّ، وَ سَيُبْتَلَى أهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأحْمَرِ وَ الجُوعِ الأغْبَرِ.۲

  • قال ابن أبي الحديد: المراد من الجيش الذي «لا رَهَجَ له و لا حسّ» الجَدْب و الطاعون يصيب أهلها. و «الموت الأحمر» الوباء و «الجوع الأغبر» كناية عن الجوع و المَحْل. و سمّي الموت الأحمر لشدّته، و منه الحديث: كُنَّا إذَا احْمَرَّ البَأسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ. و وصف الجوع بأنّه أغبر، لأنّ الجائع يرى الآفاق كأنّ عليها غبرة و ظلاماً.

  • و فسّر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزنج، و هو بعيد لأنّ جيشه كان ذا حسّ و رهَج، و لأنّه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن، أ لا تراه قال: فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ و لم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام.۳

  • إخبار الإمام عليه السلام بانقراض الأمويّين على أيدي أعدائهم

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۰، طبعة الكمبانيّ.
    2. «نهج البلاغة»، الخطبة ۱۰۰، من طبعة مصر و تعليقة محمّد عبده: ج ۱، ص ۱٩٦ و ۱٩۷.
    3. «شرح نهج البلاغة» ج ۷، ص ۱۰٤، طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

74
  • و من إخباره عليه السلام بالغيب خطبته التي يشكو فيها من بني اميّة، و يَعِد بانقراضهم. و هذه الخطبة في «نهج البلاغة». قال عليه السلام بعد أن بيّن بعثة رسول الله محمّد صلى الله عليه و آله شهيداً و بشيراً و نذيراً:

  • فَالأرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَ أيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَ أيْدِي القَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. ألَا وَ إنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً، وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وَ إنَّ الثَّائِرَ في دِمَائِنَا كَالحَاكِمِ في حَقِّ نَفْسِهِ وَ هُوَ اللهُ الذي لَا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، وَ لَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَاقْسِمُ بِاللهِ يَا بَنِي امَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا في أيْدِي غَيْرِكُمْ وَ في دَارِ عَدُوِّكُمْ- الخطبة.۱

  • قال ابن أبي الحديد في شرحه: قوله عليه السلام: سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ، كأنّه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين عليه السلام و أهله. و كأنّه عليه السلام يشاهد ذلك عياناً، و يخطب عليه و يتكلّم على الخاطر الذي سنح له، و الأمر الذي كان أخبر به.

  • ثمّ أقسم عليه السلام و خاطب بني اميّة و صرّح بذكرهم أنّهم ليعرفنّ الدنيا عن قليل في أيدي غيرهم و في دورهم، و أنّ الملك سينزعه منهم أعداؤهم، و وقع الأمر بموجب إخباره عليه السلام. فإنّ الأمر بقي في أيدي بني اميّة قريباً من تسعين سنة؛ ثمّ عاد إلى البيت الهاشميّ (بني العبّاس)، و انتقم الله تعالى منهم على أيدي أشدّ الناس عداوة لهم.۲

  • إخبار الإمام عليه السلام بحكومة الحجّاج بن يوسف

  • و من إخباره عليه السلام بالغيب كلامه حول ظهور الحجّاج بن يوسف الثقفيّ و انتقامه. فقد قال عليه السلام ضمن خطبة له في «نهج البلاغة»:

  • وَ لَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ ألْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أحَقُّ بِي مِنْكُمْ. قَوْمٌ وَ اللهِ مَيَامِينُ الرَّأي، مَرَاجِيحُ الحِلْمِ، مَقَاوِيلُ بِالحَقِّ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْي، مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَ أوْجَفُوا عَلَى المَحَجَّةِ، فَظَفَرُوا بِالعُقبَى الدَّائِمَةِ وَ الكَرَامَةِ البَارِدَةِ.

  • أمَا وَ اللهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ، الذَّيَّالُ المَيَّالُ، يَأكُلُ

    1. «نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲۰۱، قسم من الخطبة ۱۰۳، طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۷، ص ۱۲۰ و ۱۲۱ طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

75
  • خَضِرَتَكُمْ وَ يُذيِبُ شَحْمَتَكُمْ. إيهٍ أبَا وَ ذَحَةَ.۱ (كأنّ الإمام عليه السلام هنا يرى غلام ثقيف أمامه و يخاطبه).

  • قال الشريف الرضيّ بعد هذه الخطبة: الوذحة: الخنفساء (حشرة سوداء، لها أيدٍ و أقدام طويلة و كبيرة، بطيئة السير جدّاً، و تجمع النجاسة فتصنع منها شكلًا كرويّاً). و هذا القول يومئ به إلى الحجّاج، و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره.

  • قال ابن أبي الحديد في شرحه: إيهٍ: كلمة يستزاد بها من الفعل. تقديره: زد و هات أيضاً ما عندك. و ضدّها إيهاً، أي: كُفّ و أمسك. ثمّ قال: قال السيّد الرضيّ رحمه الله: الوَذَحة الخنفساء. و لم أسمع هذا من شيخ من أهل الآداب. و ما وجدته في كتاب من كتب اللغة. و لا أدري من أين نقل الرضيّ رحمه الله ذلك!

  • ثمّ إنّ المفسّرين بعد [السيّد] الرضيّ رحمه الله قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوهاً، منها: إنّ الحجّاج رأي خنفساء تدبّ إلى مصلّاه، فطردها، فعادت، ثمّ طردها فعادت. فأخذها بيده، و حذف بها، فقرصته قرصاً و رمَتْ يده منه ورماً كان فيه حتفه. قالوا: و ذلك لأنّ الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة التي دخلت في أنفه، فكان هلاكه.

  • و منها: إنّ الحجّاج كان إذا رأى خُنفساء تدبّ قريبة منه، يأمر غلمانه بإبعادها. و يقول: هَذِهِ وَذَحَةٌ مِنْ وَذَحِ الشَّيْطَانِ. تشبيهاً لها بالبعرة. و كان مغرى بهذا القول. و الوَذَح: ما يتعلّق بأذناب الشاة من أبعارها فيجفّ.

    1. «نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲۳۰، قسم من الخطبة ۱۱٤، طبعة مصر، تعليقة محمّد عبده.

معرفة الإمام ج۱۲

76
  • و منها: إنّ الحجّاج قال و قد رأى خنفساوات مجتمعات: وا عجبا لمن يقول: إنّ الله خلق هذه! قيل: فمن خلقها؟ قال: الشيطان. إنّ ربّكم لأعظم شأناً أن يخلق هذه الوَذَح. فنُقل قوله هذا إلى الفقهاء، في عصره، فأكفروه.

  • و منها: إنّه كان مِثْفاراً (فيه داء الابْنَة). و كان يمسك الخنفساء حيّةً ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا: و لا يكون صاحب هذا الداء إلّا شائناً مبغضاً لأهل البيت. قالوا: و لسنا نقول: كلّ مبغض فيه هذا الداء، و إنّما قلنا: كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض.

  • قالوا: و قد روى أبو عمر الزاهد- و لم يكن من الشيعة- في أماليه و أحاديثه عن السيّاريّ، عن أبي خُزَيمة الكاتب، قال مَا فَتَّشْنَا أحَداً فِيهِ هَذَا الدَّاءُ إلَّا وَجَدْنَاهُ نَاصِبِيَّاً. قال أبو عمر: و أخبرني العطافي من رجاله، قالوا: سئل جعفر بن محمّد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس، فقال: رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي* و ما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى قط و لا تكون أبدا و إنما تكون في الكفار و الفساق و الناصبين للطاهرين. و كان أبو جهل عمرو بن هشام المخزوميّ من القوم. و كان أشدّ الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه و آله. قالوا: و لذلك قال له عُتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مُصَفِّرَ إسْتِهِ.

  • فهذا مجموع ما ذكره المفسّرون، و ما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع. و يغلب على ظنّي أنّه [عليه السلام] أراد معنى آخر. و ذلك أنّ عادة العرب أن تكنّى الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم، كقولهم: أبو الهَول، و أبو المِقدام، و أبو المِغوار. فإذا أرادت تحقيره و الغضّ منه، كنّته بما يستحقَر و يستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية: أبو زنَّة، يعنون القرد. و كقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاريّ

معرفة الإمام ج۱۲

77
  • المحدّث: أبو الفار. و كقولهم للطُّفيليّ: أبو لُقمة. و كقولهم لعبد الملك: أبو الذبّان لبَخرَه. و كقول ابن يسّام لبعض الرؤساء: أبو جَعْر (الخنفساء)، و أبو النَّتْن، و أبو الدَّفْر، و أبو البعر.

  • فلمّا كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم من حال الحجّاج نجاسته بالمعاصي و الذنوب التي لو شوهدت بالبصر، لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء، كنّاه: أبو وَذَحَة. و يمكن أيضاً أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه، و حقارة منظره، و تشويه خلقته. فإنّه كان قصيراً، دميماً، نحيفاً، أخفش العينين معوجّ الساقين، قصير الساعدين، مجدور الوجه، أصلع الرأس، فكنّاه الإمام بأحقر الأشياء، و هو البعرة.

  • و قد روى قوم هذه اللفظة بصيغة اخرى، فقالوا: إيهٍ أبَا وَدَجَة. قالوا: واحدة الأوداج، كنّاه بذلك لأنّه كان قتّالًا يقطع الأوداج بالسيف. و رواه قوم: أبَا وَحرَةَ. و هي دويبّة تشبه الحِرباء۱ قصيرة الظهر، شبّهه بها.

  • و هذا و ما قبله ضعيف، و ما ذكرناه نحن أقرب الى الصواب.۲

  • و قال ابن شهرآشوب: قال أمير المؤمنين عليه السلام لأهل البصرة: إنْ كُنْتُ قَدْ أدَّيْتُ لَكُمُ الأمَانَةَ وَ نَصَحْتُ لَكُمْ بِالغَيْبِ، وَ اتَّهْتُمُونِي فَكَذَّبْتُمُونِي فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَى ثَقِيفٍ. قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: رَجُلٌ لَا يَدَعُ

    1. الحِرباء و الحِرباءَة: ضرب من الزحافات تتلوّن في الشمس ألواناً مختلفة. و قال الشاعر سعدى في كتابه« گلستان» يصف بستاناً أرضه ملوّنة:« باد در ساية درختانش گسترانيده فرش بوقلمون»: بسط النسيم في أفياء أشجاره فراشاً ملوّناً.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۷، ص ۲۷٩ إلى ۲۸۱، طبعة دار الإحياء. و نقل المجلسيّ هذه المعلومات كلّها عن ابن أبي الحديد، في كتابه« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۰، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

78
  • لِلَّهِ حُرْمَةً إلَّا انْتَهَكَهَا، يَعْنِي الحَجَّاجَ.۱

  • و روى المجلسيّ عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن عثمان ابن سعيد، عن يحيى التَّيْميّ، عن الأعمش قال: حدّثني إسماعيل بن رجاء، قال: قام أعشى باهلة- و هو غلام يومئذٍ حَدَث- إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و هو يخطب، و يذكر الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين! ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة! فقال عليه السلام: إنْ كُنْتَ آثِماً فِيما قُلْتَ يَا غُلَامُ فَرَمَاكَ اللهُ بِغُلَامِ ثَقِيفٍ. ثُمَّ سَكَتَ.

  • فقال رجل، فقال: و من غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: غُلَامٌ يَمْلِكُ بَلْدَتَكُمْ هَذِهِ، لَا يَتْرُكُ لِلَّهِ حُرْمَةً إلَّا انْتَهَكَهَا، يَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الغُلَامِ بِسَيْفِهِ.

  • قالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عِشْرِينَ إنْ بَلَغَهَا. قالوا: فَيُقتل قتلًا أم يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف أنفه بِداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه.

  • قال إسماعيل بن رجاء: فو الله لقد رأيتُ بعيني أعشى باهلة، و قد احضر في جملة الأسرى الذين اسِروا من جيش عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بين يدي الحجّاج. فقرّعه و وبّخه، و استنشده شِعره الذي يحرّض فيه عبد الرحمن على الحرب. ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس.۲

  • و أشار سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام إلى هذا الغلام الثقفيّ في ختام خطبته المعروفة و العجيبة التي خطبها يوم عاشوراء إذ دعا على

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲٩، الطبعة الحجريّة.
    2. «بحار الأنوار» في طبعة الكمبانيّ: ج ٩، ص ۵٩۲؛ و في الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳٤۱؛ و« شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲۸٩، طبعة دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

79
  • اولئك القوم بأن يسلّط الله عليهم غلام ثقيف. قال عليه السلام: اللَهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّماءِ، وَ ابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، وَ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ فَيَسُومَهُمْ، كَأساً مُصَبَّرَةً، فَإنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَ خَذَلُونا، وَ أنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوكَّلْنَا و إلَيْكَ أنَبْنَا وَ إلَيْكَ المَصِيرُ.۱

  • تولّى الحجّاج بن يوسف أمر الكوفة من قبل عبد الملك بن مروان. و قتل الناس بسيفه البتّار، و أحرق الاخضر و اليابس. و بلغ عدد المقتولين في عهده الذي دام عشرين سنة مائة و عشرين ألفاً. و كان عدد السجناء يوم هلاكه خمسين ألفاً من الرجال، و ثلاثين ألفاً من النساء.۲

  • ،،، و من جملة إخبار الإمام عليه السلام بالغيب ما ذكره ابن شهرآشوب، و نقله المجلسيّ عنه أيضاً.

  • قال حُذَيْفَة بن اليمان لأمير المؤمنين عليه السلام في زمن عثمان: إنّي و الله ما فهمتُ قولك، و لا عرفت تأويله حتى بلغت ليلتي أتذكّر ما قلت لي بالحرّة (فرسخ عن المدينة) و إنّي مُقيل: كَيْفَ أنْتَ يَا حُذَيْفَةُ إذَا ظَلَمَتِ العُيُونُ العَيْنَ؟ و النبيّ صلى الله عليه و آله بين أظهرنا. و لم أعرف تأويل كلامك إلّا البارحة، رأيتُ عتيقاً (أبا بكر)، ثمّ عمر، تقدّما عليك، و أوّل اسمهما عين.

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يَا حُذَيْفَةُ! نَسِيتَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ

    1. «اللهوف»، ص ۸۸؛ و« نفس المهموم» ص ۱۵۰؛ و« مقتل الخوارزميّ» ص ۷؛ و« تحف العقول» ص ۲٤۲؛ و« الاحتجاج» ج ۲، ص ۲۵.
    2. ذكرنا نبذة يسيرة من ترجمة الحجّاج في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس ۱۳٦ إلى ۱٤۱.

معرفة الإمام ج۱۲

80
  • حَيْثُ مَالَ بِهَا إلَى عُثْمَانَ. و أوّل اسمه عين.

  • و في رواية أنّه عليه السلام قال له: وَ سَيُضَمُّ إلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ العَاصِ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ آكِلَةِ الأكْبَادِ. فَهؤلاءِ العُيُونُ المُجْتَمِعَةُ عَلَى ظُلْمِي.۱

  • و كنتُ قد رأيتُ قديماً في كتاب «قصص العلماء» للتنكابنيّ أنّ المؤلّف نقل عن المرحوم الميرزا محمود نظام العلماء التبريزيّ حديثاً نصّه: لَعَنَ اللهُ العُيُونَ فَإنَّهَا ظَلَمَتِ العَيْنَ الوَاحِدَةَ.

  • و هذا الحديث كان من جملة الأسئلة التي وجّهها المرحوم نظام العلماء إلى السيّد على محمّد الباب رئيس الفرقة البابيّة في المجلس الذي عقد بتبريز مع بقيّة العلماء و المشايخ لمحاكمة الشخص المذكور. فسكت و لم يجد جواباً، كما عجز عن جواب سائر الأسئلة التي طرحها عليه.۲

  • و أنا أيضاً كلّما فكّرتُ في هذا الحديث، لم يخطر ببالي شيء، إلى أن وجدتُه في «المناقب» فعرفتُ كم هو سهل و يسير. أمّا السبب في عدم فهمي إيّاه فهو أنّ هذا الحديث من الرموز، و ما لم يعرف الإنسان مفتاح الرمز، فلا يمكنه حلّ الرمز. و أمّا السبب الذي دعا المرحوم نظام العلماء أن يختار للباب هذا السؤال، فهو أنّ الباب كان يزعم أنّه باب مدينة العلم، و لذلك ينبغي أن يعرف جميع أسرار الملكوت و رموزه و إشاراته. فاختار له هذا الحديث الذي لا يحلّ رمزه بمسألة من المسائل العلميّة و الأدبيّة و الاجتماعيّة ما لم يسبق الذهن إلى الرمز المذكور، حتى إذا أجاب

    1. «المناقب»، ج ۱، ص ٤۲۵ و ٤۲٦ الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ.
    2. «قصص العلماء» للتنكابنيّ، ص ۵۲، في أحوال السيّد الباب الشيرازيّ، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

81
  • مدّعى باب العلم، يستبين أنّه مطّلع على بواطن الامور، و إلّا فلا. بَيدَ أنّه لمّا قال: لا أعلم، فقد اتّضح أنّه كاذب.

  • إخبار الإمام عليه السلام ببقاء معاوية بعده

  • و روى ابن شهرآشوب عن عبد الرزّاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: سمع عليّ عليه السلام ضوضاء في عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: قُتِل معاوية، فقال: كَلَّا وَ رَبِّ الكَعْبَةِ، لَا يُقْتَلُ حتى تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الامَّةُ.

  • قالوا له: يا أمير المؤمنين! فلم نقاتله؟ قال: ألْتَمِسُ العُذْرَ بَيْنِي وَ بَيْنَ اللهِ.۱

  • و روى ابن شهرآشوب أيضاً عن النضر بن شميل، عن عوف، عن مروان الأصفر، قال: قدم راكب من الشام و عليّ عليه السلام بالكوفة، فنعى معاوية. فادخل على عليّ عليه السلام، فقال له: أنت شهدتَ موته؟ قال: نعم، و حثوته عليه. قال: إنّه كاذب.

  • قيل: و ما يدريك يا أمير المؤمنين أنّه كاذب؟ قال: إنّه لا يموت حتى يعمل كذا و كذا أعمالًا عملها في سلطانه. فقيل له: فَلِمَ تقاتله؟ قال: لِلْحُجَّةِ.۲

  • و ذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن «المحاضرات» للراغب الإصفهانيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: لَا يَمُوتُ ابْنُ هِنْدٍ حتى يُعَلِّقَ الصَّلِيبَ في عُنقِهِ. و قد رواه الأحنف بن قيس، و الأعثم الكوفيّ، و أبو حيّان۳

  • معرفة الإمام ؛ ج۱۲ ؛ ص۸۱
    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۱۸، الطبعة الحجريّة.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۱٩، الطبعة الحجريّة: و ورد الحديث في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۳، طبعة الكمبانيّ، عن« المناقب» و« الخرائج و الجرائح».
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

82
  • التوحيديّ، و أبو الثلّاج، و جماعة آخرون. فكان كما قال عليه السلام.۱

  • إخبار الإمام عليه السلام ببيعة ثمانية نفر ضبّاً

  • و روى ابن شهرآشوب أيضاً عن إسحاق بن حسّان، بإسناده عن الأصبغ بن نُباتة، قال: أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير من الكوفة إلى المدائن. فسرنا يوم الأحد، و تخلّف عنّا عمرو بن حريث، و الأشعث ابن قيس، و جرير بن عبد الله البَجَلِيّ مع خمسة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يقال له: الخورنق۲ و السدير.۳ فبينا هم جلوس و هم يتغدّون، إذ خرج عليهم ضبّ، فاصطادوه. فأخذه عمرو بن حريث؛ فبسط كفّه، فقال: بايعوا هذا أمير المؤمنين. فبايعه الثمانية ثمّ أفلتوه و ارتحلوا و قالوا: إنّ عليّ بن أبي طالب يزعم أنّه يعلم الغيب، فقد خلعناه و بايعنا مكانه ضبّاً. فقدموا المدائن يوم الجمعة، فدخلوا المسجد، و أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر، فقال عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أسرّ إلى حديثاً كثيراً في كلّ حديث باب يفتح كلّ باب ألف باب. إنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ.٤

  • و أنا اقسم بالله ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر من هذه الامّة إمامهم ضبّ. و لو شئتُ أن اسمّيهم لفعلتُ.

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۱٩، الطبعة الحجريّة؛ و ذكره في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۳ عن« المحاضرات».
    2. قال في« القاموس»: الخورنق قصر للنعمان الأكبر معرّب خورنگاه. أي: موضع الأكل.
    3. و قال: السدير كزُبير قاع بين البصرة و الكوفة، و موضع بديار غطفان. و كأمير نهر بناحية الحيرة.
    4. الآية ۷۱، من السورة ۱۷: الإسراء.

معرفة الإمام ج۱۲

83
  • فتغيّرت ألوانهم، و ارتعدت فرائصهم، و كان عمرو بن حريث ينتفض كما تنتفض السعفة جبناً و فرقاً.۱

  • ،،، و روى عن الحسن بن عليّ عليه السلام في خبر أنّ الأشعث بن قيس الكنديّ بني في داره مئذنة، فكان يرقى إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصلوات في مسجد جامع الكوفة، فيصيح من على مئذنته: يَا رَجُلُ! إنَّكَ لَكَاذِبٌ سَاحِرٌ. و كان أبي يسمّيه: عُنُقُ النَّارِ. و في رواية: عُرْفُ النَّارِ. فسئل عن ذلك، فقال: إنّ الأشعث إذا حضرته الوفاة، دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء، فتحرقه، فلا يدفن إلّا و هو فحمة سوداء.

  • فلمّا توفّى، نظر سائر من حضر إلى النار، و قد دخلت عليه كالعنق الممدود من السماء إلى الأرض حتى أحرقته و هو يصيح و يدعو بالويل و الثبور.۲

  • ،،، و روى أبو الجوائز الكاتب عن عليّ بن عثمان، عن المظفّر بن حسن الواسطي السلّال، عن الحسن بن ذكردان، و كان ابن ثلاثمائة و خمس و عشرين سنة قال: رأيتُ عليّاً عليه السلام في النوم، و أنا في بلدي، فخرجتُ إليه إلى المدينة، فأسلمتُ على يده، و سمّاني الحسن. و سمعتُ منه أحاديث كثيرة، و شهدتُ معه مشاهده كلّها. فقلتُ له يوماً من الأيّام:

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۰ و ٤۲۱ الطبعة الحجريّة؛ و ذكره المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۷۸، طبعة الكمبانيّ، نقلًا عن« الخصال» للصدوق، كما ذكره نقلًا عن« الخرائج و الجرائح» للراونديّ، و« بصائر الدرجات»، و« الفضائل» لابن شاذان.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۲، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

84
  • يا أمير المؤمنين! ادعُ الله لي.

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا فارسيّ! إنّك ستُعمِّر، و تُحملُ إلى مدينة يبنيها رجل من بني عمّي العبّاس تُسمّى في ذلك الزمان: بغداد، و لا تصل إليها. تموت بموضع يقال له: المدائن. فكان كما قال ليلة دخل المدائن مات.۱

  • روى مسعدة بن اليسع عن الصادق عليه السلام في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ بأرض بغداد، فقال: ما تُدعى هذه الأرض؟ فقالوا: بغداد. قال: نعم، تبني هاهنا مدينة و ذكر وصفها.۲

  • و يقال: إنّه وقع من يده سوط، فسأل عن أرضها، فقالوا: بغداد. فأخبر أنّه يبني ثمّ مسجد يقُال له: مسجد السَّوْط.۳

  • إخبار الإمام عليه السلام بطول عمر أبي الدنيا

  • و جاء في «تاريخ بغداد» أنّه قال المفيد أبو بكر الجرجانيّ: ولد أبو الدُّنيا في أيّام أبي بكر، و أنّه قال: إنّي خرجت مع أبي للقاء أمير المؤمنين عليه السلام. فلمّا صرنا قريباً من الكوفة، عطشنا عطشاً شديداً. فقلتُ لوالدي: اجلس حتى أدور لك الصحراء فلعلّي أقدر على ماء. فقصدتُ إليه، فإذا أنا ببئر شبه الركيّة أو الوادي (بئر واسعة الفوهة أو حفرة بين جبلين). فاغتسلتُ و شربت منه حتى رويت. ثمّ جئتُ إلى أبي، فقلتُ: قم، فقد فرّج الله عنّا، و هذه عين ماء قريب منّا. و مضينا، فلم نر شيئاً. فلم يزل يضطرب حتى مات و دفنتُه.

  • و جئتُ إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و هو خارج إلى صفّين، و قد اخرِجَتْ له البغلة. فجئتُ و مسكتُ له بالركاب، و التفتَ إليّ. فانكببتُ اقبِّل الركاب، فشجّت في وجهي شجّة، قال أبو بكر المفيد: و رأيتُ الشجّة

    1. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۲.
    2. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۲.
    3. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۲.

معرفة الإمام ج۱۲

85
  • في وجهه واضحة. ثمّ سألني (أمير المؤمنين عليه السلام) عن خبري، فأخبرته بقضيّتي. فقال: عين لم يشرب منها أحد إلّا و عمَّر عمراً طويلًا. فأبشر، فإنّك ستعمّر، و سمّاني المُعَمَّر. و هو الذي يُدعى بالأشَجّ.

  • و ذكر الخطيب: أنّه قدم بغداد في سنة ثلاثمائة، و كان معه شيوخ من بلده، فسألوا عن هذا الرجل. فقالوا: هو مشهور عندنا بطول العمر، و قد بلغني أنّه مات في سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة. و نحو ذلك ذكر شيخنا في «الأمالي» (أمالي الطوسيّ) وفاته.۱

  • ،،، و روى ابن شهرآشوب عن الأعمش بروايته عن رجل من هَمْدان، قال: كنّا مع عليّ عليه السلام بصفّين، فهزم أهل الشام ميمنة العراق. فهتف بهم مالك الأشتر ليتراجعوا. فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يقول لأهل الشام: يَا أبَا مُسْلِمٍ خُذْهُمْ، ثلاث مرّات. فقال الأشتر: أ وَ ليس أبو مسلم معهم؟ قال: لستُ اريد الخولانيّ. و إنّما اريد رجلًا يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك الله به أهل الشام، و يسلب عن بني اميّة ملكهم.۲

  • و من الواضح أنّ مراد الإمام عليه السلام هو أبو مسلم الخراسانيّ الذي نهض في خراسان بدعم العلويّين و أهل بيت رسول الله. و قضى على الأمويّين.

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۲ و ٤۲۳ الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸٤ و ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ، عن« المناقب» لابن شهرآشوب.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۱؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸٤، عن« المناقب» ابن شهرآشوب.

معرفة الإمام ج۱۲

86
  • إخبار الإمام عليه السلام عن أهل إصفهان، و تحدّثه بلغتهم

  • و روى في «الخرائج و الجرائح» لابن الراونديّ، عن ابن مسعود أنّه قال: كنتُ قاعداً عند أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد رسول الله، إذ نادى رجل: من يدلّني على من آخذ منه علماً؟

  • قلتُ له: يا هذا، هل سمعت قول النبيّ صلى الله عليه و آله: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَ عَلِيّ بَابُهَا؟ فقال: نعم. قلتُ: و أين تذهب و هذا عليّ بن أبي طالب؟! فانصرف الرجل، و جثا بين يديه، فقال له الإمام: من أي البلاد أنتَ؟ قال: من إصفهان. قال له: اكتب: أمْلَى عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ: أنَّ أهْلَ إصْفَهَانَ لَا يَكُونُ فِيهِمْ خَمْسُ خِصَالٍ: السَّخَاوَةُ، وَ الشَّجَاعَةُ، وَ الأمَانَةُ، وَ الغيرَةُ، وَ حُبُّنَا أهْلَ البَيْتِ.

  • قال الرجل: زدني يا أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين عليه السلام بلسان إصفهان: «اروت اين وِسِ» أي: اليوم حسبك هذا.

  • قال المجلسيّ بعد ذكر هذا الحديث: كان أهل إصفهان في ذلك الزمان إلى أوّل استيلاء الدولة القاهرة الصفويّة أدام الله بركاتهم من أشدّ النواصب. و الحمد للّه الذي جعلهم أشدّ الناس حبّاً لأهل البيت عليهم السلام، و أطوعهم لأمرهم، و أوعاهم لعلمهم، و أشدّهم انتظاراً لفرجهم. حتى أنّه لا يكاد يوجد من يتّهم بالخلاف في البلد. و لا في شيء من قراه القريبة أو البعيدة. و ببركة هذه الدولة تبدّلت الخصال الأربع فيهم أيضاً. رزقنا الله و سائر أهل هذه البلاد نصر قائم آل محمّد عليه السلام، و الشهادة تحت لوائه. و حشرنا معهم في الدنيا و الآخرة.۱

  • إخبار الإمام عليه السلام عن مسجد براثا

  • و روى ابن شهرآشوب عن الحارث الأعور (الهمدانيّ)، و عمرو بن

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۲، في باب معجزات كلامه و إخباره بالغائبات و علمه باللغات، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

87
  • الحريث، و أبي أيّوب عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه لمّا رجع من وقعة الخوارج، نزل يُمْنَي السواد (القسم الأيمن من أرض العراق). فقال له راهب [كان هناك]: لا ينزل هاهنا إلّا وصيّ نبيّ يقاتل في سبيل الله. فقال عليّ عليه السلام: فَأنَا سَيِّدُ الأوْصِيَاءِ، وَصِيّ سَيِّدِ الأنْبِيَاءِ.

  • قال [الراهب]: فَإذاً أنْتَ أصْلَعُ قُرَيْشٍ وَصِيّ مُحَمَّدٍ. خُذ عَلَيّ الإسلام فإنّي وجدتُ في الإنجيل نعتك، و أنت تنزل مسجد براثا ببيت مريم و أرض عيسى.

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: فاجلس يا حُباب! قال [الراهب]: و هذه دلالة اخرى. ثمّ قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: فانزل يا حُباب من هذه الصومعة. و ابن هذا الدير مسجداً. فبنى حُباب الدير مسجداً. و لحق أمير المؤمنين [عليه السلام] إلى الكوفة، فلم يزل بها مقيماً، حتى قتل أمير المؤمنين [عليه السلام]، فعاد حُباب إلى مسجده ببراثا.

  • و في رواية أنّ الراهب قال: قرأتُ أنّه يصلّي في هذا الموضع إيليا وصيّ البار قُليطا محمّد نبيّ الامّيين الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله و رسله- في كلام كثير-: فَمَنْ أدْرَكَهُ فَلْيَتَّبِعِ النُّورَ الذي جَاءَ بِهِ. (القصد من النور المذكور هو أمير المؤمنين عليه السلام). ألا و إنّه يغرس في آخر الأيّام بهذه البقعة شجرة لا يفسد ثمرها.

  • و في رواية زاذان قال أمير المؤمنين عليه السلام: و من أين شُربك؟ قال: من دجلة. قال: و لِمَ لَمْ تحفر عيناً تشرب منها؟ قال: قد حفرتها و خرجت مالحة. قال: فاحتفر الآن بئراً اخرى. فاحتفرَ الراهب، فخرج ماؤها عذباً. فقال: يا حُباب! ليكن شربُك من هاهنا. و لا يزال هذا المسجد معموراً. فإذا خرّبوه و قطعوا [ال] نخلة، حلّت بهم (أو بالناس) داهية.

معرفة الإمام ج۱۲

88
  • و في رواية محمّد بن القيس: فأتى أمير المؤمنين عليه السلام موضعاً من تلك الملبّة۱ فركلها برجله، فانبجست عين خرّارة فقال: هذه عين مريم. ثمّ قال: فاحتفِروا هاهنا سبعة عشر ذراعاً (قَرابة ثمانية أمتار و نصف)، فاحتفَروا، فإذا صخرة بيضاء، فقال: هاهنا وضعت مريم عيسى من عاتقها، و صلّت هاهنا. فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة، و صلى إليها، و أقام هناك أربعة أيّام.

  • و في رواية الباقر عليه السلام [أنّ أمير المؤمنين عليه السلام] قال: هذه عين مريم التي انبعت لها. و اكشفوا هاهنا سبعة أذرع، فكشف، فإذا صخرة بيضاء- الخبر. و في رواية: هذا الموضع المقدّس صلى فيه الأنبياء. و قال أبو جعفر [الباقر] عليه السلام: و لقد وجدنا أنّه صلى فيه قبل عيسى. و في رواية: صلى فيه [إبراهيم] الخليل.

  • و روى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام صاح: يا بئر!- بالعبرانيّ- قرب إليّ. فلمّا عبر [الإمام] من المسجد، و كان فيه عوسج و شوك عظيم، فانتضى سيفه، و كسح ذلك كلّه، و قال: إنّ هاهنا قبر نبيّ من أنبياء الله. و أمر الشمس أن ارجعي، فرجعتْ. و كان معه ثلاثة عشر رجلًا من أصحابه. فأقام القبلة بخطّ الاستواء و صلى إليها.

  • و أنشد العونيّ في وصف مسجد براثا و خصوصيّاته قائلًا:

  • وَ قُلْتَ: بَرَاثَا كَانَ بَيْتاً لِمَرْيَمٍ***وَ ذَاكَ ضَعِيفٌ في الأسَانِيدِ أعْوَجُ

  • وَ لَكِنَّهُ بَيْتٌ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٍ***وَ لِلأنْبِيَاءِ الزُّهْرِ مَثْوَى وَ مَدْرَجُ

  • وَ لِلأوْصِيَاءِ الطَّاهِرِينَ مَقَامُهُمْ***عَلَى غَابِرِ الأيَّامِ وَ الحَقُّ أبْلَجُ

  • بِسَبْعِينَ مُوصى بَعْدَ سَبْعِينَ مُرْسَلٍ***جِبَاهُهُمْ فِيهَا سُجُوداً تَشَحَّجُ

    1. الملبّة: اسم مكان من اللب: ما استرق من الرمل.( م)

معرفة الإمام ج۱۲

89
  • وَ آخِرُهُمْ فِيهَا صَلَاةً إمَامُنَا***عَلِيّ بِذَا جَاءَ الحَدِيثُ المُنَهَّجُ ۱

  • أخبار غيبيّة في شقّ الأرض و انبجاس الماء في طريق صفين

  • و من جملة إخبار الإمام عليه السلام بالغيب حادثة وقعت مع راهب نصرانيّ في طريق صفّين إذ فلق الإمام صخرة فانبجس منها الماء. و نقل كبار أهل السير و التأريخ و الحديث هذه القضيّة، كما ذكرها الخطيب في «تأريخ بغداد». و نحن ذكرناها أيضاً في الجزء الرابع، الدرس ٤٦ إلى ۵۱ من كتابنا هذا: «معرفة الامام».۲ و ننقلها فيما يأتي بنحو مفصّل عن «الإرشاد» للمفيد رحمه الله تعالى:

  • قال المرحوم المفيد: فصلٌ: و من ذلك (أي من إخباره عليه السلام بالغائبات) ما رواه أهل السير، و اشتهر الخبر به في العامّة و الخاصّة، حتى نظمه الشعراء، و خطب به البلغاء، و رواه الفهماء و العلماء من حديث الراهب بأرض كربلاء، و الصخرة. و شهرته تُغنى عن تكلّف إيراد الإسناد له.

  • و ذلك أنّ الجماعة روت أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا توجّه إلى صفّين، لحق أصحابه عطش شديد و نفد ما كان عندهم من الماء. فأخذوا يميناً و شمالًا يلتمسون الماء، فلم يجدوا له أثراً. فعدل بهم أمير المؤمنين عليه السلام عن الجادّة، و سار قليلًا، فَلاحَ لهم دَيْرٌ في وسط البرّيّة، فسار

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۳ و ٤۲٤ الطبعة الحجريّة. و براثا مسجد بين الكاظميّة و بغداد. و هو مسجد ذو أجواء روحيّة و معنويّة عظيمة. و هناك تعاليم في الأخبار حول الصلاة فيه.
    2. ذكرناها نقلًا عن الخطيب في« تاريخ بغداد» ج ۱۲، ص ۳۰۵؛ و« ديوان الحميريّ» ص ۲۷۸؛ كما رواها المجلسيّ أيضاً في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۷٦، طبعة الكمبانيّ، عن« المناقب» لابن شهرآشوب.

معرفة الإمام ج۱۲

90
  • بهم نحوه، حتى إذا صار في فِنائه، أمر من نادى ساكنه بالاطّلاع إليهم. فنادوه، فاطّلع.

  • فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هل قُرب قائمك هذا ماء يتغوّث به هؤلاء القوم؟ فقال [الراهب]: هيهات. بيني و بين الماء أكثر من فرسخين، و ما بالقرب منّي شيء من الماء، و لو لا أنّني اوتى بماء يكفيني كلّ شهر على التقصير، لتلفتُ عطشاً.

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أسمعتم ما قال الراهب؟ قالوا: نعم، أ فتأمرنا بالمسير إلى حيث أومأ إليه لعلّنا ندرك الماء و بنا قوّة! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا حاجة بكم إلى ذلك. و لوى عنق بغلته نحو القبلة، و أشار لهم إلى مكان يقرب من الدير، فقال: اكشفوا الأرض في هذا المكان. فعدل منهم جماعة إلى الموضع فكشفوه بالمساحي، فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع.

  • فقالوا: يا أمير المؤمنين، هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي. فقال لهم: إنّ هذه الصخرة على الماء. فإن زالت عن موضعها، وجدتم الماء، فاجتهدوا في قلعها فاجتمع القوم و راموا تحريكها، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، و استصعبت عليهم.

  • فلمّا رآهم عليه السلام قد اجتمعوا و بذلوا الجهد في قلع الصخرة، فاستصعبت عليهم، لوى عليه السلام رجله عن سرجه حتى صار على الأرض، ثمّ حَسَرَ عن ذراعيه، و وضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها، ثمّ قلعها بيده و دحا بها أذرعاً كثيرة. فلمّا زالت عن مكانها، ظهر لهم بياض الماء، فبادروا إليه فشربوا منه. فكان أعذب ماء شربوا منه في سفرهم و أبرده و أصفاه.

  • فقال لهم [الإمام]: تزوّدوا و ارتووا. ففعلوا ذلك. ثمّ جاء إلى

معرفة الإمام ج۱۲

91
  • الصخرة فتناولها بيده و وضعها حيث كانت. و أمر أن يعفى أثرها بالتراب. و الراهب ينظر من فوق ديره. فلمّا استوفى علم ما جرى، نادي: أيُّهَا النَّاسُ! أنْزِلُونِي فاحتالوا في إنزاله. فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: يا هذا أنْتَ نَبِيّ مُرْسَلٌ؟ قال: لا. قال: فَمَلَكٌ مُقَرَّبٌ؟ قال: لا. قال: فَمَنْ أنْتَ؟

  • قال: وَصِيّ رَسُولِ اللهِ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ اللهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ. قال: ابسُطْ يدكَ اسلمُ للّه تبارك و تعالى على يديك. فبسط أمير المؤمنين عليه السلام يده، و قال له: اشهَدِ الشَّهادتين.

  • إسلام الراهب لمشاهدته معجزات الإمام عليه السلام

  • فقال [الراهب]: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أشْهَدُ أنَّكَ وَصِيّ رَسُولِ اللهِ وَ أحَقُّ النَّاسِ بِالأمْرِ مِنْ بَعْدِهِ.

  • فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام عليه شرائط الإسلام، ثمّ قال: مَا الذي دَعَاكَ إلَى الإسْلَامِ بَعْدَ طُولِ مُقَامِكَ في هَذَا الدَّيْرِ عَلَى الخِلافِ؟

  • فقال: اخْبرك يا أمير المؤمنين إنّ هذا الدير بُني على طلب قالع هذه الصخرة و مُخرج الماء من تحتها. و قد مضى عالَم قبلي فلم يدركوا ذلك. و قد رزقنيه الله عزّ و جلّ. إنّا نجد في كتاب من كتبنا و نأثُرُ عن علمائنا أنّ في هذا الصقع عيناً عليها صخرة لا يعرف مكانها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ. و أنّه لا بدّ من وليّ للّه يدعو إلى الحقّ آيته معرفة مكان هذه الصخرة و قدرته على قلعها. و إنّي لمّا رأيتُكَ قد فعلتَ ذلك، تحقّقتُ ما كنّا ننتظره و بلغتُ الامنية منه. فأنا اليوم مسلم على يدك، و مؤمن بحقّك، و مولاك (أي: اقِرّ بولايتك على نفسي و شئوني).

  • و لمّا سمع ذلك أمير المؤمنين عليه السلام بكى حتى اخضلّت لحيته من الدموع، و قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ أكُنْ عِنْدَهُ مَنْسِيّاً. الحَمْدُ لِلَّهِ الذي

معرفة الإمام ج۱۲

92
  • كُنْتُ في كُتُبِهِ مَذْكُوراً.

  • ثمّ دعا الناس فقال لهم: اسمعوا ما يقول أخوكم هذا المسلم. فسمعوا حالته، و كثر حمدهم للّه و شكرهم على النعمة التي أنعم بها عليهم في معرفتهم بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام. ثمّ ساروا و الراهب بين يديه في جملة أصحابه حتى لقي أهل الشام. و كان الراهب من جملة من استشهد معه. فتولّى عليه السلام الصلاة عليه، و دفنه، و أكثر من الاستغفار له. و كان إذا ذكره يقول: ذَاكَ مَوْلَايَ (أي مَن عندي ولايته، فلا حجاب بيني و بينه إلّا من ماهيّة و إنِّيّة ذاتي و ذاته).۱

  • ذكر الشيخ المفيد هذا الخبر بنفس الألفاظ التي نقلناها، ثمّ قال: و في هذا الخبر ضروب من المعجز: أحدها: علم الغيب، و الثاني: القوّة التي خرق العادة بها، و تميّز بخصوصيّتها من الأنام، مع ما فيه من ثبوت البشارة به في كتب الله الاولى. و ذلك مصداق قوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.۲

  • قصيدة الحميريّ في القصّة الماضية

  • و في ذلك قال إسماعيل بن محمّد الحميريّ رحمه الله في قصيدته البائيّة المذهّبة:

    1. «الإرشاد» ص ۱۸٤ إلى ۱۸٦. و روى ابن أبي الحديد مختصرها في« شرح نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲۸۸ و ۲۸٩، طبعة اوفسيت، بيروت، دار المعرفة، عن كتاب« وقعة صفّين» لنصر بن مزاحم عن عبد العزيز بن سباع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد التيميّ المعروف بعقيصاء. و ذكر المجلسيّ عين هذا الخبر في« بحار الأنوار» عن شرح ابن أبي الحديد( طبعة الكمبانيّ، ج ٩، ص ۵٩٤). و نقله النباطيّ البياضيّ العامليّ في« الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم» ج ۲، ص ۳۷، و قال: اشتهرت هذه القصّة في الأمصار و الأعصار شهرة أغنتنا عن ذكر سندها. ذلك أنّ جميع العباد تلقّوها بالقبول.
    2. وسط الآية ۲٩، من السورة ٤۸: الفتح.

معرفة الإمام ج۱۲

93
  • وَ لَقَدْ سَرَى فِيمَا يَسِيرُ بِلَيْلَةٍ***بَعْدَ العِشَاءِ بِكَرْبِلَا في مَوْكِبِ

  • حتى أتى مُتَبتِّلًا في قَائِمٍ***ألْقَى قَوَاعِدَهُ بِقَاعٍ مُجْدِبِ

  • يَأتِيهِ لَيْسَ بِحَيْثُ يَلْقَى عَامِراً***غَيْرَ الوُحُوشِ وَ غَيْرِ أصْلَعَ أشْيَبِ

  • فَدَنَى فَصَاحَ بِهِ فَأشْرَفَ مَاثِلًا***كَالنَّسْرِ فَوْقَ شَظِيَّةٍ مِنْ مَرْقَبِ

  • هَلْ قُرْبَ قَائِمِكَ الذي بَوَّأتَهُ***مَاءٌ يُصَابُ فَقَالَ: مَا مِنْ مَشْرَبِ

  • إلَّا بِغَايَةِ فَرْسَخَيْنِ وَ مَنْ لَنَا***بِالمَاءِ بَيْنَ نُقى وَ رِقيّ سَبْسَبِ

  • فَثَنَى الأعِنَّةَ نَحْوَ وَعْثٍ فَاجْتَلَى***مَلْسَاءَ تَبْرُقُ كَاللُّجَيْنِ المَذْهَبِ

  • قَالَ اقْلِبُوهَا إنَّكُمْ إنْ تَقْلِبُوا***تُرْوَوْا وَ لَا تُرْوَوْنَ إنْ لَمْ تُقْلَبِ

  • فَاعْصَوْ صَبُوا في قَلْعِهَا فَتَمنَّعَتْ***مِنْهُمْ تَمَنُّعَ صَعْبَةٍ لَمْ تُرْكَبِ

  • حتى إذَا أعيَتْهُمُ أهْوَي لَهَا***كَفّاً مَتَى تَرِدِ المَغَالِبَ تُغْلَبِ

  • فَكَأنَّهَا كُرَةٌ بِكَفِّ حِزَوَّرٍ***عَبَلَ الذِّرَاعِ دَحَى بِهَا في مَلْعَبِ

  • فَسَقَاهُمُ مِنْ تَحْتِهَا مُتَسَلْسِلًا***عَذْباً يَزِيدُ عَلَى الألَذِّ الأعْذَبِ

  • حتى إذَا شَرِبُوا جَمِيعاً رَدَّهَا***وَ مَضَى فَخَلَتْ مَكَانَهَا لَمْ يُقْرَبِ ۱

    1. «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص ۱۸٦ و ۱۸۷، الطبعة الحجريّة و تبلغ أبيات القصيدة مائة و ثلاثة عشر بيتاً كما جاء في« ديوان الحميريّ» ص ۸۳ إلى ۱۱٤، و مطلعها:
      هَلَّا وَقَفْتَ عَلَى المَكَانِ المُعْشِبِ--بَيْنَ الطَّوَيْلِعِ فَاللّوى مِنْ كَبْكَبِ
      --
      و قال العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج ۲، ص ۲۱٤: هذه القصيدة ذات ۱۱۲ بيتاً. تسمّى بالمذهّبة لأهمّيّتها. شرحها الشريف المرتضى علم الهدى. و طبع شرحه بمصر سنة ۱۳۱۳. و شرحها أيضاً الحافظ النسّابة الأشرف بن الأغرّ المعروف بتاج العلى الحسينيّ المتوفّى سنة ٦۱۰ ه- انتهى. و كذلك ذكرها برّمتها العلّامة السيّد محسن الأمين العامليّ في« أعيان الشيعة» ج ۲، ص ۲۲۲ إلى ۲۳٦، الطبعة الاولى سنة ۱۳۵۸. و ذكر شرحها في الهامش. و البيت الأخير فيها هو قوله:
      يَمْحَوْ وَ يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وَ عِنْدَهُ--عِلْمُ الكِتَابِ وَ عِلْمُ مَا لَمْ يُكْتَبِ
      --
      و الأبيات التي نقلناها هنا موجودة في ديوان الشاعر، ص ٩۰ إلى ٩۲.

معرفة الإمام ج۱۲

94
  • لمّا سار أمير المؤمنين عليه السلام من الكوفة إلى صفّين اختار طريقاً يَبَساً، لا طريقاً مائيّاً بمحاذاة شطّ الفرات. فلهذا عطش جنوده. هذا من جهة، و من جهة اخرى لمّا كان طريق الكوفة إلى الشام يمرّ من كربلاء، لذلك حدثت قصّة الراهب و الصخرة و عين الماء في هذا المكان. و على ضوء هذا كلّه، نظم السيّد الحميريّ قصيدته.

  • و قال السيّد الحميريّ بعد هذه الأبيات:

  • أعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الوَصِيّ وَ مَنْ يَقُلْ***في فَضْلِهِ وَ فَعَالِهِ لَمْ يَكْذِبِ

  • لَيْسَتْ بِبَالِغةٍ عَشِيرَ عَشِيرِ مَا***قَدْ كَانَ أُعْطَاهُ مَقَالَةُ مُطْنِبِ

  • صِهْرُ الرَّسُولِ وَ جَارُهُ في مَسْجِدٍ***طُهْرٍ بِطَيْبَةَ لِلرَّسُولِ مُطَيَّبِ ۱

  • قال الشيخ المفيد في «الإرشاد» بعد نقله أبياتَ الحميريّ: و زاد فيها ابن ميمون قوله:

  • وَ آيَاتُ رَاهِبهَا سَرِيرَةُ مُعْجِزٍ***فِيهَا وَ آمَنَ بِالوَصِيّ المُنْجِبِ

  • وَ مَضَى شَهِيداً صَادِقاً في نَصْرِهِ***أكْرِمْ بِهِ مِنْ رَاهِبٍ مُتَرَهِّبِ

  • أعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الوَصِيّ وَ مَنْ يَقُلْ***في فَضْلِهِ وَ فَعَالِهِ لَمْ يَكْذِبِ

  • رَجُلًا كِلَا طَرَفَيْهِ مِنْ سَامٍ وَ مَا***حَامٌ لَهُ بَأبٍ وَ لَا بَأبِ أبِ

  • مَنْ لَا يَفِرُّ وَ لَا يُرَى في مَعْرَكٍ***إلَّا وَ صَارِمُهُ الخَضِيبُ المَضْرَبِ ۲

  • إخبار الإمام بمشاركة حبيب بن جمار في حرب الحسين عليه السلام

  • و كذلك قال الشيخ المفيد: و ممّا رواه الحسن بن محبوب، عن ثابت الثماليّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن سويد بن غفلة أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي مررت بوادي

    1. «ديوان الحميريّ» ص ٩۲ و ٩۳.
    2. «الإرشاد» ص ۱۸۷.

معرفة الإمام ج۱۲

95
  • القُرَى فرأيتُ خالد بن عُرفُطَة قد مات بها.۱ فاستغفر له. فقال عليه السلام: إنّه لم يمت، و لا يموت حتى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جمار.۲

  • فقام إليه رجل من تحت المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين، و الله إنّي لك شيعة، و إنّي لك محبّ. قال الإمام: وَ مَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا حَبِيبُ بْنُ جمار. قال: إيَّاكَ أنْ تَحْمِلَهَا، وَ لَتَحْمِلَنَّهَا فَتَدْخُلَ بِهَا مِنْ هَذَا البَابِ- وَ أوْمَأ بِيَدِهِ إلَى بَابِ الفِيلِ (أحد أبواب مسجد الكوفة)-.

    1. ذكر ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ ترجمته في كتابه:« الإصابة» ج ۱، ص ٤۰٩ و قال: عُرفُطة بضمّ العين المهملة و الفاء بينهما راء ساكنة. قال عمرو بن شبّة في« أخبار مكّة»:« قدم خالد بن عرفطة مكّة صغيراً فحالف بني زهرة ... ولّاه سعد بن أبي وقّاص يوم القادسيّة. و كان معه في فتوح العراق. و كتب إليه عمر يأمره أن يؤمّره، و استخلفه سعد على الكوفة. و لمّا بايع الناس معاوية، و دخل معاوية الكوفة، خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء بالنخيلة. فوجّه إليه معاوية خالداً هذا فحاربه حتى قتله. و عاش خالد إلى سنة ٦۰ أو ٦۱. و ذكر ابن المعلّم المعروف بالشيخ المفيد الرافضيّ في« مناقب عليّ» من طريق ثابت الثماليّ، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة أنّ رجلًا جاء إلى عليّ فقال: إنّي مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة قد مات بها، فاستغفر له. فقال عليّ: إنّه لم يمت». و نقل ابن حجر هنا قصّة خالد بن عرفطة و حبيب بن جمار كلّها بهذه الألفاظ. و هي التي نقلناها في المتن عن« الإرشاد» للشيخ المفيد.
    2. لم نعثر في معاجم الرجال على شخص باسم حبيب بن جمار، و اسم أبيه جمار بالجيم المعجمة. و عند ما ذكر صاحب« الإصابة» ترجمة خالد بن عرفطة، نقل اسم حبيب عن الشيخ المفيد على أنّه حبيب بن حمار بالحاء المهملة. بَيدَ أنّ مؤلّف« الإصابة» نفسه ضبطه مع حبيب بن حمّاد الأسديّ بالحاء و الدال المشدّدة و قال في كتابه المذكور، ج ۱، ص ۳۰۵: من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله. شهد معه الأسفار. و نقل عنه حديثاً. و لمّا قال صاحب« الإصابة»: و له ذكر في ترجمة خالد بن عرفطة يأتي، فيستبين أنّ صاحب راية خالد كان حبيب بن حمّاد نفسه.

معرفة الإمام ج۱۲

96
  • فلمّا مضى أمير المؤمنين عليه السلام، و مضى [الإمام] الحسن عليه السلام بعده، و كان من أمر [الإمام] الحسين عليه السلام و من ظهوره ما كان، بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام، و جعل خالد بن عُرفطة على مقدّمته، و حبيب بن جمار صاحب رايته. فسار بها [خالد] حتى دخل المسجد من باب الفيل.

  • و هذا أيضاً خبر مستفيض لا يتناكره أهل العلم و الرواة للآثار. و هو منتشر في أهل الكوفة، ظاهر في جماعتهم لا يتناكره منهم اثنان. و هو من المعجز الذي ذكرناه.۱

  • و رواه بهذا المضمون ابن شهرآشوب في مناقبه عن أبي الفرج الإصفهانيّ في «أخبار الحسن»،۲ و أيضاً رواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن الأعمش، و ابن محبوب عن الثماليّ و السبيعيّ، و كلّهم عن سويد بن غفلة، و كذلك رواه أبو الفرج الإصفهانيّ في «أخبار الحسن».۳

  • و رواه المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» بمضمون آخر عن «الاختصاص» للشيخ المفيد، و «بصائر الدرجات» للصفّار، فقد روى عن هذين العالمين الجليلين، عن عبد الله بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن سويد بن غفلة أنّه قال:

  • أنا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! جئتك من وادي القرى، و قد مات خالد بن عرفطة.

    1. «الإرشاد»، ص ۱۲۸.
    2. «مناقب آل أبي طالب» ج ۱، ص ٤۲۷، الطبعة الحجريّة.
    3. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ. أقول: و ذكره السيّد ابن طاووس في« الملاحم و الفتن» ص ٩۲، طبعة النجف، المطبعة الحيدريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

97
  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّه لم يمت. فأعادها عليه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لم يمت. و الذي نفسي بيده لا يموت. فأعادها عليه الثالثة. و أجابه الإمام نفس الجواب.

  • فقال الرجل: سبحان الله! اخبرك أنّه مات و تقول: لم يمت. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: و الذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جمار. فسمع بذلك حبيب، فأتاه، فقال له: اناشدك في و أنّي لك شيعة، و قد ذكرتني بأمر، لا و الله ما أعرفه من نفسي. فقال له: إنْ كُنْتَ حَبِيبَ بْنَ جَمارٍ لَتَحْمِلَنَّهَا. فولّى حبيب. و قال الإمام مرّة اخرى: إنْ كُنْتَ حَبِيبَ بْنَ جمارٍ لَتَحْمِلَنَّهَا.

  • قال أبو حمزة الثماليّ راوي هذا الخبر عن سويد بن غفلة: و الله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليّ عليه السلام، و جعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، و حبيب صاحب رايته.

  • و قال المجلسيّ بعد بيان هذا الخبر: رواه ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن كتاب «الغارات» لابن هلال الثقفيّ، عن ابن محبوب، عن الثماليّ، عن سويد بن غفلة.۱

  • و من هنا نفهم ما ورد في السِيَر و التواريخ و الأحاديث من أنّ قاتلي سيّد الشهداء عليه السلام كانوا من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الكوفيّين كحجّار بن أبجُر، و شَبَث بن رِبعي، و محمّد بن الأشعث،

    1. «بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج ٩، ص ۵۷۸ و ۵۷٩، طبعة الكمبانيّ؛ و ذكره ابن أبي الحديد في شرحه على النهج طبعة مصر، دار الإحياء، ج ۲، ص ۲۸٦ و ۲۸۷ عن أبي هلال الثقفيّ في كتاب« الغارات» عن الحسن بن محبوب، عن ثابت الثماليّ، عن سويد بن غفلة.

معرفة الإمام ج۱۲

98
  • و غيرهم. و كان كلّ منهم يقود أربعة آلاف جنديّ. و تحرّكوا بجيشهم البالغ ثلاثين ألفاً لحرب الحسين صلوات الله عليه، و عبّئوا أنفسهم من أجل حطام الدنيا، و جوائز يزيد، و ابن زياد، و رئاسة مؤقّتة زائلة في مصر من الأمصار، و أمثال ذلك. و أراقوا دم بضعة المصطفى في صحراء كربلاء ظالمين له، و ناهضين بوجه الحقّ و التوحيد و العدالة. و أعمتهم زخارف الدنيا الخدّاعة و طبعت على سمعهم و أبصارهم و أفئدتهم حتى نسوا جميع الخطب التي خطبها إمام المتّقين و سيّد الأوّلين و الآخرين أمير المؤمنين عليه السلام، و إخباره بالغائبات، و جهاده للّه و دينه. حقّاً حُبُّ الشَّيءِ يُعْمِي وَ يُصِمُّ. فمن أحبّ شيئاً، فإنّ عينه تعمى عن رؤية غيره، و اذُنَه تصمّ عن سماع سواه، و لا يعد يدرك إلّا مطلوبه و مقصوده، و يختم بيده على قلبه و بصيرته، و يحبس نفسه في غار الشيطان المظلم الدامس، و مطمورة الجنّ، و هوى النفس الأمّارة.

  • و لعلّ حبيب بن جمار الذي جاء عند أمير المؤمنين عليه السلام كان يومئذٍ صادقاً فيما ادّعاه من تشيّعه، و لم يَدُر في خلده، و لم يَجُل في ظنّه أنّه سيحمل يوماً على كتفه راية يزيد و عمر بن سعد. بَيدَ أنّ الربّ الحكيم يفتن الناس و يبتليهم حتى تظهر بواطنهم، و تنكشف خفيّاتهم و ما يخبّئون في سويداء قلوبهم، ممّا قد يعزب عنهم أنفسهم. و عندئذٍ يُساق إلى الجنّة من كان أهلًا لها، و يساق إلى جهنّم من كان أهلًا لها.

  • و كان البراء بن عازب من صحابة رسول الله صلى الله عليه و آله، و من أنصار أمير المؤمنين عليه السلام، و كان حيّاً يوم استشهد أبو عبد الله الحسين عليه السلام بَيدَ أنّه لم يرفده و لم ينصره، فعاش متحسّراً حتى مماته، و لكن هل يغني التحسّر شيئاً! و ما على المؤمن إلّا أن يكون بصيراً واعياً مغتنماً للفرصة في المواقف المطلوبة.

معرفة الإمام ج۱۲

99
  • روى الشيخ المفيد، و ابن شهرآشوب عن إسماعيل بن صبيح، عن يحيى بن المساور العابد، عن إسماعيل بن زياد أنّ عليّاً عليه السلام قال للبراء بن عازب يوماً: يَا بَرَاءُ! يُقْتَلُ ابْنِيَ الحُسَيْنُ وَ أنْتَ حَيّ لَا تَنْصُرُهُ.

  • فلمّا قُتِل الحسين عليه السلام، كان البراء بن عازب يقول: صدق و الله أمير المؤمنين على بن أبي طالب. قُتل الحسين، و لم أنصره. ثمّ يظهر الحسرة على ذلك و الندم.۱

  • ،،، و كذلك روى الشيخ المفيد في «الإرشاد» عن عثمان بن قيس العامريّ، عن جابر بن الحرّ، عن جُوَيْرية بن مسهر العبديّ،۲ أنّه قال: لمّا توجّهنا مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفّين فبلغنا طفوف كربلاء، وقف عليه السلام ناحيةً من المعسكر، ثمّ نظر يميناً و شمالًا و استعبر، ثمّ قال: هَذَا وَ اللهِ مُنَاخُ رِكَابِهِمْ وَ مَوْضِعُ مَنِيَّتِهِمْ. فقيل له: يا أمير المؤمنين! ما هذا الموضع؟ قال: هَذَا كَرْبَلَاءُ، يُقْتَلُ فِيهِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثمّ سار.

  • و كان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتى كان من أمر [أبي عبد الله] الحسين بن عليّ عليهما السلام و أصحابه بالطفِّ ما كان، فعرف حينئذٍ من سمع مقاله مصداق الخبر فيما أنبأهم به. و كان ذلك من علم الغيب و الخبر بالكائن قبل كونه. و هو المعجز الظاهر و العلم الباهر حسب ما ذكرناه.۳

    1. «الإرشاد» ص ۱۸۳؛ و« المناقب» ج ۱، ص ٤۲۷؛ و روى في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، عن« المناقب».
    2. جاء في« تنقيح المقال» في ترجمة جويرية أنّه ابن مُسْهِر على وزن مُحسن.
    3. «الإرشاد» ص ۱۸۳، الطبعة الحجريّة؛ و ورد مختصرة في« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۸، الطبعة الحجريّة، و كذلك رواه صاحب« بحار الأنوار»
      ج ٩، ص ۵۸٦، و أيضاً في ص ۵۷۸.

معرفة الإمام ج۱۲

100
  • و كان جويرية بن مُسهر العَبْديّ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. و هو رجل عظيم الشأن جليل القدر. علّمه الإمام علم المنايا و البلايا. و كان له قلب نيّر و ضمير متألّق تنعكس فيه مخبّآت المستقبل.

  • و كان أمير المؤمنين عليه السلام يحبّه كثيراً حتى بلغ مبلغاً كان فيه من أخصّ خواصّه. و ارتفع الحجاب و البينونيّة بينه و بين الإمام. استشهد قبل واقعة كربلاء إذ قطعت يده و رجله، و صُلب في حُبّ و ولاية سيّد الأحرار أمير المؤمنين عليه السلام. و قال المفيد في «الإرشاد» و هو يتحدّث عن معجزات الإمام و إخباره بالغائبات:

  • إخبار الإمام عليه السلام بمقتل جويرية

  • و من ذلك ما رواه العلماء أنّ جويرية بن مسهر وقف على باب القصر (قصر الإمارة) بالكوفة. فقال: أين أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقيل له: نائم. فنادي:

  • أيُّهَا النَّائِمُ اسْتَيْقِظْ! فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُضْرَبَنَّ ضَرْبَةً عَلَى رَأسِكَ تُخْضَبُ مِنْهَا لِحْيَتُكَ، كَمَا أخْبَرْتَنَا بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.

  • فسمعه أمير المؤمنين عليه السلام، فنادي: أقْبِلْ يَا جُوَيْرِيَةُ حتى احَدِّثَكَ بِحَدِيثِكَ. فأقبل جويرية.

  • فقال عليه السلام: وَ أنْتَ وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُعْتَلَنَّ إلَى العُتُلِّ الزَّنِيمِ وَ لَيَقْطَعَنَّ يَدَكَ وَ رِجْلَكَ ثُمَّ لَتُصْلَبَنَّ تَحْتَ جِذْعِ كَافِرٍ.۱

    1. روى المجلسيّ هذه الفقرة من الحديث في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۲ عن« الخرائج و الجرائح» للراونديّ؛ و نقل أيضاً قصّة جويرية في كتابه المذكور، ج ٩، ص ۵٩۳؛ و من الطبعة الحديثة ج ٤۱، ص ۳٤۲، و ۳٤۳ و ذلك عن« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد: روى إبراهيم بن ميمون الأزديّ عن حبّة العُرَنيّ قال: كان جويرية بن مسهر العبديّ صالحاً، و كان لأمير المؤمنين عليه السلام صديقاً، و كان عليه السلام يحبّه. نظر يوماً إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يسير، فناداه: يَا جُوَيْرِيَةُ! ألْحِقْ بِي فَإنِّي إذَا رَأيْتُكَ هَوَيْتُكَ. قال إسماعيل بن أبان: حدّثني الصباح، عن مسلم، عن حبّة العرنيّ قال: سرنا مع عليّ عليه السلام يوماً، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً، فناداه: يَا جُوَيْرِيَةُ! ألْحِقْ بِي لَا أباً لَكَ! أ لَا تَعْلَمْ أنِّي أهْوَاكَ وَ احِبُّكَ؟ فركض جويرية نحوه، فقال له: إنّي محدّثك بامور فاحفظها، ثمّ اشتركا في الحديث سرّاً. فقال له جويرية: إنّي رجل نسيّ. فقال الإمام: أنا اعيدُ عليك الحديث لتحفظه. ثمّ قال له في آخر ما حدّثه إيّاه: يَا جُوَيْرِيَةُ! أحْبِبْ حَبِيبَنَا مَا أحَبَّنَا، فَإذَا أبْغَضَنَا فَأبْغِضْهُ، وَ أبْغِضْ بِغَيضَنَا مَا أبْغَضَنَا فَإذَا أحَبَّنَا فَأحْبِبْهُ. فكان ناس ممّن يشكّ في أمر عليّ عليه السلام يقولون: أنراه جعل جويرية وصيّه كما يدّعي هو من وصيّة رسول الله صلى الله عليه و آله. يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له حتى دخل على عليّ عليه السلام يوماً و هو مضطجع و عنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيُّهَا النَّائِمُ! اسْتَيْقِظْ. ثمّ ذكر جميع المطالب التي أوردناها في المتن كالمحاورة، و خضاب اللحية من دم الرأس، و قطع اليد و الرجل و الصلب، ذكرها كلّها بنفس الألفاظ.(« شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲٩۰ و ۲٩۱، طبعة دار الإحياء).

معرفة الإمام ج۱۲

101
  • فمضى على ذلك الدهر، حتى وُلِّي زياد [بن أبيه] في أيّام معاوية، فقطع يده و رجله، ثمّ صلبه إلى جذع ابن مُكَعْبَر، و كان جذعاً طويلًا، فكان جويرية تحته. [فلهذا عبّر عنه الإمام بقوله: ليصلبنّك تحت جذع ...۱].

  • إخبار الإمام عليه السلام بواقعة كربلاء

  • و روى ابن شهرآشوب عن أبي حفص عمر بن محمّد الزيّات في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال للمسيِّب بن نجيّة: يَأتِيكُمْ رَاكِبُ الدَّغِيلَةِ يَشُدُّ حَقْوَهَا بِوَضِينِها، لَمْ يَقْضِ تَفَثاً مِنْ حَجٍّ وَ لَا عُمْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ. يُرِيدُ الحُسَيْنَ عَلَيهِ السَّلَامُ.۲

  • قال المجلسيّ في شرح هذه العبارة: الدغيلة: الدغل و المكر

    1. «الإرشاد» ص ۱۷۸، الطبعة الحجريّة.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۷؛ و« بحار الأنوار» عن« المناقب» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ.

معرفة الإمام ج۱۲

102
  • و الفساد. أي: يركب مكر القوم و يأتي لما وعدوه خديعة. و يحتمل أن يكون تصحيف الرعيلة، و هي القطعة من الخيل القليلة، و الوضين بطان منسوج يشدّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج. و شَدَّ حَقْوَهَا به كناية عن الاهتمام بالسير و الاستعجال فيه. و عَدَمُ قَضَاءُ التَّفَث إشارة إلى أنّ الحسين عليه السلام لم يتيسّر له الحجّ، بل أحلّ و خرج من مكّة يوم التروية.۱

  • و ذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه خاطب أهل الكوفة فقال لهم:

  • كَيْفَ أنْتُمْ إذَا نَزَلَ بِكُمْ ذُرِّيَّةُ نَبِيِّكُمْ فَعَمدتُمْ إلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللهِ لَئِنْ أتَانَا اللهُ في ذَلِكَ لَنَبْلُوَنَّ عُذْراً. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

  • هُمْ أوْرَدُوهُ في الغُرُورِ وَ غَرَّرُوا***أرَادُوا نَجَاةً لَا نَجَاةٌ وَ لَا عُذْرُ ۲

  • و كذلك روى ابن شهرآشوب عن «المُسنَد» للموصليّ، عن عبد الله ابن يحيى، عن أبيه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا حاذى نينوى و هو منطلق إلى صفّين، نادي:

  • اصْبِرْ أبَا عَبْدِ اللهِ بِشَطِّ الفُرَاتِ. فَقُلْتُ: وَ مَا ذَا؟ فَذَكَرَ مَصْرَعَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالطَّفِّ.۳

  • و جاء في كتاب «الشافي في الأنساب» أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قال هذا الكلام بأرض نينوى، قال أحد أصحابه: فطلبتُ ما اعلِمُ به الموضعَ، فما وجدتُ غير عظم جمل. فرميتُه في الموضع. فلمّا استُشهد

    1. ( ۱ الى ۳)- نقل المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ؛ و في الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳۱٤، عن« المناقب» لابن شهرآشوب.
    2. ( ۱ الى ۳)- نقل المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ؛ و في الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳۱٤، عن« المناقب» لابن شهرآشوب.
    3. ( ۱ الى ۳)- نقل المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۵، طبعة الكمبانيّ؛ و في الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳۱٤، عن« المناقب» لابن شهرآشوب.

معرفة الإمام ج۱۲

103
  • الحسين عليه السلام، وجدتُ العظم في مصارع أصحابه.۱

  • و ذكر المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲، طبعة الكمبانيّ، عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن نصر بن مزاحم بسنده المتّصل عن عروة البارقيّ أنّه قال: جئت إلى سعد بن وهب فسألته عن حديث حدّثناه عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليه السلام عند توجّهه إلى صفّين. فأتيته بكربلاء، فوجدته يشير بيده و يقول: هَا هُنَا هَا هُنَا.

  • فقال له رجل: و ما ذاك يا أمير المؤمنين؟

  • فقال: ثَقَلُ آلِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ تَنْزِلُ هَا هُنَا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ وَ وَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ.

  • فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويل لهم منكم: تقتلونهم؟ و ويل لكم منهم: يدخلكم الله بقتلهم إلى النار.

  • قال نصر: و قد رُوي هذا الكلام على وجه آخر، أنّه قال: فَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ، وَ وَيْلٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ.

  • فقال الرجل: أمّا ويلٌ لكم منهم، فقد عرفناه، فويل لكم عليهم ما معناه؟

  • قال: ترونهم يُقتلون لا تستطيعون نصرتهم!

  • و كذلك روى نصر بن مزاحم عن سعيد بن حكيم العبسيّ، عن الحكم الحسن بن كثير، عن أبيه أنّ عليّاً عليه السلام أتى كربلاء، فوقف بها. فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء.

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۷ و ٤۲۸، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸٦.

معرفة الإمام ج۱۲

104
  • فقال: ذاتُ كربٍ و بَلا. ثمّ أومأ بيده إلى مكان فقال: هَا هُنَا مَوْضِعُ رِحَالِهِمْ وَ مُنَاخُ رِكَابِهِمْ. ثمّ أومأ بيده إلى مكان آخر فقال: هَا هُنَا مُرَاقُ دِمَائِهِمْ. ثمّ مضى إلى سَابَاطَ.۱

  • و روى ابن أبي الحديد أيضاً في «شرح نهج البلاغة» عن نصر بن مزاحم في كتاب «صفّين» بسنده عن هرثمة بن سليم أنّه قال: غزونا مع عليّ صفّين. فلمّا نزل بكربلاء، صلى بنا. فلمّا سلّم، رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قال: وَاهاً لَكِ يَا تُرْبَةُ! ليُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.۲

  • فلمّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير- و كانت من شيعة عليّ عليه السلام- حدّثها هرثمة فيما حدّث، فقال لها: ألا اعجبك

    1. إنّ ما نقلناه هنا عن« بحار الأنوار»، عن ابن أبي الحديد، عن نصر بن مزاحم موجود في كتاب« صفّين» الطبعة الثانية بالقاهرة، شرح عبد السلام محمّد هارون، ص ۱٤۱ و ۱٤۲. و جاء في« شرح نهج البلاغة» طبعة مصر، دار الإحياء، ج ۳، ص ۱٦٩ إلى ۱۷۱ عن نصر بن مزاحم.
    2. روى السيّد ابن طاووس في« الملاحم و الفتن» ص ٩۲ و ٩۳، طبعة النجف، عن كتاب« الفتن» للسليليّ بسنده المتّصل عن عطاء بن السائب، عن ميمون، عن شيبان قال: أقبلنا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من صفّين حتى نزلنا كربلاء، و هو على بغلة له، فنزل عن البغلة، فأخذ كفّاً من تحت حافر البغلة فشمّها ثمّ قبّلها و وضعها على عينيه و بكى و قال: وَ أي حَبِيب يُقْتَلُ في هَذَا المَوضِعِ، كَأنِّي أنْظُرُ إلَى ثَقَلٍ مِنْ آلِ رَسُولِ اللهِ قَدْ أنَاخُوا بِهَذَا الوادِي، فَخَرَجْتُمْ إلَيْهِمْ فَقَتَلْتُمُوهُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ، وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِنكُمْ. مَا أعْلَمُ شُهَدَاء أفْضَلُ مِنْهُمْ إلَّا شُهَدَاء خلقهم مَعَ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِبَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ: إيتُونِي بِرِجْلِ حِمَارٍ أوْ فَكِّ حِمَارٍ. قال شيبان: فأتيته برِجل حمار ميّت فأوتده في موضع حافر البغلة. فلمّا قُتِلَ الحسين صلوات الله عليه، جئتُ فاستخرجتُ رِجل الحمار من موضع دمه عليه السلام، و إنّ أصحابه لربض حوله.

معرفة الإمام ج۱۲

105
  • من صديقكِ أبي حسن؟ قال: لمّا نزلنا كربلاء، أخذ حفنة من تربتها و شمّها و قال: وَاهاً لَكِ أيَّتُهَا التُّرْبَةُ لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. و ما علمه بالغيب؟

  • فقالت المرأة له: دَعْنَا مِنْكَ أيُّهَا الرَّجُلُ، فَإنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَقُلْ إلَّا حَقَّاً.

  • قال سمير: فلمّا بَعثَ عبيدُ الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين عليه السلام، كنت في الخيل التي بعث إليهم. فلمّا انتهيتُ إلى الحسين عليه السلام و أصحابه، عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع على عليه السلام، و البقعة التي رفع إليه من تربتها و القول الذي قاله. فكرهت مسيري، فأقبلتُ على فرسي حتى وقفتُ على الحسين عليه السلام و سلّمت عليه و حدّثته بالذي سمعتُ من أبيه في هذا المنزل.

  • فقال الحسين عليه السلام: أ مَعَنَا أمْ عَلَيْنَا؟

  • قلتُ: يا بن رسول الله! لا معك و لا عليك. تركتُ ولدي و عيالي أخاف عليهم من ابن زياد.

  • فقال الحسين عليه السلام: فَتَوَلَّ هَرَباً حتى لَا تَرَى مَقْتَلَنَا. فَوَ الذي نَفْسُ الحُسَيْنِ بِيَدِهِ لَا يَرَى اليَوْمَ مَقْتَلَنَا أحَدٌ ثُمَّ لَا يُعِينُنَا إلَّا دَخَلَ النَّارَ.

  • قال هرثمة: فأقبلتُ في الأرض اشتدّ هرباً حتى خفي عَلَيّ مقتلهم.۱

  • روى الراوندي في «الخرائج و الجرائح» عن الإمام الباقر عليه السلام، عن أبيه أنّه قال: مرّ عليّ عليه السلام بكربلاء. فقال لمّا مرّ به أصحابه و قد اغرورقت عيناه يبكي:

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۱ و ۵٩۲؛ و جاء هذا الخبر كلّه في كتاب« صفّين» ص ۱٤۰ و ۱٤۱، الطبعة الثانية، القاهرة، شرح عبد السلام محمّد هارون.

معرفة الإمام ج۱۲

106
  • هَذَا مُنَاخُ رِكَابِهِمْ، وَ هَذَا مُلْقَى رِحَالِهِمْ، هَا هُنَا مُرَاقُ دِمائِهِمْ. طُوبَى لَكِ مِنْ تُرْبَةٍ عَلَيْهَا تُرَاقُ دِمَاءُ الأحِبَّةِ.۱

  • قال الباقر عليه السلام: خرج عليّ عليه السلام يسير بالناس حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل، تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقذفان فقال:

  • قُتِلَ فِيهَا مِائَتَا نَبِيّ وَ مِائَتَا سِبْطٍ كُلُّهُمْ شُهَدَاءُ، وَ مُنَاخُ رُكَّابٍ وَ مَصَارِعُ عُشَّاقٍ، شُهَدَاءُ لَا يَسْبِقُهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، وَ لَا يَلْحَقُهُمْ مَنْ بَعْدَهُم.۲

  • و روى عن «عيون أخبار الرضا» بالأسانيد الثلاثة عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أنّه قال:

  • كَأنِّي بِالقُصُورِ قَدْ شُيِّدَتْ حَوْلَ قَبْرِ الحُسَيْنِ. وَ كَأنِّي بِالمَحَامِلِ تَخْرُجُ مِنَ الكُوفَةَ إلَى قَبْرِ الحُسَيْنِ. وَ لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَ الأيَّامُ حتى يُسَارُ إلَيْهِ مِنَ الآفَاقِ. وَ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ مُلْكِ بَنِي مَرْوانَ.۳

  • و لا غرو من بكاء أمير المؤمنين عليه السلام عند مروره بكربلاء و نينوى، فقد بكى قبله رسول الله صلى الله عليه و آله على الحسين عليه السلام، و دفع إلى امِّ سلمة قارورة فيها تربة الحسين، و قال لها: إذا صار ما في القارورة دماً عبيطاً، فاعلمي أنّ ولدي الحسين قد قتل. و سبق رسول الله في البكاء على الحسين عليه السلام أنبياء الله الماضون كآدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى عليهم السلام. كما بكت عليه ملائكة السماء.

  • قصيدة القاضي الجليس في واقعة كربلاء

  • و قال القاضي الجليس أحد شعراء القرن السادس، و اسمه أبو المعالي

    1. ( ۱ و ۲)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۰.
    2. ( ۱ و ۲)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۰.
    3. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۷۸.

معرفة الإمام ج۱۲

107
  • عبد العزيز بن حسين بن حُباب الأغلبيّ، في قصيدة له:

  • لَهْفِي لِقَتْلَى الطَّفِّ إذْ***خَذَلَ المُصَاحِبُ وَ العَشِيرُ

  • وَ وَافَاهُمُ في كَرْبَلَا***يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرُ

  • دَلَفَتْ لَهُمْ عُصَبُ الضَّلَالِ***كَأنَّمَا دُعِيَ النَّفِيرُ

  • عَجَباً لَهُمْ لَمْ يَلْقَهَمْ***مِنْ دُونِهِمْ قَدْرٌ مُبِيرُ

  • أ يُمَارُ فَوْقَ الأرْضِ فَيْضٌ***دَمِ الحُسَيْنِ وَ لَا تَمُورُ؟

  • أ تَرَى الجِبَالَ دَرَتْ وَ لَمْ***تَقْذِفْهُمُ مِنْهَا صُخُورُ؟

  • أمْ كَيْفَ إذْ مَنَعُوهُ وِرْدَ***المَاءِ لَمْ تَغُرِ البُحُورُ؟

  • حَرُمَ الزُّلالُ عَلَيْهِ لَمَّا***حُلِّلَتِ لَهُمُ الخُمُورُ ۱

  • و له قصيدة ذات عشرين بيتاً، منها الأبيات الآتية التي نتبرّك بذكرها و نختم عندها بحثنا:

  • حُبِّي لآلِ رَسُولِ اللهِ يَعْصِمُنِي***مِنْ كُلِّ إثْمٍ وَ هُمْ ذُخْرِي وَ هُمْ جَاهِي

  • يَا شِيعَةَ الحَقِّ قُولِي بِالوَفَاءِ لَهُمْ***وَ فَاخِرِي بِهِمُ مَنْ شِئْتِ أوْ بَاهِى

  • إذَا عَلَقْتِ بِحَبْلٍ مِنْ أبِي حَسَنٍ***فَقَدْ عَلَقْتِ بِحَبْلٍ في يَدِ اللهِ

  • حَمَى الإلَهُ بِهِ الإسْلَامَ فَهُوَ بِهِ***يُزْهَى عَلَى كُلِّ دِينٍ قَبْلَهُ زَاهِ

  • بَعْلُ البَتُولِ وَ مَا كُنَّا لِتَهْدِيَنَا***أئِمَّةٌ مِنْ نَبِيّ اللهِ لَوْ لَا هِي

    1. «الغدير» ج ٤، ص ۳۸٦.

معرفة الإمام ج۱۲

108
  • نَصَّ النَّبِيّ عَلَيْهِ في الغَدِيرِ فَمَا***زَوَاهُ إلَّا ظَنِينٌ دِينُهُ وَاهِ ۱

    1. «الغدير» ج ٤، ص ۳۸٦.

معرفة الإمام ج۱۲

110
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الحَادِيَ وَ السَّبْعُونَ بَعْدَ المِائَةِ إلَى الثَالِث وَ السَّبْعِينَ بَعْدَ المِائَةِ: عِلْمُ أمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالمَنايَا وَ البَلَايَا وَ الأعْمَارِ وَ المَلَاحِمَ وَ الفِتَنِ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱۲

112
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • تفسير الآيات الاولى من سورة العلق

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.۱

  • جاء في تفسير «الصافي» نقلًا عن «تفسير القمّيّ» أنّ هذه السورة أوّل سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم. إذ هبط جبرئيل عليه صلى الله عليه و آله، فقال: يَا مُحَمَّدُ! اقْرَأ. فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: و ما أقرأ؟ قال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ». يَعْنِي خَلَقَ نُورَكَ القَدِيمَ قَبْلَ الأشْيَاءِ.۲

  • و قال سماحة استاذنا العلّامة الطباطبائيّ أفاض الله علينا من بركات رمسه في تفسيره: مفعول اقْرَأ محذوف. و قوله بِاسْمِ رَبِّكَ الباء متعلّق بمقدّر نحو مفتتحاً أو مبتدأً أو با قرأ، و الباء للملابسة. (أي: اقرأ بتلقّي ما

    1. الآيات ۱ إلى ۵، من السورة ٩٦: العلق.
    2. تفسير« الصافي»، ص ۵٦٩، الطبعة الحجريّة، و في الطبعة الحروفيّة: ج ٤، ص ۳٤۸.

معرفة الإمام ج۱۲

113
  • يوحيه إليه ملك الوحي مبتدأً أو مفتتحاً أو ملابساً اسم ربّك الذي خلقك).

  • و في قوله: رَبِّكَ الذي خَلَقَ إشارة إلى قصر الربوبيّة في الله عزّ اسمه. و هو توحيد الربوبيّة المقتضية لقصر العبادة فيه. فانّ المشركين كانوا يقولون: إنّ الله سبحانه ليس له إلّا الخلق و الإيجاد. و أمّا الربوبيّة، و هي الملك و التدبير، فلمقرّبي خلقه من الملائكة و الجنّ و الإنس، فدفعه الله بقوله: رَبِّكَ الذي خَلَقَ الناصّ على أنّ الربوبيّة و الخلق له وحده. و قوله: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ الباء للسببيّة. أي: علّم القراءة أو الكتابة بواسطة القلم ... و الكلام مسوق لتقوية نفس النبيّ صلى الله عليه و آله و إزالة القلق و الاضطراب عنها حيث امر بالقراءة و هو امّيّ لا يكتب و لا يقرأ، كأنّه قيل: اقرأ كتاب ربّك الذي يوحيه إليك و لا تخف، و الحال أنّ ربّك الأكرم الذي علّم الإنسان القراءة بواسطة القلم الذي يخطّ به. فهو قادر على أن يعلّمك قراءة كتابه و أنت امّيّ، و قد أمرك بالقراءة و لو لم يقدرك عليها لم يأمرك بها.

  • ثمّ عمّم سبحانه النعمة فذكر تعليمه للإنسان ما لم يعلم فقال: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. و فيه مزيد من تقوية لقلب النبيّ صلى الله عليه و آله و تطييب لنفسه ... و قرأتَ الكتاب: إذا جمعتَ الحروف و الكلمات بضمّ بعضها إلى بعض في الذهن و إن لم تتلفّظ بها. (و إنّما يحصل هذا الضمّ في الذهن فحسب). و المراد به الأمر بتلقّي ما يوحيه إليك ملك الوحي من القرآن.۱

  • و على هذا، إنّ جميع علوم رسول الله صلى الله عليه و آله كانت بواسطة ملائكة الوحي. و قراءتها تعني تثبيتها في الذهن و القلب، و العمل

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۲۰، ص ٤٦۰ و ٤٦۱.

معرفة الإمام ج۱۲

114
  • بمقتضاها.

  • و علّم رسول الله صلى الله عليه و آله وصيَّه أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يعرفه من العلوم. أي: علّمه تلك المعاني النوريّة و المدركات القدسيّة العالية التي اوحيت إليه صلى الله عليه و آله بواسطة أعظم مَلَك من ملائكة الله تعالى، و هو جبرائيل أو الروح. و ذكر أمير المؤمنين عليه السلام ذلك في آخر الخطبة القاصعة، فقال:

  • وَ لَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ وَ مَحَاسِنِ أخْلَاقِ العَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ. وَ لَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أثَرَ امِّهِ. يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أخْلَاقِهِ عَلَماً وَ يَأمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ. وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ۱ فَأرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي. وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ في الإسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ خَدِيجَةَ وَ أنَا ثَالِثُهُما. أرَى نُورَ الوَحْيُ وَ الرِّسَالَةِ، وَ أشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ.

  • وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ علَيْهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ

    1. حِراء بكسر الحاء جبل من جبال النور قرب مكّة المكرّمة. و فيه غار كان رسول الله يقضي أوقات عزلته و خلوته فيه قبل بعثته. تشرّفت مرّة بزيارة هذا الغار، فوجدته غاراً عجيباً حقّاً من حيث الموقع و الاختيار، لأنّه و إن كان صغيراً لا يكفي إلّا لاثنين يصلّيان فيه، و كان سقفه واطئاً، بَيدَ أنّه يقع في قمّة أحد الجبال المتّصلة بعضها ببعض. و طريقه وعر جدّاً. و تقدّر المسافة بين سفح الجبل و القمّة التي يقع فيها الغار ساعة تقريباً. و إنّ القسم الثالث من أعلاه المتّصل بالغار وعر جدّاً. فلا له جادّة و لا طريق جبليّ. و ما على المرء إلّا أن يسير على أحجار زلقة حتى يصل إليه. و ما لم يذهب الإنسان و يراه بعينه، فلا يمكنه أن يدرك عظمة رسول الله و جلالة مقامه و أمره إذ كان يترك الكعبة و المسجد الحرام ليبتعد عن المجتمع المكّيّ المسموم يومئذٍ، فيقطع فرسخاً واحداً عن مكّة، فيأتيه ليناجي ربّه الليالي و الأيّام وحده.

معرفة الإمام ج۱۲

115
  • وَ آلِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ أيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إنَّكَ تَسْمَعُ مَا أسْمَعُ وَ تَرَى مَا أرَى إلَّا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ وَ لَكِنَّكَ وَزيرٌ، وَ إنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ.۱

  • شدّة اتّصال أمير المؤمنين برسول الله صلى الله عليه و آله

  • قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الفقرات: روى الطبريّ في تاريخه بسنده عن المنهال بن عُمَر، و عن عبد الله بن عبد الله، قال: سمعتُ عليّاً عليه السلام يقول: أنَا عَبْدُ اللهِ، وَ أخُو رَسُولِهِ، وَ أنَا الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ، لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إلَّا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ.۲

  • و في غير رواية الطبريّ: أنَا الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ وَ الفَارُوقُ الأوَّلُ، أسْلَمْتُ قَبْلَ إسْلَامِ أبِي بَكْرٍ وَ صَلَّيْتُ قَبْلَ صَلَاتِهِ بِسَبْعِ سِنِينَ.۳

  • و قال ابن أبي الحديد هنا: كأنّه عليه السلام لم يرتض أن يذكر عمر، و لا رآه أهلًا للمقايسة بينه و بينه، و ذلك لأنّ إسلام عمر كان متأخّراً.٤

  • و ذكر قائلًا: روى الفضل بن عبّاس قال: سألتُ أبي عن ولد رسول الله صلى الله عليه و آله الذكور، أيّهم كان رسول الله صلى الله عليه و آله له أشدّ حبّاً؟ فقال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقلتُ له: سألتك عن بنيه! فقال: إنّه كان أحبّ عليه من بنيه جميعاً و أرأف، ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلًا، إلّا أن يكون في سفر لخديجة، و ما رأينا أباً أبرّ بابن منه لعليّ، و لا ابناً أطوع لأبٍ من عليّ له.۵

  • و روى الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: سمعتُ زيداً أبي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه و آله يمضغ اللحمة و التمرة

    1. «نهج البلاغة» ج ۱، ص ۳٩۲ و ۳٩۳، الخطبة ۱٩۰، القسم الخامس منها، طبعة مصر و تعليق عبده.
    2. ( ۲ الى ۵)-« شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۰، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.
    3. ( ۲ الى ۵)-« شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۰، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.
    4. ( ۲ الى ۵)-« شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۰، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.
    5. ( ۲ الى ۵)-« شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۰، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.

معرفة الإمام ج۱۲

116
  • حتّى تلين، و يجعلهما في فم عليّ عليه السلام و هو صغير في حجره. و كذلك كان أبي عليّ بن الحسين عليه السلام يفعل بي. و لقد كان يأخذ الشيء من الورك و هو شديد الحرارة، فيبرّده في الهواء، أو ينفخ عليه حتى يبرد، ثمّ يلقمنيه، أ فيشفق عَلَيّ من حرارة لقمة و لا يشفق عَلَيّ من النار؟ لو كان أخي إماماً بالوصيّة كما يزعم هؤلاء، لكان أبي أفضى بذلك إليّ و وقانى من حرّ جهنّم.۱

  • و روى أنّ بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام سأله عن قول الله عزّ و جلّ: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، فقال عليه السلام: يوكّل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم، و يؤدّون إليه تبليغهم الرسالة، و وكّل بمحمّدٍ صلى الله عليه و آله و سلّم مَلَكاً عظيماً منذ فُصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق، و يصدّه عن الشرّ و مساوئ الأخلاق، و هو الذي كان يناديه: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، و هو شابٌّ لم يبلغ درجة الرسالة بعدُ، فيظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض، فيتأمّل، فلا يرى شيئاً.۲

  • لقد تكفّل رسول الله صلى الله عليه و آله بشؤون مولى الموحّدين و أمير المؤمنين عليه السلام منذ ولادته، و وضعه أبو طالب و فاطمة بنت أسد في حجر رسول الله، و تلا هو عليه السلام سورة «المؤمنون»، و لم يتولّ النبيّ شئونه الظاهريّة و البدنيّة فحسب، بل تولّى شئونه المعنويّة و الروحيّة و نموّه العقليّ بنحو أكمل و أتمّ، و علّمه العلوم الغيبيّة و أطلعه على الضمائر و الخواطر و الحوادث و الوقائع الماضية و الحاضرة و القادمة،

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۰.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۱۳، ص ۲۰۷.

معرفة الإمام ج۱۲

117
  • و الواقعة في كلّ مكان. و من الواضح أنّ تعليم مثل هذه العلوم ليس كتعليم العلوم الظاهريّة التي يكون الذهن مركزها، إذ تنقل الموضوعات إلى الذهن تدريجيّاً بواسطة الذاكرة و القوّة المفكّرة و الواهمة و الحسّ المشترك، ثمّ تخزن و يحافظ عليها. لا، ليس كذلك، بل يتحقّق تعليمها من خلال تصفية الباطن و تنوير البصيرة، إذ يرتفع حجاب الزمان و المكان في الجملة عبر تحصيل التجرّد، و ينظر الإنسان إلى الوقائع و الحوادث من وراء هذين التعيّنينِ و التقييدينِ، و يشاهد ما كان و ما يكون و ما هو كائن ثابتاً و حاضراً.

  • و من الطبيعيّ أنّ مقام الإمام أعلى ممّا ذكرناه. فهو قد بلغ مقام التجرّد المطلق. و بالجملة، رُفعت الحجب المعنويّة أيضاً من أمام بصيرته، و اجتاز الحجب العقليّة و النفسيّة، و انتهت أسفاره الأربعة، فهو لا يحيط بعالم الطبع و المثال فحسب، بل يحيط بعالم العقل و النفس و الموجودات العقلانيّة. بَيدَ أنّ هذا القدر من كشف الحجب المثاليّة و البر زخيّة التي تستلزم الاطّلاع على ضمائر العالم و مغيّباته موجود فيه. فهو حاضر في كلّ مكان، و يراقب جميع الأشياء.

  • معنى علم المنايا و البلايا و الأعمار و الملاحم و الفتن

  • و كان أمير المؤمنين عليه السلام قائماً على هذه الذروة من عَلَم العِلْم، مستشرفاً العالَم بعين بصيرته، مخصوصاً بذلك من قبل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه. و رفع كثيراً من خاصّته و حواريّيه المخلصين الأحمّاء إلى هذه الدرجة. و من هؤلاء جُوَيْرِيَة بْنِ مُسهِرٍ العَبْدِيّ الذي مرّ ذكره، و منهم رُشَيْد الهَجَريّ، و مِيثم التَّمَّار، و حبيب بن مظاهر الأسديّ، و كان لهؤلاء جميعهم علم المنايا و البلايا و الأعمار و الفتن و الملاحم.

  • و المنايا جمع مَنِيَّة، و هي الموت و مفارقة الدنيا. و من كان له هذا العلم، فهو مطّلع على آجال الناس، و يعلم أين و متى يموتون.

معرفة الإمام ج۱۲

118
  • و البلايا جمع بَلِيَّة، و هي المصيبة و المحنة. و من كان له حظّ من هذا العلم، فهو مطّلع على الحوادث و الوقائع التي تستدعي الاختبار، و ترد فيها المصائب كالزلزلة، و الطوفان، و الغرق، و الحرق، و انتشار الأمراض كالوباء، و الطاعون، و الحوادث و المصائب النازلة بالناس.

  • و الأعمار جمع عَمْر، و هو الحياة. و العُمْر و العُمُر بمعنى واحد. و من كان له نصيب من هذا العلم، فهو مطّلع على أعمار الناس و حدّها و أسباب طول العمر و قصره.

  • و الملاحم جمع مَلْحَمَة، و هي الموقعة العظيمة و القتل في الحرب. و من كان عارفاً بهذا العلم، فهو خبير بالحوادث المهمّة التي تجري في العالم، و الحروب و مواصفاتها و زمانها و مكانها، و من يقتل فيها، و من يسلم، و نتائجها، و أسبابها بنحو تامّ، أو تبعاً لسعة مدركاته المثاليّة و ضيقها.

  • و الفتن جمع فِتْنَة، و جاءت بمعنى الاختبار، و الضلال، و الكفر، و الفضيحة، و الشدّة، و الجنون، و العبرة، و المرض، و العذاب، و المال، و الأولاد، و اختلاف الناس في الآراء و الأفكار، و وقوع حوادث القتل بينهم. و من كانت له حصيلة من هذا العلم، فهو مطّلع على كيفيّة الاختبار الإلهيّ و أثره، و كذلك هو مطّلع على كفر الناس و ضلالتهم و فضيحتهم، و على ما يعسر من الامور، و ضروب المرض و العذاب، و أسباب اختلاف الناس في صنع القرار و تدبير شئونهم.

  • و يمكن أن يحصل المرء على قسم من هذه العلوم، و ربّما تجتمع كلّها عند أحد. كما يمكن أن تكون قليلة و مجملة عند البعض، أو توجد لديه في بعض الأحيان. و قد تتهيّأ للبعض بنحو تامّ و كبير و في جميع الأوقات و الظروف و الأحوال. و كانت لأمير المؤمنين عليه صلوات

معرفة الإمام ج۱۲

119
  • المصلّين هذه العلوم كافّة بكلّ أقسامها، و بنحو متواصل في الدرجة العليا من الاطّلاع و الإحاطة كما يُستشفُّ ذلك من كلماته. و يُلمس من شرح الوقائع التي نقلتها كتب التأريخ و السيرة و الحديث في أحواله و سلوكه.

  • و من ذلك ما ذكره الشيخ المفيد في «الإرشاد» عن الوليد بن حارث و غيره من رجال العامّة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بلغه ما صنعه بُسر بن أرطاة باليمن قال: اللَهُمَّ إنَّ بُسْراً قَدْ بَاعَ دِينَهُ بِالدُّنْيَا، فَاسْلُبْهُ عَقْلَهُ وَ لَا تُبْقِ لَهُ مِنْ دِينِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عَلَيْكَ رَحْمَتَكَ. أي: في الجملة لا تُبق له دينه و خذ كلّ ما عنده!

  • فبقي بُسر حتى اختلط فكان يدعو بالسيف. فاتُّخذ له سيف من خشب، فكان يضرب به حتى يغشى عليه. فإذا أفاق، قال: السيف السيف. فيُدفع إليه فيضرب به، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات.۱

  • إخبار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأمر لعنه

  • و من ذلك ما استفاض عنه عليه السلام من قوله: إنَّكُمْ سَتُعْرضُونَ مِنْ بَعْدِي عَلَى سَبِّي، فَسُبُّونِي فَإنْ عُرِضَ عَلَيْكُمُ البَرَاءَةُ مِنِّي فَلَا تَبَرَّءُوا مِنِّي، فَإنِّي وُلِدْتُ عَلَى الإسْلَامِ. فَمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ البَرَاءَةُ مِنِّي فَلْيَمْدُدْ عُنُقَهُ. (و يقل: ها هو عنقي فاضربوه و لا أتبرّأ من عليّ). فَمَنْ تَبَرَّأ مِنِّي فَلَا دُنْيَا لَهُ وَ لَا آخِرَةَ.۲

  • و على هذا الأساس ورد في رواية سُفيان بن عُيَيْنَة عن طاووس اليمانيّ أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لحُجر البدريّ: يَا حُجْرُ! كَيْفَ بِكَ إذَا اوقِفْتَ عَلَى مِنْبَرِ صَنْعَاءَ وَ امِرْتَ بِسَبِّي وَ البَرَاءَةِ مِنِّي؟ فقال

    1. «الإرشاد» ص ۱۷۷، الطبعة الحجريّة؛ و رواه المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۲، طبعة الكمبانيّ، عن« الخرائج» للراونديّ.
    2. «الإرشاد» ص ۱۷۷ و ۱۷۸.

معرفة الإمام ج۱۲

120
  • حجر: أعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ.

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: وَ اللهِ إنَّهُ كَائِنٌ، فَإذَا كَانَ ذَلِكَ فَسُبَّنِي وَ لَا تَتَبَرَّأ مِنِّي، فَإنَّهُ مَنْ تَبَرَّأ مِنِّي في الدُّنْيَا بَرِئْتُ مِنْهُ في الآخِرَةِ.

  • قال طاووس اليمانيّ: أخذ الحجّاج بن يوسف الثقفيّ حجراً و أمره أن يسبّ عليّاً. فصعد المنبر و قال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ أمِيرَكُمْ هَذَا أمَرَنِي أنْ ألْعَنَ عَلِيَّاً، ألَا فَالْعَنُوهُ لَعَنَهُ اللهُ.۱

  • و من ذلك ما رواه الوليد بن الحارث أيضاً عن الإمام عليه السلام أنّه قال: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي دَعْوُتُكُمْ إلَى الحَقِّ فَتَوَلَّيْتُمْ عَنِّي، وَ ضَرَبْتُكُمْ بِالدّرَّةِ فَأعْيَيْتُمُونِي، أمَا إنَّهُ سَيَلِيكُمْ مِنْ بَعْدِي وُلَاةٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْكُمْ بِهَذَا حتى يُعَذِّبُوكُمْ بِالسِّيَاطِ وَ الحَديدِ. إنَّهُ مَنْ عَذَّبَ النَّاسَ في الدُّنْيَا عَذَّبَهُ اللهُ في الآخِرَةِ. وَ آيَةُ ذَلِكَ أنْ يَأتِيكُمْ صَاحِبُ اليَمَنِ حتى يَحِلَّ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ فَيَاخُذُ العُمَّالَ وَ عُمَّالَ العُمَّالِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.۲

  • قال الشيخ المفيد: فكان الأمر في ذلك كما قال.۳

  • ،،، و ورد في الأمثال أنّه روى عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه أثنى عليه رجل متّهم [في تشيّعه و ولايته]، فقال عليه السلام: أنَا دُونَ مَا تَقُولُ، وَ فَوْقَ مَا تَظُنُّ في نَفْسِكَ.٤

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۳۲٦، الطبعة الحجريّة. الملحوظ هنا أنّ حجراً ذكر سبّ الإمام على سبيل التورية، و الضمير في قوله: ألَا فَالْعَنُوهُ يعود إلى« أميركم» لا إلى الإمام. و أنّ صبّ العبارة في قالب هذه الألفاظ، و ذكر السبّ بهذا الشكل كانا من أجل هذا الغرض.
    2. ( ۲ و ۳)-« الإرشاد» ص ۱۷۸.
    3. ( ۲ و ۳)-« الإرشاد» ص ۱۷۸.
    4. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲٦.

معرفة الإمام ج۱۲

121
  • و أنشد الناشي قائلًا:

  • لَهُ في كُلِّ وَجْهٍ سِمَةٌ تُنْبِئُ عَنِ العَقْدِ***فَتَسْقِى الرِّجْسَ بِالغَيّ وَ تُحْظِى البِرَّ بِالرُّشْدِ ۱

  • و جاء في كتاب «المعرفة و التأريخ» للنسويّ أنّه قال: قال رزين الغافقيّ: سمعتُ عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: يَا أهْلَ العِرَاقِ! سَيُقْتَلُ مِنْكُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ بِعَذْرَاءَ،۲ فقُتل حُجر [بن عديّ] و أصحابه [بعذراء].۳

  • إخباره عليه السلام بمقتل حُجر بن عديّ

  • و كان حُجْر بن عديّ الكِنْديّ الكوفيّ من أعاظم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، و من أبدالهم، و كان مشهوراً في العرب بكياسته و زهده و عبادته. قيل: كان يصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة. و تحدّث عنه أصحاب التراجم و الرجال مفصّلًا. منهم: ابن الأثير في «اسد الغابة». و فيما يأتي شيء من سيرته و خصوصيّاته نقلًا عن كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ الأندلسيّ:

  • كان حُجر بن عديّ الكنديّ من فضلاء الصحابة و صغر سنّه عن كبارهم. و كان على كندة يوم صفّين. و كان على الميسرة يوم النهروان. و لمّا ولّى معاوية زياداً [ابن أبيه] العراق و ما وراءه، و أظهر من الغلظة و سوء السيرة ما أظهر، خلعه حجر و لم يخلع معاوية. و تابعه جماعة من٤

  • معرفة الإمام ؛ ج۱۲ ؛ ص۱۲۱
    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۷.
    2. جاء في« معجم البلدان» أنّ عذراء قرية معروفة بغوطة دمشق من إقليم خولان. و بها منارة. و بها قُتل حُجر بن عديّ الكنديّ، و بها قبره. و قيل: إنّ حجراً هو الذي فتحها- انتهى. و غوطة موضع بالشام به مياه و أشجار كثيرة. و يقال لها غوطة دمشق. و قال الفيروزآباديّ: عذراء موضع بالشام على بريد( أربعة فراسخ) من دمشق أو قرية بالشام.
    3. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲٩.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

122
  • أصحاب على عليه السلام و شيعته. و حصبه حجر يوماً في تأخير الصلاة هو و أصحابه.

  • فكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمره أن يبعث به إليه. فبعث به إليه مع وائل بن حجر الحضرميّ في اثني عشر رجلًا كلّهم في الحديد. فقتل معاوية منهم ستّة و استحيا ستّة. و كان حُجر بن عديّ ممّن قُتل.

  • فبلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام [و قالت له]: الله الله في حُجْر وَ أصْحَابِهِ. فوجده عبد الرحمن قد قُتل هو و خمسة من أصحابه. فقال عبد الرحمن لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر و أصحابه؟ أ لا حبستهم في السجون و عرضتهم للطاعون؟ فقال معاوية: حين غاب عنّي مثلك من قومي.

  • قال عبد الرحمن: و الله، لا تعدّ لك العرب حلماً بعد هذا أبداً و لا رأياً. قتلتَ قوماً بعث بهم إليك اسارى من المسلمين. قال معاوية: فما أصنع؟ كتب إلى فيهم زياد يشدّد أمرهم و يذكر أنّهم سيفتقون عَلَيّ فتقاً لا يرقع.

  • ثمّ قدم معاوية المدينة فدخل على عائشة. فكان أوّل ما بدأته به قتل حجر في كلام طويل جرى بينهما. ثمّ قال: فدعيني و حجراً حتى نلتقي عند ربّنا.

  • و الموضع الذي قُتل فيه حُجر بن عديّ و من قتل معه من أصحابه يعرف بمرج عذراء ... فلمّا قدّم للقتل، قال: دعوني اصلّي ركعتين، فصلّاهما خفيفتين ... ثمّ قال لمن حضر من أهله: لا تطلقوا عنّي حديداً، و لا تغسلوا عنّي دماً فإنّي مُلاقٍ معاوية على الجادّة.

  • و قال مبارك بن فضالة: سمعتُ الحسن [البصريّ] يقول و قد ذكر

معرفة الإمام ج۱۲

123
  • معاوية و قتل حجراً و أصحابه: وَيْلٌ لِمَنْ قَتَلَ حُجْراً وَ أصْحَاب حُجْرٍ.

  • و قال أحمد: قلتُ ليحيى بن سليمان: أ بَلَغَكَ أنَّ حُجْراً كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ؟ قَالَ: نَعَم، وَ كَانَ مِنْ أفَاضِلِ أصْحَابِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ.

  • و روينا عن سعيد المَقْبُرِيّ، قال: لمّا حجّ معاوية، جاء المدينة زائراً، فاستأذن على عائشة، فأذنت له. فلمّا قعد، قالت له: يا معاوية! أ أمنتَ أن اخبئ لك من يقتلك بأخي محمّد بن أبي بكر؟ فقال: بيت الأمان دخلتُ. قالت: يا معاوية! أ ما خشيتَ الله في قتل حجر و أصحابه؟ قال: إنّما قتلهم من شهد عليهم.

  • و عن مسروق بن الأجدع قال: سمعت عائشة تقول: أمَا وَ اللهِ لَوْ عَلِمَ مُعَاوِيَةُ أنَّ عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ مَنْعَةً مَا اجْتَرَأ عَلَى أنْ يَأخُذَ حُجْرَاً وَ أصْحَابَهُ مِنْ بَيْنِهُمْ حتى يَقْتُلَهُمْ بِالشَّامِ، وَ لَكِنَّ ابْنَ آكِلَةِ الأكْبَادِ. (هند آكلة الأكباد زوجة أبي سفيان، و امّ معاوية، أكلت كبد حمزة سيّد الشهداء في غزوة احد) عَلِمَ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ النَّاسُ. أمَا وَ اللهِ إنْ كَانُوا لِجُمْجُمَةِ العَرَبِ عِزَّاً وَ مَنْعَةً وَ فِقْهَاً. لِلَّهِ دَرُّ لُبَيْدٍ حَيْثُ يَقُولُ:

  • ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ***وَ بَقِيتُ في خَلَفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

  • لَا يَنْفَعُونَ وَ لَا يُرَجَّى خَيْرُهُمْ***وَ يُعَابُ قَائِلُهُمْ وَ إنْ لَمْ يَشْغَبِ

  • (أي: أنّ الذين ماتوا من الماضين كانوا كالحيوان الصحيح السالم البدين و كنتُ اواصل حياتي بفضلهم، و لكنّ الباقين ليسوا أصحّاء، و ليسوا أهل بُدنة، فهم كجلد البعير و الثور الأجرب، فلا ينتفع بهم).

  • و لمّا بلغ الربيع بن زياد الحارثيّ من بني الحارث بن كعب، و كان فاضلًا جليلًا، و كان عاملًا لمعاوية على خراسان و كان الحسن بن أبي الحسن كاتبه؛ فلمّا بلغه قتل معاوية حجر بن عديّ، دعا الله عزّ و جلّ فقال: اللهمّ

معرفة الإمام ج۱۲

124
  • إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك و عجّل. فلم يبرح من مجلسه حتى مات. و كان قتل معاوية لحجر بن عديّ سنة إحدى و خمسين.۱

  • إخباره عليه السلام بالحوادث التي ستقع بعده

  • و ممّا أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من الفتن الواقعة بعده أنّه لمّا رأى عجز الناس في الكوفة عن القيام بالحقّ، قام خطيباً فيهم فقال: مَعَ أي إمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ وَ أي دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ؟ أمَا إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ أثَرَةً قَبِيحَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ عَلَيْكُمْ سُنَّةً.۲

  • و قال لأهل الكوفة: أمَ إنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ رَحِيبُ البُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ البَطْنِ، يَأكُلُ مَا يَجِدُ، وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ. ألَا وَ إنَّهُ سَيَأمُرُكُمْ بِسَبِّي وَ البَرَاءَةِ مِنِّي. أمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، وَ أمَّا البَرَاءَةُ مِنِّي فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي، فَإنِّي وُلِدْتُ عَلَى الفِطْرَةِ، وَ سَبَقْتُ إلَى الإسْلَامِ وَ الهِجْرَةِ- يعني معاوية.۳

    1. «الاستيعاب» ج ۱، ص ۳۲٩ إلى ۳۳۲، رقم التسلسل ٤۸۷. تشرّف حُجر بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بالحضور عند رسول الله صلى الله عليه و آله، و معه أخوه هاني بن عديّ. شهد فتح القادسيّة، و هو الذي فتح مرج عذراء، و بها استشهد. و كان رجلًا عظيماً و مستجاب الدعوة، و من خاصّة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. جاءت ترجمته في« الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج ٦، ص ۲۱۷ إلى ۲۲۰، طبعة بيروت، مفصّلًا؛ و في« اسد الغابة» لابن الأثير الجزريّ، ج ۱، ص ۳۸۵ و ۳۸٦؛ و في« الإصابة» لابن حجر العسقلانيّ، ج ۱، ص ۳۱۳ و ۳۱٤، رقم ۱٦۲٩، مفصّلًا.
    2. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲٩، الطبعة الحجريّة.
    3. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲٩، الطبعة الحجريّة، و رواها المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ٤۱٩، طبعة الكمبانيّ، عن« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد؛ و ذكر ابن أبي الحديد هذه الخطبة في شرحه، طبعة مصر، دار الإحياء، ج ٤، ص ۵٤ إلى ۱۲۸، و تطرّق في شرحه إلى سبّ أمير المؤمنين عليه السلام منذ زمن معاوية إلى زمن عمر بن عبد العزيز،
      و تناول ذلك مفصّلًا، و ذكر الأشخاص الذين كانوا يسبّون، كما ذكر المنحرفين عن الإمام و المعاندين له، و الروايات الموضوعة في ذمّه. و شرحه يحتوي على تحقيقات تأريخيّة.

معرفة الإمام ج۱۲

125
  • و ذكر محمود الزمخشريّ في كتاب «الفائق» قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَمَاحِلَةً رُدُحاً وَ بَلَاءً مُبْلِحاً.۱

  • و قال ابن الأثير الجزريّ: الرَّدْح: الثَّقْل. يقال: امْرَأةٌ رَدَاحٌ، أي: ثَقِيلَةُ الكَفلَ. و منه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَمَاحِلَةً رُدُحَاً. المتماحلة يعني المتطاولة. و رُدُح الثقيلة العظيمة، واحدها رَدَاح، يعني الفتن. و رُوي: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنَاً مُرْدِحَةً. أي: مثقلة. و قيل: مغطّية على القلوب، من أردحتُ البيت إذا سترتُه.۲

  • و قال ابن الأثير أيضاً: المَحْل بمعنى الدفاع و الجدال و المكر و الشدّة. و منه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَماحِلَةً. أي: فتناً طويلة المدّة. و المتماحل من الرجال: الطويل.۳

  • و قال أيضاً: البَلْح: الشدّة التي ترهق الرجل فلم يقدر أن يتحرّك. و منه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَناً وَ بَلَاءً مُكْلِحاً مُبْلِحاً. أي: مُعيياً بحيث يسلب الرجل قدرته.٤

  • و قال كذلك: ورد الكَلْح في حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتنَاً وَ بَلَاءً مُكْلِحاً مُبْلِحاً. و الكُلُوح: العُبُوس. يقال: كَلَحَ الرَّجُلُ وَ أكْلَحَهُ

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲٩، الطبعة الحجريّة.
    2. «النهاية في غريب الحديث و الأثر» ج ۲، ص ۲۱۳، باب الراء مع الدال، كلمة رَدَحَ.
    3. «النهاية في غريب الحديث و الأثر» ج ٤، ص ۳۰٤، باب الميم مع الحاء، كلمة مَحَلَ.
    4. «النهاية» لابن الأثير، ج ۱، ص ۱۵۱، باب الباء مع اللام، كلمة بَلَحَ.

معرفة الإمام ج۱۲

126
  • الهَمُّ.۱

  • إن هذه الكلمات كلّها تشير إلى ظهور زمان عَسِر عصيب جدّاً. الإسلام فيه مضيّع مغارٌ عليه. و أنّ التوحيد و العرفان و الولاية و الصدق، كلّ اولئك جريمة لا تغتفر. و من الواضح أنّ في كلامه إشارة إلى الحكومة الأمويّة التي تمثّلت بمعاوية و يزيد و مروان و بني مروان. و كانت عصورهم من أشدّ العصور و أهلكها إذ ضُيّق فيها على اولي البصائر و الضمائر الحيّة و العواطف الصادقة.

  • إخباره عليه السلام بمواصفات بني العبّاس

  • و من جملة إخباره عليه السلام خبر تحدّث فيه عن حكومة بني اميّة و بني العبّاس، و أشار فيه إلى بعض المواصفات و المعالم التي كان عليها عدد من الحكّام العبّاسيّين كرأفة حاكمهم الأوّل عبد الله السفّاح، و فتك ثانيهم، و هو المنصور، و عظمة سلطان خامسهم، و هو هارون الرشيد، و دهاء سابعهم و علمه، و هو المأمون، و شدّة بغض عاشرهم و عدائه لأهل

    1. «النهاية» لابن الأثير، ج ٤، ص ۱٩٤، باب الكاف مع اللام، كلمة كَلَحَ.
      و كلامه هذا عليه السلام ككلامه الذي رواه النعمانيّ في كتاب« الغيبة» عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر بالكوفة فقال: وَ إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَناً مُظْلِمَةً عَمْياءَ مُنْكَسِفَةً لَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا النُّومَةُ. قِيلَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَا النُّوَمَةُ؟ قَالَ: الذي يَعْرِفُ النَّاسَ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ- الخبر(« غيبة النعمانيّ» ص ۱٤۱، طبعة مكتبة الصدوق. قال ابن الأثير في« النهاية» ج ۵، ص ۱۳۱، مادّة نوم: و في حديث عليّ عليه السلام أنّه ذكر آخر الزمان و الفتن، ثمّ قال: خير أهل ذلك الزمان كلّ مؤمن نُومة بوزن الهُمَزَة الخامل الذكر الذي لا يؤبه له. و قيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشرّ و أهله. و قيل: النُّوَمَة بالتحريك الكثير النوم. و أمّا الخامل الذي لا يؤبه له، فهو بالتسكين. و من الأوّل حديث ابن عبّاس أنّه قال لعليّ عليه السلام: مَا النُّوَمَة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة، فلا يبدو منه شيء.

معرفة الإمام ج۱۲

127
  • البيت، و هو المتوكّل، و ذكّر بقتله من قبل ابنه. و ألمح إلى كثرة عناء خامس عشرهم و هو المعتمد، ذلك أنّه ابتُلى بمحاربة صاحب الزنج. و أشار إلى إحسان سادس عشرهم إلى العلويّين، و هو المعتضد، و ذكر قتل الحاكم الثامن عشر منهم، و هو المقتدر، و نبّه على سيطرة أولاده الثلاثة على السلطة، و هم الراضي، و المطيع، و المتّقي، كما هو مسطور في التأريخ.

  • قال ابن شهرآشوب في مناقبه: و من خطبة له عليه السلام: وَيْلُ هَذِهِ الامَّةِ مِنْ رِجَالِهِمْ، الشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ التي ذَكَرَهَا رَبُّكُمْ تعالى، أوَّلُهُمْ خَضْرَاءُ وَ آخِرُهُمْ هَزْمَاءُ. ثُمَّ تَلِى بَعْدَهُمْ أمْرَ امَّةِ مُحَمَّدٍ رِجَالٌ: أوَّلُهُمْ أرْأفُهُمْ، وَ ثَانِيهِمْ أفْتَكُهُمْ، وَ خَامِسُهُمْ كَبْشُهُمْ، وَ سَابِعُهُمْ أعْلَمُهُمْ، وَ عَاشِرُهُمْ أكْفَرُهُمْ يَقْتُلُهُ أخَصُّهُمْ بِهِ، وَ خَامِسُ عَشَرِهِمْ كَثِيرُ العَنَاءِ قَلِيلُ الغِنَاءِ، وَ سَادِسُ عَشَرِهِمْ أقْضَاهُمْ لِلذِّمَمِ وَ أوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ. كَأنِّي أرَى ثَامِنُ عَشَرِهِمْ تُفْحَصُ رِجْلَاهُ في دَمِهِ بَعْدَ أنْ يَأخُذَ جُنْدُهُ بِكَظَمِهِ، مِنْ وُلْدِهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ سِيَرتُهُمْ سِيرَةُ الضُّلَّالِ. وَ الثَّانِي وَ العِشْرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الهَرِمُ تَطُولُ أعْوَامُهُ وَ تَوافِقُ الرَّعِيَّةَ أيَّامُهُ. السَّادِسُ وَ العِشْرُونَ مِنْهُمْ يَشْرُدُ المُلْكُ مِنْهُ شُرُودَ المُنْفَتِقِ، وَ يَعْضُدُهُ الهَزْرَةُ المُتَفَيْهِقُ، لَكَأنِّي أرَاهُ عَلَى جِسْرِ الزَّوْرَاءِ قَتِيلًا. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ «وَ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ».۱

  • يشير الإمام عليه السلام في مستهلّ خطبته إلى سلاطين بنى اميّة الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بالشجرة الملعونة. و لمّا كانت حكومة معاوية- و هو أوّلهم- ذات قدرة و سيطرة و عيش رغيد لهم، لذلك سمّاها

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۱، الطبعة الحجريّة؛ و الآية المذكورة في آخر الخطبة هي الآية ۱۰، من السورة ۲۲: الحجّ.

معرفة الإمام ج۱۲

128
  • الشجرة الخضراء. و لمّا كانت حكومة آخرهم، و هو مروان الحمار، قد أتى عليها الدهر فظهر فيها التصدّع و الانكسار و الثغرات، لذا أطلق عليها عنوان الشجرة الهزماء. ثمّ ينقل لنا عليه السلام مواصفات الملوك العبّاسيّين، كما عرضناها آنفاً، فيصل إلى الثامن عشر منهم و هو المُقْتَدِر. فلمّا فرّ مؤنس الخادم من عسكره، و أتى الموصل، و استولى عليه، و جمع جيشاً، و رجع، و حارب المقتدر في بغداد، و هزم عسكره، و قُتل المقتدر في المعركة، و استولى على الحكومة من بعده ثلاثة من أولاده، لهذا ذكره الإمام عليه السلام بقوله: كأنّي أرى ثامن عشرهم تُفْحَصُ رِجلاه في دمه بعد أن يأخذ جنده بكظمه، من وُلده ثلاثة رجال سيرتهم سيرة الضُّلّال.

  • و الثاني و العشرون منهم الشيخ الهرم تطول أعوامه و توافق الرعيّة أيّامه. قال المجلسيّ هنا في شرح هذه الخطبة: الثاني و العشرون من بني العبّاس هو المُكْتَفِي بِاللهِ عَبْدُ اللهِ، ادّعى الخلافة بعد مضيّ إحدى و أربعين من عمره في سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة. و استولى أحمد بن بَابَوَيْه على بغداد في سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة. و أخذ المكتفي و سمل عينيه، و توفّي المكتفي في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة. و قيل: كانت أيّام خلافته سنة و أربعة أشهر. و على هذا يحتمل أنّ يكون لفظ (الثاني و العشرين) من خطأ المؤرّخين أو رواة الحديث بأن يكون في الأصل الخامس و العشرون أو السادس و العشرون. فالأوّل هو القادر بالله أحمد بن إسحاق و قد عمّر ستّاً و ثمانين سنة. و كانت مدّة حكومته إحدى و أربعين سنة. و الثاني هو القائم بأمر الله، كان عمره ستّاً و سبعين سنة، و حكومته أربعاً و أربعين سنة و ثمانية أشهر.

  • و قال المجلسيّ بعد عرض الاحتمالات الاخري: و يحتمل أن يكون المراد بالسادس و العشرين المُسْتَعْصِم بالله فإنّه قُتل، و شرد الملك منه

معرفة الإمام ج۱۲

129
  • شرود المنفتق حتى ضاع كلّه شيئاً فشيئاً. و اعتراه الغبن و الخسران من جميع الجهات بنحو واسع (يَشْرُدُ المُلْكُ مِنْهُ شُرُودَ المُنْفَتِقِ وَ يَعْضُدُهْ الهَزْرَةُ المُتَفَيْهِقُ). و كان المستعصم آخر الحكّام العبّاسيّين. و إنّما عبّر عنه الإمام بالسادس و العشرين مع كونه السابع و الثلاثين منهم لكونه السادس و العشرين من عظمائهم لعدم استقلال كثير منهم، و كونهم مغلوبين للملوك و الأتراك.۱

  • إخباره عليه السلام بخراب المدن و غارة المغول

  • و من هذه الخطبة: سَيَخْرِبُ العِرَاقُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَكْثُرُ بَيْنَهُمَا الجَرِيحُ وَ القَتِيلُ- يَعْنِي طُرْلِيكَ وَ الدّوَيْلِمَ- لَكَأنِّي اشَاهِدُ بِهِ دِمَاءَ ذَوَاتِ الفُرُوجِ بِدِمَاءِ أصْحَابِ السُّرُوجِ. وَيْلٌ لإهْلِ الزَّوْرَاءِ مِنْ بَنِي قَنْطُورَةَ.۲

  • نقل المجلسيّ في شرحه عن الجزريّ ما نصّه: في حديث حُذيفة: يُوشِكُ بِنُو قَنْطُورَاءَ أنْ يُخْرِجُوا أهْلَ العِرَاقِ مِنْ عِرَاقِهِمْ- وَ يُرْوَي: أهْلَ البَصْرَةِ مِنْهَا- كَأنِّي بِهِمْ خُنْسُ الانُوفِ، خُزْرُ العُيُونِ، عِرَاضُ الوُجُوهِ.۳

  • قيل: إنّ قَنْطُورَاءَ كانت جارية لإبراهيم الخليل عليه السلام. ولدت له أولاداً منهم الترك و الصين. و منه حديث عمرو بن العاص: يوشك بَنُو قَنْطُورَاء أن يُخرجوكم من أرض البصرة. و حديث أبي بكرة: إذا كان آخر الزمان جاء بَنُو قَنْطُورَاء.٤

  • و من هذه الخطبة: لَكَأنِّي أرَى مَنْبَتَ الشِّيحِ (نبات معطّر) عَلَى ظَاهِرِ أهْلِ الحِضَّةِ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ وَقْعَتَانِ يَخْسَرُ فِيهَا الفَرِيقَانِ- يَعْنِي وَقْعَةَ

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۷ و ۵۸۸، طبعة الكمبانيّ. و ورد في نسخة المجلسيّ: يشرد الملك منه شرود النِّقْنِقِ. و قال في شرحه: قال الفيروزآباديّ: النِّقْنِقُ كزِبرج الظليم أو النافر أو الخفيف.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۱؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۸.
    3. ( ۳ و ٤)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۸؛ و« النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج ٤، ص ۱۳۳.
    4. ( ۳ و ٤)-« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۸؛ و« النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج ٤، ص ۱۳۳.

معرفة الإمام ج۱۲

130
  • المُوصِلِ- حتى سُمِّي بَابَ الأذَانِ. وَ وَيْلٌ لِلطِّينِ مِنْ مُلَابَسَةِ الأشْرَاكِ. وَ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ مُخَالَطَةِ الأتْرَاكِ. وَيْلٌ لُامَّةِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ تَحْمِلْ أهْلَهَا البُلْدَانُ، وَ عَبَرَ بَنُو قَنْطُورَةَ نَهْرَ جَيْحَانَ، وَ شَرَبُوا مَاءَ دِجْلَةَ، وَ هَمُّوا بِقَصْدِ البَصْرَةِ وَ الإيلَةِ. وَ أيْمُ اللهِ لَتَعْرَفُنَّ بَلْدَتَكُمْ حتى كَأنِّي أنْظُرُ إلَى جَامِعِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.۱

  • و جاء في رواية «بحار الأنوار»: وَ أيْمُ اللهِ لَتَغْرِقَنَّ بَلْدَتُكُمْ- إلى آخره.۲

  • ،،، و قال ابن شهرآشوب في مناقبه: روى قتادة عن سعيد بن المسيّب أنّه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها،۳ فقال عليه السلام في خبر طويل انتخبنا منه: تخرب سمرقند و جاح، و خوارزم، و أصفهان، و الكوفة من التُّرك. و همدان، و الري من الديلم. و طبريّة، و المدينة، و فارس بالقحط و الجوع. و مكّة من الحبشة. و البصرة، و بلخ من الغرق، و السند من الهند. و الهند من تبّت. و تبّت من الصين. و بذشجان، و صاغاني، و كرمان، و بعض الشام بسنابك الخيل و القتل. و اليمن من الجراد و السلطان. و سجستان و بعض الشام بالزنج. و شامان بالطاعون. و مرو بالرمل. و هرات بالحيّات. و نيسابور من قبل انقطاع الخير و البركة. و آذربايجان بسنابك

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۱، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۷، طبعة الكمبانيّ.
    2. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۷.
    3. الآية ۵۸، من السورة ۱۷: الإسراء.

معرفة الإمام ج۱۲

131
  • الخيل و الصواعق. و بُخارى بالغرق و الجوع. و الحلم و بغداد يصير عاليها سافلها.۱

  • إخباره عليه السلام بمواصفات مدينة الزوراء

  • و من جملة إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيّبات و الملاحم ما ذُكر في خطبته اللؤلؤيّة. و هذه الخطبة من خطبه المهمّة سلام الله عليه. نقلها الشيخ الأجلّ عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ القمّيّ في كتاب «كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الاثني عشر»۲ بسنده المتّصل عن عليّ بن حسن بن مندة، عن محمّد بن الحسين الكوفيّ المعروف بأبي الحكم، عن إسماعيل بن موسى بن إبراهيم، عن سليمان بن حبيب، عن شريك، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة بن قيس،

    1. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۱، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸۸، طبعة الكمبانيّ. و قال في شرح هذه العبارات: قال الفيروزآباديّ: نَجْدُ الجاح موضع باليمن. و روضة خاخ بين مكّة و المدينة. و قال: صغانيان كورة عظيمة بما وراء النهر. و صاغاني معرّب جغانيان. و بعض ألفاظه لم يتبيّن معناها.
    2. قال ابن شهرآشوب في« معالم العلماء»، ص ٦۳، رقم ٤٦٦: عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ، و يقال له القمّيّ. له كتب في الكلام و في الفقه. من كتبه:« الأحكام الشرعيّة على مذهب الإماميّة»،« الإيضاح في الاعتقاد»،« الكفاية في النصوص». و قال شيخنا العلّامة الآغا بزرگ الطهرانيّ في« الذريعة» ج ۱۸، ص ۸٦ و ۸۷ تحت الرقم ۸۰٦:« كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الاثني عشر» للشيخ الأقدم عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ. و يقال له: القمّيّ. الراوي عن الشيخ الصدوق، و أبي المفضّل محمّد بن عبد الله الشيبانيّ، و القاضي أبي الفرج معافا بن زكريا، و أبي عبد الله الحسين بن سعيد الخزاعيّ، و عليّ بن الحسين بن عليّ بن مندة، و أحمد بن محمّد بن عيّاش الجوهريّ صاحب كتاب« مقتضب الأثر». ذكر ابن شهرآشوب هذا الكتاب في« معالم العلماء» معبّراً عنه بالكفاية في النصّ. و قد نقل عنه المولى محمّد باقر المجلسيّ في« بحار الأنوار» فتوهّم أنّه للصدوق أو للمفيد. فلا وَجْهَ لَهُ.

معرفة الإمام ج۱۲

132
  • قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة، خطبته اللؤلؤيّة فقال فيما قال في آخرها: ألَا وَ إنِّي ظَاعِنٌ عَنْ قَرِيبٍ وَ مُنْطَلِقٌ إلى المَغيبِ، فَارتَقِبُوا الفِتْنَةَ الأمَوِيَّةَ وَ المَمْلَكَةَ الكِسْرَوِيَّةَ، وَ إمَاتَةَ مَا أحْيَاهُ اللهُ، وَ إحْيَاءَ مَا أمَاتَهُ اللهُ، وَ اتَّخِذُوا صَوَامِعَكُمْ بُيُوتَكُمْ، وَ عَضُّوا عَلَى مِثْلِ جَمْرِ الغَضَا، وَ اذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً فَذِكْرُهُ أكْبَرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

  • ثُمَّ قَالَ: وَ تُبْنَى مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَ دُجَيْلٍ وَ الفُرَاتِ. فَلَوْ رَأيْتُمُوهَا مُشَيَّدَةً بِالجِصِّ وَ الآجُرِّ، مُزَخْرَفَةً بِالذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ وَ اللَّازِوَرْدِ المُسْتَسْقَى وَ المَرْمَرِ وَ الرُّخَامِ۱ وَ أبْوَابِ العَاجِ وَ الأبْنُوسِ وَ الخِيمِ وَ القُبَابِ وَ السِّتَاراتِ وَ قَدْ عُلِيَتْ بِالسَّاجِ وَ العَرْعَرِ وَ الصَّنَوْبَرِ وَ الشَّبِّ وَ شُيِّدَتْ بِالقُصُورِ، وَ تَوَالَتْ عَلَيْهَا مُلْكُ بَنِي شَيْصَبَانَ: أرْبَعَةٌ وَ عِشْرونَ مَلِكاً عَلَى عَدَدِ سِنِي المُلْكِ «كد»، فِيهُمُ السَّفَّاحُ وَ المِقْلَاصُ وَ الجَمُوعُ وَ الخَدُوعُ وَ المُظَفَّرُ وَ المُؤَنَّثُ وَ النَّظَّارُ وَ الكَبْشُ وَ المُتَهَوِّرُ وَ العَشَّارُ وَ المُضْطَلِمُ وَ المُسْتَصْعَبُ وَ العَلَّامُ وَ الرَّهْبَانِيّ وَ الخَلِيعُ وَ السَّيَّارُ وَ المُتْرَفُ وَ الكَدِيدُ وَ الأكْتَبُ وَ المُتْرَفُ وَ الأكْلَبُ وَ الوَثِيمُ وَ الظَّلَّامُ وَ العَيْنُوقُ. (و هم بالترتيب: السفّاح، و المنصور، و المهدي، و الهادي، و الرشيد، و الأمين محمّد بن زبيدة، و المأمون، و المعتصم، و الواثق، و المنتصر، و المستعين، و المعتزّ، و المعتمد، و المعتضد، و المتَّقي، و المقتدر، و القاهر، و الراضي، و المكتفي، و المطيع.)

  • وَ تُعْمَلُ القُبَّةُ الغَبْرَاءُ ذَاتُ الفَلَاةِ الحَمْرَاءِ، وَ في عَقِبِهَا قَائِمُ الحَقِّ يُسْفِرُ عَنْ وَجْهِهِ بَيْنَ الأقَالِيم كَالقَمَرِ المُضِيءِ بَيْنَ الكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ. ألَا وَ إنَ

    1. قال في« شرح القاموس»: رُخام كغُراب حجر أبيض رخو سهل. و ما كان منه خمريّاً أو أصفر أو زرزوريّاً، فمن أصناف الحجارة.

معرفة الإمام ج۱۲

133
  • لِخُرُوجِهِ عَلَامَاتٍ عَشْر: أوَّلُهَا طُلُوعُ الكَوْكَبِ ذِي الذَّنَبِ وَ يُقَارِبُ مِنَ الحَادِي، وَ يَقَعُ فِيهِ هَرْجٌ وَ مَرْجٌ وَ شَغَبٌ، وَ تِلْكَ عَلَامَاتُ الخِصْبِ، وَ مِنَ العَلَامَةِ إلَى العَلَامَةِ عَجَبٌ. فَإذَا انْقَضَتِ العَلَامَاتُ العَشْرُ إذْ ذَاكَ يَظْهَرُ بِنَا القَمَرُ. وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ لِلَّهِ عَلَى التَّوْحِيدِ.۱

  • قال المجلسيّ في شرح هذا الخبر: الشَّيْصَبَانُ اسم الشيطان. و بنو العبّاس هم أشراك الشيطان. و إنّما عدّهم أربعة و عشرين مع كونهم سبعة و ثلاثين لعدم الاعتناء بمن قلّ زمان ملكه و ضعف سلطانه منهم.۲

  • و قال عليّ بن محمّد الخزّاز الرازيّ الذي نقل الرواية في كتابه إلى هذا الموضع: فقام إليه رجل يقال له: عامر بن كثير، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أخبرتنا عن أئمّة الكفر و خلفاء الباطل، فأخبرنا عن أئمّة الحقّ و ألسنة الصدق بعدك.

  • قال: نعم، إنّه لعهد عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً، تسعة من صلب الحسين. و لقد قال لي رسول الله: لمّا عُرج بي إلى السماء، نظرت إلى ساق العرش فإذا فيه مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، أيَّدْتُهُ بِعَلِيّ، وَ نَصَرْتُهُ بِعَلِيّ. و رأيت اثني عشر نوراً، فقلتُ: يا ربّ! أنوار من هذه؟ فنوديتُ: يا محمّد! هذه أنوار الأئمّة من ذرّيّتك.

    1. «كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الأثني عشر» في مجموعة مطبوعة في جزء واحد مجلّد يضمّ« الأربعون» للمجلسيّ، و« الخرائج و الجرائح» للراونديّ، ص ۳۱۵ و ۳۱٦. و من الطبيعيّ أنّ لهذه الرواية تتمّة لكنّنا ذكرنا منها هنا مقدار الحاجة ممّا يتعلّق بإخباره عليه السلام عن الملوك العبّاسيّين. و هذا المقدار نفسه ذكره ابن شهرآشوب في مناقبه ج ۱، ص ٤۲٩، و المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵۸٩، طبعة الكمبانيّ، عن« كفاية الأثر».
    2. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۰.

معرفة الإمام ج۱۲

134
  • [قال أمير المؤمنين عليه السلام]: قلتُ: يا رسول الله! أ فلا تسمّيهم لي؟! قال: نعم، أنتَ الإمام و الخليفة بعدي، تقضي دَيني و تنجز عِداتي. و بعدك ابناك الحسن و الحسين. بعد الحسين ابنه عليّ زين العابدين، و بعده ابنه محمّد يدعى بالباقر. و بعد محمّد ابنه جعفر يدعى بالصادق، و بعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم، و بعد موسى ابنه عليّ يُدعى بالرضا، و بعد عليّ ابنه محمّد يُدعى بالزكيّ، و بعد محمّد ابنه عليّ يدعى بالنقيّ، و بعد عليّ ابنه الحسن يدعى بالأمين، و القائم من ولد الحسن سميّي و أشبه الناس بي، يَمْلُاهَا قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً- الحديث.۱

  • إخباره عليه السلام بمقتل بعض أصحابه

  • و من ذلك، قال ابن شهرآشوب: قال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة القصّيّة: العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ. و قوله عليه السلام: وَ أي عَجَبٍ أعْجَبُ مِنْ أمْوَاتٍ يَضْرِبُونَ هَامَاتِ الأحْيَاءِ.۲

  • لقد أخبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بمقتل ثلّة من أصحابه، منهم: حُجر بن عَديّ، و رُشَيْد الهَجَريّ، و كُمَيْل بن زياد [النَّخَعيّ]، و ميثَم التَّمَّار و محمّد بن أكْتَم، و خالد بن مسعود، و حبيب بن مَظاهر، و جُوَيْرِيَة ابن مُسْهِر، و عمرو بن الحَمِق، و قنبر، و مُذَرَّع،۳ و غيرهم. و وصف قاتليهم و كيفيّة قتلهم.٤

  • و قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: و من ذلك ما رواه عبد العزيز بن صهيب، عن أبي العالية قال: حدّثني مُزَرَّع بن عبد الله، قال: سمعتُ

    1. «كفاية الأثر» ص ۳۱٦.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۳۰، الطبعة الحجريّة.
    3. جاء في النسخة البدل: مزرّع.
    4. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸.

معرفة الإمام ج۱۲

135
  • أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أمْ وَ اللهِ لَيُقْبِلَنَّ جَيْشٌ حتى إذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ.

  • [قال أبو العالية:] فقلتُ له: إنّك لتحدّثني بالغيب؟ قال: احْفَظْ مَا أقُولُ لَكَ؛ وَ اللهِ لَيَكُونَنَّ مَا أخْبَرَنِي بِهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ لَيُؤْخَذَنَّ رَجُلٌ فَلَيَقْتُلَنَّ وَ ليُصلَبَنَّ بَيْنَ شُرْفَتَيْنِ مِنْ شُرَفِ هَذَا المَسْجِدِ.

  • قال أبو العالية: قلتُ له: إنّك لتحدّثني بالغيب؟ قال مزرّع: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ المَأمُونُ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.

  • قال أبو العالية: فَمَا أتَتْ عَلَيْنَا جُمُعَةٌ حتى اخِذَ مُزَرَّعٌ فَقُتِلَ وَ صُلِبَ بَيْنَ الشُّرْفَتَيْنِ. قَالَ: وَ قَدْ كَانَ حَدَّثَنِي بِثَالِثَةٍ فَنَسِيتُهَا.۱

  • روى ابن شهرآشوب هذا الحديث في مناقبه.۲ و رواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن أبي داود الطيالسيّ، عن سليمان بن زريق، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أبي العالية، عن مزرّع. و قال ابن أبي الحديد في آخره: أقول: حديث الخسف بالجيش قد خرّجه البخاريّ، و مسلم في الصحيحين عن امِّ سَلِمَة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: يَعُوذُ قَوْمٌ بِالبَيْتِ حتى إذَا كَانُوا بِالبَيْداءِ خُسِفَ بِهِمْ.

  • قالت امّ سلمة: فقلتُ: يا رسول الله لعلّ فيهم المكره أو الكاره. فقال: يخسف بهم. و لكن قال: يحشرون- أو قال: يبعثون- على نيّاتهم يوم القيامة.

    1. «الإرشاد» ص ۱۸۰ و ۱۸۱، الطبعة الحجريّة؛ و« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ۲، ص ۲٩٤ و ۲٩۵، طبعة مصر، دار الإحياء، و تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

136
  • قال الراويّ: فسئل أبو جعفر محمّد بن عليّ، أ هي بيداء من الأرض؟ فقال: كَلَّا؛ و اللهِ إنَّهَا بَيْدَاءُ المَدِينَةِ. أخرج البخاريّ بعضه، و أخرج مسلم الباقي.۱

  • إخباره عليه السلام باستشهاد عمرو بن الحَمِق الخزاعيّ

  • قال ابن أبي الحديد في ذيل الخطبة: فَقُمْتُ بِالأمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَ تَطلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا.۲ ضمن فصل في الأخبار الواردة في معرفة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام بالامور الغيبيّة: روى محمّد بن عليّ الصوّاف عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن شَمير بن سَدير الأزديّ. قال: قال عليّ عليه السلام لعَمْرِو بْنِ الحَمِقِ الخُزاعِيِّ: أين نزلتَ يا عمرو؟ قال: في قومي. قال: لا تنزلنّ فيهم. قال: أ فأنزل في بني كنانة جيراننا؟ قال: لا. قال: أ فأنزل في ثقيف؟

  • قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: فَمَا تَصْنَعُ بِالمَعَرَّةِ وَ المَجَرَّةِ؟ قال: و ما هما؟ قال: عنقان من نار، يخرجان من ظهر الكوفة. يأتي أحدهما على تميم و بكر بن وائل. فقلّما يفلت منه أحد. و يأتي العنق الآخر، فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة، فقلّ من يصيب منهم، إنّما يدخل الدار، فيحرق البيت و البيتين.

  • قال عمرو: فأين أنزل؟ قال: أنزل في بني عمرو بن عامر، من الأزد.

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ، و في الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳٤٦ و ۳٤۷؛ و« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ۲، ص ۲٩٤ و ۲٩۵، طبعة دار الإحياء، و تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
    2. الخطبة ۳۷، من« نهج البلاغة».

معرفة الإمام ج۱۲

137
  • فقال قوم حضروا هذا الكلام: مَا نَرَاهُ إلَّا كَاهِناً يَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الكَهَنَةِ.

  • [فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمرو] فقال: يَا عَمْرُو! و إنَّكَ لَمَقْتُولُ بَعْدِي، وَ إنَّ رَأسَكَ لَمَنْقُولٌ، وَ هُوَ أوَّلُ رَأسٍ يُنْقَلُ في الإسْلَامِ. وَ الوَيْلُ لِقَاتِلِكَ! أمَا إنَّكَ لَا تَنْزِلُ بِقَوْمٍ إلَّا أسْلَمُوكَ بِرُمَّتِكَ، إلَّا هَذَا الحَيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الأزْدِ فَإنَّهُمْ لَنْ يُسْلِمُوكَ وَ لَنْ يَخْذُلُوكَ.

  • قال [راوي الرواية شمير بن سَدير]: فوالله ما مضت الأيّام حتى تنقّل عمرو بن الحمق في أيّام معاوية في بعض أحياء العرب خائفاً مذعوراً حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه، فقُتل، و حُمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، و هو أوّل رأس حُمل في الإسلام من بلد إلى بلد.۱

  • إخباره عليه السلام باستشهاد كميل بن زياد

  • و قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: و من ذلك ما رواه جرير عن المغيرة، قال: لمّا وُلّي الحجّاج، طلب كُميل بن زياد، فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم. فلمّا رأى كميل ذلك، قال: أنا شيخ كبير و قد نفد عمري، لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم. فخرج، فدفع بيده إلى الحجّاج. فلمّا رآه، قال له: لقد كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلًا. فقال له كُميل: لا تصرف عَلَيّ أنيابك، و لا تهدم عَلَيّ. فو الله ما بقي من عمري إلّا مثل كواسل الغبار، فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ، فَإنَّ المَوْعِدَ لِلَّهِ، وَ بَعْدَ القَتْلِ الحِسَابُ، وَ لَقَدْ خَبَّرَنِي أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّكَ قَاتِلي.

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲۸٩ و ۱٩۰، طبعة مصر، دار الإحياء، و تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم؛ و« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۲ و ۵٩۳، طبعة الكمبانيّ؛ و الطبعة الحديثة: ج ٤۱، ص ۳٤۲، عن« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.

معرفة الإمام ج۱۲

138
  • قال: فقال له الحجّاج: الحُجَّةُ عَليكَ إذَنْ. فقال له كميل: ذَاكَ إذَا كَانَ القَضَاءُ إلَيْكَ. قال الحجّاج: بلى، قد كنتَ فيمن قتل عثمان بن عفّان. اضربوا عنقه، فَضُرِبت عُنُقُه.

  • قال المفيد: و هذا خبر رواه نَقَلَة العامّة عن ثقاتهم، و شاركهم في نقله الخاصّة و مضمونه من باب ما ذكرناه من المعجزات و البراهين البيّنات.۱

  • ،،، و قال الشيخ المفيد أيضاً: و من ذلك ما رواه أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجّاج بن يوسف الثقفيّ قال ذات يوم: احبُّ أن اصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فأتقرّب إلى الله بدمه! فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه.

  • فبعث [الحجّاج] في طلبه، فاتي به، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم. قال: أبو هَمْدان؟ قال: نعم. قال: مولى عليّ بن أبي طالب؟ قال: الله مولاي، و أمير المؤمنين عليّ وليّ نعمتي.

  • قال الحجّاج: ابرأ من دينه. قال: فإذا برئتُ من دينه، تدلّني على دين غيره أفضل منه؟

  • قال الحجّاج: إنّي قاتلك، فاختر أي قتلة أحبّ إليك؟ قال قنبر: قد صيّرتُ ذلك إليك. قال: و لِمَ؟ قال: لأنّك لا تقتلني قتلةً إلَّا قتلتُك مثلها. و لقد خبّرني أمير المؤمنين عليه السلام أنّ منيّتي تكون ذَبحاً ظلماً بغير حقّ. فأمر به الحجّاج فذُبح.

  • قال الشيخ المفيد: و هذا أيضاً من الأخبار التي صحّت عن أمير المؤمنين عليه السلام بالغيب و حصلت في باب المعجز القاهر و الدليل

    1. «الإرشاد» ص ۱۸۱، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

139
  • الباهر، و العلم الذي خصّ الله به حُحَجَه من أنبيائه و رسله و أوصيائه عليهم السلام. و هو لاحق بما قدّمناه.۱

  • و روى ابن أبي الحديد عن محمّد بن موسى العنزي أنّه قال: كان مَالِكُ بْنُ ضَمْرَة الرُّؤَاسِيّ من أصحاب عليّ عليه السلام، و ممّن استبطن من جهته علماً كثيراً. و كان أيضاً قد صحب أبا ذرّ الغفاريّ، فأخذ من علمه.

  • و كان يقول في أيّام بني اميّة: اللَهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي أشْقَى الثَّلَاثَةِ. فيقال له: و ما الثلاثة؟ فيقول: رَجُلٌ يُرْمَى مِنْ فَوْقِ طَمَارٍ، وَ رَجُلٌ تُقْطَعُ يَدَاهُ وَ رِجْلَاهُ وَ لِسَانُهُ وَ يُصْلَبُ، وَ رَجُلٌ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ. فكان من الناس من يهزأ به، و يقول: هذا من أكاذيب أبي تُراب. قال العنزيّ: و كان الذي رُمي به من طَمار هَانِئُ بْنُ عُرْوَة، و الذي قُطع و صُلِب رُشَيْدُ الهَجَرِيّ، و مات مَالِكٌ على فراشه.۲

  • و روى ابن أبي الحديد أيضاً عن إبراهيم الثقفيّ، عن إبراهيم بن العبّاس النَّهْدِيّ، عن مبارك البَجَليّ، عن أبي بكر بن عيّاش، عن المجالد، عن الشعبيّ، عن زياد بن النضر الحارثيّ، قال: كنتُ عند زياد، و قد اتيَ برشيد الهَجَريّ، و كان من خواصّ أصحاب عليّ عليه السلام.

  • فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنّا فاعلون بك؟ قال: تَقْطَعُونَ يَدَيّ وَ رِجْلَيّ وَ تَصْلبُونَنِي. فقال زياد: أمَا وَ اللهِ لُاكَذِّبَنَّ حَدِيثَهُ. خَلُّوا سَبِيلَهُ.

  • فلمّا أراد رشيد أن يخرج، قال زياد: ردّوه لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت! اقطَعُوا يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ. فقطعوا يديه و رجليه، و هو يتكلّم، فقال: اصْلُبُوهُ خَنْقاً في عُنُقِهِ. فقال

    1. «الإرشاد» ص ۱۸۱ و ۱۸۲، الطبعة الحجريّة.
    2. «شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲٩۵، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

140
  • رشيد: قد بقي لي عندكم شيء قاله مولاي، ما أراكم فعلتموه. فقال زياد: اقْطَعُوا لِسَانَهُ.

  • و لمّا أخرجوا لسانه ليُقطع، قال: نفِّسُوا عنّي أتكلّم كلمة واحدة، فنفَّسُوا عنه، فقال: هذا و الله تصديق خبر أمير المؤمنين. أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه و صلبوه.۱

  • إخباره عليه السلام بكيفيّة استشهاد ميثم التمّار

  • و كذلك روى ابن أبي الحديد عن إبراهيم الثقفيّ في كتاب «الغارات» عن أحمد بن الحسن الميثميّ قال: كان ميثم التمّار مولى عليّ عليه السلام عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه عليّ عليه السلام منها و أعتقه، و قال له: ما اسمك؟ فقال: سالم. فقال عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أخبرني أنّ اسمك الذي سمّاك به أبوك في العجم مِيثَم. فقال: صدق الله و رسوله، و صدقتَ [يا أمير المؤمنين]! فهو و الله اسمي. قال: فارجع إلى اسمك، ودع سالماً، فنحن نكنّيك به، فكنّاه أبا سالم. قال [الراوي أحمد بن الحسن الميثميّ]: و قد كان أطلعه عليّ عليه السلام على علم كثير، و أسرار خفيّة من أسرار الوصيّة، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فيشكّ فيه قوم من أهل الكوفة، و ينسبون عليّاً عليه السلام في ذلك إلى المخرقة [اختلاق الكذب] و الإيهام و التدليس، حتى قال له [أمير المؤمنين عليه السلام] يوماً بمحضرٍ من خلقٍ كثير من أصحابه، و فيهم الشاكّ و المخلِص:

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲٩٤، طبعة دار الإحياء؛ و ذكره الشيخ المفيد أيضاً في« الإرشاد» ص ۱۸۰، الطبعة الحجريّة، بهذا السند نفسه، و قال في آخره: و هذا حديث قد نقله المؤالف و المخالف عن ثقاتهم عمّن سميّناه. و اشتهر أمره عند علماء الجميع. و هو من جملة معجزات أمير المؤمنين عليه السلام و إخباره بالغيوب؛ و رواه المجلسيّ أيضاً في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ، عن« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.

معرفة الإمام ج۱۲

141
  • يَا مِيثَمُ! إنَّكَ تُؤْخَذُ بَعْدِي وَ تُصْلَبُ، فَإذَا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي ابْتَدَرَ مُنْخُراكَ وَ فَمُكَ دَمَاً حتى تُخْضَبَ لِحْيَتُكَ. فَإذَا كَانَ اليَوْمَ الثَّالِثُ طُعِنْتَ بِحَرْبَةٍ يُقْضَى عَلَيْكَ، فَانْتَظِرْ ذَلِكَ. و الموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث. إنّك لعاشر عشرة أنت أقصر هم خشبة، و أقربهم من المطهرة- يعني الأرض- و لُارينّك النخلة التي تصلب على جِذعها. ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين.

  • فكان ميثم يأتيها، فيصليّ عندها، و يقول: بُورِكْتِ مِنْ نَخْلَةٍ، لَكِ خُلِقْتُ، وَ لِي نَبَتِّ. و لم يزل يتعاهدها بعد قتل عليّ عليه السلام، حتى قطعت، فكان يرصد جذعها، و يتعاهده، و يتردّد إليه، و يبصره. و كان يلقى عمرو بن حريث، فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري. فلا يعلم عمرو ما يريد، فيقول له: أ تُريد أن تشتري دار ابن مسعود، أم دار ابن حكيم؟

  • قال [أحمد بن الحسن الميثميّ] و حجّ ميثم في السنة التي قُتل فيها، فدخل على امّ سلمة رضي الله عنها، فقالت له: من أنتَ؟ قال: عراقيّ. فاستنسبَتهُ. فذكر لها أنّه مولى عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقالت: أنت هَيْثَمٌ؟ قال: بَلْ أنَا مَيْثَمٌ. فقالت: سُبْحَانَ اللهِ، وَ اللهِ لَرُبَّمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ يُوصِي بِكَ عَلِيَّاً في جَوْفِ اللَّيْلِ.

  • فسألها [ميثم] عن الحسين بن عليّ عليه السلام فقالت: هو في حائط [بُستان] له. قال: أخبريه أنّي أحببتُ السلام عليه، و نحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله. و لا أقدر اليوم على لقائه، و اريد الرجوع.

  • فدعت امّ سلمة بِطيِب، فطيّبت لِحيَتَهُ فقال لها: أمَا إنَّهَا سُتُخْضَب بِدَمٍ. فقالت: من أنبأك هذا؟ قال: أنْبَأنِي سَيِّدي. فبكت، و قالت له: إنَّهُ لَيْسَ بِسَيِّدِكَ وَحْدَكَ، هُوَ سَيِّدِي وَ سَيِّدُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ.

معرفة الإمام ج۱۲

142
  • ثمّ ودّعَتْهُ، فقدم الكوفة. فاخذ و ادخل على عبيد الله بن زياد. و قيل له: هذا كان من آثرِ الناس عند أبي تراب. قال عبيد الله: وَيْحَكُمْ هَذَا الأعْجَمِيّ؟ قالوا: نعم. فقال له عبيد الله: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد.

  • قال عبيد الله: قد بلغني اختصاص أبي تراب لك. قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟ قال: و إنّه يقال إنّه قد أخبرك بما سيلقاك. قال: نعم، إنّه أخبرني.

  • قال عبيد الله: ما الذي أخبرك أنّي صانع بك؟ قال ميثم: أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة. و أنا أقصرهم خشبة، و أقربهم من المطهرة. قال عبيد الله: لُاخالفنّه.

  • قال [ميثم]: وَيْحَكَ! كيف تخالفه؟ إنّما أخبر عن رسول الله صلى الله عليه و آله، و أخبر رسول الله عن جبرائيل، و أخبر جبرائيل عن الله. فكيف تخالف هؤلاء؟ أما و الله لقد عرفتُ الموضع الذي اصلب فيه أين هو من الكوفة، و أنّي لأوّل خلق الله الجم في الإسلام بلجام، كما يُلجَم الخيل. فحبسه و حبس معه المختار بن أبي عبيدة الثَّقفيّ. فقال ميثم للمختار و هما في حبس ابن زياد: إنّك تُفلِت و تخرج ثائراً بدم الحسين عليه السلام، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه، و تطأ بقدمك هذا على جبهته و خدّيه.

  • فلمّا دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله، طلع البريد بكتاب يزيد ابن معاوية إلى عبيد الله بن زياد، يأمره بتخلية سبيله. و ذاك أنّ اخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطّاب. فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته، و كتب بتخلية سبيل المختار على البريد. فوافى البريد، و قد اخرج ليضرب عنقه، فاطلق.

  • و أمّا ميثم، فاخرج بعده ليُصلَب. و قال عبيد الله: و الله لأمضينّ حكم

معرفة الإمام ج۱۲

143
  • أبي تراب فيه، فلقيه رجل، فقال له: مَا كَانَ أغْنَاكَ عَنْ هَذَا يَا مَيْثَمُ؟ فتبسّم، و قال: لَهَا خُلِقْتُ، وَ لِي غُذِّيَتْ.

  • و لمّا رفع على الخشبة، اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث. فقال عمرو: لقد كان يقول لي: إنّي مجاورك. و كان يأمر جاريته كلّ عشيّة أن تكنس تحت خشبته و ترشّه، و تجمّر بالمجمر تحته.

  • فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم، و مخازي بني اميّة، و هو مصلوب على الخشبة. فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد. فقال: ألجموه. فالجم فكان أوّل خلق الله الجم في الإسلام. فلمّا كان في اليوم الثاني، فاضت منخراه و فمه دماً. فلمّا كان في اليوم الثالث، طُعن بحربة فمات. و كان قتل ميثم قبل قدوم الحسين عليه السلام كربلاء بعشرة أيّام.۱

  • لقد مرّ بنا أنّ هذه الضروب من الأخبار بالغيب التي ظهرت من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن أخباراً محضة فحسب أخبر بها الإمام عليه السلام، بل كانت تنمّ عن صفاء بصيرة المخبَرين و نقاء ضمائرهم و أذهانهم بسبب تعليم الإمام و تربيته و تزكيته لهم، فكانوا واقفين على كلّ أمر، و كانوا يشاهدون في تلك المرآة حوادث المستقبل

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۲، ص ۲٩۱ إلى ۲٩٤، طبعة مصر، دار الإحياء؛ و رواه المجلسيّ بحذافيره في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ۵٩۳ و ۵٩٤، طبعة الكمبانيّ، عن« شرح نهج البلاغة» عن« الغارات» لإبراهيم الثقفيّ؛ كما رواه الشيخ المفيد في« الإرشاد» ص ۱۷۸ إلى ۱۸۰، الطبعة الحجريّة، و قال في ذيله: و هذا من جملة الأخبار عن الغيوب المحفوظة عن أمير المؤمنين عليه السلام. و ذِكْره شائع و الرواية به بين العلماء مستفيضة؛ و نقله ابن حجر العسقلانيّ في كتاب« الإصابة» ج ۳، ص ٤۷٩، تحت الرقم ۸٤۷٤ في ترجمة ميثم بن مؤيّد بن النعمان بعين الألفاظ الواردة في« الإرشاد»، و قال: سكن ميثم الكوفة، و بها ذرّيّته.

معرفة الإمام ج۱۲

144
  • التي لم تقع بعد، فيخبروا بها. و بلغ الأمر عند بعضهم مبلغاً أنّهم اشتهروا به كرُشَيْد الهَجَريّ الذي كان يقال له: رُشَيْدُ البَلَايَا.

  • و كان أمير المؤمنين عليه السلام محيطاً بهذه الامور جميعها. و عُجن علمه الحضوريّ في جميع الأحوال بنفسه الشريفة و امتزج بها. و صار بحكم غريزته و صفاته الأوّليّة و الذاتيّة، صلوات الله عليه.

  • ،،، و قال عليه السلام في «نهج البلاغة»: أرْسَلَهُ دَاعِيَاً إلَى الحَقِّ وَ شَاهِداً عَلَى الخَلْقِ، فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَ لَا مُقَصِّرٍ، وَ جَاهَدَ في اللهِ أعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَ لَا مُعَذِّرٍ، إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى.

  • و قال في جملتها: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إذاً لَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أعْمَالِكُمْ، وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أنْفُسِكُمْ، وَ لَتَرَكْتُمْ أمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَيْهَا، وَ لَهَمَّتْ كُلَّ امْرِيءٍ نَفْسُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى غَيْرِهَا، وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وَ أمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأيُكُمْ، وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أمْرُكُمْ۱- إلى آخر الخطبة.۲

  • إخباره باستشهاده عليه السلام

  • و من جملة الأخبار التي أخبر بها أمير المؤمنين عليه السلام إخباره بقتله و خضب لحيته من دم رأسه. و يمكننا أن نعدّ هذا الخبر في جملة الأخبار المتواترة، إذ لا نجد كتاباً في التأريخ و السيرة و الحديث إلّا ذكره، سواءً كان للشيعة أم للعامّة، أو كان للمؤالف أم للمخالف.

    1. «نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲۳۰، الخطبة ۱۱٤ في طبعة مصر، شرح الشيخ محمّد عبده.
    2. نحن ذكرنا تتمّة هذه الخطبة، و هي قوله: وَ لَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ ألْحَقْنِي بِمَنْ هُوَ أحَقُّ بِي مِنْكُمْ- إلى آخر قوله.

معرفة الإمام ج۱۲

145
  • روى الشاذ كونيّ عن حمّاد، عن يحيي، عن ابن عتيق، عن ابن سيرين أنّه قال: إنْ كَانَ أحَدٌ يَعْرِفُ أجَلَهُ فَعَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ.۱

  • قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: و من ذلك (أي من جملة معجزات أمير المؤمنين عليه السلام و إخباره بالغيب) ما تواترت به الروايات من نعيه عليه السلام نفسه قبل وفاته، و الخبر عن الحادث في قتله، و أنّه يخرج من الدنيا شهيداً بضربة في رأسه يخضب دمها لحيته، و كان الأمر في ذلك كما قال.

  • فمن اللفظ الذي رواه الرواة في ذلك قوله عليه السلام: وَ اللهِ لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ وَ لِحْيَتِهِ.۲

  • و قوله أيضاً: وَ اللهِ لَيَخْضِبَنَّهَا مِنْ فَوْقِهَا- وَ أوْمَأ إلَى شَيْبَتِهِ.۳

  • [و قوله عليه السلام]: مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؟٤

  • و قوله عليه السلام: مَا يَمْنَعُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؟۵

  • و قوله عليه السلام: أتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَ هُوَ سَيِّدُ الشُّهُورِ وَ أوَّلُ السَّنَةِ، وَ فِيهِ تَدُورُ رَحَى السُّلْطَانِ، ألَا وَ إنَّكُمْ حَاجُّوا العَامِ صَفّاً وَاحِداً، وَ آيَةُ ذَلِكَ أنِّي لَسْتُ فِيكُمْ.٦

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ٤۲۸، الطبعة الحجريّة.
    2. ( ۲ الى ۵)-« الإرشاد» ص ۱۷٦، الطبعة الحجريّة.
    3. ( ۲ الى ۵)-« الإرشاد» ص ۱۷٦، الطبعة الحجريّة.
    4. ( ۲ الى ۵)-« الإرشاد» ص ۱۷٦، الطبعة الحجريّة.
    5. ( ۲ الى ۵)-« الإرشاد» ص ۱۷٦، الطبعة الحجريّة.
    6. «الإرشاد» ص ۱۷۷؛ و رواه ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸، الطبعة الحجريّة، عن الأصبغ بن نُباتة، و جاء فيه: تَدُورُ رَحَى الشَّيْطَانِ؛ و قال المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦۲۸، طبعة الكمبانيّ: تدور رَحَى السلطان، و لعلّ المراد انقضاء الدوران كناية عن ذهاب ملكه أو هو كناية عن تغيّر الدولة و انقلاب أحوال الزمان. و لا يبعد أن يكون في الأصل: رَحَى الشيطان.

معرفة الإمام ج۱۲

146
  • و كان بعض أصحابه يقولون: إنّه ينعى إلينا نفسه. فضُرب عليه السلام في ليلة تسع عشرة. و مضى في ليلة إحدى و عشرين من ذلك الشهر.

  • و منها ما رواه الثقات عنه أنّه كان عليه السلام يفطر في شهر رمضان ليلة عند الحسن، و ليلة عند الحسين، و ليلة عند عبد الله بن عبّاس، لا يزيد على ثلاث لقم. فقال له أحد ولديه- الحسن أو الحسين عليهما السلام- في ذلك، فَقَالَ: يَا بُنَيّ، يَأتِي أمْرُ اللهِ وَ أنَا خَمِيصٌ. إنَّمَا هِيَ لَيْلَةٌ أوْ لَيْلَتَانِ- فَاصِيبَ مِنَ اللَّيْلِ.۱

  • و منها ما رواه أصحاب الآثار أنّ جُعْدَةَ بْنَ بَعْجَة- رجلًا من الخوارج- قال لأمير المؤمنين عليه السلام: اتَّقِ اللهَ يَا عَلِيّ! فَإنَّكَ مَيِّتٌ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بَلْ وَ اللهِ مَقْتُولٌ قَتْلًا ضَرْبَةً عَلَى هَذِهِ تُخْضَبُ هَذِهِ- وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ وَ لِحْيَتِهِ- عَهْدٌ مَعْهُودٌ، وَ قَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى.۲

  • و [منها] قوله عليه السلام في الليلة التي ضربه الشقيّ في آخرها، و قد

    1. «الإرشاد» ص ۱۷۷؛ و ذكره ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸، و قال: و الأصحّ عند عبد الله بن جعفر. أقول: و الدليل على ذلك ما رواه المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦٤۸، عن خرايج الراونديّ، و جاء فيه ما نصّه: و ليلة عند عبد الله بن جعفر زوج زينب بنته لأجلها؛ و رواه ابن حجر الهيتميّ في« الصواعق المحرقة» ص ۸۰ عن امّ الهيثم بنت الأسود النخعيّ.
    2. «الإرشاد» ص ۱۷۷؛ و رواه سبط بن الجوزي في« تذكرة الخواصّ» ص ۱۰۰، عن أحمد بن حنبل في« المسند» عن عليّ بن حكيم الأوديّ، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن زيد بن وهب قال: قدم على عليّ عليه السلام وفد من الخوارج فيهم رجل يقال له: الجعد بن بعجة. و قال بعد بيان أمير المؤمنين عليه السلام: و عاتب أبو بعجة أميرَ المؤمنين في خشونة لباسه، فقال: هُوَ أبْعَدُ مِنَ الكبر و أجدر أن يقتدى به المسلم.

معرفة الإمام ج۱۲

147
  • توجّه إلى المسجد، فصاح الإوزُّ في وجهه، فطردهنّ الناس عنه، فقال: اتّرُكُوهُنَّ فَإنَّهُنَّ نَوَائِحُ۱.

  • و روى ابن شهرآشوب في مناقبه عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ عليّاً عليه السلام أمر أن يُكتَبَ له [اسم] من يدخل الكوفة. فكُتب له اناسٌ و رفعت أسماؤهم في صحيفة فقرأها، فلمّا مرّ على اسم ابن ملجم، وضع إصبعه على اسمه ثمّ قال: قَاتَلَكَ اللهُ، قَاتَلَكَ اللهُ. و لمّا قيل له: إذا علمتَ أنّه يقتلك، فَلِم لا تقتله؟ قال: إنّ الله تعالى لا يعذّب العبد حتى تقع منه المعصية. و تارة يقول: إذا قتلتُه، فمن يقتلني؟!۲

  • و ذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن الصفوانيّ في «الإحن و المحن»، عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: سَمِعْتُ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ بِجُمُعَةٍ يَقُولُ: ألَا مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلْيَدْنُ مِنِّي. لَا تَقْتُلُوا غَيْرَ قَاتِلِي، ألَا لَا الْفِيَنَّكُمْ غَدَاً تُحِيطُونَ النَّاسَ بِأسْيَافِكُمْ تَقُولُونَ: قُتِلَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ.۳

  • و خصّص ابن حجر الهيتميّ في الباب التاسع من كتاب «الصواعق المحرقة» للأخبار الواردة في استشهاد الإمام عليه السلام. و ذكر أخباراً جمّة عن مصادر موثوقة عند العامّة في إخبار الإمام باستشهاده، و تعيين الليلة التي ضُرب فيها، و خضب لحيته بدم رأسه. و هي خليقة بالمطالعة و الإمعان حقّاً.٤

    1. «الإرشاد» ص ۱۷۷، الطبعة الحجريّة؛ و« المناقب» ج ۲، ص ۸۰.
    2. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸، الطبعة الحجريّة.
    3. «المناقب» ج ۱، ص ٤۲۸، و في ج ۲، ص ۸۲.
    4. «الصواعق المحرقة» ص ۷٩ و ۸۰.

معرفة الإمام ج۱۲

148
  • و ورد هذا الموضوع مفصّلًا في ترجمة «تاريخ الأعثم الكوفيّ» إذ ذُكر فيه كيفيّة استشهاد الإمام عليه السلام و إخباره بذلك على نحو مفصّل.

  • و روى ابن الأثير الجزريّ في كتاب «اسد الغابة» عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ؟ قُلْتُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَمَنْ أشْقَى الآخِرِينَ؟ قُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الذي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا- وَ أشَارَ إلَى يَافُوخِهِ (اليافوخ موضع في مقدّمة الرأس بين العظم الواقع في مقدّمة الرأس و عظم المخّ. و هذا الموضع ليّن عند الأطفال. و إذا ما وضعت عليه اليد، انغمست فيه). وَ كَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أشْقَاكُمْ فَخَضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ دَمِ رَأسِهِ.۱

  • و كذلك روى ابن الأثير عن أبي الطُّفِيل انَّ عَلِيَّاً جَمَعَ النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ. فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ المُرَادِيّ، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا؟ فَوَ اللهِ لَيَخْضِبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. ثُمَّ تَمَثَّلَ:

  • اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ***فَإنَّ المَوْتَ لَاقِيكَا

  • وَ لَا تَجْزَعْ مِنَ القَتْلِ***إذَا حَلَّ بِوَادِيكَا ۲

    1. «اسد الغابة» ج ٤، ص ۳٤ و ۳۵، في سياق ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام؛ و رواه ابن حجر في« الصواعق المحرقة» ص ۷٤؛ و ذكر ابن سعد صدره في« الطبقات» ج ۳، ص ۳۵، طبعة بيروت؛ و رواه أيضاً سبط بن الجوزيّ في« التذكرة» ص ٩٩ و ۱۰۰، عن أحمد بن حنبل في« الفضائل» عن وكيع، عن قتيبة بن قدامة الرواسيّ، عن أبيه، عن الضحّاك بن مزاحم، عن عليّ عليه السلام. و ذكره أيضاً بهذا الإسناد عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب« الزهد» عن أبيه.
    2. «اسد الغابة» ج ٤، ص ۳۵؛ و ذكره سبط بن الجوزيّ في« التذكرة» عن جدّه أبي الفرج و قال: هذان البيتان اللذان تمثّل بهما الإمام لُاحَيْحَة الأنصاريّ، و لهما ثالث:
      فَإنَّ الدِّرْعَ وَ البَيْضَةَ--يَوْمَ الرَّوْعِ يَكْفِيكَا
      --
      و جاء في« ترجمة تاريخ الأعثم الكوفيّ» ص ۳۱٤:
      كَمَا أضْحَكَكَ الدَّهْرُ--كَذَاكَ الدَّهْرُ يُبْكِيكَا
      فَقَدْ أعْرِفُ أقْوَاماً--وَ إنْ كَانُوا صَعَالِيكَا
      مَصَارِيعَ إلَى النَّجْدَةِ--لِلْغَيّ مَتَارِيكَا
      --
      و أقول: جاء في« مجمع الأمثال» للميدانيّ، ج ۱، ص ۳٦٦ و ۳۷٦: هذه الأبيات لُاحيحة بن الجلاح كان يحرّض فيها ابنه. و تمثّل بها أمير المؤمنين عليه السلام. و ذكرها ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۲، ص ۸۰.

معرفة الإمام ج۱۲

149
  • و قال ابن سعد في «الطبقات» بعد ذكر الحديث الأخير عن أبي الطفيل: و زاد غير أبي نعيم فضل بن الدُّكَين في هذا الحديث بهذا الإسناد عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قوله: وَ اللهِ! إنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيّ الامِّي صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ إلَيّ.۱

  • و كذلك روى ابن سعد بسنده عن محمّد بن سيرين أنّ عليّ بن أبي طالب قال لابن ملجم:

  • اريدُ حِبَاءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي***عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ ۲

  • و قال ابن الجزريّ في «النهاية»: جاء في حديث عليّ عليه السلام أنّه قال و هو ينظر إلى ابن ملجم: عذيرك من خليلك من مراد يقال: عذيرك من فلان بالنصب، أي: هات من يعذرك فيه. و فعيل هنا بمعنى اسم الفاعل.

    1. «النهاية» لابن الأثير، ج ۳، ص ۱٩۷.
    2. «طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳۳، طبعة بيروت؛ و رواه عنه سبط بن الجوزيّ في« تذكرة الخواصّ»؛ و ذكره ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۲، ص ۸۰؛ كما ذكره ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج ٩، ص ۱۱۸، طبعة مصر، دار الإحياء. و قال محقّق الشرح محمّد أبو الفضل إبراهيم في الهامش: هذا البيت من أبيات في« اللآلئ» ص ٦۳، نسبها إلى عمرو بن معديكرب، و روايته فيها: ارِيدُ حَيَاتَهُ.

معرفة الإمام ج۱۲

150
  • و روى ابن سعد أيضاً بسنده عن أبي مِجلَز قال: جاء رجل من مراد إلى عليّ و هو يصلّي في المسجد، فقال: احترس فإنّ ناساً من مُراد يريدون قتلك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ. وَ إنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ.۱

  • و روى بسنده عن عُبيدة أنّه قال: قال عليّ عليه السلام: مَا يَحْبِسُ أشْقَاكُمْ أنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلَنِي؟ اللَهُمَّ قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي، فَأرِحْهُمْ مِنِّي وَ أرِحني مِنْهُمْ.۲

  • و روى بسنده عن عبد الله بن سَبْع قال: سمعتُ عليّاً عليه السلام يقول: لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. فَمَا يُنْتَظَرُ بِالأشْقَى؟ قَالوا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِين فَأخْبِرْنَا بِهِ نُبِيرُ عِتْرَتَهُ. فَقَالَ: إذَنْ تَقْتُلُوا بِي غَيْرَ قَاتِلِي.۳

  • و روى بسنده عن امّ جعفر: سريّة عليّ بن أبي طالب قالت: إنّي لأصبّ على يَدي عَلِيّ الماء إذ رفع رأسه، فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: وَاهاً لَكِ لِتُخْضَبِنَّ بِدَمٍ. قَالَتْ: فَاصِيبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.٤

    1. ( ۱ الى ۳)-« طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳٤، طبعة بيروت: و روى سبط بن الجوزيّ هذه الأحاديث عن« طبقات ابن سعد» في« تذكرة الخواصّ» ص ۱۰۰ و ۱۰۱. و جاء في الحديث الرابع قولهم: فأخبرنا به نُبيد عشيرته.
    2. ( ۱ الى ۳)-« طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳٤، طبعة بيروت: و روى سبط بن الجوزيّ هذه الأحاديث عن« طبقات ابن سعد» في« تذكرة الخواصّ» ص ۱۰۰ و ۱۰۱. و جاء في الحديث الرابع قولهم: فأخبرنا به نُبيد عشيرته.
    3. ( ۱ الى ۳)-« طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳٤، طبعة بيروت: و روى سبط بن الجوزيّ هذه الأحاديث عن« طبقات ابن سعد» في« تذكرة الخواصّ» ص ۱۰۰ و ۱۰۱. و جاء في الحديث الرابع قولهم: فأخبرنا به نُبيد عشيرته.
    4. «طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳۵. و رواه عنه ابن الجوزيّ في« التذكرة» ص ۱۰۱؛ و رواه أيضاً ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۲، ص ۸۱، الطبعة الحجريّة.
      ذكر ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة» ج ٩، ص ۱۱۸، طبعة مصر، دار الإحياء، كثيراً من الأخبار الواردة في هذا المجال إجمالًا، و يؤيّد صحّة مضمونها. فقد قال في الخطبة ۱٤۷ من« نهج البلاغة» التي قال فيها أمير المؤمنين عليه السلام: وَ كَمْ أطْرَدْتُ الأيَّامَ أبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ فَأبَى اللهُ إلَّا إخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ: هذا الكلام يدلّ على أنّه لم يكن يعرف حال قتله معرفة مفصّلة من جميع الوجوه. و أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله أعلمه بذلك علماً مجملًا، لأنّه قد ثبت أنّه صلى الله عليه و آله قال له: سَتُضْرَب عَلَى هذا- و أشار إلى هامته- فَتُخْضَبُ مِنْهَا هَذِهِ- و أشار إلى لحيته-. و ثبت أنّه صلى الله عليه و آله قال له: أ تَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ؟ قَالَ: نَعم، عَاقِرُ النَّاقَةِ، فَقَالَ لَهُ: أ تَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الآخَرِينَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: مَنْ يَضْرِبُكَ هَا هُنَا، فَيخضب هذه. ثمّ قال ابن أبي الحديد بعد شرح مختصر: فإنّ قلت: فما تصنع بقوله عليه السلام لابن ملجم:
      اريدُ حِباءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي--عَذِيركَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ
      --
      و قول الخلّص من شيعته: فهلّا تقتله؟ فقال: فكيف أقتل قاتلي؟ و تارةً قال: إنّه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتل؟ و كيف قال في البطّ الصائح خلفه في المسجد ليلة ضربه ابن ملجم: دَعُوهنّ فإنّهنّ نوائح؟ و كيف قال تلك الليلة: إنِّي رَأيتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ فَشَكَوْتُ إلَيْهِ وَ قُلْتُ: مَا لَقِيتُ مِنْ امَّتَكَ مِنَ الأوَدِ و اللَّدَدِ؟ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ. فَقُلْتُ: اللَهُمَّ أبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَ أبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي، و كيف قال: إنِّي لَا اقْتَلُ مُحَارِباً و إنَّمَا اقْتَلُ فَتْكاً وَ غِيلَةً؟ يَقْتُلُنِي رَجْلٌ خَامِلُ الذِّكْرِ. و قد جاء عنه عليه السلام في هذا الباب آثار كثيرة. قلتُ: كلّ هذا لا يدلّ على أنّه عليه السلام كان يعلم الأمر مفصّلًا من جميع الوجوه. أ لا ترى أنّه ليس في الأخبار و الآثار ما يدلّ على الوقت الذي يقتل فيه بعينه، و لا على المكان الذي يقتل فيه بعينه؟
      أقول: عرض ابن أبي الحديد هنا شرحاً بعضه محلّ نظر!

معرفة الإمام ج۱۲

151
  • و روى ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن الحنفيّة قال: دخل علينا ابن ملجم و أنا و حسن، و حسين جلوس في الحمّام. فلمّا دخل كأنّهما اشمأزّا منه، و قالا: مَا أجْرَأكَ تَدْخُلُ عَلِيْنَا! قال ابن الحنفيّة: قلتُ لهما: دعاه عنكما فَلَعَمْرِي مَا يُرِيدُ بِكُمَا أحْشَمَ مِنْ هَذَا. فلمّا كان يوم اتي به أسيراً، قال ابن الحنفيّة: ما أنا اليوم بأعرف به منّي يوم دخل علينا الحمّام.

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّهُ أسِيرٌ فَأحْسِنُوا نُزُلَهُ وَ أكْرِمُوا مَثْوَاهُ، فَإنْ بَقِيتُ قَتَلْتُ أوْ عَفَوْتُ. وَ إنْ مُتُّ فَاقْتُلُوهُ قِتْلَتِي. وَ لَا تَعْتَدُوا «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ».۱

    1. «طبقات ابن سعد» ج ۳، ص ۳۵. و هذه الآية هي الآية ۱٩۰، من السورة ۲: البقرة. و رواه عنه سبط ابن الجوزيّ في« التذكرة» ص ۱۰۱؛ و كذلك ذكره ابن شهرآشوب في« المناقب» ج ۲، ص ۸۱، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

152
  • و روى سبط ابن الجَوزيّ في كتاب «تذكرة خواصّ الامّة» عن أحمد بن حنبل في «المسند» بسنده المتّصل عن فُضالة بن أبي فُضالة الأنصاريّ، و كان أبو فضالة من أهل بدر قال: خرجتُ مع أبي عائداً لعليّ بن أبي طالب من مرض أصابه قبل منيّته، فقال له أبي: مَا يُقِيمُكَ هَا هُنَا بَيْنَ أعْرَابِ جَهِينَةَ؟ تَحَمَّلْ إلَى المَدِينَةِ فَإنْ أصَابَكَ أجَلُكَ وَلِيَكَ أصْحَابُكَ وَ أصْحَابُ القُرْآنِ، وَ صَلُّوا عَلَيْكَ. فقال عليّ عليه السلام: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَهِدَ إلَيّ أنْ لَا أمُوتَ حتى تُخْضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- أي: لِحْيَتُهُ مِنْ دَمِ هَامَتِهِ. [و] قُتل أبو فُضالة مع عليّ عليه السلام بصفّين.۱

  • و قال سبط ابن الجَوْزيّ: أنشد عليّ عليه السلام قبيل قتله بأيّام:

  • تِلْكُمْ قُرَيْشٌ تَمَنَّانِي لِتَقْتُلَنِي***فَلَا وَ رَبِّكَ لَا فَازُوا وَ لَا ظَفَرُوا

  • فَانْ بَقِيتُ فَرَهْنٌ ذِمَّتِي لَهُمُ***وَ إنْ عُدِمْتُ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ أثَرُ

  • وَ سَوْفَ يُورِثُهُمْ فَقْدِى عَلَى وَجَلٍ***ذُلَّ الحَيَاةِ بِمَا خَانُوا وَ مَا غَدَرُوا ۲

  • و قال ابن شهرآشوب في «المناقب»: رُوي أنّه جرح عَمْرُو بن عَبْدُ ودّ رأس عليّ عليه السلام يوم الخندق، فجاء إلى رسول الله صلى الله

    1. «تذكرة خواصّ الامّة» ص ۱۰۰.
    2. «تذكرة خواصّ الامّة» ص ۱۰۱؛ و« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۲، ص ۸۲، رواه عن أبي عثمان المازنيّ أنّ عليّاً عليه السلام أنشد هذه الأبيات.

معرفة الإمام ج۱۲

153
  • عليه و آله فشدّه و نفث فيه و قال: أيْنَ أكُونُ إذَا خُضِبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؟۱

  • و نقل المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار»، في باب إخبار الرسول بشهادته و إخباره بشهادة نفسه أخباراً كثيرة عن «عيون أخبار الرضا» و «أمالي الصدوق» و «أمالي الشيخ الطوسيّ» و «خصال الصدوق»، و «الإرشاد» للشيخ المفيد، و «بصائر الدرجات» للصفّار، و «مناقب آل أبي طالب» لابن شهرآشوب، و «تذكرة الخواصّ» و «الخرائج و الجرائح» للراونديّ، و «كشف الغمّة»، و «فرحة الغريّ»، و هي أخبار حقيقةٌ بالإمعان و إنعام النظر.۲ و من هذه الأخبار خبر رواه عن «كنز جامع الفوائد» عن أبي طاهر المقلّد بن غالب، عن رجاله بإسناده المتّصل إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام و هو ساجد يبكي حتى علا نحيبه و ارتفع صوته بالبكاء. فقلنا: يا أمير المؤمنين! لقد أمرضنا بكاؤك و أمضّنا و أشجانا، و ما رأيناك قد فعلت مثل هذا الفعل قطّ فقال عليه السلام:

  • كُنْتُ سَاجِداً أدْعُو رَبِّي بِدُعَاءِ الخَيْرَاتِ في سَجْدَتِي فَغَلَبْتَنِي عَيْنِي، فَرَأيْتُ رُؤْياً هَالَتْنِي وَ قَطَعْتَنِي: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَائِماً وَ هُوَ يَقُولُ: يَا أبَا الحَسَنِ! طَالَتْ غَيْبَتُكَ فَقَدِ اشْتَقْتُ إلَى رُؤْيَاكَ، وَ قَدْ أنْجَزَ لِي رَبِّي مَا وَعَدَنِي فِيكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَ مَا الذي أنْجَزَ لَكَ في؟ قَالَ: أنْجَزَ لِي فِيكَ وَ في زَوْجَتِكَ وَ ابْنَيكَ وَ ذُرِّيَّتِكَ في الدَّرَجَاتِ العُلَى في عِلِّيِّينَ! قُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وَ امِّي يَا رَسُولَ اللهِ فَشِيعَتُنَا؟ قَالَ: شِيعَتُنَا مَعَنَا، وَ قُصُورُهُمْ بِحِذَاءِ قُصُورِنَا، وَ مَنَازِلُهُمْ مُقَابِلُ مَنَازِلِنَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ!

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦٤۷، طبعة الكمبانيّ.
    2. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦٤٦ إلى ٦٤۸، طبعة الكمبانيّ، و في الطبعة الحديثة: ج ٤۲، ص ۱٩۰ إلى ۱٩٩.

معرفة الإمام ج۱۲

154
  • فَمَا لِشِيعَتِنَا في الدُّنْيَا؟ قَالَ: الأمْنُ وَ العَافِيَةُ. (أي: الأمن مِن إغواء الشيطان و العافية عن هلاك الدين و الإيمان) قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ عِنْدَ المَوْتِ؟ قَالَ: يُحَكَّمُ الرَّجُلُ في نَفْسِهِ وَ يُؤْمَرُ مَلَكُ المَوْتِ بِطَاعَتِهِ. قُلْتُ: فَمَا لِذَلِكَ حَدٌّ يُعْرَفُ؟ قَالَ: بَلَى، إنَّ أشَدَّ شِيعَتِنَا لَنَا حُبَّاً يَكُونُ خُرُوجُ نَفْسِهِ كَشَرَابِ أحَدِكُمْ في يَوْمِ الصَّيْفِ المَاءَ البَارِدَ الذي يَنْتَقِعُ بِهِ القُلُوبُ. وَ إنَّ سَائِرَهُمْ كَمَا يَغْبِطُ أحَدُكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ كَأقَرِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ بِمَوْتِهِ.۱

  • قال ابن شهرآشوب: ذكر أبو بكر مَرْدَوَيْه في كتاب «فضائل أمير المؤمنين»، و أبو بكر الشيرازيّ في كتاب «نزول القرآن» أنّ سعيد بن المسيّب قال: كان عليّ بن أبي طالب يقرأ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها، قال: فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- وَ أشَارَ إلَى لِحْيَتِهِ وَ رَأسِهِ.۲

    1. «بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦٤۷ طبعة الكمبانيّ؛ و في الطبعة الحديثة: ج ٤۲، ص ۱٩٤ و ۱٩۵.
    2. «المناقب» ج ۲، ص ۷٩، الطبعة الحجريّة.
      ذكر العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج ٦، ص ۲٦۸ و ۲٦٩ أنّ الحافظ العاصميّ أخرج في« زين الفتى» في شرح سورة هل أتى عن أبي الطفيل قال: لمّا مات أبو بكر، شهدتُ الصلاة عليه. ثمّ اجتمعنا إلى عمر بن الخطّاب فبايعناه. و أقمنا أيّاماً نختلف إلى المسجد إليه حتى أسموه: أمير المؤمنين. فبينما نحن عنده جلوس إذ أتاه يهوديّ من يهود المدينة و هم يزعمون أنّه من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام حتى وقف على عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين! أيّكم أعلم بنبيّكم و بكتاب نبيّكم حتى أسأله عمّا اريد؟ فأشار له عمر إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فقال: هذا أعلم بنبيّنا و بكتاب نبيّنا. قال اليهوديّ: أ كذاك أنت يا عليّ؟ قال عليه السلام: سل عمّا تريد. قال: إنّي سائلك عن ثلاث و ثلاث و واحدة. قال له عليّ: لم لا تقول إنّي سائلك عن سبع؟ قال اليهوديّ: أسألك عن ثلاث فان أصبتَ فيهنّ، أسألك عن الواحدة. و إن أخطأتَ، لم أسألك عن شيء.( ثمّ عرض الأسئلة و الأجوبة إلى آخرها) إلى أن قال: قال له عليّ: سل. قال: أخبرني عن وصيّ محمّد في أهله كم يعيش بعده؟ و هل يموت أو يُقتل؟ قال عليّ عليه السلام: يا يهوديّ! يعيش بعده ثلاثين سنة. و يخضب هذه من هذه- و أشار إلى رأسه- فوثب اليهوديّ و قال: أشهد أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّداً رسول الله.

معرفة الإمام ج۱۲

155
  • و قال ابن شهرآشوب أيضاً: و روى الثعلبيّ و الواحديّ باسنادهما عن عمّار، و عن عثمان بن صُهَيب، عن الضحّاك، و روى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة؛ و عن صهيب و عن عمار و عن ابن عديّ و عن الضحّاك؛ و الخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة؛ و روى الطبريّ، و الموصليّ عن عمّار، و روى أحمد بن حنبل عن الضحّاك أنّه قال النبيّ صلى الله عليه و آله: يَا عَلِيّ! أشْقَى الأوَّلِينَ عَاقِرُ النَّاقَةِ، وَ أشْقَى الآخرِينَ قَاتِلُكَ.۱

  • كيفيّة استشهاده عليه السلام

  • و قال ابن شهرآشوب: و كان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ التَّجوبِيّ عداده من مراد.۲ قال ابن عبّاس: كان من ولد قدّار عاقر ناقة صالح، و قصّتهما واحدة، لأنّ قدّار عشق امرأة يقال لها رباب كما عشق ابن ملجم قطاماً.۳

  • ثمّ قال: [و قال] أبو مخنف الأزديّ، و ابن راشد، و الرفاعيّ، و الثقفيّ جميعاً: إنّه اجتمع نفر من الخوارج بمكّة فقالوا: إنّا شرينا أنفسنا للّه. فلو أتينا أئمّة الضلال و طلبنا غرّتهم فأرحنا منهم البلاد و العباد.

  • فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليّاً. و قال الحجّاج بن عبد الله السعديّ الملقّب بالبَرَك: أنا أكفيكم معاوية. و قال عمرو بن بكر التميميّ: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، و اتّعدوا التاسع عشر من شهر رمضان، ثمّ تفرّقوا.

    1. «المناقب» ج ۲، ص ۷٩، الطبعة الحجريّة.
    2. قال في« القاموس»: تجوب قبيلة من حِميَر منهم ابن ملجم التجوبيّ قاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
    3. «المناقب» ج ۲، ص ۷٩، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

156
  • فدخل ابن ملجم الكوفة، فرأى رجلًا من الخوارج من أهل التيم، تيم الرباب عند قَطَام التيميّة. و كان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها الأخضر [التيميّ] و أخاها الأصبغ بالنهروان. فشغف بها ابن ملجم و خطبها. فأجابته بمهر ذكره العبديّ في شعر له، إذ قال:

  • فَلَمْ أرَ مَهْراً سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ***كَمَهْرِ قَطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وَ أعْجَمِ

  • ثَلَاثَة آلَافٍ وَ عَبْدٍ وَ قِيْنَةٍ***وَ ضَرْبِ عَلِيّ بِالحُسَامِ المُسَمَّمِ

  • فَلَا مَهْرَ أغْلَى مِنْ عَلِيّ وَ إنْ غَلَا***وَ لَا قَتْلَ إلَّا دُونَ قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ ۱

  • فقبل ابن ملجم ذلك، و قال: ويحك! من يقدر على قتل عليّ و هو فارس الفرسان، و مغالب الأقران، و السبّاق إلى الطعان؟ و أمّا المال، فلا بأس عَلَيّ منه. (و لمّا اقترحت قطام أن يكون القتل فتكاً و غيلة، أعلمها ابن ملجم بطويّته و قال: ما أتيتُ الكوفة إلّا لقتل عليّ) قال: أقبلُ.

  • فبعثت قطام إلى وردان بن مجالد التميميّ، و سألته معونة ابن ملجم و استعان ابن ملجم بشبيب بن بَجَرة، فأعانه. و أعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص بخطٍّ فيه مائة ألف درهم، فجعله مهرها.

  • فأطعمت قطام لهما [ليلة التاسع عشر] اللوزينج و الجوزينق (طعام

    1. «المناقب» ج ۲، ص ۸۰ و ۸۱. و روى ابن حَجَر الهيتميّ في« الصواعق المحرقة» ص ۸۰، عن« المستدرك» عن السدّيّ قال: كان ابن ملجم عشق امرأة من الخوارج يقال لها نظام، فنكحها و أصدقها ثلاثة آلاف درهم و قتل عَلِيّ. و في ذلك يقول الفرزدق:
      فلم أر مهراً ساقه ذو سماحة--كمهر نظام بيّن غير معجم
      ثلاثة آلافٍ و عبد و قينة--و ضرب عليّ بالحسام المصمّم
      فلا مهر أعلى من عليّ و إن علا--و لا فتك إلّا دون قتلِ ابن ملجم
      --
      و جاء في الطبعة الحديثة لكتاب« الصواعق المحرقة» ص ۱۳۵: قطام، في كلا الموضعين.

معرفة الإمام ج۱۲

157
  • يصنع باللوز و الجوز) و سقتهما الخمر العُكبري. فنام شبيب، و تمتّع ابن ملجم معها. ثمّ قامت فأيقظتهما، و عصّبت صدورهما بحرير. و تقلّدا سيفيهما و كمنا لعليّ مقابل السدّة. و حضر الأشعث بن قيس لمعونتهما، فقال لابن ملجم: النَّجاء، النَّجاء لحاجتك فقد ضحك الصبح [و فضحك].

  • فأحسّ حُجر بن عديّ، (و كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام) بما أراد الأشعث، فقال له: قتلتَه يا أشعث؟ و خرج مبادراً ليمضي إلى أمير المؤمنين، فدخل [أمير المؤمنين] المسجد، فسبقه ابن ملجم، فضربه [على مفرقه] بالسيف.۱

  • و قال ابن شهرآشوب: أنشد الإمام الحسن عليه السلام في رثاء أبيه قائلًا:

  • أيْنَ مَنْ كَانَ لِعِلْمِ المُصْطَفَى لِلنَّاسِ بَابَا؟***أيْنَ مَنْ كَانَ إذَا مَا قَحَطَ النَّاسُ سَحَابَا؟

  • أيْنَ مَنْ كَانَ إذَا نُودِيَ في الحَرْبِ أجَابَا؟***أيْنَ مَنْ كَانَ دُعَاهُ مُسْتَجَاباً وَ مُجَابَا؟ ۲

  • و روى عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال: مَنْ زَارَ عَلِيَّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَهُ الجَنَّةُ.۳

  • و جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أمِيرِ المُؤمِنِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ، أ لَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ المَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ؟٤

  • و عنه عليه السلام أيضاً: إنَّ أبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفْتَحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ

    1. «المناقب» ج ۲، ص ۸۱، الطبعة الحجريّة.
    2. «المناقب» ج ۲، ص ۸۲.
    3. ( ۳ و ٤)-« المناقب» ج ۲، ص ۸٤.
    4. ( ۳ و ٤)-« المناقب» ج ۲، ص ۸٤.

معرفة الإمام ج۱۲

158
  • لأميرِ المُؤْمِنينَ، فَلَا تَكُنْ عِنْدَ الخَيْرِ نَوَّامَاً.۱

  • أبيات شعريّة منظومة فيه عليه السلام

  • و قال ابن مدلّل:

  • زِرْ بِالغَرِيّ العَالِمِ الرَّبَّانِي***عَلَمَ الهُدَى وَ دَعَائِمَ الإيمَانِ

  • وَ قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ الوَرَى***يَا أيُّهَا النَّبَا العَظِيمُ الشَّانِ

  • يَا مَنْ عَلَى الأعْرَافِ يُعْرَفُ فَضْلُهُ***يَا قَاسِمَ الجَنَّاتِ وَ النِّيرَانِ

  • نَارٌ تَكُونُ قَسِيمَهَا يَا عُدَّتِي***أنَا آمِنٌ مِنْهَا عَلَى جُثْمَانِي

  • وَ أنَا مُضَيْفُكَ وَ الجِنَانُ لي القِرَى***إذْ أنْتَ أنْتَ مُوَرِّدُ الضِّيفَانِ ۲

  • و كُتب على مشهده عليه السلام:

  • هَذَا وَلِيّ اللهُ في أرْضِه***فِي جَنَّةِ الخُلْدِ وَ آلائِهِ

  • لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ زَائِرَاً***لَمْ يَبْر مِنْ سَائِرِ أعْدَائِهِ ۳

  • و قال ابن رُزّيك:٤

  • كَأنِّي إذْ جَعَلْتُ إلَيْكَ قَصْدِي***قَصَدْتُ الرُّكْنَ بِالبَيْتِ الحَرَامِ

    1. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» ج ۲، ص ۸٤.
    2. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» ج ۲، ص ۸٤.
    3. ( ۱ الى ۳)-« المناقب» ج ۲، ص ۸٤.
    4. تحدّث العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج ٤، ص ۳٤۱ إلى ۳۷۱ عن الملك الصالح: طالع بن رُزّيك المولود في سنة ٤٩۵، و المستشهد في ۵۵٦. و نقل خمس غديريّات له كلّها رائعة و سامقة. أصله من الشيعة في العراق. أصبح وزيراً للفاطميّين بمصر و خدم في منصبه.

معرفة الإمام ج۱۲

159
  • وَ خُيِّلَ لِي بِأنِّي، في مَقَامِي***لَدَيْهِ بَيْنَ زَمْزَمَ وَ المَقَامِ

  • أيَا مَولَايَ ذِكْرُكَ في قُعُودِي***وَ يَا مَوْلَايَ ذِكْرُكَ في قِيَامِي

  • وَ أنْتَ إذَا انْتَبَهْتُ سَمِيرُ فِكْرِي***كَذَلِكَ أنْتَ انْسِي في مَنَامِي

  • وَ حُبُّكَ إنْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ قَلْبِي***وَ في لَحْمِي اسْتَكَنَّ وَ في عِظَامِي

  • فَلَوْ لَا أنْتَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتِي***وَ لَوْ لَا أنْتَ لَمْ يُقْبَلْ صِيَامِي

  • عَسَى أُسْقَى بِكَأسِكَ يَوْمَ حَشْرِي***وَ يَبْرَدُ حِينَ أشْرَبُهَا اوامِي ۱

    1. «المناقب» ج ۲، ص ۸٤.

معرفة الإمام ج۱۲

160
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الرَّابِعُ وَ السَّبْعُونَ بَعْدَ المِائَةِ إلَى السَّادِسِ وَ السَّبْعِينَ بَعْدَ المِائَةِ: العُلُومُ المُخْتَلِفَةُ وَ المُتَنَوِّعَةُ التي ظَهَرَتْ مِنْ أمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام

  •  

  •  

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

162
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

  • و نصفها الأوّل هو قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا (افسحوا كي يجلس شخص آخر) يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَ إِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ.۱

  • قال سماحة الاستاذ العلّامة الفقيد الطباطبائيّ أفاض الله علينا من بركات نفسه في تفسيره: التفسّح الاتّساع و كذا الفسح. و المجالس جمع مجلس اسم مكان. و الاتّساع في المجلس أن يتّسع الجالس ليسع المكان غيره؛ و فسح الله له أن يوسع له في الجنّة.

  • و الآية تتضمّن أدباً من آداب المعاشرة. و يستفاد من سياقها أنّهم كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه و آله فيجلسون ركاباً

    1. الآية ۱۱، من السورة ۵۸: المجادلة.

معرفة الإمام ج۱۲

163
  • لا يدع لغيرهم من الواردين مكاناً يجلس فيه، فادّبوا بقوله: «إذا قيل لكم تفسّحوا» إلى آخره. و الحكم عامّ و إن كان مورد النزول مجلس النبيّ صلى الله عليه و آله.

  • و قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يتضمن أدباً آخراً ... و النشوز عن المجلس أن يقوم الإنسان عن مجلسه ليجلس فيه غيره إعظاماً له و تواضعاً لفضله. و المعني: و إذا قيل لكم: قوموا ليجلس مكانكم من هو أفضل منكم في علم أو تقوى، فقوموا.

  • تفسير الآية: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ ...

  • و قوله: «يرفع الله الذين ءامنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجَات» لا ريب في أنّ لازم رفعه تعالى درجة عبد من عباده مزيد قربه منه تعالى. و هذا قرينة عقليّة على أنّ المراد بهؤلاء الذين اوتوا العلم العلماء من المؤمنين (لا كلّ عالم و إن كان لا يؤمن بالله و رسوله).

  • فتدلّ الآية على انقسام المؤمنين إلى طائفتين: مؤمن؛ و مؤمن عالم. و المؤمن العالم أفضل. و قد قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.

  • و يتبيّن بذلك أنّ ما ذكر من رفع الدرجات في الآية مخصوص بالذين اوتوا العلم. و يبقى لسائر المؤمنين درجة واحدة من الرفع. و يكون التقدير: يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة و يرفع الذين اوتوا العلم منكم درجات.

  • و في الآية من تعظيم أمر العلماء و رفع قدرهم ما لا يخفى. و أكّد [الله تعالى] الحكم بتذييل الآية بقوله: وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.۱

  • لا يرتاب العلماء و أهل الخبرة و لا يمارون في العلوم المختلفة

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱٩، ص ۲۱٦ و ۲۱۷.

معرفة الإمام ج۱۲

164
  • و المتنوّعة التي ظهرت من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فإنّنا نجد في كتب السِيَر و التواريخ و الأحاديث و التفاسير و السُّنَن و الفقه و القضاء و الطبّ و النجوم و الفلكيّات و كتب الاقتصاد و المعاملات و المسائل الرياضيّة و العلوم الإلهيّة و الحكمة و العرفان و التزكية و الأخلاق، و حتى في العلوم العربيّة و الأدبيّة و الفصاحة و البلاغة و النحو و العروض و غيرها مسائل قد طرحت، و لم يعرضها إلّا أمير المؤمنين عليه السلام، إذ لم تُعهَد قبله. و كلّ من جاء بعده، فقد أخذ منه و رجع إليه و اقتبس من أنوار علومه.۱

  • و هذا المقام نستفيد ممّا عرضه ابن أبي الحديد في مقدّمة «شرح نهج البلاغة»، و ابن شهرآشوب في «مناقب آل أبي طالب».

  • كلام ابن أبي الحديد في أنّ جميع العلوم تنتهى إلى أمير المؤمنين

  • أمّا ابن أبي الحديد فقد تحدّث في مقدّمته عن الفضائل الخَلقيّة و الخُلقيّة للإمام، و عدّ منها علومه، و نصّ على أنّه كان مبتكر هذه العلوم و المبتدئ بها. و قال بعد سرده فضائل أمير المؤمنين عليه السلام:

  • وَ مَا أقُولُ في رَجُلٍ تُعْزَى إلَيْهِ كُلُّ فَضِيلَةٍ وَ تَنْتَهِي إلَيْهِ كُلُّ فِرْقَةٍ، وَ تَتَجاذَبُهُ كُلُّ طَائِفَةٍ؟ فَهُوَ رَئِيسُ الفَضَائِلِ وَ يَنْبُوعُهَا، وَ أبُو عُذْرِهَا، وَ سَابِقُ مِضْمَارِهَا، وَ مُجَلِّي حَلْبَتِهَا. كُلُّ مَنْ بَزَغَ فِيهَا بَعْدَهُ، فَمِنْهُ أخَذَ، وَ لَهُ اقْتَفَى، وَ عَلَى مِثَالِهِ احْتَذَى.۲

  • ثمّ قال: و قد عرفتَ أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهيّ، لأنّ شرف

    1. قال آية الله السيّد حسن الصدر في كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» ص ٤٩: و قيل الشروع في الكلام عن تقدّم الشيعة في علوم القرآن لا بدّ من التنبيه على تقدّم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في تقسيم علوم القرآن، فإنّه أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن و ذكر لكلّ نوع مثالًا يخصّه، و ذلك في كتاب نرويه عنه من عدّة طرق، موجود بأيدينا إلى اليوم. و هو الأصل لكلّ مَن كتب في أنواع علوم القرآن.
    2. «شرح نهج البلاغة» طبعة مصر، دار الإحياء، ج ۱، ص ۱۷.

معرفة الإمام ج۱۲

165
  • العلم بشرف المعلوم، و معلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. و من كلامه عليه السلام اقتُبس، و عنه نُقِل، و إليه انتهى، و منه أبتدأ. فإنّ المعتزلة- الذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر، و منهم تعلّم الناس هذا الفنّ- تلامذته و أصحابه. لأنّ كبيرهم و اصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمّد ابن الحنفيّة، و أبو هاشم تلميذ أبيه، و أبوه تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام.۱

  • و أمّا الأشعريّة، فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن [إسماعيل بن] أبي بشر الأشعريّ، و هو تلميذ أبي عليّ الجُبائيّ. و أبو عليّ أحد مشايخ المعتزلة؛ فالأشعريّة ينتهون بأخَرَةٍ إلى استاذ المعتزلة و معلّمهم، و هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

  • و أمّا الإماميّة و الزيديّة فانتماؤهم إليه ظاهر.

  • و من العلوم، علم الفقه، و أمير المؤمنين عليه السلام أصله و أساسه، و كلّ فقيه في الإسلام، فهو عيال عليه، و مستفيد من فقهه.

  • أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف، و محمّد و غيرهما، فأخذوا عن أبي حنيفة، و أمّا الشافعيّ، فقرأ على محمّد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة. و أمّا أحمد بن حنبل، فقرأ على الشافعيّ، فيرجع فقهه

    1. ذكر السيّد هاشم البحرانيّ في« غاية المرام» القسم الثاني، ص ٤٩٤ إلى ٤٩۷، الأحاديث الأربعة و العشرين التي نقلناها عن ابن أبي الحديد في ج ۱۱ من كتابنا هذا، الدرس ۱٦۱ إلى ۱٦۵، ثمّ أورد كلامه و بيانه في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، و عرض كثيراً من عبارات ابن أبي الحديد المأثورة في مقدّمة« شرح نهج البلاغة»، و سرد سوابق أمير المؤمنين عليه السلام العلميّة و غيرها، و قال في ختام كلامه: و قد أنصف الشافعيّ محمّد بن إدريس إذ قيل له: ما تقول في عليّ؟ فقال: و ما ذا أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفاً، و أخفت أعداؤه فضائله حَسَداً، و شاع من بين ذين ما ملأ الخافقين.

معرفة الإمام ج۱۲

166
  • أيضاً إلى أبي حنيفة. و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد عليه السلام، و قرأ جعفر على أبيه عليه السلام، و ينتهي الأمر إلى عليّ عليه السلام.

  • و أمّا مالك بن أنس، فقرأ على ربيعة الرأي، و قرأ ربيعة على عِكرمة، و قرأ عِكرمة على عبد الله بن عبّاس، و قرأ عبد الله بن عبّاس على عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و إن شئتَ، رددتَ إليه فقه الشافعيّ بقراءته على مالك، كان لك ذلك. فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

  • و أمّا فقه الشيعة، فرجوعه إليه ظاهر. و أيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كانوا: عمر بن الخطّاب، و عبد الله بن عبّاس، و كلاهما أخذ عن عليّ عليه السلام. أمّا ابن عبّاس، فظاهر. و أمّا عمر، فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه و على غيره من الصحابة، و قوله غير مرّة: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ. و قوله: لَا بَقِيتُ لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبُو الحَسَنِ. و قوله: لَا يُفتِيَنَّ أحَدٌ في المَسْجِدِ وَ عَلِيّ حَاضِرٌ. فقد عُرِف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه عليه السلام.

  • و قد روت العامّة و الخاصّة قوله صلى الله عليه و آله: أقْضَاكُمْ عَلِيّ و القضاء هو الفقه، فهو- إذاً- أفقهُهم.

  • و روى الكلّ أيضاً أنّه عليه السلام قال له (أي لعليّ) و قد بعثه إلى اليمن قاضياً:

  • اللَهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَ ثَبِّتْ لِسَانَهُ.

  • قال (أمير المؤمنين عليه السلام): فَمَا شَكَكْتُ بَعْدَهَا في قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ. و هو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر. و هو الذي أفتى في الحامل الزانية.۱ و هو الذي قال في [المنبريّة]: صَارَ ثُمْنُهَا

    1. تحدّثنا عن هذه الأحاديث في الجزء ۱۱ من كتابنا هذا، الدرس ۱۵۷ إلى ۱٦۰.

معرفة الإمام ج۱۲

167
  • تُسْعاً.۱

  • و لو فكّر الفَرَضيّ في هذه المسألة فكراً طويلًا، لاستُحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنّك بمن قاله بديهة، و اقتضبه ارتجالًا.

  • و من العلوم: علم تفسير القرآن. و عنه اخذ، و منه فُرِّع. و إذا رجعت إلى كتب التفسير، علمتَ صحّة ذلك، لأنّ أكثره عنه و عن عبد الله بن عبّاس. و قد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له، و انقطاعه إليه، و أنّه تلميذه و خرّيج مدرسته. و قيل له: أيْنَ عِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ ابْنِ عمّك؟ فقال: كَنِسْبَةِ قَطْرَةٍ مِنَ المَطَرِ إلَى البَحْرِ المُحِيطِ.

  • و من العلوم، علم الطريقة و الحقيقة، و أحوال التصوّف. و قد عرفتَ أنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، و عنده يقفون. و قد صرّح بذلك الشِّبليّ، و الجُنيد، و سَرِيّ، و أبو يزيد البِسطاميّ، و أبو محفوظ معروف الكرخيّ، و غيرهم. و يكفيك دلالة على ذلك الخِرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، و كونهم يسندونها بإسناد متّصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام.۲

    1. استعرضنا هذه المسألة[ المنبريّة] في الجزء ۱۱، الدرس ۱٦۱ إلى ۱٦۵.
    2. قال السيّد حيدر الآمليّ رحمة الله عليه في كتاب« جامع الأسرار و منبع الأنوار» ص ۲۲۳ إلى ۲۲۸، طبعة ۱٩٦۸ م، تقديم هنري كوربن و عثمان اسماعيل يحيي و القطب و المعصوم، أو القطب و الإمام لفظان مترادفان صادقان على شخص واحد، و هو خليفة الله تعالى في أرضه.[ إلى أن قال:] و أمّا ترتيب إسنادهم إلى المشايخ، فمن جعفر الصادق عليه السلام إلى أبي يزيد البسطاميّ قدّس الله سرّه الذي كان تلميذه، و سقّاء داره، و محرم أسراره، كما ذكره علماء الشيعة و السنّة في كتبهم الكلاميّة، عند نسبة جميع العلوم إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و منه إلى أولاده و مريديه. و كان الإمام جعفر عليه السلام من خلفائه( أي الإمام عليّ) في هذا الباب( أي: في نسبة جميع العلوم إليه) و إلى الآن أصحابه[ أي جعفر] و مريدوه عليه. و ترتيب إسنادهم أيضاً من موسى الكاظم عليه السلام إلى شقيق البلخيّ، و منه إلى تلامذته و مريديه. و ترتيب إسنادهم كذلك من عليّ بن موسى الرضا عليه السلام إلى معروف الكرخيّ، و من معروف الكرخيّ إلى السريّ السقطيّ، و من السريّ إلى الجُنيد البغداديّ، و من الجُنيد إلى الشبليّ، و هكذا الشأن إلى اليوم، و هم على هذا، و كذلك مريدوهم، خلفاً عن سَلَف. فهذه الطائفة الحقّة المستحقّة لوديعة سرّ الولاية و التوحيد فيهم، لمّا تحقّق حقيقتهم و إسناد علومهم و طريقتهم إلى الأئمّة المعصومين عليهم السلام لا ينبغي أن يحكم أحد بإبطال مذهبهم و اعتقادهم، خصوصاً الشيعة الإماميّة. و أنّ حكم أحد ببطلان علوم هذه الطائفة لا يخلو من أحد وجهين: إمّا عدم صحّة إسناد هذه العلوم و الأسرار إليهم. و إمّا عدم اطّلاعهم على علوم البواطن. فان كان الأوّل، فهو ظاهر في غاية الظهور، و اتّفق العلماء على ذلك. و قد تقرّر تفصيله بطريق التواتر، و الإنكار على المتواترات يكون من قبيل المكابرات.( و قال بعد شرح و تفصيل جامعين:) و إن كان الثاني( أي: إن حَكَمَ أحد ببطلان علوم في هذه الطائفة لعدم اطّلاعهم على علوم البواطن) فهو أيضاً في غاية الشهرة و الجلاء. و لا يقول به إلّا الجاهل باصول مشايخ الإماميّة و اصول أرباب الطريقة، لأنّ جميع المشايخ الإماميّة قد ذكروا في كتبهم إسناد جميع العلوم الرسميّة و الحقيقيّة إلى عليّ عليه السلام، منهم: الإمام الفاضل كمال الدين ميثم البحرانيّ قدّس الله سرّه فإنّه ذكر في« الشرح الكبير لنهج البلاغة» و في قواعده الكلاميّة مفصّلًا و مجملًا بأنّ جميع العلوم مستفادة من حضرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. و كذلك الشيخ الأعظم جمال الدين بن المطهّر قدّس الله روحه في كتاب« مناهج اليقين»، و« منهاج الكرامة»، و« شرح النظم»، و غير ذلك من الكتب. و كذلك السمرقنديّ. و كذلك المولى الأعظم، أفضل المتقدّمين و المتأخّرين الخواجة نصير الدين الطوسيّ قدّس الله روحه في« التجريد».

معرفة الإمام ج۱۲

168
  • و من العلوم، علم النحو و العربيّة. و قد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه و أنشأه، و أملى على أبي الأسود الدؤليّ جوامعه و اصوله. من جملتها: الكَلَامُ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ: اسْمٌ، و فِعْلٌ، و حَرْفٌ.

  • و من جملتها: تقسيم الكلمة إلى معرفة، و نكرة. و تقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع و النصب و الجر و الجزم. و هذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأنّ القوّة البشريّة لا تفي بهذا الحصر، و لا تنهض بهذا الاستنباط.۱

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۱، ص ۱۷ إلى ۲۰، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

169
  • تقدّم الإمام عليه السلام في الفصاحة و البلاغة

  • ثمّ عرض ابن أبي الحديد شرحاً لفضائل الإمام عليه السلام، إلى أن قال:

  • و أمّا الفصاحة، فهو عليه السلام إمام الفصحاء و سيّد البلغاء. و في كلامه قيل: دُونَ كَلَامِ الخَالِقِ وَ فَوْقَ كَلَامِ المَخْلُوقِ. و منه تعلّم الناس الخطابة و الكتابة. قال عبد الحميد بن يحيي: حَفِظْتُ سَبْعِينَ خُطْبَةً مِنْ خُطَبِ الأصْلَعِ، فَفَاضَتْ ثُمَّ فَاضَتْ.

  • و قال ابن نُباتة: حَفِظْتُ مِنَ الخِطَابَةِ كَنْزاً لَا يَزِيدُهُ الإنْفَاقُ إلَّا سَعَةً وَ كَثْرَةً، حَفِظْتُ مِائَةَ فَصْلٍ مِنْ مَوَاعِظِ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.

  • و لمّا قال مِحْفَن بنُ أبي مِحْفَن لمعاوية: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أعْيى النَّاسِ، قال له: ويْحَكَ كَيْفَ يَكُونُ أعْيَا النَّاسِ؟ فَوَ اللهِ مَا سَنَّ الفَصَاحَةَ لِقُرَيْش غَيْرُهُ.

  • و يكفي هذا الكتاب «نهج البلاغة» الذي نحن شارحوه دلالة على أنّه لا يُجَارَى في الفصاحة، و لا يبارَى في البلاغة. و حسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العُشر، و لا نصف العُشر ممّا دُوِّن له. و كفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب «البيان و التبيين» و في غيره من كتبه.۱

  • ثمّ قال ابن أبي الحديد بعد شرح مشبع تناول فيه سماحة أخلاق الإمام، و زهده، و عبادته:

  • و أمّا قراءة عليّ القرآن و اشتغاله به، فهو المنظور إليه في هذا الباب. اتّفق جميع العلماء و الفقهاء من العامّة و الخاصّة على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله، و لم يكن غيره يحفظه. ثمّ هو

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲٤ و ۲۵، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

170
  • أوّل من جمعه.

  • نقلوا كلّهم أنّه تأخّر عن بيعة أبي بكر. فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنّه تأخّر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن. فهذا يدلّ على أنّه أوّل من جمع القرآن، لأنّه لو كان مجموعاً في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله، لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه و آله.

  • و إذا رجعتَ إلى كتب القراءات، وجدتَ أئمّة القرّاء كلّهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء، و عاصم بن أبي النَّجود، و غيرهما. لأنّهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ القارئ. و أبو عبد الرحمن كان تلميذه، و عنه أخذ القرآن. فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضاً، مثل كثير ممّا سبق.۱

  • هذه مطالب ذكرها ابن أبي الحديد في مقدّمة شرحه على «نهج البلاغة» في سياق عدّه سائرَ فضائل الإمام عليه السلام.

  • و أمّا ابن شهرآشوب: فقد عقد فصلًا في كتابه «مناقب آل أبي طالب» تحت عنوان: في المسابقة بالعلم. و أحصى فيه العلوم التي كان أمير المؤمنين عليه السلام سبّاقاً فيها. قال: أ فلا يكون (عليّ عليه السلام) أعلم الناس، و كان مع النبيّ صلى الله عليه و آله في البيت و المسجد، يكتب وحيه و مسائله، و يسمع فتاواه، و يسأله؟

  • و روى أنّه كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا نزل عليه الوحي ليلًا لم يصبح حتى يخبر به عليّاً عليه السلام. و إذا نزل عليه الوحي نهاراً لم يُمسِ حتى يخبر به عليّاً. و من المشهور إنفاقه الدينار قبل مناجاة

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۱، ص ۲۷ و ۲۸، طبعة مصر، دار الإحياء.

معرفة الإمام ج۱۲

171
  • الرسول، و سأله عن عشر مسائل، فتح له منها ألف باب، فتح كلّ باب ألف باب. و في ذلك قال الشريف الرضيّ:۱

  • يَا بَنِي أحْمَدَ انَادِيكُمُ اليَوْمَ***وَ أنْتُمْ غَدَاً لِرَدِّ جَوَابِي

  • ألْفَ بَابٍ أُعطِيتُم ثُمَّ أفْضَى***كُلُّ بَابٍ مِنْهَا إلَى ألْفِ بَابِ

  • لَكُمُ الأمْرُ كُلُّهُ وَ إلَيْكُمْ***وَ لَدَيْكُمْ يُؤُولُ فَصْلُ الخِطَابِ ۲

  • و من عجيب أمره عليه السلام في هذا الباب أنّه لا شيء من العلوم إلّا و أهلة يجعلون عليّاً عليه السلام قدوة، فصار قوله قبلة في الشريعة يتوجّه إليها كلّ الناس.

  • جَمْعُ القرآن من قِبَل الإمام عليه السلام

  • كان أمير المؤمنين عليه السلام جامع القرآن

  • سُمع القرآن من عليّ عليه السلام. ذكر الشيرازيّ في «نزول القرآن»، و أبو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عبّاس في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يحرّك شفتيه عند الوحي ليحفظه، و قيل له: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ» يَعْنِي بِالقُرْآنِ «لِتَعْجَلَ بِهِ» مِنْ قَبْلِ أنْ يُفْرَغَ بِهِ مِنْ قَرَاءَتِهِ عَلَيْكَ «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ».۳

  • قال [ابن عبّاس]: ضمن الله محمّداً صلى الله عليه و آله أن يجمع القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال ابن عبّاس: فجمع الله القرآن في قلب عليّ عليه السلام. و جمعه عليّ عليه السلام بعد موت رسول الله صلى الله عليه و آله بستّة أشهر.

  • و في أخبار أبي رافع: إنَّ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ في مَرَضِهِ

    1. «المناقب» ج ۱، ص ۲٦۲، الطبعة الحجريّة.
    2. «المناقب»، ج ۱، ص ۲٦۳.
    3. الآيات ۱٦ إلى ۱۸، من السورة ۷۵: القيامة.

معرفة الإمام ج۱۲

172
  • الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيّ! هَذَا كِتَابُ اللهِ، خُذْهُ إلَيْكَ. فَجَمَعَهُ عَلِيّ في ثَوْبٍ فَمَضَى إلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ جَلَسَ عَلِيّ فَألَّفَهُ كَمَا أنْزَلَهُ اللهُ وَ كَانَ بِهِ عَالِماً.

  • و حدّثني أبو العلاء العطّار، و الموفّق خطيب خوارزم في كتابيهما بالإسناد عن عُليّ بن رباح۱ أنَّ النَّبِيّ أمَرَ عَلِيَّاً بِتَألِيفِ القُرْآنَ، فَألَّفَهُ وَ كَتَبَهُ.

  • و روى جَبَلة بن سُحَيم۲ عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوَسَادَةُ وَ عُرِفَ لِي حَقِّي لأخْرَجْتُ لَهُمْ مُصْحَفَاً كَتَبتُهُ وَ أمْلَاهُ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ.

  • و رويتم أيضاً (أنتم العامّة) أنَّهُ إنَّمَا أبْطَأ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ بَيْعَةِ أبِي بَكْرٍ لِتَألِيفِ القُرْآنِ.

  • و روى أبو نُعَيم في «حلية الأولياء»، و الخطيب في «الأربعين» بالإسناد عن السُّدّيّ، عن عبد خير، عن عليّ عليه السلام أنّه قال: لَمَّا قُبِضَ

    1. ذكر ابن حجر العسقلانيّ في« تهذيب التهذيب» ج ۷، ص ۵۳٩ و ۵٤۰، تحت الرقم ۵٤۰ قائلًا: عليّ بن رَباح( رباح بفتح الراء و تخفيف الباء الموحّدة و الحاء المهملة) بن قصير اللَّخميّ. و يقال له: أبو موسى، و المشهور فيه بضمّ العين. و هو ممّن وفد على معاوية. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر، و قال: كان ثقة. و قال الليث: قال عليّ بن رباح: لا أجعل في حلٍّ مَن سمّاني عليّاً، فإنّ اسمي عُليّ( بضمّ العين). و قال المقري: كان بنو اميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ، قتلوه. فبلغ ذلك رباحاً، فقال: هو عُلَيّ. و كان يغضب من عَلِيّ و يحرج على من سمّاه به. ولد سنة ۱۰ و مات سنة ۱۱٤ أو ۱۱۷. قال ابن سعد و ابن معين: إنّ أهل مصر يقولونه بفتح العَين، و إنّ أهل العراق يقولونه بالضمّ.
    2. جاء في« تهذيب التهذيب» ج ۲، ص ٦۱ و ٦۲ تحت الرقم ٩۵: جَبَلة بن سُحَيم التيميّ الكوفيّ. و ثقّه شعبة، و الثوريّ، و يحيى بن معين، و ابن مريم، و العجليّ، و النسائيّ، و أبو حاتم. قال ابن سعد: توفّى في فتنة الوليد بن يزيد. و قال خليفة بن الخيّاط: مات سنة ۱۲۵ ه- في ولاية يوسف بن عمر. و قال القراب في تاريخه: مات سنة ۱۲٦ ه-.

معرفة الإمام ج۱۲

173
  • رَسُولُ اللهِ أقْسَمْتُ- أوْ حَلَفْتُ- أنْ لَا أضَعَ ردَايَ عَنْ ظَهْرِي حتى أجْمَعَ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ. فَمَا وَضَعْتُ رِدَايَ حتى جَمَعْتُ القُرْآنَ.

  • و في أخبار أهل البيت عليهم السلام أنَّهُ آلَى أنْ لَا يَضَعَ رِدَاءَهُ عَلَى عَاتِقِهِ إلَّا لِلصَّلَاةِ حتى يُؤَلِّفَ القُرْآنَ وَ يَجْمَعَهُ. فَانْقَطَعَ عَنْهُمْ مُدَّةً إلَى أنْ جَمَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ بِهِ في إزَارٍ يَحْمِلُهُ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ في المَسْجِدِ، فَأنْكَرُوا مَصِيرَهُ بَعْدَ انْقِطَاعٍ مَعَ البَتِهِ،۱ فَقَالُوا: الأمْرُ مَا۲ جَاءَ بِهِ أبُو الحَسَنِ.

  • فَلَمَّا تَوَسَّطَهُمْ، وَضَعَ الكِتَابَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وَ هَذَا الكِتَابُ وَ أنَا العِتْرَةُ.

  • فَقَامَ إلَيْهِ الثَّانِي فَقَالَ لَهُ: إن يَكُنْ عِنْدَكَ قُرْآنٌ، فَعِنْدَنَا مِثْلُهُ، فَلَا حَاجَةَ

    1. جاء في النسخة الحجريّة المطبوعة من« المناقب» هكذا كما ذكرناه. و قال الجوهريّ في« صحاح اللغة» ج ۱، ص ۳۱: ألب. الفرّاء: ألب الإبل يألِبها و يألَبها ألباً: جمعها و ساقها. و ألبتُ الجيش إذا جمعتُه. و تألّبوا: تجمّعوا. و هم ألبُ و إلب إذا كانوا مجتمعين. قال رؤبة:
      قد أصبح الناس علينا ألبا--فالناس في جنبٍ و كنّا جنبا
      --
      و كذلك الالبة بالضمّ. و التأليب: التحريض، يقال: حسود مؤلّب، قال ساعدة بن جؤيه الهذليّ: ضبر لباسهم القتير المؤلّب. و التألّب مثال الثَّعْلَبِ: شجرٌ.
      و لكنّ المجلسيّ ضبطها في« بحار الأنوار» في باب ما جاء في كيفيّة جمع القرآن، ج ۱٩، ص ۱٤، طبعة الكمبانيّ، و ج ٩۲، ص ۵۲، في الطبعة الحديثة: مع التَّيْه نقلًا عن« مناقب ابن شهرآشوب». و قال مصحّح« البحار» في هامش ص ۵۲ من ج ٩۲، الطبعة الحديثة: هكذا في الأصل، و في بعض النسخ: الإلبة، بالكسر. أقول: الأنسب الْبَتِهِ بالضمّ، و إن كان لقوله: مع التّيه معنى مناسب.
    2. هكذا ورد في النسخة المطبوعة من« المناقب»، و في« بحار الأنوار» طبعة الكمبانيّ الذي رواه عن« المناقب»: الأمر ما جاء به أبو الحسن. بَيدَ أنّه ورد في الطبعة الحديثة ل-« البحار» بنحو الاستفهام: لأمر ما جاء أبو الحسن؟

معرفة الإمام ج۱۲

174
  • لَنَا فِيكُمَا، فَحَمَلَ عَلَيهِ السَّلَامُ الكِتَابَ وَ عَادَ بِهِ بَعْدَ أنْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ.

  • و في خبر طويل عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّهُ حَمَلَهُ وَ وَلَّى رَاجِعاً نَحْوُ حُجْرَتِهِ وَ هُوَ يَقُولُ: «فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ».۱ وَ لِهَذَا قَرَأ ابْنَ مَسْعُودٍ: إنَّ عَلِيَّاً جَمَعَهُ وَ قَرَأ بِهِ فَإذَا قَرَأهُ فَاتَّبِعُوا قِرَاءَتَهُ.

  • قال الناشئ:

  • جَامِعُ ۲ وَحْي اللهِ إذْ فَرَّقَهُ***مَنْ رَامَ جَمْعَ آيَةٍ فَمَا ضَبَطْ

  • أشْكَلَهُ لِشَكْلِهِ بِجَهْلِهِ***فَاسْتُعْجِبَتْ ۳ أحْرُفُهُ حِينَ نَقَطْ

  • و قال العونيّ:

  • لَمَّا رَأى الأمْرَ قَبِيحَ المَدْخَلِ***حَرَّدَ في جَمْعِ الكِتَابِ المُنْزَلِ

  • و قال الصاحب:

  • هَلْ مِثْلَ جَمْعِكَ لِلْقُرْآنِ تَعْرِفُهُ***لَفْظاً وَ مَعْنَى وَ تَأوِيلًا وَ تَبْيينا ٤

  • و قال الخطيب منيح:

    1. الآية ۱۸۷، من السورة ۳: آل عمران.
    2. قال آية الله السيّد حسن الصدر في كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» ص ٤٩: و أوّل مصحف جمع فيه القرآن على ترتيب النزول بعد موت النبيّ صلى الله عليه و آله هو مصحف أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. و الروايات في ذلك من طريق أهل البيت متواترة، و من طريق أهل السنّة مستفيضة أشرنا إلى بعضها في الأصل« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» و باحثنا فيه ابن حجر العسقلانيّ.
    3. في الطبعة الحديثة لكتاب« مناقب آل أبي طالب»: فاستُعجمت أي فاستبهمت و لم تصحّ.
    4. هذا البيت من قصيدة للصاحب بن عبّاد مطلعها:
      حُبُّ النَّبِيّ وَ أهْلِ البَيْتِ مُعْتَمَدِي--إذِ الخُطُوبُ أسَاءَتْ رَأيَهَا فِينَا
      --
      و ذكرها سبط بن الجوزيّ برمّتها في« تذكرة الخواصّ» ص ۸۸.

معرفة الإمام ج۱۲

175
  • عَلِيّ جَامِعُ القُرْآنَ جَمْعَاً***يُقَصِّرُ عَنْهُ جَمْعُ الجَامِعِينَا

  • فأمّا ما روى أنّه جمعه أبو بكر، و عمر، و عثمان، فانّ أبا بكر قال لمّا التمسوا منه جمع القرآن: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللهِ وَ لَا أمَرَنِي بِهِ؟ ذكره البخاريّ في صحيحه.

  • و ادّعى عليّ أنّ النبيّ أمره بالتأليف. ثمّ إنّهم أمروا زيد بن ثابت، و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و عبد الله بن الزبير بجمعه. فالقرآن يكون جمع هؤلاء جميعهم.۱

  • ،،، تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم القراءات

  • و من العلوم التي تقدّم فيها عليّ على الجميع: علم القراءات. و ظهر علماء القراءات في هذا المجال. روى أحمد بن حنبل، و ابن بطّة، و أبو يَعْلى في مصنّفاتهم عن الأعمش، عن أبي بكر بن عيّاش في خبر طويل أنّه قرأ رجلان ثلاثين آية من سورة الأحقاف، فاختلفا في قراءتهما، فقال ابن مسعود: هذا الخلاف ما أقرأه. فذهب بهما إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله. فغضب و عليّ عليه السلام عنده. فقال عليّ عليه السلام: رَسُولُ اللهِ يَأمُرُكُمْ أنْ تَقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ. و هذا دليل على علم عليّ عليه السلام بوجوه القراءات المختلفة. و روى أنّ زيداً لمّا قرأ: التابوت، قال عليّ عليه السلام: اكتبه التابوت، فكتبه كذلك.

  • و القرّاء السبعة إلى قراءته عليه السلام يرجعون. فأمّا حمزة، و الكسائيّ فيعوّلان على قراءة عليّ عليه السلام و ابن مسعود. و ليس مصحفهما مصحف ابن مسعود. فهما إنّما يرجعان إلى عليّ عليه السلام

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦٦ و ۲٦۷، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

176
  • و يوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الإعراب. و قد قال ابن مسعود: مَا رَأيْتُ أحَداً أقْرَأ مِنْ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ لِلقُرْآنِ.

  • و أمّا نافع، و ابن كثير، و أبو عمرو، فمعظم قراءاتهم ترجع إلى ابن عبّاس، و ابن عبّاس قرأ على ابيّ بن كعب، و عليّ. و الذي قرأه هؤلاء القرّاء يخالف قراءة ابيّ، فهو إذاً مأخوذ عن عليّ عليه السلام.

  • و أمّا عاصم، فقرأ على أبي عبد الرحمن السُّلَميّ. و قال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كلّه على عليّ بن أبي طالب. فقالوا: أفصح القراءات قراءة عاصم لأنّه أتى بالأصل، و ذلك أنّه يُظهر ما أدغمه غيره، و يحقّق من الهمز ما ليّنه غيره، و يفتح من الألفات ما أماله غيره.

  • و العدد الكوفيّ في القرآن منسوب إلى عليّ عليه السلام. و ليس في الصحابة من يُنسب إليه العدد غيره عليه السلام. و إنّما كتب عدد ذلك كلّ مِصر عن بعض التابعين.

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم التفسير

  • و منهم: المفسّرون كعبد الله بن عبّاس، و عبد الله بن مسعود، و ابيّ ابن كعب، و زيد بن ثابت. و هم معترفون له عليه السلام بالتقدّم.۱

    1. روى في« غاية المرام» القسم الثاني، ص ۵۱۳، الحديث ۲٦، عن السيّد ابن طاووس في كتاب« سعد السعود» عن طريق العامّة، عن أبي حامد الغزّاليّ، قال عليّ عليه السلام لمّا حكى عهد موسى: إنّ شرح كتابه كان أربعين حملًا، لو أذِنَ الله و رسوله لي، لأشرع في شرح معاني ألف الفاتحة حتى يبلغ مثل ذلك، يعني أربعين وقراً أو جملًا. و هذه الكثرة في السعة و الإفتاح في العلم لا تكون إلّا لَدُنيّاً سماويّاً إلهيّاً. هذا آخر لفظ محمّد بن محمّد الغزّاليّ في كتاب بيان العلم اللدُنّيّ في وصف مولانا عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه و آله.
      و روى في الحديث ۲۷ أيضاً عن طريق العامّة، عن السيّد ابن طاووس، عن أبي عمر الزاهد، و اسمه محمّد بن عبد الواحد في كتابه بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: يا ابن عبّاس! إذا صلّيت عشاء الآخرة، فالحقني إلى الجبّان. قال ابن عبّاس: فصلّيتُ و لحقته، و كانت ليلة مقمرة. فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قلتُ: فما علمتُ حرفاً اجيبه. فتكلّم في تفسيرها ساعة واحدة تامّة. قال: فما تفسير الحاء من الحمد؟ فقلتُ: لا أعلم. فتكلّم فيها ساعة تامّة. ثمّ قال عليه السلام: فما تفسير الميم؟ قال: قلتُ: لا أدري. قال: فتكلّم فيها ساعة تامّة. ثمّ قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلتُ: لا أدري. فتكلّم فيها إلى برق عمود الفجر. ثمّ قال لي: قُمْ يا ابن عبّاس إلى منزلك و تأهّب لفرضك. قال أبو العبّاس عبد الله بن عبّاس: فقمتُ و قد وعيتُ كلّما قال، ثمّ تفكّرتُ فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في الثَّعجَر( الغدير و بركة الماء من البحر).

معرفة الإمام ج۱۲

177
  • و ورد في تفسير النقّاش أنّ ابن عبّاس قال: جُلُّ مَا تَعَلَّمْتُ مِنَ التَّفْسِيرِ مِنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبٍ وَ ابْنِ مَسْعُودٍ. إنَّ القُرْآنَ انْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، مَا مِنْهَا إلَّا وَ لَهُ ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ. وَ إنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلِمَ الظَّاهِرَ وَ البَاطِنَ.

  • و جاء في «الفضائل» للعكبريّ أنّ الشعبيّ قال: مَا أحَدٌ أعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ بَعْدَ نَبِيّ اللهِ مِنْ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.

  • و في «تاريخ البلاذريّ»، و «حِلْيَة الأولياء»: قال عليّ عليه السلام: وَ اللهِ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إلَّا وَ قَدْ عَلِمْتُ فِيمَا نَزَلَتْ وَ أيْنَ نَزَلَتْ، أ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أوْ بِنَهَارٍ نَزَلَتْ، في سَهْلٍ أوْ جَبَلٍ؟ إنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولًا وَ لِسَاناً سَؤُولًا.۱

  • و ورد في «قوت القلوب»: قال عليّ عليه السلام: لَوْ شِئْتُ لأوْقَرْتُ

    1. روى ابن عبد البرّ في« الاستيعاب» ج ۳، ص ۱۱۰۷ عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدتُ عليّاً يخطب و هو يقول: سَلُونِي، فَو اللهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ، إلَّا أخْبَرْتُكُمْ. وَ سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ، فَوَ اللهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وَ أنَا أعْلَمُ أ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أمْ بِنَهارٍ، أمْ في سَهْلٍ أمْ في جَبَلٍ.

معرفة الإمام ج۱۲

178
  • سَبْعِينَ بَعِيرَاً في تَفْسِيرِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ.۱

  • و لمّا وجد المفسّرون قوله عليه السلام، لم يرجعوا إلى قول غيره في

    1. قال السيّد حيدر الآمليّ قدّس الله سرّه في كتاب« جامع الأسرار و منبع الأنوار» ص ٦٩۰، و هو يشرح الحقيقة الكلّيّة: و اعلم أنّ هذه الحقيقة( الكلّيّة المتعيّنة بالتعيّن الأوّل) عند التحقيق ليس لها اسم و لا رسم و لا وصف و لا نعت، لأنّ الحقّ التي هي صورته كذلك ... إلى أن قال في ص ٦٩٤: و( تسمّى هذه الحقيقة الكلّيّة أيضاً) بالنقطة، لأنّها أوّل نقطة تعيّن بها الوجود المطلق. و سمّى بالوجود المضاف( و ذلك) كنقطة الباء مثلًا فإنّها أوّل نقطة تعيّن بها الألف في مظاهره الحروفيّة، و صار باءً، و لهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام:« أنا النقطة تحت الباء». و قال:« لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم). و قال:« العلم نقطة كثّرها جهلُ الجهلاء».
      و قال بعض العارفين: بالباء ظهر الوجود، و بالنقطة تميّز العابد عن المعبود. و قال الآخر: ظهر الوجود من باء بسم الله الرحمن الرحيم. و أمثال ذلك كثيرة في هذا الباب. و قد بسطنا الكلام في تفسيرها و تحقيقها في رسالتنا المسمّاة ب-« منتخب التأويل في بيان كتاب الله و حروفه و كلماته و آياته». و يواصل حديثه حتى ص ۷۰۰ فيقول: و سرّ قوله عليه السلام:« لو شئتُ لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم» شاهد على هذا المعنى، لأنّه لو شاء في تفسير هذا الباء و النقطة المذكورة تحته المتميّز بها عن الألف لم يكن يحمله سبعون بعيراً و لا سبعون ألف بعير، و إلى هذا أشار الشيخ العارف الكامل ابن الفارض المصريّ قدّس الله سرّه في قصيدته التائيّة في قوله- و لو كنت بي من نقطة الباء خفضة- البيت، كما شرحه الشيخ العارف عزّ الملّة و الدين الكاشيّ رحمة الله عليه. و نقل هنا شرح المولى عبد الرزّاق الكاشانيّ كلّه. و كذلك قال في ص ۵٦۳: و بالجملة أسرار( البسملة) ليست بقابلة للتقرير و التحرير، و من هذا المقام قيل: ظهر الوجود من باء بسم الله الرحمن الرحيم. و قيل: بالباء ظهر الوجود، و بالنقطة تميّز العابد عن المعبود. و قال أمير المؤمنين عليه السلام: و الله لو شئت لأوقرتُ سبعين بعيراً من( شرح) باء بسم الله الرحمن الرحيم». و قال أيضاً:« أنا النقطة تحت الباء» لأنّه كنقطة بالنسبة إلى التعيّن الأوّل الذي هو النور الحقيقيّ المحمّديّ، لقوله:« أوّل ما خلق الله نوري» المسمّى بالرحيم. و لقوله:« أنا و عليّ من نور واحد». إلى آخر ما ذكره في شرح هذه العبارة.

معرفة الإمام ج۱۲

179
  • التفسير. و سأله ابن الكوّاء، و هو على المنبر: مَا «الذَّارِياتِ ذَرْواً»؟ فقال: الرِّيَاحُ. فقال: وَ مَا «فَالْحامِلاتِ وِقْراً»؟ فقال: السَّحَابُ. فقال: وَ مَا «فَالْجارِياتِ يُسْراً»؟ فقال: الفُلْكُ. فقال: مَا «فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً»؟ فقال: المَلَائِكَةُ. فالمفسّرون كلّهم على قوله عليه السلام.۱

  • هذه الآيات في أوّل سورة الذاريات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً فَالْجارِياتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَ إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ.۲

  • قال العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الزكيّة في التفسير: الذَّارِياتِ جمع الذَّارِيَة من قولهم: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ تَذْرُوهُ ذَرْوَاً إذا أطارته. و الوِقْرُ بالكسر فالسكون ثقل الحمل في الظهر أو في البطن. و في الآيات إقسام بعد إقسام يفيد التأكيد بعد التأكيد للمقسم عليه و هو الجزاء على الأعمال. فقوله: وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً إقسام بالرياح المثيرة للتراب.

  • و قوله: فَالْحامِلاتِ وِقْراً بالفاء المفيدة للتأخير و الترتيب معطوف على الذَّارِيَاتِ و إقسام بالسحب الحاملة لثقل الماء، و قوله: فَالْجارِياتِ يُسْراً عطف عليه و إقسام بالسفن الجارية في البحار بيُسر و سهولة. و قوله: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً عطف على ما سبقه و إقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم. فانّ أمر ذي العرش بالخلق و التدبير واحد. فاذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم، انشعب الأمر و تقسّم بتقسّمهم. ثمّ إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الاولى، تقسّم ثانياً بتقسّمهم، و هكذا حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونيّة الجزئيّة

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦۷ و ۲٦۸، الطبعة الحجريّة.
    2. الآيات ۱ إلى ٦، من السورة ۵۱: الذاريات.

معرفة الإمام ج۱۲

180
  • فينقسم بانقسامها و يتكثّر بتكثّرها.

  • و الآيات الأربع- كما ترى- تشير إلى عامّة التدبير حيث ذكرت انموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البرّ، و هو الذَّارِياتِ ذَرْواً. و انموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البحر، و هو فَالْجارِياتِ يُسْراً. و انموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في الجوّ، و هو فَالْحامِلاتِ وِقْراً. و تمّم الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير، و هم فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً.

  • فالآيات في معنى أن يقال: اقسم بعامّة الأسباب التي يتمّم بها أمر التدبير في العالم إنّ كذا كذا، و قد ورد من طرق الخاصّة و العامّة عن عليّ عليه أفضل السلام تفسير الآيات الأربع بما تقدّم.۱

  • و روى ابن كثير الدمشقيّ في تفسيره عن شعبة بن الحجّاج، عن السمّاك، عن خالد بن عرعرة، و كذلك روى بسند آخر عن شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أنّهم سمعوا عليّ بن أبي طالب، و ثبت أيضاً من طرق اخرى غير هذين السندين، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنّه صعد منبر الكوفة فقال: لَا تَسْألُونِي عَنْ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ تعالى وَ لَا عَنْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِذَلِكَ.

  • فقام إليه ابن الكوّاء، و قال: يا أمير المؤمنين! ما معنى قوله تعالى: وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً؟ فقال عليّ رضي الله عنه: الرِّيحُ. فقال: ما معنى فَالْحامِلاتِ وِقْراً؟ فقال عليّ رضي الله عنه: السَّحَابُ. قال: فما معنى فَالْجارِياتِ يُسْراً؟ قال عليّ رضي الله عنه: السُّفن. قال: فما معنى فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً؟ قال عليّ رضي الله عنه: المَلَائِكَةُ.۲

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱۸، ص ۳٩۵ و ۳٩٦.
    2. «تفسير ابن كثير» ج ٦، ص ٤۱۳ و ٤۱٤، طبعة دار الفكر، بيروت.

معرفة الإمام ج۱۲

181
  • و أخرج السيوطيّ في تفسير «الدرّ المنثور» تفسير هذه المعاني الأربعة في الآيات الأربع عن عليّ بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و السلام عن عبد الرزّاق، و الفريابيّ، و سعيد بن منصور، و الحارث بن أبي اسامة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن الأنباريّ في «المصاحف» و الحاكم و صحّحه، و البيهقيّ في «شعب الإيمان» من طرق مختلفة.۱

  • قصّة جَلد صُبَيْغ بن عَسَل و منعه من السؤال عن القرآن

  • منع عمر المسلمين من البحث في الآيات القرآنيّة

  • قصّة صُبَيغ بن عَسَل و عمر في هذه الآية

  • و أخرج السيوطيّ، و ابن كثير، عن البزّاز، و الدار قطنيّ في «الأفراد»، و ابن مردويه، و ابن عساكر عن سعيد بن المسيّب قال: جاء صُبَيْغ التميميّ إلى عمر بن الخطّاب فقال: أخبرني عن الذَّارِياتِ ذَرْواً. قال: هي الرياح، و لو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه [و آله] و سلّم يقوله ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْحامِلاتِ وِقْراً. قال: هي الرياح: و لو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه [و آله] و سلّم يقوله ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْجارِياتِ يُسْراً. قال: هي السفن، و لو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه [و آله] و سلّم يقول ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً. قال: الملائكة، و لو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه [و آله] و سلّم يقوله ما قلتُه.

  • ثمّ أمر به، فضُرب مائة، و جُعل في بيت. فلمّا برأ، دعاه فضربه مائة اخرى و حمله على قتب، و نفاه إلى البصرة، و كتب إلى أبى موسى الأشعريّ: امنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلّظة ما يجد في نفسه ممّا كان يجد شيئاً. فكتب (أبو موسى) في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما أخاله إلّا قد صدق. فخلِ

    1. «الدرّ المنثور» ج ٦، ص ۱۱۱.

معرفة الإمام ج۱۲

182
  • بينه و بين مجالسة الناس.۱

  • و أخرج السيوطيّ عن الفريابيّ، عن الحسن قال: سأل صُبَيْغ بن عسل التميميّ عمر بن الخطّاب عن الذَّارِياتِ ذَرْواً، و وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، و وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً. فقال له عمر: اكشف رأسك. فإذا له ضفيرتان. فقال عمر: و الله لو وجدتُك محلوقاً، لضربتُ عنقك. ثمّ كتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن لا يجالسه مسلم و لا يكلّمه.۲

  • إن سؤال صُبَيْغ عمر، و ضربه بجريد النخل و عراجينه حتى جرح بدنه و ورم كالدُّمَّل، ثمّ حبسه حتى برأ، و ضربه مرّة اخرى بعراجين النخل، و سائر جزئيّات القضيّة من المسلّمات في التأريخ. و قال ابن كثير في ذيل هذه الرواية التي نقلناه أخيراً عنه: ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القضيّة في ترجمة صُبَيْغ مفصّلًا.

  • و نقل العلّامة الأمينيّ هذه القضيّة في باب نوادر الأثر في علم عمر تحت عنوان: اجتهاد الخليفة في السؤال عن مشكلات القرآن، و ذلك بعبارات و مضامين مختلفة تتحدّث كلّها عن قضيّة واحدة. و رواها الأمينيّ عن «سنن الدارميّ»، و «تاريخ ابن عساكر»، و «سيرة عمر» لابن الجوزيّ، و «تفسير ابن كثير»، و «الإتقان» للسيوطيّ، و «كنز العمّال» نقلًا عن الدارميّ، و نصر المقدسيّ، و الأصفهانيّ، و ابن الأنباريّ، و الكانيّ، و ابن عساكر. و رواها أيضاً عن تفسير «الدرّ المنثور»، و «فتح الباري»، و «الفتوحات المكّيّة»، و فيها أنّ سليمان بن يسار روى أنّ رجلًا يقال له: صبيغ، قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فأرسل إليه عمر، و قد أعدّ له

    1. «الدرّ المنثور» ج ٦، ص ۱۱۱؛ و« تفسير ابن كثير» ج ٦، ص ٤۱٤.
    2. «الدرّ المنثور» ج ٦، ص ۱۱۱.

معرفة الإمام ج۱۲

183
  • عراجين۱ النخل، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله صُبَيغ. فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه و قال: أنا عبد الله عمر. فجعل يضربه ضرباً حتى دميَ رأسه. فقال صُبَيغ: يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنتُ أجد في رأسي.

  • و عن نافع مولى عبد الله أنّ صُبَيْغ العراقيّ جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، حتى قدم مصر. فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب. فلمّا أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، فقال: أين الرجل؟ فقال الرسول: في الرحل. قال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك منّي العقوبة الموجعة. فأتاه به.

  • فقال عمر: تسأل مُحْدِثاً! فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثمّ تركه حتى برأ. ثمّ عاد له، ثمّ تركه حتى برأ. فدعا به ليعود له، قال صُبَيْغ: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلًا جميلًا. و إن كنت تريد أن تداويني، فقد و الله برئت.

  • فأذِنَ له عمر إلى أرضه، و كتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن لا يجالسه أحد من المسلمين. فاشتدّ ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته. فكتب عمر أن يأذن الناس بمجالسته.

  • و عن السائب بن يزيد قال: اتي عمر بن الخطّاب فقيل: يا أمير المؤمنين! إنّا لقِينا رجلًا يسأل عن تأويل مشكل القرآن، فقال عمر: اللَهُمَّ مَكِّنِّي مِنْهُ. فبينما عمر ذات يوم جالساً يُغدي الناس، إذ جاء (الرجل) و عليه ثياب و عمامة صفدي حتى إذا فرغ، قال: يا أمير المؤمنين!

    1. العراجين جمع العرجون. و عرجون النخلة جريدها المتّصل بجذعها، و تعلّق به أعذاق التمر. و يعوّج و يبقى على النخل يابساً بعد قطع الشماريخ عنه، ثمّ يؤخذ و يستعمل.

معرفة الإمام ج۱۲

184
  • وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً؟

  • فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه و حسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته.

  • فقال: و الذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك. ألبسوه ثياباً و احملوه على قتب و أخرجوه حتى تقدموا به بلاده. ثمّ ليقم خطيب، ثمّ يقول: إنّ صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه. فلم يزل صُبيغ وضيعاً في قومه حتى هلك، و كان سيّد قومه.۱

  • و عن أنس: أنّ عمر بن الخطّاب جلد صُبيغاً الكوفيّ في مسألة عن حرف من القرآن حتى اضطربت الدماء في ظهره.

  • و عن الزُّهْريّ: أنّ عمر جلد صُبيغاً لكثرة مساءلته عن حروف القرآن حتى اضطربت الدماء في ظهره.

  • قال الغزّاليّ في «إحياء العلوم» ج ۱، ص ۳۰: و [عمر] هو الذي سدّ باب الكلام و الجدل، و ضرب صبيغاً بالدرّة لما أورد عليه سؤالًا في تعارض آيتين في كتاب الله و هجره، و أمر الناس بهجره- انتهى.

  • و صبيغ هذا هو صُبَيْغ بن عَسَل. و يقال: ابن عَسيل. و يقال: صبيغ ابن شريك من بنى عسيل.۲

  • إن العامّة يسوّغون فعل عمر بقولهم: إنّ صبيغاً سأل عن متشابه القرآن، و قد ورد النهى عن هذا السؤال. فلهذا أدّبه عمر بالضرب،

    1. وردت هذه القضيّة في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص ۲۷۱، الطبعة الثانية، و قال في هامشها: أخرجها أهل الأخبار، و أرسلها المتتبّع الخبير ابن أبي الحديد في أحوال عمر، في« شرح نهج البلاغة» ج ۳، ص ۱۲۲، طبعة مصر. و جاء اسم الشخص في جميعها: ضُبَيع بالضاد المعجمة و العين المهملة.
    2. «الغدير»، ج ٦، ص ۲٩۰ إلى ۲٩۲، تحت الرقم ٩۰.

معرفة الإمام ج۱۲

185
  • و الحبس، و التعذيب، و النفي، و نهي الناس عن مجالسته.

  • و ذكر السيوطيّ في «الإتقان» روايتين في هذا الموضوع عن صُبيغ ضمن الباب المتعلّق بعدم جواز العمل بمتشابهات القرآن: الاولي: رواية الدارميّ عن سليمان بن يسار و قد ذكرناها في هذا البحث. الثانية: رواية نافع مولى عبد الله، و قد أوردناها بعد الرواية الاولى، و عرضها السيوطيّ بقوله: وَ في رِوَايةٍ.۱

  • و قال ابن كثير بعد رواية سعيد بن المسيِّب التي ننقلها عنه: قصّة صُبَيغ بن عَسَل مشهورة مع عمر، وَ إنَّمَا ضَرَبَهُ لأنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْ أمْرِهِ فِيمَا يَسْألُ تَعَنُّتَاً وَ عِنَادَاً. وَ اللهُ أعْلَمُ.۲

  • لقد منع عمر الناس من السؤال عن معاني القرآن و مفاهيمه، و كان يقول: على الناس أن يقرأوا ظاهر القرآن. و كذلك حظر عليهم ذكر الأحاديث و سنّة رسول الله صلى الله عليه و آله و سيرته. و أمر ولاته و عمّاله في الأمصار أن ينهوا الناس عن الخوض في الأحاديث النبويّة. و كلّ من كان ينقل حديثاً عن رسول الله، لم يسلم منه. و كانت درّته قويّة، و سريعة في ضربتها بحيث لم تدع لأحد مجالًا للسؤال، ذلك لأنّها لم تعرف من تقع عليه، و لا تشخّص الرأس، و الوجه، و العنق، و الجذع. و مسكين هو السائل، فما إن يسأل عن مسألة، حتى يضرب بالدرّة فيتورَّمَ رأسُه، و ينزف الدم من أنفه و فمه.

  • و قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: دِرَّةُ عُمَرَ أهْيَبُ مِنْ

    1. «الإتقان» ج ۱۲، ص ٤( أقدم طبعة) طبعة المطبعة الموسويّة في ديار مصر، سنة ۱۲۷۸ ه-.
    2. «تفسير ابن كثير» ج ٦، ص ٤۱٤، طبعة بيروت.

معرفة الإمام ج۱۲

186
  • سَيْفِ الحَجَّاجِ.۱

  • و قد علمنا أنّ عبد الله بن عبّاس كان يريد سؤال عمر عن معنى الآية الآتية و مصداقها: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما، و لم يزل حريصاً على ذلك، بَيدَ أنّه لم يجرأ حتى رافقه في سفر. فأخذ منه الإبريق في الطريق ليسكب على يده الماء فيتوضّأ. فاغتنم الفرصة، فقال: يا أمير المؤمنين! من هما المرأتان المقصودتان في هذه الآية: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ؟ قال ابن عبّاس: فتأمّل عمر- كأنّه كره ما سألته عنه- ثمّ رفع رأسه و قال: حفصة و عائشة.۲

  • و كذلك علمنا في مسألة العول أنّ ابن عبّاس لمّا بيّن هذه المسألة لزُفَر و أوضح له أنّ العول باطل و خطأ، قال له زُفر: هلّا قلتَ هذا و عمر حيّ؟ قال: إنَّما كُنْتُ أهِيبُهُ.۳

  • و استغرق منع بيان الأحاديث النبويّة قرناً من الزمان. و كان نقلها محظوراً يومئذٍ. لما ذا ...؟ و ما أعظم المصيبة التي ألمّت بالامّة الإسلاميّة من جرّاء ذلك!

  • إن كتاب الله (القرآن الكريم) نزل للتلاوة و التدبّر و فهم معانيه

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ۱، ص ۱۸۱، طبعة مصر، دار الإحياء؛ قال: كان يقال ... و ذكر ابن أبي الحديد هنا أيضاً أنّه روى في الصحيح أنّ نسوة كنّ عند رسول الله صلى الله عليه و آله قد كثر لغطهنّ، فجاء عمر فهربن هيبة له، فقال لهنّ: يا عُدَيّات أنفسهنّ! أ تهبنني و لا تهبن رسول الله! قلن: نعم، أنت أغلظ و أفظّ.
    2. تفسير« الكشّاف» للزمخشريّ، في ذيل البحث حول هذه الآية المباركة من سورة التحريم.
    3. «معرفة الإمام» ج ۱۱، الدرس ۱٦۱ إلى ۱٦۵. و نقلت هذه العبارة هناك عن ابن أبي الحديد.

معرفة الإمام ج۱۲

187
  • و مفاهيمه. و ما أكثر الآيات التي أمرتنا بالتدبّر في القرآن، و حذّرتنا بشدّة من عدم فهمه! فإذا فقد الإنسان الحقّ في فهم القرآن و حُظر عليه السؤال عن مدلوله و مراده، فما ذا يغنيه هذا الكتاب؟ و هذا الكتاب كتاب عمل، و العمل بدون علم محال، فكيف يتيسّر العمل بالقرآن و التصرّف في ضوء تعالى مه بدون فهمه و استيعابه؟

  • إن الآيات المتشابهات جمّة في القرآن الكريم، و لكنّها للناس أيضاً. و لم يرد في القرآن لغو و عبث و خطأ. و كلّ ما في الأمر أنّنا ينبغي أن نُرجع الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة. و عندئذٍ نظفر بمعناها و مفهومها منها. و نُصِّب الراسخون في العلم من قِبَل الشارع الأقدس لهذا الأمر. و هم يعرفون معاني المتشابهات، و يبيّنون للناس الحقيقة من خلال إرجاعها إلى المحكمات.

  • و لو قُدّر أنّ الآيات المتشابهات لا يفهمها أحد إلّا الله، و أنّ أهل العلم و الراسخين في المعارف قد حُرموا فهمها، فانّ جميع محتوى القرآن سيصبح خالياً من هذه الآيات المتشابهة حقّاً، بينما نحن نعلم أنّ القرآن هو مجموعة الآيات المحكمة و الآيات المتشابهة.

  • و من الطبيعيّ أنّ عمر لم يفهم معاني الآيات المتشابهة، بل لم يفهم بعض الآيات المحكمة، و لا ينتظر أحد منه أن يفهم ذلك. و كلّ امرئٍ له شاكلته. و له استيعابه و قابليّته الخاصّة. و لكن يا حسرتا هنا على جلوس هذا الشخص في مجلس النبيّ الأعظم و تربّعه على أريكة الوحي و الإلهام و الولاية و الكتاب و هذه الامور الباطنيّة؟ و هو الذي لا علم له بظواهر القرآن، و لا جواب عنده يجيب به مراجعيه، و قد جلس مكان اللسان المعبّر الفصيح البليغ، أعني صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو الأهل هذا المنصب، و المتربّي في هذه المدرسة، و الراضع من ثدي

معرفة الإمام ج۱۲

188
  • الوحي و الفهم و الدراية و العلم، و القائل: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، و المترنّم بكلامه: لَوْ ثُنِيَت لِيَ الوِسَادَةُ. و كان جواب عمر للناس إسكاتهم و إخراسهم بدرّته، و نهرهم عن السؤال و الكلام و البحث و الرواية.

  • و كان لا يعرف معنى قوله تعالى: وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً، فعجز عن جواب صُبَيغ و خجل و افتضح، فلهذا انهال عليه بدرّته. و لم يرد في الروايات المأثورة في هذا المجال أنّ عمر قال إنّ معنى الذَّارِياتِ الرياح، و معنى فَالْحامِلاتِ السُّحُب، أو أنّه قال: لو لم يقله رسول الله ما قلته. و ما جاء من عبارات- في حديث السيوطيّ و ابن كثير منقولًا عن سعيد بن المسيّب- موضوعٌ من قبل الراوي الذي أراد أن يغطّي على جهل الخليفة و ينتحل له عذراً يسوّغ فيه ضربات درّته المنهالة على صبيغ.

  • و نصّ ابن كثير في بيان هذا الحديث على أنّه حديث مرفوع. ثمّ قال: قال أبا بكر البزّاز: فأبو بكر بن أبي سُبَرَة ليّن، و سعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث ثمّ قال: قلتُ: فهذا الحديث ضعيف رفعه.۱

  • و لا يعرف كتاب الله إلّا من جاء به و خليفته الذي حمله إلى المسجد ملفوفاً بقطعة من القماش، و قال لتلك الجماعة: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم:

  • إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي. فهذا كتاب الله، و أنا عترة رسول الله.

  • فقام عمر و قال: إذا كان عندك كتاب الله، فعندنا مثله، فلهذا لا حاجة بنا إليكما (الكتاب و العترة). فأرجع أمير المؤمنين عليه السلام

    1. «تفسير ابن كثير» ج ٦، ص ٤۱٤.

معرفة الإمام ج۱۲

189
  • الكتاب معه و قال: سوف لن تراه إلى يوم القيامة.۱

  • حديث الثقلين و عدم افتراق الإمام عن القرآن

  • و لا يُعقل وجود كتاب الله على الأرض، و تكليف الناس بالعمل به ما لم يكن هناك مدرّس و معلّم يعلم ظاهره و باطنه و محكمه و متشابهه. و من الضروريّ تلازم وجود الثَّقَلَينِ: الكتاب و العترة، الكتاب و الإمام البرّ العالم به.

  • و روى الشيعة و العامّة عن رسول الله صلى الله عليه و آله بسند متواتر، بل يفوق التواتر أنّه قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ عِتْرَتِي- أوْ أهْلَ بَيْتِي- وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.۲

    1. من الجدير بالذكر أنّ هذا المصحف الذي بين أيدينا لا يزيد و لا ينقص آية أو حرفاً واحداً عن مصحف أمير المؤمنين عليه السلام، كما لم يُحرَّف و لم يُصَحَّف. و إنّما تميّز مصحفه عليه السلام لأسباب هي: ۱- أنّه جُمعت فيه الآيات و السور حسب ترتيب نزوله. ۲- ذُكر فيه شأن النزول، و هذا أمر مهمّ و عظيم جدّاً كان القوم يخشونه. ۳- كان معجماً و لذلك كان يُتلى دون احتمال معنى آخر، أمّا المصاحف الاخرى فكانت غير معجمة، و إنّما اعجمت أيّام الحجّاج بن يوسف الثقفيّ.
    2. رواه أحمد بن حنبل بهذا اللفظ في مسنده بطريقين: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَ أهْلَ بَيتِي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. و كذلك رواه أحمد في مسنده، و الطبرانيّ في معجمه الكبير، و صاحب« كنز العمّال» ج ۱، ص ٤۷، ٤۸، بهذا اللفظ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ، وَ عِتْرَتِي أهل بَيْتي، وَ إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. و روى الشيخ الصدوق القمّيّ باسناده عن الحسين بن يزيد بن عبد عليّ، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن الإمام الحسن عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه و آله يوماً فقال بعد ما حمد الله و أثنى عليه: معاشر الناس! كأنّي ادعى فأجيب، وَ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، أمَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، فَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَانَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ. لَا تَخْلُو الأرْضُ مِنْهُمْ، وَ لَوْ خَلَتْ لَانْسَاخَتْ بِأهْلِهَا- الخطبة(« غاية المرام» ص ۲۳٦، الحديث الحادي عشر؛ و« تفسير البرهان» ج ۱، ص ۵۱۷ و ۵۱۸). و رواه ما يزيد على ثلاثين من الصحابة. و إذا عدونا علماء الشيعة و مصنّفاتهم الموثوقة، فقد رواه ما يربو على مائتين من علماء العامّة الكبار بألفاظ مختلفة. و ورد في ما ينيف على خمسمائة كتاب من كتبهم المعتبرة.(« عبقات الأنوار» مقدّمة الطبعة، الجزء الأوّل من المجلّد الثاني عشر، القسم الأوّل مقابل الصفحة الاولى؛ فهرس مصادر سند حديث الثقلين من ص ۱۱٦۵ إلى ۱۱۸۸، من ملحق طبعة الجزء الأخير من المجلّد الثاني عشر).

معرفة الإمام ج۱۲

190
  • و خصّص آية الله العلّامة: مير حامد حسين اللكهنويّ الهنديّ النيسابوريّ رضوان الله عليه الجزء الثاني عشر من كتابه الشريف و البديع: «عبقات الأنوار» للبحث حول هذا الحديث المبارك، و قسمه إلى قسمين: جعل الأوّل للبحث في سنده، و الثاني للبحث في دلالته.

  • و لا ريب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو حامي القرآن و حافظ المحكمات و المتشابهات، و العالم بالمطلق و المقيّد، و الناسخ و المنسوخ. و هو الذي أجاب ابن الكوّاء على المنبر أمام آلاف الناس بلا وجل. و هو الذي فتح باب الجدل و الكلام، و دعا الملاحدة و الزنادقة إلى النقاش، و ناظر علماء اليهود و النصارى و الجثالقة من الذين كانوا في الطراز الأوّل منهم، و ألزمهم و عطفهم إلى الإسلام. و دِرّته لسانه، و منطقه. تلك الدرّة التي تبتسم، و تتفتّح كالزهرة، و تُدخل الناس الملحدين في الدين، لا الدرّة التي تنفّر المتديّنين من الدين و تكرههم على الفرار.

  • و ينبغي للناس أن يرجعوا إليه، و يلوذوا بجنبه، و يعرضوا عليه مشاكلهم و أسئلتهم بلا خوف و لا رعب و لا تحفّظ. و كان على صُبَيغ أن يكون كأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و أتباعه و شيعته، فيقصده لرفع مشاكله العلميّة، و يأخذ منه الجواب التامّ الوافي الشافي، و يروي غليله من معدن الولاية، و منهل العلم و المعرفة. و لقد أخطأ إذ قصد مائدة غيره

معرفة الإمام ج۱۲

191
  • و صَبوحَه،۱ و شبع منها. فلهذا كانت تلك الصفعات المتوالية الماحقة الساحقة على رأسه ذي الضفائر من اللوازم لا تبارح تلك المائدة. و قد أشفق الله عليه إذ كان رأسه غير محلوق، و إلّا لقطع، و اشخص إلى ديار العدم.

  • إن ما كتبه عمر إلى أبي موسى الأشعريّ حقّ، إذ قال له: إنَّ صُبَيْغَاً قَدِ ابْتَغَى العِلْمَ وَ أخْطَأهُ. إنّه ابتغى العلم بَيدَ أنّه لم يعرف كيف يحصل عليه، و من أين يأخذه، و لأيّ معلّم و أميرٍ للمؤمنين يتوجّه؟ هل يتوجّه لشخصٍ لقّبه المغيرة بن شعبة: أمير المؤمنين، و أمر الناس مجازاً و اعتباراً أن ينادوه بهذا اللقب و يخاطبوه به؟ أو يتوجّه لأمير المؤمنين الحقيقيّ الذي لقّبه الرسول الأكرم به من الله، و وضعه و ساماً لأسد الولاية، و أمر المسلمين و المسلمات كافّة يوم غدير خُمّ أن يخاطبوه ب-: أمير المؤمنين، و يسلّموا عليه بهذا اللقب قائلين: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ.

  • و أنّ عمر و أبا بكر أنفسهما قالا له: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا عَلِيّ، أصْبَحْتَ وَ أمْسَيْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ.

  • و تستبين لنا جيّداً هنا- لا مفهوماً و على حمل الأوّلي الذاتيّ بل مصداقاً و على حمل الشائع الصناعيّ- صيحات أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين و استغاثاته في خطبه و مواعظه بخاصّة في خطب «نهج البلاغة» و لسان حاله يقول: أيّها الناس هلمّوا إلينا، و خذوا منّا، فانّ العلم و المعرفة و النور و السرور و الحبور و الحياة الأبديّة السرمديّة عندنا. لا تيمّموا غيرنا فتبوءُوا صفر اليدين خائبين خاسرين، مُرهَقين مُنهكين، أخلِياء الوفاض، فاقدي رصيد أعماركم، و تصلون إلى السراب بدل أن تصلوا إلى الماء المعين. و في نهاية المطاف تضيّعون أعماركم و ما وهبكم الله حيث ينبغي عليكم الرحيل من هنا العالم بعد أن هِمتُم بموجود مظلم

    1. كل ما اكل أو شُرب صباحاً.( المنجد).

معرفة الإمام ج۱۲

192
  • قبيح عفن.

  • و نعود إلى كلام ابن شهرآشوب في بيان سبق أمير المؤمنين عليه السلام كافّة الناس في جميع العلوم. يقول: و جهلوا تفسير قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ،۱ فقال له رجل: هو أوّل بيتٍ، قَالَ: لَا، قَدْ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ وَ لَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكاً فِيهِ الهُدَى وَ الرَّحْمَةُ وَ البَرَكَةُ. وَ أوَّلُ مَنْ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ، ثُمَّ بَنَاهُ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِنْ جُرْهُمَ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ.۲

  • و إنّما استُحسن قول ابن عبّاس فيه لأنّه أخذ منه عليه السلام.۳ و قال أحمد في مسنده: لمّا تُوفّي النبيّ صلى الله عليه و آله، كان ابن عبّاس ابن عشر سنين، و كان قرأ المُحكَم يعني المفصّل.٤ و قال الصاحب بن عبّاد:

  • هَلْ مِثلُ عِلْمِكَ لَوْ زَلُّوا وَ إنْ وَهَنُوا***وَ قَدْ هُدِيتَ كَمَا أصْبَحْتَ تَهْدِينَا؟

  • تقدّم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في علم الفقه

  • و من جملة العلوم: علم الفقه. و لقد ظهر فقهاء في الإسلام كان أمير المؤمنين عليه السلام أفقههم، لكنّه لم يظهر عن جميعهم ما ظهر منه. ثمّ إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون و من بحر فقهه يغترفون. أمّا أهل الكوفة و فقهاؤهم سفيان الثوري، و الحسن بن صالح بن حيّ، و شريك بن عبد الله، و ابن أبي ليلى. و هؤلاء يفرّعون المسائل من الاصول و يقولون:

    1. الآية ٩٦، من السورة ۳: آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
    2. ( ۲ الى ٤)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦۸، الطبعة الحجريّة.
    3. ( ۲ الى ٤)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦۸، الطبعة الحجريّة.
    4. ( ۲ الى ٤)-« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦۸، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

193
  • هذا القياس قول عليّ بن أبي طالب. و يترجمون الأبواب (الفقهيّة) بذلك.

  • و أمّا أهل البصرة و فقهاؤهم الحسن و ابن سيرين، و كلاهما كانا يأخذان عمّن أخذ عن عليّ عليه السلام. و ابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن الكوفيّين، و عن عُبيدة السمعانيّ، و هو أخصّ الناس بعليّ عليه السلام.

  • و أمّا أهل مكّة، فانّهم أخذوا فقههم عن ابن عبّاس، و عن عليّ عليه السلام. و قد أخذ ابن عبّاس معظم علمه عنه عليه السلام.

  • و أمّا أهل المدينة فعنه عليه السلام أخذوا. و قد صنّف الشافعيّ كتاباً مفرداً في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعليّ عليه السلام، و عبد الله. و قال محمّد بن الحسن الفقيه: لَوْ لَا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ مَا عَلِمْنَا حُكْمَ أهْلِ البَغي (إذ لا ينبغي أسرهم، و الإجهاز على جريحهم، و ابتزاز أموالهم). و لمحمّد بن الحسن كتاب في الفقه يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناءً على فعله عليه السلام.

  • و ورد في مسند أبي حنيفة أنّ هشام بن الحكم قال: قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة: من أين أخذتَ القياس؟ قال: من قول عليّ بن أبي طالب، و زيد بن ثابت. حين شاهدهما عمر في الجدّ مع الإخوة (في باب الإرث) فقال له عليّ عليه السلام:

  • لَوْ أنَّ شَجَرَةً انْشَعَبَ مِنْهَا غُصْنٌ وَ انْشَعَبَ مِنَ الغُصْنِ غُصْنَانِ، أيُّمَا أقْرَبُ إلَى أحَدِ الغُصْنَيْنِ: أ صَاحِبُهُ الذي يَخْرُجُ مَعَهُ أمِ الشَّجَرَةُ؟

  • فقال زيد (بن ثابت): لَوْ أنَّ جَدْوَلًا انْبَعَثَ فِيهِ سَاقِيَةٌ، فَانْبَعَثَ مِنَ

معرفة الإمام ج۱۲

194
  • السَّاقِيَةِ سَاقِيَتَانِ، أيُّمَا أقْرَبُ: أحَدُ السَّاقِيَتَيْنِ إلَى صَاحِبِهِمَا أمِ الجَدْوَلُ؟۱

    1. ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص ۲۱۷ إلى ۲۱٩ الطبعة الثانية، في المورد الثلاثين الخاصّ بميراث الجدّ مع الإخوة أنّ البيهقيّ أخرج في سننه، و في« شعب الإيمان»، و الشيخ في كتاب« الفرائض»، و نقله المتّقي الهنديّ في« كنز العمّال» ج ٦، ص ۱۵، أنّ عمر سأل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم عن ميراث الجدّ مع الإخوة، فقال له رسول الله: ما سؤالك عن هذا يا عمر؟ إنّي أظنّك تموت قبل أن تعلمه. قال راوي هذا الحديث سعيد بن المسيِّب: فمات عمر قبل أن يعلمه.
      قال العامليّ رضوان الله عليه: و قد اضطرب عمر في هذه المسألة أيّام خلافته حتى قضي فيها- فيما قيل عنه- بسبعين حكماً. و أخرج ابن أبي شيبة، و البيهقيّ في سننهما، و ابن سعد في طبقاته، و نقله صاحب« كنز العمّال» ج ٦، ص ۱۵ في الفرائض، أنّ أبا عُبيدة السلمانيّ قال: لقد حفظتُ لعمر بن الخطّاب في الجدّ مائة قضيّة مختلفة. و أخرج البيهقيّ في« شعب الإيمان» كما في« كنز العمّال» ج ٦، ص ۱۵: أنّ عمر قال: إنِّي قضيتُ في الجدّ قضيّات لم آل فيها عن الحقّ. و رجع أخيراً في هذه المعضلة إلى زيد بن ثابت. و نقل الدميريّ في مادّة حيّة من كتاب« حياة الحيوان» عن طارق بن شهاب الزهريّ أنّه قال: كان عمر بن الخطّاب قضى في ميراث الجدّ مع الإخوة قضايا مختلفة، ثمّ إنّه جمع الصحابة، و أخذ كتفاً ليكتب فيه و هم يرون أنّه يجعله أباً، فخرجت حيّة فتفرّقوا. فقال عمر: لو أراد الله تعالى أن يمضيه لأمضاه. ثمّ أتى إلى منزل زيد بن ثابت، فقال له: جئتك في أمر الجدّ، و أريد أن أجعله أباً. فقال زيد: لا اوافقك على أن تجعله أباً. فخرج عمر مغضباً، ثمّ أرسل إليه في وقت آخر. فكتب زيد مذهبه فيه في قطعة قتب. و بعثه إليه. فلمّا قرأ عمر كتاب زيد، خطب الناس، ثمّ قرأ قطعة القتب عليهم. ثمّ قال: إنّ زيداً قد قال في الجدّ قولًا قد أمضيته.
      قال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في الهامش: من أراد الوقوف على ارتباك عمر في هذه القضيّة، فعليه بالوقوف على ما حولها من صحاح السنّة و مسانيدها. و حسبك ما في الفرائض من« كنز العمّال»، و من« المستدرك» للحاكم.
      و لمّا بلغ موضوعنا هذه النقطة من البحث، يحسن بنا أن نذكر المورد الحادي و الثلاثين من الموارد التي تأوّل فيها عمر مقابل السنّة النبويّة، و قد أورده آية الله العامليّ في الفريضة المشتركة التي تُعرف بالحماريّة. و مجمل القضيّة أنّ امرأة ماتت عن زوج و امّ، و أخوين آخرين لُامّها و أبيها معاً، و ذلك على عهد الخليفة الثاني فرفعت إليه هذه القضيّة مرّتين. فقضى في المرّة الاولى بإعطاء زوجها فرضه و هو النصف، و إعطاء امّها فرضها و هو السدس، و إعطاء أخويها لُامّها خاصّة الثلث لكلّ منهما السدس، فتمّ المال، و اسقط أخواها الشقيقان. و في المرّة الثانية أراد أن يحكم بذلك أيضاً، فقال له أحد الشقيقين: هب أنّ أبانا كان حماراً فأشركنا في قرابة امّنا. فأشرك عمر بينهم بتوزيع الثلث على الإخوة الأربعة بالسواء. فقال له رجل: إنّك لم تشركهما عام كذا؟ فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذٍ، و هذه على ما قضينا الآن.
      قال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في الهامش: أخرجه البيهقيّ، و ابن أبي شيبة في سننهما، و عبد الرزّاق في جامعه كما في أوّل الصفحة الثانية من فرائض« كنز العمّال» ج ٦، ص ۷، الحديث ۱۱۰. و ذكر في هذه القضيّة الفاضل الشرقاويّ في حاشيته على« التحرير» للشيخ زكريّا الأنصاريّ، و نقل صاحب« مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر»: أنّ عمر كان أوّلًا يقول بعدم التشريك ثمّ رجع. و سبب رجوعه أنّه سئل عن هذه المسألة فأجاب كما هو مذهبه. فقام واحد من الأولاد لأبٍ و امّ و قال: يا أمير المؤمنين! لئن سلّمنا أنّ أبانا كان حماراً، ألسنا من امّ واحدة؟ فأطرق رأسه مليّاً و قال: صدقتَ لأنّكم بنو امّ واحدة، فشركهم في الثلث.
      و ذكر أحمد أمين هذه القضيّة بهذه الكيفيّة على سبيل الاختصار في كتابه« فجر الإسلام» ج ۱، ص ۲۸۵، المخصوص بالحياة العقليّة. و قال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في المتن أيضاً: و تعرف هذه المسألة بالفريضة الحماريّة لقول ذلك الرجل: هَبْ أنّ أبانا كان حماراً. و ربما سمّيت بالحجريّة و اليمّيّة. إذ روى أنّ بعضهم قال: هَبْ أنّ أبانا كان حَجَراً ملقى في اليمّ. و قد تسمّى العمريّة لاختلاف قولي عمر فيها. و يقال لها: المشتركة. و هي من المسائل المعروفة عند فقهاء المذاهب الأربعة و هم مختلفون فيها. فأبو حنيفة و صاحباه، و أحمد بن حنبل، و زفر، و ابن أبي ليلى يرون حرمان الأخوين الشقيقين على ما قضى به عمر أوّلًا، بخلاف مالك و الشافعيّ، فإنّهما يشركان الشقيقين مع الأخوين لُامّ في الثلث على ما قضى به أخيراً.

معرفة الإمام ج۱۲

195
  • نرى هنا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام و زيد بن ثابت أرادا أن يقيما له برهاناً يتلخّص في أنّه لمّا كان تقسيم الميراث بين أرحام الميّت و أقربائه على أساس قرابتهم منه، فانّ من مات و ليس له أولاد و أب و امّ، و لكن له جدّ و أخ، فلا يُعطى الجدُّ الميراثَ كلّه، إذ إنّ للأخ أن يرث أيضاً، و هو أقرب إلى المتوفّى من الجدّ. و إذا أعطينا جدّه نصيبه من الإرث، فلا بدّ

معرفة الإمام ج۱۲

196
  • أن نعطي أخاه نصيبه أيضاً. و حينئذٍ يصل الميراث إلى الجدّ و الإخوة، لا إلى الجدّ وحده. و قبل عمر كلامهما، و عند ما راجعوه في إرث المتوفّى الذي ترك جدّاً و أخاً، أفتى بأنّهما يرثان معاً، و ذلك على خلاف رأي أبي بكر الذي كان يقول: الجدّ يرث فحسب.

  • و قال الشيخ الطوسيّ في كتاب «الخلاف»: إذا كان الورثة هم أخ لأب و امّ، و أخ لأب، و جدّ، فالمال بين الأخ للأب و الامّ، و الجدّ نصفان: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. و يسقط الأخ من جهة الأب. و اختلف الصحابة فيها، فذهب أبو بكر و من تابعه إلى أنّ المال للجدّ، و يسقطان معاً. و ذهب عمر و ابن مسعود إلى أنّ المال بين الأخ للأب و الامّ، و بين الجدّ نصفان و يسقط الأخ للأب.۱

  • و قال الشيخ محمّد حسن النجفيّ في كتاب «جواهر الكلام»: لا خلاف بيننا [نحن الشيعة] في أنّ الجدّ، و إن علا، يقاسم الإخوة لصدق اسم الجدّ، فضلًا عن أولادهم. بل عن بعض العامّة سقوط كلالة الأبوين أو الأب مع الجدّ، و إن تواترت نصوصنا بخلافه- إلى أن قال- و على كلّ حال، فلو اجتمعا، أي الأدنى و إن بعد مع الإخوة، شاركهم الأدنى و سقط الأبعد من غير فرق بين اتّحاد الجهة و اختلافها. فلا يرث (الجدّ) الأعلى للأب و لو كانَ ذَكَراً مع (الجدّ) الأدنى للُامّ و لو كان انثى، و كذا العكس.۲

  • و من جملة العلوم التي فاق بها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام غيره علم حساب مقدار الميراث. و يسمّى صاحب هذا العلم فرضيّاً، و جمعه (فرضيّون). و كان الإمام صلوات الله عليه أشهر الفرضيّين في هذا العلم.

    1. «الخلاف» ج ۲، ص ۷۲، المسألة ۱۰٩، الطبعة الحديثة، سنة ۱۳۸۲ ه-.
    2. «جواهر الكلام» ج ۳٩، ص ۱٦۲، الطبعة الحديثة.

معرفة الإمام ج۱۲

197
  • فقد جاء في فضائل أحمد بن حنبل أنّ عبد الله قال: إنَّ أعْلَمَ أهْلِ المَدِينَةِ بِالفَرَائِضِ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.

  • و قال الشَّعْبيّ: مَا رَأيْتُ أفْرَضَ مِنْ عَلِيّ وَ لَا أحْسَبَ مِنْهُ. ثمّ نقل الشعبيّ سؤال الشخص الذي سأل الإمام و هو يخطب على المنبر، إذ سأله عن رجل مات و ترك امرأة و أبوين و ابنتين، كم نصيب المرأة، فقال عليه السلام بلا توقّف: صَارَ ثُمْنُهَا تُسْعَاً.۱ و عرفت هذه المسألة بالمسألة المنبريّة.

  • و من ذلك المسألة الديناريّة، و فيها أنّ الإمام خرج من منزله و وضع قدمه في الركاب، فجاءته امرأة و قالت له: مات أخي و ترك ستمائة دينار، و أعطونيّ ديناراً واحداً من هذا المبلغ فأنصفني و أعطني حقّي. فعدّ الإمام مقداراً من الورثة في ذهنه الوقّاد على الفور، و أثبت لها أنّ نصيبها ليس أكثر من دينار، ثمّ ركب و مضى عليه السلام.

  • تقدّمه عليه السلام في علمي الروايات، و الجدل و الكلام

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الروايات (علم الحديث)

  • و من جملة العلوم: علم الحديث. و أنّ أصحاب الحديث الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه و آله بلا واسطة نيّف و عشرون رجلًا، منهم: ابن عبّاس، و ابن مسعود، و جابر الأنصاريّ، و أبو أيّوب، و أبو هريرة، و أنس، و أبو سعيد الخُدريّ، و أبو رافع، و غيرهم. و كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام أسبقهم و أتقنهم و آمنهم لأنّه أكثرهم رواية و أتقنهم حجّة، و هو مأمون الباطن لقول رسول الله صلى الله عليه و آله: عَلِيّ مَعَ الحَقِّ.

    1. تحدّثنا عن هاتين المسألتين مفصّلًا في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب، الدرس ۱٦۱ إلى ۱٦۵، فراجع.

معرفة الإمام ج۱۲

198
  • و ذكر الترمذيّ و البلاذريّ أنّه قِيلَ لِعَليٍّ: مَا بَالُكَ أكْثَرُ أصْحَابِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حَدِيثَاً؟ قَالَ: كُنْتُ إذَا سَألْتُهُ أنْبَأنِي، وَ إذَا سَكَتُّ عَنْهُ ابْتَدَأنِي.

  • و ورد في كتاب ابن مردويه أنّه قال: كُنْتُ إذَا سَألْتُ اعْطِيتُ، وَ إذَا سَكَتُّ ابْتُدِيتُ.

  • و قال محمّد الإسكافيّ:

  • حِبْرٌ عَلِيمٌ بِالَّذِي هُوَ كَائِنٌ***وَ إلَيْهِ في عِلْمِ الرِّسَالَةِ يُرْجَعُ

  • أصْفَاهُ أحْمَدُ مِنْ خَفِيّ عُلُومِهِ***فَهُوَ البَطِينُ مِنَ العُلُومِ الأنْزَعُ

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في

  • علم الكلام و الجدل و البحث الفلسفيّ

  • و من جملة العلوم: علم الكلام. و قد ظهر المتكلّمون في هذا الموضوع، و أمير المؤمنين عليه السلام هو الأصل في علم الكلام. و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: عَلِيّ رَبَّانِيّ هَذِهِ الامَّةِ. و في الأخبار: أنَّ أوَّلَ مَنْ سَنَّ دَعْوَةَ المُبْتَدِعَةِ بِالمُجَادِلَةِ إلَى الحَقِّ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ.

  • و قد ناظره الملاحدة في (ما زعموه من) مناقضات القرآن. و أجاب مشكلات مسائل الجاثليق حتى أسلم. و نقل أبو بكر بن مردويه في كتابه عن سفيان أنّه قال: مَا حَاجَّ عَلِيّ أحَداً إلَّا حَجَّهُ.

  • و لمّا قال له رأس الجالوت (كبير علماء اليهود): لم تلبثوا بعد نبيّكم إلّا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف، قال عليه السلام: وَ أنْتُمْ لَمْ تَجِفَّ أقْدَامُكُمْ مِنْ مَاءِ البَحْرِ حتى قُلْتُمْ لِمُوسَي: اجْعَلْ لَنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ.

  • و أرسل إليه أهل البصرة كُليباً الجرميّ بعد يوم الجمل ليزيل الشبهة

معرفة الإمام ج۱۲

199
  • عنهم في أمره فذكر له ما علم أنّه على الحقّ. ثمّ قال له: بايع. فقال كُلَيْب: إنّي رسول لقوم فلا احدث حدثاً حتى أرجع إليهم.

  • فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أ رَأيْتَ لَوْ أنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأخْبَرْتَهُمْ عَنِ الكَلإ وَ المَاءِ؟ قَالَ: فَامْدُدْ إذاً يَدَكَ.۱

  • إن الذين وراءك بعثوك لتجد لهم في الصحراء الجافّة القاحلة أرضاً خضراء تهطل فيها الأمطار فتخبرهم ليأتوها و يحطّوا رحالهم فيها و يسكنوها. و أنتَ وجدتَ مثل هذه الأرض و رجعتَ إليهم لتخبرهم عن مكان الماء و العلف و العشب. فإذا شربتَ ماءً قبل رجوعك إليهم، و ألقيت رحلك هناك، فهل ارتكبتَ جرماً أو قمتَ بعمل صحيح؟ إنّ إرسالك

    1. ذكر الشريف الرضي رضوان الله عليه هذا الموضوع في« نهج البلاغة» الخطبة ۱٦۸، و في طبعة مصر و شرح محمّد عبده: ج ۱، ص ۳۱۷ و ۳۱۸. و فيه: كَلَّم به بعض العرب و قد أرسله قوم من أهل البصرة لمّا قرب عليه السلام منها ليعلم لهم حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبيّن له عليه السلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ. ثمّ قال له: بايع، فقال: إنّي رسول قوم و لا احدث حدثاً حتى أرجع إليهم. فقال له عليه السلام: أ رأيتَ لو أنّ الذين وراءك بعثوك رائداً تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعتَ إليهم و أخبرتهم عن الكلأ و الماء فخالفوا إلى المعاطش و المجادب، ما كنتَ صانعاً؟ قال: كنتُ تاركهم و مخالفهم إلى الكلأ و الماء. فقال عليه السلام: فامدد إذاً يدك. فقال الرجل: فو الله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عَلَيّ فبايعتُه عليه السلام. و الرجل يعرف بكُليب الجَزميّ.
      إن هذا الضرب من التعبير أبلغ في إلزام الخصم و تقرير الجدل من العبارة التي نقلناها عن ابن شهرآشوب في مناقبه( الطبعة الحجريّة، ج ۱، ص ۲٦٩، و الطبعة الحديثة في المطبعة العلميّة بقم، ج ۲، ص ۲٦). ذلك أنّه لم يذكر في كلتا الطبعتين قوله: فخالفوا إلى المعاطش و المجادِب، ما كنتَ صانعاً؟ قال: كنتُ تاركهم و مخالفهم إلى الكلأ و الماء. و من الواضح أنّ عبارة« نهج البلاغة» أبلغ.

معرفة الإمام ج۱۲

200
  • كإرسال رائدٍ يفتّش عن الماء و الكلأ في الصحراء، فإذا بلغ الماء، شرب منه فوراً و أنقذ حياته، ثمّ رجع إلى قومه يخبرهم عن الماء و الكلأ و يهديهم إلى ذلك المكان. قال كُليب: فوالله ما استطعتُ أن أمتنع عند قيام الحجّة عَلَيّ، فبايعتُه عليه السلام.۱

  • و من كلام الإمام الحكميّ و الفلسفيّ قوله عليه السلام: أوَّلُ مَعْرِفَةِ اللهِ تَوْحِيدُهُ، وَ أصْلُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ- إلى آخر الخبر.

  • و ما أطنب المتكلّمون في اصول الدين و أطالوا إنّما هو زيادة لتلك الجمل و شرح لتلك الاصول، فالإماميّة يرجعون إلى الإمام الصادق عليه السلام في هذه المعاني، و هو إلى آبائه الكرام. أمّا المعتزلة و الزيديّة، فانّ ما عندهم من هذه الامور يرويه لهم القاضي عبد الجبّار بن أحمد، عن أبي عبد الله الحسين البصريّ، عن أبي إسحاق عبّاس، و هذان عن أبي هاشم الجبّائيّ، عن أبيه أبي عليّ، عن أبي يعقوب الشحّام، عن أبي هُذيل العلّاف، عن أبي عثمان الطويل عن واصل بن عطاء، عن أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن عليّ، عن أبيه محمّد ابن الحنفيّة، عن أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و قال الورّاق القمّيّ:

  • عَلِيّ لِهَذَا النَّاسِ قَدْ بَيَّنَ الذي***هُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ لَمْ يَتَوَجَّمَ

  • عَلِيّ أعَاشَ الدِّينَ وَفَّاهُ حَقَّهُ***وَ لَوْلَاهُ مَا أُفْضَى إلَى عُشْرِ دِرْهَمِ

  • تقدّمه عليه السلام في علم النحو

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم النحو

  • و من جملة العلوم: علم النحو و برز فيه علماء، و عليّ عليه السلام مؤسّس علم النحو و واضعه، ذلك أنّ علماء النحو رووا هذا العلم عن

    1. ذكره الشريف الرضي رضوان الله عليه في« نهج البلاغة» قسم الحِكَم، رقم ۳۱۷.

معرفة الإمام ج۱۲

201
  • الخليل بن أحمد بن عيسى بن عمرو الثقفيّ، عن عبد الله بن إسحاق الحضرميّ، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ميمون الأفرن، عن عنبسة الفيل، عن أبي الأسود الدُّؤَليّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام.

  • و السبب في ذلك أنّ قريشاً يزوّجون بالأنباط،۱ فوقع فيما بينهم أولاد، ففسد لسانهم، حتى أنّ بنتاً لخويلد الأسديّ كانت متزوّجة برجل من الأنباط فقالت: إنَّ أبَوَيّ مَاتَ وَ تَرَكَ عَلَيّ مَالٌ كَثِيرٌ. (تريد أنّ أبويها ماتا و تركا لها مالًا كثيراً). و هذه الجملة لحن، و الصحيح: أنَّ أبَوَيّ مَاتَا وَ تَرَكَا لِي مَالًا كَثِيراً. فلمّا علم الإمام فساد لسانها، أسّس النحو.

  • و روى أنّ أعرابيّاً سمع سوقيّاً يقرأ: إنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولِهِ. فشجّ رأسه، فخاصمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فسأله عن سبب شجّ رأسه، فقال الأعرابيّ: إنّه كفر بالله في قراءته. فقال عليه السلام: إنّه لم يتعمّد ذلك.۲

  • ۳
    1. الأنباط جمع النَّبَط قوم كانوا يسكنون بين العراق و الشام. و كانوا يسافرون إلى المدينة في الجاهليّة و الإسلام لشراء و بيع أمتعتهم كالدرمك( دقيق القمح الأبيض) و الزيت. و ضبط المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٦، ص ٦۲٤، طبعة الكمبانيّ: الدرثوك بدل الدرمك، عن تفسير عليّ بن إبراهيم، و نقل عن الجوهريّ أنّ الدرثوك ضرب من البُسُط ذو خُمل و تشبه به فروة البعير.
    2. النصف الأوّل من الآية ۳، من السورة ٩: براءة: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ. و يلاحظ أنّ قوله وَ رَسُولُهُ مرفوع، و هو معطوف على الله محلّا. و هو مبتدأ مرفوع أو عطف على قوله إنَّ اللهَ، و هذا مرفوع محلّا على الابتدائيّة أيضاً، و قُرئ في بعض القراءات بالنصب وَ رَسُولَهُ، فيكون معطوفاً على اللهَ. و المعنى في كلتا الحالتين واحد، و هو صحيح. و أمّا إذا قرئ بالجرّ وَ رَسُولِهِ، كما فعل السوقيّ، فالمعنى كلّه يتغيّر، و يعطى العكس. فلهذا لمّا سمع الأعرابيّ ذو اللسان الصحيح ذلك، عدّه كفراً، و ضرب السوقيّ على رأسه.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

202
  • و روى أيضاً أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء، و له بنت تقوده إلى عليّ عليه السلام، فقالت: يَا أبَتَاه! مَا أشَدَّ حَرُّ الرَّمْضَاءِ، تريد التعجّب (و هذا لحن، و الصحيح أن تقول: يَا أبَتَاهْ! الرَّمْضَاءُ مَا أشَدَّ حَرَّهَا، أو تقول: مَا أشَدَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ!) فنهاها عن مقالتها، و أخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك، فأسّس علم النحو.

  • و روى كذلك أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة. فقال له رجل: مَنِ المُتَوَفِّي؟ (و هو يريد: مَنِ المُتَوَفَّي؟) فقال: اللهُ. ثمّ أخبر عليّاً عليه السلام بذلك، فأسّس علم النحو.

  • و على كلّ وجه، كتب أمير المؤمنين عليه السلام اصول علم النحو في رسالة و أعطاها أبا الأسود و قال له: مَا أحْسَنَ هَذَا النَّحْوَ! احْشُ لَهُ بِالمَسَائِلِ. فَسُمِّيّ نَحْوَاً.۱

    1. قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتابه الثمين« الإمام جعفر الصادق» هامش ص ۲٩: روى الأنباريّ في« تأريخ الادباء» أنّ سبب وضع عليّ كرّم الله وجهه لهذا العلم ما روى أبو الأسود الدؤليّ حيث قال: دخلتُ على أمير المؤمنين عليّ، فوجدتُ في يده رقعة. فقلتُ: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي تأمّلتُ كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء( يعني الأعاجم)، فأردتُ أن أضع شيئاً يرجعون إليه. ثمّ ألقى إليّ الرقعة و مكتوب فيها: الكلام كلّه اسم و فعل و حرف. فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما انبئ به، و الحرف ما أفاد معنى. و قال لي: انح هذا النحو، و أضف إليه ما وقع عليك. و اعلم يا أبا الأسود أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر، و مضمر، و اسم لا ظاهر و لا مضمر. و إنّما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر و لا مضمر( أراد بذلك الاسم المبهم). قال[ أبو الأسود]: ثمّ وضعتُ بابَي العطف و النعت، ثمّ بابَي التعجّب و الاستفهام إلى أن وصلتُ إلى باب إنّ و أخواتها، فكتبتُها ما خلا لكنّ. فلمّا عرضتها على أمير المؤمنين عليه السلام، أمرني بضمّ لكنّ إليها. و كلّما وضعتُ باباً من أبواب النحو، عرضتُه عليه، إلى أن حصلت ما فيه الكفاية. فقال: ما أحسنَ هذا النحو الذي نحوتَ، فلهذا سمّى النحو. و أنّ المرء ليلاحظ أنّ هذا الفتح العظيم في العلم كان من اهتماماته، و هو أمير المؤمنين، ليس لديه يوم واحد خلا من معركة أو استعداد لمعركة. و أنّ أبا الأسود هو واضع علامات الإعراب في المصحف في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذي كتب به المصحف. فجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف. و الضم نقطة إلى جانبه، و الكسر نقطة في أسفله، و التنوين مع الحركة نقطتين. ثمّ وضع نصر بن عاصم- تلميذ أبي الأسود- النقط و الشكل لأوائل الكلمات و أواسطها. ثمّ جاء الخليل بن أحمد فشارك في إتمام بقيّة الإعجام. و الخليل شيعيّ كأبي الأسود. و هو واضع علم العروض و صاحب المعجم الأوّل و واضع النحو على أساس القياس. فاللغة العربيّة مدينة لعليّ و تلاميذ عليّ. و كمثلها البلاغة العربيّة. و عليّ معدود من خطباء التأريخ العالميّ بخطبه و المناسبات التي دعت إليها.

معرفة الإمام ج۱۲

203
  • قال ابن سلام: كان ما في الرقعة قوله: الكَلَامُ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ: اسْمٌ، وَ فِعْلٌ، وَ حَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى. فَالاسْمُ مَا أنْبَأ عَنِ المُسَمَّى، وَ الفِعْلُ مَا أنْبَأ عَنْ حَرَكَةِ المُسَمَّى، وَ الحَرْفُ مَا أوْجَدَ مَعْنَى في غَيْرِهِ.

  • و كتب أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك: كَتَبَ عَلِيّ بْنُ أبُو طَالِبٍ. فعجز النحويّون و علماء البلاغة و الأدب عن ذلك (إذ كيف كتب: أبو طالب، بينما ينبغي أن يكتب: أبي طالب). فقال بعضهم: أبو طالب اسمه كنيته. و قال بعض آخر: هذا تركيب مثل درّاحنا، و حضر موت. و قال الزمخشريّ في «الفائق»: تُرك في حال الجرّ على لفظه في حال الرفع، لأنّه اشتهر بذلك، و عُرّف. فجرى مجري المثل الذي لا يتغيّر.

  • تقدّمه عليه السلام في علم الخطابة

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الخطابة

  • و من جملة العلوم: علم الخطابة. و كان أمير المؤمنين عليه السلام أخطب الخطباء.۱ أ لا ترى إلى خطبه مثل خطبة التوحيد، و الشقشقيّة،

    1. إنّ أكبر دليل على فصاحة الإمام:« نهج البلاغة» الذي قال فيه جورج جرداق في كتابه:« الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» ص ٦۸٤: فكان له من بلاغة الجاهليّة و سحر البيان النبويّ ما حدا بعضهم إلى أن يقول في كلامه إنّه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين. و لا غرو في ذلك، فقد تهيّأت لعليّ جميع الوسائل التي تعدّه لهذا المكان بين أهل البلاغة.

معرفة الإمام ج۱۲

204
  • و الهداية، و الملاحم، و اللؤلؤة، و الغرّاء، و القاصعة، و الافتخار، و الأشباح، و الدرّة اليتيمة، و الأقاليم، و الوسيلة، و الطالوتيّة، و النخيلة، و السليمانيّة، و الناطقة، و الدامغة، و الفاضحة، بل «نهج البلاغة» الذي جمعه الشريف الرضيّ، و كتاب «خطب أمير المؤمنين عليه السلام» عن إسماعيل بن مهران السكونيّ، عن زيد بن وهب أيضاً؟

  • و قال الحِمْيَريّ:

  • مَنْ كَانَ أخْطَبَهُمْ وَ أنطَقَهُمْ وَ مَنْ***قَدْ كَان يَشْفِي حَوْلَهُ البُرَحَاء

  • مَنْ كَانَ أنْزَعَهُمْ مِنَ الإشْرَاكِ أوْ***لِلْعِلْمِ كَانَ البَطْنُ مِنْهُ خَفَّاء

  • مَنْ ذَا الَّذِي امِرُوا إذَا اخْتَلَفُوا بِأنْ***يَرْضَوا بِهِ في أمْرِهِمْ قَضَّاء

  • مَنْ قِيلَ لَوْلَاهُ وَ لَوْ لا عِلْمُهُ***هَلَكُوا وَ عَاثُوا فِتْنَةً صَمَّاء ۱

  • تقدّمه عليه السلام في علم الفصاحة و البلاغة

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الفصاحة و البلاغة

    1. هذه الأبيات من قصيدة للحميريّ تقع في أربعة و عشرين بيتاً، و هي في ص ۵۳ إلى ٦۰ من ديوانه. أخرجها[ جامع« الديوان» أو محقّقه أو مصحّحه] عن« أعيان الشيعة»، و« مناقب آل أبي طالب»، و ذكرها تحت الرقم ۵، و أوّلها:
      بيت الرسالة و النبوّة و الذين--نعدّهم لذنوبنا شفعاء
      --
      إلى أن بلغ قوله في البيتين ۱٤ و ۱۵:
      مَنْ كَان أعلمهم و أقضاهم و من--جعل الرعيّة و الرُّعاة سواء
      مَن كان باب مدينة العلم الذي--ذكر النزول و فسّر الأنباء
      --
      و الأبيات ۱٦ إلى ۱٩ هي الأبيات الأربعة التي ذكرناها في المتن نقلًا عن« المناقب» لابن شهرآشوب. و ثمّة اختلاف يسير في بعض الكلمات. مثلًا ذكر في البيت الأوّل قَوْلَهُ مكان حولَهُ، و في الثاني حفاء بحاء مهملة و تخفيف الفاء بدل خفّاء بالخاء المعجمة و تشديد الفاء، و في الرابع عانوا بالنون مكان عاثوا بالثاء المثلثة.

معرفة الإمام ج۱۲

205
  • و من جملة العلوم، علم الفصاحة و البلاغة. و أمير المؤمنين عليه السلام أوفر الفصحاء و البلغاء حظّاً فيه. قال الشريف الرضيّ: أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة و موردها، و منشأ البلاغة و مولدها. و منه ظهر مكنونها، و عنه اخذت قوانينها.

  • و قال الجاحظ في كتاب «الغُرّة»: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلَّكَ تَهْدِي بِهَذَا (بِهُدى- ظ).۱

  • و قال أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ آمَنَ أ مِنَ.

  • و روى الكلينيّ عن أبي صالح، و أبو جعفر بن بابويه بإسناده عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أنّه اجتمعت الصحابة فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولًا في الكلام. فارتجل أمير المؤمنين عليه السلام الخطبة المونِقة التي أوّلها: حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ، وَ سَبَغَتْ نِعْمَتُهُ، وَ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ، وَ تَمَّتْ كَلِمَتُهُ، وَ نَفَذَتْ مَشِيَّتُهُ، وَ بَلَغَتْ قَضِيَّتُهُ- إلى آخرها.۲

    1. قال المرحوم المغفور الآية الحجّة السيّد حسن اللواساني رضوان الله عليه، جدّ قرّة عيني المكرّم و صهري المعظّم السيّد إبراهيم اللواساني دام عزّه، في كتابه« كشكول لطيف» ص ۳۳، طبعة طهران: نُقل أنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام العبارة الآتية بلا تنقيط:( علا قدري، علا قدري) و قصده من الاولى علوّ قدره، و من الثانية غليان قدره كناية عن عظمة شأنه.( عَلا قَدْري، غَلا قِدْري). فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام ما يأتي بلا تنقيط: عرك عرك فصار فصار دلك دلك فاحس فاحس فعلك فعلك نهدي نهدي. فلم يفهم معناها، و حار في أمره. و قصد الإمام هو: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلَّكَ تَهْدِي بِهُدى!
    2. ذكر المرحوم الآية الحجّة اللواساني هذه الخطبة الطويلة جدّاً في ص ۳۰ إلى ۳۳ من كشكوله.

معرفة الإمام ج۱۲

206
  • ثمّ ارتجل عليه السلام خطبة اخرى من غير نقط، و أوّلها: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلِ الحَمْدِ وَ مَأوَاهُ، وَ لَهُ أوْكَدُ الحَمْدِ وَ أحْلَاهُ، وَ أسْرَعُ الحَمْدِ وَ أسْرَاهُ، وَ أطْهَرُ الحَمْدِ وَ أسْمَاهُ، وَ أكْرَمُ الحَمْدِ وَ أوْلَاهُ- إلى آخرها.۱

  • قال ابن شهرآشوب: و قد أوردتُ الخطبتين في كتاب «المخزون المكنون».

  • و من كلامه عليه السلام: تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.۲

  • و قوله عليه السلام: مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإنَّمَا يَقْبِضُ عَنْهُمْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَ تُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أيْدٍ كَثِيرَةٌ.

  • و قوله عليه السلام أيضاً: وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ.

  • و قوله عليه السلام: وَ مَنْ جَهِلَ شَيئاً عَادَاهُ. فالإنسان عدوّ مجهولاته.

    1. ذكر المرحوم اللواساني رضوان الله عليه خطبة اخرى لأمير المؤمنين عليه السلام بلا نقطة و ذلك في كتابه« كشكول» ص ۲۵ و ۲٦. و أوّلها: الحمد للّه الملك المحمود، المالك الودود، مصوّر كلّ مولود، و مآل كلّ مطرود.
    2. ورد هذا الكلام في خطبتين من خطب« نهج البلاغة» الاولي: الخطبة ۲۱: فَانَّ الغاية أمامَكم، وَ إنَّ وراءكم الساعة تَحدوكم، تَخَفَّفوا تَلْحَقوا، فانّما يُنْتظر بأوّلكم آخِرُكم. و قال الشريف الرضي هنا: هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه، و بعد كلام رسول الله صلى الله عليه و آله بكلّ كلام لمال به راجحاً و برّز عليه سابقاً. فأمّا قوله عليه السلام: تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فما سُمع كلام أقلّ منه مسموعاً و لا أكثر محصولًا، و ما أبعد غورها من كلمة، و أنقع نطفتها من حكمة. الثانية: الخطبة ۱٦۵ إذ قال بعد كلام له في كتاب الله و النصيحة في العمل: بَادِرُوا أمْرَ العَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أحَدِكُمْ وَ هُوَ المَوْتُ، فَانَّ النَّاسَ أمَامَكُمْ وَ إنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَانَّمَا يُنْتَظَر بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ- الخطبة. طبعة مصر و شرح الشيخ محمّد عبده، الاولى في ص ۵۸ و ۵٩. و الثانية في ص ۳۱٤ و ۳۱۵ من الجزء الأوّل.

معرفة الإمام ج۱۲

207
  • و مثل هذا الكلام قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.۱

  • و قوله عليه السلام: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، فَاذَا تَكَلَّمَ ظَهَرَ. و مثله قوله تعالى: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.۲

  • و قوله عليه السلام: قِيمَةُ كُلِّ امْرِءٍ مَا يُحْسِنُ.۳ و مثله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ.٤

  • و قوله عليه السلام: القَتْلُ يُقِلُّ القَتْلَ.۵ و مثله قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.٦

  • تقدّمه عليه السلام في علم الشعر و العَروض و الوعظ

  • تقدُّم أمير المؤمنين عليه السلام في الشعر

  • و من جملة العلوم، علم إنشاء الشعر. و كان أمير المؤمنين عليه السلام

    1. الآية ۳٩، من السورة ٩: التوبة: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ.
    2. الآية ۳۰، من السورة ٤۷: محمّد: وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
    3. جاء في« نهج البلاغة» ج ۲، الحكمة ۸۱: قيمة كل امرئ ما يحسنه. قال الشريف الرضيّ: و هذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة، و لا توزن بها حكمة، و لا تقرن إليها كلمة.(« نهج البلاغة» ج ۲، ص ۱۵٤، طبعة مصر، شرح عبده).
    4. الآية ۲٤۷، من السورة ۲: البقرة: وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
    5. هذا التعليم من عجائب الأحكام القضائيّة، إذ إنّ الحكم بالقصاص نفسه يحول دون الجريمة. و هو من الموارد التي يوجب الحكم بها عدم تحقّق مصداقها.
    6. الآية ۱۷٩، من السورة ۲: البقرة: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

معرفة الإمام ج۱۲

208
  • أشعر الشعراء. و ذكر الجاحظ في كتاب «البيان و التبيين» و في كتاب «فضائل بني هاشم»، و أيضاً البلاذريّ في كتاب «أنساب الأشراف» أن عليا أشعر الصحابة و أفصحهم و أخطبهم و أكتبهم.

  • و في تاريخ البلاذريّ كان أبو بكر يقول الشعر، و عمر يقول الشعر، و عثمان يقول الشعر، و كان عليّ عليه السلام أشعر الثلاثة.

  • تقدُّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم العَروض

  • و من جملة العلوم: علم العروض. و ظهر العروضيّون، و خرج علم العروض من دار عليّ عليه السلام. و رُويَ أنّ الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمّد بن عليّ الباقر أو عليّ بن الحسين عليهما السلام، فوضع لذلك اصولًا.

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في العربيّة و اللغة و الاشتقاق

  • و من جملة العلوم، علم العربيّة. و خرج العلماء فيها من رياضه، و كان عليه السلام أحكمهم و أتقنهم.

  • روى ابن الحريريّ البصريّ في كتاب «درّة الغوّاص»، و ابن فيّاض في «شرح الأخبار» أنّ الصحابة قد اختلفوا في المَوْءُودَةِ، فقال لهم عليّ عليه السلام: إنَّها لَا تَكُونُ مَوْءُودَة حتى يَأتِيَ عَلَيْهَا الثَّارَاتُ السَّبْعُ.۱ فقال له

    1. قال الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في« الميزان» ج ۲۰، ص ۳۲۳: الموءُودة البنت التي تدفن حيّةً- انتهى. و على هذا يجب أن تولد هذه البنت حيّة ثمّ تُدفَن حيّة ليصدق عليها معنى الموءودة. و هذا هو ما عناه أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: يأتي عليها ... إذ ينبغي أن تمرّ بمراحل الجنين السبع و هي: سلالة الطين، و النطفة، و العلقة، و المضغة، و العظم، و كسو العظم لحماً، و نفخ الروح فيه، ثمّ تأتي إلى الدنيا حيّة لينطبق عليها معنى الموءودة. و إلّا لو مرّ هذا الجنين ببعض المراحل دون بعض، فلا يصدق عليه معنى الموءودة، و لا يكون هو المقصود من الآية المباركة وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. و أمّا تعبير الإمام عنه بالجنين الذي تأتي عليه الثارات السبع، فالسبب فيه أنّ كلّ مرحلة من مراحل الجنين لو ضُيِّعت أو اسقطت، فلها دية خاصّة يجب على الجاني دفعها. و دية النطفة ۲۰ ديناراً، و العلقة ٤۰ ديناراً، و المضغة ٦۰ ديناراً، و العظم ۸۰ ديناراً، و اللحم الذي يكسو العظم ۱۰۰ دينار. فهذه خمس مراحل تُسدَّس بالمرحلة الاولى المتمثّلة بسلالة الطين، و إذا نفخت فيه الروح، فديته دية إنسان كامل، و هي ألف دينار. و يقول الإمام عليه السلام: إنّ الموءودة هي الجنين الذي أتت عليه هذه الثارات السبع كلّها. أي: إذا وُلد الجنين و قُتل، فانّه يستحقّ ثأر النطفة، أي: تُدفع إليه دية النطفة. كما يستحقّ ثأر العلقة، و يجب أن تدفع إليه دية العلقة، و هنا اندكّت دية النطفة في دية العلقة. و له أيضاً ثأر المضغة، و ينبغي أن تدفع إليه ديتها. غاية الأمر أنّ دية النطفة و العلقة مندكّة في دية المضغة. و هكذا حتى تبلغ مرحلة إنشاء الروح و نفخ النفس الناطقة فيه، و فلها ديتها. و أنّ جميع الديات السابقة مندكّة فيه. فهذا الجنين المولود حيّاً قد استحقّ سبع مراحل من الديات، و طلب ثأره سبع مرّات، و اقتُصّ من الجاني عليه. و قال الفيروزآباديّ في« شرح القاموس»: الثأر الدم نفسه، و طلب الدم، و قاتل حميمك، و أثآر كأشجار، و آثار كآجال جمعه. و اسم المصدر ثؤرة و ثؤورة.

معرفة الإمام ج۱۲

209
  • عمر: صدقتَ أطال الله بقاك.

  • و أراد الإمام عليه السلام بذلك المراحل المبينة في قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى آخر الآيات الواردة.۱ و على ضوء هذا الاستشهاد، أشار الإمام إلى أنّه إذا استهلّ بعد الولادة ثمّ دُفن، فقد وُئِدَ.

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الوعظ

  • و من جملة العلوم، علم الوعظ. فقد ظهر وعّاظ، و ليس لأحد من الأمثال و العبر و المواعظ و الزواجر ما له، نحو قوله: مَنْ زَرَعَ العُدْوَانَ حَصَدَ الخُسْرَانَ. و قوله: مَنْ ذَكَرَ المَنِيَّةَ نَسِيَ الامنِيَّةَ. و قوله: مَنْ قَعَدَ بِهِ

    1. الآيات ۱۲ إلى ۱٤، من السورة ۲۳: المؤمنون: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.

معرفة الإمام ج۱۲

210
  • العَقْلُ قَامَ بِهِ الجَهْلُ. و قوله: يَا أهْلَ الغُرُورِ مَا أبْهَجَكُمْ بِدَارٍ خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ، وَ نَعِيمُهَا مَسْلُوبٌ، وَ عَزِيزُهَا مَنْكُوبٌ، وَ مُسَالِمُهَا مَحْرُومٌ، وَ مَالِكُهَا مَمْلُوكٌ، وَ تُرَاثُهَا مَتْرُوكٌ.

  • و صنّف عبد الواحد الآمديّ كتاب «غرر الحكم و درر الكلم» في غرر كلامه عليه السلام.۱

  • تقدّمه عليه السلام في علم الفلسفة و الحكمة

  • تقدُّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الفلسفة و الحكمة

  • و من العلوم، علم الفلسفة و الحكمة. و كان أمير المؤمنين عليه السلام أرجح الفلاسفة و الحكماء. و من كلامه في هذا المجال: أنَا النُّقْطَةُ أنَا

    1. «غرر الحكم و درر الكلم» للعالم الجليل عبد الواحد بن محمّد التميميّ الآمديّ. و يعرف ب-« غُرَر و دُرَر الآمديّ». جمع فيه مؤلّفه خمسين و إحدى عشرة ألف كلمة من الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام. و شرحه المحقّق البارع جمال الدين محمّد الخوانساريّ. و طُبع في ستّة أجزاء سنة ۱۳۸۳ ه- مع مقدّمة و تصحيح و تعليق مير جلال الدين الحسينيّ الارمويّ. و من الكتب التي جمعت الكلمات القصار للإمام كتاب العالم الربّانيّ كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ، و ضمّ شرحاً لمائة كلمة من كلماته عليه السلام، و طبعه الارمويّ أيضاً سنة ۱۳٩۰ ه- مع شرحين آخرين لهذه الكلمات المائة: الأوّل لعبد الوهاب، و الثاني لرشيد و طواط. و جمعت هذه الشروح الثلاثة في إضمامة. و من الكلمات القصار للإمام: الحِكَم التي أوردها الشريف الرضيّ رحمه الله في« نهج البلاغة» بعد خطبه و كتبه عليه السلام. و تبلغ هذه الكلمات الحكميّة أربعمائة و ثمانين كلمة كما جاء في« نهج البلاغة» المطبوع بمصر لشارحه محمّد عبده. و ذكر ابن أبي الحديد في آخر شرحه للنهج تسعمائة و ثماني و تسعين كلمة قصيرة من الكلمات المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام. و نقل الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ سبعين حديثاً من الكلمات القصار للإمام عليه السلام و ذلك في باب الفضائل السبعين لأهل البيت من كتابه« ينابيع المودّة» ص ۲۳۰ إلى ۲٤۱، طبعة إسلامبول. و لا يخفى أنّ المؤرّخ الأمين المسعوديّ عرض في« مروج الذهب» ج ۲، ص ۲٩٩ إلى ۳۰۳ بعض الكلمات القصار لرسول الله صلى الله عليه و آله و قال: هذه الكلمات لرسول الله، و لم يتقدّمه بها أحد من الناس.

معرفة الإمام ج۱۲

211
  • الخَطُّ، أنَا الخَطُّ أنَا النُّقْطَةُ، أنَا النُّقْطَةُ وَ الخَطُّ.۱

  • و قال جماعة في تفسير هذه الجمل و بيانها: القدرة هي الأصل، و الجسم حجاب القدرة، و الصورة حجاب الجسم. لأنّ النقطة هي الأصل، و الخطّ حجابه و مقامه، و الحجاب غير الجسد الناسوتيّ.

  • و سُئِل عن العالَم العلويّ، فقال:

  • صُوَرٌ عَارِيَةٌ عَنِ المَوَادِّ، عَالِيَةٌ عَنِ القُوَّةِ وَ الاسْتِعْدَادِ، تَجَلَّى لَهَا فَأشْرَقَتْ، وَ طَالَعَها فَتَلألأتْ، وَ ألْقَى في هُوِيَّتِهَا مِثَالَهُ فَأظْهَرَ فِيهَا أفْعَالَهُ. وَ خَلَقَ الإنْسَانَ ذَا نَفْسٍ نَاطِقَةٍ إنْ زَكَّاهَا بِالعِلْمِ فَقَدْ شَابَهَتْ جَوَاهِرَ أوَائِلِ عِلَلِهَا، وَ إذَا اعْتَدَلَ مِزَاجُهَا وَ فَارَقَتِ الأضْدَادَ فَقَدْ شَارَكَ بِهَا السَّبْعَ الشِّدَادَ.۲

  • و قال ابن سينا: لَمْ يَكُنْ شُجَاعاً فَيْلَسُوفاً قَطُّ إلَّا عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  • و قال الشريف الرضي: من سمع كلامه لا يشكّ أنّه كلامُ من قبع في كَسر بيتٍ أو انقطع في سفح جبل لا يسمع إلّا حسّه، و لا يرى إلّا نفسه، و لا يكاد يوقن بأنّه كلام من يتغمّس في الحرب، مصلتاً سيفه فيقطّ الرقاب و يجدّل الأبطال، و يعود به ينطف دماً، و يقطر مُهَجاً، و هو مع ذلك زاهد الزهّاد، و بدل الأبدال. و هذه من فضائله العجيبة و خصائصه التي جمع بها

    1. معنى قوله: أنا النقطة مقام الوحدة. و أنا الخطّ مقام الكثرة، إذ ينزل هنا من الوحدة. و معنى أنا الخطّ أنا النقطة مقام الكثرة، ثمّ يرتقي من هناك إلى مقام الوحدة. و أنا النقطة و الخطّ مقام الجامعيّة بين الأثنين، و مقام الوحدة في الكثرة، و الكثرة في الوحدة، إذ سيكون هو النقطة الوحدة بين قوسي الأحديّة و الواحديّة و الفناء في الذات مع البقاء بالذات.
    2. ورد بحث موجز حول هذا الحديث الشريف في الجزء الثالث من كتابنا« معرفة المعاد» في سلسلة دورة العلوم و المعارف الإسلاميّة، المجلس ۱۷.

معرفة الإمام ج۱۲

212
  • بين الأضداد.۱

  • و قال السوسيّ:

  • وَ في كَفِّهِ سَبَبُ المَوْتِ الوَفِيّ فَمَنْ***عَصَاهُ مَدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السَّبَبِ

  • في فِيهِ سَيْفٌ حَكَاهُ سَيْفُ رَاحَتِهِ***سِيَّانَ ذَاكَ وَ ذَا في الخَطْبِ وَ الخُطَبِ

  • لَوْ قَالَ لِلحَيّ مُتْ لَمْ يَحْمِيَ مِنْ رَهَبٍ***أوْ قَالَ لِلْمَيْتِ عِشْ مَا مَاتَ مِنْ رُعُبِ

  • أوْ قَالَ لِلَّيْلِ كُنْ صُبْحَاً لَكَانَ وَ لَوْ***لِلشَّمْسِ قَالَ اطْلُعِي بِالَّليْلِ لَمْ تَغِبِ

  • أوْ مَدَّ كَفّاً إلَى الدُّنْيَا لِيَقْلِبَهَا***هَانَتْ عَلَيْهِ بِلَا كَدٍّ وَ لَا تَعَبِ

    1. ذكر الشريف الرضي رحمة الله عليه هذه الكلمات مع مطالب نفيسة اخرى في مقدّمته على« نهج البلاغة». و قال المولى فتح الله الكاشيّ شارح« نهج البلاغة» بالفارسيّة في شرح الكلمات المشار إليها: و يدعم القول المذكور أنّ الإمام عليه السلام صلى ليلة الهرير بصفّين ألف ركعة، و أرسل خمسمائة و ثلاثة و عشرين منافقاً إلى جهنّم ذخراً ليوم المعاد. و علوّ مرتبة ذلك أعلى مرتبة على وجه أنّ العقل الحصيف لا يدرك سرادق رفعته. و من النظم قولهم:
      علوّ اوست به جائى كه اختر از پروين--فشانده در قدمش جمله لولوئى منثور
      زهى به علم ازل في البديهه حل كرده--نكات دفتر تورات و مشكلات زبور
      كجا شوند به صد قرن ديگران چون او--ستاره ما جهانتاب كى شود به مرور
      --
      يقول:« بلغ علوّه مبلغاً أنّ النجمة و الثريّا نثرتا اللؤلؤ على قدمه.
      طوبى لمن اوتى علم الأزل فحلّ- على البديهة- نكات التوراة و مشاكل الزبور.
      أنّى للآخرين أن يكونوا مثله حتى لو مضت مائة قرن؟ و هل تبلغ النجمةُ القمر المنير على تواتر القرون؟».

معرفة الإمام ج۱۲

213
  • ذَاكَ الإمام الذي جِبْرِيلُ خَادِمُهُ***إنْ نَابَ خَطْبٌ نِيبَ عَنْهُ وَ لَا يَنُبِ

  • وَ عِزْرَائيلُ مِطْوَاعٌ لَهُ فَمَتَى***يَقُلْ أمِتْ ذَا يُمِتْ أوْ هِبْهُ لِي يَهَبِ

  • رِضْوَانُ رَاضٍ بِهِ مَوْلَى وَ مَالِكُ***مَمْلُوكٌ يُطِيعَانِهِ في كُلِّ مُنْتَدَبِ

  • تقدّمه عليه السلام في علم الهندسة و الرياضيّات

  • تقدُّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الهندسة و الرياضيّات

  • و من جملة العلوم، علم الهندسة و المحاسبات الرياضيّة، و ظهر فيه مهندسون كان أمير المؤمنين عليه السلام أعلمهم. و نقل ابن شهرآشوب هنا قصّة الرجلين اللذين كانا جالسين في زمن عمر، فمرّ بهما عبدٌ مقيّد. فقال أحدهما: إنّ لم يكن وزن قيده كذا فامرأتى طالق. و حلف الآخر مثل حلف صاحبه بخلاف المقدار الذي ذكره. فارتفعا إلى عمر، فقال لهما: اعتزلا نساءكما. ثمّ بعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فحدّد كيفيّة وزن القيد، و بعد ذلك ذكر قصّة الرجل الذي كان قد حلف على وزن الفيل، و بين الطريقة التي وزن بها الإمامُ الفيلَ، و كلّ اولئك جعل عمر يتعجّب.۱

  • ثمّ قال ابن شهرآشوب: وَ يُقَالُ: وَضَعَ كَلَكاً وَ عَمِلَ المِجْدَافَ وَ أجْرَى عَلَى الفُرَاتِ أيَّامَ صِفِّينَ. الكَلَك مركب يُركب في أنهار العراق. و المجداف خشبة طويلة مبسوطة أحد الطرفين.

  • تقدّمه عليه السلام في علم النجوم

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم النجوم

    1. استعرضنا هاتين القضيّتين في الجزء الحادي عشر من كتابنا هذا« معرفة الإمام» الدرس ۱٦۱ إلى ۱٦۵. في المبحث المتعلّق بقضاء أمير المؤمنين عليه السلام.

معرفة الإمام ج۱۲

214
  • و من جملة العلوم، علم النجوم. و كان أمير المؤمنين عليه السلام أكيس المنجّمين. قال سعيد بن جُبَير:۱ استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان- و في رواية قيس بن سعد أنّه مزجان بن شاشوا (في النسخة البدل: «مرخان بن شاسوا)- استقبله من المدائن إلى جسر بوران، فقال له: يا أمير المؤمنين! تناحستِ النجوم الطالعات، و تناحست السعود بالنحوس. فاذا كان مثل هذا اليوم، وجب على الحكيم الاختفاء. و يومك

    1. سعيد بن جُبير- بضمّ الجيم- بن هشام الأسديّ الوالبيّ، كوفيّ الأصل، كان يسكن مكّة، و هو أحد التابعين. عدّه الشيخ الطوسيّ من أصحاب الإمام زين العابدين عليه السلام و ذكره العلّامة الحلّيّ في القسم الأوّل من خلاصته. و رُوى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ سعيد بن جبير كان يأتمّ بعليّ بن الحسين عليه السلام، و كان الإمام يثني عليه. قُتل على يد الحجّاج، و ما كان سبب قتله إلّا على هذا الأمر، و كان مستقيماً. و لمّا دخل على الحجّاج، قال له: أنت شقيّ بن كسير؟ قال سعيد: امّي كانت أعرف باسمي منك، سمّتني سعيد بن جبير. قال الحجّاج: ما تقول في أبي بكر و عمر هما في الجنّة أو في النار؟ قال: لو دخلتُ الجنّة، فنظرتُ إلى أهلها، لعلمتُ من فيها. و لو دخلتُ النار و رأيت أهلها لعلمتُ من فيها. فقال الحجّاج: فما قولك في الخلفاء؟ قال سعيد: لستُ عليهم بوكيل. قال الحجّاج: أيّهم أحبّ إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيّهم أرضي لخالقك؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم و نجواهم. قال: أبيتَ أن تصدقني؟ قال: بل لم احبّ أن أكذبك. ثمّ أمر الحجّاج بنطع، و قطع رأسه أمامه، فقال سعيد عند ذبحه: اللهمّ لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي. و كان قَتلُ سعيد في سنة ٩۵ ه- و هو ابن ٤٩ سنة. و لم يلبث الحجّاج بعده إلّا خمس عشرة ليلة، و لم يقتل أحداً بعده لدعائه عليه. و كان سعيد من مشاهير الثقات. و هو معروف بالزهد و العبادة و الفقه و علم التفسير. أخذ علمه من ابن عبّاس. و كان ابن عبّاس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، يقول: أ ليس فيكم ابن امّ الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير. و كان يسمّي: جِهبِذ العلماء. و الجِهبذ بكسر الجيم هو النقّاد الخبير. و كان يقرأ القرآن في ركعتين. قيل: و ما على الأرض أحد إلّا و هو محتاج إلى علمه.
      (« رجال الطوسيّ» ص ٩۰؛« خلاصة العلّامة الحلّيّ» ص ۷٩؛« رجال الكشّيّ» ص ۱۱۰؛« سفينة البحار» ج ۱، ص ٦۲۱؛ و« تهذيب التهذيب» ج ٤، ص ۱۱).

معرفة الإمام ج۱۲

215
  • هذا يوم صعب قد اقترن فيه كوكبان، و انكفى فيه الميزان، و انقدح من بُرجك النيران، و ليس الحرب لك بمكان.

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أيُّهَا الدِّهْقَانُ المُنْبِئُ بِالآثَارِ المَخَوِّفُ (المُحَذِّرُ- خ ل) مِنَ الأقْدَارِ، مَا كَانَ البَارِحَةَ صَاحِبُ المِيزَانِ؟ وَ في أي بُرْجٍ كَانَ صَاحِبُ السَّرَطَانِ؟ وَ كَمِ الطَّالِعُ مِنَ الأسَدِ (المَطَالِعِ- خ ل)؟ وَ السَّاعَاتُ مِنَ الحَرَكَاتِ (المُحَرَّكَاتِ- خ ل)؟ وَ كَمْ بَيْنَ السَّرَارِي وَ الذَّرَارِي؟

  • قال الدهقان: سأنظر إلى الاصطرلاب (اصطُلّاب- خ ل). (و في «الاحتجاج»: و أومأ بيده إلى كُمّه و أخرج منه اصطرلاباً ينظر فيه).

  • فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام و قال له: وَيْلَكَ يَا دِهْقَانُ؛ أنْتَ مُسَيِّرُ الثَّابِتَاتِ؟ أمْ كَيْفَ تَقْضِي عَلَى الجَارِيَاتِ؟ وَ أيْنَ سَاعَاتُ الأسَدِ مِنَ المَطَالِعِ؟ وَ مَا الزُّهْرَةُ مِنَ التَّوَّابِعِ۱ وَ الجَوَامِعِ؟ وَ مَا دَوْرُ السَّرَارِي

    1. روى المرحوم السيّد هبة الله الشهرستانيّ في كتاب« الهيئة و الإسلام» ص ۳۵۳، طبعة دار الثقافة، عن كتاب« فرج المهموم» للسيّد ابن طاووس، و« بحار الأنوار» بأسناد كثيرة عن اميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال للمنجّم الفارسيّ سرسفيل الدهقان على سبيل التعجيز و الامتحان أخبرني عن طول الأسد و تباعده عن المطالع و المراجع، و ما الزهرة من التوابع و الجوامع؟ ثمّ قال الشهرستانيّ في شرح الفقرة الأخيرة: قد اشتهر بين المتأخّرين إطلاق التوابع على الأقمار من جهة أنّها تابعة في السير للكرات السيّارة، و في المولد أيضاً على ما يقولون كمتابعة السيّارات للشمس. و قد يصفون الشموس بالجوامع نظراً إلى أنّها هي الجامعة بنظامها شمل السيّارات و الحافظة بجذبها بناتها عن الشتات. و يعتقدون توسّط عنوان السيّارات بين عنوان الأقمار التابعة و بين عنوان الشموس الجامعة. و أنّ السيّارات بنات الجوامع و امّهات التوابع و مجذوبات لتلك و جاذبات لهذه. و هكذا في أكثر الجهات ترتبط السيّارات مع الجوامع و التوابع و تتوسّط بينهما في السير و في الجذب و في التكوين و في المحلّ و في الحجم و في غير ذلك. و على هذا يتّضح معنى قول وصيّ النبيّ: و ما الزهرة من التوابع و الجوامع؟ أي: و ما نسبة عنوان سيّارة زُهرة من عنوانيهما؟[ هل هي من التوابع و الأقمار أم من الجوامع؟] و لو كان سر سفيل عالماً بالهيئة العصريّة لقال: نسبة عنوانها هي التوسّط بين التوابع و الجوامع. أي: أنّ نسبة الأقمار إلى السيّارات كنسبة السيّارات إلى الشموس. و بناءً على هذا يكون مقصود الإمام من ذكر الزُّهرة هو مطلق السيّارات. و إنّما خصّ الزُّهرة بالذكر دون البقيّة لكونها أظهر أفراد السيّارات لدى الحواسّ، و أعرفهنّ بين الناس.

معرفة الإمام ج۱۲

216
  • المُحَرَّكَاتُ؟ وَ كَمْ قَدْرُ شُعَاعِ المُنِيرَاتِ؟ وَ كَمِ التَّحْصِيلُ بِالغَدَواتِ؟ (من أذان الصبح إلى طلوع الشمس).

  • قال الدهقان: لا علم لي بذلك يا أمير المؤمنين. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يَا دِهْقَانُ! هَلْ نَتَجَ عِلْمُكَ أنِ انْتَقَلَ بَيْتُ مَلِكِ الصِّينِ! وَ احْتَرَقَتْ دُورٌ بِالزَّنْجِ؟ وَ خَمَدَ بَيْتُ نَارِ فَارِسَ؟ وَ انْهَدَمَتْ مَنَارَةُ الهِنْدِ؟ وَ غَرَقَتْ سَرَانَدِيبُ؟ وَ انْقَضَّ حِصْنُ الأنْدَلُسِ؟ وَ نَتَجَ (فَتَحَ- خ ل) بُتْرُكُ الرُّومِ بِالرُّومِيَّةِ؟

  • و في رواية: البَارِحَةَ وَقَعَ بَيْتٌ بِالصِّينِ، وَ انْفَرَجَ بُرْجُ مَاجِينَ، وَ سَقَطَ سُورُ سَرَانَدِيبَ، وَ انْهَزَمَ بِطْرِيقُ الرُّومِ بِأرْمَنِيَّةَ، وَ فُقِدَ دَيَّانُ اليَهُودِ بِإيلَةَ، وَ هَاجَ النَّمْلُ بِوَادِي النَّمْلِ، وَ هَلَكَ مَلِكُ إفْرِيقِيَّةِ. أ كُنْتَ عَالِمَاً بِهَذَا؟ قَالَ: لَا، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ.

  • و في رواية: أظُنُّكَ حَكَمْتَ بِاخْتِلَافِ المُشْتَرِي وَ زُحَلُ إنَّمَا أنَارَ لَكَ في الشَّفَقِ، وَ لَاحَ لَكَ شُعَاعُ المِرِّيخُ في السَّحَرِ، وَ اتَّصَلَ جِرْمُهُ بِجِرمِ القَمَرِ.

  • ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: البَارِحَةَ سَعَدَ سَبْعُونَ ألْفَ عَالَمٍ، وَ وُلِدَ في كُلِّ عَالَمٍ سَبْعُونَ ألْفاً. وَ اللَّيْلَةَ يَمُوتُ مِثْلُهُمْ وَ هَذَا مِنْهُمْ- وَ أوْمَى بِيَدِهِ إلَى سَعْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ الحَارِثِيّ وَ كَانَ جَاسُوسَاً لِلْخَوَارِجِ في عَسْكَرِهِ-

  • ج

معرفة الإمام ج۱۲

217
  • فَظَنَّ المَلْعُونُ أنَّهُ يَقُولُ: خُذُوهُ، فَاخِذَ بِنَفْسِهِ فَمَاتَ. فَخَرَّ الدِّهْقَانُ سَاجِدَاً. فَلَمَّا أفَاقَ، قَالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ: أ لَمْ ارَوِّكَ مِنْ عَيْنِ التَّوْفِيقِ؟ قَالَ: بَلَى. فَقَالَ: أنَا وَ صَاحِبِي لَا شَرْقِيُّونَ وَ لَا غَرْبِيُّونَ، نَحْنُ نَاشِئَةُ القُطْبِ وَ أعْلَامُ الفُلْكِ.

  • أمَّا قَوْلُكَ انْقَدَحَ مِنْ بُرْجِكَ النِّيرَانُ، فَكَانَ الوَاجِبُ أنْ تَحْكُمَ بِهِ لِي لَا عَلَيّ. أمَّا نُورُهُ وَ ضِيَاؤُهُ فَعِنْدِي، وَ أمَّا حَرِيقُهُ وَ لَهَبُهُ فَذَهَبَ عَنِّي. وَ هَذِهِ مَسْألَةٌ عَمِيقَةٌ احْسِبْهَا إنْ كُنْتَ حَاسِبَاً.۱ فَقَالَ الدِّهْقَانُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَ أنَّكَ عَلِيّ وَلِيّ اللهِ.۲

    1. مضافاً إلى« المناقب» لابن شهرآشوب، فقد ذكر الشيخ الطبرسيّ خبر الدهقان بحذافيره في« الاحتجاج» ج ۱، ص ۳۵۵ إلى ۳۵۷، الطبعة الحديثة- النجف، و سنده سعيد بن جبير.
    2. ذكر الشيخ الطبرسيّ هذه الرواية في« الاحتجاج» ج ۱، ص ۳۵۵ إلى ۳۵۷، طبعة مطبعة النعمان بالنجف؛ و نقلها المجلسيّ عنه في كتاب« السماء و العالم» و قال في آخرها: ما قصّة صاحب الميزان؟ أي الكواكب التي الآن في برج الميزان أو الكواكب المتعلّقة بذلك البرج المناسبة لها. و كذا صاحب السرطان. و معني: كم الطالع من الأسد، أي: كم طلع من ذلك البرج الآن؟ و الساعات أي: كم مضى من الساعات من طلوع سائر المتحرّكات؟ و لعلّ المراد بالسراري الكواكب الخفيّة، تشبيهاً لها بالسريّة، و الدراريّ الكواكب الكبيرة المضيئة. أو اصطلاحان في الكواكب لا يعرفهما المنجّمون. و الغرض أنّه لو كان هذا العلم حقّاً، فانّما يمكن الحكم به بعد الإحاطة بجميع أوضاع الكواكب و أحوالها و خواصّها في كلّ آن و زمان، و المنجّمون لم يرصدوا من الكواكب إلّا أقلّها، و مناط أحكامهم أوضاع السيّارات فقط مع عدم إحاطتهم بأحوال تلك أيضاً. ثمّ نبّهه عليه السلام على عدم إحاطته بذلك العلم، أو عدم كفايته للعلم بالحوادث بجهله بكثير من الامور الحادثة.
      و قال صاحب« القاموس»: البطريق- ككبريت- القائد من قوّاد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل- انتهى. و ديّان اليهود عالمهم، و في بعض النسخ بالنون جمع دنّ، و هو الحبّ العظيم. و صاحبي أي النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلّم. لا شرقيّ و لا غربيّ إيماء إلى قوله سبحانه:\i لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ\E. و الغرض: لسنا كسائر الناس حتى تحكم علينا بأحكامهم كالنجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء و الأشراف فانّا فوق ذلك كلّه. نحن ناشئة القطب أي الفرقة الناشئة المنسوبة إلى القطب. أي حقيقة لثباتهم و استقرارهم في درجات العزّ و الكمال، أو كناية عن أنّهم عليهم السلام غير منسوبين إلى الفلك و الكواكب، بل هى منسوبة إليهم و سعادتها بسببهم، و أنّهم قطب الفلك، إذ الفلك يدور ببركتهم. و هم أعلام الفلك بهم يتزيّن و يتبرّك و يسعد. ثمّ ألزم عليه السلام عليه في قوله: انقدح من برجك النيران بأنّ للنار جهتين: جهة نور، وجهة إحراق. فنورها لنا و إحراقها على عدوّنا. و يحتمل أن يكون المراد به أنّ الله يدفع ضررها عنّا بتوسّلنا به تعالى و توكّلنا عليه. فهذه مسألة عميقة أي كَوننا متميّزين عن سائر الخلق في الأحكام، أو كون النيران خيراً لنا و شرّاً لعدوّنا، أو أنّ التوسّل و الدعاء يدفع النحوس و البلاء مسألة عميقة خارجة عن قانون نجومك و حسابك، و يبطل جميع ما تظنّ من ذلك.(« بحار الأنوار» ج ۱٤، ص ۱۱٤، طبعة الكمبانيّ؛ و ج ۵۸، ص ۲۲۱ و ۲۲۲ الطبعة الحديثة).

معرفة الإمام ج۱۲

218
  • تقدّمه عليه السلام في علم الحساب و الكيمياء

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الحساب

  • و من جملة العلوم، علم الحساب و كان أمير المؤمنين عليه السلام أوفر العلماء نصيباً.

  • [قال] ابن أبي ليلى: إنّ رجلين تغدّيا في سفر و مع أحدهما خمسة أرغفة، و مع الآخر ثلاثة. فجاء شخص ذلك و و اكلها، فأعطاهما ثمانية دراهم عوضاً. فاختصما و ارتفعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فقال: هذا أمر فيه دناءة، و الخصومة فيه غير جميلة و الصلح أحسن. فأبى صاحب الثلاثة إلّا مُرّ القضاء و قال: احكم بيننا بالقضاء الحتميّ و تعيين المقدار الحقيقيّ.

  • فقال الإمام: إذا كنت لا ترضى إلّا بمُرّ القضاء، فانّ لك واحد من ثمانية، و لصاحبك سبعة. أ ليس كان لك ثلاثة أرغفة و لصاحبك خمسة؟

معرفة الإمام ج۱۲

219
  • قال: بلى.

  • قال: فهذه أربعة و عشرون ثلثاً. أكلتَ منه ثمانية، و الضيف ثمانية. فلمّا أعطا كما الثمانية الدراهم، كان لصاحبك سبعة و لك واحد.۱

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الكيمياء

  • و من جملة العلوم، علم الكيمياء. و كان أمير المؤمنين عليه السلام أكثر أصحاب الكيمياء حظّاً فيه. و قد سئل عليه السلام عن هذه الصنعة، فَقَالَ: هِيَ اخْتُ النُّبُوّةِ، وَ عِصْمَةُ المُرُوَّةِ، وَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِالظَّاهِرِ، وَ أنِّي لأعْلَمُ ظَاهِرَهَا وَ بَاطِنَهَا. هِيَ وَ اللهِ مَا هِيَ إلَّا مَاءٌ جَامِدٌ، وَ هَوَاءٌ رَاكِدٌ، وَ نَارٌ جَائِلَةٌ، وَ أرْضٌ سَائِلَةٌ.

  • و سئل عليه السلام في أثناء خطبته: هل الكيمياء كانت؟ فقال: كانت و هي كائن. فقيل: من أي شيء؟ فقال: إنَّهَا مِنَ الزّئْبَقِ الرَّجْرَاجِ، وَ الاسْرُبِ وَ الزَّاجِ، وَ الحَدِيدِ المُزْعَفَر، وَ زِنْجَارِ النُّحَاسِ الأخْضَرِ الخَوَرِ (الحبور- خ ل) إلَّا تَوَقَّفَ عَلَى عَابِرِهِنَّ.

    1. تحدّثنا عن هذه المسألة في الجزء الحادي عشر من كتابنا هذا:« معرفة الإمام» الدرس ۱۵۷ إلى ۱٦۰.

معرفة الإمام ج۱۲

220
  • فقيل له: فهمنا لا يبلغ ذلك. فَقَالَ: اجْعَلُوا البَعْضَ أرْضاً، وَ اجْعَلُوا البَعْضَ مَاءً، وَ أفْلِحُوا الأرْضَ بِالمَاءِ، وَ قَدْ تَمَّ.

  • فقيل له: زدنا يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الحُكَمَاءَ القُدَمَاءَ مَا زَادُوا عَلَيْهِ كَيمَا يَتَلَاعَبَ بِهِ النَّاسُ.۱

    1. تحدّث المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ۱٤، ص ۳۳۲، طبعة الكمبانيّ، في كتاب السماء و العالم عن إمكان و عدم إمكان تبدّل بعض الفلزّات بنوع آخر. قال: ذهب كثير من العقلاء إلى أنّ تكوّن الذهب و الفضّة بالصنعة. و ذهب ابن سينا إلى أنّه لم يظهر له الإمكان فضلًا عن الوقوع، لأنّ الفصول الذاتيّة التي بها تصير هذه الأجساد أنواعاً امور مجهولة، و المجهول لا يمكن إيجاده. نعم يمكن أن يعمل النحاس بصبغ الفضّة، و الفضّة بصبغ الذهب، و أن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، لكنّ هذه الامور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض و لوازم.
      و اجيب ابن سينا بأنّا لا نسلّم اختلاف الأجسام بالفصول و الصور النوعيّة بل هي متماثلة لا تختلف إلّا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير. و لو سُلّم و قُبل كلامكم، نقول: إن اريد بمجهوليّة الصور النوعيّة و الفصول الذاتيّة أنّها مجهولة من كلّ وجه فممنوع، كيف و قد عُلم أنّها مبادٍ لهذه الخواصّ و الأعراض. و إن اريد أنّها مجهولة بحقائقها و تفاصيلها، فلا نسلّم أنّ الإيجاد موقوف على العلم بذلك، و أنّه لا يكفي العلم بجميع الموادّ على وجه حصل الظنّ بفيضان الصور عنده لأسباب لا تُعلم على التفصيل كالحيّة من الشعر، و العقرب من البادروج و نحو ذلك. و كفى بصنعة الترياق و ما فيه من الخواصّ و الآثار شاهداً على إمكان ذلك. نعم، الكلام في الوقوع و في العلم بجميع الموادّ و تحصيل الاستعداد، و لهذا جُعل الكيمياء في اسمٍ بلا مسمّى.
      و قال المجلسيّ هنا: أقول: و يظهر من بعض الأخبار تحقّقه، لكنّ علم غير المعصوم به غير معلوم. و رأينا و سمعنا ممّن يدّعي علم ذلك منهم أصحاب خديعة و تدليس، و مكر و تلبيس و لا يتبعهم إلّا مخدوع، و صرف العمر فيه لا يسمن و لا يغني من جوع- انتهى كلام المجلسيّ رحمه الله.
      و أنا أرى أنّ علم الإكسير و علم الكيمياء كليهما ممكن. و أنّ مقصود أهل الصنعة من علم الإكسير هو إمكان تبديل النحاس فضّةً و ذهباً بواسطة الحَجَر الفلسفيّ و الحجر المكرَّم. و في ضوء ما قاله الخوارزميّ في« مفاتيح العلوم» المقالة الثانية من الباب التاسع، فانّ هذا الحجر يصنع من تركيب بعض الأجزاء الحيوانيّة و بعض الفلزّات المعدنيّة التي تُركّب و تقطّر و تصعَّد و تعقّد و تشمَّع و تُكلَّس و تُلغَم و تُجري عليها أعمال اخرى بواسطة أدوية و عقاقير خاصّة لكي تتصلّب و تتحجّر، و اسم هذا هو الإكسير. ثمّ إذا سُحق هذا الحجر بمقدار معيّن كالزاج و خُلط بدهن الشعر، و ضُرب بالنحاس المذاب، فانّ الذهب أو الفضّة حسب الاختلاف يُستعمل للإكسير. و مقصودهم من علم الكيمياء هو إمكان إيجاد الذهب أو الفضّة الاصطناعيّة بواسطة تركيب بعض الأعمال الكيمياويّة و تطبيقها. و يرى رجال المختبرات اليوم أنّه يمكن صناعة الذهب أو الفضّة الاصطناعيين كما يصنع الياقوت و الزمرّد و العقيق و الأحجار الكريمة الاخرى من خلال القيام ببعض الأعمال الكيمياويّة، بَيدَ أنّ نفقات صنعها أكثر من الذهب و الفضّة أنفسهما. نعم، كان عند الأئمّة المعصومين عليهم السلام كيمياء، و لم يؤثَر أنّهم ما رسوها.
      و ذهبتُ يوماً إلى منزل أحد العلماء الخطباء لزيارته إذ حلّ ضيفاً في مدينتنا. فكان يقول: عندي كيمياء و اريد أن اعطيكها. قلتُ: لا حاجة بي إليها. قال: و لِمَ؟ أنا لم اعطها أحداً حتى الآن. قلتُ: كنتُ مشغولًا بالدراسة في المدارس الدينيّة أيّام شبابي، و نتيجة لكثرة الاشتغال و المطالعة رجوتُ الله تعالى أن لو مدّ اليوم إلى أكثر من ۲٤ ساعة ليتسنّى لي استيفاء حظّي من العلم. و إلى الآن لم يتّفق لي أن أقف عمري على جمع المال. و حقيق بي أن لا أحصل على الذهب و الفضّة.
      تو به غير علم عشق ار دل نهى--سنگ استنجا به شيطان مىدهى
      لوح دل از فضلة شيطان بشوى--أي مدرّس درس عشقى هم بگوي
      --
      فدعا لي ذلك العالم الكبير، و أثنى عَلَيّ.
      و تعريب البيتين:« إذا اغريتَ بعلم غير علم العشق، فانّك تعطي الشيطان حجر الاستنجاء.
      طهّر قلبكَ من رِجس الشيطان، و أنتَ أيّها المدرّس علّم درس العشقَ أيضاً».

معرفة الإمام ج۱۲

221
  • و قال ابن رَزّيك أبو الطَّلايع:

معرفة الإمام ج۱۲

222
  • عَلِيّ الذي قَدْ كَانَ نَاظِرُ قَلْبِهِ***يُرِيهِ عَيَاناً مَا وَرَاءَ العَوَاقِبِ

  • عَلِيّ الذي قَدْ كَانَ أفْرَسَ مَنْ عَلَا***عَلَى صَهَواتِ الصَّافِنَاتِ الشَّوَارِبِ

  • (و تتميّز هذه الخيول على أمثالها، و أنّ امتطاءَها أعسر من امتطاء غيرها).

  • تقدّمه عليه السلام في علم الطبّ

  • تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الطبّ

  • روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام

معرفة الإمام ج۱۲

223
  • كان يقول:

  • إذَا كَانَ الغُلَامُ مُلْتَاثَ الادْرَةِ، صَغِيرَ الذَّكَرِ، سَاكِنَ النَّظَرِ، فَهُوَ مِمَّنْ يُرْجى خَيْرُهُ، وَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ. وَ إذَا كَانَ الغُلَامُ شَدِيدَ الادْرَةِ، كَبِيرَ الذَّكَرِ، حَادَّ النَّظَرِ، فَهُوَ مِمَّنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ.

  • و عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً: أنّه قال: يعيش الولد لستّة أشهر و لسبعة و لتسعة و لا يعيش لثمانية أشهر.

  • و عنه عليه السلام: لبن الجارية و بولها يخرج من مثانة امّها. و لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين.

  • و عنه أيضاً: يشبّ الصبي كلّ سنة أربع أصابع بأصابع نفسه.

  • و سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام عن الولد: ما باله تارة يشبه أباه و امّه، و تارة يشبه خاله و عمّه؟ فقال للحسن عليه السلام: أجبه.

  • فقال الإمام الحسن عليه السلام: أمّا الولد، فانّ الرجل إذا أتى أهله بنفس ساكنة و جوارح غير مضطربة، اعتلجت النطفتان كاعتلاج المتنازعين. فان علت نطفة الرجل نطفة المرأة، جاء الولد يشبه أباه. و إذا علت نطفة المرأة نطفة الرجل، يشبه امّه.

  • و إذا أتاها بنفس منزعجة و جوارح مضطربة غير ساكنة، اضطربت النطفتان فسقطتا عن يمنة الرحم و يسرته، فان سقطت عن يمنة الرحم سقطت على عروق الأعمام و العمّات. فأشبه أعمامه و عمّاته. و إن سقطت عن يسرة الرحم، سقطت على عروق الأخوال و الخالات، فأشبه أخواله و خالاته. فقام الرجل و هو يقول:

  • اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.۱

    1. الآية ۱۲٤، من السورة ٦: الأنعام، و الآية هي: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

معرفة الإمام ج۱۲

224
  • و رُوي أنّ هذا الرجل هو الخضر.

  • و سئل النبيّ الأكرم: كيف تؤنّث المرأة و كيف يذكّر الرجل؟ فقال: يلتقي الماءان، فاذا علا ماء المرأة ماء الرجل، انثت. و إن علا ماء الرجل ماء المرأة، اذكرت.

  • تقدُّم أمير المؤمنين عليه السلام في علم الاقتصاد و المعاملة

  • و من جملة العلوم، علم المعاملة على طريق السوقيّة و مجرى المعاملات و المقايضات. و يعترف التجّار و السوقيّة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الأصل في علومهم. و لا يوجد لغيره إلّا اليسير حتى قال مشايخهم: لو تفرّغ عليّ عليه السلام إلى إظهار ما علم من علومنا، لأغنى في هذا الباب.

  • إحاطة أمير المؤمنين عليه السلام بالتوراة

  • و من فرط حكمته عليه السلام ما روى عن اسامة بن زيد، و أبي رافع في خبر أنّ جبرئيل عليه السلام نزل على النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، فقال: يا محمّد! ألا ابشّرك بخبيئةٍ لذرّيّتك، فحدّثه بشأن التوراة أنّه قد وجدها رهط من أهل اليمن بين حجرين أسودين، و سمّاهم له. فلمّا قدموا على رسول الله، قال لهم: كما أنتم حتى اخبركم بأسمائكم و أسماء آبائكم، و أنتم وجدتم التوراة، و قد جئتم بها معكم. فدفعوها إليه و أسلموا. فوضعها النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله عند رأسه، ثمّ دعا الله باسمه، فأصبحت عربيّة ففتحها و نظر فيها، ثمّ رفعها إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قال:

  • هَذَا ذِكْرٌ لَكَ وَ لِذُرِّيَّتِكَ مِنْ بَعْدِي.

  • و روى عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: رُسُلًا قَدْ

معرفة الإمام ج۱۲

225
  • قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ،۱ بعث الله نبيّاً أسوداً لم يقصّ علينا قصّته.

  • و كتب معاوية إلى أبي أيّوب الأنصاريّ: أمَّا بَعْدُ؛ فَحَاجَيْتُكَ (فَحُجَّيْتُكَ- خ ل) بِمَا لَا تَنْسَى شَيْبَاءُ. قال أمير المؤمنين عليه السلام: أخْبَرَهُ أنَّهُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَ أنَّ مَنْ قُتِلَ عِنْدَهُ مِثْلُ الشَّيْبَاءَ لَا تَنْسَى قَاتِلَ بِكْرَهَا وَ لَا أبَا مُخَدِّرِهَا (مُحَذِّرِهَا- خ ل) أبَدَاً.۲

  • علم أمير المؤمنين عليه السلام بلغة الحيوانات و الملائكة

  • و من وفور علمه عليه السلام أنّه عبّر منطق الطير و الوحوش

    1. الآية ۱٦٤، من السورة ٤: النساء. و نصّ الآية: وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ.
    2. حكى الميدانيّ في« مجمع الأمثال» أنّ العرب تسمّى الليلة التي تُفترع فيها المرأة: ليلة شيباء. و تسمّى الليلة التي لا يقدر الزوج فيها على افتضاضها: ليلة حِرَة. فيقال: باتت فلانة بليلة حرة إذا لم يغلبها الزوج. و باتت بليلة شيباء إذا غلبها فافتضّها( حرة في الأصل و حر، كعدِة في الأصل وعد. و معنى الوَحْر الحقد و الضغينة و شدّة الغضب). البِكر بكسر الباء هي الباكرة. و العُذرَة- بضمّ العين- دم البكارة. و جاء في المثل: لا تنسى المرأة أبا عذرِها( أبا مخدرها، أبا محذرها)( صاحب حجابها و بكارتها أو مسبّب خوفها) و قاتل بِكرها. و يقال للمرأة شيباء مجازاً تشبيهاً لها بالليلة الشيباء.
      و أراد معاوية في كلامه هذا أن يقول لأبي أيّوب الأنصاريّ: أنت من قَتَلة عثمان، و مثلك مثل الشيباء التي لا تنسى من افترعها و افتضّ بكارتها و أسال دمها أبداً. و أنتَ باشتراكك في قتل عثمان تستوجب مهاجمتي إيّاك و تعرّضي لك و طلبي بثأره منك. و فهم أمير المؤمنين عليه السلام هذه الإشارة في كلام معاوية بما اوتي من فطنة و دهاء عظيم، و هي ما احتاجت إلى ذلك الشرح و التفصيل. و جاء في الطبعة الحجريّة لمناقب ابن شهرآشوب:( شيئاً) مكان( شيباء): أمّا بعد؛ فحاجيتك بما لا تنسى شيئاً. و إذا كان كذلك، فاستفادة هذا المعنى الدقيق و الخافي من لفظ( شيئاً) أعجب.

معرفة الإمام ج۱۲

226
  • و الدوابّ. روى زرارة عن الصادق عليه السلام أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ كَمَا عُلِّمَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَ كُلِّ دَابَّةٍ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ.۱

    1. كثر الكلام حول منطق الطير. فبعضٌ يرى أنّ لها لغةً كالإنسان، و أنّها تُفهِم جميع مفاهيمها و مقاصدها بواسطة تلك اللغة. و بعضٌ يذهب إلى أنّها تعبّر عن مقاصدها في حدود حاجتها بأنواع الأصوات و الأشكال. و قيل الكثير أيضاً في من يطّلع على منطق الطير و يفهم كلامها كالنبيّ سليمان الذي قال تعالى فيه: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ. و يعتقد البعض أنّ الله سبحانه علّمه لغات الطيور، فعلم أنواعها و ضروبها على أساس لغات مختلفة. بيد أنّ الذي يبدو هو أنّ تعليم سليمان عليه السلام، و مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، و سائر الأئمّة صلوات الله عليهم، و الإمام الرضا عليه السلام الذي تكلّم مع الغزال، و الإمام الهاديّ عليه السلام الذي القي في بركة السباع و تكلّم مع الوحوش، كلّ ذلك ليس من باب تعليم اللغات و تعلّمها بواسطة وجود كثرتها، بل من باب سيطرة نفس الإمام و النبيّ على ملكوتها، و إدراك مقاصدها عبر الإحاطة النفسانيّة بها. و إذا صلبت نفس المؤمن و اجتاز هواه، فانّه يتمتّع بالسعة و الإحاطة، فيقف على ملكوت الكائنات أيّاً كانت: طيوراً أم حيوانات مفترسة أم إنساً أم جنّاً أم حيوانات بحريّة أم نباتات و أشجار و جمادات. و حينئذٍ يتيسّر للمؤمن المحيط المسيطر على النفوس أن يتكلّم مع نفس كلّ موجود سواءً حرّك لسانه وفقاً للسانها أم لم يحرّكه. و من هذا القبيل تكلُّم المؤمن بلغته الامّ مع غير أهل لغته. و ربما شوهد في الحجّ أو في المشاهد المشرّفة الاخرى أنّ بعض المؤمنين الوافدين من أقطار مختلفة- و لم يفهم أحدهم لغة الآخر، كالترك و العرب و الهنود- يتعارفون و يجلسون بعضهم مع بعض ساعات، و يتحدّثون عمّا في طويّاتهم، و يطّلع بعضهم على طريق و مسير و أحوال البعض الآخر تماماً. و يقال إنّ الحيوانات كلّها ذلولة و مطيعة للمؤمن العارف بالله. و نُقل في أحوال سعيد بن جبير أنّه لمّا قُبض عليه و اقتيد إلى الحجّاج بن يوسف، كان مشغولًا بالصلاة و القرآن ليلًا في طريق الصحراء، فاجتمعت حوله الوحوش و لم تؤذه قطّ. و ثمّة شواهد كثيرة مثل هذه الوقائع في التواريخ الثابتة المسلّمة. و ما أروع و أعمق ما أنشده المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا حبيب الله الخراسانيّ أعلى الله مقامه الشريف في هذا المجال! و نِعْمَ ما نظم! إذ قال:
      از آن خسرو كه جمشيدش بود نام--نوشته ديدم اين خط بر لب بام
      كه بايد در خدا جوئى چو پرگار--به گرد خويشتن زد روز و شب گام
      رسد چون نقطة أوّل به آخر--يكى گردد همه آغاز و انجام
      بجوى اين را ز جانى در دساتير--كز آن خسرو رقم شد دور أيّام
      بگو جم كيست آن كس مرغ و ماهى--به افسون از هنرمندى كند رام
      دم پير من است آن كز فسونش--خروس عرش نيز افتاده در دام
      دل پير من است آن سحر مسحور--كه گه پر جوش، گاهى هست آرام
      اگر حق را هزار اسماء حسنى است--بود جمع آن هزار اندر يكى نام
      بگو كاوّل على، آخر على بود--بگو باطن على، ظاهر على بود
      --
      (« ديوان حبيب» ص ۲۰۱، الطبعة الثانية- طهران)
      يقول:« رأيت هذا الخطّ مكتوباً على حافّة الكأس و هو لذلك الملك الذي كان اسمه جمشيد.
      و على الذي يبحث عن الله أن يكون كالفرجار في حركة مستمرّة حول نفسه ليل نهار.
      و إذا بلغت النقطة الاولى آخر ما يخطّه الفرجار فانّ مبدأه و منتهاه يصبح واحداً.
      ابحث عن هذا السرّ الروحيّ في الأساطير، فانّ دورة الأيّام بدأت من ذلك الملك( جمشيد)( أي: أنّ النقطة الأصليّة للفرجار كانت منه).
      قل: من هو جمشيد؟ هو من ذلّل الطير في الجوّ و الحيتان في الماء بسحره المنبعث من براعته.
      إنّه نَفَس شيخي الذي من سحره سقط ديك العرش في الفخّ( أي أنّه جذّاب حتى ذلّل ديك ...)
      إنّه قلب شيخي ذلك السحر المسحور، الذي يهيج تارة، و يهدأ اخرى.
      إذا كان للحقّ( الله) ألف من الأسماء الحسنى، فانّها تُجمع في اسم واحد.
      قل: إنّ الأوّل هو عليّ، و الآخر عليّ، و الباطن عليّ، و الظاهر عليّ».

معرفة الإمام ج۱۲

227
  • و روى عن ابن عبّاس أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: صياح الديك: اذْكُرُوا اللهَ يَا غَافِلِينَ. و صهيل الفرس: اللَهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ المُؤْمِنِينَ عَلَى عِبَادِكَ الكَافِرِينَ. و نهيق الحمار: أنْ يَلْعَنَ العَشَّارِينَ،

معرفة الإمام ج۱۲

228
  • و ينهق في عين الشيطان. و نقيق الضفدع: سُبْحَانَ رَبِّيَ المَعْبُودِ المُسَبَّحِ في لُجَجِ البِحَارِ. و أنيق القبّرة (عصفورة خاصّة تتّخذ من الجبال و الصحاري منزلًا لها غالباً): اللَهُمَّ الْعَنْ مُبْغِضِي آلِ مُحَمَّدٍ.

  • قال العبديّ:

  • وَ عَلَّمَكَ الذي عَلَّمَ البَرَايَا***وَ ألْهَمَكَ الذي لَا يَعْلَمُونَا

  • فَزَادَكَ في الوَرَى شَرَفاً وَ عِزَّاً***وَ مَجْدَاً فَوْقَ وَصْفِ الوَاصِفِيَنَا

  • و روى سعيد بن ظريف عن الصادق عليه السلام، و روى أبو امامة الباهليّ كلاهما عن النبيّ الأكرم في خبر طويل- و اللفظ لأبي امامة- أنّ الناس دخلوا على النبيّ صلى الله عليه و آله و هنّؤوه بمولود رزقه الله به. ثمّ قام رجل في وسط الناس، فقال: بأبي أنت و امّي يا رسول الله، رأينا من عليّ عجباً في هذا اليوم.

  • قال النبيّ صلى الله و آله: و ما رأيتم؟

  • قالوا: أتيناك لنسلّم عليك و نهنّئك بمولودك الحسين فحجبنا عنك و أعلمنا أنّه هبط عليه مائة و أربعة و عشرون ألف مَلَك، فعجبنا من إحصائه و عدّه الملائكة.

  • فأقبل رسول الله صلى الله عليه و آله بوجهه إلى عليّ مبتسماً و قال: ما علّمك أنّه هبط عَلَيّ مائة و أربعة و عشرون ألف ملك؟

  • قال عَلِيّ عليه السلام: بأبي أنت و امّي يا رسول الله سمعت مائة و أربعة و عشرين ألف لغة فعلمتُ أنّهم مائة و أربعة و عشرون ألف مَلَك.

  • قال رسول الله صلى الله عليه و آله:

  • زَادَكَ اللهُ عِلْماً وَ حِلْمَاً يَا أبَا الحَسَنِ.

  • و روى الزمخشريّ في كتاب «الفائق» أنّ شُريح القاضي سُئل عن امرأة طُلّقت فذكرت أنّها حاضت ثلاث حيضات في شهر واحد.

معرفة الإمام ج۱۲

229
  • فقال شُريح: إن شهدت ثلاث نسوة من بطانة أهلها أنّها كانت تحيض قبل طلاقها في كلّ شهر، فالقول قولها.

  • فقال عليّ عليه السلام: قالون (فالون- خ ل) أي: أصبتَ (بالروميّة). و هذا إذا اتُّهمت المرأة (أي: الحاجة إلى الشهادة عند الاتّهام بالكذب، و لا حاجة إليها في غير الاتّهام).

  • و روى في «بصائر الدرجات» عن سعد القمّيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نزل قَطْقَطا عند مجيئه إلى النهروان، فاجتمع إليه أهل بادوريا فشكوا ثقل خراجهم، و كلّموه بالنبطيّة فقالوا: لنا جيران أوسع أرضاً منّا و أقلّ خراجاً. فأجابهم عليه السلام بالنبطيّة قائلًا: زعرا وطائه من زعرا رباه. و معناه بالعربيّة: دُخْنٌ صَغِيرٌ خَيْرٌ مِنْ دُخْنٍ كَبِيرٍ.۱

  • و روى أنّه قال عليه السلام لابنة يزدجرد: ما اسمكِ؟ قالت: جهان بانويه. فقال عليه السلام: بل اسمك شهر بانويه، و أجابها بالعجميّة.

  • تفسيره عليه السلام صوت الناقوس

  • تفسير أمير المومنين عليه السلام صوت الناقوس

  • فسّر أمير المؤمنين عليه السلام صوت الناقوس.

  • روى صاحب كتاب «مصباح الواعظ» و جمهور أصحابنا عن الحارث الأعور، و زيد بن صُوحان، و صَعْصَعَة بن صُوحان، و النراء بن سيرة،

    1. قال في« أقرب الموارد»: الدُّخن حبّة صغيرة و ملساء جدّاً، و هو غير الجاوَرس. بَيدَ أنّه جاء في« لغتنامه دهخدا»(/ مُعجم دِهْخُدا) في مادّة دخن، ص ۲٩۱، جزء الدال بعد بحث طويل: الدُّخن إذا كان ناعماً و أصفر فهو: أرْزَن( بالفارسيّة)، و إذا كان خشناً و أبيض فهو جاوَرس( بالعربيّة أيضاً: جاوَرس) و گاورس( بالفارسيّة). و يستبين من جواب أمير المؤمنين عليه السلام لأهل باد و رَيا أنّه أراد أن يقول على سبيل التمثيل: لمّا كان الدخن الناعم أجود من الدخن الخشن، و الناس ترغب فيه أكثر، و كانت أرضكم القليلة أجود من أرض جيرانكم الواسعة، لذلك فانّ خراجكم أكثر من خراجهم.

معرفة الإمام ج۱۲

230
  • و الأصبغ بن نباتة، و جابر بن شَرَحْبيل، و محمود بن الكوّاء أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: يَقُولُ الناقوس: سُبْحَانَ اللهِ حَقَّاً حَقَّاً، إنَ المَوْلَى صَمَدٌ يَبْقَى، يَحْلُمُ عَنَّا رِفْقَاً رِفْقَاً، لَوْ لَا حِلْمُهُ كُنَّا نَشْقَى.

  • حَقَّاً حَقَّاً صِدْقَاً صِدْقَاً، إنَّ المَوْلَى يُسَائِلُنَا، وَ يُوَافِقُنَا وَ يُحَاسِبُنَا، يَا مَوْلَانَا لَا تُهْلِكُنَا، وَ تَدَارَكْنَا وَ اسْتَخْدِمْنَا، وَ اسْتَخْلصَنَا حِلْمُكَ عَنَّا، قَدْ جَرَّانَا عَفْوُكَ عَنَّا، إنَّ الدُّنْيَا قَدْ غَرَّتْنَا وَ اشْتَغَلَتْنَا، وَ اسْتَلَهتْنَا وَ اسْتَغْوَتْنَا، يَا بْنَ الدُّنْيَا جَمْعَاً جَمْعَاً، يَا بْنَ الدُّنْيَا مَهْلًا مَهْلًا.

  • يَا بْنَ الدُّنْيَا دَقَّاً دَقَّاً، تُفْنِى الدُّنْيَا قَرْناً قَرْناً، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا، إلَّا يَهْوِى مِنَّا رُكْنَاً، قَدْ ضَيَّعْنَا دَارَاً تَبْقَى، وَ اسْتَوْطَنَّا دَارَاً تَفْنَى، تُفْنِى الدُّنْيَا قَرْنَاً قَرْنَاً، كُلًّا مَوْتَاً كُلًّا مَوْتَاً، كُلًّا مَوْتَاً كُلًّا دَفْنَاً، كُلًّا فِيهَا مَوْتَاً كُلًّا فَنَاءً كُلًّا فِيهَا مَوْتَاً، نَقْلًا نَقْلًا دَفْنَاً دَفْنَاً، يَا بْنَ الدُّنْيَا مَهْلًا مَهْلًا، زِنْ مَا يَأتِي وَزْناً وَزْناً، لَوْ لَا جَهْلِي مَا إنْ كَانَتْ عِنْدِي الدُّنْيَا إلَّا سِجْنَاً، خَيْرَاً خَيْرَاً شَرّاً شَرَّا، شَيئاً شَيئاً حُزْنَاً حُزْنَاً، مَا ذَا مَنْ ذَا كَمْ ذا أم ذَا، هَذَا أسْنَى، تَرْجُو تَنْجُو، تَخْشَى تَرْدَى، عَجِّلْ قَبْلَ المَوْتِ الوَزْنَا، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا، إلَّا أوْهَنَ مِنَّا رُكْنَاً، إنَّ المَوْلَى قَدْ أنْذَرَنَا إنَّا نُحْشَرُ غُرْلًا بُهْمَاً.

  • قال الراونديّ: ثمّ انقطع صوت الناقوس،۱ فسمع الديرانيّ ذلك و أسلم و قال: إنّي وجدتُ في الكتاب أنّ في آخر الأنبياء من يفسّر ما يقول الناقوس.۲

    1. يستفاد هنا أنّ تفسير الإمام عليه السلام كان متزامناً مع صوت الناقوس. و طفق يفسّره منذ بدأ صوته، و ختم تفسيره بانقطاعه.
    2. ذكر ابن شهرآشوب في الطبعة الحجريّة من مناقبه، ج ۱، ص ٤۲٦ قصّة إسلام الاسقُف النصرانيّ على أثر تفسير الناقوس بطريق آخر. و قال: روى زيد و صعصعة ابنا صوحان، و البراء بن سبرة، و الأصبغ بن نباته، و جابر بن شرحبيل، و محمود بن الكوّاء أنّه ذُكر بدَير الديلم من أرض فارس لُاسقُف قد أتت عليه عشرون و مائة سنة أنّ رجلًا قد فسّر الناقوس، يعنون عليّاً عليه السلام. فقال: سيروا بي إليه فانّي أجده أنزعَ بطيناً( من انحسر الشعر عن رأسه و نَتَأت بطنُه) فلمّا وافى أمير المؤمنين عليه السلام، قال: قد عرفتُ صفته في الإنجيل، و أنا أشهد أنّه وصيّ ابن عمّه، فقال له الإمام: جئتَ لتؤمن أزيدك رغبة في إيمانك. قال: نعم. قال عليه السلام: انزع مدرعتك( جبّة من الكتّان كان يلبسها الرهبان الكبار) فَأرِ أصحابك الشامة التي بين كتفيك. فقال الاسقُف: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ. و شهق شهقة فمات. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: عَاشَ في الإسْلَامِ قَلِيلًا، وَ نَعِمَ في جِوَارِ اللهِ كَثِيراً.

معرفة الإمام ج۱۲

231
  • أجمعوا: أنّ خِيَرَة الله من خلقه هم المتّقون لقوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ۱ ثمّ أجمعوا على أنّ خيرة المتّقين الخاشعون، لقوله تعالى: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، إلى قوله: مُنِيبٍ.۲

  • ثمّ أجمعوا على أنّ أعظم الناس خشية العلماء لقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.۳

  • و أجمعوا على أنّ أعلم الناس أهداهم إلى الحقّ و أحقّهم أن يكون متّبعاً و لا يكون تابعاً لقوله: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى.٤

  • و أجمعوا على أنّ أعلم الناس بالعدل أدلّهم عليه و أحقّهم أن يكون مُتَّبَعاً و لا يكون تابعاً لقوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ.۵

    1. الآية ۱۳، من السورة ٤٩: الحجرات.
    2. الآيات ۳۱ إلى ۳۳، من السورة ۵۰: ق: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ.
    3. النصف الثاني من الآية ۲۸، من السورة ۳۵: فاطر.
    4. الآية ۳۵، من السورة ۱۰: يونس.
    5. قسم من الآية ٩۵، من السورة ۵: المائدة.

معرفة الإمام ج۱۲

232
  • فدلّ كتاب الله و سنّة نبيّه و إجماع الامّة على أنّ أفضل هذه الامّة بعد نبيّها عليّ عليه السلام.۱

  • جوابه عليه السلام عن أسئلة ملك الروم

  • و فتح سبط بن الجوزيّ فصلًا في كتابه «تذكرة خواصّ الامّة» في كلام عمر بن الخطّاب: أعُوذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَه أبُو حَسَنٍ. و في الروايات المنقولة عنه بهذا المضمون. ثمّ روى عن أحمد بن حنبل في «الفضائل» بسنده عن ابن المسيِّب قال: كان عمر بن الخطّاب يقول: أعوذ بالله من

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦٦ و ۲٦۷ من الطبعة الحجريّة؛ و ج ۲، ص ۵٦ و ۵۷ من الطبعة الحروفيّة طبعة المطبعة العلميّة- قم.

معرفة الإمام ج۱۲

233
  • مُعضَلةٍ ليس لها أبو حسن.

  • قال ابن المسيّب: و لهذا القول سبب، و هو أنّ ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل فعرضها على الصحابة، فلم يجد عندهم جواباً. فعرضها على أمير المؤمنين عليه السلام، فأجاب عنه في أسرع وقت بأحسن جواب.

  • أمّا المسائل: فقد ذكر ابن المسيّب كتاب ملك الروم، و عرض المسائل كلّها إلى أن بلغ قوله: و عن صوت الناقوس ما ذا يقول؟

  • ثمّ بيّن ابن المسيّب جواب أمير المؤمنين عليه السلام المفصّل، إذ أجاب عنها جميعها حتى بلغ صوت الناقوس، فقال: يقول: طَقَّاً طَقَّاً، حَقَّاً حَقَّاً، مَهْلًا مَهْلًا، عَدْلًا عَدْلًا، صِدْقَاً صِدْقَاً، إنَّ الدُّنْيَا قَدْ غَرَّتْنَا وَ اسْتَهْوَتْنَا. تَمْضِي الدُّنْيَا قَرْنَاً قَرْنَاً، مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا، إلَّا أوْهَي مِنَّا رُكْنَاً، إنَّ المَوْلَى قَدْ أخْبَرْنَا، إنَّا نَرْحَلُ فَاسْتَوْطَنَّا ... إلى آخر المسائل.

  • قال ابن المسيّب: فلمّا قرأ قيصر الكتاب قال: ما خرج هذا الكلام إلّا من بيت النبوّة. ثمّ سأل عن المجيب، فقيل له: هذا جواب ابن عمّ محمّد صلّى الله عليه و آله، فكتب إليه:

  • سَلَامٌ عَلَيْكَ. أمَّا بَعْدُ: فقد وقفتُ على جوابك، و علمتُ أنت من أهل بيت النبوّة، و معدن الرسالة. و أنت موصوف بالشجاعة و العلم. و اوثر أن تكشف لي عن مذهبكم، و الروح التي ذكرها الله في كتابكم، في قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.۱

  • فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أمَّا بَعْدُ: فَالرُّوحُ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَ لُمْعَةٌ شَرِيفَةٌ مِنْ صَنْعَةِ بَارِيهَا، وَ قُدْرَةِ مُنْشِئِهَا، أخْرَجَهَا مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِهِ وَ أسْكَنَها في مُلْكِهِ، فَهِيَ عِنْدَهُ لَكَ سَبَبٌ، وَ لَهُ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ فَإذَا أخَذْتَ مَا لَكَ عِنْدَهُ، أخَذَ مَا لَهُ عِنْدَكَ. وَ السَّلَامُ.۲

  • أبيات الميرزا حبيب الله الخراسانيّ في مدح الإمام عليه السلام

  • و ها نحن نختم بحثنا عند هذه النقطة، حريّ بنا أن نذكر أبياتاً شعريّة للمرحوم آية الله الحاجّ الميرزا حبيب الله الخراسانيّ متبرّكين بالمقام الأقدس لمولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام:

  • امروز كه روز دار و گير است***مى ده كه پياله دلپذير است

  • از جام و سبو گذشت كارم***وقت خم و نوبت غدير است

  • برد از نگهى دلِ همه خلق***آهوى تو سخت شيرگير است ۳

  • در عشوة آن دو آهوى چشم***گر شير فلك بود، اسير است

  • مى نوش كه چرخ پير امروز***از ساغر خود پياله گير است

  • امروز به خلق گردد اظهار***آن سرّ نهان كه در ضمير است

  • آن پادشه ممالك جود***در مُلك وجود، بر سرير است

  • چندانكه به مدح او سروديم***يك نُكته ز صد نگفته بوديم ٤

    1. الآية ۸۵، من السورة ۱۷: الإسراء.
    2. «تذكرة الخواصّ» ص ۸۵ إلى ۸۷. و نقلها العلّامة الأمينيّ في« الغدير» ج ٦، ص ۲٤۷ إلى ۲٤٩ عن« التذكرة» و عن« زين الفتى في شرح سورة هل أتي» للحافظ العاصميّ.
    3. «ديوان حبيب» ص ۲۳٤.
      يقول:« في هذا اليوم الذي هو يوم الحرب و القتال، ناولنى الخمر فانّ كأسها محبوب إلى قلبي.
      لقد ولّى عهد الكأس و الكوز، و لات وقتَهما، بل الوقت وقت غدير خم.
      إنّ ظبيك فتن قلوب الناس جميعهم بنظرة واحدة، إنّه صيّاد الاسود حقّاً».
    4. يقول:« إنّ جاذبيّة عيون الظبي تفتن كلّ شيء حتى لو كان أسد الدهر.
      و شمس السماء أسيرة يديها في حلقة تينك الضفيرتين السوداوين.
      احتس الخمر فانّ الفلك العجوز اليوم يحتسي الخمر من كأسه أيضاً.
      نُصب عليّ أميراً على الناس هذا اليوم بأمر الله.
      و اليوم انكشف للناس السرّ المودع في الضمير.
      و إنّ مَلِكَ أقطار الجود على السرير في مُلك الوجود.
      كلّما أنشدنا من شعر في مدحه، فانّا لم نَقُلْ نكتة واحدة من مائِة».

معرفة الإمام ج۱۲

234
  • اللهمّ صلّ و سلّم على المصطفى محمّد، و المرتضى عليّ، و البتول فاطمة، و السبطين الحسن و الحسين، و صلّ على زين العبّاد عليّ، و الباقر محمّد، و الصادق جعفر، و الكاظم موسى، و الرضا عليّ، و التقيّ محمّد، و النقيّ عليّ، و الزكيّ العسكريّ الحسن، و صلّ على المهديّ الهاديّ صاحب العصر و الزمان و خليفة الرحمن و قاطع البرهان و سيّد الإنس و الجانّ صلوات الله و سلامه عليه و عليهم أجمعين، و العن أعداءَهم و ظالميهم و معانديهم و مبغضيهم و غاصبي حقوقهم و منكري فضائلهم و مناقبهم أبد الآبدين و دهر الداهرين. آمين ربّ العالمين.

معرفة الإمام ج۱۲

235
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ السَّابِعُ وَ السَّبْعونَ بَعْدَ المِائَةِ إلَى الثَّمَانِينَ بَعْدَ المِائَةِ: أمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمٌ بِالتَّوْرَاةِ وَ الإنْجِيلِ وَ هُوَ القَائِلُ:» سَلُونِي «

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱۲

236
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • لم يكن أحد عارفاً بالقرآن بعد رسول الله كأمير المؤمنين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ، وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ.۱

  • و كذلك (يكون الإسلام للّه، و تصديق كتبه و رسله) ... فالذين آتيناهم الكتاب، و هم أهل الكتاب (اليهود و النصارى، و هؤلاء بحسب طبعهم يؤمنون بالله و كتبه و رسله) ...

  • و على هذا فحقيقة القرآن ليست بكلام يجري على اللسان، و لا بكلمات تكتب خطّيّاً، بل هو آيات بيّنات في صدور اولي العلم. و صدور اولي الألباب كنز الذخائر و دفينة النفائس لعلوم القرآن و حكمه و معارفه.

  • و قد أجمعت الامّة على أنّ صدور الصحابة و التابعين و المخَضرمين

    1. الآيات ٤۷ إلى ٤٩، من السورة ۲٩: العنكبوت.

معرفة الإمام ج۱۲

237
  • و سائر العلماء الإلهيّين و الحكماء الربّانيّين و أولياء الله، حتى الأنبياء السابقين و الأوصياء الماضين لم تكن كصدر أمير المؤمنين عليه السلام في سعته و قابليّته لحمل العلوم و المعارف الباطنيّة و الأسرار السبحانيّة و خفايا و رموز النبوّة و الولاية. و كأنّ القرآن عُجن بوجوده، و اختمر بجبلّته و طينته، و انطوت حقيقة القرآن في حقيقة وجوده.۱

  • قال ابن شهرآشوب: روى ابن أبي البُخْتَريّ من ستّة طرق،

    1. قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص ۲۸۸: يقول الشافعيّ عن مكانة عليّ في علوم الإسلام: كان عليّ كرّم الله وجهه قد خُصّ بعلم القرآن و الفقه، لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله دعا له. و أمره أن يقضي بين الناس. و كانت قضاياه ترفع إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فيُمضيها. و لقد آلى على نفسه بعد الفراغ من تجهيز رسول الله صلى الله عليه و آله ألّا يرتدي إلّا للصلاة، أو يجمع القرآن- كما أسلفنا- فجمعه مهتمّاً بامور اصوليّة في الشريعة و فقهها تتعلّق بالمحكم و المتشابه، أي: بما لا يحتمل الاجتهاد، و ما يحتمله، و بالنصوص التي نُسخت و التي هي واجبة التطبيق، و بالمطلق منها و الذي يحتمل التخصيص، و العزائم و الرخص، و بالفروض و المندوبات، و فيها المحرم و المكروه، و ما هو تهذيب للُامّة من فضائل و آداب.
      و قال في الهامش: بهذا كان عليّ إمام المفسّرين. قال سعيد بن جُبير: قلتُ لابن عبّاس: أ لِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة؟ قال: لا. فتلوتُ عليه الآية التي في« الفرقان». قال: هذه مكّيّة، نسختها آية مدنيّة:\i وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها\E. و رووا أنّ ابن عبّاس ناظر عليّاً في الآية. فقال عليّ: من أين لك أنّها محكمة؟ قال: تكاثف الوعيد. قال عليّ: إنّ الله نسخها بآيتين آية قبلها و آية بعدها في النظم. الاولي: قوله تعالى:\i إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً\E. و أمّا التي بعدها في النظم، فهي قوله تعالى:\i إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ\E\i وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً\E. و المفسّرون يضيفون إلى الآيات قوله تعالى:\i وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ\E- إلى قوله تعالى: وَ يَخْلدُ فِيهِ مُهَاناً. ثمّ استثنى بقوله:\i إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً\E.[ هنا] لكم صدق ابن عبّاس عند ما سئل عن علمه و علم ابن عمّه( عليّ) فقال: كالقطرة إلى جوار البحر المحيط.

معرفة الإمام ج۱۲

238
  • و ابن المفضّل من عشر طرق، و إبراهيم الثقفيّ من أربعة عشر طريقاً منهم: عديّ بن حاتم، و الأصبغ بن نُباتة، و علقمة بن قيس، و يحيى بن امّ الطويل، و زَرّ بن حُبَيش، و عَباية بن ربعيّ، و عَباية بن رفاعة، و أبو الطُّفيل أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال بحضرة المهاجرين و الأنصار، و أشار إلى صدره:

  • كَيْفَ مُلِئَ عِلْمَاً؟ لَوْ وَجدتُ لَهُ طَالِباً. سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. هَذَا سَفَطُ۱ العِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللهِ زَقَّاً، فَاسْألُونِي فَانَّ عِنْدِي عِلْمَ الأوَّلِينَ وَ الآخِرِينَ.

  • أمَا وَ اللهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ۲ ثُمَّ اجْلِسْتُ عَلَيْهَا، لَحَكَمْتُ بَيْنَ أهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِانجِيلِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَ بَيْنَ أهْلِ الفُرْقَانِ بِفُرْقَانِهِمْ، حتى يُنَادِيَ كُلُّ كِتَابٍ بِأنَّ عَلِيَّاً قَضَى بِحُكْمِ اللهِ في.

  • وَ في رِوَايَةٍ: حتى يُنْطِقَ اللهُ التَّوْرَاةَ وَ الإنْجِيلَ. وَ في رِوَايَةٍ: حتى يَزْهَرَ كُلُّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ وَ يَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ عَلِيَّاً قَضَى بِقَضَائِكَ.

  • ثُمَّ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ الذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَ بَرَأ النَّسَمَةَ لَوْ سَألْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ آيَةٍ في لَيْلَةٍ انْزِلَتْ أوْ في نَهَارٍ انْزِلَتْ؟ مَكِّيَّهَا

    1. وعاء كالقُفّة أو الجوالق.
    2. قوله: لو ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ كناية عن تولّى شئون الحكومة و الإمامة. لأنّ الوسادة هي ما يُتّكأ عليها. و كانت تُثني- عادةً- من وسطها للحكّام و الأمراء و توضع لهم لكي يكون مسندهم أفضل. و ثنى الوسادة عطفها و طويها. فلهذا أراد الإمام من هذه العبارة أن يقول: أنا الآن لستُ متصدّراً للحكم، و لو اجلست في مسنده، أي يسلّم الناس لأمري، و يكون مسندي في الحكم وطيداً، فانّي أحكم بين أهل كلّ كتاب بكتابهم. و يبيّن الإمام هنا سعة علمه و تمكّنه منه بدرجة عالية رفيعة لا تعلوها درجة، و لا يُتَصَوَّرُ حدٌّ أعلى منها.

معرفة الإمام ج۱۲

239
  • وَ مَدَنِيِّهَا؟ وَ سَفَرِيِّهَا وَ حَضَرِيِّهَا؟ نَاسِخِهَا وَ مَنْسُوخِهَا؟ وَ مُحْكَمِهَا وَ مُتَشَابِهِهِا؟ وَ تَأوِيلِهَا وَ تَنْزِيلِهَا؟ لأخْبَرْتُكُمْ.

  • و قال ابن العوديّ:

  • وَ مَنْ ذَا يُسَامِيهِ بِمَجْدٍ وَ لَمْ يَزَلْ***يَقُولُ: سَلُونِي مَا يَحِلُّ وَ يَحْرُمُ

  • سَلُونِي فَفِي جَنْبَيّ عِلْمٌ وَرِثْتُهُ***عَنِ المُصْطَفَى مَا فَاتَ مِنِّي بِهِ الفَمُ

  • سَلُونِي عَنْ طُرْقِ السَّمَاوَاتِ إنَّني***بِهَا عَنْ سُلُوكِ الطُّرْقِ في الأرْضِ أعْلَمُ

  • وَ لَوْ كَشَفَ اللهُ الغِطَا لَمْ أزِد بِهِ***يَقِينَاً عَلَى مَا كُنْتُ أدْرِي وَ أفْهَمُ

  • فتح ألف باب من العلم لأمير المؤمنين عليه السلام

  • و روى أبو نُعَيم الحافظ الأصفهانيّ باسناده عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ عليه السلام قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ألْفَ بَابٍ، يُفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إلَى ألْفَ بَابٍ.

  • و قد روى أبو جعفر بن بابويه هذا الخبر في «الخصال» من أربعة و عشرين طريقاً، و سعد بن عبد الله القمّيّ في «بصائر الدرجات» من ستّة و ستّين طريقاً.

  • و جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: كَانَ في ذُؤَابَةِ سَيْفِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ هِيَ الأحْرُفِ التي يَفْتَحُ كُلُّ حَرْفٍ ألَفَ حَرْفٍ، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا حَرْفَانِ حتى السَّاعَةِ.

  • و في رواية أنّ عليّاً عليه السلام دفع تلك الصحيفة إلى الحسن عليه السلام. فقرأ منها حروفاً. ثمّ أعطاها الحسين عليه السلام، فقرأها أيضاً. ثمّ أعطاها محمّد ابن الحنفيّة فلم يقدر على أن يفتحها.

معرفة الإمام ج۱۲

240
  • و قال أبو القاسم البُستيّ: و ذلك نحو أن يقول: الرِّبَا في كُلِّ مَكِيلٍ في العَادَةِ أي مَوْضِعٍ كَانَ وَ في كُلِّ مَوْزُونٍ.

  • و نحو أن يقول: يَحِلُّ مِنَ البَيْضِ كُلُّ مَا دَقَّ أعْلَاهُ وَ غَلُظَ أسْفَلُهُ.

  • و نحو أن يقول: يَحرُمُ مِنَ السِّبَاعِ كُلُّ ذِي نَابٍ، وَ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَ يَحِلُّ البَاقِي.

  • و كذلك قول الصادق عليه السلام: كُلُّ مَا غَلَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِهِ فَاللهُ أعْذَرُ لِعَبْدِهِ.

  • قال الحِميَريّ:

  • حَدَّثَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ***ألْفَ حَدِيثٍ مُعْجِبٍ حَاجِبِ

  • كُلُّ حَدِيثٍ مِنْ أحَادِيثِهِ***يَفْتَحُ ألْفَ عُدَّةِ الحَاسبِ

  • فَتِلْكَ وَفَّتْ ألْفَ بَابٍ لَهُ***فِيهَا جِمَاعُ المُحْكَمِ الصَّائِبِ ۱

  • و قال أيضاً:

  • وَ كَفَاهُ بِألْفِ ألْفِ حَدِيثٍ***قَدْ وَ عَاهُنَّ مِنْ وَحْيِ مَجِيدِ

  • قَدْ وَعَاهَا في مَجْلِسٍ بِمَعَانِيهَا***وَ أسْبَابِهَا وَ وَقْتِ الحُدُودِ ۲

    1. عدد هذه الأبيات خمسة. و هي في« ديوان الحميريّ» ص ۱۲۸. اخرجت من« أعيان الشيعة»، و« مناقب آل أبي طالب». و البيتان الأوّل و الثاني منها هما:
      مُحَمَّدٌ خَيْرُ بَنِي غَالِبِ--وَ بَعْدَهُ ابْنِ أبِي طَالِبِ
      هَذَا نَبِيّ وَ وَصِيّ لَهُ--وَ يُعْزَلُ العَالَمُ في جَانِبِ
      --
      ثمّ ذكر الأبيات الثلاثة التي نقلناها عن« مناقب آل أبي طالب» لابن شهرآشوب بالألفاظ نفسها ما عدا البيت الأوّل، إذ أوردناه:« معجب حاجب» بالحاء نقلًا عن« مناقب ...» و جاء في« ديوان الحميريّ»:« معجب عاجب» بالعين المهملة، أي: إنّ الأحاديث الألف كلّها عجيبة و تثير الإعجاب.
    2. هذان البيتان ضمن أبيات مجموعها اثنا عشر بيتاً، اخرجت في« ديوان الحميريّ» ص ۱۷۸ و ۱۷٩، من« أعيان الشيعة». و أوّلها:
      وارث السيف و العمامة و الرا--ية مطويّة و ذات القيود
      --

معرفة الإمام ج۱۲

241
  • و قال كذلك:

  • عَلِيّ أميرُ المؤمِنِينَ أخُو الهُدَى***وَ أفْضَلُ ذِي نَعْلٍ وَ مَنْ كَانَ حَافِيا

  • أسَرَّ إلَيْهِ أحْمَدُ العِلْمَ جُمْلَةً***وَ كَانَ لَهُ دُونَ البَرِيَّةِ وَاعِيَا

  • وَ دَوَّنَهُ في مَجْلِسٍ مِنْهُ وَاحِدٍ***بِألْفِ حَدِيثٍ كُلُّهَا كَانَ هَادِيَا

  • وَ كُلُّ حَدِيثٍ مِنْ اولَئِكَ فَاتِحٌ***لَهُ ألْفَ بَابٍ فَاحْتَوَاهَا كَمَاهِيَا ۱

  • و روى أبان بن تَغْلِب، و الحسين بن معاوية، و سليمان الجعفريّ، و إسماعيل بن عبد الله بن جعفر كلّهم عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام أنّه قال: لمّا حضر رسول الله صلى الله عليه و آله الممات، دخل عليه عليّ عليه السلام، فأدخل رأسه معه، ثمّ قال: يَا عَلِيّ! إذَا أنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي وَ كَفِّنِي، ثُمَّ أقْعِدْنِي وَ سَايِلْنِي وَ اكْتُبْ.

  • و في «تهذيب الأحكام» بهذا اللفظ: فَخُذْ بِمَجَامِعِ كَفَنِي وَ أجْلِسْنِي ثُمَّ اسْألْنِي عَمَّا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لَا تَسْألُنِي عَنْ شَيءٍ إلَّا أجَبْتُكَ فِيهِ.

  • و جاء في رواية أبي عوانة بإسناده: قَالَ عَلِيٌّ: فَفَعَلْتُ فَأنْبَأنِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.۲۳

  • معرفة الإمام ؛ ج۱۲ ؛ ص۲٤۱
    1. هذه الأبيات الأربعة في« ديوان الحميريّ» ص ٤٦۰، اخرجت من« أعيان الشيعة» و« مناقب آل أبي طالب».
    2. من هنا انطلق الشاعر الشيعيّ الناشئ الأكبر شاعر أهل البيت في أشعاره، فوصف المنزلة العلميّة لأمير المؤمنين عليه السلام بنحو لم يطقه الناس، و كانوا يخشونه. قال:
      بِآلِ محمّدٍ عُرف الصوابُ--و في أبياتهم نزل الكتابُ
      و هم حجج الإله على البرايا--بهم و بجدّهم لا يُسترابُ
      طعامُ سيوفهم مُهج الأعادي--و فيضُ دمِ الرقاب لها شرابُ
      و لا سيّما أبا حسنٍ عليّاً--له في العلم مرتبة تُهابُ
      إذا نادت صوارمُهُ نفوساً--فليس لها سوى نعمٍ جوابُ
      و بين سنانه و الدرع صُلحٌ--و بين البيض و البيض اصطحابُ
      هو النبأ العظيم و فلك نوح--و باب الله و انقطع الخطابُ
      --
      بحث صاحب« نامه دانشوران ناصري»(/ كتاب الحكماء الناصري) ج ۵، ص ٤۰۵ إلى ٤۰۷ حول مُنشد هذه الأبيات، و قال: نسبها المحدّث النيسابوريّ إلى العارف المشهور ابن الفارض المصريّ، و عدّها دليلًا صريحاً على تشيّعه. و ذهب سبهر القاسانيّ في« ناسخ التواريخ»، و كذلك صاحب« كفاية الخصام»- و كتابه ترجمة لكتاب« غاية المرام»- إلى أنّها لعمرو بن العاص، حتى قال صاحب« كفاية الخصام»: نصّ الإمام الفخر الرازيّ على ذلك في تفسيره، و ذكرها أيضاً بعض المحدّثين كمهذّب الدين أحمد بن رضا في« تحفة الذخائر» إذ أوردها في جملة القصائد التي انشدت في يوم غدير خم، و نسبها إلى عمرو بن العاص. و عند ما نقل سبهر هذه الأبيات عن عمرو بن العاص في ذيل يوم الغدير، أضاف إليها البيتين الآتيين قبل البيت الأخير:
      عليّ الدُّرُّ و الذهب المصفّي--و باقي الناس كلّهم ترابُ
      هو البكّاء في المحراب ليلًا--هو الضحّاك إذا اشتدّ الضرابُ
      --
      أحوال الشاعر الشيعيّ الناشئ الأكبر
      ثمّ قال: و يستفاد من ترجمة الشاعر الشيعيّ عليّ بن عبد الله- الذي يقال له: الناشئ الأكبر- أنّها له. قال الناشئ: كنتُ املي شعري في جامع الكوفة سنة ثلاثمائة و خمس و عشرين من الهجرة، و الناس يكتبون. و كان أبو الطيّب المتنبّي حاضراً، و هو لم يشتهر يومئذٍ و لم يعرف بلقب المتنبّي. و كنتُ ذات يوم املي القصيدة التي مطلعها:
      بآل محمّد عُرفَ الصوابُ--و في أبياتهم نزل الكتابُ
      --
      و لمّا بلغتُ البيتين الآتيين و هما في مدح أمير المؤمنين عليه السلام:
      كأنّ سنان ذابله ضميرٌ--فليس عن القلوب له ذهابُ
      و صارمه كبيعته بخُمٍ--معاقده من القوم الرقابُ
      --
      رأيتُ أبا الطيّب المتنبّي قد كتبهما معاً و احتفظ بهما، ليأتي بمضمونهما في أشعاره فيما بعد. أجَل، إنّ مؤلّف« نامه دانشوران» يرى انتساب هذه الأبيات إلى الناشي الأكبر أقرب من انتسابها إلى غيره لجهاتٍ ذكرها. إذ إنّ اسلوبها و سياقها و مضمونها و نظمها كلّ ذلك لا ينسجم مع اسلوب الصدر الأوّل، و لا مع اسلوب شرف الدين عمر بن الفارض.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱۲

242
  • و روى جميع بن عمير التيميّ عن عائشة في خبر أنّها قالت: و سَالَتْ نَفْسُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في كَفِّهِ (كفّ عليّ عليه السلام) ثُمَ

معرفة الإمام ج۱۲

243
  • رَدَّهَا في فِيهِ.

  • و بلغني عن الصفوانيّ أنّه قال: حدّثني أبو بكر بن مهرويه بإسناده إلى امّ سلمة في خبر، قالت: كنتُ عند النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، فدفع إليّ كتاباً فقال: من طلب هذا الكتاب منكِ ممّن يقوم بعدي، فادفعيه إليه! ثمّ ذكرت قيام أبي بكر، و عمر، و عثمان، و أنّهم ما طلبوه.

  • و قالت: فلمّا بويع عليّ عليه السلام، نزل عن المنبر، و مرّ، و قال لي: يا امّ سلمة هاتي الكتاب الذي دفعه إليكِ رسول الله صلى الله عليه و آله. فقلتُ له: أنتَ صاحبه؟ فقال: نعم. فدفعته إليه. و سئل عليّ عليه السلام: ما كان في الكتاب؟ قال: كُلُّ شَيءٍ دُونَ قِيَامِ السَّاعَةِ.

  • و في رواية ابن عبّاس: فلمّا قام عليّ عليه السلام بأمر الخلافة، أتاها و طلب الكتاب، ففتحه و نظر فيه فقال: هَذَا عِلْمُ الأبَدِ.

  • و قال الصادق عليه السلام: يَمُصُّونَ الثِّمَادَ وَ يَدَعُونَ النَّهْرَ العَظِيمَ. (الثماد جمع الثَّمْد، و هو الماء القليل و النزّ۱ الذي يتجمّع في الشتاء و ينضب في الصيف).

  • فسئل عن معنى ذلك، فقال: عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأسْرِهِ أوْحَاهُ اللهُ إلَى مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ عَلِيّ، وَ كَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدَّعِي في العِلْمِ دَعْوَى مَا سُمِعَتْ قَطُّ مِنْ أحَدٍ.

  • تقرير الإمام عليه السلام حول علمه

  • و روى حنش الكنانيّ أنّه سمع عليّاً يقول: وَ اللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ بِتَبْلِيغِ

    1. في« أقرب الموارد»: نَزَّ الأرْضُ نَزَّاً وَ نَزِيزَاً من باب ضرب: تَحَلَّبَ مِنْها النَّزُّ. و في« المصباح»: نَزَّتِ الأرْضُ نَزَّاً من باب ضرب: كَثُرَ نَزُّهَا. و النَّزُّ- بالفتح و الكسر، و هو أجود-: ما يتحلّب من الماء فارسيّ معرّب. و في« المصباح»: تسمية بالمصدر، و منهم من يكسر النون، و يجعله اسماً، و هو النَّدَى السائل.

معرفة الإمام ج۱۲

244
  • الرِّسَالاتِ وَ تَصْدِيقِ العِدَاتِ وَ تَمَامِ الكَلِمَاتِ.

  • و قوله عليه السلام: إنَّ بَيْنَ جَنْبَيّ لَعِلْماً جَمَّاً لَوْ أصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، شاهد على ذلك.

  • و قوله أيضاً: لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً.

  • و روى عن سلمان أنّ عليّاً قال: عِنْدِي عِلْمُ المَنَايَا وَ البَلَايَا وَ الوَصَايَا و الأنْسَابُ (تُعرف به الأنساب)، وَ فَصْلُ الخِطَاب (و به يتميّز الحقّ عن الباطل بنحو جازم)، وَ مَوْلِدُ الإسْلَامِ وَ مَوْلدُ الكُفْرِ (و به يتّضح المخلوق من فطرة الإسلام، و المخلوق من فطرة الكفر)، وَ أنَا صَاحِبُ المِيسَمِ (حديدة أو شيء آخر يُوسَم به و يُختم و يُكْوَى. و بواسطة هذا المِيسَم يسم الإمام المنافقين و المنكرين و الظالمين يوم القيامة بعلامة جهنّم ليعرفوا أنّهم من أهلها)، وَ أنَا الفَارُوقُ الأكْبَرُ (أنا أكبر فاصل و مميّز بين السعادة و الشقاء، و أهل الجنّة و أهل النار، و الحقّ و الباطل، و الإيمان و الكفر)، وَ دَوْلَةُ الدُّوَلِ (أي: موضع الانقلابات و التغييرات). فَسَلُونِي عَمَّا يَكُونُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَ عَمَّا كَانَ قَبْلِي وَ عَلَى عَهْدِي وَ إلَى أنْ يُعْبَدَ اللهُ.

  • قال ابن المُسَيِّب: مَا كَانَ في أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أحَدٌ يَقُولُ: سَلُونِي، غَيْرُ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.۱

  • و قال ابن شُبْرُمة: مَا أحَدٌ قَالَ عَلَى المِنْبَرِ: سَلُونِي، غَيْرُ عَلِيّ.

  • قوله: «سلوني» يرتبط بحقائق القرآن و باطنه لا بظاهره

  • و قال الله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ.۲ و قال: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي

    1. أخرجها محبّ الدين الطبريّ في« ذخائر العقبي» ص ۸۳ عن أحمد في مناقبه، و البغويّ في معجمه، و عن أبي عمر.
    2. قسم من الآية ۸٩، من السورة ۱٦: النحل: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.

معرفة الإمام ج۱۲

245
  • إِمامٍ مُبِينٍ.۱ و قال أيضاً: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.۲ فإذا كان ذلك غير موجود في ظاهره، فهل يكون موجوداً إلّا في تأويله؟

  • كما قال تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.۳ (أي الحقائق الباطنيّة و تأويل القرآن) و هو الذي عني عليه السلام بقوله: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي.

  • و لو كان قد عنى به ظاهره، ففي الامّة كثير يعلم ذلك و لا يخطئ فيه حرفاً. و لم يكن علي عليه السلام ليقول من ذلك على رؤوس الأشهاد ما يعلم أنّه لا يصحّ من قوله، و أنّ غيره يساويه فيه، أو يدّعي على شيءٍ منه معه. فاذا ثبت أنّه لا نظير له عليه السلام في العلم، صحّ أنّه أولى بالإمامة. قال ابن حمّاد:

  • قُلْتَ سَلُونِي قَبْلَ فَقْدِي إنَّ لِي***عِلْمَاً وَ مَا فِيكُمْ لَهُ مُسْتَوْدَعُ

  • وَ كَذَاكَ لَوْ ثُنِى الوَسَادُ حَكَمْتُ***بِالكُتُبِ التي فِيهَا الشَّرَائِعُ تُشْرَعُ

  • و قال العونيّ:

  • وَ كَمْ عُلُومٍ مَقَفَلَاتٍ في الوَرَى***قَدْ فَتَحَ اللهُ بِهِ أقْفَالَهَا

  • حَرَّمَ بَعْدَ المُصْطَفَى حَرَامَهَا***كَمَا أحَلَّ بَيْنَهُمْ حَلَالَهَا

    1. نصف الآية ۱۲، من السورة ۳٦: يس: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.
    2. بعض من الآية ۵٩، من السورة ٦: الأنعام: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
    3. بعض من الآية ۷، من السورة ۳: آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.

معرفة الإمام ج۱۲

246
  • وَ كَمْ بِحَمْدِ اللهِ مِنْ قَضِيَّةٍ***مُشْكِلَةٍ حَلَّ بِهِمْ إشكَالَهَا

  • حتى أقَرَّتْ أنْفُسُ القَوْمِ بِأنْ***لَوْ لَا الوَصِيّ ارْتَكَبَتْ ضَلَالَهَا

  • و قال العونيّ أيضاً:

  • وَ مَنْ رَكِبَ الأعْوَادَ يَخْطُبُ في الوَرَى***وَ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ فَقْدِي لُافْهِمَا

  • و قال ابن حمّاد:

  • هَلْ سَمِعْتُمْ بِقَائِلٍ قَبْلَهُ***قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِ

  • و له أيضاً:

  • سَلُونِي أيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ فِقْدَانِي***فَعِنْدِي عِلْمُ مَا كَانَ وَ مَا يَأتِي وَ مَا يَأنِي

  • شَهِدْنَا أنَّكَ العَالِمُ في عِلْمِكَ رَبَّانِي***وَ قُلْتَ الحَقَّ يَا حَقُّ وَ لَمْ تَنْطِقْ بِبُهْتَانِ

  • و له كذلك:

  • مَن قَالَ بِالبَصْرَةِ لِلنَّاسِ سَلُونِي***مِنْ قَبْلِ أنْ افْقَدَ مِنْ طُرْقِ السَّمَاء

  • و قال زيد المرزكيّ:

  • مَدِينَةُ العِلْمِ عَلِيّ بَابُهَا***وَ كُلُّ مَنْ حَادَ عَنِ البَابِ جَهَلْ

  • أمْ هَلْ سَمِعْتُمْ قَبْلَهُ مِنْ قَائِلٍ***قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ إدْرَاكِ الأجَلْ

  • و أنشد شاعر آخر قائلًا:

  • قَالَ: اسْألُونِي قَبْلَ فَقْدِي وَ ذَا***إبَانَةٌ عَنْ عِلْمِهِ البَاهِرِ

  • لَوْ شِئْتُ أخْبَرْتُ بِمَنْ قَدْ مَضَى***وَ مَا بَقِي في الزَّمَنِ الغَابِر ۱

    1. «المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۲٦۳ إلى ۲٦٦، الطبعة الحجريّة.

معرفة الإمام ج۱۲

247
  • و روى ابن شهرآشوب أيضاً عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في تفسير الآية الشريفة: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ۱ أنّه قال: كَانَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ يَخْشَى اللهَ وَ يُرَاقِبُهُ وَ يَعْمَلُ بِفَرائِضِهِ وَ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ.

  • و روى الصفوانيّ في كتاب «الإحن و المحن» عن الكَلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: لَحْمَ، اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ. عسق، عِلْمُ عَلِيّ سَبَقَ كُلَّ جَمَاعَةٍ وَ تعالى عَنْ كُلِّ فِرْقَةٍ.۲

  • و خاطب الزاهيّ أمير المؤمنين عليه السلام واصفاً بحر علمه الموّاج المتلاطم فقال: