معرفة الإمام ج16 و 17

معرفة الإمام ج16 و 17 مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة آیة الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني

القسم العقائد

المجموعة معرفة الإمام

المجلد16


الخلاصة

مجموعة‌ من‌ البحوث‌ التفسيريّة‌، والفلسفيّة‌، والروائيّة‌، والتأريخيّة‌ والاجتماعيّة‌ في الإمامة‌ والولاية‌ بشكل‌ عامّ، وفي إمامة‌ وولاية‌ أمير المؤمنين‌ علي بن‌ أبي طالب‌ والأئمّة‌ المعصومين‌ سلام‌ الله‌ عليهم‌ أجمعين‌ بشكل‌ خاصّ ؛ وذلك‌ في هيئة‌ دروس‌ استدلاليّة‌ علميّة‌ متّخذة‌ من‌ القرآن‌ الكريم‌ والروايات‌ الواردة‌ عن‌ الخاصّة‌ والعامّة،‌ وأبحاث‌ حليّة‌ ونقديّة‌ عن‌ الولاية‌ .
وتضمّ هذه‌ المجموعة‌ 270 درساً في ثمانية‌ عشر مجلداً. وقد جري فيها مناقشة وبحث مطالب من‌ قبيل‌: العصمة‌، الولاية‌ التكوينيّة‌، لزوم الإمام الحيّ، لزوم متابعة الأعلم، ضرورة‌ وجود الإمام‌ للمجتمع‌، معنى الولاية‌، شرح‌ حجّة‌ الوداع‌، شرح واقعة‌ غدير خمّ، حديث‌ الولاية، حديث المنزلة‌، شرائط‌ القيادة‌، علم الغيب و...
/٤٩٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

1

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

3
  •  

  •  

  • الدَّرسُ السَّادِسُ وَ العُشرُونَ بَعْدَ المائتَين إلى الارْبَعينَ بَعْدَ المائَتَين: تَقَدُّمُ الشِّيعَةِ وَ تَأسِيسُهُمْ جَمِيعِ العُلُومِ مِنْ عَهْدِ الإمامِ البَاقِرِ إلى زَمَانِ الإمَامِ العَسكَرِيّ عَلَيْهِمَا السَّلامُ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • عظمة الكلمات الآفاقيّة و الانفسيّة

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (بِيَدِ الكُتّاب) وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ (تكون حِبراً، و يريد الناس أن يحصوا كلمات الله و موجوداته فإنّهم لا يستطيعون، (لأنّه) ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.۱

  • قال سماحة استاذُنا الأكرم العلّامة الطباطبائيّ في تفسير هذه الآية المباركة: و الظاهر أنّ المراد بالسبعة التكثير دون خصوص هذا العدد.

  • و الكلمة هي اللفظ الدالّ على معنى. و قد اطلق في كلامه تعالى على الوجود المفاض بأمره تعالى. و قد قال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.٢ و قد اطلق على المسيح عليه السلام الكلمة في قوله: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ.٣

  • فالمعنى: و لو جعل جميع أشجار الأرض أقلاماً و اخذ البحر و اضيف

    1. الآية ٢۷، من السورة ٣۱: لقمان.
    2. الآية ۸٢، من السورة ٣٦: يس.
    3. الآية ۱۷۱، من السورة ٤: النساء.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

5
  • إليه سبعة أمثاله، و جُعل المجموع مداداً فكتب كلمات الله- بتبديلها ألفاظاً دالّة عليها- بتلك الأقلام من ذلك المداد لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات الله، لكونها غير متناهية.۱

  • و مع أنّ هذه الآية الكريمة الشريفة كانت في مقام عظمة و كثرة الكلمات الآفاقيّة و الأنفسيّة الإلهيّة المعبَّر عنها بعالم الكون و الوجود، بَيدَ أنّ استعمال لفظ القلم للكتابة، و البحر مداداً لإحصاء موجودات العالم الزاخر بالابّهة و الجلالة، و المليء بعجائب الخلقة و أسرارها اللامتناهية يجعلنا ندرك أهمّيّة القلم و الكتابة بوضوح، و نقف على عظمة و جلال و عمق أئمّة الشيعة و المجتمع الشيعيّ، إذ نهضوا بالأمر منذ البداية و قاموا بتدوين السنّة النبويّة عملًا بكلام رسول الله صلّى الله عليه و آله، على الرغم من الأجواء المشاكسة المناوئة.

  • و كان أئمّة الشيعة روّاد مدرسة العلم و القلم و التدوين. و لم يتحفوا شيعتهم فقط بنور العلم، بل أتحفوا العالم الإسلاميّ كلّه، بل العالم البشريّ بجميع ملله و نحله. و قالوا و كتبوا و بثّوا شعاع العِلم في أقطار العالم عبر المَحبرة و القلم و الكتابة على صفحات الورق الواسعة، و الألواح، و جلود الحيوانات، و جريد النخل (العُسُب)، و عظام الجمال و الأبقار و الأغنام.

  • كلمات قصار للعلماء في عظمة القلم و الكتابة

  • و يحسن بنا- قبل أن ندخل في الحديث حول تدوين آل محمّد عليهم السلام و تصنيفهم- أن نذكر مطالب رائعة أخّاذة للعالم النحرير الشيخ الحسين بن عبد الصمد عزّ الدين الحارثيّ الهمدانيّ العامليّ، الوالد الجليل لشيخنا الأعظم بهاء الدين العامليّ، نقلها في كتابه النفيس في الأخلاق، باب الكتابة. ثمّ ندخل في بحثنا.

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱٦، ص ٢٤٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

6
  • قال: قال بعض العلماء في مدح الكتب: الكُتُبُ بَسَاتينُ العُقَلَاءِ.

  • أي: أنّ جميع الناس غير العقلاء يظنّون أنّ الرياض و الحدائق و البساتين تنحصر بالأراضي المفروشة بالورود و السنابل و الرياحين و الارجوان، في حين يرى العقلاء أنّ رياضهم و حدائقهم الحقيقيّة التجوّل بين الكتب و تصفّحها و النظر في مطالبها البديعة المتنوّعة.

  • و قال بعض البلغاء: الكِتَابُ وِعَاءٌ مَلِيّ عِلْمًا، وَ ظَرْفٌ مَلِيّ ظَرْفاً.

  • و قال بعض الفصحاء: الكُتُبُ أصْدافُ الحِكَمِ تَنْشَقُّ عَنْ جَوَاهِرِ الكَلِمِ.

  • و قال بعضهم: الكِتَابُ بُسْتَانٌ يُحْمَلُ في رُدْنٍ،۱ وَ رَوضَةٌ تُقْلَبُ في حِجْرِ، يَنْطِقُ عَنِ المَوْتَى، وَ يُتَرْجِمُ عَنِ الأحْيَاءِ.

  • و قال الشاعر:

  • ولى جُلَسَاءٌ لَا يُمَلُّ حَدِيثُهُمْ *** ألِبَّاءُ مَأمونُونَ غَيْباً وَ مَشْهَدا

  • يُفيدُونَني مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَنْ مَضَى *** وَ عَقْلًا وَ تَأديباً وَ رأياً مُسَدَّدا

  •  *** 

  • فالحاصل: أنّ المرء يظهر في كتابه مكنون علمه، و يعبِّئ فيه موقر رويّته و فهمه. فيتأتّى له فيه كثير ما لم يتأتَ على لسانه، و لا يتيسّر له أن يعرب عنه ببلاغته و بيانه، لأنّه في الأغلب يكون منفرداً في خلوته، فيكون متفرّغاً لاستعمال بصيرته و فكرته.

  • و لهذا قال بعض الحكماء: كِتَابُ المَرْءِ عُنْوانُ عَقْلِهِ وَ لِسَانُ فَضْلِهِ.

    1. الرُّدْن في« أقرب الموارِد» بضمّ الراء أصل الكُمّ، و كانت العرب تضع فيه الدراهم و الدنانير قال الحريريّ: إذا ثقل رُدني خفّ علَيّ أن أكفُل ابني.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

7
  • و قال بعض العلماء: لَا يَزَالُ المَرْءُ تَحْتَ سِتْرٍ مِنْ عَقْلِهِ حتى يُؤَلِّفَ كِتَاباً أوْ شِعْراً.

  • و قال بعضهم: مَا قَرَأتُ كِتابَ رَجُلٍ إلَّا عَرَفْتُ مِقْدارَ عَقْلِهِ.

  • و قال بعض الملوك: ثَلَاثَةٌ تدلّ على عُقُولِ أرْبَابِهَا: الهَدِيَّةُ، وَ الكِتَابُ، وَ الرَّسُولُ.

  • و قال علي بن أبي طالب عليه السلام: عَقْلُ الكَاتِبِ قَلَمُهُ.

  • و قال مسعدة: الأقْلَامُ مَطَايَا الفِطَنِ.

  • و قال بعضهم: عُقُول الرِّجَالِ تَحْتَ أسِنَّةِ أقْلَامِهِمْ.

  • و على كلّ حال، فالخطّ من أكبر المهمّات الدينيّة و الدنيويّة، و عليه مدار أكثر الامور الدنيّة و العليّة. و لهذا كانت الكتّاب سامتة الملك، و عمّار المملكة، و خزنة الأموال.

  • و ممّا يدلّ على شرفه أنّ الله تعالى أقسم ببعض أدواته و هو القلم، كما أقسم به في قوله تعالى: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ.۱

  • و عدّده الله من نعمه في قوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.٢ فوصف نفسه بأنّه عَلَّمَ بِالقلم، كما وصف نفسه بالكَرَم.

  • و في «منثور الحِكَم»: الدَّوَاةُ مِنْ أنْفَعِ الأدَوَاتِ، وَ الحِبْرُ أجْدَى مِنَ التِّبْرِ.

  • و قال بعض الفضلاء: القَلَمُ أحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَ حُسْنُ الخَطِّ أحَدُ الفَصَاحَتَيْنِ.

  • و قال بعض الحكماء: صُورةُ الخَطِّ في الأبْصَارِ سَوَادٌ، وَ في البَصَائِرِ

    1. الآية ۱، من السورة ٦۸: القلم.
    2. الآية ٤، من السورة ٩٦: العلق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

8
  • بَيَاضٌ.

  • و قال بعضهم: القَلَمُ رُوحُ اليَدِ، وَ لِسَانُ الفِكْرِ.

  • و قال اقليدس: الخَطُّ هَنْدسَةٌ رُوحَانِيَّةٌ وَ إن ظَهَرتْ بِآلَةٍ جَسَدَانِيَّةٍ.

  • و قال بعض العلماء: القَلَمُ صَانِعُ الكَلَام.

  • و قال بعضهم: لَمْ أرَ بَاكِياً أحْسَنَ تَبَسُّماً مِنَ القَلَمِ.

  • و قالوا: جَهْلُ الخَطِّ الزَّمَانَةُ الخَفِيَّةُ.

  • و قال ابن مُقْلَةَ: لَا دِيَةَ عِنْدَنَا لِيَدٍ لَا تَكْتُبُ.

  • و قال ابن البوّاب: اليَدُ التي لَا تَكْتُبُ رِجْلٌ.

  • و قال جعفر بن يحيى: الخَطُّ سِمْطُ الحِكْمَةِ، بِهِ تُفَصَّلُ شُذُورُهَا، وَ يَنْتَظِمُ مَنْثُورُهَا.

  • و قال ابن المُقَفّع: اللِّسَانُ مَقْصُورٌ عَلَى الحَاضِرِ، وَ القَلَمُ عَلَى الشَّاهِدِ وَ الغَابِرِ.۱

  • و قال بعض العلماء: لَا شَيْءَ أفْضَلُ مِنَ القَلَمِ، لأنَّ مُدَّةَ عُمْرِ الإنسَانِ لَا يُمْكِنُ أنْ يُدْرِكَ فِيهَا بِفِكْرِهِ مَا يُدْرِكُ بِقَلَمِهِ.

  • و عن ابن عبّاس في قوله تعالى: «أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ»٢ يَعْنِي الخَطَّ.

  • و عن مجاهد في قوله تعالى: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ».٣ قَالَ:

  • الخَطُّ. و أيضاً: «مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً». يَعْنِي الخَطَّ.

  • و قال بعض الحكماء: القَلَمُ وَ السَّيْفُ حَاكِمَانِ في جَمِيعِ الأشْيَاء،

    1. في منتخبات« البيان و التبيين» للجاحظ، ص ۱۷٩: على القريب الحاضر، و القلم مطلق في الشاهِدِ و الغائب.
    2. الآية ٤، من السورة ٤٦: الأحقاف.
    3. الآية ٢٦٩، من السورة ٢: البقرة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

9
  • وَ لَوْ لا هُمَا مَا قَامَتِ الدُّنْيَا.۱

  • أي: ينبغي إقامة العالم بالقلم و الكتابة و بيان العلوم، و أيضاً بالسلطة العادلة الفاضلة.

  • أجل، استبان ممّا ذكرناه أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله لم يحظر الكتابة، بل كان جادّاً في تدوين السُّنّة، و كان يأمر المؤهَّلين بالكتابة، و يأذن لمن يستأذن فيها.٢

  • روى الخطيب البغداديّ في كتاب «تقييد العلم» بسنده المتّصل عن فايد غلام عبيد الله بن أبي رافع، عن عبيد الله بن أبي رافع قَالَ: كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَأتِي أبَا رَافِعٍ فَيَقُولُ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ كَذَا؟! مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و آلِهِ يَوْمَ كَذَا؟! وَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ألْوَاحٌ يَكْتُبُ فِيهَا.٣

  • و روى بسنده المتّصل عن أبار: أبي حفص، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قَيِّدُوا العِلْمَ! وَ تَقْييدُهُ كِتابُهُ.٤

    1. «نور الحقيقة و نَور الحديقة» تاليف الحسين بن عبد الصمد الهَمْدانيّ، من أحفاد الحارث الأعور الهَمْدانيّ، ولد سنة ٩۱٥، و توفّي سنة ٩۸٥ ه-. ص ۱۰۷ إلى ۱۱۰، الطبعة الاولى، مطبعة سيّد الشهداء عليه السلام. إيران، قم.
    2. قال آية الله الخواجة نصير الدين الطوسيّ في كتاب« آداب المتعلّمين» من كتاب« جامع المقدّمات» ص ۱٩۸، طبعة عبد الرحيم: و ينبغي أن يستصحب( طالب العلم) دفتراً على كلّ حال يطالعه، و قيل: من لم يكن الدفتر في كُمِّهِ لم يثبت الحكمة في قلبه. و ينبغي أن يكون في الدفتر بياض و يستصحب المحبرة ليكتب ما يسمعه كما قال النبيّ صلّى الله عليه و آله لهلال بن يسار حين قرّر له العلم و الحكمة: هَلْ مَعَكَ مِحبَرَةٌ؟!
    3. «تقييد العلم» للحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت، الخطيب البغداديّ، صاحب« تاريخ بغداد» ص ٩۱، الطبعة الثانية، نشر دار إحياء السنّة النبويّة.
    4. «تقييد العلم» ص ٩٢.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

10
  • و روى بسنده المتّصل الآخر عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس قال: خَيْرُ مَا قُيِّدَ بِهِ العِلْمُ الكِتَابُ.۱

  • كلام أبي سعيد في رواية الحديث

  • و روى بسنده الآخر عن أبي المتوكّل قال: سألتُ أبا سعيد الخُدريّ عن التشهّد، فقال: التَّحِيَّاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ.

  • قال أبو سعيد: وَ كُنَّا لَا نَكْتُبُ إلَّا القُرْآنَ وَ التَّشَهُّدَ.٢

  • نلحظ هنا أنّ أبا سعيد يقول: و كان دأبنا ألّا نكتب إلّا القرآن و التشهّد، من جانب الآخر نجد في حديث يلي الحديث المتقدّم أنّ الخطيب يقول بعد روايته إيّاه عن أبي سعيد: و أبو سعيد هو الذي رُوي عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي سِوَى القُرْآنِ، وَ مَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ!

  • و نلحظ هنا من جهة اخرى أنّه يخبر أنّهم كانوا يكتبون التشهّد أيضاً مع القرآن. و هذا دليل على أنّ المراد من النهي عن كتابة غير القرآن هو ما بيّناه سلفاً. أي: شيء يكون نظيراً للقرآن، فيُعرض الناس عن القرآن و يهتمّون به.

  • بَيدَ أنّ أبا سعيد لمّا رأى نفسه آمناً من هذا الخطر، و شعر بالحاجة الماسّة إلى كتابة العلم، لم يَرَ في نفسه كراهة في كتابة العلم كما أنّ الصحابة

    1. «تقييد العلم»، ص ٩٢.
    2. «تقييد العلم» ص ٩٣. من الجدير ذكره أن لا تفاوت بين العامّة و الخاصّة في كيفيّة التشهّد، إلّا أنّ الخاصّة يبدأون بالشهادتَين، ثمّ يعقبونهما بالتحيّات و السلام. أمّا العامّة فيفعلون العكس.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

11
  • لم يكرهوا كتابة التشهّد. و لا يُلحظ بين التشهّد و غير التشهّد فرق عن كافّة العلوم في أنّها جمعياً ليست قرآناً. و العلوم التي دوّنها الصحابة في كتبهم و أمروا بكتابتها كانت على سبيل الاحتياط، كما أنّ كراهتهم الكتابة كانت كذلك. و الله أعلم.

  • الصحابة يكتبون جميع ما يسمعونه من النبيّ صلّى الله عليه و آله

  • و روى الخطيب أيضاً بسنده عن هُبَيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، أو عن رجل آخر أنّه قال: كُنَّا إ ذَا أتَيْنَا أنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَ كَثُرْنَا عَلَيْهِ، أخْرَجَ إلَيْنَا مَجَالَ۱ مِنْ كُتُبٍ، فَقَالَ: هَذِهِ كُتُبٌ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَرَأنَاهَا عَلَيْهِ.٢

  • و بعد أن ذكر الخطيب حديثين آخرين بهذا المضمون، أورد حديثاً آخر عن هُبيرة بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك: إنَّهُ كَانَ إ ذَا حَدَّثَ فَكَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ، جَاءَ بِصِكَاكٍ٣ فَألْقَاهَا إلَيْهِمْ فَقَالَ: هَذِهِ أحَادِيثُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ كَتَبْتُهَا وَ عَرَضْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.٤

  • و روى أيضاً بسند آخر عن عبد الله بن المثنّى قال: حدّثني عمّاي النضر و موسى ابنا أنس عن أبيهما أنس: إنَّهُ أمَرَهُمَا بِكِتَابَةِ الحَدِيثِ

    1. مجالّ: بتشديد اللام، جمع مجلّة. و المجلّة( بالفتح): الصحيفة فيها الحكمة، و كلّ كتاب.(« القاموس» للفيروزآباديّ، ج ٣، ص ٣٦۱).
    2. «تقييد العلم» ص ٩٣ إلى ٩٥.
    3. الصكّ( بتشديد الكاف): الكتاب. و في« النهاية» لابن الأثير ج ٣، ص ٤٣: و في حديث أبي هريرة قال لمروان: أحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ. هي جمع صكّ و هو الكتاب. و ذلك أنّ الامراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم و اعطياتهم كتباً فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها تعجّلًا و يعطون المشتري الصكّ ليمضي و يقبضه، فنهوا عن ذلك، لأنّه بيع ما لم يقبض.
    4. «تقييد العلم» ص ٩٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

12
  • وَ الآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ تَعَلُّمِهَا. وَ قَالَ أنَسٌ: كُنَّا لَا نَعُدُّ عِلْمَ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِلْمَهُ عِلْماً.۱

  • ثمّ نقل الخطيب سبعة أحاديث اخرى عن أنس، و حديثاً عن أبي امامة الباهليّ. و بعد ذلك ذكر حديثاً يدلّ على أنّ الصحابة كان دأبهم في زمن النبيّ صلّى الله عليه و آله أن يكتبوا جميع ما سمعوه من نبيّهم.

  • فقد روى بسنده عن عبد الله بن عمرو أنّه قال: أتيتُ النبيّ صلّى الله عليه و آله مع قومٍ أنا أصغرهم، فسمعته يقول: مَن كَذَبَ عَلَيّ. قال إسحاق [راوي الحديث] و حسبتُه قال: مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ. فأقبلتُ على صاحبي فقلتُ: كَيْفَ تَجْتَرونَ عَلَى الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَدْ سَمِعْتُمْ مَا قَالَ؟!

  • قَالُوا: يَا بْنَ اخْتِنَا! إنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئاً إلَّا وَ هُوَ عِنْدَنَا في كِتَابٍ.٢

  • و ذكر الخطيب هذا المضمون بسند آخر أيضاً، و فيه: مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.٣

  • و بعد أن يُثبت الخطيب أنّ الكتابة كانت متداولة عند بعض الصحابة و التابعين، و هو لم يسمع كلامهم في منع الامّة منها، و فتح فصلًا في رواية التابعين و كتابتهم تحت عنوان «الرواية عن الطبقات الاخرى من التابعين في ذلك». روى فيه بسنده عن أبي المليح، عن أيّوب أنّه قال: يَعِيبُونَ

    1. «تقييد العلم» ص ٩٦.
    2. ( ٢ و ٣)-« تقييد العلم» ص ٩۸. و للعالم المصريّ الواعي الشيخ محمود أبو ريّة كلام مفصّل حول هذا الموضوع في كتاب« أضواء على السنّة المحمّديّة» ص ٦۰، الطبعة الثانية.
      و فيه أنّ أحاديث الطائفة الاولى المنقولة عن كبار الصحابة تخلو من كلمة متعمّداً. و قد ادخلت تدريجيّاً للحؤول دون افتراءاتهم على النبيّ صلّى الله عليه و آله.
    3. ( ٢ و ٣)-« تقييد العلم» ص ٩۸. و للعالم المصريّ الواعي الشيخ محمود أبو ريّة كلام مفصّل حول هذا الموضوع في كتاب« أضواء على السنّة المحمّديّة» ص ٦۰، الطبعة الثانية.
      و فيه أنّ أحاديث الطائفة الاولى المنقولة عن كبار الصحابة تخلو من كلمة متعمّداً. و قد ادخلت تدريجيّاً للحؤول دون افتراءاتهم على النبيّ صلّى الله عليه و آله.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

13
  • عَلَيْنَا الكِتَابَ ثُمَّ تَلَا: عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي في كِتَابٍ»۱

  • و روى بسنده أيضاً عن بَقِيَّة أنّه كان يقول: ربّما سمع مِنّي أرطاة الحديث، و نحن نمشي في السوق، فيقول: أمْلِهِ عَلَيّ! فأقول: في وَسَطِ الطَّرِيقِ؟ فيقول: أ وَ في غَيْرِ اللهِ نَحْنُ؟!٢

  • و روى بسنده عن مَعْمَر قال: حدّثتُ يحيى بن أبي كثير بأحاديث فقال لي: اكتب لي حديث كذا و كذا! فقلتُ: إنَّا نَكْرَهُ أنْ نَكْتُبَ العِلْمَ يَا أبَا نَصْرٍ! فقال: اكْتُبْ لي، فَإن لَمْ تَكُنْ كَتَبْتَ، فَقَدْ ضَيَّعْتَ؛ أوْ قَالَ:

  • عَجَزْتَ.٣

  • و جملة القول: استبان ممّا ذكرناه مفصّلًا في الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب، و أعقبناه بشرح في الجزء الخامس عشر منه أنّ التدوين كان شائعاً غير محظور في عصر النبيّ صلّى الله عليه و آله. و بعده كان الخلاف فيه شديداً بين عمر و بعض الصحابة من جهة، و بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و بعض الصحابة الآخرين من جهة اخرى. فكان عمر يقول: إذا دُوِّنت السنّة فإنّ الناس يُقبلون عليها و ينشغلون بقراءتها فيُهْجَر كتاب الله، أو تشتبه السنّة بالقرآن في التدوين و يحدث خلط بينهما.

  • و كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا خطر في ذلك أبداً.

  • فتدوين السنّة منفصل عن تدوين القرآن. و لا بدّ أن تُدَوَّن السنّة، و إلّا يبقى

    1. «تقييد العلم» ص ۱۱۰، و في الهامش: مثله باللفظ من حمّاد بن زيد في« سنن الدارميّ» ج ۱، ص ۱٢٦؛ و« جامع بيان العلم» ج ۱، ص ۷٣. و فيهما: أيّوب عن أبي المليح: و كان أيّوب يكتب. انظر:« تاريخ دمشق» ج ٣، ص ٢۱٢. و الآية هي: الآية ٥٢، من السورة ٢۰: طه.
    2. «تقييد العلم»، ص ۱۱۰.
    3. «تقييد العلم»، ص ۱۱۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

14
  • القرآن بلا ترجمان و بلا بيان و تفسير. لهذا كان عليه السلام دائم الاشتغال في التدوين، و كان يأمر به مؤكِّداً.

  • خلاف العامّة في صيغة التشهّد

  • و قد قالوا، و كتبوا، و نشروا فلم يحدث خطر قطّ، و ظلّت السنّة حيّةً صريحةً عند أتباعه و مواليه. أمّا عند الطرف المخالف، حيث تُركت السُّنّة بلا تدوين، فإنّ الفقر العلميّ قد عمّ الأرجاء. و بعد موت الصحابة و مجيء التابعين لم يكن هناك من ينقل السنّة للُامّة، اللهمّ إلّا محفوظات كان التابعون قد أخذوها من الصحابة، و مُنيت بضروب من الخطأ و الخلط و النسيان بسبب طول المدّة. يضاف إليه أنّهم لمّا أجازوا النقل بالمعنى في الأحاديث، و لم يكن هناك تدوين، فإنّهم نقلوا الموضوع الواحد بألفاظ متفاوتة، حتى أنّ العامّة رووا التشهّد بتسعة ألفاظ، و اختلفوا في صلاة

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

15
  • ... ۱

    1. تحدّث الفقيه المصريّ المتنوّر الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه المفيد« أضواء على السنّة المحمّديّة» ص ۸٢ إلى ۸٦، الطبعة الثالثة، دار المعارف بمصر، عن اختلاف العلماء في جواز رواية الحديث بالمعنى، لا باللفظ. و ذكر صيغ التشهّدات في الصلاة و كانت من أهمّ الامور، و كان المسلمون يسمعونها كلّ يوم بلفظ رسول الله صلّى الله عليه و آله عدّة مرّات، و يحفظونها في أذهانهم. مضافاً إلى أنّ أحاديث عديدة قد وردت و فيها: أنّنا ما كنّا نكتب حديثاً، بل كنّا نكتب قرآناً و تشهّداً. و مع ذلك فقد وردت كيفيّة التشهّد عند السنّة بتسعة طرق، و كلّهم ذكروا أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله كان يقرأه بصيغة واحدة فحسب، و يعلّمه الصحابة.
      و ننقل فيما يأتي كلامه نصّاً لمزيد الإطّلاع: صيغ التشهّدات: تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُود: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: علّمني رسول الله التشهّد و كفى بكفّه كما يعلّمني السورة من القرآن: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَ الصَّلَواتُ وَ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أشْهَدُ أنَّ محَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ. و كذلك رواه أصحاب السنن.
      و في رواية: و لقّنيه كلمة كلمة. و في رواية: إذا قلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيتَ صلاتك! و قد اختاره أبو حنيفة و أحمد و أصحاب الحديث و أكثر العلماء. تشهّد ابن عبّاس: روى مسلم و أصحاب السنن عن ابن عبّاس، و كذلك روى الشافعيّ في« الامّ» قال: كان رسول الله يعلّمنا كما يعلّمنا السورة من القرآن فيقول: قولوا: التَّحِيِّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَات لِلَّهِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ أشْهَدُ أنَّ محَمَّداً رَسُولُ اللهِ.
      تشهّد عمر بن الخطَّابِ: روى مالك في« الموطّأ» عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه سمع عمر بن الخطّاب و هو على المنبر يقول: قولوا:
      التَّحِيِّاتُ الزَّاكِيَّاتُ لِلَّهِ. الطَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ لِلَّهِ.
      و رواية السرخسيّ في« المبسوط»: التَّحِيِّاتُ النَّامِيَاتُ الزَّاكِيَاتُ المُبَارَكَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ.
      قال مالك: أفضل التشهّد تشهّد عمر بن الخطّاب، لأنّ عمر قاله على المنبر بمحضر من الصحابة فلم ينكروه عليه إجماعاً. و رواه أبو داود و ابن مردويه مرفوعاً.
      تشهّد أبي سعيد الخُدْرِيّ: التَّحِيَّاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ أشْهَدُ أنَّ محَمَّداً رَسُولُ اللهِ. قال أبو سعيد: و كنّا لا نكتب إلّا القرآن و التشهّد! ۱
      تشهّد جابر: و في حديث جابر المرفوع عند النسائيّ و ابن ماجة و الترمذيّ في« العلل» بلفظ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعَلِّمنا التَّشَهُّدَ كَما يُعَلِّمُنَا السَّورَةَ مِنَ القُرآنِ: بِاسْمِ اللهِ، وَ بِاللهِ التَّحِيَّاتُ ... إلى آخره. و صحّحه الحاكم.
      تشهّد عائشة: روى مالك في« الموطّأ» عن عائشة زوج النبيّ أنّها كانت تقول إذا تشهّدت: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ. فتُسقط لِلَّهِ عقيب التَّحِيَّاتُ وَ الصَّلَواتُ بخلاف ما في حديث عمرو ابن مسعود من إثباتهما، و هي مرفوعة. و زادت على حديث عمر وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. و كذلك تثبت هذه الزيادة في حديث أبي موسى مرفوعاً عند مسلم.
      تشهّد أبي موسى الأشعريّ: روى مسلم و أبو داود أنّ التشهّد عند أبي موسى:
      التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ لِلَّهِ. و فيه: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ٢
      تشهّد سَمُرَة بن جندب: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ وَ الصَّلَواتُ وَ المُلْكُ لِلَّهِ ... إلى آخره.
      تشهّد ابْنِ عُمَر: روى مالك في« الموطّأ» عن نافع، عن ابن عمر أنّه كان يتشهّد فيقول:
      بِاسْمِ اللهِ( في أوّله) التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَواتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيّ بإسقاط( كاف الخطاب و لفظ أيّها) ... إلى آخره. و قال فيه: فإذا قضى تشهّده و أراد أن يسلّم قال: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. و هذه زيادة تكرير في التشهّد.
      و رواية السَّلَامُ عَلَى النَّبِيّ التي جاءت في هذا التشهّد قد وردت في رواية البخاريّ عن ابن مسعود في باب الاستئذان فقد قال في آخره: وَ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ و هو بين ظهرانينا. فلمّا قضى قلنا: السَّلَامُ يعني على النبيّ.
      و قال السُّبكيّ في« شرح المنهاج»: إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أنّ الخطاب في السلام بعد النبيّ غير واجب فيقال: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيّ. قال الحافظ: قد صحّ بلا ريب. قال عبد الرزّاق: أخبرنا ابن جريح، أخبرنا عطاء أنّ الصحابة كانوا يقرأون و النبيّ حيّ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ. فلمّا مات قالوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيّ. و هذا إسناد صحيح. و لهذا الاختلاف ٣ قال القاضي: هذا يدلّ على أنّه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهّدات المرويّة صحّ التشهّد. فعلى هذا يجوز أن يقال: أقلّ ما يجزئ في التشهّد: التَّحِيِّاتُ لِلَّهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيّ وَ رَحْمَةُ اللهِ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ اللهُ وَ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أوْ: أنَّ محَمَّداً رَسُولُ اللهِ.
      هذه تسعة تشهّدات ٤ وردت عن الصحابة و قد اختلفت ألفاظها، و لو أنّها كانت من الأحاديث القوليّة التي رويت بالمعنى لقلنا عسى! و لكنّها من الأعمال المتواترة التي كان يؤدّيها كلّ صحأبي مرّات كثيرة كلّ يوم و هم يعدّون بعشرات الالوف. و ممّا يلفت النظر أنّ كلّ صاحب تشهّد يقول: إن الرسول كان يعلّمه التشهّد كما يعلّمهم، و أنّ تشهّد عمر قد ألقاه من فوق منبر رسول الله، و الصحابة جميعاً يسمعون فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال، كما ذكر مالك في« الموطّأ».
      و ممّا يلفت النظر كذلك أنّ هذه التشهّدات على تباين ألفاظها و تعدّد صيغها و كثرة رواتها قد خلت كلّها من الصلاة على النبيّ فكأنّ الصحابة كانوا- كما قال إبراهيم النخعيّ- يكتفون بالتشهّد و السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة الله.
      و لقد اختلفت الأئمّة في وجوب الصلاة على النبيّ في الصلاة المفروضة فأبو حنيفة و أصحابه لا يوجبونها فيها. و أمّا الشافعيّ فقد جعلها شرطاً! و في« البحر الزاخر» لابن نجيم:
      و أمّا موجب الأمر في قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ فهو افتراضها في العمر مرّة واحدة في الصلاة أو خارجها، لأنّ الأمر لا يقتضي التكرار و هذا بلا خلاف.
      و قد قال بذلك السرخسيّ في« المبسوط» و ابن همّام في شرح« فتح القدير»، و القسطلانيّ في« إرشاد الساري». و قال القاضي عيّاض في« الشفاء». و قد شذّ الشافعيّ فقال:
      من لم يصلّ عليه فصلاته فاسدة، و لا سلطان له في هذا القول و لا سنّة يتّبعها، و شنّع عليه في ذلك جماعة منهم الطبريّ و القشيريّ. و خالفه من أهل مذهبه الخطابي فقال: إنّها ليست بواجبة و لا أعلم له فيها قدوة. و التشهّدات المرويّات عن الصحابة لم يذكر فيها ذلك. أمّا حديث لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيّ فقد ضعّفه أهل الحديث. و حديث ابن مسعود مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَيّ وَ عَلَى أهْلِ بَيْتِي لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ فقد قال الدارقطنيّ: إنّه مِن قول أبي جعفر محمّد الباقر بن على بن الحسين. و نصّ قوله لَوْ صَلَّيْتُ صَلَاةً لَمْ اصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ[ وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ وَ لَا عَلَى أهْلِ بَيْتِهِ لَرَأيْتُ أنَّهَا لَا تَتِمُّ. ٥
      كان هذا تفصيل كلام الشيخ محمود أبو ريّة. و مع أنّه من العامّة إلّا أنّنا نلحظ كيف يضعضع أساس الأحاديث المنقولة عن العامّة. من هنا، فإنّ أحاديثهم لا تستند على دعامة قويّة.
      و تحامل عليه محمّد عجّاج الخطيب و تهجّم في كتاب« السنّة قبل التدوين» ص ۱٣۸ إلى ۱٤۰، في سياق الأحاديث المنقولة بالمعنى. و سمّاه مفترياً و مدّعياً بلا برهان. و نقل مطالب من كتاب« الأنوار الكاشفة» ص ۸٣ لمؤلّفه عبد الرحمن بن يحيى المعلّميّ اليمانيّ الذي ألّفه ردّاً على كتاب« الأضواء»، و من كتاب« ظُلُمات أبي ريّة» لمحمّد عبد الرزّاق حمزة، ص ٦۸ إلى ٩٩، و قد ألّفه ردّاً على الشيخ محمود أيضاً. و هذه المطالب لا تقاس بكلام أبي ريّة و مؤاخذاته أبداً. و ما هي إلّا هفوات لا تقيم برهاناً أمام استدلاله المتين على أصل ضعف الأحاديث الواردة في« صحيح البخاريّ» و« صحيح مسلم» و سائر صحاح العامّة و سننهم و مسانيدهم.
      قال في هامش ص ۱٣۸: افتتح أبو ريّة موضوعه هذا فقال: يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم، و لا علم عندهم بالخبرة أنّ أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب، أو يسمعونها ممّن يتحدّثون بها قد جاءت صحيحة المبنى محكمة التأليف، و أنّ ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونةً كما نطق النبيّ بها، بلا تحريف و لا تبديل، و كذلك يحسبون أنّ الصحابة و من جاء بعدهم ممّن حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصّها كما سمعوها، و أدّوها على وجهها كما لقنوها، فلم ينلها تغيّر و لا اعتراها تبديل، و ممّا وقر في أذهان الناس أنّ هؤلاء الرواة قد كانوا جميعاً صنفاً خاصّاً بين بني آدم في جودة الحفظ و كمال الضبط و سلامة الذاكرة ... و لقد كان و لا جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين- إلَّا مَنْ عَصَمَ رَبُّكَ- فاعتقدوا أنّ هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز، من وجوب التسليم بها، و فرض الإذعان لأحكامها، بحيث يأثم أو يرتدّ أو يفسق من خالفها، و يستتاب من أنكرها أو شكّ فيها. انظر:« أضواء على السنّة المحمّديّة»، ص ٥٤، و لا مجال للردّ على فريته هذه هنا، و سيظهر لنا اهتمام النقّاد و الرواة و ضبطهم في الفصول التالية من هذا الكتاب.
      و لقد أمعنتُ النظر كثيراً في جميع مطالبه المذكورة في كتابه الذي يربو على خمسمائة صفحة فلم أعثر على كلام رصين و منطق محكم يمكن أن يصمد أمام منطق أبي ريّة. و ها أنّي أترك الدور لكم فابحثوا وقفوا على وهن كلامه! و أمّا التشهّدات التسعة التي نقلها محمّد عجّاج ثمانيةً خطاً، فإنّ الجواب الذي أتى به من عبد الرحمن اليمانيّ في« الأنوار الكاشفة في الردّ على أبي ريّة» هو: هذه التشهّدات كلّها صحيحة و كان النبيّ يعلّم أصحابه التشهّد بألفاظ مختلفة،( ص ۱٤۰). و قال في هامش هذه الصفحة بعد إشكال أبي ريّة على تعدّد التشهّد( انظر:« أضواء على السنّة» ص ٦٣): إنّه يريد أن يشكّكنا حتى فيما نتعبّد به و فيما ثبت متواتراً. و الردّ على أبي ريّة و على دعواه في طيّ عبارته. فلو تجرّد و انطلق إلى افق أوسع من افُقه ما استغرب تعدّد هذه الصيغ و لا فتح على المسلمين باب الشكّ و الريبة و لا شكّك في الصحابة حفظة الشريعة و حرّاسها.
      أجل، إن بطلان جواب اليمانيّ حول تعدّد ألفاظ التشهّد المُجزية كلّها، و التي أيّدها محمّد عجّاج، أمر واضح بيّن، ذلك أنّ الذي يستبين من سيرة العامّة و تأريخهم أنّهم كانوا يرون أنّ تشهّداً خاصّاً واحداً مُجزٍ، و غيره باطل. فلهذا أخذ كلّ مذهب بتشهّد واحد بخصوصه. و لو قُدِّر أنّ مطلق التشهّد يكفي، و أنّ التشهّدات جميعها صحيحة و مُجزية عندهم، لما كان لهذا الصراع وجود موضوعيّ. و كلام عمر على المنبر، و كلام أبي موسى الأشعريّ، و غيرهما يدلّ على إلزام المأمومين بتشهّد واحد كانوا يقرأونه و قد سمعوه من النبيّ، و غيره لا يُجزي و الصلاة به باطلة.
      ( ۱) و كنّا لا نكتب إلّا القرآن و التشهّد.« تقييد العلم» للخطيب البغداديّ، ص ٩٣.
      ( ٢) عن حطّان بن عبد الله الرقاشيّ قال: صلّيتُ مع أبي موسى الأشعريّ و بعد الصلاة قال: أ ما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله خطبنا فبيّن لنا سُنننا، و علّمنا صلاتنا و ذكر التشهّد، فإذا هو التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ ... إلى آخره،« صحيح مسلم» ج ٢، ص ۱٣.
      ( ٣)« المغني»؛ و« الشرح الكبير» ج ۱، ص ٥۷٥.
      ( ٤) هذا ما أمكن إحصاؤه من التشهّدات و لم يتّفق أئمّة الفقه على تشهّد واحد منها، بل اختلفوا فيها، فاختار أبو حنيفة و أحمد تشهّد ابن مسعود. و اختار مالك تشهّد عمر بن الخطّاب، و اختار الشافعيّ تشهّد ابن عبّاس.
      ( ٥)« الشفاء» ج ٢، ص ٥٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

16
  • الميِّت و لم يعلموا كم تكبيرة واجبة فيها،۱ مع أنّهم كانوا ملازمين للنبيّ صلّى الله عليه و آله و يأتمون به في الصفّ الأوّل. أو أنّهم كانوا يصلّون مع

    1. قال آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب« النصّ و الاجتهاد» ص ٢۱٢، المورد ٢۷، الطبعة الثانية، في بيان مخالفات عمر لنصوص النبيّ صلّى الله عليه و آله: و ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله كان يكبّر على الجنائز خمساً، لكن الخليفة الثاني راقه أن يكون التكبير في الصلاة عليها أربعاً، فجمع الناس على الأربع. نصّ على ذلك جماعة من أعلام الامّة كالسيوطيّ( نقلًا عن العسكريّ) حيث ذكر أوليات عمر من كتابه« تاريخ الخلفاء»، و ابن الشحنة، حيث ذكر وفاة عمر سنة ٢٣ من كتابه« روضة المناظر» المطبوع في هامش« تاريخ ابن الأثير» و غيرهما من أثبات المتَّبعين. و حسبك ما في كتاب« الديمقراطيّة» لمؤلّفه الاستاذ خالد محمّد خالد ممّا أوردناه آنفاً في مبحث الطلاق الثلاث فراجع. و قد أخرج الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم عن عبد الأعلى، قال: صلّيتُ خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر خمساً. فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده، فقال:
      أ نسيتَ؟ قال: لا، و لكنّي صلّيت خلف أبي القاسم خليلي صلّى الله عليه و آله فكبّر خمساً، فلا أتركه أبداً- انتهى.(« مسند الإمام أحمد بن حنبل» ج ٤، ص ٣۷۰).
      قلتُ: و صلّى زيد بن أرقم على سعد بن جبير المعروف بسعد بن حبته و هي امّه، و هو من الصحابة، فكبّر على جنازته خمساً، فيما رواه ابن حجر في ترجمة سعد من إصابته.
      و رواه ابن قتيبة في أحوال أبي يوسف من معارفه. و كان سعد هذا جدَّ أبي يوسف القاضي.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

17
  • نبيّهم على موتى المسلمين مراراً. و لكن لمّا لم يكن هناك باعث على الحفظ أو التدوين، أو أنّ الصَّفْقَ في الأسْوَاقِ قد شغلهم، لذا لم يبق عندهم مجال لتنظيم شئونهم العباديّة و الدينيّة و ضبطها و تثبيتها.

  • أجل، لقد سلك العامّة و أهل السنّة مسلكهم، و قصّروا، بل تقاعسوا و تكاسلوا في أمر التدوين حتى رأوا أنّ السيفَ قد سبق العَذَل، و أنّ سنّة رسول الله صلّى الله عليه و آله التي خالوا أنّهم اولو الأمر عليها قد اندثرت. لهذا اجبروا وفقاً لضرورة التأريخ على اتّباع الشيعة في تدوين السنّة و التصنيف فيها. و قد تأخّر هذا الموضوع، كما رأينا أنّهم قد اشتغلوا فيه إبّان منتصف القرن الثاني الهجريّ. أي: تأخّروا عن تدوين الكتب الاولى للسنّة قرناً و نصف، لذلك تخلّف العامّة عن الخاصّة قرناً و نصف في تدوين السُّنّة و العلوم النبويّة. و قد أدّى هذا التخلّف و التأخير في التدوين و ما نتج عنه من آثار سيّئة ذميمة إلى اختلاف مذاهب العامّة حتى اضطرّوا إلى حصرها و تصفيدها في أربعة مذاهب.

  • تدوين الشيعة الحديث اقتداءً بأئمّتهم

  • قال العالم الخبير و الباحث الجليل القدير آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ:

  • ۱- إن اولي الألباب ليعلمون بالضرورة انقطاع الشيعة الإماميّة خلفاً عن سلف في اصول الدين و فروعه إلى العترة الطاهرة. فرأيهم تَبَع لرأي الأئمّة من العترة في الفروع و الاصول و سائر ما يؤخذ من الكتاب و السُّنّة أو يتعلّق بهما من جميع العلوم لا يعوّلون في شيء من ذلك إلّا عليهم، و لا يرجعون فيه إلّا إليهم، فهم يدينون الله تعالى، و يتقرّبون إليه سبحانه بمذهب أئمّة أهل البيت، لا يجدون عنه حِوَلًا و لا يرتضون بدلًا.

  • على ذلك مضى سلفهم الصالح من عهد أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ذرّية الحسين عليه السلام إلى زماننا هذا. و قد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

18
  • أخذ الفروع و الاصول عن كلّ واحد منهم جمّ من ثقات الشيعة و حفّاظهم وافر، و عدد من أهل الورع و الضبط و الإتقان يربو على التواتر. فرووا ذلك لمن بعدهم على سبيل التواتر القطعيّ، و من بعدهم رواه لمن بعده على هذا السبيل. و هكذا كان الأمر في كلّ خلف و جيل، إلى أن انتهى الينا كالشمس الضاحية ليس دونها حجاب. فنحن الآن في الفروع و الاصول على ما كان عليه الأئمّة من آل الرسول، روينا بقضّنا و قضيضنا مذهبهم عن جميع آبائنا. و روى جميع آبائنا ذلك عن جميع آبائهم. و هكذا كانت الحال في جميع الأجيال إلى زمن النَّقِيَّينِ العَسْكَريَّينِ، وَ الرِّضَاءَيْنِ الجَوَادَيْنِ، وَ الكَاظِمَيْنِ الصَّادِقَيْنِ، وَ العَابِدَيْنِ البَاقِرَيْنِ، وَ السِّبْطَيْنِ الشَّهِيدَيْنِ، وَ أميرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

  • أئمّة العامّة الاربعة من الناس العاديّين في أعصارهم

  • فلا نحيط الآن بمن صحب أئمّة أهل البيت من سلف الشيعة، فسمع أحكام الدين منهم، و حمل علوم الإسلام عنهم. و إن الوسع ليضيق عن استقصائهم و عددهم. و حسبك ما خرج من أقلام أعلامهم من المؤلَّفات الممتعة التي لا يمكن استيفاء عدّها في هذا الإملاء! و قد اقتبسوها من نور أئمّة الهدى من آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم و اغترفوها من بحورهم، سمعوها من أفواههم، و أخذوها من شفاههم. فهي ديوان علمهم، و عنوان حكمهم، الِّفت على عهدهم فكانت مرجع الشيعة من بعدهم. و بها ظهر امتياز مذهب أهل البيت على غيره من مذاهب المسلمين. فإنّا لا نعرف أنّ أحداً من مقلّدي الأئمّة الأربعة مثلًا ألَّف على عهدهم كتاباً في أحد مذاهبهم. و إنّما ألّف الناس على مذاهبهم فأكثروا بعد انقضاء زمنهم و ذلك حيث تقرّر حصر التقليد فيهم، و قصر الإمامة في الفروع عليهم، و كانوا أيّام حياتهم كسائر مَن عاصرهم من الفقهاء و المحدّثين، لم يكن لهم امتياز على من كان في طبقتهم. و لذلك لم يكن

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

19
  • على عهدهم من يهتمّ بتدوين أقوالهم، اهتمام الشيعة بتدوين أقوال أئمّتها المعصومين- على رأيها- فإنّ الشيعة من أوّل نشأتها لا تبيح الرجوع في الدين إلى غير أئمّتها، و لذلك عكفت هذا العكوف عليهم، و انقطعت في أخذ معالم الدين إليهم. و قد بذلت الوسع و الطاقة في تدوين كلّ ما شافهوها به، و استفرغت الهمم و العزائم في ذلك بما لا مزيد عليه، حفظاً للعلم الذي لا يصحّ- على رأيها- عند الله سواه.

  • و حسبك ممّا كتبوه أيّام الصادق عليه السلام تلك الاصول الأربعمائة، و هي أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، كتبت من فتاوى الصادق على عهده. و لأصحاب الصادق غيرها هو أضعافها، كما ستستمع تفصيله قريباً إن شاء الله تعالى.

  • أمّا الأئمّة الأربعة فليس لهم عند أحدٍ من الناس منزلة أئمّة أهل البيت عند شيعتهم، بل لم يكونوا أيّام حياتهم بالمنزلة التي تبوّأوها بعد وفاتهم، كما صرّح به ابن خلدون المغربيّ في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدّمته الشهيرة. و اعترف به غير واحد من أعلامهم.

  • و نحن مع ذلك لا نرتاب في أنّ مذاهبهم إنّما هي مذاهب أتباعهم التي عليها مدار عملهم في كلّ جيل. و قد دوّنوها في كتبهم، لأنّ أتباعهم أعرف بمذاهبهم، كما أنّ الشيعة أعرف بمذهب أئمّتهم الذي يدينون الله بالعمل على مقتضاه، و لا تتحقّق منهم نيّة القربة إلى الله بسواهُ.

  • ٢- و إن الباحثين ليعلمون بالبداهة تقدّم الشيعة في تدوين العلوم على من سواهم، إذ لم يتصدّ لذلك في العصر الأوّل غير عليّ و اولي العلم من شيعته. و لعلّ السرّ في ذلك اختلاف الصحابة في إباحة كتابة العلم و عدمها.

  • فكرهها- كما عن العسقلانيّ في مقدّمة «فتح الباري» و غيره- عمر بن الخطّاب و جماعة آخرون، خشية أن يختلط الحديث في الكتاب. و أباحه

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

20
  • عليّ و خلفه الحسن السبط المجتبى و جماعة من الصحابة. و بقي الأمر على هذه الحال حتى أجمع أهل القرن الثاني في آخر عصر التابعين على إباحته.

  • و حينئذٍ ألّف ابن جريح كتابه في الآثار عن مجاهد و عطاء بمكّة.

  • و عن الغزّاليّ أنّه أوّل كتاب صُنّف في الإسلام. و الصواب أنّه أوّل كتاب صنّفه غير الشيعة من المسلمين. و بعده كتاب معتمر بن راشد الصنعانيّ باليمن. ثمّ «موطّأ مالك». و عن مقدّمة «فتح الباري» أنّ الربيع بن صبيح أوّل من جمع. و كان في آخر عصر التابعين. و على كُلٍّ، فالإجماع منعقد على أنّه ليس لهم في العصر الأوّل تاليف.

  • أمّا عليّ و شيعته، فقد تصدّوا لذلك في العصر الأوّل. و أوّل شيءٍ دوّنه أمير المؤمنين كتاب الله عزّ و جلّ.

  • و أسهب السيّد شرف الدين هنا في الحديث عن قرآن أمير المؤمنين، و مصحف فاطمة،۱ و صحيفة الديات التي دُوّنت بيده المباركة. و بعد ذلك ذكر مؤلّفي الشيعة في عصره كسلمان، و أبي ذرّ الغفاريّ على ما نقل ابن شهرآشوب. كما ذكر أبا رافع، و عليّ بن أبي

    1. يُستفاد من كلام آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام كان لها خطّ، و أنّ مصحفها كان بخطّ يدها. قال في سياق مسائل طرحها: هل كانت السيّدة فاطمة عليها السلام، و سائر نساء العترة الطاهرة امّيّات أو لا!! و هل يقضي العقل بعصمتهنّ قولًا و فعلًا؟! الجواب: يظهر من بعض الأخبار أنّ السيّدة فاطمة عليها السلام لم تكن امّيّة، و ذلك قول الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام لبعض ولد الحسن عليه السلام لمّا أجاب الصادق عن مسألة غامضة سأله عنها أمير المدينة بأمر خليفة الوقت العبّاسيّ: من أين علمتَ هذا! قال: قَرَأتُ في كِتَابِ امِّكَ فَاطِمَةَ. و لعلّ المتتبّع يعثر على غير هذا. أمّا سائر نساء العترة فيجوز أن يكون فيهنّ الامّيّة و غيرها. و حالهنّ في ذلك حال سائر نساء الامّة. أمّا العصمة فليست ثابتة لغير البضعة الزهراء عليها السلام.(« معادن الجواهر و نزهة الخواطر» ج ۱، ص ٤۱۷، مسألة ٥).

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

21
  • رافع، و عبيد الله بن أبي رافع، و ربيعة بن سميع، و عبد الله بن الحرّ الفارسيّ، و الأصبغ بن نباتة، و سُلَيم بن قيس الهلاليّ.۱

  • تدوين الشيعة التابعين للحديث

  • ثمّ دخل في الحديث عن المؤلّفين من الطبقة الثانية، فقال:

  • ٣- و أمّا مؤلِّفوا سلفنا من أهل الطبقة الثانية- طبقة التابعين- فإنّ مراجعتنا هذه لتضيق عن بيانهم. و المرجع في معرفتهم و معرفة مصنّفاتهم و أسانيدها إليهم على التفصيل إنّما هو فهارس علمائنا و مؤلّفاتهم في تراجم الرجال.

  • سطع- أيّام تلك الطبقة- نور أهل البيت، و كان قبلها محجوباً بسحائب ظلم الظالمين، لأنّ فاجعة الطفّ فضحت أعداء آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم، و أسقطتهم من أنظار اولي الألباب، و لفتت وجوه الباحثين إلى مصائب أهل البيت منذ فقدوا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و اضطرّت الناس بقوارعها الفادحة إلى البحث عن أساسها، و حملتهم على التنقيب عن أسبابها، فعرفوا جذرتها و بذرتها. و بذلك نهض اولو الحميّة من المسلمين إلى حفظ مقام أهل البيت و الانتصار لهم، لأنّ الطبيعة لبشريّة تنتصر بجبلّتها للمظلوم، و تنفر من الظالم. و كأنّ المسلمين بعد تلك الفاجعة دخلوا في دور جديد، فاندفعوا إلى موالاة الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، و انقطعوا إليه في فروع الدين و اصوله، و في كلّ ما يؤخذ من الكتاب و السنّة من سائر الفنون الإسلاميّة، و فزعوا من بعده إلى ابنه الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام.

    1. تحدّثنا بصورة وافية عن كتب أمير المؤمنين عليه السلام و شيعته المعاصرين له في الجزاء ۱٤ من كتابنا هذا، الدرس ۱٩٦ إلى ٢۰۰، و الدرس ٢۰۱ إلى ٢۱۰؛ و كذلك في ج ۱٥، الدرس ٢۱۱ إلى ٢٢٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

22
  • و كان أصحاب هذين الإمامين «العابِدَيْنِ الباقِرَين» من سلف الإماميّة الوفاً مؤلَّفة لا يمكن إحصاؤهم، لكن الذين دوّنت أسماؤهم و أحوالهم في كتب التراجم من حملة العلم عنهما يقاربون أربعة آلاف بطل، و مصنّفاتهم تقارب عشرة آلاف كتاب أو تزيد، رواها أصحابنا في كلّ خَلَفٍ عنهم بالأسانيد الصحيحة. و فاز جماعة من أعلام اولئك الأبطال بخدمتهما و خدمة بقيّتهما الإمام الصادق عليه السلام. و كان الحظّ الأوفر لجماعة منهم فازوا بالقِدح المعلّى علماً و عملًا.

  • فمنهم: أبو سعيد أبان بن تَغْلِب بن رِباح الجريريّ القارئ الفقيه المحدِّث المفسِّر الاصوليّ اللغويّ المشهور. كان من أوثق الناس. لقي الأئمّة الثلاثة (السجّاد، و الباقر، و الصادق عليهم السلام) فروى عنهم علوماً جمّة، و أحاديث كثيرة. و حسبك أنّه روى عن الصادق خاصّة ثلاثين ألف حديث،۱ كما أخرجه الميرزا محمّد في ترجمة أبان من كتاب «منتهى المقال» بالإسناد إلى أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام. و كان له عندهم حظوة و قدم.

  • قال له الباقر عليه السلام، و هما في المدينة الطيّبة: اجْلِسْ في المَسْجِدِ وَ أفْتِ النَّاسَ! فإنّي احِبُّ أنْ يُرَى في شِيعَتِي مِثْلُكَ!

  • و قال له الصادق عليه السلام: نَاظِرْ أهْلَ المدينَةِ! فإنّي احِبُّ أنْ يَكُونَ مِثْلُكَ مِنْ رُوَاتِي وَ رِجَالِي!

  • و كان إذا قدم المدينة تقوّضت إليه الخلق، و اخليت له سارية النبيّ صلّى الله عليه و آله. و قال الصادق عليه السلام لسليم بن أبي حبّة: إئْتِ أبَانَ بْنَ تَغْلِبَ فَإنَّهُ سَمِعَ مِنِّي حَدِيثاً كَثِيراً! فَمَا رَوَي لَكَ فَارْوِهِ عَنِّي! و قال

    1. نصّ على ذلك أئمّة الفنّ كالشيخ البهائيّ في وجيزته، و غير واحد من أعلام الامّة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

23
  • عليه السلام لأبان بن عثمان: إن أبَانَ بْنَ تَغْلِبَ رَوَى عَنِّي ثَلاثِينَ ألْفَ حَدِيثٍ فَارْوِهَا عَنْهُ.

  • و كان إذا دخل أبان على الصادق يعانقه و يصافحه، و يأمر بوسادة تثني له، و يُقبل عليه بكلّه. و لمّا نُعي إليه قال عليه السلام: أمَا وَ اللهِ لَقَدْ أوْجَعَ قَلْبِي مَوْتُ أبَانٍ. و كانت وفاته سنة إحدى و أربعين و مائة.

  • و لأبان روايات عن أنس بن مالك، و الأعمش، و محمّد بن المنكدر، و سَمّاك بن حرب، و إبراهيم النخعيّ، و فضيل بن عمرو، و الحكم. و قد احتجّ به مسلم و أصحاب السنن الأربعة كما بيّناه، إذ أوردناه في المراجعة ۱٦. و لا يضرّه عدم احتجاج البخاريّ به، فإنّ له اسوةً بأئمّة أهل البيت، الصادق، و الكاظم، و الرضا، و الجواد التقيّ، و الهادي النقيّ، و الحسن العسكريّ الزكيّ، إذ لم يحتجّ بهم، بل لم يحتجّ بالسبط الأكبر سيّد شباب أهل الجنّة.

  • نعم، احتجّ بمروان بن الحكم، و عمران بن حطّان، و عكرمة البربريّ، و غيرهم من أمثالهم فَإنَّا لِلَّهِ وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

  • و لأبان مصنّفات ممتعة، منها كتاب تفسير «غريب القرآن الكريم» أكثر فيه من شعر العرب شواهد على ما جاء في الكتاب الحكيم. و قد جاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمّد الأزديّ الكوفيّ، فجمع من كتاب أبان، و محمّد بن السائب الكلبيّ، و ابن روق عطيّة بن الحارث، فجعله كتاباً واحداً بيّن ما اختلفوا فيه، و ما اتّفقوا عليه. فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، و تارةً يجيء مشتركاً على ما عمله عبد الرحمن. و قد روى أصحابنا كلًّا من الكتابين بالأسانيد المعتبرة، و الطرق المختلفة. و لأبان كتاب «الفضائل»، و كتاب «صفّين». و له أصل من الاصول التي تعتمد عليها الإماميّة في أحكامها الشرعيّة، و قد روت جميع كتبه بالإسناد إليه و التفصيل في كتب

  • الرجال.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

24
  • منزلة أبي حمزة الثماليّ

  • و منهم: أبو حمزة الثماليّ ثابت بن دينار. كان من ثقات سلفنا الصالح و أعلامهم، أخذ العلم عن الأئمّة الثلاثة: الصادق، و الباقر، و زين العابدين عليهم السلام. و كان منقطعاً إليهم، مقرّباً عندهم. أثنى عليه الصادق، فقال عليه السلام: أبُو حَمْزَةَ في زَمَانِهِ مِثْلُ سَلْمَانَ الفَارِسِيّ في زَمَانِهِ. و عن الرضا عليه السلام: أبُو حَمْزَةَ في زَمَانِهِ كَلُقْمَانَ في زَمَانِهِ.

  • له كتاب تفسير القرآن. رأيتُ الإمام الطبرسيّ ينقل عنه في تفسيره «مجمع البيان».۱ و له كتاب «النوادر»، و كتاب «الزهد»، و رسالة الحقوق.٢ رواها عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام. و روى عنه دعاءه في السحر، و هو أسنى من الشمس و القمر. و له رواية عن أنس، و الشعبيّ. و روى عنه وكيع، و أبو نعيم، و جماعة من أهل تلك الطبقة من أصحابنا و غيرهم، كما بيّناه في أحواله في المراجعة ۱٦.

  • و هناك أبطال لم يدركوا الإمام زين العابدين، و إنّما فازوا بخدمة الباقرَين الصادَقين عليهما السلام.

  • منزلة بُريد، و زرارة، و محمّد بن مسلم، و أبي بصير

  • فمنهم: أبُو القَاسِمِ بُرَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَة العِجْلِيّ، وَ أبُو بَصِيرٍ الأصغْرِ ليْثُ بْنُ مُرَادٍ البَخْتَرِيّ المُرَادِيّ، وَ أبُو الحَسَنِ زُرَارَةُ بْنُ أعْيَن، وَ أبُو جَعْفَرٍ

    1. قال في الهامش: راجع من« مجمع البيان» تفسير قوله تعالى: قُلْ لَا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القُربى من سورة الشّورى تجده ينقل عن تفسير أبي حمزة.
    2. و قد روى أصحابنا كتب أبي حمزة كلّها بأسانيدهم إليه، و التفصيل في كتب الرجال. و اختصر سيّدنا الحجّة السيّد صدر الدين الموسويّ رسالة الحقوق، و طبعها كرسالة مختصرة ليحفظها نشأ المسلمين. و قد أجاد إلى الغاية متّع الله المسلمين بجميل رعايته، و جليل عنايته.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

25
  • ... ۱

    1. قال المحدِّث القمّيّ في« تتمّة المنتهى» الطبعة الثالثة ص ۱٦۸ إلى ۱۷۰( ما تعريبه): و توفّى أيضاً الثقة الجليل زراة بن أعين بن سُنْسُن سنة ۱٥۰ ه-. و جلالة قدره و كثرة علمه أكثر من أن يذكر. و نُقل أنّ الصادق عليه السلام قال فيه: لو لا زرارة لقلت إن أحاديث أبي ستذهب. و نقل عن زرارة نفسه أنّه كان يقول: يزيد إيماني بكلّ كلام أسمعه من أبي عبد الله عليه السلام( الإمام الصادق). و عن الثقة الجليل ابن أبي عمير أنّه قال لجميل بن درّاج: ما أبهى محضرك و أحسن مجلسك! قال: بلى، و لكن تالله فنحن عند زرارة كالأطفال عند الاستاذ. و قال أبو غالب الزُّراريّ في رسالة كتبها إلى حفيده محمّد بن عبد الله: روي أنّ زرارة كان وسيماً جسيماً أبيض اللون. و حين كان يذهب إلى صلاة الجمعة كان على رأسه بُرنس، و على جبهته أثر السجود و بيده عصا، و الناس كانوا يهابونه و يصطفّون و ينظرون إلى حسن هيئته و جماله. و كان متفوّقاً في الجدل و الخصام في الكلام و لم يقدر أحد على أن يغلبه في المناظرة إلّا أنّ كثرة العبادة منعته من الكلام. و كان متكلّموا الشيعة في سلك تلاميذه. عمّر سبعين سنةً( تسعين سنةً في النسخة البدل). و لآل أعين فضائل جمّة، و ما روي في حقّهم أكثر من أن أكتبه لك- انتهى.
      و بالجملة، كان بيت أعين من البيوت الشريفة و أغلبهم من أهل الحديث و الفقه و الكلام و نُقلت عنهم اصول تصانيف و روايات كثيرة. و كان لزرارة أولاد منهم رومي و عبد الله، و كلاهما من ثقات الرواة. و منهم حسن و حسين اللذان دعا لهما الصادق عليه السلام فقال: أحاطهما اللهُ و كلاهما و رَعاهُما و حَفِظَهما بصلاح أبيهما كما حفظ الغلامين.
      و كان له إخوة أيضاً. أحدهم حمران الذي شهد الصادقان عليهما السلام له بالإيمان في أخبار مأثورة. و قال له باقر العلوم عليه السلام: أنتَ من شيعتنا في الدنيا و الآخرة. و في رواية أنّه كان من حواري الصادقين عليهما السلام. و أولاده حمزة و محمّد و عقبة كانوا جميعهم من أهل الحديث. و الآخر بُكير الذي قال فيه الصادق عليه السلام حين نُعي إليه: و الله لقد أنْزَلَهُ الله بين رسوله و( بين في نسخة) أمير المؤمنين صلوات الله عليهما. و في رواية أيضاً أنّه كان من حواري الصادِقَين. و كان له ستّة أولاد ذكورهم عبد الله، و جهم، و عبد الحميد، و عبد الأعلى، و عمرو، و زيد، و عبد الله الذي كان من الثقات و من أصحاب الإجماع رغم أنّه كان فطحيّ المذهب. و كان أولاد جهم من كبار أهل الحديث و أصحاب التصنيف منهم:
      الحسن الثقة العدل، و ابنه سليمان جدّ أبي غالب الزراريّ. و هو أوّل مَن نُسب إلى زُرارة من آل زرارة. و قد لقّبه الإمام عليّ الهاديّ عليه السلام بالزراريّ. و الأخ الآخر لزرارة عبد الرحمن الذي شهد المشايخ باستقامته. و عبد الملك الذي رُوي أنّ الصادق عليه السلام زار قبره و ترحّم عليه؛ و ابنه ضريس من ثقات الرواة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

26
  • مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم بْنَ رَبَاحٍ الكُوفِيّ الطَّائِفِيّ الثَّقَفَيّ، و جماعة من أعلام الهدى و مصابيح الدّجى، لا يسع المقام استقصاءهم.

  • أمّا هؤلاء الأربعة فقد نالوا الزلفى، و فازوا بالقِدح المعلّى، و المقام الأسمى، حتى قال فيهم الصادق عليه السلام و قد ذكرهم:

  • هَؤْلَاءِ امَنَاءُ اللهِ عَلَى حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ. وَ قَالَ: مَا أجِدُ أحَداً أحْيَا ذِكْرَنَا إلَّا زُرَارَةُ، وَ أبُو بَصِيرٍ لَيْثٌ، وَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَ بُرَيْدٌ. وَ لَوْ لا هَؤلَاءِ مَا كَانَ أحَدٌ يَسْتَنْبِطُ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: هَؤلاءِ حُفَّاظُ الدِّينِ وَ امَنَاءُ أبي عَلَى حَلَالِ اللهِ وَ حَرَامِهِ، وَ هُمُ السَّابِقُونَ إلَيْنَا في الدُّنْيَا، وَ السَّابِقُونَ إلَيْنَا في الآخِرَةِ.

  • و قال عليه السلام: بَشِّرِ المُخْبِتِينَ بِالجَنَّةِ- ثُمَّ ذَكَرَ الأرْبَعَةَ.

  • و قال في كلام طويل ذكرهم فيه: كَانَ أبي ائتَمَنَهُمْ عَلَى حَلَالِ اللهِ وَ حَرَامِهِ، وَ كَانُوا عَيْبَةَ عِلْمِهِ، وَ كَذَلِكَ اليَوْمَ هُمْ عِنْدِي مُسْتَوْدَعُ سِرِّي، وَ أصْحَابُ أبي حَقَّاً، وَ هُمْ نُجُومُ شِيعَتِي أحْيَاءً وَ أمْوَاتاً. بِهِمْ يَكْشِفُ اللهُ كُلَّ بِدْعَةٍ، وَ يَنْفُونَ عَنْ هَذَا الدِّينِ انْتِحَالَ المُبْطِلِينَ وَ تَأوِيلَ الغَالِبِينَ- انتهى.

  • إلى غير ذلك من كلماته الشريفة التي أثبتت لهم من الفضل و الشرف و الكرامة و الولاية ما لا تسع بيانه عبارة. و مع ذلك فقد رماهم أعداء أهل البيت بكلّ إفك مبين. كما فصّلناه في كتابنا «مختصر الكلام في مؤلّفي الشيعة من صدر الإسلام». و ليس ذلك بقادحٍ في سموّ مقامهم، و عظيم خطرهم عند الله و رسوله و المؤمنين، كما أنّ حسدة الأنبياء ما زادوا أنبياء الله إلّا رفعةً، و لا أثروا في شرائعهم إلّا انتشاراً عند أهل الحقّ، و قبولًا في نفوس اولي الألباب.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

27
  • كلام الشهرستانيّ في تبجيل الإمام الصادق عليه السلام

  • و قد انتشر العلم في أيّام الصادق عليه السلام بما لا مزيد عليه، و هرع إليه شيعة آبائه عليهم السلام من كلّ فجٍّ عميق. فأقبل عليهم بانبساطه، و استرسل إليهم بانسه، و لم يأل جهداً في تثقيفهم، و لم يدّخر وسعاً في إيقافهم على أسرار العلوم، و دقائق الحكمة، و حقائق الامور، كما اعترف به أبو الفتح الشهرستانيّ في كتابه «الملل و النحل»، حيث ذكر الصادق عليه السلام،۱ فقال:

  • وَ هُوَ ذُو عِلْمٍ غَزِيرٍ في الدِّينِ، وَ أدَبٍ كَامِلٍ في الحِكْمَةِ، وَ زُهْدٍ بَالِغٍ فِي الدُّنْيَا، وَ وَرَعٍ تَامٍّ عَنِ الشَّهَوَاتِ.

  • قَالَ: وَ قَدْ أقَامَ بِالمَدِينَةِ مُدَّةً يُفِيدُ الشِّيعَةَ المُنْتَمِينَ إلَيْهِ، وَ يُفِيضُ عَلَى المُوَالِينَ لَهُ أسْرَارَ العُلُومِ. ثُمَّ دَخَلَ العِرَاقَ وَ أقَامَ بِهَا مُدَّةً. مَا تَعَرَّضَ لِلإمامةِ- أي: للسَّلْطَنَةِ- قَطُّ، وَ لَا نَازَعَ أحَداً في الخِلافَةِ.

  • قَالَ: وَ مَنْ غَرِقَ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ لَمْ يَطْمَعْ في شَطٍّ، وَ مَن تَعَلَّى إلى ذِرْوَةِ الحَقِيقَةِ لَمْ يَخَفْ مِنْ حَطٍّ- إلى آخِرِ كَلَامِهِ.٢

  • و هنا قال آية الله السيّد شرف الدين بالمناسبة: وَ الحَقُّ يُنْطِقُ مُنْصِفاً وَ عَنِيداً.

  • نبغ من أصحاب الصادق عليه السلام جمّ غفير، و عدد كثير، كانوا

    1. عند ذكره الباقريّة و الجعفريّة من فرق الشيعة من كتابه« الملل و النحل».
    2. و آخر كلامه الشهرستانيّ: وَ قِيلَ: مَنْ أنِسَ بِاللهِ تَوَحَّشَ عَنِ النَّاسِ، وَ مَنِ اسْتَأنَسَ بِغَيْرِ اللهِ نَهَبَهُ الوَسْوَاسُ. و ذكرنا لفظه نفسه في ج ۸ من كتابنا هذا« معرفة الإمام»، الدرس ۱۱۸ إلى ۱٢۰، نقلًا عن كتاب« الملل و النحل» المطبوع في هامش كتاب« الفِصَل» لابن حزم، ج ۱، ص ٢٢٤، و ج ٢، ص ٢، طبعة مصر، سنة ۱٣۱۷ ه-. لهذا أوردناه هنا لأنّه كان في تضاعيف كلام السيّد شرف الدين و كان شاهد كلامه من أجل أن يتبيّن كلام هذا الرجل الربّانيّ تماماً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

28
  • أئمّة هُدى، و مصابيح دجى، و بحار علم، و نجوم هداية. و الذين دوِّنت أسماؤهم و أحوالهم في كتب التراجم منهم أربعة آلاف رجل من العراق و الحجاز و فارس و سوريا. و هم اولو مصنّفات مشهورة لدى علماء الإماميّة، و من جملتها الاصول الأربعمائة، و هي- كما ذكرناه سابقاً- أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف كُتبت من فتاوى الصادق عليه السلام على عهده. فكان عليها مدار العلم و العمل من بعده، حتى لخّصها جماعة من أعلام الامّة، و سفراء الأئمّة في كتب خاصّة، تسهيلًا للطالب، و تقريباً على المتناول.

  • و أحسن ما جُمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإماميّة في اصولهم و فروعهم من الصدر الأوّل إلى هذا الزمان، و هي «الكافي»، و «التهذيب»، و «الاستبصار»، و «من لا يحضره الفقيه». و هي متواترة و مضامينها مقطوع بصحّتها. و «الكافي» أقدمها و أعظمها و أحسنها و أتقنها.

  • و فيه ستّة عشر ألف و مائة و تسعة و تسعون حديثاً، و هي أكثر ممّا اشتملت عليه الصحاح الستّة بأجمعها، كما صرّح به الشهيد في «الذِّكري»، و غير واحد من الأعلام.

  • و ألّف هشام بن الحكم من أصحاب الصادق و الكاظم عليهما السلام كتباً كثيرةً، اشتهر منها تسعة و عشرون كتاباً، رواها أصحابنا بأسانيدهم إليه. و تفصيلها في كتابنا «مختصر الكلام في مؤلّفي الشيعة من صدر الإسلام». و هي كتب ممتعة باهرة في وضوح بيانها، و سطوع برهانها، في الاصول و الفروع، و في التوحيد و الفلسفة العقليّة، و الردّ على كُلٍّ من الزنادقة، و الملاحدة، و الطبيعيّين، و القدريّة، و الجبريّة، و الغلاة في على و أهل البيت. و في الردّ على الخوارج و الناصبة، و منكري الوصيّة إلى عليّ و مؤخِّريه و محاربيه، و القائلين بجواز تقديم المفضول و غير ذلك.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

29
  • و كان هشام من أعلم أهل القرن الثاني في علم الكلام، و الحكمة الإلهيّة، و سائر العلوم العقليّة و النقليّة، مبرّزاً في الفقه و الحديث، مقدَّماً في التفسير، و سائر العلوم و الفنون. و هو ممّن فتق الكلام في الإمامة، و هذّب المذهب بالنظر. يروى عن الصادق و الكاظم، و له عندهم جاه لا يحيط به الوصف. و قد فاز منهم بثناءٍ يسمو به في الملأ الأعلى قدره. و كان في مبدأ أمره من الجهميّة. ثمّ لقى الصادق فاستبصر بهديه و لحق به، ثمّ بالكاظم ففاق جميع أصحابهما.

  • و رماه بالتجسيم و غيره من الطامّات مريد و إطفاء نور الله من مشكاته، حسداً لأهل البيت و عدواناً. و نحن أعرف الناس بمذهبه، و في أيدينا أحواله و أقواله. و له في نصرة مذهبنا من المصنّفات ما أشرنا إليه، فلا يجوز أن يخفى علينا من أقواله- و هو من سلفنا و فرطنا- ما ظهر لغيرنا، مع بعدهم عنه في المذهب و المشرب!

  • دفاع الشهرستانيّ عن هشام بن الحكم

  • على أنّ ما نقله الشهرستانيّ في «الملل و النحل» من عبارة هشام لا يدلّ على قوله بالتجسيم. و اليك عين ما نقله. قال:

  • وَ هِشَامُ بْنُ الحَكَمِ صَاحِبُ غَوْرٍ في الاصُولِ، لَا يَجُوزُ أنْ يُغْفَلَ عَنْ إلزَامَاتِهِ عَلَى المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الرَّجُلَ وَرَاءَ مَا يُلْزِمُهُ عَلَى الخَصْمِ، وَ دُونَ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ التَّشبِيهِ. وَ ذَلِكَ أنَّهُ ألْزَمَ العَلَّافَ فَقَالَ: إنَّكَ تَقُولُ: البَارِي عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَ عِلْمُهُ ذَاتُهُ، فَيَكُونُ عَالِماً لَا كَالعَالِمِينَ، فَلِمَ لَا تَقُولُ: هُوَ جِسْمٌ لَا كَالأجْسَامِ؟!- انتهى.

  • و لا يخفى أنّ هذا الكلام إن صحّ عنه فإنّما هو بصدد المعارضة مع العلّاف، و ليس كلّ من عارض بشيءٍ يكون معتقداً له، إذ يجور أن يكون قصده اختبار العلّاف، و سبر غوره في العلم، كما أشار الشهرستانيّ إليه بقوله: فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهر من التشبيه.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

30
  • على أنّه لو فُرض ثبوت ما يدلّ على التجسيم عن هشام، فإنّما يمكن ذلك عليه قبل استبصاره، إذ عرفتَ أنّه كان ممّن يرى رأي الجهميّة، ثمّ استبصر بهدي آل محمّد، فكان من أعلام المختصّين بأئمّتهم، لم يعثر أحد من سلفنا على شيء ممّا نسبه الخصم إليه. كما أنّا لم نجد أثراً ما لشيء ممّا نسبوه إلى كلِّ من زرارة بن أعين، و محمّد بن مسلم، و مؤمن الطاق، و أمثالهم، مع أنّا قد استفرغنا الوسع و الطاقة في البحث عن ذلك. و ما هو إلّا البغي و العدوان، و الإفك و البهتان، وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ.

  • أمّا ما نقله الشهرستانيّ عن هشام من القول بإلهيّة عليّ، فشيء يُضحك الثكلى. و هشام أجلّ من أن تُنسب إليه هذه الخرافة و السخافة.

  • و هذا كلام هشام في التوحيد ينادي بتقديس الله عن الحلول، و علوّه عمّا يقوله الجاهلون. و ذاك كلامه في الإمامة و الوصيّة يعلن بتفضيل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم على عليّ، مصرِّحاً بأنَّ عليّاً من جملة امّته و رعيّته، و أنّه وصيّه و خليفته. و أنّه من عباد الله المظلومين المقهورين، العاجزين عن حفظ حقوقهم، المضطرّين إلى أن يضرعوا لخصومهم، الخائفين المترقّبين الذين لا ناصر لهم و لا معين.

  • و كيف يشهد الشهرستانيّ لهشام بأنّه صاحب غورٍ في الاصول، و أنّه لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، و أنّه دون ما أظهره للعلّاف من قوله: فَلِمَ لا تقول: إن الله جسم لا كالأجسام؟ ثمّ ينسب إليه القول بأنّ عَليَّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ اللهُ تَعَالَى؟ أ ليس هذا تناقضاً واضحاً؟!

  • و هل يليق بمثل هشام على غزارة فضله أن تنسب إليه الخرافات؟

  • كلّا. لكن القوم أبوا إلّا الإرجاف جسداً و ظلماً لأهل البيت و من يرى رأيهم. وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

31
  • المدوّنون من أصحاب الإمام الكاظم حتى العسكريّ عليهم السلام

  • و قد كثر التأليف على عهد الكاظم، و الرضا، و الجواد، و الهادي، و الحسن الزكيّ العسكريّ عليهم السلام بما لا مزيد عليه، و انتشرت الرواة عنهم، و عن رجال الأئمّة من آبائهم في الأمصار، و حسروا للعلم عن ساعد الاجتهاد، و شمّروا عن ساق الكدّ و الجدّ، فخاضوا عباب العلوم، و غاصوا على أسرارها، و أحصوا مسائلها، و محصوا حقائقها، فلم يألوا في تدوين الفنون جهداً، و لم يدّخروا في جمع أشتات المعارف وسعاً.

  • قال المحقّق الحلّيّ أعلى الله مقامه في «المعتَبر»: و كان من تلامذة الجواد عليه السلام فضلاء كالحسين بن سعيد، و أخيه الحسن، و أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، و أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، و شاذان، و أبي الفضل العُمَيّ،۱ و أيّوب بن نوح، و أحمد بن محمّد بن عيسى، و غيرهم ممّن يطول تعدادهم. قال أعلى الله مقامه: و كتبهم إلى الآن منقولة بين الأصحاب دالّة على العلم الغزير- انتهى.

  • قال السيّد شرف الدين هنا: قلتُ: و حسبُك أنّ كتب البرقيّ تربو على مائة كتاب. و للبَزَنْطيّ الكتاب الكبير المعروف ب- «جامع البزنطيّ».

  • و للحسين بن سعيد ثلاثون كتاباً. و لا يمكن في هذا الإملاء إحصاء ما ألّفه تلامذة الأئمّة الستّة من أبناء الصادق عليه السلام. بَيدَ أنّي احيلك على كتب التراجم و الفهارس، فراجع منها أحوال محمّد بن سنان، و عليّ بن مهزيار، و الحسن بن محبوب، و الحسن بن محمّد بن سماعة، و صفوان بن يحيى، و عليّ بن يقطين، و عليّ بن فضال، و عبد الرحمن بن نجران، و الفضل بن شاذان- فإنّ له مائتي كتاب- و محمّد بن مسعود العيّاشيّ- فإنّ كتبه تربو على المائتين- و محمّد بن عمير، و أحمد بن محمّد بن عيسى، فإنّه روى

    1. العُمَى تصغير الأعمى مُرخّماً، كما في« أقرب الموارد».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

32
  • عن مائة رجل من أصحاب الصادق عليه السلام، و محمّد بن عليّ بن محبوب، و طلحة بن طلحة بن زيد، و عمّار بن موسى الساباطيّ، و عليّ بن النعمان، و الحسين بن عبد الله، و أحمد بن عبد الله بن مهران المعروف بابن خانة، و صدقة بن المنذر القمّيّ، و عبيد الله بن عليّ الحلبيّ الذي عرض كتابه على الصادق عليه السلام فصحّحه و استحسنه، و قال: أ ترى لهؤلاء مثل هذا الكتاب؟، و أبي عمرو الطبيب، و عبد الله بن سعيد الذي عرض كتابه على أبي الحسن الرضا عليه السلام، و يونس بن عبد الرحمن الذي عرض كتابه على الإمام أبي محمّد الحسن الزكيّ العسكريّ عليه السلام.

  • و مَن تتبّع أحوال السلف من شيعة آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم، و استقصى أصحاب كلّ من الأئمّة التسعة من ذرّيّة الحسين، و أحصى مؤلّفاتهم المدوَّنة على عهد أئمّتهم، و استقرأ الذين رووا عنهم تلك المؤلّفات، و حملوا عنهم حديث آل محمّد في فروع الدين و اصوله من الوف الرجال، ثمّ ألَمَّ بحملة هذه العلوم في كلّ طبقة طبقة، يداً عن يد من عصر التسعة المعصومين إلى عصرنا هذا، يحصل له القطع الثابت بتواتر مذهب الأئمّة، و لا يرتاب في أنّ جميع ما ندين الله به من فروع و اصول، إنّما هو مأخوذ من آل الرسول. لا يرتاب في ذلك إلّا مكابر عنيد، أو جاهل بليد (الذي لا يقبل كلام الطرف المقابل من وحي زهوه الوهميّ الخياليّ، و هو من أهل العناد و الخصومة، أو هو جاهل قليل الفهم و سفيه سقيم الذهن). وَ الحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا وَ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنْ هَدَانَا اللهُ، وَ السَّلَامُ.۱

    1. «المراجعات» ص ٢۸٩ إلى ٣۰٣، الطبعة الاولى سنة ۱٣٥٥ ه-، مطبعة العرفان، صيدا، المراجعة ۱۱۰ بتاريخ ٢٩ ربيع الثاني، سنة ۱٣٣۰ ه، تحت عنوان: ۱- تواتر مذهب الشيعة عن أئمّة أهل البيت.
      ٢- تقدّم الشيعة في تدوين العلم زمن الصحابة.
      ٣- المؤلّفون من سلفهم زمن التّابعين و تابعي التابعين.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

33
  • كلام عبد الحليم الجنديّ في تدوين الشيعة للسنّة النبويّة

  • قال المستشار المصريّ عبد الحليم الجنديّ في كتابه الثمين «الإمام جعفر الصادق»: و لا مرية كان منهج عليّ و من تابعه في التدوين خيراً كبيراً للمسلمين منع المساوئ المنسوبة إلى بعض الروايات، و أقفل الباب دون افتراء الزنادقة و الوضّاعين. فَالسَّبْقُ في التَّدْوِينِ فَضِيلَةُ الشِّيعَةِ. و لمّا أجمع العلماء بعد زمان طويل على الالتجاء إليه كانوا يسلّمون بهذه الفضيلة- بالإجماع- لعليّ و بنيه.

  • و السنّة شارحة للكتاب العزيز، و هو مكتوب بإملاء صاحب الرسالة. فهي كمثله حقيقةٌ بالكتابة.

  • و بعد أن ذكر أنّ التدوين لم يتحقّق عند العامّة حتى قرنين أو قرنين و نصف، و أنّ الناس كانوا مجبورين على الرحلة إلى أقطار العالم لتلقّي الحديث على العلماء، و بعد أن تحدّث عن هذا الموضوع، قال:

  • كان تلاميذ الصادق من كبار المدوِّنين، فلقد عاشوا في عصر نهضة علميّة كبرى اعجب بها العالم. تبارت فيها يراعات المدوِّنين. و دارت عجلات التدوين كهيئة ما دارت عجلات الطباعة عند ظهور المطبعة. بدأها عمر بن عبد العزيز على رأس القرن، إذ أمر بتدوين السنّة. و تابعها علماء الامّة من أهل السُّنّة.

  • و من بعد وفاة الصادق في عام ۱٤۸ ه- دوّن أربعة آلاف من تلاميذه في كلّ علومه، و من جملتها ما يُسمّى (الاصول الأربعمائة). و هي أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف من فتاوى الصادق. و عليها مدار العلم و العمل من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

34
  • بعده. و خير ما جمع منها كتب أربعة هي مرجع الإماميّة في اصولهم و فروعهم إلى اليوم. و هي «الكافي»، و «من لا يحضره الفقيه»، و «التهذيب»، و «الاستبصار».

  • و «الكافي»- للكلينيّ أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ (٣٢٩)- أعظمها و أقومها، و أحسنها و أتقنها، فيه ۱٦۱٩۰ حديثاً ألّفه الكلينيّ في عشرين سنةً.

  • و أمّا كتاب «من لا يحضره الفقيه» فوضعه ابن بابويه القمّيّ محمّد بن عليّ بن موسى بن بابويه القمّيّ۱ الملقّب بالصدوق. دخل بغداد سنة ٣٥۰ و مات بالريّ سنة ٣۸۱ ه-، و فيه ٥٩٦٣ حديثاً. و هذا الكتاب أهمّ مؤلّفاته، مع أنّه ألّف ثلاثمائة كتاب.

  • الشيخ الطوسيّ و الشريفان المرتضى و الرضيّ

  • و أمّا «التهذيب»، و «الاستبصار» فوضعهما بعد نحو قرن محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ (٤٦۰) الملقّب (شيخ الطائفة). و كان فقيهاً في مذهبَي الشيعة و أهل السُّنّة. و في «التّهذيب» ۱٣٥٩۰ حديثاً، و في «الاستبصار» ٥٥۱۱ حديثاً.

  • دخل الطوسيّ بغداد سنة ٤۰۸ ه-، و استقرّ بها في أيّام الشيخ المفدى محمّد بن محمّد بن النعمان (٣٣٦- ٤۱۱ ه-) صاحب «شرح عقائد الصدوق»، و «أوائل المقالات»، و نحو مائتي مؤلَّف.

  • و تتلمذ الطوسيّ بعد موت الشيخ المفيد للشريف المرتضى، فنجب في مدرسة الشرف، و في «دار العلم» التي أنشأها. و كان يجري عليه اثني عشر ديناراً في الشهر طوال ملازمته له حتى وفاة المرتضى. و انتفع بكتب

    1. نسبة إلى مدينة قم في إيران. و هي أقدم المدن التي بدأ فيها الشيعة الإمامية في إيران. و قد نشأت على أيدي جماعة من الناجين من جيش ابن الأشعث( ۸٣).

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

35
  • المرتضى و الكتب التي حوتها مكتبته. فألّف في كلّ علوم الإسلام، و اجتهد الاجتهاد المطلق، فكان حجّةً في فقه الشيعة و السنّة.

  • و من أجلّ آثاره تدريسه في مجالسه، و أماليه بالنجف الأشرف في جوار مشهد أمير المؤمنين عليّ. و بهذا افتتح عصر العلم بالنجف الأشرف، فصار صنواً للأزهر الأغرّ- الذي أقامته دولة من دول الشيعة- و المعهدان هما اللذان حفظا علوم الإسلام.

  • فالطوسيّ، و الشريفان الرضيّ و المرتضى، و الشيخان المفيد و الصدوق، و الكلينيّ، قد وصلوا ما انقطع من التاليف منذ عصر الإمام الصادق حتى منتصف القرن الخامس، ليستمرّ التيّار في التدفّق.

  • و الشريفان في مدرسة جدّهما صنوان. أبوهما أبو أحمد الموسويّ (نسبة إلى جدّه الإمام موسى الكاظم). و فيه قول ابن أبي الحديد شارح «نهج البلاغة» للشريف الرضيّ: كان أبوه أبو أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بني العبّاس و بني بويه، و لُقِّبَ ب- «الطاهر ذي المناقب». و لقّبه أبو نصر بن بويه ب- «الطاهر الأوحد». ولى نقابة الطالبيّين عدّة مرّات، كما ولى النظر في المظالم، و حجّ بالناس مراراً على الموسم.

  • عاش أبو أحمد طوال القرن الرابع (٣۰٤- ٤۰۰ ه-)، و كان يستخلف على الحجّ و لدَيه: الرضيّ و المرتضى.

  • و الشريف الرضيّ (٣٥٩- ٤۰٦ ه-) هو شاعر العربيّة الشهير، و جامع «نهج البلاغة» الأشهر، من خطب أمير المؤمنين عليّ. تولّى نقابة الطالبيّين في حياة أبيه و من بعده. و تولّى النيابة عن الخليفة العبّاسيّ. فهذه ولاية ينفرد بها في التأريخ، تجمع بين نقابة الطالبيّين و بين نيابة الخلافة السنّيّة.

  • و للشريف الرضيّ تاليف عظيمة في تفسير القرآن منها:

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

36
  • ۱- «تلخيص البيان في مجازات القرآن»۱.

  • ٢- «حقائق التأويل و متشابه التنزيل».

  • ٣- «معاني القرآن».

  • ٤- «مجازات الآثار النبويّة».

  • ٥- «خصائص الأئمّة».

  • أمّا الشريف المرتضى (٤٣٦ ه-) فيقول عنه الثعالبيّ في «يتيمة الدهر»- و هما متعاصران-:

  • انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الأدب و الفضل و الكرم. و له شعر نهاية في الحسن. و مؤلّفاته كثيرة، منها:

  • «أمالي المرتضى»، «الشاقي»، «تنزيه الأنبياء»، «المسائل الموصليّة الاولى»، «مسائل أهل الموصل الثانية»، «مسائل أهل الموصل الثالثة»، «المسائل الديلميّة»، «المسائل الطرابلسيّة الأخيرة»، «المسائل الحلبيّة الاولى»، «المسائل الجرجانيّة»، «المسائل الصيداويّة»، و تاليف اخرى كبيرة في الفقه و القياس و رفضه. و قد شرح تلميذه الطوسيّ أكثر من مؤلَّف له.

  • و من أعظم آثاره إنشاء «دار العلم» ببغداد، و رصده الأموال عليها و إجزاؤه العطاء على التلاميذ و إطعامهم و إسكانهم، و كان يتبع «دار العلم» هذه مكتبته التي تحوي أكثر من ثمانين ألف مجلّد. و حسبه أن يكون الطوسيّ من تلاميذه. و في آثار هذا السلف العظيم تتابع ركب العلماء و المؤلّفين الفحول يخلّدون فقه الإسلام.

    1. ذكر في الكتاب« معجزات القرآن» سهواً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

37
  • السبّاقون في التدوين هم شيعة عليّ من الصحابة و التابعين

  • مَشيَخة العلماء:

  • كان مع الكتب التي آلت عن عليّ و معاصريه مؤلّفات كبيرة أو صغيرة، وضعها من جاءوا بعده. و سير لهذا الثبت الضخم من شيعته من الصحابة، و التابعين، و تابعي التابعين. فهذا هو التراث التأريخيّ للشهداء و أشياع الشهداء. لا تكفّ الامّة عن ترديده، جهرةً و خفيةً، يتصدّرهم الصحابة العظماء. و اليك بعض الأسماء:

  • سلمان الفارسيّ (الذي يُطلق عليه سلمان المحمّديّ)، و أبو ذرّ (أصدق الناس لهجةً)، و عمّار الذي (تقتله الفئة الباغية) و هو في التسعين يحارب مع عليّ، و العبّاس بن عبد المطلّب، و أبو أيّوب الأنصاريّ، و المقداد بن الأسود الكنديّ الذي قال لعليّ يوم بيعة السقيفة: إن أمَرْتَنِي ضَرَبْتُ بِسَيْفِي، وَ إن أمَرْتَنِي كَفَفْتُ. قَالَ: اكْفُفْ! و خزيمة ذو الشهادتين، و أبو التَّيِّهان، و عبد الله و الفضل ابنا العبّاس، و بلال بن رباح، و هاشم بن عُتْبَة المِرْقَال، و أبان و خالد ابنا سعيد بن العاص، و أبي بن كعب سيّد القرّاء، و أنس بن الحرث بن نبيه، و عثمان و سهل ابنا حنيف، و بريدة، و حذيفة، و قيس بن سعد بن عبادة رئيس الأنصار، و هند بن أبي هالة- امّه امّ سلمة۱ امّ المؤمنين- و جُعدة بن هبيرة المخزوميّ- امّه امّ هاني ابنة أبي طالب- و جابر بن عبد الله الأنصاريّ.

  • و سيجري في آثار الصحابة التابعين لهم و تابعي التابعين. فيضيفون إلى التراث العظيم آثار رجال عظماء منهم، من أشياع عليّ، الأحنف بن قيس، سويد بن غفلة، الحكم بن عيينة، سالم بن أبي الجعد، عليّ بن أبي

    1. هذا ما ورد في النصّ. و هو خطأ تاريخيّ، لأنّ هند بن أبي هالة كان ابن خديجة و خال الإمامين الحسن و الحسين عليهما السلام، لهذا اقتضى التذكير.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

38
  • الجعد، السعيدان: ابن جُبير، و ابن المسيّب،۱ و يحيى بن نظير العدوانيّ، و الخليل بن أحمد الفراهيديّ مؤسّس علم العروض، و أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء مؤسّس علم الصرف.

  • و في مدرسة التابعين هذه برز أبو هاشم (عبد الله بن محمّد ابن الحنفيّة ابن أمير المؤمنين) و أبو هاشم أوّل من تكلّم في علم الكلام. و من بعده نشأت مدرسة المعتزلة بزعامة واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد.

  • و بأبي هاشم تبدأ مدرسة المتكلّمين من الشيعة.

  • و من جيل التابعين هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ، و أبو مخنف الأزديّ المؤرِّخان.

  • و يتوالى موكب العلم العظيم من عهد عليّ. و تتعالى أصوات الدعاة العظماء للمذهب الشيعيّ، كالنابغة الجعديّ، شهد صفّين مع أمير المؤمنين، و له فيها أشعاره المشهورة و كان معه عروة بن زيد الخيل، و لبيد بن ربيعة، و كعب بن زهير صاحب قصيدة «بانت سعاد».

  • و من بعدهم الفرزدق، و كثير عزّة من شعراء القرن الأوّل، ثمّ الكميت، و قيس بن ذريح، و السيّد الحميريّ، و دعبل الخزاعيّ، و أبو تمّام، و البحتريّ، و ديك الجنّ، و الحسين بن الضحّاك، و ابن الروميّ،٢

  • معرفة الإمام ؛ ج۱٦ ؛ ص٤۱

    1. قال في الهامش: سعيد بن جبير هو الشهيد الوحيد الذي قَتَلَ من الرعب قاتله! سأله الحجّاج و هو يقدّمه للقتل: أيّ قتلة تشاء؟ فأجابه: اخترْ أنتَ! فالقصاص أمامك. ذلك أنّ القصاص قتلٌ بقتلٍ. فكان الحجّاجُ بعد استشهاد سعيد يهبّ من نومه فزعاً و هو يقول:
      مَا لي وَ لِسَعيد بْنِ جُبَيْرٍ؟! ثمّ مات بعد بشهر. مات في رمضان و سعيد في شعبان سنة ٩٥ ه- و رفض ابن المسيّب أن يبايع لولَدَي عبد الملك بن مروان- الوليد و سليمان- و تمسّك برأيه، فأخذوه ليقتلوه، ثمّ اكتفوا بضربه بالسياط و جرّدوه من ثيابه و طافوا به. و رفض أن يزوّج ابنته للوليد بن عبد الملك، و هو وليّ عهد عبد الملك، و آثر أن يزوّجها تلميذاً فقيراً من تلاميذه.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

39
  • و الأشجع السلميّ.۱

    1. قال عبد الحليم في الهامش: من الطبيعيّ أن يكون كثرة الشعراء شيعة. فالشِّعر ضمير الجماعة و صوتها الصدّاح. و الضمير الإسلاميّ كلّه، يثقله أو يعذّبه، أو يهيّج قرائحه، ما أصاب أهل البيت من ظلم الدول. و يخفّف عنه ما يعقده حول أهل البيت من أمل، لهم و له. و كلّما أحسّ الشعب ظلماً طلب الرجاء و الاقتداء بأبناء النبيّ صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم- و بهذا انضاف إلى الثبت الحافل السابق ذكره: ابن هانئ الأندلسيّ، و مهيار الديلميّ، و أبو فراس الحمدانيّ، و الناشئ الصغير، و الناشئ الكبير، و كشاجم، و أبو بكر الخوارزميّ، و البديع الهمدانيّ، و الطغرائيّ، و السرّيّ الرفّاء، و عمارة اليمنيّ. بل أصبح ثناءً على الشاعر أن يقال: يَتَرَفَّضُ في شِعْرِهِ، أي: يتشيّع. و للمتنبّيّ و أبي العلاء شعر شيعيّ.
      و كان مولى الموالي الإمام أمير المؤمنين عليه السلام نفسه ينظم الشِّعر. و بلغ نظمه للشعر مبلغاً لا يشكّ فيه أحد. و قد أثبتنا في تفسيرنا لسورة يس، الذي لم يطبع بعد أنّ المراد من قوله تعالى: وَ مَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ مَا ينبغي لَهُ، أو قوله: وَ الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، هو الشعر الباطل الواهي و الهجاء القائم على الوهم و الخيال. و مبدئيّاً لا يُطلق على الحقائق شعراً سواء كانت نظماً أم نثراً. قال آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ في كتاب« معادن الجواهر و نزهة الخواطر» ج ۱، ص ٤٢٤ تحت عنوان: المسألة ۱٦: هل نظم مولانا أمير المؤمنين و أبناؤه عليهم السلام الشِّعر أم لا؟ و هل ما ينسب إليهم منه لهم مع أنّه دون أقوالهم البالغة أقصى درجات البلاغة، على أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم لم يقله و هم مقتدون به قولًا و فعلًا!
      الجواب: لا شكّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد نظم الشعر و تطابقت الأنقال على كثير منه، مثل قوله عليه السلام:

      دَعوتُ فلبّاني مِنَ القوم عُصْبَةٌ--فوارِسُ مِنْ هَمْدان غير لئام
      فوارِسُ من هَمْدان ليسوا بعزّل--غداة الوغى من شاكرٍ و شبام
      لهمدان أخلاقٌ و دينٌ يزينهم--و بأسٌ إذا لاقوا و جدّ خصام
      جزى الله همدان الجنان فَإنّها--سمام العدى في كلّ يوم رجام
      فلو كنتُ بوّاباً على باب جَنَّةٍ--لقلتُ لِهَمْدانَ ادخلوا بسلام
      --

      و قول عليه السلام يوم صفّين و قد أقبل الحضين بن المنذر الرقاشيّ، و هو يومئذٍ شابٌّ يزحف برايته و كانت حمراء فأعجب عليّاً زحفه و ثباته، فقال:

      لِمَن رايَةٌ حمراءُ يخفق ظلُّها--إذا قيل: قدّمها حضين تَقَدَّمَا
      و يدنو بها في الصفّ حتى يزيرها--حياض المنايا تقطر الموت و الدما
      تراهُ إذا ما كان يوم كريهة--أبي فيه إلّا عزَّةً و تكرّما
      جزى الله عنّي و الجزاء بكفِّه--ربيعة خيراً ما أعفَّ و أكرما
      --

      إلى غير ذلك ممّا روته الثقات الأثبات. و لا يلتفت إلى قول من قال بأنّه لم يثبت عنه شيء من الشعر، و يشبه أن يكون مثل إنكار نسبة« نهج البلاغة» إليه. و قد جمعنا ما صحّ من شعره عليه السلام في ديوان مرتّب على حروف المعجم. نسأله تعالى التوفيق لإكماله و طبعه.
      نعم! ليس كلّ ما نُسب إليه من الشعر هو له، بل بعضه معلوم أنّه ليس له، و كذلك باقي الأئمّة عليهم السلام قد صحّت نسبة الشعر إلى كثير منهم و ليس هو دون كلامهم. و بعض ما يُنسب إليهم لم تصحّ نسبته. و بعضه معلوم أنّه ليس لهم لركّته. أمّا عدم نظم جدّهم صلّى الله عليه و آله و سلّم للشعر فليس عجزاً، بل لحِكمة اقتضت ذلك، و هي دفع شبهات المنافقين عن القرآن العظيم بأنّه ليس قول شاعر. و لا تجب مساواتهم عليهم السلام له في ذلك، و اللهُ أعلم.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

40
  • و علم أهل البيت علم كلّ الامّة. فأمير المؤمنين عليّ في قمّة السند عند الجميع من سنّة و شيعة. لكن الذين ينقلون عنه- من الشيعة أو أهل السنّة- محلّ تفاوت.

  • شروط الشيعة في قبول الحديث ممّن يرويه

  • فالشيعة لا يقبلون كلمةً ممّن حارب عليّاً أو ظلمه من الصحابة أو التابعين. و أهل السنّة، مع اختلافهم من ناحية شروط الرواية و الراوي، لا يقبل بعضهم ما لا يصل إليه بطريقته، و يتشكّك بعضهم في بعض ما يرويه الشيعة لُامور تتعلّق بالسند أو بالمتن أو برواية من الشيعة.۱

  • الشيعة يروون عن أهل السنّة أيضاً

  • و ينبغي التنبيه على أنّ الشيعة لا يشترطون في قبول الرواية و الخبر الذي يصل إليهم من النبيّ أو الأئمّة الطاهرين صلوات الله و سلامه عليهم

    1. «الإمام جعفر الصادق» أواخر ص ٢۰٣ إلى ٢۱٢، صادر عن جمهوريّة مصر العربيّة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، طبعة القاهرة، سنة ۱٣٩۷ ه-.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

41
  • أجمعين أن يكون الراوي شيعيّاً. بل يكفي أن يكون ثقة سواء كان سنيّاً أشعريّاً أم معتزليّاً، أو تابعاً لمذهب غير مذهب أهل البيت في الفروع.

  • ذلك أنّ مناط الخبر الصحيح و الموثّق و معيارهما عند الشيعة وثوقه و الاطمئنان إلى صدوره. من هنا نلحظ مثلًا أنّهم يعملون بموثّقة عبد الله بن بُكَيْر مع أنّه فطحيّ المذهب، لأنّه ليس من أهل الكذب في مذهبه و كلامه، و يسرد مرويّاته مستنداً مراعياً الأمانة في النقل و الكلام.

  • نعم، يرفض الشيعة رواية الخوارج و النواصب، لأنّهم يعادون الأئمّة عليهم السلام و يُسيئون إليهم.

  • و على هذا الأساس نجد أنّ كثيراً من علماء الشيعة و محدّثيهم و مفسّريهم و مؤرّخيهم منذ عصر الأئمّة عليهم السلام ينقلون و يروون أحاديث كثيرة عن رواة العامّة أو كتبهم، و أدّت هذه النقطة المهمّة إلى ما يأتي: ۱- نقل و رواية كثير من أحاديث العامّة بتفضل الشيعة و بركاتهم، و عدم انقطاع مسلسل الرواية، و بقاء رواية السنّة النبويّة حيّة في كلّ زمان و مكان. ٢- نتيجة لثقة العامّة و اطمئنانهم إلى علماء الشيعة العظام الذين لهم منزلتهم العلميّة عندهم و يعرفون بالصدق لديهم، فقد رووا عنهم. و كان بين رواة كثير من الأحاديث الواردة في صحاح العامّة و مسانيدهم و سننهم، بل القسم الأعظم منها شيعة كانوا حملةً للدين و أعلاماً في الحديث و الخبر و التفسير، حتى أنّه لو لم يأخذ العامّة هذه الأحاديث من الشيعة لضاع و اندثر مقدار عظيم من كتبهم.

  • من هنا قال الذهبيّ: لو أسقطنا رواة الشيعة من سلسلة السند، لضاع ثلث السنّة.

  • و قد ناقش آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ هذا الموضوع في كتاب «المراجعات». و تحدّث عنه في المراجعة (۱٤) جواباً

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

42
  • عن المراجعة (۱٣) للشيخ سليم البشريّ المصريّ- و اعترض فيها بأنّ الذين رووا نزول تلك الآيات في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام- فيما قلتم- إنّما هم رجال الشيعة، و رجال الشيعة لا يحتجّ أهل السنّة بهم و لا يقبلون كلامهم- و حدّد الجواب في ثلاثة امور هي: ۱- بطلان قياس المعترض. ٢- المعترض لا يعلم حقيقة الشيعة. ٣- امتيازهم في تغليظ حرمة الكذب في الحديث.

  • ۱- الجواب: أنّ قياس هذا المعترض باطل، و شكله عقيم، لفساد كلّ من صغراه و كبراه.

  • أمّا الصغرى، و هي قوله: «إن الذين رووا نزول تلك الآيات إنّما هم من رجال الشيعة» فواضحة الفساد. يشهد بهذا ثقات أهل السنّة الذين رووا نزولها فيما قلناه، و مسانيدهم تشهد بأنّهم أكثر طرقاً في ذلك من الشيعة كما فصّلناه في كتابنا «تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة».

  • و حسبك «غاية المرام» المنتشر في بلاد الإسلام.

  • و أمّا الكبرى، و هي قوله: «إن رجال الشيعة لا يحتجّ أهل السنّة بهم» فأوضح فساداً من الصغرى. تشهد بهذا أسانيد أهل السنّة و طرقهم المشحونة بالمشاهير من رجال الشيعة. و تلك صحاحهم الستّة و غيرها تحتجّ برجال من الشيعة. و صمهم الواصمون بالتشيّع و الانحراف، و نبزوهم بالرفض و الخلاف، و نسبوا إليهم الغلوّ و الإفراط و التنكّب عن الصراط. و في شيوخ البخاريّ رجال من الشيعة نُبزوا بالرفض، و و صموا بالبغض، فلم يقدح ذلك في عدالتهم عند البخاريّ و غيره، حتى احتجّوا بهم في الصحاح بكلّ ارتياح. فهل يصغي بعد هذا إلى قول المعترض: «إن رجال الشيعة لا يحتجّ أهل السنّة بهم؟» كلّا.

  • رواة الشيعة أفذاذ في الحفظ و الإتقان و الورع

  • ٢- و لكنّ المعترضين لا يعلمون و لو عرفوا الحقيقة لعلموا أنّ الشيعة

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

43
  • إنّما جروا على منهاج العترة الطاهرة، و اتّسموا بسماتها، و أنّهم لا يطبعون إلّا على غرارها، و لا يضربون إلّا على قالبها، فلا نظير لمن اعتمدوا عليه من رجالهم في الصدق و الأمانة، و لا قرين لمن احتجّوا به من أبطالهم في الورع و الاحتياط، و لا شبيه لمن ركنوا إليه من أبدالهم في الزهد و العبادة و كرم الأخلاق، و تهذيب النفس و مجاهدتها و محاسبتها بكلّ دقّة آناء الليل و أطراف النهار. لا يُبارَون في الحفظ و الضبط و الإتقان، و لا يجارَون في تمحيص الحقائق و البحث عنها بكلّ دقّة و اعتدال. فلو تجلّت للمعترض حقيقتهم- بما هي في الواقع و نفس الأمر- لناط بهم ثقته، و ألقى إليهم مقاليده، لكن جهله بهم جعله في أمرهم كخابط عشواء، أو راكب عمياء في ليلةٍ ظلماء. يتّهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ، و صدوق المسلمين محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ، و شيخ الامّة محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ. و يستخفّ بكتبهم المقدّسة- و هي مستودع علوم آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم- و يرتاب في شيوخهم أبطال العلم و أبدال الأرض الذين قصروا أعمارهم على النصح للّه تعالى و لكتابه و لرسوله صلّى الله عليه و آله و سلّم و لأئمّة المسلمين و عامّتهم.

  • ٣- و قد علم البرّ و الفاجر حكم الكذب عند هؤلاء الأبرار، و الالوف من مؤلّفاتهم المنتشرة تلعن الكاذبين، و تعلن أنّ الكذب في الحديث من الموبقات الموجبة لدخول النار. و لهم في تعمّد الكذب في الحديث حكم قد امتازوا به حيث جعلوه من مفطّرات الصائم، و أوجبوا القضاء و الكفّارة على مرتكبه في شهر رمضان كما أوجبوهما بتعمّد سائر المفطّرات.

  • و فقههم و حديثهم صريحان بذلك. فكيف يُتَّهمون بعد هذا في حديثهم، و هم الأبرار الأخيار، قوّامون الليل صوّامون النهار؟ و بما ذا كان الأبرار من شيعة آل محمّد و أوليائهم متّهمين، و دعاة الخوارج و المرجئة و القدريّة

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

44
  • غير متّهمين لو لا التحامل الصريح، أو الجهل القبيح؟!

  • نعوذ بالله من الخذلان، و به نَستجير من سوء عواقبِ الظُّلم و العدوان، و لا حول و لا قوّة إلّا باللهِ العليّ العظيم. و السلام.۱

  • و واصل الفقيه المحدِّث العالم الشيعيّ الكبير السيّد شرف الدين كلامه في كتابه المبارك المذكور. فصرّح أنّ الميزان في صحّة الرواية عند العامّة قبول الأحاديث الموثوق بها سواء كان راويها من العامّة أم من الشيعة. و أورد أسماء مائة من أعاظم الشيعة و مشاهيرهم الذين اعترف السنّة أنفسهم بتشيّعهم، و أنّهم من المبرّزين في الفقه و الحديث و رواية السنّة، و أنّهم كانوا في ذروة الورع و التقوى و الزهد. و أحصاهم حسب الترتيب الهجائيّ. و ذكر لهم ترجمة موجزة، و نبّه على أنّهم كانوا من مشايخ الرواية في جميع الصحاح الستّة أو بعضها.

  • تنبيهاً لإخواننا العامّة و إيقاظاً لهم نكتفي فيما يأتي بذكر أسمائهم و كناهم و تأريخ حياتهم و مَن روى عنهم مِن مشايخ العامّة.

  • مائة من مشايخ الشيعة كانوا من شيوخ العامّة في الرواية

  • حرف الهمزة (أ)

  • ۱- أبَانُ بْنُ تَغْلِبَ بْنِ رِبَاحِ القَارِئ الكُوفِيّ. احتجّ به مسلم في صحيحه و أصحاب السنن الأربعة (أبو داود، و الترمذيّ، و النسائيّ، و ابن ماجة). مات سنة ۱٤۱.

  • ٢- إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود بن عمرو النخعيّ الكوفيّ الفقيه. احتجّ به البخاريّ و مسلم. ولد سنة ٥۰، و مات سنة ستّ أو خمس و تسعين بعد موت الحجّاج بأربعة أشهر.

    1. «المراجعات» ص ٣٩ إلى ٤۱، الطبعة الاولى.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

45
  • ٣- أحمد بن المُفَضَّل ابن الكوفيّ الحفريّ. احتجّ به أبو زرعة و أبو حاتم و أبو داود و النسائيّ.

  • ٤- إسماعيل بن أبان الأزديّ الكوفيّ الورّاق. شيخ البخاريّ في صحيحه. احتجّ به البخاريّ و الترمذيّ و يحيى و أحمد. مات سنة ٢۸٦ لكن القيسرانيّ ذكر أنّ وفاته كانت سنة ٢۱٦.

  • ٥- إسماعيل بن خليفة الملّائيّ الكوفيّ أبو إسرائيل. احتجّ به الترمذيّ و كثير من أرباب السنن.

  • ٦- إسماعيل بن زكريّا الأسديّ الخَلْقَانِيّ الكوفيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة.

  • ۷- إسماعيل بن عَبَّاد بن عبّاس الطالقانيّ أبو القاسم المعروف بالصاحب بن عبّاد. احتجّ بن أبو داود الترمذيّ.۱ توفّي ليلة الجمعة ٢٤

    1. قال السيّد شرف الدين في الطبعة الاولى من« المراجعات» ص ٤٤، عند ترجمة إسماعيل بن عبّاد بن عبّاس الطالقانيّ المعروف بالصاحب بن عبّاد: ذكره الذهبيّ في ميزانه، فوضع على اسمه( دت) رمزاً إلى احتجاج أبي داود و الترمذيّ به في صحيحيهما إلى آخر كلامه.
      و قال في الهامش: خالف الذهبيّ طريقته في الميزان عند ذكره لإسماعيل بن عبّاد حيث ذكره بين إسماعيل بن أبان الغنويّ، و إسماعيل بن أبان الأزديّ. و قد اهتضمنه فلم يوفه شيئاً من حقوقه.
      أقول: قال الذهبيّ في« ميزان الاعتدال» ج ۱، ص ٢۱٢:
      ۸٢٦- إسماعيل بن عَبَّاد[ د، ت] أبو القاسم الصاحب أديبٌ بارع شيعيّ معتزليّ. و له رواية قليلة. و نظمه لا بأس به. و شعره حَسَن جدّاً. و بتشبيهاته يضرب المثل. انتهى. سها الذهبيّ هنا، إذ عدّ أبا داود و الترمذيّ ممّن روى من الصحاب بن عبّاد. و حكاه المرحوم السيّد شرف الدين في كتابه بلا تحقيق فيه. لأنّ ابن خلّكان ذكر في وفيّاته في ج ۱، ص ٣۸٢ من الطبعة القديمة: أنّ ولادة أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزديّ السجستانيّ كانت في سنة ٢۰٢، و وفاته في يوم الجمعة منتصف شوّال سنة ٢۷٥. و يرى الذهبيّ في ش« ميزان الاعتدال» ج ٣، ص ٦۷۸: أنّ ولادة أبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذيّ كانت في سنة ٢۰٩، ذلك أنّه يذهب إلى أنّ وفاته كانت في سنة ٢۷٩، و هو ابن سبعين. لهذا كان ميلاده سنة ٢۰٩. من هنا فإنّ الصاحب بن عبّاد ولد بعد وفاة أبي داود و الترمذيّ. فكيف يتصوّر أحد أنّهما رويا عنه؟! و كانت ولادته على ما نقلت كتب التأريخ و أورده السيّد شرف الدين في ص ٤٥ من مراجعاته في سنة ٣٢٦ ه-. لأنّنا نعلم أنّ وفاته كانت في ليلة الجمعة ٢٤ صفر سنة ٣۸٥ و له من العمر تسع و خمسون سنة. فمولده حينئذٍ كان في سنة ٣٢٦. بناء على هذا فإنّه ولد بعد وفاة الترمذيّ بسبع و أربعين سنة، و بعد وفاة أبي داود بإحدى و خمسين سنة.
      ٣٢٦ ولادة الصاحب- ٢۷٩ وفاة الترمذيّ/ ٤۷ الفرق.
      ٣٢٦ ولادة الصاحب- ٢۷٥ وفاة أبي داود/ ٥۱ الفرق.
      من هنا يتّضح أنّه علينا ألّا نركن إلى كلام منقول بمجرّد نقله من قبل صاحبه. و ما لم يرجع المرء نفسه إلى المصادر الأصليّة، فلا يقرّ له قرار!
      و أمّا بخس الذهبيّ حقّ الصاحب العبّاد مع جلالته العلميّة و عظمته في النثر و النظم و الأدب العربيّ و تاليفاته كالمحيط في اللغة و غيره، و وزارته، و تأسيسه المدارس العظيمة و مكتبته التي لا نظير لها بالري، و تربيته للطلّاب، و عطاياه الجزيلة الوافرة، فهو أمر عجيب، إذ على الذهبيّ أن يؤلّف كتاباً مستقلًّا في ذلك. بَيدَ أنّه أجحف و جانب الصواب، إذ اكتفى بسطرين عنه كما نقلناه آنفاً. سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَا إلَّا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. و هذا كلّه يعود إلى تشيّع الصاحب و صلابته و شجاعته في تشيّعه. فلا بدّ للذهبيّ و أمثاله أن يكابروه، و يُخسروا إذا كالوه، بل يتركوا وفاضه خالياً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

46
  • من صفر سنة ٣۸٥ بالري عن ٥٩ سنة.

  • ۸- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الكوفيّ المفسّر المشهور بالسُّدِّيّ. احتجّ به مسلم و أصحاب السنن الأربعة، و وثّقه أحمد، و أخذ عنه الثوريّ و أبو بكر بن عيّاش. مات سنة ۱٢۷.

  • ٩- إسماعيل بن موسى الفَزاريّ الكوفيّ. احتجّ به الترمذيّ و أبو داود. مات سنة ٢٤٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

47
  • حرف التاء (ت)

  • ۱۰- تَلِيدُ بْنُ سُلَيمَان الكُوفِيّ الأعْرَج. احتجّ به أحمد و ابن نمير.

  • حرف الثاء (ث)

  • ۱۱- ثابت بن دينار المعروف بأبي حمزة الثماليّ. احتجّ به الترمذيّ و وكيع و أبو نُعيم. مات سنة ۱٥۰.

  • ۱٢- ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة أبو الجهم الكوفيّ مولى امّ هاني ابنة أبي طالب، أخذ عنه سفيان الثوريّ و شعبة، و أخرج له الترمذيّ في صحيحه.

  • حرف الجيم (ج)

  • ۱٣- جابر بن يزيد بن الحارث الجُعفيّ الكوفيّ. أخذ عنه شعبة و أبو عوانة، و احتجّ به النسائيّ و أبو داود و الترمذيّ. مات سنة ۱٢۷ أو ۱٢۸.

  • ۱٤- جرير بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ. احتجّ به جميع أهل الصحاح السّتة. مات سنة ۱۸۷.

  • ۱٥- جعفر بن زياد الأحمر الكوفيّ. احتجّ به الترمذيّ و النسائيّ.

  • مات سنة ۱٦۷.

  • ۱٦- جعفر بن سليمان الضَّبُعيّ البَصْريّ. أبو سليمان. احتجّ به مسلم و النسائيّ. مات سنة ۱۷۸.

  • ۱۷- جَمِيعُ بن عُمَيْرَة بن ثَعْلَبَة الكوفيّ التيميّ. له في السنن ثلاثة أحاديث، و حسّن الترمذيّ له.

  • حرف الحاء (ح)

  • ۱۸- الحارث بن حصيرة، أبو النُّعْمَان الأزديّ الكوفيّ. احتجّ به

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

48
  • النسائيّ.

  • ۱٩- الحارث بن عبد الله الهَمْدَانيّ صاحب أمير المؤمنين و خاصّته. احتجّ به النسائيّ.

  • ٢۰- حبيب بن أبي ثابت الأسديّ الكوفيّ الكاهليّ التابعيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة. مات سنة ۱۱٩.

  • ٢۱- الحسن بن حيّ، و اسم حيّ صالح بن صالح الهَمْدَانيّ. احتجّ به مسلم و أصحاب السنن. ولد سنة ۱۰۰، و ما سنة ۱٦٩.

  • ٢٢- الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةِ الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم. مات سنة ۱۱٥ عن خمس و ستين سنة.

  • ٢٣- حَمَّاد بن عيسى الجُهَنِيّ، غريق الجُحْفَة. احتجّ به الترمذيّ، و ابن ماجة القزوينيّ. مات سنة ٢۰٩.

  • ٢٤- حُمْرَانُ بْنُ أعْيَن أخو زُرارة. احتجّ به الدارقطنيّ.

  • حرف الخاء (خ)

  • ٢٥- خالدُ بنُ مخلَّد القطوانيّ أبو الهيثم الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم و جميع أصحاب السنن.

  • حرف الدال (د)

  • ٢٦- داود بن أبي عَوْف أبو الحجاف. احتجّ به أبو داود و النسائيّ.

  • حرف الزاي (ز)

  • ٢۷- زبيد بن الحارث بن عبد الكريم الياميّ الكوفيّ أبو عبد الرحمن. احتجّ به أصحاب الصحاح و أرباب السنن كافّة. مات سنة ۱٢٤.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

49
  • ٢۸- زيد بن الحباب أبو الحسين الكوفيّ التميميّ. احتجّ به مسلم.

  • حرف السين (س)

  • ٢٩- سالم بن أبي الجَعْد الأشجعيّ الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم و النسائيّ و أبو داود. توفّي ٩۷ أو ٩۸ و قيل: في سنة ۱۰۰ أو ۱۰۱.

  • ٣۰- سالم بن أبي حَفْصَة العِجْليّ الكوفيّ. احتجّ به الترمذيّ، و أخذ عنه السفيانان: سفيان الثوريّ و سفيان بن عُيَيْنة، كما أخذ عنه محمّد بن فضيل. مات سنة ۱٣۷.

  • ٣۱- سعد بن طريف الإسكاف الحنظليّ الكوفيّ. احتجّ به الترمذيّ و ابن ماجة القزوينيّ.

  • ٣٢- سعيد بن أشْوَع. احتجّ به البخاريّ و مسلم. توفّي في ولاية خالد بن عبد الله.

  • ٣٣- سعيد بن خيثم الهلاليّ. احتجّ به النسائيّ و الترمذيّ.

  • ٣٤- سَلِمَة بن الفَضْل الأبْرَش، قاضي الري. احتجّ به أبو داود و الترمذيّ. مات سنة ۱٩۱.

  • ٣٥- سَلِمَة بن كُهَيْل بن حَصِين بن كادح بن أسد الحضرميّ أبو يحيى. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات يوم عاشوراء سنة ۱٢۱.

  • ٣٦- سليمان بن صُرَد الخزاعيّ الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم.

  • قُتل مستهلّ ربيع الثاني سنة ٦٥ عن ٩٣ سنة بينما كان يقود جيش التوّابين (الذين ثأروا لدم الحسين عليه السلام).

  • ٣۷- سليمان بن طاخان التيميّ البصريّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ۱٤٣.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

50
  • ٣۸- سليمان بن قرم بن معاذ أبو داود الضبِّيّ الكوفيّ. احتجّ به مسلم و النسائيّ و الترمذيّ و أبو داود.

  • ٣٩- سليمان بن مهران الكاهليّ الكوفيّ الأعمش. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ۱٤۸.

  • حرف الشين (ش)

  • ٤۰- شَريك بن عبد الله بن سِنان بن أنس النَّخَعيّ الكوفيّ. القاضي.

  • احتجّ به مسلم و أصحاب السنن الأربعة. مات سنة ۱۷۷ أو ۱۷۸.

  • ٤۱- شُعبة بن الحجّاج أبو الوَرْد العتكيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. ولد سنة ۸٣، و مات سنة ۱٦۰.

  • حرف الصاد (ص)

  • ٤٢- صَعْصَعَة بن صُوحان بن حُجْر بن الحارث العَبْديّ. احتجّ به النسائيّ.

  • حرف الطاء (ط)

  • ٤٣- طاووس بن كيسان الخَوْلانيّ الهَمْدَانيّ أبو عبد الرحمن. احتجّ به أرباب الصحاح الستّة و غيرهم. توفّى حاجّاً بمكّة قبل يوم التروية بيوم، و ذلك في سنة ۱۰٤ أو ۱۰٦.

  • حرف الظاء (ظ)

  • ٤٤- ظالم بن عمرو بن سفيان، أبو الأسود الدؤليّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة. مات سنة ٩٩ و عمره ۸٥ سنة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

51
  • حرف العين (ع)

  • ٤٥- عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثيّ أبو الطُّفَيل. احتجّ به مسلم. وُلدَ عام احد. مات سنة ۱۰۰، و قيل: سنة ۱۰٢، أو ۱۰۷، أو ۱۱۰. و أرسل ابن القيسرانيّ أنّه مات سنة ۱٢۰.

  • ٤٦- عَبَّاد بن يعقوب الأسديّ الرَّواجِنيّ الكوفيّ. أخذ عنه الأئمّة الستّة كالبخاريّ و الترمذيّ و ابن ماجة و ابن خزيمة و ابن أبي داود. فهو شيخهم و محلّ ثقتهم. و مات في شوّال سنة ٢٥۰.

  • ٤۷- عبد الله بن داود أبو عبد الرحمن الهَمْدَانيّ الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ. مات في سنة ٢۱٢.

  • ٤۸- عبد الله بن شَدَّاد بن الهاد. احتجّ به أصحاب الصحاح كلّهم و سائر الأئمّة.

  • ٤٩- عبد الله بن عمر بن محمّد بن أبان بن صالح بن عُمَير القُرَشيّ الكوفيّ الملقّب مُشْكَدَانَة، شيخ مسلم و أبي داود و البغويّ، و خلق من طبقتهم أخذوا عنه، احتجّ به مسلم و أبو داود. مات في سنة ٢٣۷ أو ٢٣۸ أو ٢٣٩.

  • ٥۰- عبد الله بن لُهَيْعَة بن عَقَبَة الحضرميّ قاضي مصر و عالمها، احتجّ به الترمذيّ و أبو داود و ابن ماجة القزوينيّ. مات منتصف ربيع الثاني سنة ۱۷٤.

  • ٥۱- عبد الله بن ميمون القدّاح المكّيّ. من أصحاب الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام. احتجّ به الترمذيّ.

  • ٥٢- عبد الرحمن بن صالح الأزديّ أبو محمّد الكوفيّ. احتجّ به النسائيّ و عبّاس الدوريّ و الإمام البغويّ. مات سنة ٢٣٥.

  • ٥٣- عبد الرزّاق بن همّام بن نافع الحِمْيَريّ الصنعانيّ. كان من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

52
  • أعيان الشيعة و خيرة سلفهم الصالحين. و هو مصنّف «الجامع الكبير». احتجّ به أصحاب الصحاح و المسانيد جميعهم. أدرك من أيّام الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام اثنتين و عشرين سنة عاصره فيها. و مات في أيّام الإمام أبي جعفر الجواد عليه السلام قبل وفاته بتسع سنين. لأنّه ولد سنة ۱٢٦ و مات سنة ٢۱۱.

  • ٥٤- عبد الملك بن أعْيَن أخو زُرارة و حُمران و بُكَير و عبد الرحمن، و مَلِك و موسى و ضُرَيس، و امّ الأسود بني أعين، حدّث عنه السفيانان (الثوريّ و ابن عُيَيْنَة). و قال ابن القيسرانيّ: كان شيعيّاً. و سمع أبا وائل في التوحيد عند البخاريّ، و في الإيمان عند مسلم، و روى عنه سفيان بن عُيَيْنَة.

  • ٥٥- عبيد الله بن موسى العَبْسيّ الكوفيّ. شيخ البخاريّ في صحيحه. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. كانت وفاته مستهلّ ذي القعدة سنة ٢۱٣.

  • ٥٦- عثمان بن عُمَير أبو اليقظان الثقفيّ الكوفيّ البَجَليّ. يقال له: عثمان بن أبي زرعة. احتجّ به أبو داود و الترمذيّ و غيرهما.

  • ٥۷- عَديّ بن ثابت الكوفيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة، و أجمعوا على الإخراج عنه.

  • ٥۸- عَطِيَّة بن سَعْد بن جُنَادَة العَوْفيّ الكوفيّ أبو الحسن التابعيّ الشهير. احتجّ به أبو داود و الترمذيّ. توفّى سنة ۱۱۱.

  • ٥٩- العلاء بن صالح التيميّ الكوفيّ. احتجّ بن أبو داود و الترمذيّ.

  • ٦۰- عَلْقَمَة بن قيس بن عبد الله النَّخَعيّ أبو شبل. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ٦٢.

  • ٦۱- عليّ بن بَديمَة. أخرج عنه أصحاب السنن.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

53
  • ٦٢- عَليّ بن الجَعْد أبو الحسن الجوهريّ البغداديّ. مولى بني هاشم، أحد شيوخ البخاريّ و احتجّ به. توفّى سنة ٢٣۰ و هو ابن ٩٦ سنة.

  • ٦٣- عليّ بن زيد بن عبد الله بن زهير بن أبي مليكة بن جَذْعان أبو الحسن القُرشيّ التيميّ البصريّ. احتجّ به مسلم. توفّي سنة ۱٣۱.

  • ٦٤- عليّ بن صالح أخو الحسن بن صالح. احتجّ به مسلم. ولد سنة ۱۰۰، و مات سنة ۱٥۱.

  • ٦٥- عليّ بن غُراب أبو يحيى الفَزَاريّ الكوفيّ. احتجّ به النسائيّ و ابن ماجة القزوينيّ. مات سنة ۱۸٤ أيّام هارون.

  • ٦٦- عليّ بن قادِم أبو الحسن الخُزاعيّ الكوفيّ. احتجّ به الترمذيّ و أبو داود. مات سنة ٢۱٣.

  • ٦۷- عليّ بن المنذر الطرائفيّ. شيخ الترمذيّ و النسائيّ و ابن صاعد و عبد الرحمن بن أبي حاتم، و غيرهم من طبقتهم أخذوا عنه و احتجّوا به، و احتجّ به الترمذيّ و النسائيّ و ابن ماجة القزوينيّ في سننهم. مات سنة ٢٥٦.

  • ٦۸- عليّ بن هاشم بن البريد أبو الحسن الكوفيّ الخزّاز العائذيّ.

  • أحد مشائخ الإمام أحمد. احتجّ به الخمسة (أصحاب الصحاح و السنن ما عدا البخاريّ). مات سنة ۱۸۱.

  • ٦٩- عمّار بن زُرَيق الكوفيّ. احتجّ به مسلم، و أبو داود و النسائيّ.

  • ۷۰- عمّار بن معاوية أو ابن أبي معاوية. احتجّ به مسلم و أصحاب السنن الأربعة. توفّي سنة ۱٣٣.

  • ۷۱- عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. ولد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، و توفّي سنة ۱٢۷، أو ۱٢۸، أو ۱٢٩، أو ۱٣٢.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

54
  • ۷٢- عوف بن أبي جميلة البصريّ أبو سهل، يُعرَف بالأعرأبي.

  • احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ۱٤٦.

  • حرف الفاء (ف)

  • ۷٣- الفضل بن دُكَين المُلائيّ الكوفيّ أبو نعيم. شيخ البخاريّ في صحيحه. احتجّ به أرباب الصحاح الستّة. كان مولده سنة ۱٣۰، و وفاته سنة ٢٢۰ أيّام المعتصم.

  • ۷٤- فُضيل بن مرزوق الأغرّ الرواسيّ الكوفيّ أبو عبد الرحمن.

  • احتجّ به مسلم. مات سنة ۱٥۸.

  • ۷٥- فطر بن خليفة الحَنَّاط الكوفيّ. احتجّ به البخاريّ و أرباب السنن الأربعة و غيرهم. مات سنة ۱٥٣.

  • حرف الميم (م)

  • ۷٦- مالك بن إسماعيل بن زياد بن دِرْهم أبو غسّان الكوفيّ النهديّ. شيخ البخاريّ في صحيحه. احتجّ به مسلم. مات سنة ٢۱٩.

  • ۷۷- محمّد بن خازم أبو معاوية الضَّرير التميميّ الكوفيّ. احتجّ به أرباب الصحاح الستّة. مات سنة ۱٩٥.

  • ۷۸- محمّد بن عبد الله الضبِّيّ الطَّهَانيّ النيسابوريّ أبو عبد الله الحاكم. إمام الحفّاظ و المحدِّثين. ولد سنة ٣٢۱، و مات سنة. ٤۰٥ -

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

55
  • ... ۱

    1. ذكر السيّد شرف الدين في كتاب« المراجعات» بعض الأعلام و الأساطين، و لإثبات تشيّعهم فقد استشهد بكلام أهل السنّة الذين عبّروا عنهم بالرافضة، أو الرافضة الخبثاء، أو الشيعة، أو أنّ لهم ميلًا إلى التشيّع. في حين إذا رجعنا إلى ترجمتهم و كتبهم وجدناهم من العامّة في الاصول و الفروع و لا يمكن أن نسمّيهم شيعة. و سار المرحوم آية الله السيّد حسن الصدر على نفس المنوال أيضاً في كتاب« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» و كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» فعدّ بعض العامّة شيعة كالحاكم النيسابوريّ صاحب« المستدرك»، الذي قالت عنه كتب التراجم إنّه شافعيّ.
      أمّا صاحب« المراجعات» فقد عدّه في ص ٩٢، تحت الرقم ۷۸ من علماء الشيعة و ذكره بما نصّه: محمّد بن عبد الله الضبّيّ الطهانيّ النيسابوريّ أبو عبد الله الحاكم إمام الحفّاظ و المحدِّثين، و صاحب التصانيف التي لعلّها تبلغ ألف جزء.
      و أمّا صاحب« تأسيس الشيعة ...» فقد عدّه إماميّاً أيضاً في ص ٢٦۰ و ٢٩٤ من كتابه المذكور، و في ص ۷٥ من كتابه« الشيعة و فنون الإسلام»، إذ قال فيه: و الحاكم من الشيعة باتّفاق الفريقَين. فقد نصّ السمعانيّ في« الأنساب»، و الشيخ أحمد بن تيميّة، و الحافظ الذهبيّ في« تذكرة الحفّاظ» على تشيّعه. بل حكى الذهبيّ في« تذكرة الحفّاظ» عن ابن طاهر أنّه قال: سألت أبا إسماعيل الأنصاريّ عن الحاكم فقال: ثقة في الحديث، رافضيّ خبيث.
      قال الذهبيّ: ثمّ قال ابن طاهر: كان الحاكم شديد التعصّب للشيعة في الباطن، و كان يظهر التسنّن في التقديم و الخلافة. و كان منحرفاً عن معاوية و آله متظاهراً بذلك و لا يعتذر منه، إلى آخر ما ذكره الذهبيّ.
      قال المرحوم الصدر: و قد نصّ أصحابنا على تشيّعه كالشيخ محمّد بن الحسن الحرّ في آخر« الوسائل»، و حُكي عن ابن شهرآشوب في« معالم العلماء» في باب الكنى أنّه عدّه في مصنّفي الشيعة، و أنّ له« الأمالي» و كتاباً في« مناقب الرضا»، و ذكروا له كتاب« فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام» و قد عقد له المولي عبد الله أفندي في كتابه« رياض العلماء» ترجمة مفصّلة في القسم الأوّل من كتابه المختصّ بذكر الشيعة الإماميّة، و ذكره في باب الألقاب، و باب الكنى، و نصّ عليه، و ذكر له كتاب« اصول علم الحديث»، و كتاب« المدخل إلى علم الصحيح». قال: و استدرك على البخاريّ في صحيحه أحاديث منها في أهل البيت حديث الطير المشويّ، و حديث مَن كنت مولاه. انتهى كلام الصدر رحمه الله.
      علماً أنّ الحاكم عدّ الشيخين في كتبه خليفتَين، و في الفروع مثلًا في كتاب الطهارة، باب الوضوء يتعبّد بفقه العامّة و يتّبع آراءهم و أخبارهم بدون تقيّة.
      و يجدر بنا أن نقول هنا: لقد عدّ هؤلاء العظماء الحاكم و أمثاله من الشيعة لتقديمه أمير المؤمنين عليه السلام على عثمان، و كثرة رواياته في مناقب أهل البيت، حتى لُقِّب بالرافضيّ و أمثاله، و هذا لا يكفي في التشيّع. فأصل التشيّع القول بخلافة مولى الموالي عليه السلام بلا فصل، و تقديمه على الشيخين في الولاية الظاهريّة و الباطنيّة و الاصول و الفروع.
      و لن يكون المرء شيعيّاً إلّا أن يعتقد بأنّهما غاصبان للخلافة، و أنّ التبريّ عِدل التوليّ. كما نلحظ أنّ البعض يقدّم أمير المؤمنين عليه السلام على معاوية و يسبّ معاوية و يلعنه لكنّه يرى عثمان خليفة كابن أبي الحديد. و لنا أن نعدّ هؤلاء شيعة لأمير المؤمنين عليه السلام في مقابل حزب معاوية و تكتّله، لا شيعة في مقابل عثمان، و لا شيعة في مقابل الشيخين و عثمان، فافهم فإنّه دقيق.
      أجل، يستبين من العبارات المنقولة عن الحاكم أنّ تشيّعه بمعنى تقديم أمير المؤمنين عليه السلام على عثمان و معاوية إلّا أن تدلّ العبارة المأثورة أنّه شديد التعصّب للشيعة في الباطن، و كان يظهر التسنّن في التقديم و الخلافة على رفض الشيخين في الباطن لمصالح و محاذير أملتها التقيّة فاعتقد بتقدّمهما في الظهار و حينئذٍ فهو شيعيّ، أمّا لفظ الذهبيّ الذي أورده السيّد حسن الصدر في« تأسيس الشيعة» ص ٢٩٤ بعد هذا الكلام: و كان منحرفاً عن معاوية و آله متظاهراً بذلك و لا يعتذر منه، قال الذهبيّ: قلتُ: أمّا انحرافه عن خصوم عليّ فظاهر. أمّا أمر الشيخين فمعظِّم لهما بكلّ حال فهو شيعيّ لا رافضيّ. انتهى كلامه في« تذكرة الحفّاظ». فلا يستفاد منه رفض الشيخين، و لم يُشمّ منه كلام يصرّح بغصبهما لحقّ أمير المؤمنين عليه السلام الثابت. فالحكم بتشيّعه بالمعنى الصحيح مشكل. و الله العالم بسرائر عباده و هو اللطيف الخبير. إلّا أنّه- كما أشرنا- إذا استبان من كتبه و كلماته أنّه كان يرفض الشيخين في الباطن لكنّه لم يصرّح بذلك تقيّة، فهو شيعيّ صحيح التشيّع.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

56
  • ۷٩- محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع المَدَنيّ. احتجّ به الترمذيّ و ابن ماجة القزوينيّ و الطبرانيّ.

  • ۸۰- محمّد بن فُضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفيّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ۱٩٥، و قيل: سنة ۱٩٤.

  • ۸۱- محمّد بن مسلم بن الطائفيّ. كان من البارزين في أصحاب الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام. احتجّ به مسلم. مات سنة ۱۷۷.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

57
  • و في تلك السنة مات سميّه محمّد بن مسلم بن جمّاز بالمدينة.

  • ۸٢- محمّد بن موسى بن عبد الله الفِطْريّ المدنيّ. احتجّ به مسلم و أصحاب السنن.

  • ۸٣- معاوية بن عمّار الدُّهْنِيّ البَجَليّ الكوفيّ. احتجّ به مسلم و النسائيّ. مات سنة ۱۷٥.

  • ۸٤- معروف بن خَرَّبوذ الكرخيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم و أبو داود. توفّي ببغداد سنة ٢۰۰، و قبره معروف يزار. و كان سَريّ السَّقَطي من تلامذته.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

58
  • ... ۱

  • ترجمة معروف الكرخيّ و توثيقه

    1. ظنّ آية السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ رضوان الله عليه أنّ معروف ابن خرّبوذ هو معروف الكرخيّ نفسه، فقال في ترجمته: معروف بن خرّبوذ ۱ الكرخيّ.
      أورده الذهبيّ في ميزانه فوصفه بأنّه صدوق شيعيّ، و وضع على اسمه رمز البخاريّ و مسلم و أبي داود إشارة إلى إخراجهم له. و ذكر أنّه يروي عن أبي الطفيل، قال: هو مُقلّ، حدَّث عنه أبو عاصم و أبو داود و عبيد الله بن موسى و آخرون. و نقل عن أبي حاتم أنّه قال: يكتب حديثه.
      قلتُ: و ذكره ابن خلّكان في« الوفيّات» فقال: هو من موالي عليّ بن موسى الرضا. ثمّ استرسل في الثناء عليه، فنقل عنه حكاية قال فيها: و أقبلت على الله تعالى و تركت جميع ما كنت عليه إلّا خدمة مولاي عليّ بن موسى الرضا عليه السلام ... إلى آخره.
      و ابن قتيبة حين أورد رجال الشيعة في كتابه« المعارف» عدّ معروفاً منهم. احتجّ مسلم بمعروف. و دونك حديثه في الحجّ من الصحيح عن أبي الطفيل. توفّي ببغداد ٢۰۰، ٢ و قبره معروف يزار، و كان سَريّ السَّقَطي من تلامذته. انتهى.
      أقول: معروف بن خَرَّبوذ و معروف الكرخيّ شخصان لا شخص واحد. أوّلًا: لا يصحّ وصف ابن خرّبوذ بالكرخيّ. ثانياً: كلامه: أنّ الذهبيّ أورده في ميزانه إلى قوله: و نقل عن أبي حاتم أنّه قال: يكتب حديثه، ينطبق على ابن خرّبوذ. ثالثاً: كلامه: قلتُ: و ذكره ابن خلّكان في« الوفيّات»، إلى كلامه: و ابن قتيبة حين أورد رجال الشيعة في كتابه« المعارف» عدّ معروفاً منهم، ينطبق على معروف الكرخيّ. رابعاً: كلامه: احتجّ مسلم بمعروف، و دونك حديثه في الحجّ من الصحيح عن أبي الطفيل، ينطبق على معروف بن خرّبوذ.
      خامساً: كلامه: توفّي ببغداد سنة ٢۰۰، و قبره معروف يزار، و كان سريّ السقطيّ من تلامذته، ينطبق على معروف الكرخيّ.
      و فيما يأتي حديث موجز يحوم حول ترجمتهما:
      أمّا معروف بن خرّبوذ فقد جاءت ترجمته في جميع كتب الرجال، و منها« تنقيح المقال» للمامقانيّ، ج ٣، ص ٢٢۷ و ٢٢۸؛ و مجملها: معروف بن خرّبوذ المكّيّ. و قد عدّ الشيخ الرجل في رجاله تارة من أصحاب السجّاد عليه السلام، و اخرى من أصحاب الباقر عليه السلام بالعنوان المذكور، و ثالثة من أصحاب الصادق عليه السلام ... و في« الوجيزة» و« البُلْغَة» أنّه: ثقة اجْتَمَعَتِ العِصَابَةُ عَلَى تَصْحِيحِ مَا يَصِحُّ عَنْهُ- انتهى. و أشارا بذلك إلى قول الكشّيّ في عبارته ... اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام، و انقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأوّلين ستّة: زرارة و معروف بن خرّبوذ و بُرَيد ... إلى آخره.
      فمن الأخبار المادحة ما رواه( الكشّيّ) بقوله: ذكر أبو القاسم نصر بن الصَّبَاح عن الفضل قال: دخلتُ على محمّد بن أبي عمير و هو ساجد، فأطال السجود، فلمّا رفع رأسه و ذكر له طول سجوده، فقال له: كيف لو رأيت جميل بن دُرّاج؟! ثمّ حدّثه أنّه دخل على جميل بن دُرّاج فوجده ساجداً، فأطال السجود جدّاً. فلمّا رفع رأسه، قال له محمّد بن أبي عمير: أطلتَ السجود! فقال له: لو رأيت معروف بن خرّبوذ!
      و منها: ما رواه هو رحمه الله عن طاهر بن عيسى قال: وجدتُ في بعض الكتب عن محمّد بن الحسين، عن إسماعيل بن قُتَيبة، عن أبي العلاء الخفّاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنَا وَجْهُ اللهِ! وَ أنَا جَنْبُ اللهِ، وَ أنَا الأوَّلُ! وَ أنَا الآخِرُ! وَ أنَا الظَّاهِرُ! وَ أنَا البَاطِنُ! وَ أنَا وَارِثُ الأرْضِ. وَ أنَا سَبِيلُ اللهِ! وَ بِهِ عَزَمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذُ: وَ لَهَا تَفْسِيرٌ غَيْرُ مَا يَذْهَبُ فِيهَا أهْلُ الغُلُوِّ.
      و منها: ما رواه هو رحمه الله عن طاهر قال: حدّثني جعفر، قال: حدّثنا الشجاعيّ عن محمّد بن الحسين، عن سلام بن بشر الرمّانيّ و على بن إبراهيم التيميّ، عن محمّد الأصفهانيّ قال: كنت قاعداً مع معروف بن خرّبوذ بمكّة و نحن جماعة، فمرّ بنا قوم على حمير معتمرون من أهل المدينة. فقال لنا معروف: فاسألوهم ما كان بها؟! فسألناهم، فقالوا: مات عبد الله بن الحسن! فأخبرناه بما قالوا. فلمّا جاوزوا، مرّ بنا قوم آخرون. فقال لنا معروف: فاسألوهم ما كان بها؟! فسألناهم، فقالوا: كان عبد الله بن الحسن بن الحسن أصابته غشية، و قد أفاق، فأخبرناه بما قالوا. فقال: ما أدري ما يقول هؤلاء و اولئك؟! أخبرني ابن المُكَرَّمة ٣، يعني أبا عبد الله عليه السلام أنّ قبر عبد الله بن الحسن و أهل بيته على شاطئ الفرات، قال:
      فحملهم أبو الدوانيق فقُبروا على شاطئ الفرات.
      وجه دلالته على مدحه أنّ جزمه بما أخبره به الصادق عليه السلام يكشف عن قوّة إيمانه. ثمّ نقل المرحوم المامقانيّ عدداً من الأخبار الذامّة له، و قام بتوجيهها، و أثبت جلالة مقامه، و أثنى عليه، و وثّقه. و أورد الشيخ محمّد تقي التُّستَريّ في الجزء التاسع من« قاموس الرجال»، ص ٥۱ إلى ٥٣ عدداً من الروايات في مدحه، محتذياً حذو المامقانيّ.
      و ذكر ابن خلّكان ترجمة معروف الكرخيّ في« وفيّات الأعيان» ج ٢، ص ٥٥۱ إلى ٥٥٣ من الطبعة القديمة، فقال:( أبو محفوظ معروف بن فيروز، و قيل: الفيروزان، و قيل: عليّ، الكرخيّ الصالح المشهور) و هو من موالي عليّ بن موسى الرضا، و قد تقدّم ذكره. و كان أبواه نصرانيَّين، فأسلماه إلى مؤدّبهم و هو صبيّ. فكان المؤدِّب يقول له: قل: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فيقول معروف: بَلْ هُوَ الوَاحِدُ. فضربه المعلّم على ذلك ضرباً مبرحاً، فهرب منه. و كان أبواه يقولان: ليته يرجع الينا على أيّ دين شاء فنوافقه عليه!
      ثمّ إنّه أسلم على يد عليّ بن موسى الرضا. و رجع إلى أبويه، فدقّ الباب، فقيل له: من بالباب؟ فقال: معروف، فقيل له: على أيّ دين؟ فقال: على الإسلام! فأسلم أبواه.
      و كان مشهوراً بإجابة الدعوة، و أهل بغداد يستسقون بقبره، و يقولون: قَبْرُ مَعْرُوفٍ تِرْيَاقٌ مُجَرَّبٌ.
      و كان سريّ السَّقَطيّ تلميذه. و قال له يوماً: إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فأقسم عليه بي! و قال سريّ السَّقَطيّ: رأيتُ معروفاً الكرخيّ في النوم كأنّه تحت العرش، و الباري جلّت قدرته يقول لملائكته: من هذا؟ و هم يقولون: أنت أعلم يا ربّنا منّا! فقال: هَذَا مَعْرُوفٌ الكَرْخِيّ سَكَرَ مِنْ حُبِّي فَلَا يَفِيقُ إلَّا بِلِقَائِي.
      و قال معروف: قال لي بعض أصحاب داود الطائيّ: إيّاك أن تترك العمل! فإنّ ذلك الذي يقرّبك إلى رضا مولاك. فقلتُ: و ما ذلك العمل؟ قال: دوام الطاعة لمولاك، و حرمة المسلمين، و النصيحة لهم.
      و قال محمّد بن الحسين: سمعت أبي يقول: رأيتُ معروفاً الكرخيّ في النوم بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي! فقلتُ: بزهدك و ورعك؟ فقال: لا، بل بقبول موعظة ابن السَّمّاك، و لزومي الفقر، و محبّتي للفقراء.
      و كانت موعظة ابن السمّاك ما رواه معروف قال: كنتُ مارّاً بالكوفة، فوقفتُ على رجل يقال له: ابن السَّمَّاك، و هو يعظ الناس. فقال في خلال كلامه: مَن أعرض عن الله بكلّيّته، أعرض عنه الله جملة. و من أقبل على الله تعالى بقلبه، أقبل الله تعالى برحمته عليه، و أقبل بوجوه الخلق إليه. و من كان مرّة و مرّةً فالله تعالى يرحمه وقتاً ما. فوقع كلامه في قلبي، و أقبلت على الله تعالى و تركت جميع ما كنت عليه إلّا خدمة مولاي عليّ بن موسى الرضا و ذكرتُ هذا الكلام لمولاي، فقال: يكفيك هذا موعظة إن اتّعظت.
      و قيل لمعروف في مرض موته: أوصِ! فقال: إذا متُّ فتصدّقوا بقميصي، فإنّي اريد أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلتها عرياناً!
      و مرّ معروف بسقّاء، و هو يقول: رحم الله من يشرب. فتقدّم و شرب، و كان صائماً، فقيل له: أ لم تك صائماً؟ قال: بلى، و لكن رجوتُ دعاءه!
      و أخبار معروف و محاسنه أكثر من أن تعدّ. و توفّي سنة ٢۰۰، و قيل: ٢۰۱، و قيل:
      ٢۰٤ ببغداد. و قبره مشهور بها يزار رحمه الله تعالى. و الكرخيّ بفتح الكاف و سكون الراء و بعدها خاء معجمة. هذه النسبة إلى الكرخ، و هو اسم تسعة مواضع ذكرها ياقوت الحمويّ في كتابه. و أشهرها كرخ بغداد. و الصحيح أنّ معروفاً الكرخيّ منه. و قيل: إنّه من كرخ جُدّان بضمّ الجيم و تشديد الدال المهملة و بعد الألف نون. و هي بُليدة بالعراق تفصل بين ولاية خانقين و شهرزور، و الله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام صاحب« وفيّات الأعيان» في ترجمة معروف هنا.
      و ذكر الشيخ محمّد تقي التستريّ في« قاموس الرجال» ج ٩، ص ٥٤، ترجمة معروف بإيجازٍ و باسلوب مستهجَن، كما هو دأبه في الاستخفاف بالمطالب العرفانيّة و الإزراء بالعرفاء العظام، فقد قال فيه:
      [ معروف] الكرخيّ. قال: و في« أربعين البهائيّ»، و« شرح النخبة»، و« مجمع البحرين» أنّه روي عن الصادق عليه السلام. و يعارضه رواية« المناقب» إسلامه على يد الرضا عليه السلام. أقول: و في« فهرست» ابن النديم: أخذ الخلديّ عن جُنيد، و جُنيد عن السَّريّ، و السَّريّ عن معروف الكرخيّ، و معروف عن داود فَرْقَد، و فرقد عن الحسن البصريّ، و الحسن عن أنس. و في« تاريخ بغداد»:( قال ابن المنادي: كان بالجانب الغربيّ من بغداد أبو محفوظ معروف بن الفيروزان، و يُعرف بالكرخيّ، توفّي سنة ٢۰۰) و نقل عنه كرامات مجعولة. انتهى ما جاء في« القاموس».
      لاحظوا إلى أيّ مدى حطّ من شأن الرجل! أوّلًا: أسقط رواية« الأربعين»، و« شرح النُّخبة»، و« مجمع البحرين» لتعارضها فحسب، و لم يتوفّر على دراسة هذا الموضوع.
      ثانياً: أوصل سلسلة معروف إلى فرقد، و الحسن البصريّ، و أنس. و لم يذكر أقوال رجال آخرين غير ابن النديم، و هم عدوّه من شيعة الإمام الرضا عليه السلام و خدّامه، و لم يذكر أيضاً حتى كلام العلّامة الحلّيّ الذي قال في بحث الإمامة من« شرح التجريد»: فَأبُو يَزِيدَ البَسْطَامِيّ كَانَ يَفْتَخِرُ بِأنَّهُ يَسْقِي المَاءَ لِدَارِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ مَعْرُوفٌ الكَرْخِيّ أسْلَمَ على يَدَيِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ كَانَ بَوَّابَ دَارِهِ إلى أنْ مَاتَ ٤.
      ثالثاً: لمّا ذكر كلام ابن المنادي الذي نقله الخطيب في« تاريخ بغداد» قال: و نُقل عنه كرامات مجعولة.
      على أيّ! أساسٍ تعدّ الكرامات المنقولة عنه مزوّرة موضوعة بلا دليل و لا برهان، و بدون مشاهدة و عيان!! و ما ذا تقول يوم القيامة إذا اعترضك الشيخ معروف، أو تصدّى لك في بعض العقبات، و آخذك على هذه التهم و التقوّلات المرسَلة بلا مصدر يُعتمَد عليه؟!
      أمّا الشيخ عبد الله المامقانيّ فقد أنصف في« تنقيح المقال» ج ٣، ص ٢٢۸ و ٢٢٩.
      و بعد كلام مفصّل له يذهب فيه إلى أنّ الشيخ معروفاً لا يمكن أن يكون من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، قال: و على كلّ حال، فالأظهر كون الرجل إماميّاً لتسالم أهل السير على أنّه أسلم على يد الرضا عليه السلام، و لم يكن زمان الرضا عليه السلام زمان تقيّة. فلا بدّ و أن يكون مَنْ يسلم على يده إماميّاً اثني عشريّاً.
      مضافاً إلى تسالم أهل السير على أنّه كان من موالي الرضا عليه السلام حتى قيل إنّه كان بوّاباً له، بل عن الجاميّ أنّه مات على باب الرضا عليه السلام بازدحام الناس و قد وطئوه، و إن كان يردّ ذلك أنّ الرضا عليه السلام يومئذٍ، أعني سنة وفاة معروف، و هي سنة مائتين أو مائتين و واحدة، كان بخراسان. فلو كان موته على بابه لم يكن قبره ببغداد لعدم تعارف النقل يومئذٍ سيّما من دون مقتضٍ و لا داعٍ.
      و ممّا يشهد بكونه إماميّاً ما حُكي عنه من أنّه قال: كنتُ مارّاً بالكوفة، فوقفتُ على رجل يقال له: ابن السَّمَّاك و هو يعظ الناس.( ثمّ نقل المامقانيّ هنا قصّة الموعظة و تشرّفه بخدمة الإمام الرضا عليه السلام. و هذا دليل على أنّه كان متلقياً أمراً من الإمام الرضا عليه السلام).
      و حكى عنه أنّه كان يقول: أقْسِمُوا عَلَى اللهِ بِرَأسِي وَ اطْلُبُوا حَوَائِجَكُمْ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مَنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ! فَقَالَ: أنّي قُلْتُ ذَلِكَ لأنِّي وَضَعْتُ رَأسِي عَلَى بَابِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مُدَّةً!
      و جاء رجل إلى الرضا عليه السلام ليعلّمه دعاءً يسكن البحر به عند الطوفان فلم يتمكّن من الوصول إليه. فكتب معروف شيئاً و أعطاه، و قال له: إذا اضطرب البحر فاقرأ ما في الكتاب، يسكن!
      فأخذ الرجل ثمّ سافر إلى البحر. فلمّا رأى آثار الطوفان، فتح الكتاب ليقرأ الدعاء ظنّاً منه أنّ فيه دعاءً قد تعلّمه معروف من الرضا عليه السلام، فرأى فيه مكتوباً: أيُّهَا البَحْرُ! اسْكُنْ بِحَقِّ مَعْرُوفٍ صَاحِبِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ! فتغيّر الرجل من ذلك و طرحه في البحر فسكن بإذن الله تعالى. فعرفوا أنّه من بركاته. و صار ذلك عادة لأهل البحر بعد ذلك.
      فإنّ ذلك كلّه يكشف عن يقينه بالرضا عليه السلام و خلوص عقيدته فيه، و جزمه بأنّ جلالته عليه السلام عند الله تعالى تقضي قضاء حاجة من توسّل برأسه ببركة مولاه عليه السلام. و حيث كان إماميّاً، كان زهده و كونه بوّاباً للرضا عليه السلام مدرجاً له في الحِسان إن لم نستفد من غاية زهده وثاقته.
      وهنا أجاب آية الله المامقانيّ عن عددٍ من الإشكالات المثارة على إماميّته، فقال:
      فمنها: ميل العامّة إليه و تكريمهم لقبره، حتى قال في« القاموس»: إن مَعُرُوفَ بْنَ فِيرُوزانَ الكَرْخِيّ قَبْرُهُ التِّرْيَاقُ المُجَرَّبُ ٥ بِبَغْدَادَ. انتهى.
      و نقل في« التاج» في شرح العبارة عن الصاغانيّ أنّه قال: عَرَضَتْ لي حاجة و حيّرتني في سنة خمس عشرة و ستمائة، فأتيتُ قبره، و ذكرت له حاجتي كما تذكر للأوصياء معتقداً أنّ أولياء الله لا يموتون، و لكن ينتقلون من دار إلى دار، و انصرفت، فَقُضِيَتِ الحاجة قبل أن أصل إلى مسكني. و قال القشيريّ في رسالته المعروفة: إن مَعْرُوفَ بْنَ فِيرُوزَ الكَرْخِيّ كَانَ مِنَ المَشَايِخِ الكِبَارِ، مُجَابَ الدَّعْوَةِ، يُسْتَشْفَي بِقَبْرِهِ، يَقُولُ البَغْدَادِيُّونَ: قَبْرُ مَعْرُوفٍ تِرْيَاقٌ مُجَرَّبٌ.
      انتهى.
      و منها: أنّ خلوّ كتب الرجال طرّاً عن ذكره مدحاً و ذمّاً ممّا يريب الفطن في اختصاصه بالرضا عليه السلام، سيّما خلوّ كتاب« عيون أخبار الرضا عليه السلام» عن ذكره. بل جزم الفاضل المجلسيّ رحمه الله بعدم كونه بوّاباً لمولانا الرضا عليه السلام معلِّلًا بأنّه لو كان كذلك، لكان ينقله أصحاب كتب الرجال من الشيعة، مع أنّهم لم يدعوا رطباً و لا يابساً من أصحاب الأئمّة و خواصّهم و خدّامهم و مواليهم من الممدوحين و المذمومين و المشهورين و المجهولين إلّا و قد تعرّضوا لبيانه و ذكره، و لم يكونوا ليهملوا ذكر ما ورد في شأنه.
      لأنّا نقول: إن من المقرّر المعلوم أنّ الفعل مجمل لكونه ذا جهات، و ما لم تتبيَّن جهة الفعل لم يمكن الاحتجاج به. و ميل العامّة إليه و تبرّكهم بقبره إنّما هو باعتبار زهده و تركه للدنيا، فإنّهم يميلون إلى كلّ مَن اتّصف بذلك، و إن لم يكن مسلماً، فضلًا عمّا لو كان رافضيّاً.
      و يؤيّد ما ذكرنا أنّ جمعاً من العامّة، منهم: القُشَيريّ، مع تصريحهم بأنّه مجاب الدعوة، و أنّ قبره ترياق، نصّوا على أنّه من موالي الرضا عليه السلام. ٦
      و أمّا خلّوا الكتب عن ذكره، فلعلّه لأنّ الصوفيّة لمّا انتسبوا إليه و ادّعوا كونه منهم اقتضت المصلحة السكوت عنه، نظير تجويز الشارع قتل المسلم الذي تترّس به الكفّار.
      و يشهد بما قلناه إنّه لو كان مذموماً لرووا فيه الذمّ. فسكوتهم عن ذمّه يكشف عن أنّ عدم تعرّضهم لمدحه لإخمال ذكره حتى لا يحتجّ المتصوّفون بمدحنا إيّاه على طريقتهم لانتسابهم الكاذب إليه، و إلّا فلم ينقل عنه ما يقضي بالتصوّف. ۷
      و إنّما نسب المتصوّفون إليه التصوّف رواجاً لطريقتهم الفاسدة. و هذه عادة أهل المذاهب الفاسدة، ينسبون إلى مؤمن تقيّ مذهبهم كذباً و بهتاناً لترويج مذهبهم الفاسد.
      أ ليس ينسبون التصوّف إلى أمير المؤمنين عليه السلام البريء منهم و من مسلكهم؟
      و من أغلاط المقام ما صدر من بعضهم من زعم نسبته إلى خدمة جعفر الثاني الشهير بالكذّاب المعروف بابن الرضا، ابن عليّ الهاديّ. و أنّ الرضا في نسبة الخدمة تصحيف ابن الرضا. و أنّ روايته عن جعفر الصادق عليه السلام اشتباه بجعفر الكذّاب. فإنّ فيه أوّلًا: أنّ الرجل مات قبل[ استشهاد] الرضا عليه السلام فكيف يدرك زمان جعفر الكذّاب؟
      و ثانياً: أنّ صريح كلماتهم روايته عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، و جعفر الثاني ليس ابن محمّد، و لا متّصفاً بالصدق و لا ملقّباً به كما هو صريح.
      ثمّ إن منهم من أرّخ موت الرجل بسنة المائتين، و منهم من أرّخه بسنة المائتين و واحدة، و منهم من أرّخه بسنة المائتين و أربع. و العِلْم عند الله تعالى- انتهى.
      استبان ممّا ذكرنا أنّ معروفاً الكرخيّ كان من الأعلام المتحرّكين في سبيل الله و المنقطعين إليه. و عدم ذكر أصحابنا له في كتب الرجال يعود إلى ما أورده المامقانيّ، أو إلى عدم اهتمام علماء الظاهر بالعلوم الباطنيّة، و لم يُثَمَّن الرجل كما ينبغي، حتى أنّ المامقانيّ عدّه من الحِسَان، لا من الصِّحاح، مع أنّه يجب عليه أن يعدّه من أعاظم أصحاب العدل و الثبت و اليقين.
      و أعجب من تلك الاسطورة الموضوعة و الافتراء البيِّن إذ تفنّنوا- نظير أمرٍ دُبِّرَ باللَّيْلِ- فجعلوه من أصحاب جعفر الكذّاب!
      سُبْحَانَ اللهَ لَيْسَ هَذَا إلَّا بُهْتَاناً عَظِيماً وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
      و اتّضح من بياننا أيضاً أنّ معروف بن خرّبوذ مَكِّيّ، و معروف بن فيروز كرخيّ بغداديّ و كلاهما من الأجلّة و الأعلام. رحمه الله عليهما رحمة واسعة.
      ( ۱)- و قيل: ابن فيروز، و قيل: ابن الفيروزان، و قيل: ابن عليّ.
      ( ٢)- و قيل: سنة ٢۰۱، و قيل: سنة ٢۰٤.
      ( ٣)- قال الشيخ عبّاس القمّيّ في« منتهى الآمال» ج ٢، ص ۸۱، عند ترجمة الإمام الصادق عليه السلام( ما تعريبه): قال المؤلِّف: كانت امّ فروة جليلة مكرَّمة إلى درجة أنّ ولدها الإمام الصادق عليه السلام كان يقال له أحياناً: ابن المكرَّمة.
      ( ٤)- في« كشف المراد» ص ٢٤٩، طبعة صيدا، سنة ۱٣٥٣، مطبعة العرفان، بحث الإمامة، في شرح قول الخواجة نصير الدين: و تميّزه بالكمالات النفسانيّة و البدنيّة و الخارجيّة، الذي عدّه الوجه الخامس و العشرين من وجوه الخواجة في الاستدلال على الإمامة، قال في أواخر البحث: و قد نشروا من العلم و الفضل و الزهد و الترك للدنيا شيئاً عظيماً حتى أنّ الفضلاء من المشايخ كانوا يفتخرون بخدمتهم عليهم السلام. فأبو يزيد البسطاميّ كان يفتخر بأنّه يسقي الماء لدار جعفر الصادق عليه السلام، و معروف الكرخيّ أسلم على يد الرضا عليه السلام، و كان بوّاب داره إلى أن مات. و كان أكثر الفضلاء يفتخرون بالانتساب إليهم، إلى آخر ما ذكره العلّامة الحلّيّ.
      ( ٥)) يعني لقضاء الحوائج( المامقانيّ).
      ( ٦)) عدّ المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب« الإمام جعفر الصادق»، ص ٢۱۷، معروفاً الكرخيّ من الشيعة. قال: معروف الكرخيّ( ٢۰۰) زعيم الصوفيّة. وصف ابن حنبل معروفاً لابنه عبد الله عند ما سأله: هل عنده علم؟ فقال: كان عنده رأس الأمر كلّه. تقوى الله.
      ( ۷)) يستبين هنا جيّداً أنّ معروفاً كان ممدوحاً مدحاً كثيراً لكنّ البعض تجنّب ذكر اسمه و محامده لعدم ذكره على الألسن. و هذا يشبه تماماً عمل من يريد المحافظة على المسلمين في الحرب، فيقتل عدد منهم ممّن يكون في الصفّ الأوّل حيث يتترَّس بهم الكفّار. جواب المامقانيّ هو تترّس الكفّار بالمسلمين و جواز قلت المسلمين في الصفّ الأوّل لضرورة ألجأ الكفّارُ المسلمين اليها، و لكن ما هي الضرورة في إخمال اسم معروف الكرخيّ غير أنّنا حسبناه ضرورة بظنّنَا و وهمنا؟! و لو كنّا قد ذكرنا معروفاً في الكتب الرجاليّة و عددناه منّا و عددنا أنفسنا منه، فإنّ هذا الأمر لا يثبت طريقة التصوّف الباطلة و لا يوجبها، بل يوجب طريقتها الحقّة. كما قسّم العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه التصوّف إلى حقّ و باطل. من هنا فإنّنا، بعدم ذكرنا معروفاً و طريقه و منهجه، عزلنا أنفسنا عن التصوّف الحقّ و اتّباع الولاية الباطنيّة للإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام. فيا للأسف بهذا الخسران المبين و الهلاك العظيم!

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

59
  • ۸٥- منصور بن المُعْتَمِر بن عبد الله بن ربيعة السَّلْمِيّ الكوفيّ. كان من أصحاب الباقر و الصادق عليهما السلام. احتجّ به أصحاب الصحاح السّتة و غيرهم. مات سنة ۱٣٢.

  • ۸٦- المِنْهَال بن عمرو الكوفيّ التابعيّ. احتجّ به البخاريّ و مسلم.

  • ۸۷- موسى بن قيس الحضرميّ أبو محمّد. جاء حديثه في السنن.

  • مات أيّام المنصور.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

60
  • حرف النون (ن)

  • ۸۸- نفيع بن الحارث أبو داود النَّخَعيّ الكوفيّ الهمدانيّ السَّبِيعيّ.

  • احتجّ به الترمذيّ، و أخرج له أصحاب المسانيد.

  • ۸٩- نوح بن قيس بن رِباح الحدانيّ، و يقال: الطاحيّ البصريّ.

  • احتجّ به مسلم و أصحاب السنن.

  • حرف الهاء (ه-)

  • ٩۰- هارون بن سعد العِجْليّ الكوفيّ. احتجّ به مسلم.

  • ٩۱- هاشم بن البريد بن زيد أبو عليّ الكوفيّ. احتجّ به أبو داود و النسائيّ.

  • ٩٢- هُبَيْرة بن بريم الحِمْيَريّ. صاحب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. نظير الحارث في ولائه و اختصاصه. احتجّ به أصحاب السنن.

  • ٩٣- هشام بن زياد أبو المِقْدَام البصريّ. احتجّ به الترمذيّ و ابن ماجة القزوينيّ.

  • ٩٤- هشام بن عمّار بن نصير بن مَيْسَرة أبو الوليد، و يقال: الظفريّ الدمشقيّ. شيخ البخاريّ في صحيحه. ولد سنة ۱٥٣، و مات في آخر المحرّم سنة ٢٤٥.

  • ٩٥- هُشَيم بن بشير بن قاسم بن دينار السَّلْميّ الواسطيّ أبو معاويه.

  • كان حافظاً. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة. مات سنة ۱۸٣، و له ۷٩ عاماً.

  • حرف الواو (و)

  • ٩٦- وكيع بن الجَرَّاح بن مَليح بن عَدي أبو سفيان الرَّواسيّ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

61
  • الكوفيّ، من قيس غيلان. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات بفيد قافلًا من الحجّ في المحرّم سنة ۱٩۷، و له من العمر ٦۸ سنة.

  • حرف الياء (ي)

  • ٩۷- يحيى بن الجَزَّار العَرَنيّ الكوفيّ. صاحب أمير المؤمنين عليه السلام. احتجّ به مسلم و أرباب السنن.

  • ٩۸- يحيى بن سعيد القَطَّان أبو سعيد مولى بني تميم البصريّ. احتجّ به أصحاب الصحاح الستّة و غيرهم. مات سنة ۱٩۸، عن ۷۸ سنة.

  • ٩٩- يزيد بن أبي زياد الكوفيّ أبو عبد الله مولى بني هاشم. احتجّ به أصحاب السنن الأربعة. مات سنة ۱٣٦، و له ٩۰ سنة تقريباً.۱

    1. من الجدير ذكره أنّ معظم الأشخاص الذين ذُكروا من الشيعة كانوا من أعلامهم و مصنّفيهم في القرن الثاني. و ذكرهم آية الله السيّد حسن الصدر في كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» ص ۷۰، ۷۱ بإيجاز و قال: الصحيفة الرابعة فيمن جمع الحديث في أثناء المائة الثانية من الشيعة، و صنّفوا الكتب و الاصول و الأجزاء من طريق أهل البيت. كانوا في عصر من ذكر في أوّل من جمع الآثار من أهل السنّة. رووا عن الإمام زين العابدين، و ابنه الإمام الباقر عليهما السلام، كأبان بن تغلب، فإنّه روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ثلاثين ألف حديث، و جابر بن يزيد الجعفيّ. روي عن أبي جعفر الباقر سبعين ألف حديث عنه، عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. و عن جابر أنّه قال: عندي خمسون ألف حديث ما حدّثت منها بشيء، كلّها عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم من طريق أهل البيت. و مثلهما في كثرة الجمع و كثرة الرواية، أبو حمزة الثماليّ، و زرارة بن أعين، و محمّد بن مسلم الطائفيّ، و أبو بصير يحيى بن القاسم الأسديّ، و عبد المؤمن بن القاسم بن قيس بن محمّد الأنصاريّ، و بسّام بن عبد الله الصيرفيّ، و أبو عبيدة الحذّاء، و زياد بن عيسى، و أبو الرجاء الكوفيّ، و زكريّا بن عبد الله الفيّاض أبو يحيى، و ثور بن أبي فاخته أبو جهم- روي عن جماعة من الصحابة، و له عن الباقر عليه السلام كتاب مفرد- و جحدر بن المغيرة الطائيّ، و حجر بن زائدة الحضرميّ أبو عبد الله، و معاوية بن عمّار بن أبي معاوية خبّاب ابن عبد الله، و المطّلب الزهريّ القرشيّ المدنيّ، و عبد الله بن ميمون بن الأسود القدّاح.
      و قد ذكرت كتبهم و تواريخهم في الأصل« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

62
  • ۱۰۰- أبو عبد الله الجَدَليّ، احتجّ به أبو داود و الترمذيّ.

  • أجل، إذا لاحظنا هؤلاء الأشخاص، و آخرين كثيرين غيرهم- و قد قال آية الله شرف الدين في صدر هذا المقال: ... مقتصراً على ثلّة ... على شرط أن لا أكلّف بالاستقصاء فإنّه ممّا يضيق عنه الوسع في هذا الإملاء- استبان لنا أنّ اصول فقه العامّة و حديثهم و رجالهم هم الشيعة. و إذا أنعمنا النظر، عرفنا أنّ أكثر الرجال المذكورين في سند الروايات التي تنقلها هذه الكتب الضخمة هم من الشيعة، و مشهورون بالصدق و الأمانة في الحديث. و هذه نقطة في غاية الدقّة. و عند ما ندرك أنّنا إذا أسقطنا رجال الشيعة من سند رواياتهم، فحينئذٍ يسقط كثير من رواياتهم، و من ثمّ يصغر حجم كتبهم و تتغيّر أشكالها، و يمكن أن يتحوّل الكتاب الضخم إلى رسالة و كرّاسة.

  • ذنب المحدِّثين من الشيعة تشيّعهم!

  • إذا نظرنا في أحوال رواة الشيعة واحداً واحداً، وجدناهم اولي ضبط و ثبت و وثوق و ورع. و ذنبهم الوحيد الذي لا يُغْفَر عند العامّة هو أنّهم شيعة علي بن أبي طالب. و به يُسقطون مزاياهم كلّها. على سبيل المثال، الحارث الهمدانيّ! الجدّ الأعلى للشيخ البهائيّ، نراهم يحطّون من شأنه لتشيّعه الصحيح، مع أنّهم لا يمترون في فقهه و علمه و درايته لكنّهم لا يرعوون عن اتّهامه بالغلوّ، و الرفض، و أحياناً الكذب، ليُسقطوا مقامه و منزلته عند العامّة. ثمّ ذكر المرحوم السيّد شرف الدين ترجمته بما نصّه:

  • (الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الهَمْدَانيّ صاحب أمير المؤمنين و خاصّته.

  • كان من أفضل التابعين، و أمره في التشيّع غنيّ عن البيان. و هو أوّل من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

63
  • عدّهم ابن قُتيبة في معارفه مِن رجال الشيعة. و قد ذكره الذهبيّ في ميزانه فاعترف بأنّه من كبار علماء التابعين، ثمّ نقل عن ابن حبّان القول بكَونه غالياً في التشيّع، ثمّ أورد من تحامل القوم عليه- بسبب ذلك- شيئاً كثيراً. و مع هذا فقد نقل إقرارهم بأنّه كان من أفقه الناس، و أفرض الناس، و أحسب الناس لعلم الفرائض، و اعترف بأنّ حديث الحارث موجود في السنن الأربعة. و صرّح بأنّ النسائيّ مع تعنّته في الرجال قد احتجّ بالحارث، و قويّ أمره. و أنّ الجمهور مع توهينهم أمره يروون حديثه في الأبواب كلّها، و أنّ الشعبيّ كان يكذّبه، ثمّ يروي عنه. قال في «الميزان»: و الظاهر أنّه يكذّبه في لهجته و حكاياته، و أمّا في الحديث النبويّ، فلا.

  • قال في «الميزان»: و كان الحارث من أوعية العلم. ثمّ روى في «الميزان» عن محمّد بن سيرين أنّه قال: كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم، أدركتُ منهم أربعة، و فاتني الحارث، فلم أره، و كان يفضل عليهم و كان أحسنهم.

  • قال: و يختلف في هؤلاء الثلاثة أيّهم أفضل، علقمة و مسروق و عبيدة، إلى آخر كلامه.

  • قلتُ: و قد سلّط الله على الشعبيّ من الثقات الأثبات من كذّبه و استخفّ به جَزَاءً وِفَاقاً، كما نبّه على ذلك ابن عبد البَرّ في كتابه «جامع بيان العلم» حيث أورد كلمة إبراهيم النخعيّ الصريحة في تكذيب الشعبيّ.۱

  • ثمّ قال: و أظنّ الشعبيّ عوقب لقوله في الحارث الهمدانيّ: حَدَّثَنِي

    1. «المراجعات» ص ٥٢، الطبعة الاولى. و قال في الهامش: كما في ص ۱٩٦ من مختصر كتاب« جامع بيان العلم و فضله» لشيخنا العلّامة أحمد بن عمر المحمصانيّ البيروتيّ المعاصر.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

64
  • الحَارِثُ وَ كَانَ أحَدَ الكَذَّابِينَ.

  • قال ابن عبد البرّ: و لم يبن من الحارث كذب، و إنّما نقم عليه إفراطه في حبّ عليّ، و تفضيله له على غيره. (قال:) و من هاهنا كذّبه الشعبيّ، لأنّ الشعبيّ يذهب إلى تفضيل أبي بكر، و إلى أنّه أوّل من أسلم، و تفضيل عمر ... إلى آخره كلامه.

  • قلتُ: و أنّ ممّن تحامل على الحارث محمّد بن سعد، حيث ترجمه في [الجزء السادس من] «الطبقات»، فقال: إن له قول سوء. و بخسه حقّه، كما جرت عادته مع رجال الشيعة، إذ لم يُنصفهم في علم، و لا عمل. و القول السيّئ الذي نقله ابن سعد عن الحارث إنّما هو الولاء لآل محمّد، و الاستبصار بشأنهم، كما أشار إليه ابن عبد البرّ فيما نقلناه من كلامه. كانت وفاة الحارث سنة خمس و ستّين رحمه الله تعالى.۱

  • و نقل أبو إسحاق الجوزجانيّ عبارة فيها من الفظاظة ما جرت به عادة الجوزجانيّ و سائر النواصب، قال: و كان من أهل الكوفة قوم لا يحمد الناس مذاهبهم، هم رؤوس محدِّثي الكوفة، مثل أبي إسحاق و منصور، زُبَيْد الياميّ و الأعمش و غيرهم من أقرانهم. احتملهم الناس لصدق ألسنتهم في الحديث، و توقّفوا عند ما أرسلوا، إلى آخر كلامه الذي أنطقه الحقّ به. وَ الحَقُّ يُنْطِقُ مُنْصِفاً وَ عَنِيداً.

  • إ ذَا رَضِيَتْ عَنِّي كِرَامُ عَشيِرَتِي *** فَلَا زَالَ غَضْبَاناً عَلَيّ لِئَامُهَا٢

  •  *** 

    1. «المراجعات» ص ٥٢ و ٥٣، الرقم ۱٩، الطبعة الاولى، ترجمة الحارث بن عبد الله.
    2. «المراجعات» ص ٥۸.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

65
  • و خصّص المرحوم الصدر الصحيفة السادسة من كتابه في عدد ما صنّفه الشيعة الإماميّة في الحديث من طريق أهل البيت من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عهد أبي محمّد الحسن العسكريّ عليه السلام.

  • قال: فاعلم أنّها تزيد على ستّة آلاف و ستمائة كتاب، على ما ضبطها الشيخ الحافظ محمّد بن الحسن الحرّ صاحب «الوسائل»، و نصّ على ذلك في آخر الفائدة الرابعة من كتابه الجامع الكبير في الحديث المسمّى ب- «وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة». و قد ذكرتُ أنا في كتابي «نهاية الدراية في اصول علم الحديث» ما يؤيّد هذا العدد.۱

  • تقدّم الشيعة في تأسيس العلوم الإسلاميّة

  • توسّع المرحوم الصدر في كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» في حديث عن تقدّم الشيعة في تدوين جميع العلوم و تصنيفها، و ذكر أدلّة كثيرة على كلامه. و اختصر ذلك في كتاب «الشيعة و فنون الإسلام»، و اكتفى برءوس المطالب. و ننقل فيما يأتي منتخباً من هذا الكتاب المختصر ليطّلع القرّاء الكرام على شأن الشيعة و منزلتهم البالغة الأهمّيّة في تقدّمهم و سبقهم.

  • الشيعة هم السبّاقون في العلوم القرآنيّة المتنوّعة

  • قال المرحوم الصدر: أوّل من صنّف في علم تفسير القرآن سعيد بن جُبَيْر التابعيّ رضي الله عنه. كان أعلم التابعين بالتفسير. كما حكاه السيوطيّ في «الإتقان» عن قتادة. و ذكره ابن النديم في «الفهرست» عند ذكر للكتب المصنّفة في التفسير، و لم ينقل تفسيراً لأحدٍ قبله. و كانت شهادته سنة أربع و تسعين من الهجرة.

  • و كان ابن جبير من خلّص الشيعة. نصّ على ذلك علماؤنا في كتب

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۷٢.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

66
  • الرجال، كالعلّامة جمال الدين ابن المطهَّر في «الخلاصة»، و أبي عمرو الكشّيّ في كتابه في الرجال. و روى روايات عن الأئمّة عليهم السلام في مدحه و تشيّعه و استقامته. قال: و ما كان سبب قتل الحجّاج له إلّا على هذا الأمر- يعني التشيّع- قتله سنة ٩٤.

  • ثمّ اعلم أنّ جماعة من التابعين من الشيعة صنّفوا في تفسير القرآن بعد سعيد بن جبير.

  • منهم: السُّدِّي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفيّ أبو محمّد القُرَشيّ المتوفّى سنة سبع و عشرين و مائة. قال السيوطيّ في «الإتقان»:

  • أمْثَلُ التفاسير تفسيرُ إسماعيل السُّدِّي. روى عنه الأئمّة مثل الثوريّ و شعبة.

  • قلتُ: و قد ذكره و ذكر تفسيره النجاشيّ، و الشيخ أبو جعفر الطوسيّ في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة. و قد نصّ على تشيّعه ابن قتيبة في كتاب «المعارف»، و العسقلانيّ في «التقريب» و «تهذيب التهذيب». و كان من أصحاب عليّ بن الحسين و الباقر و الصادق عليهم السلام.

  • و منهم: محمّد بن السائب بن بِشْر الكَلْبيّ صاحب التفسير المشهور. و ذكره ابن النديم عند تسمية الكتب المصنَّفة في تفسير القرآن.

  • و قال ابن عديّ في «الكامل»: للكلبيّ أحاديث صالحة، و خاصّة عن أبي صالح، و هو معروف بالتفسير. و ليس لأحد تفسير أطول منه و لا أشبع. و قال السمعانيّ: محمّد بن السائب صاحب «التفسير»، كان من أهل الكوفة، قائلًا بالرجعة. و ابنه هشام ذو نسب عالٍ، و في التشيّع غالٍ.

  • قلت: كان من الشيعة المخصوصين بالإمام زين العابدين و ابنه الباقر، و كانت وفاته سنة ستّ و أربعين بعد المائة من الهجرة المباركة.

  • و منهم: جَابِرُ بْنُ يَزِيد الجُعفِيّ الإمام في التفسير، أخذه عن الإمام

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

67
  • الباقر، و كان من المنقطعين إليه. و صنَّف تفسير القرآن و غيره. و توفّي سنة سبع و عشرين و مائة بعد الهجرة. و هو غير تفسير الإمام الباقر الذي ذكره ابن النديم عند تسمية الكتب المصنَّفة في التفسير.

  • قال: كتاب الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين، رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجاروديّة الزيديّة.

  • قلتُ: و قد رواه عن أبي الجارود أيّام استقامته قبل تزيّده جماعة من ثقات الشيعة كأبي بصير يحيى بن القاسم الأسديّ و غيره.

  • إن أوّل من دوّن علم القراءة أبَانُ بْنُ تَغْلِب الربعيّ أبو سعيد. و يقال: أبو اميمة الكوفيّ. قال النجاشيّ في فهرس أسماء مصنّفي الشيعة: كان أبان رحمه الله مقدَّماً في كلّ فنّ من العلم، في القرآن و الفقه و الحديث. و لأبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّاء. ثمّ أوصل إسنده عن محمّد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ عن أبان في رواية الكتاب.

  • و قد ذكر ابن النديم في «الفهرست» تصنيف أبان في القراءة. قال: و له من الكتب «معاني القرآن» لطيف، كتاب «القراءة»، و كتاب من الاصول في الرواية على مذهب الشيعة- انتهى.

  • و بعد أبان، صنّف حَمْزَةُ بْنُ حَبِيب أحد القرّاء السبعة كتاب «القراءة». قال ابن النديم: كتاب «القراءة» لحمزة بن حبيب، و هو أحد السبعة من أصحاب الصادق- انتهى. و قد ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسيّ في كتاب «الرجال» في أصحاب الصادق عليه السلام أيضاً. و وجد بخطّ الشيخ الشهيد محمّد بن مكّيّ، عن الشيخ جمال الدين أحمد بن محمّد بن الحدّاد الحلّيّ ما صورته: قرأ الكسائيّ القرآن على حمزة، و قرأ حمزة على أبي عبد الله الصادق، و قرأ على أبيه، و قرأ على أبيه، و قرأ على أبيه، و قرأ على أمير المؤمنين عليّ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

68
  • قلتُ: و حمزة على الأعمش أيضاً، و على حمران بن أعين، و هما من شيوخ الشيعة أيضاً. و لم يعهد لأحدٍ قبل أبان، و حمزة تصنيف في القراءات، فإنّ الذهبيّ و غيره ممّن كتب في طبقات القرّاء نصّوا على أنّ أوّل من صنّف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلّام المتوفّى سنة ٢٢٤ ه-. و لا ريب في تقدّم أبان، لأنّ الذهبيّ في «الميزان»، و السيوطيّ في «الطبقات» نصّا على أنّه توفّي سنة ۱٤۱، فهو مُقدَّم على أبي عبيد بثلاث و ثمانين سنة، و كذلك حمزة بن حبيب، فإنّهم نصّوا أنّه تولّد سنة ثمانين، و مات سنة ۱٥٦، و قيل: سنة ۱٥٤، و قيل: سنة ۱٥۸، و أنّ الأخير وَهْمٌ.

  • و كيف كان فالشيعة أوّل من صنّف في القراءة، و لا يخفى هذا على الحافظ الذهبيّ، و حافظ الشام السيوطيّ، لكن إنّما أرادا أوّل مَن صنّف في القراءات من أهل السنّة، لا مطلقاً.

  • و قد تقدّم في التصنيف في القراءة على أبي عبيد من الشيعة جماعة آخرون غير من ذكرنا، مثل ابن سَعْدَان: أبي جعفر محمّد سعدان الضرير. و مثل أبي جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرَّوَاسيّ الكوفيّ استاذ الكسائيّ و الفرّاء، من خواصّ الإمام الباقر عليه السلام، و مثل زيد الشهيد، له قراءة جدّه أمير المؤمنين، رواها عنه عمر بن موسى الرَّجهيّ.

  • في أوّل كتاب قراءة زيد: هذه القراءة سمعتها من زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، و ما رأيتُ أعلم بكتاب الله و ناسخه و منسوخه و مشكله و إعرابه منه. و ممّن تقدّم من الشيعة في التصنيف في معان شتّى من القرآن:

  • أبَانُ بْنُ تَغْلِب، صنّف كتاب «معاني القرآن». و لم أعثر على أحدٍ صنّف فيه قبل أبان.

  • عبد الله بن عبد الرحمن الأصَمّ المَسْمَعيّ البصريّ، من شيوخ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

69
  • الشيعة، من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام. و هو أوّل من صنّف كتاباً في الناسخ و المنسوخ. و بعد دارم بن قبيصة بن نَهْشَل بن مجمع أبو الحسن التميميّ الدارميّ، من شيوخ الصدر الأوّل من الشيعة. عمّر حتى أدرك الإمام الرضا عليه السلام، و مات في أواخر المائة الثانية. له كتاب «الوجوه و النظائر»، و كتاب «الناسخ و المنسوخ». و قد ذكرهما النجاشيّ في ترجمته في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة. و صنّف بعدهما في ذلك الحسن بن عليّ بن فَضَّال صاحب الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، و توفّي سنة أربع و عشرين و مائتين. و الشيخ الأعظم أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعريّ القمّيّ، صاحب الرضا أيضاً، و عاش حتى أدرك الإمام أبا محمّد الحسن العسكريّ.

  • و أوّل من صنّف في نوادر القرآن: عليّ بن الحسين بن فَضَّال، أحد شيوخ الشيعة في المائة الثالثة. قال ابن النديم في «الفهرست»: و كتاب الشيخ عليّ بن إبراهيم بن هاشم في نوادر القرآن، شيعيّ، كتاب عليّ بن الحسن بن فضّال من الشيعة، كتاب أبو النصر (أبو النضر- ظ) العيّاشيّ من الشيعة- انتهى.

  • و أوّل من صنّف في مُتَشَابِهِ القُرْآنِ: حمزة بن حبيب الزيّات الكوفيّ، من شيعة أبي عبد الله الصادق و صاحبه. المتوفّى سنة ستّ و خمسين بعد المائة بحُلْوان.

  • و أوّل من صنّف في مَقْطُوعِ القُرْآنِ و مَوْصُولِهِ هو الشيخ حمزة بن حبيب، و قد ذكره محمّد بن إسحاق المعروف بابن النديم في «الفهرست».

  • و أوّل من وضع نقط المصحف و أعربه و حفظه عن التحريف في أكثر الكتب هو أبو الأسود الدؤليّ، و في بعضها يحيى بن يَعْمُر العدوانيّ تلميذه، و الأوّل هو الأصحّ. و أيّهما كان فالفضل للشيعة، لأنّهما من الشيعة

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

70
  • بالاتّفاق.

  • و أوّل من صنّف في مَجَازِ القُرْآنِ: الفَرَّاء يحيى بن زياد المتوفّى سنة سبع و مائتين، و الآتي ذكره في أئمّة علم النحو. و قد نصّ المولى عبد الله الأفنديّ في «رياض العلماء» على أنّه من الشيعة الإماميّة. ثمّ قال: و ما قال السيوطيّ من ميل الفرّاء إلى الاعتزال لعلّه مبنيّ على خلط أكثر علماء الجمهور بين اصول الشيعة و المعتزلة، و إلّا فهو شيعيّ إماميّ- انتهى.

  • و قد كتب في مجازات القرآن جماعة، و أحسن ما صنّف فيه كتاب «مجازات القرآن» للسيّد الشريف الرضيّ الموسويّ أخي السيّد المرتضى.

  • و أوّل من صنّف في أمثال القرآن هو الشيخ الجليل محمّد بن محمّد ابن الجُنَيد. و قد ذكر ابن النديم في «الفهرست» في آخر تسمية الكتب المؤلّفة في معانٍ شتّى من القرآن ما لفظه «كتاب الأمثال» لابن الجنيد- انتهى. و لم أعثر على أحدٍ صنّف في ذلك قبله.

  • و أوّل من صنّف في فضائل القرآن: أبي بْنُ كَعْبٍ الأنصَارِيّ الصحابي. نصّ عليه ابن النديم في «الفهرست». و كأنّ الجلال السيوطيّ لم يطّلع على تقدّم أبي في ذلك، فقال: أوّل مَن صنّف في فضائل القرآن الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ المتوفّى سنة أربع و مائتين- انتهى.

  • ثمّ إن السيّد عليّ بن صدر الدين المدنيّ صاحب «سلافة العصر» قد نصّ على تشيّع أبي بن كعب في كتاب الطبقات أعني «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة». و أكثر من الدلالات و الشواهد على تشيّعه. و قد زدت أنا عليه شواهد و دلالات في الأصل، «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام».

  • و أوّل من صَنّف في أسباع القرآن۱ كتاباً و كتاباً في حدود آى

    1. في« أقرب الموارد»: السُّبْع بالضمّ: جزء من سبعة، ج أسباع. و منه أسباع القرآن، و هي مُحدَثة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

71
  • القرآن: حمزة بن حبيب الكوفيّ الزيّات، أحد السبعة من الشيعة، كما تقدم النصّ على ذلك من الشيوخ. و قد ذكر كتاب «أسباع القرآن»، و كتاب «حدود آى القرآن» ابنُ النديم فى «الفهرست» لحمزة المذكور. و لا أعلم أحداً تقدّمه فيها.

  • أئمّة علم القرآن من الشيعة

  • منهم: عبد الله بن عبّاس، و هو أوّل من أملي في تفسير القرآن من الشيعة. و قد نصّ كلّ علمائنا على تشيّعه. و ترجمه ترجمة حسنة السيّد في كتابه «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة». مات سنة ٦۷ ه- في الطائف. و لمّا حضرته الوفاة قال:

  • اللَهُمَّ أنّي أتَقَرَّبُ إلَيْكَ بِوَلَائِي لِعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  • و منهم: جابر بن عبد الله الأنصاريّ الصحابي. و هو في الطبقة الاولى من طبقات المفسِّرين لأبي الخير. و قال الفضل بن شاذان النيسابوريّ صاحب الرضا: جابر بن عبد الله الأنصاريّ رضي الله عنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. و قال ابن عقدة عند ذكره: منقطع إلى أهل البيت. مات بالمدينة بعد السبعين من الهجرة، و عمره أربع و تسعون سنة.

  • و منهم: أبي بْنُ كَعْبٍ سَيِّدُ القُرَّاءِ، عدّوه في الطبقة الاولى من الفسِّرين من الصحابة. و هو كما عرفتَ من الشيعة. و ترجمته في «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة».

  • و بعد هؤلاء: التابعون:

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

72
  • و منهم: سعيد بن جُبير أعلم التابعين بالتفسير- بشهادة قتادة له بذلك- كما في «الإتقان»، و قد تقدّم ذكره و تشيّعه.

  • و منهم: يحيى بن يَعْمُر التابعيّ، أحد أعلام الشيعة في علم القرآن.

  • قال ابن خلّكان: هو أحد قرّاء البصرة، و عنه أخذ عبد الله بن إسحاق القراءة. و كان عالماً بالقرآن الكريم، و النحو. و لغات العرب. و أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي. و كان شيعيّاً من الشيعة الاولى القائلين بتفضيل أهل البيت، من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم- انتهى.

  • و منهم: أبو صالح، مشهود بكنيته، تلميذ ابن عبّاس في التفسير.

  • اسمه ميزان البصريّ، تابعيّ شيعيّ. نصّ على تشيّعه و ثقته الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان في كتاب «الكَافِئَةُ في إبْطَالِ تَوْبَةِ الخَاطِئَةِ» بعد حديث عنه، عن ابن عبّاس. مات أبو صالح بعد المائة.

  • و منهم: طاووس بن كيسان أبو عبد الله اليمانيّ، أخذ التفسير عن ابن عبّاس. و عدّه الشيخ أحمد بن تيميّة من أعلم الناس بالتفسير، كما في «الإتقان». و نصّ ابن قتيبة في كتاب «المعارف» على تشيّعه. قال في ص ٢۰٦ من المطبوع بمصر: الشيعة: الحارث الأعور، و صعصعة بن صوحان، و الأصبغ بن نُباتة، و عطيّة العوفيّ، و طاووس، و الأعمش- انتهى. توفّي طاووس بمكّة سنة ستّ و مائة، و كان منقطعاً إلى عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام.

  • و منهم: الأعمش الكوفيّ: سليمان بن مَهْرَان أبو محمّد الأسديّ، و قد تقدّم نصّ ابن قتيبة على تشيّعه، و كذلك الشهرستانيّ في «الملل و النحل»، و غيرهما. و من علمائنا الشيخ الشهيد الثاني زين الدين في حاشية «الخلاصة»، و المحقّق البهبهانيّ في «التعليقة»، و الميرزا محمّد باقر الداماد في «الرواشح».۱

  • معرفة الإمام ؛ ج۱٦ ؛ ص۸۱

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

73
  • و منهم: سعيد بن المُسَيِّب، أخذ عن أمير المؤمنين و ابن عبّاس.

  • و كان قد ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام، و صحبه و لم يفارقه و شهد معه حروبه. و نصّ الإمام الصادق، و الإمام الرضا على تشيّعه، كما في الجزء الثالث من كتاب «قرب الإسناد» للحِمْيَرِيّ. كان إمام القرّاء بالمدينة. و عن ابن المدائنيّ أنّه قال: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. مات بعد التسعين، و قد ناهز الثمانين.

  • و منهم: أبو عبد الرحمن السُّلَميّ شيخ قراءة عاصم. قال ابن قُتَيْبة:

  • كان من أصحاب عليّ عليه السلام، و كان مقرئاً، و يُحمل عنه الفقه.

  • قلتُ: و قرأ أبو عبد الرحمن على أمير المؤمنين عليه السلام، كما في «مجمع البيان» للطبرسيّ. و عدّه البَرْقيّ في كتاب «الرجال» في خواصّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام من مُضَر. مات بعد السبعين.

  • و منهم: السُّدِّيّ الكبير صاحب التفسير المتقدّم ذكره.۱

    1. قال أحمد أمين بك في كتاب« فجر الإسلام» ص ٢۷٥: فاشتغل بعض علمائهم( الشيعة) بعلم الحديث، و سمعوا الثقات و حفظوا الأسانيد الصحيحة، ثمّ وضعوا بهذه الأسانيد الأحاديث تتّفق و مذهبهم. و أضلّوا بهذه الأحاديث كثيراً من العلماء لانخداعهم بالإسناد. بل كان منهم مَن سُمِّي بالسُّدِّيّ. و منهم مَن سُمِّي بابن قُتَيبة. فكانوا يروون عن السُّدِّيّ، و ابن قتيبة، فيظنّ أهل السُّنَّة أنّهما المحدّثان الشهيران، مع أنّ كلًّا من السُّدِّيّ، و ابن قتيبة الذي ينقل عنه الشيعة إنّما هو رافضيّ غالٍ. و قد ميّزوا بينهما بالسُّدِّيّ الكبير، و السُّدِّيّ الصغير. و الأوّل ثقة، و الثاني شيعيّ وضّاع، و كذلك ابن قُتيبة الشيعيّ غير عبد الله بن مسلم ابن قتيبة. بل وضعوا الكتب و حشّوها بتعاليمهم و نسبوها لأئمّة أهل السنّة، ككتاب« سرّ العارفين» الذي نسبوه للغزاليّ. و من هذا القبيل ما نراه مبثوثاً في الكتب من إسناد كلّ فضل و كلّ علم إلى علي بن أبي طالب إمّا مباشرة، و إمّا بواسطة ذرّيّته.( إلى آخر كلامه هنا).
      لقد أخطأ أحمد أمين هنا أيضاً. أوّلًا: أين لوحظ أنّ علماء الشيعة احتاجوا إلى موضوع يتحقّق إثباته بواسطة الطرق الروائيّة للعامّة؟ و نحن قد رأينا أنّ معظم الرواة في كتب العامّة هم من الشيعة. ثانياً: كلامنا يحوم حول السُّدِّيّ الكبير و هو شيعيّ، أمّا السُّدِّيّ الصغير فلا كلام لنا حوله. ثالثاً: مطالب الشيعة مأخوذة من ابن قتيبة العالم المحدِّث المعروف صاحب كتاب« المعارف»، و كتاب« الإمامة و السياسة»، و غيرهما. و معظم المطالب التي يذكرونها ينقلونها من كتاب« الإمامة و السياسة» المذكور فيه ما يدين العامّة من الوثائق البيِّنة التي تثبت إجرامهم. و لا ريب في نسبته إلى محمّد بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ أبداً. و عنوان كتاب الغزاليّ« سرّ العالَمين»، لا« سرّ العارفين». و يبدو أنّ الدكتور أحمد أمين لم ير غلاف الكتاب، و يحكم على ما فيه! و كان قد اعترف في النجف بأنّ كتب الشيعة غير موجودة عنده. و استبان هنا أنّ كتب العامّة غير موجودة عنده أيضاً! ثمّ أرخى العنان لقلمه- كمؤرِّخ- و وطأت قدمه هذا المضمار. و أنا أقتني في مكتبتي أربع طبعات مختلفة من هذا الكتاب و طالعته مراراً. و تحدّثت عن صحّة انتسابه إلى الغزاليّ حديثاً وافياً في الجزء الثامن من كتابنا هذا، الدرس ۱۱۸ إلى ۱٢۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

74
  • و منهم: محمّد بن السائب بن بِشْر الكَلْبيّ صاحب التفسير الكبير المتقدّم ذكره.

  • و منهم: حُمْرَان بن أعْيَن، أخو زرارة بن أعين الكوفيّ، مولى آل شيبان، من أئمّة القرآن، أخذ عن الإمام زين العابدين و الباقر عليهما السلام. و مات بعد المائة.

  • و منهم: أبَانُ بْنُ تَغْلِب المتقدّم ذكره، كان المقدّم في كلّ فنّ من العلم. أخذ القراءة عن الأعمش، و هو من أصحاب الإمام السجّاد عليّ بن الحسين و الباقر عليهما السلام. مات سنة ۱٤۱.

  • و منهم: عاصم بن بهدلَة، أحد السبعة، قرأ على أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، القارئ على عليّ أمير المؤمنين عليه السلام. و لذا كانت قراءة عاصم أحبّ القراءات إلى علمائنا. و نصّ على تشيّعه الشيخ الجليل عبد الجليل الرازيّ المتوفّى سنة ٥٥٦ ه- في كتابه «نقض الفضائح»، و أنّه كان مقتدي الشيعة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

75
  • مات عاصم سنة ثمان و عشرين بعد المائة بالكوفة، و قيل: بالسماوة و هو يريد الشام و دُفن بها. و كان لا يبصر كالأعمش. و نصّ على تشيّعه القاضي نور الله المرعشيّ في كتابه «مجالس المؤمنين». و هو في طبقات الشيعة. و بعد هؤلاء أتباع التابعين:

  • منهم: أبُو حَمْزَة الثُّمَالِيّ: ثَابِتُ بْنُ دِينَار شيخ الشيعة بالكوفة. قال ابن النديم في «الفهرست»: كتاب تفسير أبي حمزة الثماليّ، و كان من أصحاب عليّ بن الحسين عليه السلام، من النجباء الثقات. و صحب أبا جعفر الباقر- انتهى. و مات أبو حمزة سنة مائة و خمسين.

  • و منهم: يحيى بن القاسم أبو بصير الأسديّ، كان مُقَدَّماً في الفقه و التفسير، و له فيه مصنَّف معروف. ذكره النجاشيّ، و أوصل إسناده إلى رواية التفسير. مات في حياة أبي عبد الله الصادق عليه السلام المتوفّى سنة ۱٤۸ ه-.

  • و منهم: البطائنيّ: عليّ بن سالم المعروف بابن أبي حمزة أبو الحسن الكوفيّ مولى الأنصار. له كتاب «تفسير القرآن». يروي فيه عن أبي عبد الله الصادق، و أبي الحسن موسى الكاظم، و أبي بصير المتقدّم ذكره.

  • و منهم: الحَصِينُ بْنُ مُخَارق: أبُو جُنَادَة السَّلُوليّ. قال ابن النديم: كان من الشيعة المتقدّمين، و له من الكتب كتاب «التفسير»، كتاب «جامع العلوم»- انتهى. و ذكر له النجاشيّ أيضاً كتاب «التفسير و القراءات»، و كتاباً كبيراً.

  • و منهم: الكِسائيّ أحد السبعة. اجتمع فيه امور: كان أعلم الناس بالنحو، و أوحدهم في الغريب و القرآن. و هو من أولاد الفُرس من سواد العراق. و قد ذكرتُ نسبه في الأصل «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» و من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

76
  • نصّ على تشيّعه. مات بالري، أو بطوس، و هو في صحبة الرشيد سنة ۱۸٩ ه-، و قيل: سنة ۱۸٣ ه-، و قيل: ۱۸٥ ه-، و قيل: سنة ۱٩٣ ه-، و الأوّل هو الأصحّ.

  • و بعد هؤلاء طبقة اخرى. و يفصّل المرحوم الصدر هنا الكلام في ترجمتهم، و تصنيفهم في علوم القرآن المتنوّعة، و هم من الشيعة. و يذكرهم واحداً تلو الآخر، من ابن سَعْدان الضرير: أبي جعفر محمّد بن سعدان بن المبارك الكوفيّ، إلى النعمانيّ صاحب التفسير المعروف، و محمّد بن العبّاس بن عليّ بن مروان المعروف بابن الحَجَّام. ثمّ يقول:

  • و الذين صنّفوا في أنواع علوم القرآن جماعة منهم:

  • محمّد بن الحسن الشيبان شيخ الشيخ المفيد. صنّف «نهج البيان عن كشف معاني القرآن»، و نوّع علوم القرآن إلى ستّين نوعاً، صنّفه باسم المستنصر العبّاسيّ، و ينقل عنه السيّد المرتضى في كتاب «المحكم و المتشابه».

  • و الشيخ المفيد: محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف في عصره بابن المُعَلِّم. كان شيخ الشيعة، صاحب كرسيّ. له كتب مذكورة في فهرست مصنّفاته، منها: كتاب «البيان في أنواع علوم القرآن». مات في المحرّم سنة تسع و أربعمائة. ذكره الخطيب في «تاريخ بغداد».

  • و محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليم أبي الفَضل الصَّوليّ الجُعْفيّ الكوفيّ المعروف بالصابونيّ، صاحب «الفَاخِرُ في اللُّغَة». له كتاب تفسير عنوانه «معاني تفسير القرآن و تسمية أصناف كلامه المجيد». من شيوخ أصحابنا. سكن بمصر و مات فيها سنة ثلاثمائة.

  • إن أوّل تفسير جمع فيه كلّ علوم القرآن هو كتاب «الرغيب في علوم القرآن» لأبي عبد الله محمّد بن عمر الواقديّ. ذكره ابن النديم في كتابه

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

77
  • «الفهرست» و نصّ على تشيّعه.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

78
  • ... ۱

    1. قال أبو الفرج محمّد بن أبي يعقوب إسحاق المعروف بابن النديم في كتابه المذكور، ص ۱۱۱، طبعة جامعة طهران: أخبار الوَاقِدِيّ. أبو عبد الله محمّد بن عمر الواقديّ مولى الأسلميّين بني سهم بن أسلم كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقيّة. و هو الذي روى أنّ عليّاً عليه السلام كان من معجزات النبيّ صلّى الله عليه و آله كالعصا لموسى على نبيّنا و عليه السلام و إحياء الموتى لعيسى ابن مريم عليه السلام، و غير ذلك من الأخبار ... إلى آخر ترجمته.
      و تحدّث الدكتور مارسدن جونس في مقدّمته على كتاب« المغازي» للواقديّ، في الجزء الأوّل، عن تشيّع الواقديّ في سياق ترجمته له في ص ۱٦ إلى ۱۸، فقال: لعلّ وجود كتابين للواقديّ، أحدهما في مولد الحسن و الحسين و مقتل الحسين، و الآخر في مقتل الحسين خاصّة يوهم أنّه كان شيعيّاً، كما ذكر ابن النديم منفرداً بهذا الرأي دون غيره. و ينقل جونس هنا لفظ ابن النديم الذي أوردناه آنفاً، ثمّ يقول: و قد نقل صاحب« أعيان الشيعة» هذا القول عن ابن النديم، مستدلًّا به على تشيّعه. و من ثمّ ترجم له. ۱
      و كذلك ذكره آغا بزرك الطهرانيّ ٢ حين تحدّث عن تأريخ الواقديّ. على أنّه ممّا يثير الدهشة أنّ الطوسيّ- و هو معاصر لابن النديم- لم يذكر الواقديّ في كتابه« الفهرست» و لم يذكر كتاباً من كتبه، و خاصّة تلك التي تتعلّق بمولد الحسن و الحسين و مقتل الحسين، على أهمّيّة هذا الأمر الذي شغل جميع علماء الشيعة و مؤرّخيهم و جامعي أخبارهم. و لو سلّمنا لابن النديم أنّ الواقديّ كان يلزم التقيّة، فإنّ تشيّعه كان لا بدّ أن يظهر على نحوٍ ما عند الحديث عن عليّ أو في الرواية عنه، و لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. بل على النقيض من ذلك نرى الواقديّ يذكر أحاديث قد تحطّ من قدر عليّ، أو توهن من شأنه على أقلّ ما يقال. فحين يصف رجوع النبيّ إلى المدينة من احُد، يذكر أنّ فاطمة مسحت الدم عن وجه النبيّ، و ذهب عليّ إلى المهراس ليأتي بماء، و قبل أن يمشي ترك سيفه و قال لفاطمة: أمْسِكِي هَذَا السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيم! و لمّا أبصر النبيّ سيف عليّ مختضباً قال: إن كُنْتَ أحْسَنْتَ القِتال، فقد أحسن عاصم بن ثابت، و الحارث بنا الصمّة، و سَهل بن حُنَيف، و سيفُ أبي دُجانة غير مذموم. ٣
      و حين نقرأ عدد القتلى من قريش يوم بدر عند ابن إسحاق مثلًا نرى أنّ عليّاً قد قتل طعيمة بن عديّ، ٤ و لكنّ الواقديّ يذكر أنّ الذي قتله هو حمزة و ليس عليّاً. ٥ و نرى الواقديّ أيضاً حين يذكر قتل صؤاب يوم احُد، و اختلاف الأقوال فيمن قتله، يقول: فاختلف في قتله، فقائل قال: سعد بن أبي وقّاص، و قائل: عليّ، و قائل: قزمان، و كان أثبتهم عندنا قزمان. ٦
      و أهمّ من كلّ ذلك ما ينقله الشيعة أنفسهم، كابن أبي الحديد مثلًا في كتابه حين ينقل فقرة طويلة عن الواقديّ، ثمّ يورد فيها رواية اخرى مختلفة عن الاولى، و يبدأها بقوله: و في رواية الشيعة، ۷ ممّا يدلّ دلالة قاطعة على أنّ ابن أبي الحديد لم يعتبر الواقديّ مصدراً شيعيّاً، أو يمثّل رأي الشيعة على الأقلّ.
      و من الطريف أن يلاحظ أنّ ابن إسحاق يُتَّهم هو الآخر بميوله الشيعيّة و القدريّة. ۸ و يبدو لنا أنّ السبب في اتّهام الواقديّ و ابن إسحاق بالتشيّع لا يرجع إلى عقيدتهما الشخصيّة، و إنّما يرجع إلى ما ورد في كتابيهما من الأقوال و الآراء الشيعيّة التي يعرضانها، و ليس ذلك عن عقيدة صحيحة فيها، ممّا تقتضيه طبيعة التاليف في مثل هذه الموضوعات- انتهى موضع الحاجة من كلام مارسدن جونس.
      و نحن ذكرنا في ج ۱٣ من كتابنا هذا« معرفة الإمام» الدرس ۱۸۱ إلى ۱۸٥، أنّ البعض يرى أنّ تشيّع الواقديّ يعود إلى ذكره اسمَ عثمان و عمر، أو عمر، أو عثمان في زمرة الفارّين يوم احُد. و تعرّض الدكتور مارسدن جونس أيضاً لهذا الموضوع في ص ۱۸ من مقدّمة كتاب« المغازي»، و قال: و هذا لا ينهض دليلًا على تشيّعه. أجل، إن محصّلة الكلام هو أنّنا لا يمكن أن نحكم بتشيّع الواقديّ بمجرّد ذكر هذه المواضع. و لعلّ هذا هو الذي حدا السيّد عبد الحسين شرف الدين ألّا يذكره في كتاب« المراجعات» مع المائة الذين أوردهم من عظماء مؤلّفي الشيعة.
      ( ۱)-« أعيان الشيعة» ج ٤٦، ص ۱۷۱.
      ( ٢)-« الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج ٣، ص ٢٩٣.
      ( ٣)-« المغازي» ج ۱، ص ٢٤٩.
      ( ٤)-« السيرة النبويّة» ج ٢، ص ٣٦٦.
      ( ٥)-« المغازي» ج ۱، ص ۱٤۸.
      ( ٦)-« المغازي» ج ۱، ص ٢٢۸.
      ( ۷))« شرح نهج البلاغة» ج ٣، ص ٣٣٩.
      ( ۸))« معجم الادباء» ج ۱۸، ص ۷.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

79
  • ثمّ كتاب «التبيان الجامع لكلّ علوم القرآن» في عشرة مجلّدات كبار لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ شيخ الشيعة.

  • كانت ولادته سنة ٣۸٥ ه-. و توفّي في الغريّ سنة ٤٦۰ ه-. ذكر في أوّله أنّه أوّل من جمع ذلك.

  • و كتاب «حقائق التنزيل و دقائق التأويل»، و هو في كبر «تفسير التبيان» للسيّد الشريف الرضيّ، أخو المرتضى. كشف فيه عن غرائب القرآن و عجائبه و خفاياه و غوامضه، و أبان غوامض أسراره، و دقائق أخباره. و تكلّم في تحقيق حقائقه، و تدقيق تأويله، بما لم يسبقه أحدٌ إليه، و لا حامَ فكر أحد عليه، لكنّه ليس بجامع لكلّ علوم القرآن.

  • و له كتاب «المُتَشابِهُ في القُرآنِ»، و كتاب «مَجَازات القرآن». هذا و لم يزد عمره على سبع و أربعين سنة، مات سنة ٤۰٦ ه-.

  • و «رَوْضُ الجِنَانِ وَ رَوحُ الجَنَانِ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ» في عشرين جزءاً للشيخ الإمام القدوة أبي الفتوح الرازيّ الحسين بن عليّ بن محمّد بن أحمد الخزاعيّ الرازيّ النيسابوريّ. مات بعد القرن الخامس. و تفسيره الجامع متأخّر على جامع الشيخ الطوسيّ التفسيريّ.

  • و كتاب «مجمع البيان في علوم القرآن» في عشرة اجزاء للشيخ أمين الدين أبي عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسيّ، المتوفّى سنة أربعين و خمسمائة، جامع لكلّ ذلك، لكنّه صرّح في أوّله أنّه عيال فيه على تبيان الشيخ الطوسيّ قدّس سرّه.

  • و «خلاصة التفاسير» في عشرين مجلّداً، للشيخ قطب الدين

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

80
  • الراونديّ، و هو مشحون بالحقائق و الدقائق، من أحسن التفاسير المتأخّرة، عن الشيخ أبي جعفر الطوسيّ.۱

  • تقدّم الشيعة في علم الحديث

  • كان ما قيل عن تقدّم الشيعة في جميع علوم القرآن من تفسير و غيره. و أمّا تقدّمهم في علوم الحديث و الرواية، فإنّه ذكر أوّل الجامعين للحديث واحداً تلو الآخر، و مَن بوّب منهم أبوابه، و جمع الروايات في عناوين مستقلّة. و ذكر المبتكرين و المدوّنين للآثار من كبار الصحابة و التابعين و تابعي التابعين، حتى بلغ جميع المدوّنين في القرن الثاني، و أحصى المدوِّنين في القرن الثالث. ثمّ ذكر بعض المتأخّرين عنهم من أئمّة علم الحديث و أرباب الجوامع الكبار التي اليها اليوم مرجع الشيعة في أحكام الشريعة، و قال:

  • فاعلم أنّ المحمَّدِين الثلاثة الأوائل هم أرباب الجوامع الأربعة، و هم:

  • ۱- أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكُلَينيّ صاحب «الكافي» المتوفّى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة. أخرج فيه (۱٦۰٩٩) حديثاً بأسنادها.

  • ٢- محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ المتوفّى سنة ٣۸۱ ه-. و هو المعروف بأبي جعفر الصدوق. ألّف أربعمائة كتاب في علم الحديث، أجلّها كتاب «مَن لا يحضره الفقيه». و أحاديثه (٩۰٤٤) حديثاً في الأحكام و السنن.

  • ٣- محمّد بن الحسن الطوسيّ شيخ الطائفة صاحب كتاب «تهذيب

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» لآية الله السيّد حسن الصدر، من ص ٤٩: الصحيفة الاولى في أوّل من صنّف في علم تفسير القرآن، إلى ص ٦٥، بإيجاز في اختيار المطالب.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

81
  • الأحكام»، بوّبه على ثلاثمائة و ثلاثة و تسعين باباً، و أخرج فيه (۱٣٥٩۰) حديثاً. و كتابه الآخر هو «الاستبصار»، و أبوابه تسعمائة و عشرون باباً، أخرج فيه (٥٥۱۱) حديثاً. و هذه هي الكتب الأربعة التي عليها المعوّل، و اليها المرجع للشيعة.

  • ثمّ المحمَّدِين الثلاثة الأواخر، أرباب الجوامع الكبار، و هم:

  • ۱- محمّد الباقر بن محمّد التقيّ المعروف بالمجلسيّ، مؤلِّف «بحار الأنوار في الأحاديث المرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و الأئمّة من آله الأطهار» في ستّة و عشرين مجلّداً ضخماً، و عليه تدور رحى الشيعة، لأنّه لا أجمع منه في جوامع الحديث. و قد أفرد العلّامة النوريّ كتاباً في أحوال هذا العلّامة سمّاه «الفَيض القُدسيّ في أحوال المجلسيّ» و قد طبع مع «البحار» بإيران.

  • ٢- محمّد بن مرتضى بن محمود المدعوّ بمحسن الكاشانيّ الشيخ المحدِّث العلّامة المتبحّر في المعقول و المنقول، الملقّب بالفيض. له «الوافي في علم الحديث» في أربعة عشر جزءاً، كلّ جزء كتاب على حدة.

  • يجمع الأحاديث المذكورة في الكتب الأربعة، في الاصول و الفروع و السنن و الأحكام. و له نحو مائتي مصنَّف في فنون العلم. عمّر أربعاً و ثمانين سنة، و توفّي سنة ۱۰٩۱ ه-.

  • ٣- محمّد بن الحسن الحرّ الشاميّ العامليّ المَشْغَريّ شيخ الشيوخ في الحديث. صاحب «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل أحاديث الشريعة»۱ على ترتيب كتب الفقه، من أنفع الجوامع في الحديث، أخرجه من ثمانين كتاباً من الجوامع كانت عنده، و سبعين نقل عنها بالواسطة. و قد

    1. عنوان الكتاب:« تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

82
  • طُبع مراراً بإيران، و عليه تدور رحى الشيعة اليوم. ولد في رجب سنة ۱۰٣٣ ه-، و توفّي بطوس من بلاد خراسان في سنة ۱۱۰٤ ه-.

  • و قد ألّف الشيخ العلّامة ثقة الإسلام الحسين بن العلّامة النوريّ ما فات من صاحب «الوسائل»، و جمعه على أبواب «الوسائل»، و سمّاه «مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل» و هو نحو كتاب «الوسائل». فكان أعظم مصنَّف في أحاديث المذهب، و فرغ منه سنة ۱٣۱٩ ه-. و توفّي في الغريّ، ثامن و عشرين جُمادى الآخرة، سنة عشرين و ثلاثمائة بعد الألف.

  • و هناك جوامع كبار الأعلام المحدِّثين الأخيار، منها: «العوالم» و هو مائة مجلّد في الحديث للشيخ المحدِّث المتبحّر البارع المولى عبد الله بن نور الله البحرانيّ المعاصر للعلّامة المجلسيّ صاحب «البحار».

  • و منها: كتاب «شرح الاستبصار في أحاديث الأئمّة الأطهار» في عدّة مجلّدات كبار، نحو «البحار» للشيخ المحقّق قاسم بن محمّد بن جواد المعروف بابن الونديّ، و بالفقيه الكاظميّ المعاصر للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ صاحب «الوسائل». كان ممّن تخرّج على جدّنا العلّامة السيّد نور الدين أخي السيّد محمّد صاحب «المدارك».

  • و منها: «جامع الأخبار في إيضاح الاستبصار»، و هو جامع كبير يشتمل على مجلّدات كثيرة للشيخ العلّامة الفقيه: عبد اللطيف بن عليّ بن أحمد بن أبي جامع الحارثيّ الهَمْدَانيّ الشاميّ العامليّ. تَخرّج على الشيخ المحقّق المؤسّس المتقن الحسن أبي منصور بن الشهيد الشيخ زين الدين العامليّ صاحب «المعالم»، و «المنتقى» من علماء المائة العاشرة.

  • و منها: الجامع الكبير المسمّى ب- «الشفا في حديث آل المصطفي»، يشتمل على مجلّدات عديدة للشيخ المتضلّع في الحديث محمّد الرضا بن

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

83
  • الشيخ الفقيه عبد اللطيف التبريزيّ. فرغ منه سنة ۱۱٥۸ ه-.

  • و منها: «جامع الأحكام» في خمسة و عشرين مجلّداً كبيراً للسيّد العلّامة: عبد الله بن السيّد محمّد الرضا الشُّبَّرِيّ الكاظميّ. كان شيخ الشيعة في عصره، و واحد المصنِّفين في دهره. لم يكن أكثر منه تاليفاً في المتأخّرين عن العلّامة المجلسيّ. مات سنة ۱٢٤٢ ه- في بلدة الكاظميّة.

  • تقدّم الشيعة في علم الدراية و الرجال

  • فأوّل من تصدّى لعلم دراية الحديث و تنويعه إلى الأنواع المعروفة- و التقدّم فيه للشيعة أيضاً- هو أبو عبد الله الحاكم النيسابوريّ المشهور، المتوفّى سنة خمس و أربعمائة. صنّف فيه كتاباً سمّاه «معرفة علوم الحديث» في خمسة أجزاء. و نوّع فيه الحديث إلى خمسين نوعاً. و قد نصّ على تقدّمه في ذلك صاحب «كشف الظنون»، قال: أوّل مَن تصدّى له الحاكم، و تبعه في ذلك ابن الصلاح.

  • و صنّف بعد الحاكم في علم دراية الحديث جماعة من شيوخ علم الحديث من الشيعة، كالسيّد جمال الدين أحمد بن طاووس، أبو الفضائل. و هو واضح الاصطلاح الجديد للإماميّة في تقسيم أصل الحديث إلى الأقسام الأربعة: الصحيح و الحسن و الموثّق، و الضعيف.

  • تقدّم الشيعة في علم الرجال

  • و أوّل من دوّن علم رجال الحديث و أحوال الرواة:

  • أبو عبد الله محمّد بن خالد البَرْقيّ القمّيّ. كان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، كما في كتاب «الرجال» للشيخ أبي جعفر الطوسيّ. و ذكر تصنيفه في الرجال الرواة أبو الفرج: ابن النديم في

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

84
  • «الفهرست» في أوّل الفنّ الخامس، في أخبار فقهاء الشيعة من المقالة السادسة.

  • قال: و له من الكتب كتاب «العويص»، كتاب «التبصرة»، كتاب «الرجال». فيه ذكر من روى عن أمير المؤمنين عليه السلام- انتهى.

  • ثمّ صنّف بعده أبو محمّد: عبد الله بن جَبَلة بن حَيَّان بن أبْحُرِ الكنانيّ. صنّف كتاب «الرجال». و مات سنة تسع عشرة و مائتين عن عمر طويل.

  • و قال السيوطيّ في كتاب «الأوائل»: أوّل من تكلّم في الرجال شُعْبة، و هو متأخّر عن ابن جَبَلة. فإنّ شعبة مات سنة (٢٦۰). بل تقدّمه منّا بعد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

85
  • ... ۱

    1. لقد سها كِلا الباحَثين اللذين كانا من أساطين العلم و التشيّع: السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ، و السيّد حسن الصدر في شُعبة بن الحجّاج على سبيل القضيّة المنفصلة مانعة الخلوّ- وَ الجَوَادُ قَدْ يَكْبُو- فلا بدّ من رفع هذا السهو. أمّا المرحوم آية الله شرف الدين فقد ذكر في كتابه النفيس القيِّم« المراجعات» ص ٦۸، تحت الرقم ٤۱ الطبعة الاولى،( شُعبة بن الحجّاج) أبا الورد العَتَكيّ الواسطيّ الساكن بالبصرة، المكنّى بأبي بسطام، في رجال الشيعة، و قال: و عدّه من رجال الشيعة جماعة من جهابذة أهل السنّة كابن قتيبة في معارفه، و الشهرستانيّ في« الملل و النحل». إلى أن قال: و حديثه ثابت في صحيحَي البخاريّ و مسلم عن كلٍّ من أبي إسحاق السبيعيّ، و إسماعيل بن أبي خالد، و منصور، و الأعمش، و غير واحد. و قال: كان مَوْلده سنة ثلاث و ثمانين، و مات سنة ستّين و مائة رحمه الله- انتهى موضع الحاجة من كلامه.
      أقول: لا نقاش في سنة وفاته، ۱٦۰ ه-، لأنّه من رواة الإمام الصادق عليه السلام المتوفّى سنة ۱٤۸ ه-. كما هو ملحوظ من عصر الذين روي عنهم كأبي إسحاق و المنصور و الأعمش و إسماعيل بن خالد، و ذكر أصحاب كتب الرجال أنّ وفاته كانت في سنة ۱٦۰ ه-.
      أمّا في تشيّعه، فلنا نقاش بل ردّ صريح على ذلك. أوّلًا: قال المرحوم آية الله السيّد حسن الصدر في كتاب« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص ٢٣٣: أوّل من أسّس علم الرجال أبو محمّد عبد الله بن جَبَلَة بن حيّان بن أبحر الكنانيّ، و هو شيعيّ، صنّف كتاب« الرجال» كما في فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة للنجاشيّ. و هو متقدِّم على شعبة بن الحجّاج الذي عدّه السيوطيّ في كتاب« الأوائل» أوّل من تكلّم في الرجال. و لعلّ مراد السيوطيّ من ذلك أنّه أوّل عالم من علماء السنّة، لا الشيعة. و إلّا لا يخفى على مثل الجلال كتاب« الرجال» لعبد الله بن جبلة المشهور ... إلى آخر ما قاله المرحوم الصدر. و يتّضِح من هذا جيّداً أنّ المرحوم الصدر كان يعدّ شعبة بن الحجّاج من العامّة، مع أنّ أصل تصنيف كتاب« تأسيس الشيعة» من أجل الكشف عن علماء الشيعة و إظهارهم، و فرزهم عن غيرهم.
      ثانياً: تذكر جميع كتب التراجم و الرجال و الكتب الفقهيّة أنّ شعبة سنّيّ عامّيّ. و فتاواه مشهورة في مقابل فتاوى الشيعة. و ذهب آية الله المامقانيّ في« تنقيح المقال»، ج ٢، ص ۸٥، إلى أنّه من العامّة، و قال: شعبة بن الحجّاج بن الورد العتكيّ الواسطيّ لم أقف فيه إلّا على عدّ الشيخ رحمه الله إيّاه من أصحاب الصادق عليه السلام، و قوله: أسْنَدَ عَنْهُ. نعم، نقل المولى الوحيد رحمه الله عن الحافظ أبي نُعَيم أنّه قال: حَدَّثَ عن جعفر عليه السلام يعني الصَّادق عليه السلام من الأئمّة الأعْلامِ شُعْبَة بن الحجّاج- انتهى. و مَن تتبّع نقل فتاواه في كتبهم الفقهيّة المعدّة لنقل الخلاف لعلّه لا يستريب بذلك. بل نقل السيّد المرتضى رحمه الله في« الشافي» عن جمع هو أحدهم أمراً غريباً حيث قال: عبّاد بن صُهَيب، و شُعبة ابن الحجّاج، و مهدي بن هلال، و غيرهم رووا عن جعفر بن محمّد عليهما السلام أنَّهُ كَان يَتَولَّى الشَّيْخَيْنِ وَ أنَّهُ رَوَى عن أبيه محمّد بن عليّ عليهما السلام، و عن عليّ بن الحسين عليهما السلام مثل ذلك.
      فكَون الرجل من علماء العامّة و أهل الفتوى منهم من البديهيّات. و ذلك كاف في ضعفه. و روى أبو الفرج في« مقاتل الطالبيّين» عن يحيى بن على و الجوهريّ و العتكيّ من رجالهم أنّ شعبة بن الحجّاج تبّري، و كان يفتي بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن.
      و روي عن رجاله في موضع آخر أنّه خرج مع إبراهيم من أصحاب الحديث شعبة بن الحجّاج و هشيم بن بشير و عبّاد بن العوّام و يزيد بن هارون و غيرهم- إلى آخر ما ذكره المامقانيّ في هذا المقام.
      تبيّن ممّا ذكرنا أنّ نسبة التشيّع إلى شعبة بن الحجّاج لعلّها تعود إلى خروجه مع إبراهيم بن عبد الله. و من المعلوم أنّ مجرّد الخروج لا يقوم دليلًا على ذلك. و أبو حنيفة أيضاً قد أفتى بلزوم الخروج. و روايته عن الإمام الصادق لا تنهض دليلًا على ذلك أيضاً، لأنّ كثيراً من أعلام العامّة قد رووا عنه عليه السلام.
      بَيدَ أنّ السيّد شرف الدين قد أصاب في تأريخ وفاة شعبة، و هو سنة ۱٦۰ ه-. أمّا المرحوم السيّد حسن الصدر فقد سها إذ ذكر أنّه توفّي سنة ٢٦۰ ه-. و سها أيضاً إذ عدّ ابن جبلة الشيعيّ أوّل مصنّف في علم الرجال، و رأى أنّه مُقَدَّم على شعبة بن الحجّاج، الذي نقل أنّه توفّي سنة ٢٦۰ ه-.
      و قال: و أنت خبير بأنّ شعبة مات سنة ستّين و مائتين، فعبد الله متقدّم عليه. ثمّ قال:
      و السيوطيّ إنّما ضبط الأوّل من علماء السنّة، لا الشيعة، و إلّا لا يخفى على مثل الجلال كتاب« الرجال» لعبد الله بن جبلة المشهور.
      أقول: يعود سهو آية الله الصدر في كتاب« تأسيس الشيعة» إلى أنّه عدّ وفاة شعبة في سنة ٢٦۰ ه- خطأ، في حين أنّها كانت في سنة ۱٦۰ ه-. و هنا- حيث ذكرنا مطلبه نقلًا عن كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» ص ۷٦ و ۷۷- سار على نفس النهج و ضبط وفاته سنة ٢٦۰ ه-. و هذا سهو آخر أيضاً.
      أجل، لقد وهم المرحوم السيّد شرف الدين إذ ظنّ شعبة شيعيّاً لكنّه أصاب في سنة وفاته، و هي سنة ۱٦۰ ه-.
      و على عكسه المرحوم السيّد حسن الصدر فقد أصاب في عدّه شعبة سنّيّاً، لكنّه و هم في سنة وفاته، حيث ذكر في كتاب« تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» و كتاب« الشيعة و فنون الإسلام» معاً أنّه توفّي سنة ٢٦۰ ه-.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

86
  • ابن جبلة أبو جعفر اليقْطِينِيّ صاحب الإمام الجواد محمّد بن عليّ الرضا، فإنّه صنّف كتاب «الرجال» كما في فهرست النجاشيّ، و فهرست ابن النديم. و كذلك الشيخ محمّد بن خالد البرقيّ. كان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر، و الرضا. و بقي حتى أدرك الإمام أبا جعفر محمّد بن الرضا عليه السلام، و كتابه موجود بأيدينا. فيه ذكر من روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، و من بعده. و فيه الجرح و التعديل كسائر الكتب المذكورة.۱

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ٦٥ إلى ۷۸.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

87
  • تقدّم الشيعة في علم الفقه

  • تحدّث آية الله السيّد حسن الصدر بعد هذا البحث عن أوّل مَن صنّف في طبقات الرواة، و ذكر أنّ أوّل مصنّف كان شيعيّاً، و هو أبو عبد الله محمّد بن عمر الواقديّ. ثمّ فتح فصلًا في تقدّم الشيعة في علم الفقه، و عدّ عليّ بن أبي رافع غلام رسول الله صلّى الله عليه و آله أوّل مصنّف فيه، و أضاف أنّ النجاشيّ قال بعد وصف هذا التدوين: و كانوا (الشيعة) يعظّمون هذا الكتاب (كتاب ابن أبي رافع).

  • ثمّ قال: فهو (عليّ بن أبي رافع) أوّل مَن صنّف فيه (في الفقه) من الشيعة. و ذكر الجلال السيوطيّ أنّ أوّل من صنّف- يعني من أهل السنّة- في الفقه الإمام أبو حنيفة، لأنّ تصنيف عليّ بن أبي رافع في ذلك أيّام أمير المؤمنين عليه السلام قبل تولّد الإمام أبي حنيفة بزمان طويل.

  • ثمّ عقد بحثاً في مشاهير الفقهاء من الشيعة في الصدر الأوّل. و ذكر أسماءهم حسب ما أوردها الشيخ أبو عمرو الكشّيّ في كتابه المعروف ب- «رجال الكشّيّ»، و كان معاصراً لأبي جعفر الكلينيّ من علماء المائة الثالثة. و قال ما نصّه:

  • تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام:

  • أجمعت العصابة (جماعة من أركان الشيعة كلامهم حجّة على غيرهم) على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام و انقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأوّلين ستّة: زُرَارة،۱

    1. قال أحمد أمين بك المصريّ في كتاب« ضحى الإسلام» ص ٢٦٥: و من أكبر رجال الشيعة زُرارة بن أعْيَن. قال ابن النديم: إنّه أكبر رجال الشيعة فقهاً و حديثاً و معرفة بالكلام و التشيّع. أبوه أعين كان عبداً روميّاً لرجل من بني شيبان تعلّم القرآن ثمّ أعتقه؛ و جدّه سنبس كان راهباً في بلاد الروم. ۱ صحب زرارة هذا أبا جعفر محمّداً الباقر و ابنه جعفراً الصادق عليهما السلام، و مات سنة ۱٥۰ ه-، و له آراء كثيرة منثورة في كتب الكلام. ٢
      ( ۱)« الفهرست» لابن النديم، ص ٢٢۰.
      ( ٢) انظرها في« مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ؛ و« اصول الدين» للبغداديّ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

88
  • و مَعروف ابن خَرَّبُوذ، و بُرَيْد، و أبُو بَصير الأسديّ، و الفُضَيْل بن يَسَار، و محمّد بن مُسْلِم الطائفيّ.

  • قالوا: أفقه الستّة زرارة. قال بعضهم: مكان أبي بصير الأسديّ أبو بصير المراديّ، و هو ليث بن البختريّ.

  • ثمّ قال: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام:

  • أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم لما يقولون، و أقرّوا لهم بالفقه من دون أولئك الستّة الذين عددناهم و سمّيناهم، و هم ستّة نفر:

  • جَمِيل بن دُرَّاج، و عبد الله بن مُسْكَان، و عبد الله بن بُكَيْر، و حَمَّاد ابن عيسى، و حَمَّاد بن عثمان، و أبَان بن عثمان.

  • قالوا: و زعم أبو إسحاق الفقيه، و هو ثعلبة بن ميمون، أنّ أفقه هؤلاء جميل بن دُرّاج. و هم أحدث أصحاب أبي عبد الله عليه السلام.

  • ثمّ قال الكشّيّ: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن عليهما السلام:

  • أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم و الإقرار لهم بالفقه و العلم. و هم ستّة نفر آخرون. دون الستّة النفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، منهم:

  • يونس بن عبد الرحمن، و صَفْوَان بن يحيى بَيَّاع السابِريّ، و محمّد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

89
  • ابن أبي عُمَيْر، و عبد الله بن المُغِيرَة، و الحسن بن محبوب، و أحمد بن محمّد بن أبي نَصْر، و قال بعضهم مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن عليّ بن فضّال، و فُضَالَة بن أيُّوب، و قال بعضهم مكان فُضَالَة، عثمان بن عيسى.

  • و أفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى- انتهى كلام الكشّيّ.

  • تقدّم الشيعة في علم الكلام

  • أوّل من صنّف و دوّن في علم الكلام عيسى بن رَوْضَة التابعيّ الإماميّ المصنّف في الإمامة. بقي إلى أيّام أبي جعفر المنصور، و اختصّ به، لأنّه مولى بن هاشم.۱ و هو الذي فتق بابه و كشف نقابه. و ذكر كتابه أحمد بن أبي طاهر في كتاب «تاريخ بغداد» و وصفه و ذكر أنّه رأى الكتاب كما في فهرست كتاب النجاشيّ.

  • ثمّ صنّف أبو هاشم بن محمّد بن علي بن أبي طالب عليه السلام كتباً في الكلام. و هو مؤسّس علم الكلام من أعيان الشيعة. و لمّا حضرته الوفاة، دفع كتبه إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ التابعيّ، و صرف الشيعة إليه، كما في معارف ابن قتيبة. و هما مقدّمان على أبي حُذَيْفَة: واصِل بن عَطَاء المعتزليّ، الذي ذكر السيوطيّ أنّه أوّل من صنّف في الكلام.

  • و أوّل من ناظر في التشيُّع من الإماميّة أبو ذرّ الغفاريّ

    1. إذا اضيف المولى إلى طائفة أو قبيلة فالمقصود منه إمّا الحليف، أو النزيل.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

90
  • قال أبو عثمان الجاحظ: أوّل من ناظر في التشيّع الكُمَيْت بن زَيْد الشاعر، أقام فيه الحجج. و لولاه لما عرفوا وجوه الاحتجاج عليه.

  • قلت: بل تقدّمه في ذلك أبو ذرّ الغفاريّ الصحابي رضي الله عنه.

  • أقام يبثّ مدّة في دمشق دعوته و ينشر مذهبه في العلويّة و آراءه الشيعيّة.

  • فاستجاب له قوم في نفس الشام. ثمّ خرج إلى صرفند و ميس- و هما من أعمال الشام من قري جبل عامل- فدعاهم إلى التشيّع فأجابوا. بل في كتاب «أمل الآمل»: لمّا اخرج أبو ذرّ إلى الشام بقي أيّاماً فتشيّع جماعة كثيرة.

  • ثمّ أخرجه معاوية إلى القرى، فوقع في جبل عامل، فتشيّعوا من ذلك اليوم.

  • و أوّل طبقة من مشاهير أئمّة علم الكلام من الشيعة تضمّ كُمَيْل بن زياد نزيل الكوفة. تخرّج على عليّ أمير المؤمنين عليه السلام في العلوم، و أخبره أنّ الحجّاج يقتله، فقتله الحجّاج بالكوفة سنة ثلاث و ثمانين تقريباً.

  • و سُلَيْم بن قَيْس الهِلَاليّ التابعيّ. طلبه الحجّاج أشد الطلب و لم يظفر به. و مات في أيّام الحجّاج. كان من خواصّ عليّ عليه السلام.

  • و الحارث الأعْوَر الهَمْدَانيّ صاحب «المناظرات في الاصول» أخذ من أمير المؤمنين عليه السلام، و تخرّج عليه. و مات سنة ٦٥ ه-.

  • و جابر بن يزيد بن الحارث الجُعفيّ: أبو عبد الله الكوفيّ، مُتبحِّر في الاصول و سائر علوم الدين. تخرّج على الباقر عليه السلام.

  • و بعد هؤلاء طبقة اخرى مثل قَيْس بن الماصِر، من أعلام علماء علم الكلام في عصره. تعلّم الكلام من الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام.

  • و شهد له الإمام أبو عبد الله الصادق بالحذاقة فيه، قال: أنْتَ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

91
  • وَ الأحْوَلُ قَفَّازَانِ حَاذِقَانِ! و الأحوال هو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان بن أبي طريفة البَجَليّ۱ الأحول. كان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة. يُرجع إليه بالنقد فيردّ ردّاً و يخرج كما يقول، فقيل له: شَيْطَانُ الطَّاقِ.

  • تعلّم من الإمام زين العابدين عليه السلام، و صنّف كتاب «افعل و لا تفعل»، و كتاب «الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام»، و كتاب «الكلام على الخوارج»، و كتاب «مجالسة مع الإمام أبي حنيفة و المرجئة»، و كتاب «المعرفة»، و كتاب «الردّ على المعتزلة».

  • و حُمْران بن أعْين أخو زرارة بن أعين. تعلّم الكلام من الإمام زين العابدين عليه السلام. و هشام بن سالم من شيوخ الشيعة في الكلام.

  • و يونس بن يعقوب ماهر في الكلام. قال له الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: تَجْرِي بِالكَلَامِ عَلَى الأثَرِ فَتُصِيبُ!

  • وَ فَضَّال بن الحسن بن فَضَّال الكوفيّ المتكلّم المشهور. ما ناظر أحداً من الخصوم إلّا قطعه، و حكى السيّد المرتضى في «الفصول المختارة»٢ بعض مناظراته مع الخصوم. و كلّ هؤلاء كانوا في عصر واحد،

    1. تحدّث أحمد أمين بك المصريّ في كتاب« ضحى الإسلام» ج ٣، عن محمّد بن النعمان المؤمن( مؤمن الطاق) الذي يسمّيه أهل السنّة شيطان الطاق، و ختم حديثه عن الإماميّة. قال: و الطاق محلّة ببغداد. و كان صيرفيّاً ماهراً بمعرفة الدراهم و الدنانير، فسمّوه شيطان الطاق لذلك.( بعد ص ٢٦٩).
    2. عنوان هذا الكتاب« الفصول المختارة». و هو بقلم الشريف المرتضى و من إفادات و تقريرات الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان الذي كان يدرّسه في مجالس معيّنة، و تلحق به مطالب من كتاب معروف للشيخ المفيد، و عنوانه« العيون و المحاسن»، و قد أدرجه الشريف المرتضى أيضاً فيه. و طُبع الكتاب المذكور بالنجف الأشرف في جزءين يضمّهما مجلّد واحد، تحت عنوان« الفهرست» خطاً. و قال البعض: إنّما طُبع بهذا العنوان عمداً تقيّة من حكومة بغداد التي كانت تصادر الكتب الشيعيّة.
      قال الشيخ محمّد جواد مغنية في هامش ص ۱۷ من كتاب« الشيعة و التشيّع» طبعة مدرسة و دار الكتب اللبنانيّة للطباعة و النشر ببيروت: هذا الكتاب جمعه الشريف المرتضى من أقوال استاذه الشيخ المفيد. و طُبع في النجف سنة ۱٩٣۷ م باسم« الفهرست» خشية أن تمنعه السلطة يومذاك لو طُبع باسمه الحقيقيّ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

92
  • و ماتوا في أثناء المائة الثانية.

  • و بعد هؤلاء في الطبقة هِشام بن الحَكَم.۱ قال الصادق عليه السلام فيه: هَذَا نَاصِرُنَا بِقَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ!

  • ناظر كلّ أهل الفرق و أفحمهم. و له مجالس مع الخصوم. صنّف في الكلام، و حسده الناس لشدّة صولته و علوّ درجته، فرموه بالمقالات الفاسدة، و هو بريء منها و من كلّ فاسد. مات سنة ۱۷٩ ه-.

  • ثمّ السَّكَّاك محمّد بن خليل أبو جعفر البغداديّ، صاحب هشام بن الحكم و تلميذه. أخذ عنه الكلام، و له كتب في الكلام.

  • و أبو مالِك الضَّحَّاك الحَضرميّ إمام في الكلام، أحد أعلام الشيعة.

    1. قال أحمد أمين بك المصريّ في« ضحى الإسلام» ج ٣، ص ٢٦٩، فيما قاله في ترجمة هشام: و جاءه رجل ملحد فقال له: أنا أقول بالاثنين. و قد عرفت إنصافك فلست أخاف مشاغبتك. فقام هشام و هو مشغول بثوب ينشره و قال: حفظك الله، هل يقدر أحدهما على أن يخلق شيئاً لا يستعين بصاحبه عليه؟
      قال: نعم! قال هشام: فما ترجو من اثنين؟! واحدٌ خلق كُلَّ شيءٍ أصَحُّ لَكَ! فقال الرجل: لم يكلّمني بهذا أحد قبلك. إلى أن قال أحمد أمين: و يظهر أنّه كان يميل إلى الجبر، و له مع المعتزلة في ذلك مناظرات. كما كان يمل إلى التجسيم. و حُكي عنه في ذلك أقوال، و الجاحظ يشتدّ عليه في المناقشة و يغضب في نقده غيرة على المعتزلة. و على الجملة فقد كان له فضل كبير في صياغة الكلام على المذهب الشيعيّ. و ألّف كتباً كثيرة لم يصل الينا شيء منها. قال ابن النديم إنّه توفّي بعد نكبة البرامكة مستتراً. و قيل: في خلافة المأمون.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

93
  • أدرك الصادق و الكاظم عليهما السلام.

  • و منهم آل نوبخت. قال ابن النديم في «الفهرست»: آل نوبخت معروفون بولاية عليّ و ولده. و قال في «رياض العلماء»: بنو نوبخت طائفة معروفة من متكلّمي علماء الشيعة.

  • قلتُ: أمّا نوبخت، فهو فارسيّ فاضل في علوم الأوائل. صحب المنصور لحذاقته باقتران الكواكب. و لمّا ضعف عن الصحبة قام مقام ابنه أبو سهل، اسمه كنيته. و نشأ لأبي سهل المذكور الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، فتقدّم في الفضل و العلم. قال بعض الفضلاء من أصحابنا عند ذكره: هُوَ الفيلسوف المتكلّم، و الحَكيم المتألِّه، وَحِيدٌ في علوم الأوَائل، كَانَ مِنْ أرْكَان الدَّهْر.

  • نقل كثيراً من كتب البهلويّين الأوائل في الحكمة الإشراقيّة من الفارسيّة إلى العربيّة، و صنّف في أنواع الحكمة. و له كتاب في الإمامة، كبير. و صنّف في فروع علم النجوم لرغبة أهل عصره بذلك. و هو من علماء عصر الرشيد هارون بن المهديّ العبّاسيّ. و كان على خزانة الحكمة للرشيد. و له أولاد علماء أجلّاء.

  • و قال القفطيّ۱ في كتاب «أخبار الحكماء»: الفضل بن نوبخت أبو سهل الفارسيّ، مذكور مشهور من أئمّة المتكلّمين. و ذكر في كتب المتكلّمين. و استوفى نسبه من ذكره كمحمّد بن إسحاق النديم، و أبي عبد الله (أبي عبيد الله- ظ) المرزبانيّ. كان في زمن هارون الرشيد، و ولّاه القيام بخزانة كتب الحكمة.

  • قلتُ: و من أولاده البارعين في العلوم إسحاق بن أبي سهل بن

    1. جاء في المصدر« القطفيّ» سهواً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

94
  • نوبخت، تخرّج على أبيه في العلوم العقليّة و سائر علوم الأوائل. و قام مقام أبيه في خزانة كتب الحكمة لهارون. و له أولاد علماء متبحّرون في الكلام كأبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، صاحب كتاب «الياقوت في الكلام» الذي شرحه العلّامة ابن المطهَّر الحلّيّ. قال في أوّله:

  • لشيخنا الأقدم و إمامنا الأعظم أبي إسحاق بن نوبخت.

  • و هنا ذكر باحثنا القدير المرحوم الصدر عدداً كبيراً من العلماء، و واصل حديثه إلى أن قال: و منهم: شَيْخُ الشِّيعَةِ وَ مُحْيِي الشَّرِيعَةِ شَيْخُنَا المُفِيدُ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النُّعْمان المعروف بابن المعلِّم. قال ابن النديم: انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه. مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر. شاهدته، فرأيته بارعاً، و له كتب- انتهى.

  • قلتُ: و هو إمام عصره في كلّ فنون الإسلام. كان مولده سنة ٣٣۸ ه-، توفّي سنة ٤۰٩ ه-.

  • تقدّم الشيعة في علم مكارم الاخلاق

  • إن أوّل من صنّف فيه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. كتب كتاباً فيه عند منصرفه من صفّين، و أرسله إلى ولده الحسن أو محمّد ابن الحنفيّة. و هو كتاب طويل جمع فيه جميع أبواب هذا العلم، و طرق سلوكه، و مكارم الملكات، و كلّ المنجيات و المهلكات، و طرق التخلّص من تلك الهلكات.

  • رواه علماء الفريقين و أثنوا عليه بما هو له أهل. رواه الكلينيّ منّا في كتاب «الرسائل» من عدّة طرق. و رواه الإمام أبو محمّد الحسن بن عبد الله ابن سعيد العسكريّ، و أخرجه بتمامه في كتاب «الزواجر و المواعظ». قال:

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

95
  • و لو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه. قال:

  • و حدّثني بها جماعة. ثمّ ذكر طرقه في رواية الكتاب.۱

  • و أوّل من صنّف فيه من الشيعة إسماعيل بن مهران بن أبي نصر أبو يعقوب السَّكُونيّ، و سمّاه كتاب «صفة المؤمن و الفاجر». و له جمع خطب أمير المؤمنين عليه السلام و أمثاله.

  • ذكرهما أبو عمر الكشّيّ، و أبو العبّاس النجاشيّ في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة، و ذكروا أنّه روى عن عدّة من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام، و عمّر حتى لقي الإمام الرضا عليه السلام، و روى عنه. و هو من علماء المائة الثانية.

  • و قد صنّف فيه من القدماء الشيعة كأبي محمّد الحسن بن عليّ بن

    1. و ذكره الشريف الرضيّ في« نهج البلاغة» ج ٢، باب الرسائل، الرسالة ٣۱، تحت عنوان: و من وصيَّةٍ له للحَسَن بنِ عليّ عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين منصرفاً من صفّين. و هو في« نهج البلاغة» ج ٢، ص ٣۷ إلى ٥۷، طبعة مصر، شرح الشيخ محمّد عبده.
      و حين هاجرت إلى مدينة مشهد المقدّسة سلام الله على ثاويها كنتُ قد كتبتُ في طهران وصيّة بتأريخ ٢۰ ربيع الأوّل سنة ۱٤۰۰ ه-، جاء فيها: و اوصيهم أدام الله توفيقهم و تأييدهم بنظم امورهم و التوجّه إلى الله تعالى و التبتّل إليه في كلّ الأحوال و التمسّك بالعروة الوثقى و الحبل المتين ولاء أمير المؤمنين عليه السلام. و عزمت على أن تكون وصيّة مفصّلة مشتملة على مطالب أخلاقيّة مهمّة. فرأيتُ أنّ من المخجل التحدّث عن مكارم الأخلاق و آداب المعاشرة مع وجود وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام- التي كتبها بحاضرين لولده الإمام المجتبى عليه السلام، و الحاوية مطالب رفيعة و حقائق سامية، و هي مثبّتة في« نهج البلاغة»- لذا اوصي جميع أولادي أن يطالعوا هذه الوصيّة و ينظروا فيها دائماً و يُنعموا الفكر في مضامينها. و يعلّقوا تلك الدرر الثمينة في آذانهم، و يجعلوها قدوة لأعمالهم، و يأخذوا من جدّهم، و يسيروا على نهجه، و يتأسّوا برسول الله و وصيّه أبَوَي الامّة الشفيقين، و يتمسّكوا بالمقام المقدّس للصدِّيقة الكبرى سلام الله عليها، و يستضيئوا بمعنويّة و روحانيّة قدسها و طهارتها و عصمتها.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

96
  • الحسن بن شُعْبَة الحَرَّانيّ رضي الله عنه من علماء المائة الثالثة، صنّف كتاب «تحف العقول فيما جاء في الحكم و المواعظ و مكارم الأخلاق عن آل الرسول». و هو كتاب جليل لم يُصَنَّف مِثلُه. و قد اعتمده شيوخ علماء الشيعة، كالشيخ المفيد ابن المعلِّم، ينقل عنه و غيره حتى قال بعض علمائنا: هو كتاب لم يسمح الدهر بمثله.۱

  • تقدّم الشيعة في الجغرافيّة في صدر الإسلام و علم الاخبار و التواريخ

  • إن هشام بن محمّد الكلبيّ من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام صنّف فيه كتاب «الأقاليم»، و كتاب «البلدان» الكبير، و كتاب «البلدان» الصغير، و كتاب «تسمية الأرضين»، و كتاب «الأنهار»، و كتاب «الحيرة»، و كتاب «منازل اليمن»، و كتاب «العجائب الأربعة»، و كتاب «أسواق العرب»، و كتاب «الحيرة»٢، و «تسمية البيع و الديارات»، كما نصّ على كلّ ذلك أبو الفرج، و ابن النديم في «الفهرست» عند ذكره أنواع ما صنّفه الكلبيّ.

  • و العجب من الحمويّ في «معجم البلدان» حيث لم يزد على قوله:

  • «و هشام بن محمّد الكلبيّ وقفت له على كتاب سمّاه «اشتقاق البلدان»، مع أنّه بزعمه استقصى طبقة الإسلاميّين المصنّفين في ذلك، من الذين قصدوا ذكر البلاد و الممالك، و عيّنوا مسافة الطرق و المسالك. و كلّهم متأخّرون عن هشام بن محمّد الكلبيّ، و الذين قصدوا ذكر الأماكن العربيّة و المنازل البدويّة من طبقة أهل الأدب، كلّهم أيضاً متأخّرون عن هشام بن محمّد

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۷٩ إلى ٩۸.
    2. ذُكر آنفاً، و يبدو أنّه مكرّر.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

97
  • الكلبيّ، كما لا يخفى على مثله.

  • تقدّم الشيعة في علم الأخبار و التواريخ و الآثار،

  • و مزيّتهم على الآخرين

  • قال ابن النديم: «قرأتُ بخطّ أحمد بن الحارث الخزاعيّ: «قالت العلماء: أبو مِخْنَف بأمر العراق و أخبارها و فتوحها يزيد على غيره.

  • و المدائنيّ بأمر خراسان و الهند و فارس. و الواقديّ بالحجاز و السيرة، و قد اشتركا في فتوح الشام»- انتهى.

  • قلتُ: و الشيعة من هؤلاء أبو مِخْنَف، و الواقديّ. و قد تقدّم نصّ ابن خلّكان أنّ هشام بن محمّد الكلبيّ أعلم الناس بالأنساب، و قد تقدّمت ترجمته. فنذكر ترجمة أبي مخنف، و الواقديّ، و أمثالهما ممّن فاق أقرانه، فنقول:

  • أبو مخنف الأزديّ الغامديّ شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة من الشيعة و وجههم. اسمه لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم، أو سليمان، أو سليم. و كان أبوه يحيى من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، و جدّه مخنف صحأبي، روى عن رسول الله صلّى الله عليه و آله، و صحب أمير المؤمنين عليه السلام بعده، و كانت راية الأزد بصفّين معه. و استُشهد بعين الوردة سنة ٦٤ ه- كما في «التقريب».

  • و أبو مخنف صاحب الترجمة روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام. و قيل: روى عن الباقر عليه السلام. و الشيوخ لا تصحّح ذلك. و قد و هم من قال فيه: إنّه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه لم يلقه.

  • و صنّف من الكتب كتاب «الرَّدّة»، كتاب «فتوح الشام»، كتاب «فتوح العراق»، كتاب «الجمل»، كتاب «صفّين»، كتاب «أهل النهروان

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

98
  • و الخوارج»، كتاب «الغارات»، كتاب «الحرث بن راشد و بني ناجية»، كتاب «مقتل عليّ عليه السلام». و أحصى المرحوم السيّد حسن الصدر له ثلاثة و ثلاثين كتاباً آخراً، ذكرها بأسمائها.

  • و منهم: الواقديّ. و هو أبو عبد الله محمّد بن عمر مولى الأسلَمين من سَهْم بن أسْلَم. كان من أهل المدينة. انتقل إلى بغداد و ولى القضاء بها للمأمون بعسكر المهديّ. عالماً بالمغازي و السير و الفتوح، و اختلاف الناس في الحديث و الفقه و الأحكام و الأخبار.

  • قال ابن النديم: و كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقيّة. قال:

  • و هو الذي روى أنّ عليّاً عليه السلام كان من معجزات النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم كالعصا لموسى عليه السلام، و إحياء الموتى لعيسى ابن مريم، و غير ذلك من الأخبار- انتهى. كان تولّده سنة ۱۰٣، و وفاته سنة ٢۰۷ ه- و له ثمان و سبعون سنة.۱ و له من الكتب كتاب «التاريخ و المغازي و المبعث»، كتاب «أخبار مكّة»، كتاب «الطبقات»، كتاب «فتوح الشام»، كتاب «فتوح القرآن». و ثلاثة و عشرون كتاباً آخراً ذكرها المرحوم الصدر كلّها.

  • قال ابن النديم: خلّف الواقديّ بعد وفاته ستمائة قِمْطَر كتباً (القمطر صندوق للكتب)، كلّ قمطر منها حِمْل رجلين. قال: و كان له مملوكان

    1. بناءً على هذا الحساب ينبغي أن يكون عمره مائة و أربع سنين. و لمّا كان المرحوم الصدر قد ذكر السنة( ۱۰٣) رقماً و كتابةً، لهذا لا يتسنّى تغييرها. و لكن ابن سعد ذكر في طبقاته ج ۷، ص ۷۷، ترجمة الواقديّ، أنّه ولد سنة ۱٣۰ في آخر حكومة مروان بن محمّد، لذا فإنّ العدد( ۱۰٣) رقماً و كتابة من سهو القلم. و عمره، كما ذكر السيّد الصدر، ثمان و سبعون سنة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

99
  • يكتبان الليل و النهار. و قبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار.۱

  • تقدّم الشيعة في علم اللغة

  • أوّل من جمع كلام العرب و حصره و زمّ جميعه، و بيّن قيام الأبنية من حروف المعجم و تعاقب الحروف، و أسّس ذلك بنظر صائب لم يتقدّمه أحد فيه هو الحبر العلّامة شيخ العالم حجّة الأدب، ترجمة لسان العرب المولى أبو الصَّفاء الخليل بن أحمد الأزْديّ اليَحْمُدِيّ الفراهيديّ رضي الله عنه.٢

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۱۰٤ إلى ۱۰۸.
    2. قال المحدِّث القمّيّ في« تتمّة المنتهى» ص ٢٢٣ إلى ٢٢٥، الطبعة الثالثة،( ما تعريبه): و في سنة ۱۷۰ ه- أيضاً توفّي الخليل بن أحمد الإماميّ العروضيّ النحويّ اللغويّ بالصبرة كما قال ابن خلّكان، و الخليل استاذ سيبويه و النضر بن شميل. و هو الذي استنبط علم العروض. مدحوه بالعقل و العلم و الزهد و الصلاح و الحلم و الوقار. و نقلت عنه كلمات حكميّة كثيرة. و طالما كان يتمثّل ببيت الأخطل:
      و إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد--ذخراً يكون كصالح الأعمال
      --

      و من كلماته بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام: احتياج الكلّ إليه و استغناؤه عن الكلّ دليلُّ على أنّه إمامُ الكُلّ. و قيل: إن أبا الخليل هو أوّل من سُمّي« أحمد» بعد رسول الله صلّى الله عليه و آله ... و بالجملة، كان الخليل رجلًا جليلًا، و كلماته الحكميّة كثيرة:( منها) العلمُ لا يُعطيك بعضَه حتى تعطيه كُلّكَ، ثمّ أنت في إعطائه إيّاك بعضه مع إعطائك إيّاه كلّك على خطر.( و منها) لا يعلم الإنسان خطأ معلِّمه حتى يُجالسَ غيره.( و منها) إذا نسخ الكتاب ثلاث مرّات و لم يعارض تحوّل بالفارسيّة( و منها) أصفى ما يكون ذهن الإنسان وقت السَّحَر.( و منها) إن أفضل كلمة يرغّب الإنسان إلى طلب العلم و المعرفة قول أمير المؤمنين عليه السلام: قدر كلّ امرئ ما يُحسن. إلى غير ذلك. و حُكي أنّه دخل رجل على الخليل و معه ابنه، فقال: أيّها الشيخ! جئتك من سفر بعيد فأدّب ابني شيئاً من علم النجوم و النحو الطبّ و فرائض الفقه، و الحمار على الباب. فقال له الخليل: اعلم أنّ الثُّريّا في وسط السماء، و أنّ الفاعل مرفوع، و أنّ الهليلج الكابليّ دافع للصفراء، و إن مات أحدٌ و ترك ابنين فالمال بينهما سواء. فقال: قُم يا بني.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

100
  • و هذا ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم و الأدب. إلى أن قال: قال شيخ الشيعة جمال الدين بن المطهّر في «الخلاصة»: الخليل بن أحمد كان أفضل الناس في الأدب، و قوله حجّة فيه. اخترع العروض. و فضله أشهر من أن يذكر. كان إماميّ المذهب.

  • و قال المولى عبد الله أفندي في «رياض العلماء»: و الخليل جليل القدر، عظيم الشأن، أفضل الناس في علم الأدب. كان إماميّ المذهب و إليه ينسب علم العروض. و كان في عصر مولانا الصادق، بل الباقر عليهما السلام أيضاً- انتهى.۱

  • و من مشاهير أئمّة اللغة من الشيعة ممّن يزيد على غيره ابن السِّكِّيت. قال أبو العبّاس ثعلب: أجمع أصحابنا أنّه لم يكن بعد ابن

    1. قال أبو المحاسن يوسف بن تَغْري بَرْدي في كتاب« النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة»، ج ۱، ص ٣۱۱ و ٣۱٢: و قيل: و فيها توفّي الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيديّ أبو عبد الرحمن النحويّ البصريّ في سنة إحدى و ثلاثين و مائة. قال ابن قَرَاوغلي: و لم يكن بعد الصحابة أذكى من الخليل هذا و لا أجمع. و كان قد برع في علم الأدب. و هو أوّل من صنّف العروض. و كان من أزهد الناس. قلتُ: و لعلّ ابن قراوغلي واهم في وفاة الخليل هذا.
      و الذي أعرفه أنّه كان في عصر أبي حنيفة و غيره. و ذكر الذهبيّ وفاته في سنة ٢٦۰. و قال ابن خلّكان: كانت ولادته( يعني الخليل) في سنة ۱۰۰ من الهجرة، و توفّي في سنة ۱۷۰، و قيل: ۱۷٥. و قال ابن قانع في تاريخه المرتّب على السنين: إنّه توفّي سنة ۱٦۰. و قال ابن الجوزيّ في كتابه الذي سمّاه« شذور العقود»: إنّه مات سنة ۱٣۰. و هذا غلط قطعاً. و الصحيح أنّه عاش لبعد الستّين و مائة. و يقال: إنّه كان له ولد، فدخل عليه، فوجده يقطّع بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس، فقال: إن أبي جُنَّ، فدخلوا إليه، و أخبروه، فقال مخاطباً ابنه:

      لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتَني--أو كنتَ تعلم ما تقول عذلتكا
      لكن جهلت مقالتي فعذلتني--و علمتُ أنّك جاهل فعذرتُكا
      --

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

101
  • الأعرابي أعلم باللغة من ابن السِّكِّيت.

  • قتله المتوكّل لأجل التشيّع، و أمره مشهور. عَمَّرَ ثماني و خمسين سنة، و استشهد ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة ٢٤٤، و قيل: سنة ٢٤٦، و قيل: سنة ٢٤٣.

  • و له من الكتب «إصلاح المنطق» الذي قال المُبَرَّد فيه: ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل «إصلاح المنطق». و له كتاب «الألفاظ»، و كتاب «الزبرج»، و كتاب «الأمثال»، و كتاب «المقصور و الممدود»، و كتاب «المذكّر و المؤنّث»، و كتاب «الأجناس»- و هو كتاب كبير- و كتاب «الفِرَق»، و كتاب «السَّرج و اللِّجام»، و كتاب «الوحوش»، و كتاب «الإبل»، و كتاب «النوادر»، و كتاب «معاني الشِّعر» الكبير، و آخر صغير، و كتاب «سرقات الشعراء»، و كتاب «فَعَلَ و أفْعَلَ»، و كتاب «الحشرات»، و كتاب «الأصوات»، و كتاب «الأضداد»، و كتاب «الشجر و الغابات».

  • فتأمّل هذه المصنَّفات في هذا العمر القصير! هذا مضافاً إلى ما رواه عن الرضا و الجواد و الهاديّ عليهم السلام.

  • و منهم: أبو بَكر بن دُرَيد الأزْدِيّ إمام اللغة. كان صدراً في العلم ستّين سنة. ولد بالبصرة سنة ثلاث و عشرين و مائتين، و نشأ بها. و لمّا فتحها الزنج هرب إلى عمان، و أقام اثنتي عشرة سنة، ثمّ رجع إلى وطنه، ثمّ رحل إلى فارس، إلى بني ميكال، فعلا عندهم قدره. و تولّى نظارة الديوان.

  • و لمّا خُلع بنو ميكال، جاء إلى بغداد سنة ثمان و ثلاثمائة، و اتّصل بابن الفرات وزير المقتدر بالله. فقرّ به المقتدر، و عيّن له وظيفة نحو خمسين ديناراً في كلّ شهر. و ما زال مكرّماً معظّماً حتى جاء أجله في شعبان سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة، و قد عمّر ثماني و تسعين سنةً. و قد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

102
  • صنّف كتاب «السرج و اللجام»، و كتاب «المقتبس»، و كتاب «زوّار العرب»، و كتاب «اللغات»، و كتاب «السلاح»، و كتاب «غريب القرآن»، و كتاب «الوِشاح»، و كتاب «الجمهرة» في اللغة، في ستّة أجزاء كلّ جزء في مجلّد.

  • و له مقاطيع محبوكة الطرفين، و قصيدة في المقصور و الممدود. و له القصيدة المقصورة ذات الحكم و الآداب، أكبّ على شرحها العلماء.

  • و عدّه الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب المازندرانيّ في «معالم العلماء» في شعراء أهل البيت المجاهدين فيهم. و من شعره في ولاء أهل البيت عليهم السلام:

  • أهْوَى النَّبِيّ مُحَمَّداً وَ وَصِيَّةُ *** وَ ابْنَيْهِ وَ ابْنَتَهُ البَتُولَ الطَّاهِرَهْ

  • أهْلَ الوَلَاءِ فَإنَّنِي بِوَلَائِهُمْ *** أرْجُو السَّلَامَةَ وَ النَّجَا في الآخِرَهْ

  • وَ أرَى مَحَبَّةَ مَنْ يَقُولُ بِفَضْلِهِمْ *** سَبَباً يُجِيرُ مِنَ السَّبِيلِ الجَائِرَهْ

  • أرْجُو بِذَاكَ رِضَا المُهَيْمِنِ وَحْدَهُ *** يَوْمَ الوُقُوفِ عَلَى ظُهُورِ السَّاهِرَهْ

  •  *** 

  • و نصّ على تشيّعه في «رياض العلماء»، و «معالم العلماء»، و «أمل الآمل»، و «طبقات الشيعة» للقاضي نور الله المرعشيّ.

  • و منهم: أبو عمرو الزاهد، قال التنوخيّ: لم أر قطّ أحفظ منه. أملي من حفظه ثلاثين ألف ورقة. ولد سند إحدى و ستّين و مائتين، و مات سنة خمسين و أربعين و ثلاثمائه. و له من الكتب كتب «مناقب أهل البيت»، اختصره السيّد ابن طاووس. و أخرج في «سعد السُّعُود» جملة من أحاديث أبي عمرو الزاهد في مناقب أهل البيت.

  • و كذلك صاحب «تحفة الأبرار» السيّد الشريف الحسين بن مساعد الحسينيّ الحائريّ، روى عن أبي عمرو الزاهد اللغويّ النحويّ من كتابه في مناقب أهل البيت، و نصّ على تشيّعه. إلى أن قال:

  • و نصّ في «رياض العلماء» على أنّه من علماء الإماميّة، و أنّ له كتاب

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

103
  • «اللباب». و ينقل عن كتبه ابن طاووس في كتبه كثيراً من الأخبار. و كتاب «المناقب»، و ينقل بعض المتأخّرين في كتبهم بعض الأخبار في فضائل أهل البيت عليهم السلام عنه.

  • قلتُ: لا ريب في تشيّع أبي عمر و المذكور.

  • و منهم: أحمد بن فارس بن زكريّا بن محمّد بن حبيب أبو الحسين اللغويّ المعروف، الكوفيّ المذهب، صاحب «المجمل» في اللغة، و «فقه اللغة»، المعروف بالصاحبيّ. صنّفه للصاحب بن عبّاد. له ترجمة في «وفيّات الأعيان»، و «بغية الوعاة».

  • و منهم: الصاحب بن عَبَّاد وزير فخر الدولة الديلميّ.۱ كان كافي

    1. قال أحمد أمين بك المصريّ في كتاب« ظهر الإسلام» ص ۱٤٢: أمّا الدولة البويهيّة فقد كانت كذلك معتنية بالعلم و الأدب. لقد بدأت حياتها تتعصّب للأدب الفارسيّ، و لكن ما لبثت أن تثقّفت الثقافة العربيّة و تعصّبت لها. و نبغ مِن ملوكهم مَن كان يشارك العلماء و الشعراء في شعرهم و أدبهم، مثل عضد الدولة البويهيّ. و كان وزراء استنّوا سنّتهم و عنوا بالأدب. على رأسهم هؤلاء الأقطاب الأربعة: ابن العَميد، و الصاحب بن عَبَّاد، و الوزير المهلّبيّ، و ابن سعدان. و قد كان كلٌّ عظيم الجاه، يقصد إليه الادباء و العلماء، و كان لكلٍّ ميزةٌ. كان للصاحب بن عبّاد ميزته الأدب البحت، و هو في مجالسه يعلّم الادباء النقد، و يقترح عليهم نظم الشعر في موضوعات معيّنة، أو إجازة بعض الأبيات. و ابن العميد كانت ميزته العلم و الأدب، و يضمّ إليه طائفة من المتخصّصين في هذا. و ابن سعدان كان يُعنى بالفلسفة و يجالس الفلاسفة أمثال أبي حيّان التوحيديّ، و يثير في مجالسه مسائل فلسفيّة.
      و الوزير المهلّبيّ كان يُعنى بالأدب الصِّرف، و في التاليف في الأدب. و من جلسائه: أبو الفرج الأصفهانيّ، و له ألّف كتابه« الأغاني»، و القاضيّ التنوخيّ، و غيرهما. هؤلاء ملئوا الدنيا علماً و أدباً. و قال أحمد أمين في ص ۱٤٣: و للصاحب بن عبّاد نحو عشرة آلاف بيت في مناقب أهل البيت و التبرّؤ من أعدائهم. و ممّا يُنسب إليه قوله، و هو من أفظع الهجاء:

      قَالَتْ: تُحِبُّ مُعَاوِيَه--قُلْتُ: اسْكُتِي يَا زَانِيَهْ
      قَالَتْ: أسَأتَ جَوَابَنَا--فَأعَدْتُ قَوْلِي ثَانيَهْ
      يَا زَانِيَه يَا ابْنَةَ ألْفَي زَانِيَه--أ احِبُّ مَنْ شَتَمَ الوَصِيّ عَلَانِيَهْ
      فَعَلَى يَزِيدٍ لَعْنَةٌ--وَ عَلَى أبِيهِ ثَمَانِيَهْ
      --

      و من شعر مهيار الديلميّ في ذلك:

      و قائلٌ لي عليّ كان وارثه--بالنَّصِّ منه فهل أعطوه أو منعوا
      فقلتُ كَأنْتَ هناك لستُ اذكرها--يجزي بها الله أقواماً بما صَنَعوا
      هُمُ رجالٌ إذا سَمَّيتَهُمْ عُرِفوا--لَهُمْ وجوهٌ من الشحناء تمتَقِعُ
      ما زِلتُ مُذْ يَفَعَتْ سِنِّي ألوذ بكم--حتى محا حقّكم شكّي فأنتجعُ
      --

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

104
  • الكُفاة. صنّف في علم اللغة «المحيط باللغة» في عشرة أجزاء، رتّبه على حروف المعجم، كثّر فيه الألفاظ و قلّل الشواهد. و «جوهرة الجمهرة». و له في الأدب كتاب «الأعياد»، كتاب «الوزارء»، كتاب «الكشف عن مساوئ المتنبّي»، و رسائل في فنون الكتابة، رتّبها على خمسة عشر باباً، و له ديوان شعر. و له في علم الكلام كتاب «أسماء الله تعالى و صفاته»، و كتاب «الأنوار» في الإمامة، و كتاب «الإبانة عن الإمام». و هو أوّل من سُمِّي الصاحب من الوزراء. مُدِح بمائة ألف قصيدة عربيّة و فارسيّة، و اليتيمة في شعرائه.

  • و حكى الحسن بن عليّ الطبرسيّ في كتابه «الكامل البهائيّ» أنّ للصاحب بن عبّاد عشرة آلاف بيت شعر في مدح أهل البيت عليهم السلام.۱

  • تقدم الشيعة في علم الإنشاء و الكتابة

  • بعد أن ذكر المرحوم الصدر هنا ابن العميد، و الصاحب بن عَبَّاد، و أبا بكر الخوارزميّ، أضاف قائلًا: و أوّل مَن كتب لأمير المؤمنين عليّ

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۱۱٦ إلى ۱٢۱.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

105
  • ابن أبي طالب عليه السلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. قال ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: فلم يزل كاتباً لعليّ ابن أبي طالب خلافته كلّها.

  • و قال: و منهم (الوزارء الكتّاب): بنو سَهْل وزراء المأمون. أوّلهم الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ذَوْ الرِّئاسَتَيْنِ لجمعه بين السيف و القلم. و لمّا نقل المأمون الخلافة إلى بني عليّ، كان الفضل بن سهل هو القائم بهذا الأمر و المحسِّن له. و لمّا رأى المأمون إنكار العبّاسيّين ببغداد لذلك حتى خلعوه و بايعوا إبراهيم عمّه، قام و قعد و دسّ جماعة على الفضل بن سهل فقتلوه في الحمّام، ثمّ قتل الإمام الرضا عليه السلام بالسمّ، و كتب إلى بغداد أنّ الذي أنكرتموه من أمر عليّ بن موسى قد زال. و كان ذلك سنة ٢۰٤.

  • ثمّ استوزر المأمون الحسن بن سَهل. ثمّ عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه. فانقطع بداره ليتطبّب و استخلف أحد كتّابه. و مات الحسن بن سهل في سنة ستّ و ثلاثين و مائتين في أيّام المتوكّل.

  • و منهم: أبو الفَضْل جعفر بن محمود الإسكافيّ وزير المعتزّ و المهتدي.

  • و منهم: أبو المَعَالي هِبَةُ الله بن محمّد بن المُطَّلِب وزير المستظهر.

  • كان من علماء الوزراء و أفاضلهم و أخيارهم. نصّ على تشيّعه في «جامع التواريخ». قال: و لهذا لم يرض بوزارته محمّد بن ملكشاه السلجوقيّ! فكتب إلى الخليفة: كيف يكون وزير خليفة الوقت رافضيّاً؟! و كرّر الكتابة في ذلك، فعزله المستظهر.

  • فذهب أبو المعالي إلى السلطان محمّد بن ملكشاه و توسّل إليه بواسطة سعد الملك الأوْجي وزيره فاسترضاه. و اشترط عليه السلطان أن لا يخرج عن مذهب أهل السنّة و الجماعة في وزارته. و كتب السلطان إلى

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

106
  • المستظهر، فأعاده إلى الوزارة. ثمّ تغيّر عليه الخليفة، فذهب إلى أصفهان.

  • و كان في ديوان السلطان محمّد ملك شاه حتى مات.

  • و منهم: مُؤيِّد الدِّين أبو طالب محمّد بن أحمد بن العَلْقَميّ الأسَديّ وزير المستعصم. صنّف له الصغانيّ اللغويّ «العباب»، و هو كتاب جليل في اللغة. و صنّف له عزّ الدين بن أبي الحديد «شرح نهج البلاغة» فأثابهما و أحسن جائزتهما، و مدحه الشعراء و انتجعه الفضلاء. و ظلمه العامّة حيث نسبوا إليه الغدر و الخيانة، و هو بريء من كلّ خيانة.

  • قال ابن الطقطقيّ، و هو من أهل ذلك العصر و أشراف ذلك الزمان، في مقام بيان إهمال المستعصم و عدم التفاته و تفريطه ما لفظه:

  • و كان وزيره مؤيِّد الدين بن العلقميّ يعرف حقيقة الحال في ذلك، و يكاتبه بالتحذير و التنبيه، و يشير عليه بالتيقّظ و الاحتياط و الاستعداد، و هو لا يزداد إلّا غفولًا. و كان خواصّه يوهمونه أنّه ليس في هذا كبير خطر و لا هناك محذور. و أنّ الوزير إنّما يعظّم هذا لينفق سوقه و لتبرز إليه الأموال ليجنّد بها العساكر، فيقطع منها لنفسه ... إلى آخر كلامه.

  • و منهم: أبو الحسن جعفر بن محمّد بن فَطير الكاتِب الوزير المشهور. ذكره ابن كثير، و ذكر أنّه من الوزراء الكتّاب الشيعة بالعراق.

  • قال: و لمّا كان تشيّعه شائعاً، جاءه رجل فقال له: أنّي رأيتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام، و قال لي: امضِ إلى ابن فطير و قل له يعطيك عشرة دنانير. فقال له: متى رأيتَه؟ قال: في أوّل الليل.

  • فقال: صدقتَ! فإنّي رأيتُه عليه السلام في آخر الليل. و أمرني أن إذا جاءك سائل كذا صفته و سألك شيئاً فأعطه ... إلى آخر القصّة. و قد نقلتها بالواسطة عن تاريخ ابن كثير من كتاب طبقات القاضي المرعشيّ بالفارسيّة.

  • و منهم: آل جُوَيْن، منهم: الصاحب الأعظم شمس الدين محمّد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

107
  • الجُوَيْنيّ الملقَّب بصاحب الديوان للسلطان محمّد خوارزم شاه، و للسلطان جلال الدين، و كذلك أخوه علاء الدين عطاء الملك الجُوَيْنيّ، و كذلك الصاحب المعظّم الأمير الرشيد بَهَاء الدين محمّد بن صاحب الديوان، و قد صنّف المحقّق الشيخ ميثم البحرانيّ «شرح نهج البلاغة» باسمه. و صنّف الحسن بن عليّ الطبرسيّ كتاب «الكامل في التاريخ» باسمه، فسمّاه «الكامل البهائيّ»، ثمّ الصاحب شرف الدين هارون أخوه ابن صاحب الديوان الجوينيّ كان جامعاً لجميع العلوم حتى الموسيقى، كما في «مجالس المؤمنين» للمرعشيّ. و قام مقام أخيه في الوزارة.

  • و منهم: أحمد بن محمّد بن ثوابة بن خالد الكاتب: أبي العبّاس.

  • كان أيّام المهديّ. و نصّ ياقوت في «معجم الادباء» على تشيّعه. مات أبو العبّاس سنة ٢۷۷ ه-، و قيل: سنة ٢۷٣ ه-.

  • و منهم: أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مُصْعَب بن زُرَيْق بن مَاهَا الخُزَاعِيّ الأمير البغداديّ الإماميّ. كان ولى بغداد و خراسان. و كان عالماً فاضلًا و شاعراً بارعاً و كاتباً ماهراً، و لا عجب فإنّه ابن أبيه (عبد الله الشاعر و الأديب) و حفيد طاهر.

  • قال الخطيب عند ذِكره لأبي أحمد المذكور: كان فاضلًا أديباً شاعراً فصيحاً. و كان أبوه عبد الله شاعراً مجيداً و جواداً سخيّاً. و جدّه طاهر لا يحتاج إلى وصف بالكمال. و هو أحد الثلاثة الذين قال المأمون فيهم:

  • هم أجلّ ملوك الدنيا و الدين- قاموا بالدول- و هم الإسكندر، و أبو مسلم الخراسانيّ، و طاهر. قال: و كان متشيّعاً كحفيده المذكور، إلى أن قال:

  • مات أبو أحمد ليلة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوّال سنة ثلاثمائة. حكاه عن الخطيب ضياء الدين في «نسمة السَّحَر».

  • و منهم: أحمد بن عَلَوِيَّة المعروف بأبي الأسود الكاتب الكرانيّ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

108
  • الأصفهانيّ. قال ياقوت: كان صاحب لغة يتعاطى التأديب و يقول الشِّعر الجيّد. و كان من أصحاب لفذة؛ ثمّ صار من ندماء أحمد أبي دُلَف. إلى أن قال: و له «رسائل مختارة»، و «رسالة في الشيب و الخضاب»، و قصيدة شيعيّة على ألف قافية. عُرضت على أبي حاتم السجستانيّ فاعجب بها و قال: يَا أهْلَ البَصرةِ! غَلَبَكُمْ أهْلُ إصْفَهَانَ. عمّر نيّفاً و مائة سنة، و توفّي سنة نيّف و عشرين و ثلاثمائة.

  • و منهم: الإسكافيّ محمّد بن أبي بكر هَمَّام بن سَهْل المشهور بالكاتب الإسكافيّ، من شيوخ الشيعة، مقدّم في كلّ فنون العلم. صنّف في الكلّ. له ترجمة طويلة في الكتب الموضوعة في أحوال الرجال لأصحابنا.

  • كان تولّده في يوم الاثنين سابع ذي القعدة من شهور سنة ثمان و خمسين و مائتين، و توفّي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة من جمادى الآخرة سنة ستّ و ثلاثين و ثلاثمائة.

  • و منهم: الشيخ أبو بكر الخوارَزميّ محمّد بن العبّاس۱ شيخ الأدب

    1. قال أحمد أمين بك المصريّ في كتاب« ظهر الاسلام»، ج ٤، ص ۱٤٤: و ممّن تشيّع من كبار الكتّاب أبو بكر الخوارزميّ. كان شيعيّاً متعصّباً لأهل البيت، شريحاً في مواجهته لهم، مسلّطاً قلمه على خصومهم. و للتشيّع هذا أثر قويّ في رسائله. فهو لا يترك فرصة دون أن يستغلّها في هجاء خصومه أو مدح رؤساء الشيعة أو إظهار التوجّع و التفجّع لما أصاب أهل البيت من ظلم و قتل و غصب. فإذا كتب رسالة إلى جماعة الشيعة في نيسابور، أسهب و أطال فيما أصاب أنصار الشيعة من قتل و تشريد و محنة و بلاء أيّام الأمويّين و العبّاسيّين باسلوب تسوده نغمة الحزن و الكآبة ... و يواصل أحمد أمين حديثه حتى يقول في ص ۱٤٥: و تتابع الشيعة على هذا المنوال. فألّف ابن أبي الحديد شارح« نهج البلاغة» قصائد سبعاً كالمعلّقات السبع سمّاها« القصائد السبع العلويّات». الاولى في ذكر فتح خيبر، و الثانية في ذكر فتح مكّة، و الثالثة في وصف النبيّ، و الرابعة في واقعة الجمل، و الخامسة في وصف عليّ، و السادسة في وصفه أيضاً و مدحه، و السابعة في أوصافه. فمثلًا يقول في وصفه:
      و لقد بكيت لقتل آل محمّدٍ--بالطفِّ حتى كلّ عضو مَدْمَعُ
      و حريمُ آل محمّد بين العِدَا--نَهبٌ تقاسِمُه اللِّئامُ الرُّضَّعُ
      تاللهِ لا أنْسَى الحسينَ و شِلْوَهُ--تحت السنابك بالعَراء مُوَزَّعُ
      مُتَلَفِّعاً حُمْر الثِّيابِ و في غدٍ--بالخضر من فردوسه يتلفَّعُ
      تَطَا السنابك صدره و جبينه--و الأرض ترجف خيفة و تضعضعُ
      --

      ... إلى آخر القصيدة. و على الجملة فالثروة الأدبيّة التي تركها الشيعة في العويل و البكاء و مدح الخلفاء ثروة كبيرة. و إذا نحن قلنا: الأدب الشيعيّ فهو بعينه أدب معتزليّ، لأنّ الأدب البويهيّ كان أدباً شيعيّاً معتزليّاً- انتهى.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

109
  • و علّامة عصره في علوم العرب. قال الثعالبيّ في «اليتيمة» عند ذكره: نابغة الدهر، و بحر الأدب، عَلَم النظم و النثر، و عالم الظرف و الفضل. كان يجمع بين الفصاحة و البلاغة، و يحاضر بأخبار العرب و أيّامها و دواوينها، و يُدَرِّس كتب اللغة و النحو و الشعر، و يتكلّم بكلّ نادرة، و يأتي بكلّ درّة، و يبلغ في محاسن الأدب كلّ مبلغ ... إلى آخر كلامه الحسن.

  • توفّي أبو بكر في شهر رمضان سنة ٣۸٣ ه-. و من شعره المحكيّ في «معجم البلدان» في لفظة (آمل):

  • بِآمُلَ مَوْلِدِي وَ بَنُو جَرِيرٍ *** فَأخْوَالِي وَ يَحْكِي المَرْءُ خَالَهْ

  • فَهَا أنَا رَافِضِيّ عَنْ تُرَاثٍ *** وَ غَيْرِي رَافِضِيّ عَنْ كَلَالَهْ

  •  *** 

  • و منهم: أبو الفَضْل بَديع الزَّمان أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهَمَدَانيّ أحد أركان الدهر. و شهرته تُغني عن نقل ما ذكره العلماء في ترجمته. نصّ الشيخ أبو عليّ في «منتهى المقال» على أنّه من الشيعة الإماميّة، و أنّه أوّل من أسّس وضع المقامات. مات سنة ٣۷۸.۱

  • ثمّ تحدّث المرحوم الصدر مفصّلًا عن تقدّم الشيعة في علم المعاني

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۱٢٢ إلى ۱٣٤ باختصار مركّز.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

110
  • و البيان و الفصاحة و البلاغة، و كتبهم المصنّفة في هذا المجال. و كذلك تقدّمهم في علم البديع، و العروض، و فنون الشعر، و علم الصرف و النحو في فصول و صحائف عديدة. ثمّ عرّج على تحقيق السبب الذي دعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى اختراع اصول علم النحو و تحديد حدوده، و تحقيق السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو الذي كان تعلّمه من الإمام عليه السلام.۱ و بعد ترجمة اولئك الرجال الذين صنّفوا في علم النحو من مشاهير الشيعة و أئمّة العربيّة و آدابها كعطاء بن أبي الأسود، و الفرّاء النحويّ المشهور و غيرهما، و بعد نقله مطالب رائعة و ثمينة، قال:

  • و منهم: قُتَيْبَة النحويّ الجُعْفيّ الكوفيّ من أئمّة علم النحو و اللغة.

  • و وصفه النجاشيّ في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة بالأعشى المؤدِّب، و كنّاه بأبي محمّد المُقْري مَوْلَى الأزْد. و ذكره السيوطيّ في «الطبقات»، و حكي عن الزبيديّ ذِكره في أئمّة نحاة الكوفيّين. و أنّه قال: وقّع كاتب المهديّ: قرًى عربيَّةٌ، فنوّن قرًى، فأنكره شبيب بن شيبة، فسأل قتيبة هذا، فقال: إن اريد قرى الحجاز فلا تنوّن، لأنّها لا تنصرف، أو قرى السودان نُوِّنت لأنّها تنصرف.٢

  • و قال: و منهم: الأخفش الأوّل المتوفّى قبل الخمسين و مائتين، و اسمه أحمد بن عِمْران بن سَلَامة الإلْهَانيّ. يكنّى أبا عبد الله النحويّ.

  • قال ياقوت بعد ترجمته: و له أشعار كثيرة في أهل البيت، منها:

  • إن بني فَاطِمَةَ المَيْمُونَهْ *** الطَّيِّبِينَ الأكْرَمِينَ الطِّينَهْ

  •  *** 

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» في خمس صفحات تامّة، تحدّث فيها عن هذا الموضوع، ص ۱٥۸ إلى ۱٦٤.
    2. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۱٦۸.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

111
  • رَبِيعُنَا في السَّنَةِ المَلْعُونَهْ *** كُلُّهُمُ كَالرَّوْضَةِ المَهْتُونَهْ

  •  *** 

  • و ذكره السيّد بحر العلوم الطباطبائيّ في كتاب «الرجال»، و ذكر أنّه من شعراء أهل البيت عليهم السلام، خالص الودّ لآل البيت، أصله من الشام، و هاجر للعلم بالعراق، ثمّ رحل إلى مصر، ثمّ إلى طبريّة. صحب إسحاق بن عَبْدُوس، و كان يؤدِّب ولده بطبريّة.۱

  •  ** *

  • أجل، تبيّن ممّا ذكرنا كالشمس الساطعة أنّ الشيعة وحدهم كانوا منذ عصر صاحب الرسالة الخاتمة قد وقفوا على أهمّيّة العلم و الحديث و السنّة و الخبر، و كانوا مجدّين و ساعين إلى تدوين الكتب و تصنيف الأسفار، و كانوا يعدّون ذلك من أهمّ واجباتهم في وقت كان المعارضون لنشر العلم و الكتابة و التدوين يجلدون رواة الحديث و يعذّبونهم و يسجنونهم و ينفونهم، و ينهون نهياً أكيداً بليغاً عن تفسير القرآن و كتابة و بيان الحديث و السنّة النبويّة. و ما جرى على الشيعة الملتزمين الغيورين الناطقين بالحقائق في القرن الأوّل، و الثاني، حيث كانت الحكومات الجائرة الغاصبة تبذل قصارى جهدها لإخفاء الحقائق و الصدق و الأمانة، لأنّ أركان عروشها المُمَوَّهة قائمة على ممارساتها القمعيّة المتمثّلة بكمّ الأفواه، و القتل، و السلب، و النهب.

  • و لم يكن للشيعة من سبيل إلّا نشر العلم، ذلك أنّهم أرسوا دعائم منهجهم على الحقّ و الصدق. و هذا المنهج لم يسمح لم قطّ أن يستسلموا لحكّام الجور و امراء الظلم، أو يركعوا لهم من أجل المحافظة على أرواحهم

    1. «الشيعة و فنون الإسلام» ص ۱۷۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

112
  • و أموالهم أو رغبة في إعلاء منزلتهم و مكانتهم. لهذا راضوا أنفسهم على الفقر و التشريد و النكبات في جميع العهود الرهيبة، كي يُبيِّضُوا كرّاساتهم المُسَوَّدَة، و يرووا للآخرين كتبهم المرويّة، من أجل أن لا تنقطع سلسلة الحقّ، و لا ينفصم عقد الفهم و الدراية و العلم. و ليصونوا كلام رسول الله الذي أخذوه من رسول الله حتى عصر بقيّة الله أرواحنا فداه.

  • لقد قام الشيعة بالكتابة و التدوين و التصنيف منذ عصر رسول الله.

  • و كانوا يحذون حذوه و يتّبعون هَدْيَهُ. و كانت الدعوة إلى الإسلام و الدعوة إلى التشيّع على حدٍّ سواء، إذ تمثّلا في آية الإنذار و حديث العشيرة. فكان التشيّع روح الإسلام، و الإسلام بلا تشيّع كجيفة نتنة تزكم الانوف و تزعج عالم الشرف و الضمير و الإنسانيّة، و تشكّل عبثاً ثقيلًا على كاهله.

  • الاحاديث النبويّة في لزوم التشيّع

  • و كانت دعوة رسول الله إلى القرآن، و دعوته إلى ولاية مولى المتّقين و سيّد الأحرار و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دعوة واحدة.

  • و كان لزوم اتّباعه عليه السلام من اللوازم التي لا تتجزّأ عن الإسلام. و كان شيعته في عصر الرسول الأكرم معروفين بارزين لا معين. و كان الحزب المخالف منذ ذلك العصر معروفاً بتخطيطه، و عرقلته للأمور، و مخالفته للحقّ، و وقوفه أمام الصواب و الحقّ.

  • قال ابن الأثير: و في حديث عليّ عليه السلام قال النبيّ صلّى الله عليه و آله:

  • سَتَقْدَمُ عَلَى اللهِ أنْتَ وَ شِيعَتُكَ رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ، وَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ عَدُوُّكَ غِضَاباً مُقْمَحِينَ! ثُمَّ جَمَعَ يَدَهُ إلى عُنُقِهِ يُرِيهِمْ كَيْفَ الإقْمَاحُ؟!

  • ثمّ قال (ابنُ الأثير): أقْمَحَهُ الغُلُّ: إ ذَا تَرَكَ رَأسَهُ مَرْفُوعاً مِنْ ضِيقِهِ.

  • وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى: «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُم۱

  • معرفة الإمام ؛ ج۱٦ ؛ ص۱٢۱

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

113
  • مُقْمَحُونَ».۱

  • و في «غاية المرام» عن المغازليّ بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: يَدْخُلُ مِنْ امَّتي الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفاً٢ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إلى عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: هُمْ شِيعَتُكَ وَ أنْتَ إمَامُهُمْ.٣

  • و فيه عنه أيضاً بسنده عن كثير بن زيد قال: دخل الأعمش على المنصور، و هو جالسٌ للمظالم. فلمّا بصر به قال له: يا سليمان! تَصَدَّرْ! قال: أنا صَدْرٌ حيث جلستُ! إلى أن قال في حديثه: قال:

  • حدّثني رسول الله صلّى الله عليه و آله، قَالَ:

  • أتَانِي جَبْرَئيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفاً، فَقَالَ: تَخَتَّمُوا بِالعَقِيقِ فَإنَّهُ أوَّلُ حَجَرٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِالوَحْدَانِيَّةِ، وَ لِي بِالنُّبُوَّةِ، وَ لِعَلِيّ بِالوَصِيَّةِ، وَ لِوُلْدِهِ بِالإمَامَةِ، وَ لِشِيعَتِهِ بِالجَنَّةِ.٤

  • و يستفاد من هذه الأحاديث الكثيرة و ما يماثلها أنّ لفظ الشيعة استعمله صاحب الشريعة فيمن تولّى عترته و آله. فمن يومه كان هذا اللفظ إذا اطلق عند الاستعمال، يُفهَم منه أنّ المعنيّ به مَنْ والى عليّاً و بنيه عليهم السلام.

  • و كانت الدعوة إلى التشيّع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تواكب دعوتَه للشهادتين. و من ثمّ كان أبو ذرّ الغفاريّ شيعة عليّ

    1. «النهاية» لابن الأثير، ج ٤، مادّة« ق م ح». و الآية هي: الآية ۸، من السورة ٣٦:
      يس.
    2. يستعمل العدد« سبعين» في لغة العرب للمبالغة عن الكثرة.
    3. ( ٣ و ٤)-« تاريخ الشيعة» للشيخ محمّد حسين المظفَّر، ص ۷.
    4. ( ٣ و ٤)-« تاريخ الشيعة» للشيخ محمّد حسين المظفَّر، ص ۷.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

114
  • عليه السلام، و هو رابع الإسلام أو سادسهم.۱

  • و لقد كفانا مئونة التدليل على ما نريد محمّد كُرْدعلى في كتابه ( «خطط الشام» ج ٥، ص ٢٥۱ إلى ٢٥٦).

  • قال: عُرِفَ جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، مثل سلمان الفارسيّ القائل: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ عَلَى النُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ وَ الإئتِمَامِ بِعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ وَ المُوَالاةِ لَهُ.

  • و مثل أبي سعيد الخُدريّ الذي يقول: امِرَ النَّاسُ بِخَمْسٍ، فَعَمِلُوا بِأرْبَعٍ وَ تَرَكُوا وَاحِدَةً. وَ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الأرْبَعِ قَالَ: الصَّلَاةُ، وَ الزَّكَاةُ، وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ الحَجُّ.

  • قِيلَ: فَمَا الوَاحِدَةُ التي تَرَكُوهَا؟! قَالَ: وِلَايَةُ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ!

  • قِيلَ لَهُ: وَ إنَّهَا لَمَفْرُوضَةٌ مَعَهُنَّ؟! قَالَ: نَعَمْ! هِيَ مَفْروضَةٌ مَعَهُنَّ.

  • و مثل أبي ذرّ الغفاريّ، و عمّار بن ياسر، و حُذيفة بن اليمان، و ذي الشهادتين خُزَيمة بن ثابت، و أبي أيّوب الأنصاريّ، و خالد بن سعيد بن العاص، و قيس بن سعد بن عبادة.

  • و أمّا ما ذهب إليه بعض الكتّاب من أنّ مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، فهم وَهْمٌ، و قلّة معرفة بحقيقة مذهبهم. و مَن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة و براءتهم منه و من أقواله و أعماله، و كلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلافٍ بينهم، عَلِمَ مبلغ هذا القول من الصواب. لا ريب في أنّ أوّل ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد المتشيّع له. و في دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأوّل للهجرة.

    1. «الاستيعاب»

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

115
  • إن محمّد كُردعلي ليس من الشيعة، و لا من أنصارهم، غير أنّه رأى أنّ من الأمانة إبداء هذه الحقيقة ناصعة دون أن يشوبها بغرض، و دون أن يركن إلى النزعات المذهبيّة التي أضاعت الحقّ و شوّهت الحقيقة.

  • فهذا كُردعلى بوجيز كلامه و استدلاله على نبوغ التشيّع أيّام صاحب الشريعة أغنانا عن المضيّ في التدليل على هذا الأمر!۱

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر رسول الله

  • تبيّن من جميع المطالب المتقدّمة كالآيات القرآنيّة، و حديث الغدير، و حديث الثقلين، و حديث العشيرة، و حديث الطير المشويّ، و قبول الإسلام بشرط قبول الولاية و أمثالها، أنّ نفس رسول الله صلّى الله عليه و آله كان يدعو الامّة إلى اتّباع أمير المؤمنين عليه السلام، و أنّ التشيّع له كان منذ ذلك العصر، و أنّ رجالًا من الصحابة من اولي العلم و الفهم و الحكمة اتّبعوه و رضوه وليّاً لهم، فعرفوا بشيعته منذ ذلك الحين. و هو عليه السلام و شيعته هؤلاء هم الذين تولّوا أمر الكتابة و التدوين و التصنيف في عصر الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله.

  • و بعد وفاة رسول الله، و وقوع الحوادث الاليمة، و إقالة مولى الموالي، و الاغتصاب الصريح لمقام الإمامة، و الخلافة، و إمارة الامّة، و منع التدوين و التصنيف و بيان الأخبار و الأحاديث و السنّة النبويّة و التفسير و معنى الآيات القرآنيّة المباركة بعنفٍ شديد، و تحكّم تامّ، انعزل الشيعة و مولاهم. و أمّا اولئك فإنّهم مع رواج سوقهم، و حروبهم و غاراتهم و فتحهم

    1. «تاريخ الشيعة» للمظفّر، ص ٩ و ۱۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

116
  • الأمصار و اجتذاب قلوب العامّة بزخارف الدنيا و حطامها، و التبرّع بالمناصب، لم يسمحوا لأمير المؤمنين عليه السلام أن يدخل معهم بوصفه أعلم الامّة، و لم ينضووا تحت لواء آرائه و أفكاره و توجيهاته في حين كانوا هم المتربّعين على أريكة الحكم. و عند ما كانوا يستشيرونه في بعض المواطن القليلة، فإنّ هذه الاستشارة ليست من منطلق لزوم اتّباع الجاهل للعالم، بل من منطلق الاسترشاد برأيه في مقام الاستشارة.

  • و لا يمكن للإمام عليه السلام طبعاً و عقلًا مع سعة علمه و درايته أن يخضع لفهمهم القاصر و نظرتهم الضيّقة. لهذا لم يجد بدّاً من أن يحمل المسحاة و المعول، و يزرع، و يُجري القنوات خمساً و عشرين سنة. هذا و هم يعتبون عليه أنّه لم يذهب إلى الحرب! و يتساءلون:

  • لما ذا لم يستعدّ أن نعقد له لواءً للحرب؟ و لما ذا لم يتوجّه إلى القتال كسائر القادة و الامراء أمثال سعد بن أبي وقّاص و خالد بن الوليد، فيقتل، و يقمع، و يفتح، و يوسّع أرض المسلمين كما في عصر رسول الله؟! و لما ذا لم يرحل معنا في سفرنا إلى الشام؟!

  • افٍّ لَكُمْ وَ لِمَا تَقُولُونَ وَ تَتَوَّهَمُونَ وَ مَا تَصِيِرُونَ إلَيْهِ وَ تَزْعُمُونَ!

  • كيف يكون العُقاب المحلِّق في السماء خاضعاً لأمر الغراب و الحدأة؟! و أنتم الذين كسرتم جناحه، بَيدَ أنّه ظلّ عقاباً محلِّقاً، فلا هو بحاجةٍ إلى دنياكم، و لا هو يطمع في الإمارة عليكم!

  • هو عقاب، و هو ليث العلم و الحلم و الفهم و التمكين. فكيف ينقاد لأوامركم و نواهيكم؟! لهذا ترك أمير المؤمنين عليه و على أولاده و أبنائه الطيّبين أفضل السلام و الصلاة من الحيّ القيّوم ربّ العالمين الحسّاد و شأنهم، و أكبّ هو و شيعته على التفسير و التدوين، و كَتَبَ السنّة النبويّة للُامّة و الأجيال القادمة. أمّا اولئك الثمالى بخمرة النزعات و الغرور، فقد

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

117
  • اقتنعوا بظاهر من الإسلام، و خالوا أنفسهم على سطح القمر و الشمس.

  • و لكن شتّان بين ذلك و هؤلاء!

  • نه هر كه چهره بر افروخت دلبري داند *** نه هر كه آينه سازد سكندري داند

  • نه هر كه طَرْف كُلَه كج نهاد و تند نشست *** كلاهدارى و آئين سروري داند

  • هزار نكتة باريكتر ز مو اينجاست *** نه هر كه سر نتراشد قلندرى داند

  • تو بندگى چو گدايان به شرط مزد مكن *** كه خواجه خود روش بنده پروري داند

  • غلام همّت آن رِند عافيت سوزم *** كه در گدا صفتي كيمياگرى داند

  • وفا و عهد نكو باشد ار بياموزي *** و گرنه هر كه تو بيني ستمگرى داند۱

  •  *** 

    1. «ديوان الخواجة شمس الدين محمّد حافظ الشيرازيّ» أعلى الله درجته، ص ٩٩، الغزليّة رقم ٢٢۱، طبعة بزمان.
      يقول:« ليس كلّ من أتقدت وجنتاه صار معشوقاً و محبوباً، و ليس كلّ من صنع المرآة يكون كالإسكندر.
      و ليس كلّ من أدار قبّعته و جلس متبختراً عرف أدب الرئاسة و السلطة و السيادة.
      ألْف نقطة أدقّ من الشعرة هنا، و ليس كلّ من لا يحلق شعره درويشاً.
      لا تشترط العبوديّة بالأجر( أيّها الغافل) كالشحّاذين، فالله أعرف بتربية العبد.
      أنا عبدٌ لهمّة المنيع الذي لا يكترث بعافيته و إن كان مستجدياً في ظاهره لكنّه يعرف علم الكيمياء.
      الوفاء بالعهد حَسَنٌ إذا تعلّمتَهُ و إلّا فكلّ من تراه يعرف كيف يظلم غيره».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

118
  • به قدُّ و چهره، هر آنكس كه شاه خوبان شد *** جهان بگيرد اگر دادگستري داند

  • به قدر مردم چشم من است غوطة خون *** درين محيط نه هر كس شناورى داند

  • بباختم دل ديوانه و ندانستم *** كه آدمي بچهاى شيوة پرى داند

  • مدار نقطة بينش ز خال توست مرا *** كه قدر گوهر يكدانه گوهرى داند

  • ز شعر دلكش حافظ كسي بود آگاه *** كه لطف نكته و سِرِّ سخنوري داند۱

  •  *** 

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر أمير المؤمنين عليه السلام

  • قال المحقّق الخبير و العالم المتضلّع الشيخ محمّد حسين المظفّر: فلو كان الأمر بعد الرسول لعليّ عليهما و آلهما السلام، لكان الناس كلّهم شيعة عليّ بعد البيعة٢ بيعة الغدير)، و بعد تلك الآيات النازلة و الروايات الواردة

    1. يقول:« كلّ من صار ملكاً لُاولى الجمال بقامته و وجهه، فإنّه يستولي على العالَم إذا عَدَلَ.
      الغوص في الدم بمقدار إنسان عيني( الدمع الذي أسكبه) و ليس لكلّ أحد أن يسبح في هذا البحر( العين).
      فقدتُ القلب المجنون و أنا لا أدري أنّ للمعشوق الآدميّ اسلوب الحوريّة الجميلة.
      إن مدار بصيرتي من خالِكَ، إذ لا يعرف قدر الجوهر الفريد( الخال) إلّا الجوهريّ.
      لا يعرف شِعر« حافظ» الأخّاذ بالقلوب إلّا من وقف على سرّ الكلام و لطف النكات».
    2. قال في الهامش: ذكر أرباب الفضائل و الحديث و التأريخ و التفسير تهنئة عمر لأمير المؤمنين عليه السلام، و أضاف اليها بعضهم تهنئة أبي بكر. انظر: الرازيّ في تفسير قوله: يَا أيُّهَّا الرَّسُولُ بَلِّغْ- الآية، و أحمد في مسنده عن البراء بن عازب، و الثعلبيّ، و ابن حجر في أوائل الصواعق في الشبهة الحادية عشرة، غير أنّه ذكر أنّ أبا بكر و عمر قالا له:
      يَا عَلِيّ! أمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ. و في شأن نزول الآية: الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا، انظر:« الدرّ المنثور»، و الخطيب البغداديّ، و ابن عساكر، و ما جمعه الطبريّ، و ابن عقدة من طرق حديث الغدير، و الثعلبيّ، و ابن المغازليّ، و الحافظ الجزريّ الشافعيّ، و غيرهم.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

119
  • في فضله.

  • و لمّا أن حالت الحوائل دون انتهاء الخلافة إليه، و فوجئ الناس بأمر لم يحتسبوه. فما عتّم الأمر إلّا و أبو بكر خليفة، كيف ننتظر من الناس اتّباع السلطان أن يبقوا على الولاء و التشيّع لأهل البيت؟! أجل، غير فئة تعدّ بالأصابع لم يغير ذلك الزلزال المفاجئ ثباتها على الولاء و الإمامة.

  • فانقبع التشيّع بانقباع أبي الحسن في بيته. و ما كان انتشاره بعدئذٍ في البلاد العريضة إلّا كدبيب النمل على الصفا من دون حسٍّ أو جلبة. فلم تبق قبيلة أو بلد إلّا و ألقى التشيّع بجرانه فيها و هو هادئ وديع.

  • لا يرى الشيعة خلافة إلهيّة لغير عليّ و بنيه عليهم السلام. فمن ثمّ لا تسمح السلطات بانتشاره، و لا ترى أن ينتشق النسيم الطلق فهي تخنقه ما استطاعت، لأنّ بظهوره و قوّته الخوف على عروشهم.

  • أشغلت الدنيا عثمان و بني اميّة عن الحيلولة دون ظهور التشيّع، فوجد أنصاره فسحة الدعوة إليه و تذكير الناس بيوم الغدير و فضائل المرتضى و أهل بيت النبوّة عليهم السلام، و القلوب يومئذٍ حاقدة على عثمان و رهطه باستنثاره بالفيء، و تأميرهم، و إقطاعهم الضياع، و إيثارهم بالخمس و الصفايا.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

120
  • و متى كان يتسنّى لأمثال أبي ذرّ رضي الله عنه أن يذكّر الناس معلناً بولاء المرتضى و يطوف على بيوت المدينة صائحاً:

  • أدِّبُوا أوْلَادَكُمْ على حُبِّ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ! وَ مَنْ أبى فَانْظُرُوا في شَأنِ امِّهِ!

  • و على منواله ينسج جابر بن عبد الله الأنصاريّ. و متى كان أبو ذرّ و غيره يطيقون إنكار المنكر و الفساد في الأرض، فكان ذلك منه عاملًا في نفي أبي ذرّ إلى الشام. فدأب في الشام على سيرته، و لم يثنه الوعد و لا الوعيد عن خطّته، فكان الصراخة في الشام أثر محمود. و خشى معاوية أن تنقلب عليهم الشام و تذهب أمانيه العِذاب سدى، إن استمرّ أبو ذرّ على هتافه. فأعاده إلى المدينة على أخشن مركب مجدّين به السير، و هو شيخ ضعيف القوى، فتناثر لحم فخذيه.

  • فلمّا لم يجد عثمان حيلة في سكوته من نفي أو إغراء بالمال أو ترهيب، نفاه إلى الربذة- داره قبل الإسلام- حتى مات جوعاً.۱

  • اللهُ أكْبَرُ! ما يفعل قول الحقّ بالمرء؟! و ما يلاقيه من جرّاء الأمر بالمعروف و الردع عن المنكر؟!

  • و لا بِدع، فإنّ من يريد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وطّن نفسه على احتمال المكاره و التنكيل و التعذيب، وَ ذَلِكَ في ذَاتِ اللهِ قَلِيلٌ.

  • حقّاً إنّه لقليل، فقد لاقى رسول الله صلّى الله عليه و آله قبله ما هو أنكى و أشدّ، و الحسين عليه السلام بعده ما هو أوجع و أفجع. و هكذا كلّ من أراد إحقاق الحقّ و إبطال الباطل. و ما خلّد ذكر اولئك الأبطال إلّا تلك

    1. ذكر حال أبي ذرّ و ما لاقاه جميع المؤرّخين. و إن شئتَ أن تقف على شيء منه، فدونك« شرح النهج» لابن أبي الحديد، ج ٢، ص ٣۷٦!

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

121
  • التضحية الغالية. و إنّهم لنا أحسن قدوة و مثال، لا سيّما في هذا الوقت الذي انتشرت فيه الموبقات و الضلالة، وَ لَكِنْ أيْنَ العَامِلُونَ؟!

  • فكان التجاهر بالتشيّع أيّام عثمان. و لم يطق أن يمحقه بتسفير أبي ذرّ، و بعقاب عمّار و كسر أضلاعه. و لهما أمثال في الناس. و كيف يزال و قد ثبتت قدمه راسخةً، لا سيّما في المدينة و مصر و الكوفة.۱

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

  • عرفنا في المباحث السابقة أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان أحد الذين دعوا إلى كتابة الحديث و تدوين السنّة النبويّة. و كان هذا مشهوراً و مشهوداً بين المخالفين و لكن من المؤسف أنّنا لا نلحظ له، و لا لسيّد الشهداء عليهما السلام في باب الفقه، و التفسير، و السنّة إلّا أحاديث معدودة.

  • هل يتسنّى لنا أن نقول: لم يصدر من الإمام المجتبى عليه السلام حديث بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام إلى يوم استشهاده، في حين دامت تلك المدّة عشر سنين؟! و كذلك الأمر بالنسبة إلى سيّد الشهداء عليه السلام الذي عاش عشر سنين اخرى. فصار المجموع إلى يوم وقعة الطفّ عشرين سنة، فهل كان مثله مثل أخيه لم يصدر منه حديث، و هما اللذان كانا مرجعَي الناس و إمامَي الامّة؟!

  • لا! لا نحتمل هذا أبداً. و ما نظنّه ظنّاً قريباً من اليقين هو أنّ الحكم خلال تلك الفترة كلّها كان لمعاوية بن أبي سفيان عليه الهاوية و الخذلان،

    1. «تاريخ الشيعة» للمظفّر، ص ۱٣ إلى ۱٥.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

122
  • و هو الذي تحدّثت عنه كتب التأريخ جميعها أنّه قد ضيّق الخناق على المسلمين لئلّا يجرؤ أحد على نقل الحديث و بيانه، فضلًا عن تدوينه و كتابته.

  • و في سفره إلى المدينة حاور قيس بن سعد بن عبادة، و عبد الله بن عبّاس، و بعد هذا الحوار أمر أن يؤذّن مؤذّن في المدينة أن: بَرِئَتْ ذمّة (الخليفة) مِن كلّ مَن نقل حديثاً أو رواية في فضل أبي تراب. و أنّ دمه و ماله و عِرضه حلال. من هنا، لم يجرؤ أحد على نقل الحديث و روايته.

  • يضاف إلى ذلك أنّه كتب إلى جميع عمّاله و ولاته و أئمّة الجمعة و الجماعة أن لا يتحدّثوا بشيء من فضل علي بن أبي طالب، و ليت الأمر اقتصر على ذلك، فقد فرض على الجميع سبّه بعد كلّ صلاة.

  • و تحدّث المرحوم المظفّر عن أساس حكومة معاوية، و ما ارتكبه من ظلم بحقّ الإمام الحسن عليه السلام، فقال:

  • ما انقضت على الشيعة تلك الأيّام الغضّة الجميلة، المشرقة بنور الحقّ، حتى فأجاهم عصر الظلم و الظلمة عصر معاوية. فما رأت الشيعة فيه إلّا الجور و الاعتساف و الاضطهاد. فكأنّما تأمّر ليقضي عليهم، و كأنّما تشيّعوا ليستقبلوا بنحورهم سهام جوره. فاضطرّ أبو محمّد الحسن عليه السلام لموادعة معاوية حين خذله الناس. يقول الباقر عليه السلام كما في «شرح النهج» ج ٣، ص ۱٥:

  • وَ مَا لَقِينَا مِنْ ظُلْمِ قُرَيْشٍ إيَّانَا وَ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْنَا؟! وَ مَا لَقِيَ شِيعَتُنَا وَ مُحِبُّونَا مِنَ النَّاسِ؟! إن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُبِضَ وَ قَدْ أخْبَرَ أنَّا أوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ. فَتَمَالأتْ عَلَيْنَا قُرَيْشٌ حتى أخْرَجَتِ الأمْرَ عَنْ مَعْدِنِهِ، وَ احْتَجَّتْ على الأنْصَارِ بِحَقِّنَا وَ حُجَّتِنَا. ثُمَّ تَدَاوَلَتْهَا قُرَيْشٌ وَاحِداً بَعْدَ آخَرَ حتى رَجَعَتْ إلَينَا. فَنَكَثتْ بَيْعَتَنَا، وَ نَصَبَتِ الحَرْبَ لَنَا، وَ لَمْ يَزَلْ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

123
  • صَاحِبُ الأمْرِ في صَعُودٍ كَؤُودٍ حتى قُتِلَ.

  • فَبُويعَ الحَسَنُ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ، وَ عُوهِدَ ثُمَّ غُدِرَ بِهِ وَ اسْلِمَ، وَ وَثَبَ عَلَيْهِ أهْلُ العِرَاقِ حتى طُعِنَ بِخَنْجَرٍ في جَنْبِهِ، وَ نُهِبَ عَسْكَرُهُ، وَ عُولِجَتْ خَلَالِيلُ امَهَّاتِ أوْلَادِهِ، فَوَادَعَ مُعَاوِيَةَ، وَ حَقَنَ دَمَهُ وَ دِمَاءَ أهْلِ بَيْتِهِ، وَ هُمْ قَلِيلٌ حَقَّ قَلِيلٍ.

  • و حين وادعه أبو محمّد عليه السلام، اشترط عليه شروطاً كثيرة، منها: أن يكفّ عن سباب من قام الإسلام بحسامه، و تأسّست بقوائمه قواعد الحكم لمعاوية و غيره؛ و أن لا ينال شيعته بسوء. فلمّا وصل معاوية النخيلة أو دخل الكوفة و اعتلى المنبر، قال: ألَا أنّي قَدْ مَنَّيْتُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيّ شُرُوطاً، وَ كُلُّهَا تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ!۱

  • يقول أبو الفرج في «المقاتل»: صلّى معاوية الجمعة بالنخيلة، ثمّ خطب، فقال: أنّي مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا، وَ لَا تَصُومُوا، وَ لَا لِتَحُجُّوا، وَ لَا لِتُزكُّوا! إنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ! إنَّمَا قَاتَلْتُكُمْ لأتَأمَّرَ عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أعْطَانِيَ اللهُ ذَلِكَ وَ أنْتُمْ كَارِهُونَ!

  • قال شريك في حديثه: هَذَا هُوَ التَّهَتُّكُ!

  • إن أبا محمّد عليه السلام ليعلم أنّ معاوية لا يفي بشيء من الشروط، و لكن ما اشترط عليه إلّا ليتجلّى للناس غدره و نكثه بالعهود.

  • فكأنّما صالحه على أن يجتهد في سبّ المرتضى و تتبّع شيعته ما استطاع. و ما اكتفى بسبّه بنفسه حتى كتب إلى عمّاله أن يسبّوه على المنابر

    1. «الإمامة و السياسة» لابن قتيبة، ص ۱٣٦؛ و« شرح نهج البلاغة» ج ٤، ص ٦؛ و« تاريخ الطبريّ» في حوادث عام ٤۱، ج ٦، ص ٩٣؛ و« تاريخ العبريّ» ص ۱۸٦؛ إلى كثير سواها.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

124
  • و دبر كلّ صلاة. و لمّا عوتب على ذلك، قال: لَا وَ اللهِ حتى يَرْبُو عَلَيْهِ الصَّغِيرُ وَ يَهْرَمُ الكَبِيرُ.

  • فما زال سبّ أمير المؤمنين عليه السلام سنّة في دولة بني اميّة إلى أن انقرضت، سوى أيّام الخليفة ابن عبد العزيز في بعض البلاد. و زاد معاوية على السبّ أن كتب لعمّاله: برئت الذمّة ممّن روى حديثاً في فضل أبي تراب.۱

  • و ما زال متتبّعاً أثر شيعته حتى انتهك منهم كلّ حرمة و ارتكب كلّ محرّم. يقول المدائنيّ كما في «شرح نهج البلاغة» ج ٣، ص ۱٥: و كان أشدّ الناس بلاءً أهل الكوفة لكثرة من فيها من شيعة عليّ عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن أبيه و ضمّ إليه البصرة. فكان يتبع الشيعة و هو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام عليّ عليه السلام، فقتلهم تحت كلّ حجر و مدر، و أخافهم، و قطع الأيدي و الأرجل، و سمل العيون، و صلبهم على جذوع النخل، و طردهم و شرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

  • هذه بعض سيرة معاوية مع الشيعة. فكان لا يجهر أحد بالولاء لأبي الحسن و لآل محمّد الأطهار إلّا حمل خشبة الصلب على عاتقة، و سنّ الحسام لعنقه بيده. و ما حيلة البعض منهم، و هو جهير بالتشيّع معروف فيه لا يستطيع كتمه و لا دفعه، أمثال حجر بن عديّ و أصحابه، و عمرو بن الحمق الخزاعيّ و أضرابه؟!

  • و ما وقف معاوية عند هذا الحدّ من شقائه حتى أراد أن يقتل إمام الشيعة أبا محمّد الحسن عليه السلام فدسّ إليه السمّ على يدي زوجته جعدة

    1. «شرح نهج البلاغة» ج ٣، ص ۱٥ نقلًا عن المدائنيّ؛ و ابن عرفة المعروف بنفطويه.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

125
  • ابنة الأشعث، فنال بذلك منه ما أراد.۱

  • و حسب معاوية أن بمطاردة الشيعة و القضاء عليهم و القتل لإمامهم يغالب القدر، فيمحو ذكر أهل البيت و يقضي على شريعة الرسول صلّى الله عليه و آله خصمه الألدّ، و لكن يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ.٢ فإنّه بالرغم من تلك الجهود العظيمة التي كانت لمعاوية و من جرى على سيرته في حرب أهل البيت، كان شأن أهل البيت لا يزداد إلّا رفعة و سناءً كما تراه اليوم.

  • فإنّ أيّام معاوية في سلطانه بلغت عشرين عاماً و قضاها مجدّاً بالقضاء على أهل البيت و شأوهم الرفيع حتى خُيِّل لمن لا يعرف عواقب الامور أنّ رعاة الدين لم يبق منهم نافخ ضرمة. و أنّ المنكر قد تغلّبت رجاله حتى لم يبق من رجال المعروف أحد يُعرف، و لكن ما مضت الأيّام إلّا و انهار كلّ ما بناه معاوية و أسّسه غيره، و شاده أعقابه، و علا الحقّ مرتفعاً في حجّته و آثاره، وَ الحَقُّ يَعْلُو وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ.

  • و هذا أمر بارز للعيان ينتبه إليه أهل البصائر في كلّ أوان و قد أخبروا عنه أهل العصور الاوَل. يقول الشعبيّ لولده، و هو المتّهم بالانحراف عن عليّ عليه السلام:

    1. انظر:« تاريخ أبي الفداء» ج ۱، ص ۱۸٣؛ و« الاستيعاب» لابن عبد البرّ؛ و« مروج الذهب» ج ٢، ص ٣٦؛ و« مقاتل الطالبيّين»؛ و« شرح نهج البلاغة» ج ٤، ص ٤ و ۷ و ٤۱۸، إلى غير هؤلاء. و ما اكتفى بالسمّ وحده بل خرّ ساجداً لمّا بلغه موت الحسن عليه السلام، كما ذكر ذلك الطبريّ و الدميريّ و أبو الفداء و ابن قتيبة، و ابن عبد ربّه و غيرهم. و يا للعجب ممّا جناه معاوية، كأنّه لم يتوصّل إلى الملك إلّا للقضاء على الشريعة و أربابها. و أنّ الأعجب منه أن ترى له أنصاراً و مدافعين حتى اليوم. و كانت ولادة الحسن في النصف من شهر رمضان لسنتين مضتا للهجرة أو لثلاث، و موته في السابع من صفر سنة ٥۰ للهجرة.
    2. الآية ٣٢، من السورة ٩: التوبة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

126
  • يَا بني! مَا بني الدِّينُ شَيئاً فَهَدَمَتْهُ الدُّنْيَا، وَ مَا بَنَتِ الدُّنْيَا شَيئاً إلَّا وَ هَدَمَهُ الدِّينُ. انْظُرْ إلى عَلِيّ وَ أوْلَادِهِ! فَإنَّ بني امَيَّةَ لَمْ يَزَالُوا يَجْهَدُونَ في كَتْمِ فَضَائِلِهِمْ وَ إخْفَاءِ أمْرهِمْ وَ كَأنَّمَا يَأخُذُونَ بِضِبْعِهِمْ إلى السَّمَاءِ. وَ مَا زَالُوا يَبْذُلُونَ مَسَاعِيَهُمْ في نَشْرِ فَضَائِلِ أسْلَافِهِمْ وَ كَأنَّمَا يَنْشُرُونَ مِنْهُمْ جِيفَةً!

  • و يقول عبد الله بن عروة بن الزبير لابنه: يَا بني! عَلَيْكَ بِالدِّينِ، فَإنَّ الدُّنْيَا مَا بَنَتْ شَيئاً إلَّا هَدَمَهُ الدِّينُ. وَ إ ذَا بني الدِّينُ شَيئاً لَمْ تَسْتطِعِ الدُّنْيَا هَدْمَهُ. ألَا تَرَى عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ وَ مَا يَقُولُ فِيهِ خُطَبَاءُ بني امَيَّةَ مِنْ ذَمِّهِ وَ عَيْبِهِ وَ غِيبَتِهِ! وَ اللهِ لَكَأنَّمَا يَأخُذُونَ بِنَاصِيَتِهِ إلى السَّمَاءِ!

  • ألَا تَرَاهُمْ كَيْفَ يَنْدُبُونَ مَوْتَاهُمْ وَ يَرْثِيهِمْ شُعَرَاؤُهُمْ! وَ اللهِ لَكَأنَّمَا يَنْدُبُونَ جِيَفَ الحُمُرِ!۱

  • و لا غرابة فإنّ الله لا يُخزي أولياءه و قد ضحّوا بنفوسهم و نفيسهم في ذاته. و كيف ينصر أعداءه و هم حرب له و لأوليائه؟ إن اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.٢

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر سيّد الشهداء عليه السلام

  • ٣

  • كان عصر إمامته عليه السلام، بعد سمّ أخيه الإمام الممتحن المجتبى

    1. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ٢، ص ٤۱٤.
    2. «تاريخ الشيعة» للمظفَّر، ص ٢۰ إلى ٢٥. و الآية هي: الآية ۱٢۸، من السورة ۱٦:
      النحل.
    3. وُلد عليه السلام في الثالث من شعبان بعد ثلاث سنين من الهجرة، و استُشهد في العاشر من المحرّم سنة ٦۱ ه-.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

127
  • عليه السلام و استشهاده، عصيباً مضطرباً حتى عشر سنين كان معاوية فيها حيّاً قد تربّع على العرش و تسلّط غاصباً بكلّ ما اوتي من اقتدار. و كانت الغنائم و الأموال تنهال على دمشق، و معاوية يصرفها لإشباع أطماعه.

  • و لم يدّخر وسعاً من أجل تثبيت حكومته و استقرارها. و كان يمنح الجوائز و الصلات الكثيرة لمن يشاء، و بالعكس فقد ترك بني هاشم و ذراري رسول الله- على أساس تلك السياسة- جياعاً عطاشى عراة، دون أن يقيم لهم وزناً، إلى درجة أنّ بناتهم حين كنّ يبلُغنَ لم يستطعن الزواج، و كذلك شبابهم فإنّهم كانوا غير قادرين على الزواج. و كان فتيانهم يمضون أعمارهم عمّالًا، و فتياتهم حوائك خلف عيدان الحياكة و النسيج. و كان التحدث بفضائل أمير المؤمنين عليه السلام جرماً لا يُغتفر. فلا رواية و لا تفسير، و لا علم و لا دراية. و كان زمام الامور بيدِ حكّام المدينة، و الولاة و أئمّة الجمعة و الجماعة الذين كان يعيّنهم بنفسه. و كان سبّ أبي تراب و لعنه و شتمه اموراً مألوفة تشجّع الحكومة عليها. و تُمضيها السياسة العامّة يومئذٍ، و سياسة المدينة المنوّرة بخاصّة. و كان مروان بن الحكم، و أبو هُريرة يتسابقان في تنفيذ مآرب معاوية. أمّا عبد الله بن عمر، و عبد الله بن زبير فقد كانا يجهدان بشكل غريب في إخفاء مناقب عليّ و أهل بيته. و أمّا عائشة فقد بذلت قصارى جهدها في كتمان فضائلهم و دفنها، و تناسب الأخبار و الأحاديث التي كانت قد سمعتها من الرسول الأكرم و استظهرتها، و هي لا تعدّ و لا تُحصى، لقد سكتت عنها و لجّت في عدائها لبني هاشم و حقدها عليهم و حسدها إيّاهم، و أصرّت على أفكارها الجاهليّة الجهلاء.

  • كما أنّ سعد بن أبي وقّاص الذي كان أحد الفاتحين، و الذي اعترف بسماعه أحاديث في هذا الشأن على لسان النبيّ الأكرم، فقد شيّد له قصراً

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

128
  • عالياً خارج المدينة، ليستمتع بجواريه الحسان و يلهو و يتنعّم و ....

  • الويل لهذه الامّة الخائبة الضائعة بلا راعٍ إذ غزتها الأفكار الشيطانيّة من كلّ جانب، و أفلت عنانها، و انقلب دينها، و صار الشيطان إلهاً، و إبليس مَلَكاً، و عمى بصرها و بصيرتها، و صُمَّ سمعها. و ما أسرع فقدانها لقابليّة السماع و الاستماع! و أصبح الجميع منقادين لحاكم لعوب ممثّل ظهر على المسرح، و تفوّق على علي بن أبي طالب و ابنه الإمام الحسن، و أرسلهما إلى ديار العدم. و ها هو يخطب مستقبلًا قبلة رسول الله، و يقف في محرابه، و ينزو على منبره، و أخضع الجميع لسيطرته و هيمنته!

  • هنا سبق السيف العَذَل، و فقد الحديث و الرواية رونقهما، فلم يعدْ يُنتظر من الكتابة و التدوين و التصنيف شيئاً، فقد دوّى صوت معاوية، و ملأ الجبال و السهول و الصحارى و الأجواء و البحار بنحو كان ينافس فيه الأباطرة الجبّارين الهتّاكين في العالم على مرّ التأريخ. و لو ظلّ على تلك الوتيرة، لاستمرّ ألف سنة أو أكثر. و هنا عادت النصيحة و بيان الموعظة و الآداب غير مجدية. و أضحت الدعوة الانفراديّة و تشكيل جلسات الدرس، و سرد السنّة و الآثار النبويّة أمراً غير مُجدٍ بأيّ وجه من الوجوه بعد أخذ البيعة من الناس بولاية العهد ليزيد الزاني الجافي الخمّار الهتّاك شاعر الشراب و حليف المغنيّات و القردة، و المستهزئ بالدين و المبدأ و المعاد و حجّ بيت الله الحرام.

  • و هنا تحتاج الامّة إلى الحسين ليقذف مِشْرَطَهُ من أرض كربلاء إلى قلب الشام، و يفجّر تلك القرحة و ذلك الدُّمّل، و يذر أبا سفيان، و معاوية، و يزيد و أسرته رماداً بشرارة واحدةٍ.

  • و لقد قام الحسين بذلك و أفلح.

  • و ما أكثر ما قيل و كُتب حول شهادته و أسرارها العجيبة! بَيدَ أنّا

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

129
  • نكتفي هنا بموجزٍ من كلام العالم الجليل المظفَّر. فقد قال بعد شرح له في هذا المجال: فما أصدق القائل: إن الإسْلَامَ عَلَوِيّ، وَ التَّشَيُّعَ حُسَيْنِيّ. فإنّ سيف أمير المؤمنين عليه السلام الذي ضرب به خراطيم الناس حتى قالوا:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، هو الذي نشرت به رايات النصر، و رفعت به أعلام الفتح، و أخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

  • و كان عليّ عليه السلام في كلّ حرب حضرها لرسول الله صلّى الله عليه و آله هو الفاتك الفاتح.

  • كما أنّه لو لا قيام الحسين بتلك التضحية الكريمة، لكان الدين كلّه أمويّاً بسعي ملوك اميّة. و ما هو إذ ذاك إلّا فساد في الأرض و ارتكاب لكلّ منكر، و هتك للحرمات، و فسق بالأعراض، و سفك للدماء، و نهب للأموال، إلى غير هذا ممّا جاء الدين لاستئصال شأفته، و قلع جرثومته، و تطهير جسم المجتمع من أمراضه الفتّاكة.

  • و هذا أبو عثمان الجاحظ يقول: وَ تَفْخَرُ هَاشِمٌ عَلَى بني امَيَّةَ بِأنَّهُمْ لَمْ يَهْدِمُوا الكَعْبَةَ، وَ لَمْ يُحَوِّلُوا القِبْلَةَ، وَ لَمْ يَجْعَلُوا الرَّسُولَ دُونَ الخَلِيفَةِ، وَ لَمْ يَخْتِمُوا في أعْنَاقِ الصَّحَابَةِ، وَ لَمْ يُغَيِّرُوا أوْقَاتَ الصَّلَاةِ، وَ لَمْ يَنْقُشُوا أكُفَّ المُسْلِمِينَ، وَ لَمْ يَأكُلُوا الطَّعَامَ، وَ يَشْرَبُوا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ لَمْ يَنْهَبُوا الحَرَمَ، وَ لَمْ يَطاوا المُسْلِمَاتِ في دَارِ الإسْلَامِ بِالسِّبَاءِ.۱

  • و هذا بعض ما ذكره أبو عثمان، و ما يذكره أرباب التأريخ من أعمالهم.

  • و لو استقامت تلك الأعمال من دون نكر يطهّرها من على وجه

    1. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج ٣، ص ٤٢٩.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

130
  • الأرض لأصبحت عرفاً بين الناس. و متى تعود الناس إلى العمل بالشريعة و قد استقبلوا هذه البدع و الموبقات تُرتكب جهراً، و لا يُخشى الله في اقترافها إعلاناً و سرّاً؟!

  • فنهضة الحسين هي التي أبانت ضلال القوم و جُرْأتَهم على الشريعة، و انتهاكهم لحرمات الدين، و خروجهم عنه، بل عليه أقوالًا و أعمالًا. فكان بزوغ بدر آل البيت بعد أن أفل أو كاد من أسرار شهادته التي ما زال الكثير منها مجهولًا. و ما تجلّي إلّا شطر منها حتى كاد أن يلمسها بيده حتى الغربيّ. و عسى أن يكشف لنا المستقبل شطراً آخراً محجوباً حتى اليوم عن البصائر و الأبصار.

  • إن الذي يرشدك إلى أنّ شجرة التشيّع كان نموّها و إفراعها ممّا استقته من تلك الدماء الطاهرة هو أنّ أنصار الأمويّين تكاد أن تتقطّع قلوبهم غيظاً من هاتيك النهضة الحسينيّة. و ما زالوا ينسجون الحجب بشتّى الأساليب فيضعونها على شمس تلك التضحية، زعماً منهم أنّ عين الشمس تُحجب بالغربال. و هَيْهَات الذي دبّروه من تمويه و خداع. فإنّ أنوار تلك الشهادة قد استضاء منها الافق الإسلاميّ، و مزّقت ظلام تلك الأضاليل الأمويّة، و نبّهت الحواسّ إلى الفوائد الملموسة من ذلك القربان، و خسران اميّة فيما جنته، و إن هزّتهم نشوة الظفر أيّاماً معدودة. و ما زال أنصار أميّة مجدّين في كتمان الحقّ ظنّاً منهم أنّ الباطل يعلو بالأراجيف، و تستر عيوبه نسائج الأوهام و أسلاك الهباء، و لا يفضحه قمر الحقّ الطالع!

  • و ما دعاهم إلى بخس حقّ تلك النهضة الشريفة هو ما شاهدوه و لمسوه من آثارها في انتشار التشيّع و نموّه حيناً بعد آخر، و افتضاح سلفهم بما جنوه على أنفسهم، و اكتسبته أيديهم. و كفى بافتضاحهم اعترافهم بالفضيحة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

131
  • فهذا عبيد الله بن زياد طالَبَ عمر بن سعد بالكتاب الذي كتبه له في قتل الحسين، فقال: مَضَيْتُ لأمْرِكَ وَ ضَاعَ الكِتَابُ! قال: لَتَجِيئَنَّ بِهِ!

  • قال عمر: تُرِكَ وَ اللهِ يُقْرَا عَلَى عَجَائِزِ قُرَيْشٍ اعْتِذَاراً إلَيْهِنَّ بِالمَدِينَةِ.

  • أمَا وَ اللهِ لَقَدْ نَصَحْتُكَ في حُسَيْنٍ نَصِيحَةً لَوْ نَصَحْتُهَا أبي: سَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ كُنْتُ قَدْ أدَّيْتُ حَقَّهُ!

  • قال عثمان بن زياد، أخو عبيد الله: صَدَقَ وَ اللهِ؛ وَدِدْتُ أنَّهُ لَيْسَ مِنْ بني زِيَادٍ رَجُلٌ إلَّا وَ في أنْفِهِ خِزَامَةٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَ إن حُسَيْناً لَمْ يُقْتَلْ!

  • قَالَ: فَوَ اللهِ مَا أنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ عُبَيْدُ اللهِ.۱

  • و أنّى لهم اليوم بستر تلك التضحية و قد ملأت البلاد طولًا و عرضاً ذكراها و الإشادة بها على المنابر. و ما زالت الصحف و الكتب تندب ذلك القربان و تبكي تلك الفاجعة الموجعة، في كلّ زمان و مكان.

  • و لما ذا تذهب يميناً و شمالًا و هذه عاصمة اميّة- الشام- التي اتّخذت يوم قتل الحسين عيداً و استقبلت الرءوس و السبي بالدفوف و الطبول، و بقيت أيّاماً و عليها منشورة معالم الزينة و الفرح! أصحبت و المآتم تقام فيها نادبة للحسين باكية عليه، لاعنة مَن اجترح منه ذلك الذنب العظيم! و هذا اسم الحسين مكتوب على مسجدها الأعظم و قد وضع ثوب السواد شعار الحزن على موضع صلب الرأس من ذلك المسجد. و هاتيك القبور من أهل البيت و ما اكثرها في ذلك البلد- دمشق- معمورة بالقباب و بالزائرين، و قد فرشت بأنفس السجّاد و اضيئت بأجمل المصابيح. و أين قبر معاوية و يزيد من عاصمتهم الشام؟! و أين الزائر لهما من أشياعهم و من سائر

    1. انظر:« تاريخ الطبريّ» ج ٦، ص ٢٦۸، في حوادث عام ٦۱؛ و تاريخ ابن الأثير، ج ٤، ص ٤۰، في حوادث هذا العام.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

132
  • الناس؟!۱

  • هذا هو شأن الحقّ و أهله لا تميته الأيّام، و لا يظفر به الباطل و أشياعه. و لا ينخدع ببهرجة الدنيا و أربابها إلّا من نسي الله فأنساه ذكره.

  • فأنّى لُامّية و أنصارها أن تطاول الحقّ فتمحي شخصه الكريم من الوجود!٢

  • صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا أبَا عَبْدِ اللهِ وَ عَلَى الْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام زين العابدين عليه السلام

  • كان دأب أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه و آله بعد حادثة كربلاء

    1. كنت قد سمعتُ حكايات حول خراب قبر معاوية عليه الهاوية و أنّه أصبح مزبلة، بَيدَ أنّي لم أرَ ذلك بعيني حتى سنة ۱٣٩٢ ه- حين تشرّفت بحجّ بيت الحرام للمرّة الثالثة عن طريق دمشق، فأقمتُ اسبوعاً فيها و رغبتُ يوماً أن اشاهد تلك المزبلة، لهذا توجّهت مع المضيِّفَين الكريمَين أبي على عبد الجليل مُحيي و أبي موسى جعفر محيي طوّل الله عمرهما لرؤية قبره و الاعتبار به، علماً أنّهما لم يرغبا كثيراً في ذلك إذ قالا لي: لعلّ ذهابك لرؤية قبره تؤدّي إلى ترويج الباطل. فقلتُ لهما: نذهب في وقت لا يرانا فيه أحد. فاخترتُ الفترة الواقعة بين الطلوعين و ذهبنا معاً إلى ذلك القبر الذي هو مظنّة العذاب، و كانت تحرسه امرأة تقيم في زاوية من زوايا صحنه القذر الملوّث، و رأيناها مشغولة بغسل الملابس.
      فطفقت تلعن معاوية و يزيد و تسبّهما سبّا فاحشاً، و تصلّي على أهل البيت.
      قال رفيقاي: هذه المرأة من أنصار الأمويّين لكنّها تلعنهم إذا دخل أحد من أجل أن تحصل على شيء من المال. فلم نحرمها من عطايانا في مقابل ذلك اللعن! بَيدَ أنّ قبر معاوية الواقع في جانب ذلك الصحن كان قذراً إلى درجة أنّه يدعو إلى الاعتبار و الاتّعاظ حقّاً.
      و كانت الخفافيش قد عشعشت في ثقوب جدرانه و ألقت فضلاتها على القبر كثيراً.
    2. «تاريخ الشيعة» للمظفّر، ص ٢۷ إلى ٣۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

133
  • نشر ما حلّ بقتلى الطفّ، و ما جرى من فزع و دهشة و سلب و ضرب و سبي. فإنّ زين العابدين عليه السلام قضى سني حياته كلّها بالبكاء على أبيه.۱ فإنّه ما قُدِّم له طعام أو شراب إلّا و مزجه بدموع عينيه. و على هذا المنوال نسج الأئمّة من أولاده، بل ما زالوا يعقدون مآتم العزاء للبكاء و استماع المراثي و التعازي.

  • و لربّما ضربوا الأستار و جعلوا خلفها بنات الرسالة ليستمعن شجي المراثي، فيبكين على صرعى الطفّ و سبي العقائل. بل كان شعارهم حثّ المؤمنين على نصب مآتم الحزن للبكاء على ذلك الحدث الجلل، و على زيارته و لو على الخشب (إشارة منهم إلى الصلب الذي ينتظر مَن يزوره).

  • و قد لبّى المؤمنون تلك الدعوة، فما زالت مآتمهم قائمة، و زيارتهم دائمة. و لقد لاقوا من أجل ذلك فنون الأذى و التنكيل أيّام بني أميّة، و شطراً من دولة بني العبّاس خصوصاً في عهد المتوكّل، حتى أدركوا الأمل فصارت المآتم تقام علناً، و الزيارة تفعل جهرة، إلى أن بلغت إلى ما تشاهده اليوم!

  • و ما زال أئمّة أهل البيت يأمرون بنشر الدعوة الحسينيّة بكلّ وسائل النشر. و قد سبقهم إلى ذلك جدّهم المصطفى صلّى الله عليه و آله، فقد بكى ولده الحسين عليه السلام و حضّ على البكاء عليه، و حثّ على نصرته عند نهوضه و على زيارته بعد قتله، و الحسين بعدُ في الأحياء.

    1. أشهر الأقوال أنّه قتل بالسمّ في المحرّم من عام ٩٥ ه-، فتكون حياته بعد أبيه خمساً و ثلاثين سنة. كما أنّ المشهور أنّ عمره الشريف يوم قَتْلِ أبيه اثنان و عشرون سنة.
      وُلد عليه السلام في الخامس من شعبان سنة ٣۸ ه-، و استُشهد بالمدينة بسمّ الوليد بن عبد الملك، و دفن بالبقيع خلف عمّه الإمام المجتبى عليه السلام.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

134
  • و سمع أنس بن الحارث بن نبيه رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: إن ابنِي هَذَا- يَعْنِي الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُقْتَلُ بِأرْضٍ يُقَالُ لَهَا:

  • كَرْبَلَا. فَمَنْ شَهِدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ!

  • فخرج أنس إلى كربلاء، فقُتل مع الحسين عليه السلام.۱

  • و قال ابن عبّاس: أوْحَى اللهُ تَعَالَى إلى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ:

  • إنِّي قَتَلْتُ بِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ ألْفاً، وَ أنّي قَاتِلٌ بِابْنِ ابْنَتِكَ سَبْعِينَ ألْفاً!٢ و الأحاديث عنه في هذا الشأن كثيرة.٣

  • أراك وقفتَ على أسرار تلك الأوامر و إقامة هاتيك الشعائر! فإنّهم حاولوا بتلك و هذه لفت الأنظار إلى المصائب التي جرت على قتيل الظلم، و صريع الجور، و التوصّل بذاك إلى إعلاء كلمة الشهادتين، و تنفيذ أحكام الشريعة. فإنّه عليه السلام ما ضحّى بنفسه و نفيسه إلّا لأجل ذلك. و أحسبك خبيراً بنجاح تلك التضحية منه و هاتيك الدعوة منهم.

  • و لو لم يكن إلّا انعطاف الناس على ما فُجع به ذلك القتيل، و بغضهم لمن اجترأ عليه بذلك الفعل الأشنع، لكان أجراً يستحقّه الإشفاق على المظلوم و إن كان من غير أبناء جلدته و دينه، و الشنآن للظالم و إن كان منه قبيلة و ديناً. و من ثمّ تجد الامم و إن لم تكن مسلمة تنعطف على تلك التضحية، و تقدّر تلك البسالة و الإقدام من سيّد الشهداء عليه السلام، و تعدّ الجرأة على قتله و هو بتلك الحال شناعة و خزياً لا يغسل عارة تطاول السنين

    1. انظر فى ذلك ترجمته فى« الاستيعاب» و« الإصابة».
    2. «المستدرك» الحاكم، ج ٣، ص ۱۷٦.
    3. «العقد الفريد» ج ٢، ص ٢۱٩؛ و« الصواعق المحرقة» ص ۱۱٥؛ و« كنز العمّال» ج ٥، ص ٢٢٣، و غيرها الكثير من كتب الحديث و الفضائل و التأريخ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

135
  • و الأعوام.

  • فنجاح هاتيك الشهادة ليس بكثرة الأولياء من المسلمين للحسين عليه السلام و تكثّر الشيعة لأهل البيت في كلّ بلاد خيّم عليها الإسلام فحسب، بل بالتقدير من العالم كلّه الذي اطّلع على تلك الحادثة لذلك الأبي الباسل الذي صرعه سيف الظلم و العدوان. فإنّ التأريخ لم يقرئهم، و العيان لم يرهم حرباً تقابل فيها الحقّ و الباطل فتغلّب الباطل و انتقم من الحقّ انتقاماً تستنكره الوحوش الكواسر و الامم الجاهليّة التي لم تعرف الدين أو العاطفة أو النظام، فكيف بأمّةٍ تنتسب إلى دين الرحمة و العطف دين العدل و الحقّ. و كان الانتقام نفسه ممّن يدعوهم إلى العمل بذلك الدين و أحكامه، و هم بعد يزعمون أنّهم مستظلّون برواق ذلك الدين، معترفون بأنّ ذلك القتيل داعية الحقّ و ابن صاحب الشريعة.

  • و لمّا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة، و ظفر بمسلم بن عقيل- رسول الحسين عليه السلام و داعيته- أخذ يقتل مَن يظنّ ولاءه لأمير المؤمنين عليه السلام، و يحبس من يتّهمه به، حتى ملأ السجون منهم خشية أن يتسلّلوا لنصرة الحسين عليه السلام. و من ثمّ تجد قلّة في أنصاره مع كثرة الشيعة بالكوفة. و لقد كان في حبسه اثنا عشر ألفاً كما قيل. و ما أكثر الوجوه و الزعماء فيهم، أمثال المختار، و سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، و المُسَيِّب بن نَجَبَة، و رِفَاعَة بن شَدَّاد، و إبراهيم بن مالك الأشتر.

  • و بعد أن خرجوا من حبسه نهض منهم أربعة آلاف يرأسهم سليمان ابن صرد، و جاءوا لقبر الحسين عليه السلام فنعوه و بكوه، و اشتدّوا لحرب الأمويّين حتى فنى أكثرهم، و لم يحجزهم عن المقاومة تفاني أكثرهم حتى ظهر المختار بالكوفة فالتحقوا به.

  • و صلب ابن زياد جماعة من الشيعة كان في طليعتهم العبد الصالح

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

136
  • ميثم التمّار.۱ و قد أمر به فقُطعت يداه و رجلاه. و بقي و هو بتلك الحال يحدّث الناس بفضائل أمير المؤمنين عليه السلام كأنّه خطيب على أعواد، فأمر به، فاستلّوا لسانه، و قطعوه، ثمّ بقروا بطنه فمات رحمة الله عليه.

  • و هذا الفعل القاسي الفظيع نزر ممّا ارتكبه ابن زياد في الشيعة. و لو لم يكن له إلّا قارعة الطفّ و قتل الحسين عليه السلام و رهطه و صحبه، لكفى به حدثاً تهتزّ له السماوات و الأرضون عظماً و جزعاً.

  • يقول الباقر عليه السلام كما في «شرح نهج البلاغة» ج ٣، ص ۱٥:

  • ثُمَّ لَمْ نَزَلْ أهْلَ البَيْتِ نُسْتَذَلُّ وَ نُسْتَضَامُ وَ نُقْصَى وَ نُمْتَهَنُ وَ نُحْرَمُ وَ نُقْتَلُ وَ نُخَافُ وَ لَا نَأمَنُ عَلَى دِمَائِنَا وَ دِمَاءِ أوْلِيَائِنَا. إلى أن قال عليه السلام:

  • وَ كَانَ عِظَمُ ذَلِكَ وَ كِبْرُهُ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مَوْتِ الحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُتِلَتْ شِيعَتُنَا بِكُلِّ بَلْدَةٍ وَ قُطِّعَتِ الأيْدِي وَ الأرْجُلُ عَلَى الظِّنَّةِ. وَ كَانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنَا وَ الانْقِطَاعِ إلَيْنَا سُجِنَ أوْ نُهِبَ مَالُهُ أوْ هُدِمَتْ دَارُهُ.

  • ثُمَّ لَمْ يَزَلِ البَلَاءُ يَشْتَدُّ وَ يَزْدَادُ إلى زَمَانِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيادٍ قَاتِلِ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  • فهذا الباقر عليه السلام- و هو الصادق الأمين- كيف يحدّثنا بشجيّ اللحن عمّا جرى عليهم و على شيعتهم من المحن و عظيم البلاء أيّام ابن زياد و من قبله، كما سيحدّثنا عمّا جرى عليهم زمن من بعده. و التأريخ أصدق شاهد لحديثه.

  • ثورة المختار و الثناء عليه

  • لمّا عاجل الهلاك يزيد و تضعضعت من بعده إمارة الأمويّين أيّاماً، بقيت الشيعة في الكوفة تتطلّب زعيماً يلمّ شملها، و يشفي غيظ صدورها.

    1. قال الشيخ محمّد حسين المظفّر: دوّنت أحواله و علومه في رسالة أخرجتها مطابع النجف.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

137
  • فما لبثوا أن وثب بهم المختار وثبة الأسد الغضبان بعد الربض الطويل، فالتفّت الشيعة حوله، و ساروا تحت ركابه، و جعل على الجند إبراهيم بن مالك الأشتر فأوقع بعسكر الشام و مزّقه شرّ ممزّق، و قتل قائده ابن زياد.

  • و تلك امنية أهل البيت و الشيعة عامّة. و بعث برأسه إلى زين العابدين عليه السلام فسجد للّه شكراً. و عند ذاك خلعت الهاشميّات ثياب الحزن على الحسين عليه السلام.

  • ثورة التوّابين

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

138
  • ... ۱

    1. ذكر المرحوم المحدِّث القمّيّ في كتاب« تتمّة المنتهى في وقائع أيّام الخلفاء»( الجزء الثالث من« منتهى الآمال») الطبعة الثالثة، سنة ۱٣٩۷ ه-، ص ۸٥ و ۸٦( ما تعريبه): أنّ شيعة الكوفة تحرّكوا في أوائل حكومة عبد الملك بن مروان سنة ٦٥ ه- و تلاقوا و تلاوموا على خذلانهم الحسين عليه السلام و قعودهم عن نصره. و قالوا: إن خذلاننا الحسين عليه السلام عار لا يغسله شيء إلّا أن نقتل قاتليه أو نُقْتَل ثأراً له. فاختاروا خمسة من بينهم و أمّروهم عليهم، و هم: سليمان بن صُرَد الخزاعيّ، و المسيِّب بن نَجَبَة الفزاريّ، و عبد الله بن سعيد بن نفيل الأزديّ، و عبد الله بن وال التميميّ، و رفاعة بن شدّاد البجليّ. فأخلوا العسكر، و منعهم المختار من ذلك فلم يرضوا. و ساروا حتى بلغوا« عين الوردة» و هي ولاية كبيرة من بلاد الجزيرة. و سار عبيد الله بن زياد من الشام على رأس ثلاثين ألفاً من أهلها و معه الحصين بن نمير، و شراحيل بن ذي الكلاع الحميريّ لقتالهم. فالتقوا في« عين الوردة» و عسكراهما عظيمان. و استبسل سليمان بن صرد و قتل جماعة كثيرة من جيش ابن زياد. ثمّ رماه الحصين بن نمير بسهم فقتله. فأخذ اللواء بعده المسيِّب الذي كان من وجوه جيش أمير المؤمنين عليه السلام سابقاً، و حمل عليهم و كان يرتجز حتى قُتِلَ أيضاً. و لمّا رأى الشيعة ذلك أيسوا من الحياة و بذلوا مهجهم و كسروا أغمدة سيوفهم و قاتلوا، و كان اللواء مع عبد الله بن سعيد. و التحق بهم في ذلك الحين خمسمائة من شيعة البصرة و المدائن جاءوا لنصرتهم. فقوي أمرهم و استقاموا مصطبرين على القتال، و قاتلوا قتالًا شديداً و كانوا يكثرون من قولهم: أقِلنا ربّنا تفريطَنا فقد تُبْنَا. و جملة القول: أنّهم قاتلوا حتى استشهد سليمان و عبد الله مع عدد من وجوه الشيعة. و حين رأى الباقون أن لا طاقة لهم على قتال أهل الشام لاذوا بالفرار و لحقوا ببلادهم. و تحرّك ابن زياد من« عين الوردة» لمحاربة أهل العراق. و لمّا وصل إلى الموصل، التقى بإبراهيم الأشتر الذي كان قد خرج من الكوفة لقتاله بأمر المختار. فاقتتلوا و كان الظفر لأهل العراق. و قُتِلَ عبيد الله بن زياد، و الحصين بن نمير، و شرحبيل بن ذي الكلاع، و ابن حوشب ذي الظليم، و عبد الله بن إياس السلميّ مع عدد من أشراف الشام و انتقلوا إلى دَرَك الجحيم. و حمل إبراهيم رأس ابن زياد و غيره إلى المختار.
      و بعث المختار برأسه إلى الحجاز. و كانت هذه الواقعة في سنة ٦٦ ه-.( إلى أن قال في ص ٩۱): و يتبيّن من هنا كيف سَرَّ المختار قلب الإمام السجّاد عليه السلام، بل سرّ القلوب الكسيرة للمظلومين و المصابين من أرامل آل محمّد عليهم السلام و أيتامهم بعد أن كانوا يقيمون المآتم و مراسم العزاء خمس ستين. و روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال ما مضمونه: لم تكحّل هاشميّة و لم تخضب و لم يطبخ بنو هاشم طعاماً لهم حتى قتل عبيد الله بن زياد بعد خمس سنين من قتل الحسين عليه السلام. قال السيوطيّ في« تاريخ الخلفاء» ص ٢۱٤، الطبعة الرابعة: ... فجهّز ابن الزبير لقتاله( قتال المختار) إلى أن ظفر به في سنة سبع و ستّين، و قتله.
      و ذكر في« تتمّة منتهى الآمال» ص ٩۱ إلى ٩٥، مطالب نوردها فيما يأتي موجزة: خرج مصعب بن الزبير سنة ٦۷ ه- من قبل أخيه عبد الله لصدّ المختار. فوقع قتال شديد بينهما في قرية« حروراء» من الكوفة. و قُتِلَ خلق عظيم في تلك الوقعة. و انهزم المختار و اعتصم في قصر الإمارة بالكوفة مع جماعة كثيرة، و لكنّه كان يخرج منه كلّ يوم لحرب مصعب. و بينا كان خارجاً منه ذات يوم و هو على بغلة شهباء حمل عليه عبد الرحمن بن أسد الحنفيّ و قتله و قطع رأسه. و كان ذلك في الرابع عشر من رمضان سنة ٦۷ ه-. ثمّ حاصروا دار الإمارة، فوقع أصحاب المختار في محنة ثمّ آمنهم أصحاب مصعب. و لمّا قبضوا عليهم قتلوهم. و جملة القول: أنّ مصعباً سيطر على الكوفة. و كان يجمع الجنود و يعبّأ الجيش حتى سار مع عساكره سنة ۷٢ ه- نحو الشام لقتال عبد الملك بن مروان. و تهيّأ عبد الملك أيضاً لقتاله فخرج على رأس جيش جرّار و جاء حتى وصل إلى« مِسْكَن» و هي موضع على نهر الدجيل، قريبة من« بلد» التي كانت منزلًا من منازل سامرّاء. و التقيا فيها. و دارت بينهما حرب طاحنة قُتِلَ فيها إبراهيم بن مالك الأشتر الذي كان في جيش مصعب، و قطع رأسه ثابت بن يزيد غلام الحصين بن نمير و حمل جسده إلى عبد الملك. و كان مصعب ذا جمال و هيئة و كمال، و كانت سكينة ابنة الحسين عليهما السلام زوجته. و ذكر الخطيب في« تاريخ بغداد» أنّ قبره و قبر إبراهيم في« مسكن». و مجمل الكلام أنّ عبد الملك دعا أهل العراق إلى بيعته بعد مقتل مصعب، فبايعه الناس. ثمّ توجّه إلى الكوفة و أحكم قبضته عليها و دخل قصر الإمارة، و تربّع على العرش، و كان رأس مصعب قد وضع أمامه، و هو في غاية الابتهاج.
      و بينا هو كذلك إذ قام إليه أحد الحاضرين و يقال له: عبد الملك بن عمير فقال له و هو يرتعد: أصلح الله الأمير! رأيت من هذا القصر عجباً. فيوماً كنت مع عبيد الله بن زياد و اتي برأس الحسين عليه السلام و وضع بين يديه. و آخر كنت مع المختار بعد أن استولى على الكوفة فرأيتُ رأس ابن زياد عنده. و يوماً ثالثاً كنت مع مصعب صاحب هذا الرأس، فرأيتُ رأس المختار قد وُضع أمامه. و ها أنّي معك في هذا المجلس و أرى رأس مصعب بين يديك. فاعيذ الأمير بالله من شرّ هذا المجلس! و لمّا سمع عبد الملك ذلك أخذته رعدة و أمر بهدم قصر الإمارة. و نظم بعض الشعراء شعراً في هذا الموضوع. و ما أجمل ما قال أحدهم:

      يك سره مردي ز عرب هوشمند--گفت به عبد الملك از روي پند
      روي همين مسند و اين تكيهگاه--زير همين قبّه و اين بارگاه
      بودم و ديدم برِ ابن زياد--آه چه ديدم كه دو چشمم مباد
      تازه سري چون سپر آسمان--طلعت خورشيد ز رويش نهان
      بعد ز چندى سر آن خيره سر--بد بر مختار به روي سپر
      بعد كه مصعب سر و سردار شد--دستكش او سر مختار شد
      اين سر مصعب به تقاضاي كار--تا چه كند با تو دگر روزگار
      --

      يقول:« قال عربيّ نابهٌ ذات يوم لعبد الملك بن مروان واعظاً له:
      على هذا العرش و هذا المتّكأ و تحت هذه القبّة و في هذا البلاط.
      رأيتُ بِيَدِ ابن زياد شيئاً. آه ما ذا رأيتُ؟ ليت عينيّ لم تريا!
      رأيتُ رأساً متلألئاً كالشمس بل تحتجب الشمس لشدّة نوره.
      و بعد مدّة رأيتُ رأس ذلك الصلف بِيَدِ المختار.
      و بعد أن تأمّر مصعب رأيتُ رأس المختار بيده.
      و ها أنّي أرى اليوم رأس مصعب بحكم القصاص، فما ذا يخبّئ لك الدهر من بعده؟»
      و لمّا استولى عبد الملك على الكوفة، و بايعه أهلها، جعل عليها أخاه بشراً و معه روح بن زنباع الجذاميّ و عدد آخر من أصحاب الرأي و المشورة من أهل الشام. و أشخص الحجّاج بن يوسف بن عقيل الثقفيّ الفتّاك المتهوّر إلى مكّة لقتل عبد الله بن زبير، و رجع إلى الشام من بقي من جنده. و وصل الحجّاج إلى الحجاز و معه عسكره، و مكث بالطائف شهوراً، ثمّ دخل مكّة، و حاصر- كالحصين بن نمير- ابنَ الزبير و نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس. و دام الحصار خمسين يوماً، و على قول: أربعة أشهر، حتى ظفر بعبد الله بن الزبير و قتله بقذف الحجر ثمّ احتزّ رأسه. و بعث به إلى عبد الملك. و صلب جسده منكوساً و قال: أدعه مصلوباً حتى تشفع امّه أسماء ابنة أبي بكر. و نُقِلَ أنّه ظلّ مصلوباً سنة كاملة حتّى عشعش الطير في صدره. و لمّا مرّت به أسماء و قالت: أمَا آنَ لهذا الراكب أن يُنزَلَ من مركوبه؟! فأنزلوه و دفنوه في مقابر اليهود.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

139
  • و لمّا انخذل جيش الشام، قويت شوكة المختار و الشيعة، و صار يستأصل قتله الحسين عليه السلام، و ما أبقى أحداً منهم يُعرف إلّا أن يكون قد هرب من بين يديه. فمن ثمّ تحامل عليه مَن ملك قلبه حبّ الأمويّين و قتله السبط الشهيد. فصار يدنّس غايته النزيهة التي وثب من أجلها، و هي الطلب بدم سيّد الشهداء عليه السلام. فوصموه تارة بأنّه أراد الوقيعة بالعروبة فكأنّه لم يكن من العرب. فوجد الفرصة للانتقام من الإسلام و العرب. (و هو ابن أبي عبيدة، من بني ثقيف، من العرب الأقحاح بالطائف). و اخرى أنّه تطلّب بتك النهضة الزعامة.

  • و لا أدري: لما ذا استقصى اولئك القتلة؛ و ما اكتفى بقتل شطر منهم و تأميل الباقين لينضمّوا إلى لوائه؟! فهذه هي سياسة الملك و الإمرة. فإنّ الاستقصاء يملأ قلوب واتريه حقداً عليه، فيحملهم على الوثبة عليه عند الفرصة.

  • إن طالب الرئاسة مثل معاوية الذي موّه نهضته في حربه لأمير المؤمنين عليه السلام بالطلب لدم عثمان. و لمّا آل الأمر إليه لم يتعرّض أحداً من قاتليه بسوء، فأغضى إغضاء متجاهل بهم، فكأنّما لم تكن تلك

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

140
  • الحرب الضروس من أجل الطلب بدم عثمان، حتى طالبته ابنة عثمان بالانتقام، فاعتذر.

  • و لو كان المختار غير صحيح القصد في وثبته، لما روى الكثير من المؤرّخين نهضته، و شعارها الطلب بالثأر. فهذا ابن عبد ربّه في «العقد الفريد» (ج ٢، ص ٢٣۰) يقول: ثمّ إن المختار لمّا قتل ابن مرجانة و عمر بن سعد جعل يتبع قتلة الحسين بن عليّ و مَن خذله، فقتلهم أجمعين.

  • و أمر الحسينيّة و هم الشيعة أن يطوفوا في أزقّة المدينة- الكوفة- بالليل و يقولوا: يَا لَثَارَاتِ الحُسَيْنِ!۱

  • و قال أبو الفداء في حوادث عام ٦٦ من الجزء الأوّل، ص ۱٩٤: و في هذه السنة خرج المختار بالكوفة طالباً بثأر الحسين و اجتمع إليه جمع كثير و استولى على الكوفة و بايعه الناس بها على كتاب الله و سنّة رسوله صلّى الله عليه و آله و الطلب بدم أهل البيت. و تجرّد المختار لقتال قتلة الحسين.

  • و بمثل هذا ذكر الكثير من أرباب التأريخ سبب قيامه. و لعلّ هذه الغاية الشريفة من نهوضه بغّضته لكثير من الاوَل، فدسّوا الأحاديث في قدحه، و نسبوا له كلّ شناعة في الرأي و المذهب.

  • و ما ذنب المختار إلّا أنّه طهّر الأرض من فئةٍ حاربت الله و الرسول و الإسلام بحربها للسبط الشهيد و جرأتها على إهراق دمه، و انتقم لأهل البيت. فكيف يهون عليهم أن ينتقم لأهل البيت؟! سُبْحَانَكَ اللَهُمَ

    1. قال في« أقرب الموارد» مادّة ثأر: ثَارَ القتيلَ و بالقتيل ثَأراً: طلب دَمَه و- قتل قاتله، و عليه قول عبيد بن الأبرص:
      إذا قُتِلْتُ فلا تركَب لتَثأر بي--و إن مرضتُ فلا تَحْسَبْكَ عُوَّادي
      --

      إلى أن قال: يَا ثَأرَات فلانٍ، أي: قَتَلَةَ فلان. يا للثأرَاتِ لفظة تستعمل عند طلب الثأر و اللام فيه للاستغاثة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

141
  • وَ غُفْرَانَكَ! أ هذا النصف و العدل من الإنسان؟!

  • ظهر عبد الله بن الزبير بمكّة و استتبّ له الأمر في الجزيرة تسع سنين. فاشتغل الأمويّون بابن الزبير و ابن الزبير بالأمويّين. و زين العابدين في عزلة عن هذا التطاحن الدنيويّ. و انصرف شطر من الناس إلى العِلم، و شطر إلى السياسة، و أصبح لكلّ من أمرَي السياسة و العلم شأن في البلاد، و تكاد أن تنفصل كلّ طائفة عن الاخرى.

  • و ابتدأ في هذا العهد ارتكاز العلم على القواعد و الاصول. و ابتدأت المناظرات و المحاججات، و المذاهب و الطرائق. و كان في هذا العصر الفقهاء السبعة في المدينة، الذين يرجع الناس إليهم في الفقه. و كانوا يفتون على آراء أهل السنّة و اصولهم. فكان في هؤلاء شيعيّان هما القاسم ابن محمّد بن أبي بكر، و كان من حواري زين العابدين عليه السلام، و سعيد بن المُسَيِّب و قد ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام. و كانا في الظاهر على رأي أهل السنّة. و من ثمّ تعرف أنّ التقيّة كانت دريئة الشيعة قبل عهد الصادق عليه السلام.

  • و كانت الشيعة ترجع إلى زين العابدين عليه السلام في ذلك الانعزال و الوحدة و نصبه للمأتم الدائم على أبيه عليه السلام. و تلك هي السياسة الإلهيّة التي اختطّها أبو محمّد عليه السلام لنفسه خدمةً للشريعة. إذ كان الناس قد أشغلها التضارب على الملك. فوجدها فرصة لإبداء مظلوميّة سيّد الشهداء عليه السلام. فكان بكاؤه المستمرّ على شهيد الظلم أكبر ذريعة لإحقاق الحقّ و إبطال شعائر دول الجور، و انصرافه عن السياسة و أهلها نهزة لتوارد الناس عليه دون أن يؤخذوا بذاك.

  • أذهلت حادثة الطفّ الناس كلّهم، و ما كانوا يحتسبون أن يبلغ بتلك الفئة الأمويّة الغاشمة العتوّ إلى ما كان. و لا الناس في الطاعة لهم و ما آلوا

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

142
  • إليه مع آل الرسول إلى ما وقع. فندم شطر من اولئك المحاربين، و طلبوا من زين العابدين عليه السلام النهوض بهم إلى الانتقام من بني اميّة. فأبي عليهم أشدّ الإباء.

  • و أسف من تخلّف من الشيعة عن الالتحاق بالحسين، و عن القتل بين يديه. و ما علموا أنّ الناس يبلغون منه ذلك الفعل الأشنع، و قد خيّم عليهم الحزن بعمق و هم بين نادم و آسف. و هذا أحد العوامل على انتفاض الناس على يزيد و وقوع حادثة الحَرَّة. حيث لم تُبق كارثة كربلاء هوى لأكثر الناس في آل أبي سفيان. هذا فوق ما كان عليه يزيد من المجون و التهتّك و الطيش.

  • فالشيعة بالعراقَين (البصرة و الكوفة) و الحرمَين (مكّة و المدينة) في هذه الفترة هائدة الأعصاب، لم يتفرّغ ابن الزبير لمقاومتهم حتى بعد استيلاء مصعب على الكوفة و قتل المختار. و إن كانت نزعة ابن الزبير شنآن أهل البيت و محاربتهم في خططه و خطبه.

  • جرائم الحجّاج و عبد الملك ضدّ الشيعة

  • و ما مضت تلك الليلات القصيرة التي استقلّ فيها آل الزبير بالجزيرة إلّا و عاد الحكم لآل مروان من بني اميّة بعد أن قضوا على آل الزبير. و لمّا بسط عبد الملك نفوذه على البلاد، و قامت دعائم سلطانه، التفت إلى أهل البيت و شيعتهم. و لم تطب نفسه لأنّ يراهم على تلك العزلة و الوداعة.

  • و كان سيّد آل البيت و إمام الشيعة يومئذٍ زين العابدين عليه السلام، فحمله إلى الشام ليغضّ من مقامه، و ينقص من منزلته. و لكن لم يزدد الإمام بذلك إلّا عزّاً و كرامة، لِما ظهرت له من الفضائل و المعارف.

  • و كانت الكوفة مغرس دوحة التشيّع، فحاول عبد الملك أن يجتثّها من على الأرض. و أيّ ساعد أقوى من ساعد الحجّاج، و هو صاحب ذلك القلب القاسي الذي لا يعرف الرقّة و اللين؟! و أيّ رجل أبيع لدينه بالثمن

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

143
  • الأوكس- لو كان عنده شيء من الدين- من الحجّاج؟! و إن فعله بالبيت الحرام ليسلّم قصر المُلك لعبد الملك أخسر صفقةً.

  • و هنا يخبرنا الباقر عليه السلام عن عيان و مشاهدة عمّا كان من الحجّاج مع الشيعة، كما يحكيه شارح «نهج البلاغة» ج ٣، ص ۱٥:

  • يقول عليه السلام:

  • ثُمَّ جَاءَ الحَجَّاجُ فَقَتَلَهُمْ- يَعْنِي الشِّيعَةَ- كُلَّ قَتْلَةٍ، وَ أخَذَهُمْ بِكُلِّ ظِنَّةٍ وَ تُهْمَةٍ، حتى أنَّ الرَّجُلَ لَيُقَالُ لَهُ زِنْدِيقٌ أوْ كَافِرٌ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أنْ يُقَالَ لَهُ: شِيعَةُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  • و يقول المدائنيّ كما في «الشرح» ج ٣، ص ۱٥: و ولى عبد الملك بن مروان فاشتدّ على الشيعة، و ولّى عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب الناس إليه ببغض عليّ عليه السلام، و موالاة أعدائه، و مولاة من يدّعي قوم من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه.

  • فَأكْثَرُوا في الرِّوايَةِ في فَضْلِهِمْ وَ سَوَابِقِهِمْ وَ مَنَاقِبِهِمْ، وَ أكْثَرُوا مِنَ الغَضِّ عَنْ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ عَيْبِهِ وَ الطَّعْنِ فِيهِ وَ الشَّنَآنِ لَهُ.

  • و ما ذا يذكر الكاتب عن الحجّاج و أعماله؟! فلقد سوّد صحائف من التأريخ لا تُنسى عمر الدهر. و نربأ بأقلامنا عن ذكرها. و كيف ننشر تلك الفضائح على صحائف بيض تريد الفضيلة بما ترويه و تسطّره؟!

  • و لو كانت أعماله القاسية مجهولة و لو لبعض الناس لآثرنا للفضيلة استطراء شطر منها رجاء أن ينتهجها من له إمرة و سلطان عند ما يعرف: أنَّ المَرْءَ حَدِيثٌ بَعْدَهُ، وَ أنَّ التَّأرِيخَ يَحْفَظُ عَلَيْهِ الجَمِيلَ وَ القَبِيحَ. و لكنّ الناس كلّهم يعلمون ما ارتكبه ذلك الفظّ الغليظ من الكعبة، و ممّن اتّخذ الكعبة قبلةً دون أن يميّز بين شيعيّ، أو سنّيّ، أو حروريّ، و بين حجازيّ،

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

144
  • أو عراقيّ، أو تهاميّ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

145
  • .. ۱

  • كان الكثير من حكّام الجور في بادي أمرهم من أهل الزهد و العباد

    1. «تاريخ الشيعة» للمظفّر، ص ٣۱ إلى ٤۱.
      من الجدير ذكره أنّ كثيراً من سلاطين الجور و امرائهم كانوا في درجة الكمال من حيث الزهد و العبادة و العلم بالقرآن و السنّة و الفصاحة و البلاغة، بَيدَ أنّ عدم وصول روح اليقين إلى سويداء قلوبهم جعلهم أسرى الغرور و شهوة الرئاسة، فتجاهروا بارتكاب المحرّمات الشرعيّة و الجرائم و الانتهاكات التي لا يمكن حملها إلّا على حبّ الجاه و الرئاسة و كان السلاطين الاوَل من هذا الضرب. و كذلك كان عبد الله بن الزبير، و المأمون العبّاسيّ، و عبد الملك بن مروان، و الحجّاج بن يوسف الثقفيّ. و كان الحجّاج من نوادر عصره في الفصاحة و البلاغة و إلقاء الخطب الصحيحة الخالية من اللحن. كما كان حافظاً للقرآن. و كان يأمر بقتل الأبرياء على أساس الاستدلال بالآيات القرآنيّة. و وطّد عرش الاستبداد و الظلم لعبد الملك بن مروان بالشام مستنداً إلى آية( اولو الأمر). و كان عبد الملك قبل تقلّده الأمر حليف المسجد النبويّ و الصوم و الصلاة و القرآن و العلم و بيان السنّة حتى عدّه البعض أحد فقهاء المدينة. و بهذه الهيئة الجميلة التي تهواها الأفئدة دخل سلك الحكومة الجائرة.
      و بمظهر يتجلّى فيه أنّ الحقّ معه تعسّف على أئمّة الشيعة و ظلمهم و عزلهم و سجنهم و قتلهم و هدم دورهم و شرّدهم. و قد سفك دماء المظلومين سفكاً قلّما شهدته السماء، و رفع كأس الشراب و أغدق العطاء على الشعراء الخمّارين المادحين لبني اميّة بنحو لم يشهد له الدهر على كرور أيّامه مثيلًا.
      ذكر السيوطيّ في« تاريخ الخلفاء» ص ٢۱٤ إلى ٢٢٢، الطبعة الرابعة، تاريخ عبد الملك. و ننقل فيما يأتي موجزاً منه كدليل على ما أوردناه عنه: في عام ۷٣ حيث كان ملكه هدم الحجّاج الكعبة و أعادها على ما هي عليه الآن، و دسّ على ابن عمر مَن طعنه بحربة مسمومة، فمرض منها و مات، و في سنة ۷٤ سار الحجّاج إلى المدينة، و أخذ يتعنّت على أهلها، و يستخّف ببقايا مَن فيها من صحابة رسول الله صلّى الله عليه و آله، و ختم في أعناقهم و أيديهم، يذلّهم بذلك كأنس بن مالك، و جابر بن عبد الله، و سهل بن سعد الساعديّ. فَإنَّا لِلَّهِ وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. ۱ قال ابن سعد في عبد الملك: كان عابداً زاهداً ناسكاً بالمدينة قبل الخلافة. و قال يحيى الغسّانيّ: كان عبد الملك كثيراً ما يجلس إلى امّ الدرداء، فقالت له مرّة: بَلَغَنِّي يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنَّكَ شَرِبْتَ الطِّلَاءَ بَعْدَ النُّسْكِ وَ العِبَادَةِ؟! قَالَ: أي وَ اللهِ! وَ الدِّمَاءَ قَدْ شَرِبْتُهَا! و قال نافع: لقد رأيتُ المدينة و ما بها شابٌّ أشدّ تشميراً، و لا أفقه، و لا أنسك، و لا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان. و قال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيِّب، و عبد الملك بن مروان، و عروة بن الزبير، و قبيصة بن ذؤيب. و قيل لابن عمر:
      إنّكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان ابناً فيها فاسألوه! و كان لعبد الملك صديق، فضرب يوماً على منكبه، و قال: اتّق الله في امّة محمّد إذا ملكتهم! فقال: دعني ويحك ما شأني و شأن ذلك! فقال: اتّق الله في أمرهم! و جهّز يزيد جيشاً إلى أهل مكّة، فقال عبد الملك: أعُوذُ بِاللهِ! أ يبْعَثُ إلى حَرَمِ اللهِ؟! فضرب يوسف- و كان يهوديّاً فأسلم- منكبه، و قال: جَيْشُكَ إلَيْهِمْ أعْظَمُ. و قال يحيى الغسّانيّ: لمّا نزل مسلم بن عقبة المدينة، دخلتُ مسجد رسول الله صلّى الله عليه و آله، فجلستُ إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أ من هذا الجيش أنتَ؟ قلتُ: نعم. قال: ثَكَلَتْكَ امُّكَ! أ تدري إلى من تسير؟ إلى أوّل مولود ولد في الإسلام، و إلى ابن حواريّ رسول الله صلّى الله عليه و آله، و إلى ابن ذات النطاقَين، و إلى من حنّكه رسول الله صلّى الله عليه و آله. أما و الله إن جئتَه نهاراً وجدتَه صائماً! و لئن جئتَه ليلًا لتجدنّه قائماً! فلو أنّ أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبّهم الله جميعاً في النار. فلمّا صارت الخلافة إلى عبد الملك وَجَّهَنَا مَع الحجّاج حتى قتلناه. و قال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك و المصحف في حجره، فأطبقه و قال: هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِكَ. و قال مالك: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: أوّل من صلّى في المسجد ما بين الظهر و العصر عبد الملك بن مروان و فتيان معه. كانوا إذا صلّى الإمام الظهر قاموا فصلّوا إلى العصر. فقيل لسعيد بن المسيِّب: لو قمنا فصلّينا كما يصلّي هؤلاء: فقال سعيد بن المسيِّب: لَيْسَتِ العِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ! وَ إنَّمَا العِبَادَةُ التَّفَكُّرُ في أمْرِ اللهِ وَ الوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ. و كان مروان بن الحكم ولّى العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك. و كان قتله أوّل غدرٍ في الإسلام. فقال بعضهم:

      يَا قَوْمِ لَا تُغْلَبُوا عَنْ رَأيِكُمْ فَلَقَدْ--جَرَّبْتُمُ الغَدْرَ مِنْ أبْنَاءِ مَرْوَانَا
      أمْسَوْا وَ قَدْ قَتَلُوا عَمْراً وَ مَا رَشَدُوا--يَدْعُونَ غَدْراً بِعَهْدِ اللهِ كَيْسَانا
      وَ يَقْتُلُونَ الرِّجَالَ البُزْلَ ضَاحِيَةً--لِكَيْ يُوَلُّوا امُورَ النَّاسِ وِلْدَانَا
      تَلَاعَبُوا بِكِتَابِ اللهِ فَاتَّخَذُوا--هَوَاهُمُ في مَعَاصِي اللهِ قُرْآنَا
      --

      و قال عبد الملك في وصيّته لابنه الوليد: يا وليد اتَّقِ اللهَ فِيمَا أخْلَقَكَ فِيهِ. إلى أن قال: و انظر الحجّاج فأكرمه فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابر! و هو سيفُك يا وليد، و يدُك على من ناوأك! فلا تسمعنّ فيه قولَ أحد! و أنت إليه أحوج منه اليك، و ادع الناس إذا متُّ إلى البيعة. فمن قال برأسه هكذا( أي: لا ابايع!) فقل بسيفك هكذا( أي: أفصل رأسك عن بدنك!) و لمّا احتضر عبد الملك، دخل عليه ابنه الوليد، فتمثّل بهذا:

      كَمْ عائِدٍ رَجُلًا وَ لَيْسَ يَعُودُهُ--إلَّا لِيَعْلَمَ هَلْ يَرَاهُ يَمُوتُ؟
      --

      فبكى الوليد. فقال: ما هذا؟ أ تحنّ حنين الأمَة؟! إذا أنا متُّ، فشمر، و ائتزر، و البس جلد النمر! وضع سيفك على عاتقك! فمن أبدى ذاتَ نفسه لك فاضرب عنقه. و من سكت مات بدائه. قال السيوطيّ هنا: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلّا الحجّاج و توليته إيّاه على المسلمين و على الصحابة رضي الله عنهم يُهينهم و يذلّهم قتلًا و ضرباً و شتماً و حبساً.
      و قد قتل من الصحابة و أكابر التابعين ما لا يُحصى فضلًا عن غيرهم. و ختم في عنق أنس و غيره من الصحابة ختماً، يريد بذلك ذلّهم، فَلَا رَحِمَهُ اللهُ وَ لَا عَفَا عَنْهُ!
      و من شعر عبد الملك:

      بِعُمْرِي لَقَدْ عُمِرْتُ في الدَّهْرِ بُرْهَةً--وَ دَانَتْ لي الدُّنْيَا بِوَقَعِ البَوَاتِر
      فَأضْحَى الذي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي--كَلَمْحٍ مَضَى في المُزْمِنَاتِ الغَوَابِرِ
      فَيَا لَيْتَنِي لَمْ اعْنَ بِالمُلْكِ سَاعَةً--وَ لَمْ ألْهُ في لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ
      وَ كُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ--مِنَ الدَّهْرِ حتى زَارَ ضَنْكَ المَقَابِرِ
      --

      و عن الأصمعيّ قال: أربعة لم يلحنوا في جدٍّ و لا هزل: الشعبيّ، و عبد الملك بن مروان، و الحجّاج بن يوسف، و ابن القرِّيَّة. و قال أبو عبيدة: لمّا أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها:

      شُمْسُ العَدَوَاةِ حتى يُسْتَافَدَ لَهُمْ ٢--وَ أعْظَمُ النَّاسِ أحْلَاماً إ ذَا قَدَرُوا
      --

      ( أي أنّ عداوته في حدِّ أن يقدِّم روحه و كلّ ما يملك في قبال الثأر) قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثمّ ألقِ عليه من الخلع ما يغمره. ثمّ قال: إن لكلّ قومٍ شاعراً، و شاعر بني اميّة الأخطل. و قال الأصمعيّ: دخل الأخطل على عبد الملك، فقال: وَيْحَكَ صِفْ لِيَ السُّكْرَ! قَالَ: أوَّلُهُ لَذَّةٌ، وَ آخِرُهُ صُدَاعٌ، وَ بَيْنَ ذَلِكَ حَالَةٌ لَا أصِفُ لَكَ مَبْلَغَهَا، فَقَالَ: مَا مَبْلَغُهَا؟ فَقَالَ: لَمُلْكُكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ[ عِنْدَهَا] أهْوَنُ عَلَيّ مِنْ شِسْعِ نَعْلى! و أنشأ يقول:

      إ ذَا مَا نَدِيمِي عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي--ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ
      --

      خَرَجْتُ أجُرُّ الذَّيْلَ تِيهاً--كَأنَّنِي عَلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِين أمِيرُ
      --

      إلى أن قال: و ممّن مات في أيّام عبد الملك من الأعلام أيّوب بن القرِّيَّة الذي يضرب به المثل في الفصاحة.
      و قال المحدِّث القمّيّ في« تتمّة المنتهى» ص ۸٣ و ۸٤، الطبعة الثالثة( ما تعريبه): كان عبد الملك بن مروان قبل جلوسه على العرش ملازماً للمسجد تالياً للقرآن، حتى قيل فيه:« حَمَامَةُ المَسْجِدِ»، و لمّا بلغه خبر تقلّده للأمر كان يتلوا القرآن فأطبقه و قال: سَلام عليك! هذا فراق بيني و بينك. قال الراغب في« المحاضرات» بعد نقل هذه القضيّة ما مضمونه: كان عبد الملك يقول: كنت أتحرّج من قتل نملة و الآن يكتب لي الحجّاج أنّه قتل فئاماً ٣ من الناس و لم يؤثّر في. و قال في ص ٩٦ و ٩۷: كان الحجّاج يخبر أنّ أكثر لذّاته في إراقه الدماء.
      و احصى مَن قتلهم الحجّاج سوى من قُتل في بعوثه و عساكره فوجد مائة و عشرون ألفاً، و وجد في حبسه بعد هلاكه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة منهم اثنا عشر ألفاً عراة.
      و كان حبس الرجال و النساء في مكان واحد، و لم يكن في حبسه سقف و لا ظلّ. و روي أنّه خرج يوم الجمعة إلى الصلاة، فسمع ضجّة عظيمة، فقال: ما هذا؟ قالوا: أهل السجن يضجّون من الحرّ. فقال: قولوا لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَ لَا تُكَلِّمُونَ! فلم يمهله الله إذ لم يصلّ جمعة بعدها حتى صار إلى جهنّم. و في« أخبار الدول» أنّ علماء السنّة كفّروه بكلمته هذه، و قالوا أيضاً: وجد في حبسه بعد هلاكه ثلاثة و ثلاثون ألفاً كانوا قد سُجنوا بلا داعٍ. و أطلقهم الوليد بن عبد الملك. و نُقل عن الشعبيّ أنّه قال: إذا اخرج من كلّ امّة خبيثها و فاسقها، أخرجنا لهم الحجّاج، و أنّه ليزيد عليهم جميعاً. و نقل أنّ عبد الملك لمّا كتب إلى الحجّاج ألّا يقتل أحداً من آل أبي طالب، لأنّ آل حرب ربّما أراقوا دماء أولاد أبي طالب فعمهم الموت و زالت دولتهم، فاجتنب الحجّاج سفك دمائهم خوفاً من زوال الملك و السلطان لا خوفاً من الخالق عزّ و جلّ. و قتل الحجّاج كثيراً من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام و خاصّته ككميل بن زياد النخعيّ، و قنبر غلام الإمام عليه السلام. و ضرب عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ بالسياط حتى اسودّ كتفاه. و أمره بسبّ أمير المؤمنين عليه السلام، فلم يسبّه بل ذكر مناقبه مكان ذلك. و قطع يد و رجل يحيى بن امّ طويل الذي كان من شيعة الإمام السجّاد عليه السلام و حواريِّة حتى استُشهد. و آخر من قتل هو سعيد بن جبير. و بعد خمس عشرة ليلة مضت على مقتله، ظهرت الآكلة في جوفه فكانت سبباً في هلاكه. و كان قتل سعيد و هلاك الحجّاج في أيّام الوليد بواسط سنة ٩٥ ه-- انتهى موضع الحاجة من كلام المرحوم المحدِّث القمّيّ في« تتمّة المنتهى».
      أجل، ذكرنا هذه المطالب ليتبيّن أنّ جميع الحكّام الجور الذين ما زالت ترجمتهم تسوِّد وجه التأريخ لم يكونوا في بادئ أمرهم من المستهترين القتلة ذوي الشوارب الكثّة و اللحى المحلوقة، الجهلاء بمسائل الدين و أحكامه، بل كانوا في ظاهرهم من اولي الصلاح و أهل القبا و الرداء و الحَنَك، و كانوا مواظبين على حضور الجمعة. و كانوا على هذه السجيّة يشهدون المشاهد حتى آخر عمرهم. لأنّ هذا المتاع هو المتاع الوحيد الذي له من يشتريه في سوق عامّة المسلمين يومئذٍ. بَيدَ أنّ عفريت الشهوة و كلب الغضب و نبيذ الغرور و حبّ الجاه و الرئاسة و الأوهام المزيّفة قد استحوذ عليهم حتى عدّوا أنفسهم آلهة على وجه الأرض.

      مُعَبَّا وَ مُعَصَّا وَ مُعَمَّمْ--براي قتل دين گشته مُصَمَّم ٤
      --

      نعوذ بالله من شرور أنفسِنَا و من سَيِّئَاتِ أعمالنا.
      ( ۱) كانوا يَسِمُونَ العبيد على أيديهم و ظاهر أعناقم إذا اشتروهم لكي يُعْرَفوا، و لا يفرّوا في بعض الأوقات و لكي لا يدّعي سيّد آخر تملّكهم. و لمّا ذهب الحجّاج إلى مكّة و أخذ لعبد الملك بن مروان البيعة من هؤلاء الصحابة بوصفها استرقاقاً لهم، فقد وسم ما بدا من أجسامهم بختم الذلّ و العبوديّة كسائر العبيد ليُعرفوا بهذه المحنة في أنظار العامّة. و هنا تألّم السيوطيّ و استرجع.
      ( ٢)) في« أقرب الموارد» مادّة ق ود:( اسْتَقَادَ) له استقادةً: أعطاه مَقَادَتَهُ و- زيدٌ الأميرَ:
      سَأله أن يُقيدَ القاتلَ بالقتيل، و- ذَلَّ وَ خَضَعَ.( اسْتَقَادَ) فلانٌ الأميرَ من القاتل فأقادَهُ منه:
      أي: طلب منه أن يَقْتُلَهُ فَفَعَلَ.
      ( ٣)) الفئام: جمع قوم، و الجماعة من الناس.
      ( ٤)) كان في أيّام طفولتي إلى ريعان شبابي واعظ في طهران يُدعى الميرزا عبد الله الواعظ السبوحيّ الطهرانيّ. و كان في غاية التقوى و الزهد، و الفهم و الدراية و العلم. ضليعاً في التفسير و الأخبار الواردة، عارفاً بالفلسفة و الحكمة. و كان نسيج وحده في الفصاحة و البلاغة. جمهوريّ الصوت. و كان اعجوبة في فنّ الخطابة، و كيفيّة الدخول في الموضوع و الخروج منه، و التعريج على قضيّة كربلاء في ختام المنبر. و كان يرتقي المنبر في شهر رمضان في مسجد( سبهسالار) الجديد الواقع في( شبستان چهل ستون)، و يتحدّث من هناك عن الاعتقادات، بخاصّة المعاد، فيطرح موضوعات بكراً و حيّةً و رائعة جدّاً. و كان غيوراً، محبّاً للدين، حرّاً، منفتحاً. و هو رائد الخطابة في زمانه. و كنت احبّه كثيراً، و أحضر منبره لاستفيد من موضوعات مع أنّي كنت يومئذٍ طالباً صغيراً في المدرسة. و ما زال صوته يدوّي في صحن المدرسة و مسجد سبهسالار، و قد كان يقف أيّام العزاء على آخر مرقاة- و لعلّها المرقاة السابعة من المنبر- و ينزع عمامته، و يُلقي عباءته، و يشمرّ كُمَّي قباه حتى عضديه، و ما زال صوته يرنّ في مسمعي. و تحتفظ ذاكرتي بهذا البيت الذي أوردتُه، و كنت قد سمعته منه. و قد ألمّ به المرض لسنين، و توفّي عند ما كنتُ في النجف الأشرف، أي:
      بعد سنة ۱٣۷۰ ه-. رحمة الله عليه رحمةً واسعةً.
      و تعريب البيت:« هو معبّا و معصّى و معمَّم و مُصَمِّم على إطفاء نور الدين».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

146
  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام الباقر عليه السلام

  • ۱

  • قال آية الله الشيخ محمّد حسين المظفّر أعلى الله درجته السامية في كتاب «تاريخ الشيعة»:

  • ما وجد الشيعة زمن محمّد الباقر عليه السلام تضييقاً شديداً من بني اميّة كما وجدوه فيما سبق على عصره. فكانوا يشدّون الرحال إليه للارتشاف من مناهل معارفه و علومه. و في أيّامه كثرت الرواة و الرواية عنه، و كانت الرواية عنه أكثر من آبائه السابقين عليهم السلام.

  • فانتشر الحديث الباقريّ في كلّ قطر، حتى أنّ جابر الجُعفيّ و هو من ثقات رواته و أعاظم نَقَلَة الحديث روي سبعين ألف حديث عنه فحسب.

  • و كان من حملة علوم أهل البيت، وَ عِلْمُهُمْ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إلَّا

    1. ولد عليه السلام بالمدينة سنة ٥۷ ه-. و كان بالطف و هو ابن أربع. و قُبض بسمّ هشام بن عبد الملك على يد عامله بالمدينة في السابع من ذي الحجّة ۱۱٤، أو ۱۱۷. و دُفِن بالبقيع مع عمّه و أبيه عليهم السلام.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

147
  • نَبِيّ أوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ،۱ كما في نصّ الحديث عنهم.

  • يقول جابر كما في الحديث عنه: عِنْدِي خَمْسُونَ ألْفَ حَدِيثٍ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا شَيْئاً كُلُّهَا عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ أهْلِ البَيْتِ.

  • و روى أيضاً محمّد بن مسلم عن الباقر خاصّة ثلاثين ألف حديث.

  • فما أعظمكم من رجال! كيف كانت أوعيتكم صالحة لتحمّل تلك المقادير العظيمة من علم أهل البيت ذلك العلم الصعب المستصعب. و لا بِدع فإنّ النَّاسُ مَعَادِنٌ.٢

  • و نبغ في زمنه من رجال الحديث علماء كان المعوّل على حديثهم بعد حين. و كانوا المقدّمين عند الإمام الصادق عليه السلام. يعطف عليهم،

    1. هذه الأحاديث كثيرة، و وردت بألفاظ مختلفه، و بلغت حدّ الاستفاضة. و ذكرها المجلسيّ رضوان الله عليه في ج ۱ من« بحار الأنوار»، ص ۱۱۷ إلى ۱٢٦ طبعة الكمبانيّ، تحت عنوان« باب إن حديثهم عليهم السلام صعبٌ مستصعبٌ و إن كلامهم ذو وجوه كثيرة و فضل التدبّر في أخبارهم و التسليم لهم و النهي عن ردّ أخبارهم». و الصعب هو الحيوان الشموس الذي لا يُرْكَب و لا يحمل عليه في مقابل الذلول و هو الحيوان السهل الانقياد.
      و المستصعب هو الحيوان الذي إذا رآه أحد يهرب منه خشية أذاه. فمعنى الحديث هو أنّ حديثنا صعب لا يناله أحد و مستصعب لا يتسنّى لكلّ شخص بحيث إنّه لا يحتمله إلّا مَلَكٌ مقرّب أو نبيّ مُرْسَل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. و ذكرنا بعض هذه الأخبار في الجزء الخامس من كتابنا هذا« معرفة الإمام» الدرس ٦٥ إلى ٦۷ و أوردنا توضيحاً أكثر في الهامش أيضاً.
    2. جاء هذا الحديث عن الرسول الأكرم مرسلًا في« جامع السعادات» ج ۱، ص ٢٤، طبعة النجف الأشرف، و لفظه: الناس معادنُ كمعادن الذهب و الفضّة، خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

148
  • و يرفق بهم. و جاءت عنه فيهم مدائح جليلة أمثال جابر، و محمّد بن مسلم، و زرارة و حمران ابنَي أعين، و ابن أبي يعفور، و بُريد العِجليّ، و سُدَير الصيرفيّ، و الأعمش، و أبي بصير، و معروف بن خَرَّبُوذ، و كثير غيرهم.

  • كما نبغ فطاحل من الشعراء بقيت آثارهم خالدة حتى اليوم أمثال الكُميت.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام جعفر الصادق عليه السلام

  • ۱

  • مُنيَ الإمام الصادق عليه السلام بمعاصرة الدولتين المروانيّة و العبّاسيّة و شاهد منهما معاً ضروب الأذى و التضييق. فكم أزعجوه من دار الهجرة (المدينة الطيّبة) يُحمل إلى فرعون أيّامه من دون جرم، سوى أنّه صاحب الخلافة و الإمامة حقّاً. فحُمل مرّة إلى الشام مع أبيه الباقر عليه السلام أيّام بني مروان، و إلى العراق عدّة مرّات في عهد بني العبّاس أبناء عمّه: مرّة في عهد السفّاح إلى الحيرة، و مرّات في عهد المنصور إلى الحيرة و إلى الكوفة و إلى بغداد.

  • و أحسن أيّام مرّت على الشيعة في عصره في الفترة التي امتزجت من اخريات دولة بني مروان و اوليات دولة بني العبّاس، في اشتغال اولئك بقتل بعضهم لبعض و بانتقاض البلاد عليهم، و هؤلاء بالحرب مع المروانيّين مرّة و بتطهير البلاد منهم و استتباب الأمن اخرى. فانتهز الشيعة هذه٢

  • معرفة الإمام ؛ ج۱٦ ؛ ص۱٦۱

    1. ولد عليه السلام بالمدينة سنة ۸۰ أو ۸٣ من الهجرة، و قُبض بالمدينة بسمّ المنصور على يد عامله على المدينة في الخامس و العشرين من شوّال، و قيل: في رجب من عام ۱٤۸ ه-. و قد ساعدني التوفيق فكتبتُ في أحواله كتاباً أخرجته مطابع النجف بجزئيه.
      ( المظفّر).
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

149
  • الفرصة- و الوقت فرص- للارتواء من مناهل علمه و عرفانه، فشدّوا الرحال إليه من كلّ حدب و صوب لأخذ أحكام الدين و المعارف عنه.

  • فَرُوي الحديث عنه في كلّ علم و فنّ، كما تشهد به كتب الشيعة. و لم تقتصر الرواية عنه على الشيعة فحسب، بل روت عنه سائر الفرق، كما تُفصح بذاك كتب الحديث و الرجال من الشيعة و من غيرهم.

  • و قد أحصى ابن عقدة، و الشيخ الطوسيّ طاب ثراه في كتاب رجاله، و المحقّق رحمه الله في «المعتبر»، و غيرهم مَن روى عنه من الشيعة و من غيرهم، فكانوا أربعة آلاف. و كان أكثر الاصول الأربعمائة مرويّة عنه.

  • و هذه الاصول هي الأساس لكتب الحديث الأربعة: «الكافي» لثقة الإسلام الكلينيّ،۱ و «من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق،٢ و «التهذيب»، و «الاستبصار» لشيخ الطائفة الطوسيّ،٣ طيّب الله مرقده.

  • و صارت الشيعة في غضون هذه الفترة تنشر الحديث، و تجهر بولاء أهل البيت عليهم السلام. و ربا عددهم في مختلف الجهات على مئات الالوف.

  • و لمّا قامت دعائم السلطان للمنصور، و عرف كثرة الشيعة في الآفاق،

    1. قُبض محمّد بن يعقوب الكلينيّ عام ٣٢۸ أو ٣٢٩ في شعبان عام تناثر النجوم.
      و هي سنة وفاة عليّ بن محمّد السَّمُريّ رضي الله عنه الذي انقطعت السفارة بموته، و وقعت الغيبة الكبرى. و كتابه« الكافي» من أهمّ كتب الشيعة.
    2. هو محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ نزيل الري. ورد بغداد عام ٣٥٥، و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السنّ، و له ثلاثمائة مؤلَّف. مات بالري رحمه الله عام ٣۸۱.
    3. هو محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ. ولد في شهر رمضان عام ٣۸٥، و قدم العراق عام ٤۰۸، و انتقل إلى النجف عام ٤٤۸، و مات فيها ليلة الاثنين ٢٢ من المحرّم عام ٤٦۰، و دُفن في داره. و هي اليوم مسجد. و له مؤلّفات كثيرة و كلّها مهمّة جليلة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

150
  • و تجاهرهم بالولاء لآل محمّد عليه و عليهم السلام، ضيّق على مصدر معارفهم و إمام عصرهم- الصادق- عليه السلام. حين علم أنّه يعسر عليه استئصال الشيعة لكثرتهم و انتشارهم في البلاد، فأراد أن يقطع الأصل، و به يكون جفاف الفرع. فكم حمله إلى العراق، و أوقفه بين يديه، يريد بذلك استنقاصه أمام الناس. و كم خاطبه بما يقصر القلم عن سطره.

  • و ما كفاه ما ارتكبه منه من تلك الأذايا و المكاره و المواقف التي يهتزّ لها العرش عظماً، دون أن دسّ إليه السمّ على يد عامله على المدينة. فمات روحي فداه قتيلًا بسمّ المنصور.۱

  • و ما اقتصر المنصور في فظيع أعماله على ما اجترحه من سيّد العلويّين- الصادق- بل سنّ الشفرة للعلويّين كافّة، فصبغ أرض الهاشميّة من دمائهم الطاهرة. و أكثر الفجائع في بغداد من إهلاك تلك الفِتْيَة الفَتِيَّة.

  • فخافته الشيعة، فانكمشت في بيوتها، و تستّرت بالتقيّة خشية من صارم عقابه. أ تراه يكفّ عن علويّ بعد أن اجترأ على سيّدهم، أو يعف عن شيعيّ بعد أن قضى على إمامهم؟!

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام الكاظم عليه السلام

  • قضى الإمام موسى الكاظم عليه السلام٢ أيّام إمامته٣ بين سجنين:

    1. اتّفقت الشيعة على ذلك. و ذكر ذلك كثير من مؤلّفي السنّة. انظر:« إسعاف الراغبين»، و« نور الأبصار»، و« تذكرة الخواصّ»، و« الصواعق المحرقة»، و غيرها.
    2. ولد عام ۱٢۸، أو ۱٢٩. و قُبض لخمس خلون أو بقين من رجب عام ۱۸٣، و دفن بمقابر قريش حيث قبره اليوم.
    3. جاءته الإمامة عام وفاة أبيه سنة ۱٤۸، فكانت أيّام إمامته خمساً و ثلاثين سنةً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

151
  • سجن داره بعيداً عن الناس خوفاً بني العباس، و سجن بني العبّاس الشديد الظلمة و الظلم. حتى أنّ الراوي إذا روى الحديث عنه لا يسنده إليه بصريح اسمه، بل بكناه مرّةً كأبي إبراهيم، و أبي الحسن، و بألقابه اخرى كالعبد الصالح، و العالم، و أمثالهما. و بالإشارة إليه تارةً كقوله: عن الرجل، إذ قلّما تجد اسمه الشريف صريحاً في حديث لشدّة التقيّة في أيّامه، و لكثرة التضييق عليه ممّن عاصره من العبّاسيّين كالمنصور، و المهدي، و الهادي.

  • و ما تربّع الرشيد على دست الملك إلّا و زجّه في أطباق السجون.

  • و بقي سلام الله عليه يحمل إلى السجن مرّةً، و يُطلق منه اخرى أربع عشرة سنةً، و هي مدّة أيّامه مع الرشيد.

  • و بهذه الأعمال القاسية أرهبوا العلويّة و أخافوا الشيعة. و كانت تطمح عيون الجميع إلى إمامهم السجين. و لم يجد عليه السلام منجى للطالبيّين، و خلاصاً للشيعيّين، أصوب من استسلامه للحكم العبّاسيّ القاسي. و ما كفى الرشيد ما ارتكبه من الإمام حتى دسّ إليه السمّ، و هو في حبس السندي بن شاهك، فمات روحي فداه في السجن قتيل الجور و الاعتساف.

  • و ذرّ الملح على الجرح أنّه لم يُسمح لأوليائه بتشييعه، بل أمر فحمله الحمّالون فوضعوه على الجسر. و نكأ القرحة بالنداء عليه: هَذَا إمَامُ الرَّافِضَةِ.

  • تلك أعمال لا تطفئ من العبّاسيّين لهب الحسد، و لا تنقص من شأن الإمام، و إنّما تكشف لنا عن قسوتهم ساعة الانتقام، و ذهولهم عن سياسة الأقلّيّات، و غفلتهم عن شحن القلوب عليهم حقداً و غيظاً، و النار تقدح بالزناد. و ما كانت النار خامدة، و إنّما الجمر تحت الرماد، على أنّ الإمام لا ذنب له عندهم سوى أنّه صاحب المقام حقّاً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

152
  • و لمّا شاهد سليمان بن جعفر عمّ الرشيد ما يصنع السنديّ بجنازة الإمام، أمر فأخذوها من أيدي الشرطة، و وضعها في الجانب الغربيّ، و أمر مناديه فنادى بالناس لحضور الجنازة و تشييعها. و أكثر الشيعة في بغداد تقيم في الجانب الغربيّ. و كانت محلّة الكرخ على سعتها كلّها شيعة. فهرع الناس فحملوه على الأعناق حتى أوصلوه إلى تربته الطاهرة من مقابر قريش.

  • و كانت قلوب الشيعة تغلي كالمراجل غيظاً على ما يصنعه الرشيد.

  • و لو لا ما كان من سليمان لأوشكت الفتنة أن تقع و أن يأخذوا الجنازة قهراً إلّا أن يكون الرشيد أميناً بضغطه و شدّته من وثبة الشيعة، حتى و إن كثر الضغط و الضرب عليهم.

  • و لعلّ انتباه سليمان إلى الخطر حمله على ذلك الصنع حتى مشى حافياً حاسراً خلف جنازة الإمام. فإنّ في ذلك إبراداً للغلل، و إطفاءً لللهب، و إخماداً للنائرة لو جار اشتعالها. أو لعلّ الرشيد أو عز إليه سرّاً أن يعمل ذلك بعد ما يقضي إربه. و عسى أن يكون فعل سليمان غَيرةً على ابن عمّه، و استياءً من ذلك الفعل الأشنع.

  • إن كثرة الشيعة ذلك اليوم في بغداد و سواها من بلاد العراق لجديرة بأن تقف حاجزاً دون إرهاق السلطات لهم و إنزال السوء بهم متوالياً، و لكن هل كانت تلك الضربات المتتابعة على رؤوسهم و شدّة الضغط عليهم أذهبت بقواهم؟ أو لأنّ التقيّة حملتهم على الاستسلام للقسوة؟ أو لأنّ عددهم بلا عدّة؟ أو لأنّ الإمام لا يرضى لهم الثورة لعلمه بأنّها لا تصل بهم إلى الغاية؟ أو لأنّهم بغير سائس و زعيم ينهض بهم فيقتحم بهم الأهوال؟

  • أحسب أنّ خلوّهم من الرئيس الناهض هو الذي أسلمهم إلى ذلك الخضوع. و من ثمّ تجد العراقين (الكوفة و البصرة) و الحرمَين (مكّة

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

153
  • و المدينة) و اليمن قد تمرّدت على الحكم العبّاسيّ أيّام المأمون عند ما وجد الناس زعماء من العلويّين يثبون بهم في وجوه بني العبّاس، و يحلّون عن عواتقهم نير ذلك الاستعباد.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام الرضا عليه السلام

  • ۱

  • إن السياسة الإلهيّة للأئمّة الأطهار عليهم السلام مع العبّاسيّين قضت بمسالمتهم، و التصبّر على أحكامهم الجائرة، لغاية إذاعة الحقّ. و لا يتسنّى ذلك إلّا إسراراً دون أن تشعر بذلك السلطات. و لا رحمة لهم عند بني العبّاس لو شعروا منهم بتلك الدعوة.

  • و لو لا تلك المسالمة لقُضي عليهم و على شيعتهم قبل أن تظهر منزلتهم و كراماتهم من فضائل و علوم و معارف. تلك التي نبّهت ذوي البصائر إلى أنّهم خزّان علم الرسالة و أهل بيت النبوّة.

  • و بهذه السياسة الإلهيّة، و تلك الكرامات الباهرة كثر أولياء أهل البيت. و بتلك المسالمة حُقنت دماؤهم بعض الشيء كما حفظت نفوس شيعتهم قدر الإمكان.

  • انبسط التشيّع على البلاد، و طمح كثير من الطالبيّين للنهضة، بل وثب محمّد بن إبراهيم من أولاد الحسن عليه السلام بالكوفة، و استفحل أمره حتى دُعي له بالبصرة و مكّة. و إبراهيم بن موسى بن جعفر عليهما السلام باليمن، و استولى على اليمن كلّه. و كان في مكّة الحسين بن الحسن

    1. ولد عليه السلام بالمدينة عام ۱٥٣، أو ۱٤۸. و قُبض بطوس في السابع عشر من صفر عام ٢۰٣ قتيلًا بسمّ المأمون. و دُفن فيها حيث قبره اليوم يُقصد من كلّ حدب و صوب.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

154
  • الأفطس. و بعد موت محمّد بن إبراهيم و داعيتهم أبي السرايا بالكوفة بايع الحسين محمّد بن جعفر الصادق عليه السلام و سمّاه أمير المؤمنين. بل لا تجد قطراً إلّا و فيه علويّ يُمنّي نفسه أو يُمنّيه الناس بالوثبة.

  • بل امتدّت جذور التشيّع حتى إلى البلاط الملكيّ. فكان الفضل بن سهل ذو الرئاستين وزير المأمون شيعيّاً، و طاهر بن الحسين الخزاعيّ قائد المأمون الذي فتح له بغداد و قتل أخاه الأمين شيعيّاً، و كثير سواهما. حتى أنّ المأمون خشى عاقبة هذين، فقتل الفضل، و ولّى طاهراً إمارة هرات.

  • و فعل ذلك مع أولاد طاهر فإنّهم بعد القيادة بوليهم إمارة هرات. و كانت الطاهريّة كلّها تتشيّع، كما يقول ابن الأثير في حوادث عام ٢٥۰، ج ۷، ص ٤۰.

  • و قال في حرب سليمان بن عبد الله الطاهريّ مع الحسن بن زيد الناهض بطبرستان: تَأثَّمَ سُلَيْمَانُ مِنْ قِتَالِهِ لِشِدَّتِهِ في التَّشَيُّعِ.

  • و بلغ من شأن طاهر أن كان له حرم ببغداد يأمن من دخله. و أن يخاطب دعبل المأمون من أجل ما كان لطاهر من الفتح بقوله:

  • إنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ سُيُوفُهُمْ *** قَتَلَتْ أخَاكَ وَ شَرَّفَتْكَ بِمَقْعَدِ

  •  *** 

  • كيف لا يخاف المأمون من طاهر؟!

  • إن المأمون من رجال الدهاء و السياسة. فلمّا رأى انتشار التشيّع في الآفاق. و ثبات العلويّين في أطراف البلاد، و سريان التشيّع إلى بلاطه، خشى من عقبى هذه النزعة العلويّة على سلطانه. فرأى أن يكيد لهذه الوثبات التي ظهر بها بعض العلويّين، و الكامنة في نفوس الآخرين.

  • إن الرضا عليه السلام ذلك اليوم إمام الشيعة و سيّد آل أبي طالب، فبعث إليه يستقدمه. و أظهر أنّه يريد أن يتنازل له عن العرش، و جعل

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

155
  • الأمر له في الحلّ و الترحال و اختيار الطريق. فجاء على طريق البصرة، فالأهواز، فنيسابور. و جعل طريقه عدّة شهور، ظهرت له في خلالها الكرامات الدالّة على إمامته. و كانت له من الآثار ما بعضها ماثل إلى اليوم.

  • فلمّا دخل خراسان و اجتمع به المأمون، أظهر المأمون للإمام أنّه يريد أن يتنازل له عن الخلافة لأنّه وجده أحقّ بها لفضله، فقال له الإمام:

  • إن كَانَتِ الخِلافَةِ حَقَّاً لَكَ مِنَ اللهِ فَلَيْسَ لَكَ أنْ تَخْلَعَهَا عَنْكَ وَ تُوَلِّيَهَا غَيْرَكَ! وَ إن لَمْ تَكُنْ لَكَ فَكَيْفَ تَهَبُ مَا لَيْسَ لَكَ؟!

  • فقال: إذَنْ تَقْبَلُ وِلَايَةَ العَهْدِ!

  • فَأبى عَلَيْهِ الإمَامُ أشَدَّ الإبَاءِ.

  • فقال له المأمون: مَا اسْتَقْدَمْنَاكَ بِاخْتِيَارِكَ! فَلَا نَعْهَدُ إلَيْكَ بِاخْتِيَارِكَ! فَوَ اللهِ إن لَمْ تَفْعَلْ ضَرَبْتُ عُنُقَكَ!

  • فلم يجد الإمام بدّاً من الاستسلام، غير أنّه اشترط على المأمون أن لا يتدخّل في شئون الدولة أبداً. فقبل المأمون منه ذلك، و أمر فبايع الناسُ الرضا عليه السلام بولاية العهد. و ضرب السكّة باسمه، و أجرى المراسيم الباهرة. و وفدت الشعراء للتهنئة، و أجزل لهم العطاء، و كتب إلى البلاد كلّها بأخذ البيعة بالولاية للرضا عليه السلام.۱

  • نجح المأمون بهذا التدبير من العهد للرضا عليه السلام. فهدأت بذلك نفوس الشيعة، و منّت أنفسها بأنّ الأمر سيعود لوليّه إمام الامّة. و قرّت شقشقة العلويّين، و اطمأنّت قلوب أوليائهم من القوّاد و الوزراء غير أهل الرأي و السياسة.

    1. كان ذلك في عام قدومه من المدنية، و هو عام ٢۰۱. و زوّجه بابنته امّ حبيبة في عام ٢۰٢، و قتله بالسمّ في الشهر الثاني من عام ٢۰٣.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

156
  • إن الإمام الرضا عليه السلام أخبر المأمون بما يكيده بهذه البيعة.

  • فاغتاظ لذلك المأمون و قال: مَا زِلْتَ تُقَابِلُنِي بِمَا أكْرَهُ!

  • إن الفطن من أرباب السياسة لا تخفى عليه المكيدة ذلك اليوم، فكيف بالرضا؟! و لكن ذلك التدبير يجهل مغزاه سواد الناس. و إذا هدأت فورتهم، فبمن ينهض الزعيم الثائر؟!

  • و لمّا بلغ الخبر العبّاسيّين ببغداد ساءهم فعل المأمون و جهلوا ما يرمي إليه، فاجتمعوا على خلعه، و البيعة لعمّه إبراهيم بن المهدي الشهير بالغناء.

  • و عند ما بلغ ما أراده المأمون من الكيد و سمّ الرضا، كتب إلى بني العبّاس ببغداد: إن الذي أنْكَرْتُمُوهُ مِنْ أمْرِ عَلِيّ بْنِ موسى قَدْ زَالَ وَ إن الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

157
  • ... ۱

    1. ذكر الطبريّ في« تاريخ الامم و الملوك» ج ۸، ص ٥٦٤ إلى ٥٦۸، طبعة دار المعارف، مصر؛ و ابن الأثير في« الكامل في التأريخ» ج ٥، ص ۱٩۱ إلى ۱٩٣، طبعة إدارة الطباعة المنيريّة؛ و ابن كثير في« البداية و النهاية» ج ۱۰، ص ٢٤۸ إلى ٢٥۰، في حوادث سنة ٢۰٢ و ٢۰٣، أنّ على بن موسى عليهما السلام أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة و القتال منذ قتل أخوه، و بما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار، و أنّ أهل بيته و الناس قد نقموا عليه أشياء؛ و أنّهم يقولون: إنّه مسحور مجنون، و أنّهم لمّا رأوا ذلك بايعوا لعمّه إبراهيم بن المهدي بالخلافة. فقال المأمون: إنّهم لم يبايعوا له بالخلافة؛ و إنّما صيّروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل. فأعلمه أنّ الفضل قد كذبه و غشّه، و أنّ الحرب قائمة بين إبراهيم و الحسن بن سهل، و أنّ الناس ينقمون عليك مكانه و مكان أخيه و مكاني و مكان بيعتك لي من بعدك! فقال: و مَن يعلم هذا من أهل عسكري؟ فقال له: يحيى بن معاذ، و عبد العزيز بن عمران، و عدّة من وجوه أهل العسكر! فقال له: أدخلهم عَليّ حتى اسائلهم عمّا ذكرتَ! فأدخلهم عليه؛ و هم يحيى بن معاذ، و عبد العزيز بن عمران، و موسى، و عليّ ابن أبي سعيد- و هو ابن اخت الفضل- و خلف المصريّ. فسألهم عمّا أخبره، فأبوا أن يخبروه حتّى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل؛ ألّا يعرض لهم. فضمن ذلك لهم، و كتب لكلّ رجل منهم كتاباً بخطّه، و دفعه إليهم. فأخبروه بما فيه الناس من الفتن، و بيّنوا ذلك له، و أخبروه بغضب أهل بيته و مواليه و قوّاده عليه في أشياء كثيرة، و بما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، و أنّ هرثمة إنّما جاء لينصحه و ليبيّن له ما يعمل عليه، و أنّه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه و من أهل بيته. و أنّ الفضل دسّ إلى هرثمة من قتله، و أنّه أراد نصحه ....
      فلمّا تحقّق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد. فلمّا أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنّتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط و حبس بعضاً، و نتف لحى بعض ... ثمّ ارتحل من مرو. فلمّا أتى سرخس شدّ قوم على الفضل بن سهل و هو في الحمّام، فضربوه بالسيوف حتى مات ... و هم غالب المسعوديّ الأسود، و قسطنطين الروميّ، و فرج الديلميّ، و موفّق الصقلبيّ. و هربوا. فبعث المأمون في طلبهم، و جعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار. فجاء بهم العبّاس بن الهيثم بن بزرجمهر الدينوريّ، فقالوا للمأمون: أنتَ أمرتنا بقتله! فأمر بهم فضربت أعناقهم ... ثمّ بعث إلى عبد العزيز بن عمران، و عليّ، و موسى، و خلف فساءلهم فأنكروه أن يكونوا علموا بشيء من ذلك. فلم يقبل ذلك منهم و أمر بهم فقُتلوا، و بعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط، و أعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل! و أنّه قد سيّره مكانه. و وصل الكتاب بذلك إلى الحسن فهاج و اضطرب حتى شُدّ في الحديد و حُبس في بيتٍ. و لمّا شخص المأمون من سرخس، توجّه إلى طوس و أقام عند قبر أبيه أيّاماً. ثمّ إن عليّ بن موسى الرضا أكل عنباً فأكثر منه، فمات فجأةً؛ و ذلك في آخر صفر. فأمر به المأمون فدُفن عند قبر الرشيد.( و خيّم عند القبر ثلاثة أيّام، و لم يطعم غير الماء و الخبز و الملح الجشب. و سار خلف الجنازة حافياً، و هو يقول:
      مَنْ لي بَعْدَكَ يَا أبَا الحَسَنِ؟! و دفن المأمون الرضا. و كتب في شهر ربيع الأوّل إلى الحسن ابن سهل يعلمه أنّ عليّ بن موسى بن جعفر عليهم السلام مات، و يُعلمه ما دخل عليه من الغمّ و المصيبة بموته. و كتب إلى بني العبّاس و الموالي و أهل بغداد يعلمهم موت عليّ بن موسى، و أنّهم إنّما نقموا بيعته له من بعده، و يسألهم الدخول في طاعته. و هنا نقف على غدر المأمون و كيفيّة قتله للفضل بن سهل في حمّام سرخس، و قتل قاتليه الأربعة مع أربعة أبرياء غيرهم لإخفاء جريمته، ثمّ أرسل رؤوسهم كقاتلين إلى أخي المقتول: الحسن بن سهل، و استوزره، و أعلمه بحزنه و غمّه لقتل الفضل. ثمّ سمّ الإمام الرضا عليه السلام بالعنب المسموم و سار خلف جنازته قائلًا: مَنْ لي بَعْدَكَ يَا أبَا الحَسَنِ! و من المناسب أن ننقل هنا قصّة دخوله على زبيدة امّ أخيه الأمين بعد مقتل ولدها الأمين، و بكائهما معاً. و تظاهره أمامها أنّه بريء من قتله. و كانت قد عرفت ذلك، لأنّها علّمت جواري ولدها محمّد شعراً يغنّينه بحضور المأمون. قال محمود جار الله الزمخشريّ في كتاب« ربيع الأبرار و نصوص الأخبار» ج ٤، ص ٢٦٤: دخل المأمون على زبيدة ۱ يعزّيها عن الأمين فتباكيا طويلًا و تبرّأ من قتله. فأقسمت عليه ليتغدّينّ عندها. فلمّا فرغ من الغداء أخرجت إليه من جواري محمّد مَن تغنّيه فأومأ إلى وحدة، فغنّت بقول الوليد بن عقبة: ٢

      هُم قَتَلوه كيْ يكونوا مَكانَه--كَمَا غَدَرَتْ يوماً بِكِسْرى مَرَازِبُه
      فَإلّا يكونوا قاتليه فإنَّه--سَوَاءٌ عَلينا مُمْسِكاه و ضاربُه
      --

      ( ۱) قال الدكتور سليم النعيميّ في الهامش: هي زبيدة ابنة جعفر امّ محمّد الأمين.
      ( ٢) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط. و هذا الشعر يقوله في رثاء عثمان. و ورد البيت الثاني في« الأغاني»:

      بَنِي هاشم لا تَعْجَلوا بِإفَادَةٍ--سواءٌ علينا قاتلوه و سَالِبهُ
      --

      و في رواية:
      * بني هاشم لا تعجلونا فإنَّهُ*

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

158
  • و كان المأمون يُحضر للرّضا عليه السلام العلماء ليناظروه. و هكذا كان يعمل مع ابنه الجواد عليه السلام. يظهر بذلك أنّه يريد أن يُعلم الناس ما لهما من فضل، وَ لَكِنَّهُ يَدُسُّ السَّمَّ في العَسَلِ. لأنّه كان يرجو أن يعثرا و لو مرّة في جواب مسألة ليجعله ذريعة للحطّ من كرامتهما و إنقاصهما أمام الناس و الشيعة. و بذلك يرجو أن ينصرفوا عن ولائهما و الحبّ لهما، إلّا أنّهما كانا لا يزدادان إلّا سناءً و مكانة. و ظهر للناس أنّهما معدن العلم و أهل الخلافة، و غصنان من شجرة النبوّة الباسقة.

  • كان المأمون يريد أن ينقص الرضا بتلك المناظرات، و يحطّ من قدره بولاية العهد، و يرى الناس أنّ الدنيا زاهدة فيه. و أنّه لو كان زاهداً فيها لما قبل العهد بالولاية. فصار الأمر على خلاف ما يحتسبه المأمون.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

159
  • فإنّ المحاججات رفعت شأو الرضا العلميّ. و تطلّع الناس لليوم الذي يستلم فيه مقاليد الامور.

  • نجح المأمون في تدبيره السابق، و فشل في تدبيره اللاحق. و خشى أن يستفحل الأمر، و يُصبح أكثر الناس شيعة للرضا، فيكون ملكه عرضة للخطر، فاحتال عليه بالسمّ و دسّه إليه في عنب، فقضى عليه السلام سميماً بطوس، و دفن بها في قبّة هارون أمام قبره، فاندرس قبر هارون، و ظهر قبر الرضا، و صار مقصداً لزوّار الشيعة من أطراف البلاد و شاسع الأمصار.

  • و في عهد الرضا عليه السلام نشطت الشيعة و جاهروا بالولاء، و علت كلمتهم، لا سيّما أنّ المأمون كان جهيراً به يجمع أرباب الكلام و يناظرهم في خلافة أمير المؤمنين، و يقطع حججهم بصارم براهينه. و لكنّه بعد أن سمّ الرضا، و هدأت أجراس العلويّة و الشيعة، أوصد ذلك الباب كأن لم يكن ذلك الحجاج و تلك الحجج.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام الجواد عليه السلام

  • ۱

  • مات أبو الحسن الرضا عليه السلام، و أبو جعفر الجواد عليه السلام ابن سبع سنين. فتهافتت الشيعة عليه يستقون من سائغ نميره شأنهم مع آبائه. و ما حال صغر السنّ دون ارتشافهم من غامر علمه، لأنّ الإمامة الإلهيّة لا فرق فيها بين ابن سبع أو سبعين ما دامت منابعها تستمدّ من العلّام

    1. كانت ولادته في العاشر من رجب سنة ۱٩٥ كما قيل. و قُبض مسموماً في ذي القعدة أو ذي الحجّة من سنة ٢٢۰، فيكون عمره يوم وفاته ٢٥ سنة، و دُفن إلى جنب جدّه الكاظم عليهما السلام.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

160
  • جلّ شأنه، كما هو شأن النبوّة. فهذا عيسى كلّم الناس و هو في المهد. و هذا يحيى أخذ الكتاب بقوّة و آتاه الله الحكم، و هو صبيّ.

  • إن المأمون لا يجهل ذلك الشأن من الإمام و لا رأي الشيعة فيه.

  • فاقتضت سياسته أن يرفع مكانة أبي جعفر عليه السلام و يعظّم شأنه، كما تظاهر قبل هذا مع أبيه أبي الحسن عليه السلام فاستدعاه من المدينة مكرّماً إلى بغداد و أظهر له من العناية ما استفزّ بني العبّاس حتى خافوا أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه من قبل. و لكنّهم جهلوا ما يقصده وراء ذلك الإكرام، و جهلوا أنّ السياسة ألوان، و أنّ لكلّ عهدٍ عملًا و لوناً، فاستمرّوا في ملامته، و استمرّ في كيده حتى زوّجه بابنته امّ الفضل، و هي التي قتلته بالسمّ بإشارة من المعتصم، فكأنّه ادّخرها للجواد لمثل هذا اليوم.

  • كثر إلحاح بني العبّاس على المأمون على أن يصرفوه عن تزويجه بابنته، و عن رفع مقامه و هو لا يعبأ بهم، فقالوا: دَعْهُ حتى يَتَأدَّبَ فَإنَّهُ صَبِيّ! فأحضر له العلماء و الفقهاء ليناظروه، فيظهر له من الفضل ما يقطع ألسنتهم. فكان من الجواد مع يحيى بن أكثم ما هو مسطور في كتب التأريخ و الحديث و الفضائل، و ما هو قاطع للحجّة و لذارب الألسنة من بني العبّاس، و ما بلغ أبو جعفر ذلك اليوم العاشرة.

  • و لا أدري كيف بلغ الجهل ببني العبّاس إلى ذلك الحدّ، فقد سبق من المأمون مع الرضا عليه السلام و منهم في لومه ما دلّ على نجاحه في سياسته و كيده، و خطأهم في تأنيبه. فكيف عادوا إلى تفنيده حين عاد إلى إظهار الإعزاز لأبي جعفر عليه السلام؟! و لا أدري كيف لم ينتبهوا إلى مراميه في أعماله و لها أمثال سابقة؟! و كيف يأملون أن يكشف لهم عن نواياه في فعله؟! و السياسة إن ظهرت للعيان استفزّت من يراد به الكيد، و نبّهت مشاعره. و إذا أخذ الحيطة لنفسه، كيف تعمل فيه تلك المكيدة؟! (هذا على

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

161
  • عكس منهج السياسة تماماً. فقوام السياسة إخفاء المكر و الخديعة). و إذا ظهر للعلويّة و الشيعة القصد من مراميه في إجلاله لأبي جعفر عليه السلام لم يحتفلوا بما يصنع، فلا يثبّطهم عن الوثبة في وجهه.

  • عاد الجواد عليه السلام إلى المدينة، و بقي بها مقصداً لأوليائه إلى أن اعتلى المعتصم منصّة الحكم سنة ٢۱۸، فاستدعى الجواد و معه زوجته امّ الفضل، و قد علم بانحرافها عن أبي جعفر فأرادها ذريعة لنفوذ تدبيره في أبي جعفر. و لم يكن المعتصم شقيق المأمون في دهائه و لا رضيع لبانه في سياسته. و من ثمّ انتفضت عليه كثير من البلاد، و خلعوا ربقة الطاعة، و استقلّوا بالأمر. فكان لقرب غوره يضيّق على الجواد مرّة، و يوسّع عليه اخرى، و يحبسه مرّة و يطلقه تارة.

  • و كان يجمع له العلماء ليحاججوه زعماً منه أن يجد له زلّة يؤاخذه فيها أو يسقط مقامه بها. و زوّر عليه مرّة كتباً تتضمّن الدعوة لبيعته، فلا يكون مغبّة ذلك إلّا إعلاء شأن أبي جعفر و إظهار الكرامة و الفضل له.

  • فكان المعتصم لا يزداد لذلك إلّا حنقاً و غيظاً، و لا يقوى على كتمان ما يسرّه من الحسد و الحقد، فحبسه مرّة. و ما أخرجه من السجن حتى دبّر الأمر في قتله. و ذلك أن قدّم لزوجته ابنة المأمون سمّاً، و حملها على أن تدفعه للإمام فأجابته إلى ما أراد.

  • فمات قتيلًا بسمّ المعتصم. و عند ما شاهدت أثر السمّ قد بان في بدن الإمام، تركته وحيداً في الدار، حتى قضى نحبه، و احتشدت الشيعة على الدار و استخرجوا جنازته، و السيوف على عواتقهم. و قد تعاقدوا على الموت، لأنّ المعتصم حاول أن يمنعهم عن تشييعه.

  • و تعرف من مثل هذه الحادثة كثرة الشيعة ذلك اليوم في بغداد، و قوّتهم على المراس. و من كثرة الرواة منهم تعرف كثرة العلم فيهم. و من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

162
  • كثرة الحجاج و الجدال لا سيّما في الإمامة تعرف قوّة الحجة عندهم، و قوّة الكفاح عن المذهب، و اتّضاح أمرهم.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام عليّ الهاديّ عليه السلام

  • ۱

  • قضى الجواد نحبه، و الهاديّ ابن ستّ أو ثمان كما جاءت الإمامة أباه و هو ابن سبع. فكان موئل الشيعة و مرجعهم و منهل و رّاد العلم و مرتع روّاده، فنهلوا من مشرعته، و رتعوا الخصب من ربيعه، كما كان حالهم مع آبائه الغُرّ. و هذا أمر يسترعي الانتباه، و يستلفت الأنظار.

  • أ يُحسن ابن هذه السنّ من الناس القراءة و الكتابة دون أن يكون له شيء من معرفة أو علم؟!

  • فكيف يكون جامعة العلوم لا يُسأل عن شيء إلّا و الجواب لديه حاضر؟ و لا يبتدئ في البيان عن مسألة إلّا و أبهر العقول فيما يبديه! أ يجوز هذا في غير من ألهمه الله العلم و العرفان؟! و لو كان على غير تلك الحال من العلم الإلهيّ، لما انقادت إليه خاضعة شيوخ الفضل و العلم، و أخذت عنه أخذ مأموم عن إمام، و رأت فيه أنّه الحجّة من الله و المعصوم عن الرجس، و العالم بكلّ شيء. و لو لم يكن كما رأوه و شاهدوه لكذّبت الحوادث و الامتحانات ذلك الرأي و العقيدة فيه.

  • بقي الهاديّ عليه السلام في المدينة، و الشيعة نافرة إليه للتفقّه في الدين و اغتنام محاسن الأخلاق حتى سنة ٢٣٦. و كانت ناصية الحكم يومئذٍ

    1. ولد بالمدينة في رجب أو ذي الحجّة من سنة ٢۱٢ أو ٢۱٤. و قُبض مسموماً بسامرّاء في رجب أو جمادى الآخرة من سنة ٢٥٤، و دُفن في داره حيث قبره اليوم.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

163
  • بِيَدِ المتوكّل، و هو شديد البغض لعليّ و لأهل بيته عليهم السلام. و زاد في الطين بلّة أنّه احيط بندماء قد اشتهروا بالنصب و البغض لعليّ. منهم: عليّ ابن الجَهم الشاعر الشاميّ من بني شامة، و عمرو بن فرُّخ الرَّخجِيّ، و أبو السِّمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني اميّة، و عبد الله بن محمّد بن داود الهاشميّ المعروف بابن اتْرُجَة. و كانوا يخوّفونه من العلويّين، و يشيرون عليه بإبعادهم و الإعراض عنهم و الإساءة إليهم. ثمّ حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علوّ منزلتهم في الدين، و لم يبرحوا به حتى ظهر منه ما هو معروف.

  • و ممّا ذكره ابن الأثير في حوادث سنة ٢٣٦، في تاريخه، ج ۷، ص ۱۸؛ و ابن جرير في ج ۱۱، ص ٤٤؛ و صاحب «فوات الوفيّات» ج ۱، ص ۱٣٣، فعله بقبر الحسين عليه السلام من الهدم و الحرث و البذر و السقي و منع الناس من زيارته إلى غير ذلك ممّا هو مشهور عنه. و قال صاحب «فوات الوفيّات»: و كان معروفاً بالنصب فتألّم المسلمون لذلك. و كتب أهل بغداد شتمه على الحيطان. و هجاه دِعْبل الخُزاعيّ و غيره. و في ذلك يقول ابن السِّكِّيت، و قيل: هي للبَسَّاميّ:

  • تَاللهِ إن كَانَتْ امَيَّةُ قَدْ أتَتْ *** قَتْلَ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهَا مَظْلُومَا

  • فَلَقَدْ أتَتْهُ بَنُو أبِيهِ بِمِثْلِهِ *** فَغَدَا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُومَا

  • أسِفُوا عَلَى أنْ لَا يَكُونُوا شَارَكُوا *** في قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رَمِيمَا

  •  *** 

  • و ما اقتصر على ما فعله بقبر الحسين عليه السلام من الإساءة لأهل البيت و أوليائهم بل جَدَّ في النيل من العلويّة نسباً و مذهباً. و استقدم أبا الحسن الهاديّ عليه السلام من المدينة إلى سامرّاء في سنة ٢٣٦، و أبقاه في سامرّاء يتعاهده بالأذى و السوء كما يتعاهد المحبّ حبيبه بالتحف و الطرف.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

164
  • و قد وجد أعداء آل محمّد انحراف المتوكّل عنهم ذريعة للإساءة إلى أبي الحسن عليه السلام، فسعوا به إلى المتوكّل، و أخبروه أنّ في منزله سلاحاً و كتباً و غيرها من شيعته. فوجّه إليه ليلًا من هجم عليه الدار على غرّة، فوجدوه في بيت وحده، و عليه مدرعة من شعر، و على رأسه ملحفة من صوف و لا بساط في البيت إلّا الرمل و الحصى متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد. فاخذ على ما وُجد و حمل إلى المتوكّل.۱

  • و ما كان ذلك بأوّل سعي و لا أوّل هجوم على داره من المتوكّل.

  • و كلّما أغراه اولئك النواصب خفّ به بغضه إلى الإجابة لسعيهم، و إن وجد كذب ما قالوه.

  • فكان المتوكّل دائباً على ذلك الأذى، و تلك الإساءة لأبي الحسن من دون رحمة و لا هوادة، إلى أن قتله ابنه المنتصر انتقاماً لأمير المؤمنين عليه السلام لما شاهده منه و من الفتح بن خاقان و جلسائه من المسّ بكرامة المرتضى عليه السلام و الاستخفاف بحرمته.

  • و ما زال الهاديّ عليه السلام مقيماً في سامرّاء إلى أن مات مسموماً بها بسمّ المعتزّ العبّاسيّ سنة ٢٥٤. فكانت مدّة إقامته فيها ثمان عشرة سنة يتجرّع غصص الآلام من بني العبّاس، من مَلِكٍ لآخر. و كان أكثر أيّامه سجين الدار لا يصل إليه شيعته إلّا اختلاساً على كثرة الشيعة في هذا العهد، و كثرة احتياجهم إلى رؤية الإمام و أخذ معالم الدين عنه. و كان جلّ استفاداتهم منه بتوسّط رجال معدودين من قوّامه يتردّدون عليه. و ربّما قصدوا الشيعة في بلادهم.

    1. انظر:« تاريخ أبي الفداء» ٤۷: ٣؛ و« مروج الذهب» ٢٦٥: ٢.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

165
  • و في هذا العصر كان صوت التشيّع جهيراً، و علماؤه تناضل و تناظر.

  • و كثرت التاليف في كلّ علم، و اتّسعت في الأخلاق و الكلام خاصّة.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام العسكريّ عليه السلام

  • ۱

  • جاء الحسن العسكريّ عليه السلام من المدينة مع أبيه الهاديّ عليه السلام يوم استقدمه المتوكّل. و ما زال مع أبيه إلى أن التحق أبوه بالرفيق الأعلى. و بقى هو مدّة إمامته القصيرة في سامرّاء. و قضى أيّام حياته التي في سامرّاء في نكد و أذى، فكان شريك أبيه الهاديّ فيما أصابه. و انفرد بعد أبيه فيما قصده به العبّاسيّون من سوء. و كان حالهم معه من الإساءة و الغضّ من مقامه و التضييق عليه و السجن كحالهم مع أبيه، دون أن يلاقي منهم فسحة أو إرفاقاً.

  • و الشيعة في أيّامه كحالها مع أبيه. و أصبحت قم في عهده و عهد أبيه من قبل عاصمة كبرى من عواصم العلم الشيعيّة. و فيها من رواتهما ما لا عدّ له، و من المؤلّفين في الحديث و فنون العلم جمّ غفير.

  • و كان في سامرّاء و ما جاورها من الشيعة عدد لا يستهان به. و في بغداد خلق كثير. و كانت المدائن يومئذٍ عامرة، و للتشيّع فيها القِدْحُ المُعَلَّى.٢ و ما زالت المواصلات بينهم و بين الإمام متوالية. و لعلّ سلمان

    1. ولد في ربيع الثاني سنة ٢٣۱، أو ٢٣٢، و قُبض في سامرّاء لثمان خلون من ربيع الأوّل على الأشهر سنة ٢٦۰، و دُفن مع أبيه في دارهما. فكانت أيّام إمامته ستّ سنين، و عمره ٢۸ أو ٢٩ سنة. فهو أصغر الأئمّة بعد الجواد عمراً.
    2. القِدح بكسر القاف و سكون الدال السهم قبل أن يُنصل و يراش. و يقال لسهم الميسر( القمار) قِدح أيضاً. و المُعَلَّى سابع سهام الميسر و مداه أبعد من سائر السهام. و كان ضرب من الميسر في الجاهليّة يقال له: الأزلام. و هو أنّهم كانوا يشترون البعير بثمنه و يقامرون عليه، حيث كان يجتمع منهم ثمانية، و يضعون ثماني قداح في خريطة و يكتبون على واحد منها« سهم واحد»، و على الآخر« سهمان» و هكذا حتى يكتبوا على السهم السابع« سبعة أسهم». و لكلّ منها اسم خاصّ به، مثلًا اسم السهم السابع المعلّى. و يكتبون على السهم الثامن:« بلا سهم». ثمّ يقسّمون العبير إلى ٢۸ سهماً، أي: إلى سبعة أسهم، و ستّة، و خمسة، حتى سهم واحد فيصبح المجموع ٢۸ سهماً. فيأتي المقامرون الثمانية إلى الخريطة، و يستخرجون القِداح، فالمكتوب عليها عدد واحد يأخذ سهماً واحداً، و المكتوب عليها اثنان يأخذ سهمين. و هكذا فالذي يأخذ العدد( ۷) يأخذ سبعة أسهم من البعير، و هي الحصّة الأكبر من بين الحصص. أمّا الذي يرفع القدح المكتوب عليها« بلا سهم» فيخسر في هذا القمار، و ما عليه إلّا أن يدفع ثمن البعير كلّه. و في هذا الضرب من القمار يفوز سبعة بأسهم متفاوتة، و يخسر واحد منهم. و لمّا كانت أعلى حصّة للسهم السابع، لهذا يُعَبَّر عنه القِدْحُ المُعَلّى. و يستعمل عند العرب لصاحب النصيب الأعظم. و يقول المرحوم المظفّر في هذه العبارة: القسط الأتمّ و الأكمل في التشيّع كان من نصيب أهل المدائن الذين تربّوا على يد سلمان الفارسيّ و حذيفة بن اليمان.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

166
  • الفارسيّ أوّل مَن وضع فيها حجر التشيّع. و بني عليه حذيفة بن اليمان.

  • و لا تسل عن الكوفة في ذلك اليوم، بل و فيما قبله و ما بعده، فإنّها من أكبر مدن الشيعة في الولاء ... و ما زال العبّاسيّون على حالهم مع الإمام العسكريّ عليه السلام إلى أن اغتاله المعتمد العبّاسيّ بالسمّ. و ما زال الشيعة على ذلك الشأن إلى أن قبض الإمام عليه السلام.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في عصر الإمام المهديّ عليه السلام

  • كان مولد الإمام المهديّ عجّل الله فرجه يوم الجمعة في النصف من شعبان سنة ٢٥٥.۱ و كان الإمام العسكريّ عليه السلام يخاف عليه و يحتفظ

    1. ذكر ولادته عدّة من أهل السنّة. انظر: ابن خلّكان في ترجمته؛ و ابن حجر في« الصواعق» ص ۱۰۰ و ۱۱٤؛ و محمّد بن طلحة الشافعيّ في« مطالب السئول» ص ۸٩، طبعة إيران؛ و« ينابيع المودّة»؛ و« الفصول المهمّة» لابن الصبّاغ المالكيّ في الفصل الثاني عشر؛ و« كفاية الطالب» لمحمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ؛ و« البيان في أخبار صاحب الزمان» لمحمّد المذكور؛ و« تذكرة الخواصّ» لسبط بن الجوزيّ، ص ٢۰٤؛ و« اليواقيت» لعبد الوهّاب الشعرانيّ، في المبحث الخامس و الستّين، و كتابه بمنزلة الشرح ل-« الفتوحات المكّيّة» لمحيى الدين بن عربي؛ و« سبائك الذهب» للسويديّ البغداديّ، ص ۷٦؛ و« عمدة الطالب» ص ۱۸٦؛ و ابن الأثير، ج ۷، ص ٩۰؛ و« تاريخ أبي الفداء» ج ٢، ص ٥٢، إلى كثير سواهم. و قد ذكر العلّامة المبرور الشيخ الميرزا حسين النوريّ في كتابه« كشف الأستار» كثيراً من أهل السنّة ممّن ذكر ولادته و حياته و وجوده. و نقل عن بعضهم أنّه اجتمع به و روى عنه.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

167
  • به، و لا يسمح لكلّ أحد بمشاهدته. و ما رآه أيّام أبيه إلّا النزر من الشيعة.

  • و كيف لا يهمّه المحافظة عليه و هو آخرهم، و به إحياء الشيعة، وَ بِهِ يَمْلُا اللهُ الأرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا؟! و كيف لا يخشى عليه و بنو العبّاس يرتقبون ولادته ليقضوا عليه؟! فكانت غيبته الصغرى من يوم مولده. و هذا لا يختلف فيه اثنان من الشيعة. و أشار إليه بعض أهل السنّة أيضاً مثل ابن الصبّاغ المالكيّ في كتابه «الفصول المهمّة»، في الفصل الحادي عشر في اخريات ترجمة الإمام العسكريّ عليه السلام.

  • قال: «و خلف أبو محمّد الحسن من الولد ابنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحقّ. و كان قد أخفى مولده و ستر أمره لصعوبة الوقت، و خوف السلطان، و تطلّبه للشيعة و حبسهم و القبض عليهم».

  • و لمّا قضى أبو محمّد الحسن عليه السلام، جدّ المعتمد العبّاسيّ في العثور على الإمام المهديّ، حتى حبس جواري العسكريّ، و جعل عليهنّ الرصد خشية أن يكون عند إحداهنّ حمل من الإمام، فأخفاه الله عنه و عن أعدائه ليوم يريد به أن يطهّر الأرض من الجور و الطغيان و الشرك،

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

168
  • و يستبدل عنها العدل و الأمن و الإيمان.

  • و بعد أبيه العسكريّ عليهما السلام جعل بينه و بين الشيعة سفراء أربعة، و هم عثمان بن سعيد العُمَريّ، و كان من وكلاء جدّه و أبيه؛ و ابنه محمّد بن عثمان، و كان من وكلاء أبيه أيضاً؛ و الحسين بن روح النوبختيّ؛ و عليّ بن محمّد السَّمُريّ.۱

  • و تنتقل السفارة لأحدهم بعد موت الآخر. فكانت لمحمّد بعد أبيه، ثمّ للحسين بعد محمّد، ثمّ لعليّ السمريّ بعد الحسين. و بعد موت السمريّ سنة ٣٢٩ انقطعت السفارة. و كان مسكنهم جميعاً ببغداد، و بها مواضع قبورهم. و هي اليوم معروفة و تُزار.

  • و كان هؤلاء السفراء وسطاء بين الشيعة و الإمام لحمل أسئلتهم إليه و أخذ الجواب منه بتوقيعه إليهم. و السفير هو استاذ التدريس في وقته، يحمل إلى و رّاد العلم علوم الإمام الغائب. و من بعدهم انقطع الوصول إليه و الأخذ عنه رأساً، و انحصر أخذ الأحكام بالاجتهاد.

  • و كان للإمام عليه السلام في هذه الغيبة الصغرى وكلاء كثيرون في بغداد و غيرها، غير أنّ السفارة مختصّة بهؤلاء الأربعة المعروفين بالنُّوّاب.

    1. كان عثمان بن سعيد من قوّام العسكريّين و وكلائهما. و يلقّب بالسَّمَّان كما يلقّب بالعمريّ. و خرج التوقيع من الحجّة بسفارته و لم تطل أيّامه. ثمّ خرج التوقيع بسفارة ابنه محمّد، و كان من قبل وكيلًا لأبي محمّد العسكريّ. و كانت وفاته في آخر جمادى الاولى سنة ٣۰٤ أو ٣۰٥. ثمّ خرج التوقيع أيّام حياة محمّد بسفارة الحسين من بعده، و هو من بني نوبخت. و كانت وفاته في شعبان سنة ٣٢٦. و في أيّام الحسين خرج التوقيع بسفارة السَّمُريّ من بعده. و لمّا توفّى السمريّ سنة ٣٢٩ لم يخرج التوقيع بسفارة أحد. بل ذكر الشيخ في كتاب« الغيبة» ص ٢٥۷ أنّ توقيعاً خرج على يد السمريّ يعزّي فيه الشيعة بموته، و يذكر فيه انقطاع السفارة بعده و وقوع الغيبة الكبرى.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

169
  • كما ادّعى جماعة الوكالة و النيابة عنه جاء التوقيع منه بتكذيبهم و البراءة منهم. (انظر: «الغيبة» للشيخ الطوسيّ، ص ٢۸٥ إلى ٢۷٢).

  • و في أيّام الغيبة الصغرى كان التشيّع كنور على عَلَم، لا سيّما في العراق و إيران. و كانت بغداد و قم مهبط طلّاب العلم، و فيهما أساتذة الدراسة و رجال التاليف.

  • مسار العلوم و تأريخ الشيعة في الغيبة الكبرى

  • انتهت الغيبة الصغرى بموت السمريّ رضوان الله عليه سنة ٣٢٩.

  • و بعدها وقعت الغيبة الكبرى، و عنها يخرج عجّل الله فرجه و سهّل مخرجه. و الفارق بين الغيبتَين أنّ الصغرى توفّق لمشاهدته و الاجتماع به خواصّ مواليه. و في هذه الكبرى التي نحن فيها لا يتوفّق لذلك إلّا خواصّ الخواصّ.

  • وَفَّقَنَا اللهُ تَعَالَى لِمُشَاهَدَةِ تِلْكَ الطَّلْعَةِ الرَّشِيدَةِ، وَ الغُرَّةِ الحَمِيدَةِ، وَ جَعَلْنَا مِنْ أنْصَارِهِ وَ أعْوَانِهِ في غَيْبَتِهِ وَ عِنْدَ ظُهُورِهِ، إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.۱

    1. «تاريخ الشيعة» لآية الله الشيخ محمّد حسين المظفّر، ص ٤٢ إلى ٦٦.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

171
  •  

  •  

  • الدَّرْسُ الحَادِي وَ الارْبعُونَ بَعْدَ المائَتَين إلى الخَامِسِ وَ الخَمْسِينَ بَعْدَ المَائَتَينَ: مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ العِلْمِيَّةِ مَصْدَرُ إشْعَاعٍ دَائِمٍ عَلَى المَعْمُورَةِ

  •  

  •  

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

172
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • و لا حول و لا قوة إلّا بالله العليّ العظيم

  •  

  •  

  • الكلمة الطيّبة هي حقيقة الولاية

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.۱

  • قال سماحة استاذنا الأعظم آية الله العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ تغمّده الله أعلى درجات جنانه في تفسيره المبارك: و الذي يعطيه التدبّر في الآيات أنّ المراد بالكلمة الطيّبة التي شُبِّهت بشجرة طيّبة من صفتها كذا و كذا هو الاعتقاد الحقّ الثابت، فإنّه تعالى يقول بعد و هو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل:

  • يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.٢ و القول هو الكلمة و لا كلّ كلمة بما هي لفظ، بل بما هي معتمدة على اعتقاد و عزم يستقيم عليه

    1. الآيتان ٢٤ و ٢٥، من السورة ۱٤: إبراهيم.
    2. الآية ٢۷، من السورة ۱٤: إبراهيم.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

173
  • الإنسان و لا يزيغ عنه عملًا.

  • و قد تعرّض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله: إن الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.۱

  • و قوله: إن الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.٢ و قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.٣

  • و هذا القول و الكلمة الطيّبة هو الذي يرتّب تعالى عليه تثبيته في الدنيا و الآخرة أهله، و هم الذين آمنوا. ثمّ يقابله بإضلال الظالمين و يقابله بوجه آخر بشأن المشركين. و بهذا يظهر أنّ المراد بالممثّل هو كلمة التوحيد و شهادة أن لآ إلَهَ إلَّا اللهُ حقّ شهادته.

  • فالقول بالوحدانيّة و الاستقامة عليه هو حقّ القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كلّ تغيّر و زوال و بطلان، و هو الله عزّ اسمه أو أرض الحقائق.

  • و له فروع نشأت و نمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقّة فرعيّة و أخلاق زاكية و أعمال صالحة يحيى بها المؤمن حياته الطيّبة و يعمر بها العالم الإنسانيّ حقّ عمارته. و هي التي تلائم سير النظام الكونيّ الذي أدّى إلى ظهور الإنسان بوجوده المفطور على الاعتقاد الحقّ و العمل الصالح.

  • و الكُمَّل من المؤمنين و هم الذين قالوا: ربّنا الله ثمّ استقاموا فتحقّقوا بهذا القول الثابت و الكلمة الطيّبة مثلهم كمثل قولهم الذي ثبتوا لا يزال

    1. الآية ۱٣، من السورة ٤٦: الأحقاف.
    2. الآية ٣۰، من السورة ٤۱: حم السجدة.
    3. الآية ۱۰، من السورة ٣٥: فاطر.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

174
  • الناس منتفعين بخيرات وجودهم و منعّمين ببركاتهم. و كذلك كلّ كلمة حقّة و كلّ عمل صالح مثله هذا المثل، له أصل ثابت و فروع رشيدة و ثمرات طيّبة مفيدة نافعة.

  • فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيّده التعبير بكلمة طيّبة بلفظ النكرة، غير أنّ المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد الذي يتفرّع عليه سائر الاعتقادات الحقّة، و تنمو عليه الأخلاق الزاكية و تنشأ منه الأعمال الصالحة.

  • ثمّ ختم الله سبحانه الآية بقوله: وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، ليتذكّر به المتذكّر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقّق بكلمة التوحيد و الاستقامة عليها.۱

  • و قال سماحة العلّامة فيما قاله في البحث الروائيّ: و في «الكافي» بإسناده عن عمرو بن حريث قال: سألتُ أبا عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام عن قول الله: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ، قال:

  • فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أصْلُهَا، وَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ فَرْعُهَا، وَ الأئمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهمَا أغْصَانُهَا، وَ عِلْمُ الأئمَّةِ ثَمَرَتُهَا، وَ شِيعَتُهُمْ المُؤْمِنُونَ وَرَقُهَا. هَلْ في هَذَا فَضْلٌ؟!

  • قَالَ: قُلْتُ: لَا وَ اللهِ! قَالَ: وَ اللهِ إن المُؤْمِنَ لَيُولَدُ فَتورَقُ وَرَقَةٌ فِيهَا، وَ إن المُؤْمِنَ لَيَمُوتُ فَتَسْقُطُ وَرَقَةٌ مِنْهَا.

  • قال سماحة العلّامة: أقول: و الرواية مبنيّة على كون المراد بالكلمة الطيّبة هو النبيّ صلّى الله عليه و آله، و قد اطلقت الكلمة في كلامه على

    1. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱٢، ص ٤٩ إلى ٥۱.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

175
  • الإنسان كقوله: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.۱

  • و مع ذلك فالرواية من باب التطبيق (لا من باب تعيين مورد خاصّ). و من الدليل عليه اختلاف الروايات في كيفيّة التطبيق. ففي بعضها أنّ الأصل رسول الله صلّى الله عليه و آله و الفرع عليّ عليه السلام و الأغصان الأئمّة عليهم السلام، و الثمرة علمهم، و الورق الشيعة، كما في هذه الرواية.

  • و في بعضها: إن الشَّجَرَةَ رَسُولُ اللهِ، وَ فَرْعَهَا عَلِيّ، و الغُصْنَ فَاطِمَةُ، وَ ثَمَرَهَا أولَادُهَا، وَ وَرَقَهَا شِيعَتُنَا، كما فيما رواه الصدوق عن جابر، عن أبي جعفر (الإمام الباقر) عليه السلام.

  • و في بعضها: إن النَّبِيّ وَ الأئِمَّةَ هُمُ الأصْلُ الثَّابِتُ، وَ الفَرْعَ الوَلَايَةُ لِمَنْ دَخَلَ فِيهَا، كما في «الكافي» بإسناده عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد الله عليه السلام.

  • و في «مجمع البيان» روى أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام إن هَذَا- يعني قوله: كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ... إلى آخره- مثل بني اميّة.

  • و في «تفسير العيّاشيّ» عن عبد الرحمن بن سالم الأشلّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ- الآيتين، قال: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لأهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ لِمَنْ عَادَاهُمْ هُوَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.

  • ردّ العلّامة الطباطبائيّ على الآلوسيّ في الدفاع عن بني أُميّة

  • قال سماحة العلّامة هنا: أقُولُ: قال الآلوسيّ في تفسير «روح المعاني» ما لفظه: و روى الإماميّة- و أنت تعرف حالهم- عن أبي جعفر

    1. الآية ٤٥، من السورة ٣: آل عمران.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

176
  • رضي الله عنه تفسيرها- يعني الشجرة الخبيثة- ببني اميّة، و تفسير الشجرة الطيّبة برسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و عليّ كرّم الله وجهه و فاطمة رضي الله عنها و ما تولّد منهما.

  • و في بعض روايات أهل السنّة ما يعكر على تفسير الشجرة الخبيثة ببني اميّة، فقد أخرج ابن مردويه عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • إن اللهَ تَعَالَى قَلَّبَ العِبَادَ ظَهْراً وَ بَطْناً، فَكَانَ خَيْرُ عِبَادِهِ العَرَبَ، وَ قَلَّبَ العَرَبَ ظَهْراً وَ بَطْناً فَكَانَ خَيْرُ العَرَبِ قُرَيشاً، وَ هِيَ الشَّجَرَةُ المُبَاركَةُ الَّتي قَالَ اللهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ: «مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ». لأنَّ بني امَيَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ- انتهى موضع الحاجة.

  • و هو عجيب، فإنّ كون امّة أو طائفة مباركة بحسب طبعهم لا يوجب كون جميع الشعب المنشعبة منها كذلك. فالرواية على تقدير تسليمها لا تدلّ إلّا على أنّ قريشاً شجرة مباركة. و أمّا أنّ جميع الشعب المنشعبة منها مباركة طيّبة كبني عبد الدار مثلًا، أو كون كلّ فرد منهم كذلك كأبي جهل و أبي لهب فلا قطعاً. فأيّ ملازمة بين كون شجرة بحسب أصلها مباركة طيّبة، و بين كون بعض فروعها التي انفصلت منها و نمت نماءً فاسداً، مباركة طيّبة؟!

  • و قد روى ابن مردويه هذا عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم:

  • سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ لأبِيكَ وَ جَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ!

  • و روى أصحاب التفاسير كالطبريّ و غيره عن سهل بن سعد، و عبد الله بن عمر، و يعلى بن مرّة، و الحسين بن عليّ، و سعيد بن المسيِّب أنّهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

177
  • لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ-۱ الآية، و لفظ سعد: رأي رسول الله صلّى الله عليه و آله بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، و أنزل الله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا- الآية.

  • و ستأتي الرواية عن عمرو بن عليّ في تفسير قوله: «الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً»٢ إنَّهُمُ الأفْجَرَانِ مِن قُرَيشٍ: بَنُو المُغِيرَةِ وَ بَنُو امَيَّةِ.٣

  • أجل، يتبيّن ممّا ذكرناه ما يأتي: أوّلًا: لا تنحصر كلمات الله تعالى بالكلمات اللفظيّة، بل إن جميع الموجودات الكونيّة هي كلماته. إذ إن الكلمة تعني ما يُعْرِبُ عن الضمير. فكافّة المخلوقات في عالم التكوين لمّا كانت مرتبطة بالله سبحانه و منوطة به- بل هي عين الارتباط و الإناطة- فهي تعبّر بوجوداتها عن جماله و جلاله. و كلّها مَعْلَم كاشف عن حقيقة الوجود. و يُعَدُّ كُلٌّ منها بقدر سعته الوجوديّة آيةً و مرآة و كلمة من كلماته.

  • ثانياً: تنقسم كلمات الله التكوينيّة إلى قسمين هما: الكلمات الحسنة الطيّبة، و الكلمات السيّئة الخبيثة. فالموجودات الشريفة في العالم هي كلماته الطيّبة. أمّا الموجودات الضارّة المفسدة، فهي كلماته الخبيثة.

  • ثالثاً: أنّ أسمى الكلمات اللفظيّة الطيّبة هي الشهادة بحقّ التوحيد، و حقيقة لآ إلَهَ إلَّا اللهُ. و أنّ أدنى الكلمات اللفظيّة الخبيثة و أشدّها هي إظهار الكفر و الشِّرك بالمعبود، و إنكار الحقائق في عالم الوجود. و أنّ أسمى الكلمات التكوينيّة الطيّبة و أرفعها هي حقيقة وجود ولاية الإنسان

    1. الآية ٦۰، من السورة ۱۷: الإسراء.
    2. الآية ٢۸، من السورة ۱٤: إبراهيم.
    3. «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱٢، ص ٦٢ إلى ٦٤.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

178
  • و عروجه إلى درجات القرب، و اشتماله على الأسماء و الصفات الإلهيّة، و الاندكاك و الفناء في الذات الأحديّة. و ذلك أرقى مقام الإمكان. و وصول الممكن إلى هذا المكان هو أحلى ثمار شجرة الوجود و ألذّها. و هو عبارة عن مقام الإنسان الكامل، و حقيقة و سرّ الأنبياء العظام، و الأولياء الكرام، و الذوات المقدّسة للأئمّة المعصومين عليهم أفضل التحيّة و السلام. و أنّ أخبث الكلمات التكوينيّة الخبيثة هي حقيقة نهج الإنسان الناكب عن صراط الحقّ و سلوكه و أخلاقه و عقائده، فقد أفسد ثمرة الشجرة، و أضاع منهجه، و ألقى نفسه في حضيض الهوى، فأصبح بذلك كائناً نتناً. و العيّنة الماثلة لهذا الضرب من البشر هم الملحدون و المعاندون و المنافقون الذين لا يصغون إلى القول السديد الصائب، و يمضون أعمارهم في لجاجة أنفسهم و عُتوّ أفكارهم.

  • حقيقة الكلمة التكوينيّة الطيّبة وجود سرّ الإنسان الكامل

  • رابعاً: حقّ الكلمة الطيّبة وجود الإنسان المؤمن المتّصل بالله و معناه و سرّه. و العقائد الحسنة و الصفات الحميدة و الأخلاق و الأعمال الرغيبة هي كلمات طيّبة أيضاً، و هي من آثاره الوجوديّة. و من منظارٍ ما، يمكن أن نسمّيها كلّها كلمات طيّبات إجمالًا. و على العكس فإنّ حقّ الكلمة الخبيثة وجود الإنسان الكافر الجاحد المنافق العنود و معناه و سرّه. و العقائد السيّئة و الصفات الذميمة و الأخلاق و الأعمال غير الرغيبة هي أيضاً كلمات خبيثة من آثاره. و من منظور ما، جاز لنا أن نطلق عليها جميعاً كلمات خبيثات.

  • هذه رموز و إشارات يتسنّى لنا أن نستنتجها من مدلول الآية المباركة، و نستفيد منها.

  • و نلحظ في نظرة اخرى أنّ هذه الموجودات الذاتيّة و الكلمات الإلهيّة قد عُبِّرَ عنها بالكتاب. و كأنّ العوالم بأسرها هي كتاب الحقّ المتعال الذي كتبه بيد القدرة و العظمة. و نجد هذا التعبير في مواضع عديدة من القرآن

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

179
  • الكريم، إذ اطلق عنوان الكتاب على الموجودات التكوينيّة.

  • و من الطبيعيّ أنّ هناك فرقاً بين التعبير عن الموجودات الإلهيّة بالكلمة، و التعبير عنها بالكتاب. و هو أنّ لكلّ موجود وجهتين: وجهة حقّيّة و وجهة خلقيّة، و بعبارة اخرى، وجهة ربِّيَّة و وجهة عبديّة، و بعبارة مستعاضة، وجهة أمريّة و عالم أمريّة و وجهة عالم خلقيّة، و بكلمة بديلة، وجهة ملكوتيّة و وجهة ملكيّة، و بعبارة اخرى، من جهة صدوره و قيامه بذات المبدأ المتعال، و من جهة قبوله.

  • فتُطلق الكلمة على الموجودات التكوينيّة من الجهة الاولى، و يُطلق الكتاب عليها من الجهة الثانية. لأنّ الأوّل من جهة القيام و الصدور، أي:

  • مَعْلَم على المبدأ المتعال بواسطة وجوده، و الثاني: القابليّة من جهة الفيض، و الكثرة الماهويّة، و البروز و الظهور في العالم الخارجيّ.

  • كلام المرحوم الكمبانيّ في الفرق بين الكلمة و الكتاب الإلهيّ

  • و شرح المرحوم آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ الغرويّ ذلك في منظومته التي أنشدها في الحكمة و المعقول، فقال:

  • بَيْنَ الكَلَامِ مِنْهُ وَ الكِتَابِ *** فَرْقٌ لَدَى العَارِفِ بِاللُّبَابِ

  • فَكُلُّ مَوْجُودٍ مِنَ الكَلَامِ *** مِنْ جِهَةِ الصُّدُورِ وَ القِيَامِ

  • وَ الكُلُّ مِن حَيْثِيَّةِ القَبُولِ *** كِتَابُهُ عِنْدَ اولِى العُقُولِ

  • وَ بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الأمْرِ فَقَطْ *** كَلَامُهُ فَإنَّهُ بِلَا وَسَطْ

  • وَ عَالَمُ الخَلْقِ كِتَابٌ مَحْضُ *** وَ الجَمْعُ في ذِي الجِهَتَيْنِ فَرْضُ

  • وَ لِلْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ الجَمْعِ *** وَ الفَرْقِ۱ وَصْفَانِ بِغَيْرِ مَنْعِ

  • فَبِاعْتِبَارِ الجَمْعِ بِالْقُرْآن *** يُدْعَى كَمَا في الفَرْقِ بِالفُرْقَانِ

  •  *** 

    1. نظير الملكة و العلوم و الصور و المعاني النازلة عن المَلَكَة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

180
  • وُجُودُهُ الجَمْعِيّ في أعْلَى القَلَمْ۱ *** فِيهِ انْطَوَى كُلُّ العُلُومِ وَ الحِكَمْ٢

  • وُجُودُهُ الفَرْقِيّ وَ التَّفصِيلي٣ *** في غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ العُقُولِ

  • وَ إن في دَائِرَةِ الوُجُودِ٤ *** قَوْسَيْنِ للنُّزُولِ٥ و الصُّعُودِ٦

  • وَ بالنَّبِيّ المُصْطَفَى وَ الآلِ *** قَدْ خُتِمَتْ دَائِرَةُ الكَمَالِ

  • وَ أوَّلُ۷ المَرَاتِبِ العَقْلِيَّة *** هِيَ۸ الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّة٩

  • فَمَا وَعَاهُ قَلْبُهُ مِمَّا وَعَى *** يَكُونُ قُرْآناً وَ فُرْقَاناً مَعَا

  • وَ غَيْرُهُ لَيْسَ عَلَى هَذَا النَّمَط *** بَلْ كُلُّ مَا اوتِيَ فُرْقَانٌ فَقَطْ

  • وَ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ كَمَا عُلِمْ *** يَقُولُ: اوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمْ۱۰

  •  *** 

  • رسول الله و آله لهم المقام الجمعيّ في أعلى القلم

  • تبيّن ممّا قلناه أنّ حقيقة ذات الرسول الأكرم و آله تشتمل على الكَلِمِ الجَمْعيّ و الفَرْقيّ، أي: الوجود الجمعيّ في أعلى القلم، و هناك تنطوي جميع العلوم و الحِكَم، و ليس لسائر الأنبياء و المرسلين هذه المرتبة من

    1. الذي خلع على الموجودات لباس الكثرة.
    2. و ذلك مختصّ بالعقل الكامل.
    3. النازل من مقام الجمع و الانطواء.
    4. من صدور الفيض و نزول الخلقة، و معاد السير و الصعود إلى المبدأ الأوّل.
    5. الذي ينزل من الأعلى إلى الأسفل.
    6. الذي يرفع من الأسفل إلى الأعلى.
    7. و لأنّ قوسَي النزول و الصعود يجب أن يكملا ليصبحا في هيئة دائرة تامّة يتحقّق فيها الكمال دون أن تبقى ذرّة خلال مسار هذه الدائرة، فينبغي حتماً أن ...
    8. تكون في قوسَي النزول و الصعود مسبّبة عن النبيّ و آله الذي اكتملت لديهم دائرة الكمال.
    9. حقيقة محمّد و آله.
    10. «تحفة الحكيم»( منظومة في الحكمة و المعقول) ص ۸٣ و ۸٤، طبعة النجف الأشرف، سنة ۱٣۷۸.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

181
  • الوجود، و لم يبلغوا هذه الدرجة من الكمال، بل إن علومهم علوم كلّيّة في عالم الفرق، حيث أصاب كلٌّ منهم حظّاً من تلك العلوم تبعاً لاختلاف مراتبهم و درجاتهم.۱

  • و في ضوء ما قال محيي الدين بن عربي فإنّ مقام الرسول الأكرم نُقْطَةُ الوَحْدَةِ بَيْنَ قُوْسَي الأحَدِيَّةِ وَ الواحِدِيَّةِ، و نلحظ ذلك في كلامه الآتي:

  • اللهُمَّ أفِضْ صِلَةَ صَلَوَاتِكَ وَ سَلَامَةَ تَسْلِيمَاتِكَ عَلَى أوَّلِ التَّعَيُّنَاتِ المُفَاضَةِ مِنَ العَمَاءِ الرَّبَّانِيّ، وَ آخِرِ التَّنَزُّلَاتِ المُضَافَةِ إلى النَّوْعِ الإنْسَانِيّ، المُهَاجِرِ مِنْ مَكَّةَ- كَانَ اللهُ وَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيءٌ- ثَانِي إلى المَدِينَةِ وَ هُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ.

  • مُحْصِي عَوَالِمِ الحَضَرَاتِ الخَمْسِ في وُجُودِهِ، «وَ كُلُّ شَيْءٍ

    1. قال محيي الدين بن عربي في كتاب« الفتوحات المكّيّة» ج ۱، ص ۱٣۷: في الحديث المرويّ عن رسول الله: إن الله يقول: لولاك يا محمّد ما خلقتُ سماءً و لا أرضاً و لا جنّة و لا ناراً. و ذكر خَلْقَ كلِّ ما سوى الله.
      و قال في ج ۱، ص ۱٤٤: فقد عَلِمَتْ هذه الامّة علم مَن تَقدَّم و اختصَّت بعلوم لم تكن للمتقدّمين، و لهذا أشار صلّى الله عليه و آله و سلّم بقوله:« فعلمتُ علم الأوّلين» و هم الذين تقدّموه. ثمّ قال:« و الآخرين» و هو ما لم يكن عند المتقدّمين. و هو ما تعلمه امَّته من بعده إلى يوم القيامة. فقد أخبر: أنّ عندنا علوماً لم تكن قبلُ. فهذه شهادةٌ من النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو الصادق بذلك. فقد ثبت له صلّى الله عليه و آله و سلّم السيادة في العلم في الدنيا و ثبتت له أيضاً السِّيادة في الحكم حيث قال: لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلّا أن يتَّبعني، و يُبَيِّن ذلك عند نزول عيسى عليه السلام و حكمه فينا بالقرآن فصحَّت له السيادة في الدنيا بكلّ وجهٍ و معنى، ثمّ أثبت السيادة له على سائر الناس يوم القيامة بفتحه باب الشفاعة و لا يكون ذلك لنبيّ يوم القيامة إلّا له صلّى الله عليه و آله- انتهى كلام محيي الدين.
      أقول: نقل العلّامة الأمينيّ رحمه الله روايات في« الغدير» ج ۷، ص ٣۸ و ٣٩، في سياق ترجمة الحافظ رجب البرسيّ. حول مفاد: لو لا محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم لما خلق الله جنّة و لا ناراً و لا سماءً و لا أرضاً و لا سائر الموجودات.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

182
  • أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ».۱

  • رَاحِمِ سَائِلِ اسْتِعْدَادَاتِهَا بِنَدَى جُودِهِ، «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ».٢

  • سِرُّ الهُوِيَّةِ التي هِيَ في كُلِّ شَيْءٍ سَارِيَةٌ وَ عَنْ كُلِّ شَيءٍ مُجَرَّدَةٌ.

  • كَلِمَةُ الاسْمِ الأعْظَمِ الجَامِعِ بَيْنَ العُبُودِيَّةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ.

  • نُقْطَةُ الوَحْدَةِ بَيْنَ قَوْسَي الأحَدِيَّةِ وَ الوَاحِدِيَّةِ.٣ الجامعة لمقام التجرّد من الهويّات، و الشاملة لجميع الهويّات.

  • أجل، يستفاد من مجموع ما أوردناه أنّ رسول الله و الأئمّة الطاهرين عليهم الصلاة و السلام هم أعظم الأسماء الإلهيّة، و هم اولو مقام جمع الجمع الحائزون على التجرّد و الانتشاء في الكثرة، و الجهة الأمريّة و الخلقيّة. و لمّا كانوا- حسب الفرض- أوّل الاسم المشتقّ النازل من مرتبة الذات فلا بدّ أن تكون لهم هذه الخصائص، على عكس سائر الأنبياء و المرسلين المستمتعين بجانب التفصيل و عالم الفرق و نشأة التعيّن فحسب.

  • الرسول الأكرم و أهل البيت كلّهم هم الكلمة الإلهيّة الطيّبة و كتاب تكوين الحقّ. و كلماتهم و علومهم المترشّحة منهم هي الكلمات اللفظيّة الطيّبة، و وجودهم و حقيقتهم هما الكلمات الكونيّة الطيّبة.

  • و من جهة عنوان القبول، هم الكتاب الإلهيّ المبارك. كلامهم هو الكتاب اللفظيّ، و وجودهم هو الكتاب الكونيّ. و هو ذلك الكتاب العظيم

    1. الآية ۱٢، من السورة ٣٦: يس.
    2. الآية ۱۰۷، من السورة ٢۱: الأنبياء.
    3. في مجموعة من الصلوات الخاصّة لمحيي الدين غير الصلوات المشهورة.
      و أقتنى أصل المجموعة في كُتيّبٍ مخطوط بخطّ النستعليق( و هو أحد أنواع الخطّ الفارسيّ) في غاية الحُسْن.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

183
  • الخطير الشامل لمجموع الجمع و الفرق، أي: القرآن و الفرقان الإلهيّ.

  • إنّهم أصحاب قرآن بنحو الجمع اعطوه في لحظة واحدة و ليلة واحدة، و أصحاب فرقان أيضاً نزل خلال ثلاث و عشرين سنة تدريجيّاً.

  • و في هذا القرآن و الفرقان الكتابين العظيمين المشتملين على مجمل الحقّ سبحانه و تفصيله نلحظ عنوان اللفظ و وجود المدخليّة. فهم بعلومهم حائزون على القرآن العلميّ من حيث المَلَكَة و بساطة النفس، و بوجودهم حائزون على القرآن التكوينيّ من حيث الصورة الذهنيّة.

  • و هم بعلومهم أيضاً حائزون على الفرقان العلميّ من حيث المَلَكَة و بساطة النفس، و بوجودهم حائزون على الفرقان التكوينيّ من حيث الصورة الذهنيّة و المثال.

  • أجل، إن عندهم كلّ شيء. «آنچه خوبان همه دارند تو تنها داري!».۱

  • وراثة الإمام الصادق العلوم الكلّيّة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله

  • و يتبيّن في هذا الكتاب المبارك، الذي يتناول علوم الأئمّة و علوم شيعتهم و يتعرّض لتقدّمهم في جميع العلوم و تأسيسهم لها، مدى كُنْه المكنونات العلميّة لُاولئك السادة الكرام و الموالي العظام، و هو فوق فكر الإنسان و عقله و درايته. و قد افيض عليهم من أعلى نقطة القلم البسيط و أرفع ذروة العلم البحت.

  • و تحدثّنا أخيراً بإجمال عن علوم الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين و تأريخهم. و استعرضنا ذلك بنحو مقتضب اعتباراً من مولى المتّقين و إمام الموحّدين و أمير المؤمنين حتى الإمام السجّاد زين العابدين، و من الإمام محمّد الباقر حتى الإمام الحسن العسكريّ، و المهديّ قائم

    1. و تعريبه:« حزتَ وحدك ما حازه الصالحون بأسرهم».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

184
  • آل محمّد عليهم السلام.

  • بَيدَ أنّه كان مناسباً أن نتوسّع في الحديث عن صادق آل محمّد جعفر بن محمّد عليهم السلام جميعاً، إذ إن بحثنا يحوم حول موضوع العلم، مع اعترافنا و إقرارنا بدءاً أنّنا هيهات أن نقدر على تصفيد ذلك الوجود الملكوتيّ في قالب هذه العبارات الملكيّة! أو نستطيع أن نحيط بوجوده الأمريّ و الخلقيّ بأفكارنا! أو ندنو من أقرب نقطة من نقاط تحليقه و عروجه، على جناح طائر الغيرة العلميّة الطموح!

  • أ ما تلاحظون أنّنا وضعنا لهذه الدروس في هذه البحوث الشريفة العنوان الآتي: «المدرسة العلميّة الرفيعة للإمام جعفر الصادق عليه السلام مصدر إشعاع دائم على ربوع المعمورة»؟

  • و لكن هل بمقدور هذا العنوان أن يعطي الإمام حقّه كما ينبغي؟! و هل نستطيع وحدنا أن نضطلع بهذه المهمّة في هذه البحوث؟! هَيْهَات! هَيْهَات!

  • هل يمكننا أن نقول: إن علوم الإمام الصادق عليه السلام كانت أكثر من علوم سائر الأئمّة؟! أبداً، و حاشا، و كلّا. و لكن لمّا كانت الظروف الزمنيّة و الإمكانات الكثيرة المتاحة تستلزم أن يُظهر الإمام علومه، لهذا كانت علومه أكثر من غيره.

  • عمر الإمام الصادق الطويل أحد البواعث على ظهور علومه

  • أولًا: أحد العوامل المهمّة طول عمر الإمام عليه السلام، إذ كان عمره ثماني و ستّين سنةً.۱ فقد ولد عليه السلام سنة ۸۰ ه-،٢ و توفّي

    1. جاء في بعض الآثار أنّ عمره كان ٦٣ سنة اعتماداً على ما ذكره البعض أنّه ولد سنة ۸٥.
    2. ذكر صاحب كتاب« مغز متفكّر جهان شيعه»(/ العقل المفكّر للعالم الشيعيّ) ص ٢۰ و ٢۱، حول ميلاد الإمام جعفر بن محمّد بن عليّ الصادق عليهم السلام: أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام قال: احبّ أن أرى حفيدي، و لا اريد أن تخرجوه من حجرة امّه لبرودة الجوّ هذا اليوم و أخشى أن يصيبه البرد. ثمّ سأل زين العابدين عليه السلام القابلة:
      هل حفيدي جميل؟ فلم تجر و القابلة أن تقول: هو ضعيف نحيف، و قالت: عيناه الزرقاوان في غاية الحُسن. فقال عليه السلام: تُشبهان عينَي امّي رحمها الله. كانت عينا شهربانو ابنة يزدجرد الثالث و امّ زين العابدين عليه السلام زرقاوين، فورث جعفر الصادق زرقة العينين من جدّة أبيه حسب قانون مندل. ۱ و ثمّة رواية تُشعر بأنّ عينَي« كَيهان بانو» اخت« شهربانو»- التي كانت من آل يزدجرد الثالث الذين اتى بهم من المدائن إلى المدينة سبايا- كانتا زرقاوين أيضاً. و لو صحّت هذه الرواية فإنّ جعفراً الصادق ورث زرقة العين من تينك الأميرتين الفارسيّتين، إذ إن« كيهان بانو» ابنة يزدجرد الثالث كانت جدّة جعفر الصادق أيضاً لكنّها جدّته لُامّه. و كان علي بن أبي طالب عليه السلام يحمي أسرى العائلة الفارسيّة المالِكة بالمدينة، و زوّج ولده الحسين بشهربانو، و زوّج ربيبه محمّد بن أبي بكر، الذي كان يحبّه كثيراً كأولاده، بكيهان بانو. و عند ما تقلّد الخلافة، أعلى شأن محمّد بن أبي بكر حتى ولّاه على مصر. و قُتل فيها باحتيال معاوية. ٢
      ( ۱) كان يوهان- غريغور- مندل قسّاً نمساويّاً. ولد سنة ۱۸٢٢ م و مات سنة ۱۸۸٤ م.
      و هو الذي اكتشف قانون الوراثة، أي: قانون انتقال الصفات من جيل إلى جيل آخر في النباتات و الكائنات الحيّة.
      ( ٢) تحدّث كورت فريشلر الألمانيّ في كتاب« عائشة بعد از پيغمبر»(/ عائشة بعد النبيّ) المطبوع على حِدة، عن قتل محمّد بن أبي بكر و أعضاء اسرته مفصّلًا. و قد لاحظه القرّاء في مجلّة« خواندنيها».

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

185
  • بالمدينة سنة ۱٤۸ ه- بسمّ المنصور الدوانيقيّ.

  • و هذا العمر المبارك يتيح الفرصة للإمام عليه السلام أكثر حتى يُدرّس و يُعلِّم علومه الباطنيّة. و كانت له مجالس درس و تعليم في المدينة المنوّرة خلال ثلاثين سنة تامّة. و من الواضح أنّ الفترة التي درّس فيها الإمام عليه السلام و تعلّم خلالها الناس كانت فترة طويلة. و أنت خبير بأنّ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

186
  • الإمام عليه السلام لو لم يُستَشهد في ذلك العمر، و عمّر ثمانين سنة أو تسعين أو أكثر. و واصل نهجه في التفسير و الحديث و العلوم الغريبة و الأسرار الكونيّة و الأحكام و السياسات و المعاملات و التأريخ و الأخلاق و العرفان و غيرها، فما ذا كان سيحدث في العالَم؟! و كم كنّا نرفل في علوم جمّة قد حُرمنا منها بسبب اخترام عمره الشريف!

  • إن العلوم التي وصلت الينا من الإمام محمّد الجواد عليه السلام قد انتهت بوفاته و هو في الخامسة و العشرين من العمر. فقد وُلد عليه السلام سنة ۱٩٥ ه-، و استُشهد بسمّ المعتصم سنة ٢٢۰ ه-. فهل يتسنّى له خلال هذا العمر القصير أن يدرّس الناسَ العلوم التي درّسها الإمام الصادق عليه السلام في غضون ثلاثين سنة أمضاها في التدريس فحسب؟!

  • كما أنّ العلوم التي وصلت الينا من الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام قد انتهت بوفاته عليه السلام و هو في الثامنة أو التاسعة و العشرين من العمر. فقد ولد سنة ٢٣۱ أو ٢٣٢، و استشهد بسمّ المعتمد العبّاسيّ سنة ٢٦۰ ه-. فهل كان بمقدوره أن يعلّم و يدرّس خلال ٢۸ أو ٢٩ سنة عاشها من العمر ما تمّ تعليمه و تدريسه خلال ٦۸ سنة؟!

  • و كذلك فإنّ العلوم التي وصلت الينا من الإمام عليّ الهاديّ عليه السلام قد انتهت بوفاته و هو في الأربعين أو الثانية و الأربعين من العمر. فقد وُلد عليه السلام سنة ٢۱٢ أو ٢۱٤، و استُشهد بسمّ المعتزّ العبّاسيّ سنة ٢٥٤ ه-. فهل تفى ٤۰ أو ٤٢ سنة بعمل ٦۸ سنة؟!

  • كما أنّ العلوم التي وصلت الينا من الإمام الرضا عليه السلام قد انتهت بوفاته و هو في الخمسين أو الخامسة و الخمسين من العمر. فقد وُلد عليه السلام سنة ۱٤۸ أو سنة ۱٥٣، و استشهد بسمّ المأمون العبّاسيّ سنة ٢۰٣ ه-.

  • و كذلك كان عمر الإمام محمّد الباقر عليه السلام ٥۷ سنة، أو ٦۰ سنة؛

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

187
  • و عمر الإمام زين العابدين عليه السلام ٥۷ سنة؛ و عمر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ٤۸ سنة؛ و عمر الإمام الحسين عليه السلام ٥۷ سنة.

  • و أطولهم عمراً- ما عدا الإمام الصادق عليه السلام- هو النبيّ الأكرم و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام، إذ عمّر كلٌّ منهما ٦٣ سنة.

  • يضاف إلى طول عمر الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنّ في السنين الأخيرة منه خاصّيّة غير موجودة في السنين الاولى أو الوسطى منه.

  • و هي أنّ السنين الأخيرة من عمر كلّ عالم محقّق متتبّع أكثر قيمة من السنين الاولى، كما أنّها أكثر ثماراً من حيث القدرة على العمل و قيمته.

  • ذلك أنّها سنون العطاء و الثمر و رجوع الناس إليه و استفادتهم منه. و كلّ عالم خبير بصير قد صنّف كتبه في أواخر عمره، لا في أوائله و لا في أواسطه. و إذا عمّر الكتّاب و المتتبّعون، فإنّ دائرة كتاباتهم تتّسع، و حجم تاليفاتهم يزداد، و نطاق تربيتهم للطّلاب يكبر و يتسامى. مثلًا كان المجلسيّ و السيّد هاشم بن سليمان البحرانيّ و السيّد ابن طاووس من المعمّرين، لذلك كانت كتاباتهم كثيرة. أمّا الشريف الرضيّ فلم يترك آثاراً جمّة تلك العلوم الواسعة، و لو كان قد عمّر كثيراً لبلغت آثاره آثار أخيه الشريف المرتضى.

  • و قد تربّع الإمام جعفر الصادق عليه السلام على كرسيّ التدريس و التعليم ثلاثين سنةً. أي: منذ الثامنة و الثلاثين حتى الثامنة و الستّين من عمره. و في تلك الفترة بالذات كان الناس يأتون من شتّى الآفاق البعيدة، و يحطّون رِحالهم في المدينة للتزوّد من دروس الإمام عليه السلام، فذاع صيته. و ما هي إلّا السنون الأخيرة المباركة من العمر حيث تؤتي الشجرة المثمرة اكلها.

  • و ثانياً: كانت حرّيّة القلم و التعبير عن الرأي، و عدم التقيّة النسبيّة۱

  • معرفة الإمام ؛ ج۱۷ ؛ ص٢۰۱

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

188
  • من العوامل المهمّة التي تركت بصماتها على تعاليم الإمام عليه السلام. أمّا في عصور الأئمّة الذين سبقوه أو جاءوا بعده فقد كانت الحكومات متشدّدة إلى درجة أنّها صادرت كلّ ضرب من ضروب الحرّيّة. حتى نلحظ في عصر الإمام محمّد الباقر عليه السلام وجود ضغوط شديدة أيضاً، و لم يبلغ الأب مع بسطته ما بلغه الابن في اتّساع نطاق التعليم.

  • أسباب تسمية التشيّع بالمذهب الجعفريّ

  • و كان الشيعة في أغلب أوقات إمامة الصادق عليه السلام يتمتّعون بحرّيّة أكثر نسبيّاً في نقل الحديث و سائر العلوم. و يعود هذا إلى سببين:

  • الأوّل: ضعف الحكومات المروانيّة التي أشغلها التناحر فيما بينها في مناطق شتّى، فلم تجد فرصة كبيرة للتضييق على القطب الوحيد المناوئ لها، و هم الشيعة.

  • الثاني: اشتباكات العبّاسيّين مع الأمويّين، و الحروب الطويلة التي دارت بينهما، و انتصارهم عليهم، ثمّ انشغالهم بتوطيد دعائم حكومتهم في نقاط مختلفة من العالم الإسلاميّ. لهذا لم يجدوا مجالًا للاشتباك مع العلويّين و الشيعة الإماميّة. و هذان السببان هما اللذان ساعدا الإمام الصادق عليه السلام على بثّ العلوم المختلفة غير المنشورة و شرحها و تفسيرها و تأويلها ببالٍ رخيّ، و على إتحاف تلاميذه و غيرهم بمطالب بسيطة و مجرّدة، و إغناء طلّاب العلم و اولي الفهم و الكياسة و الدراية بُدرَرٍ ثمينة نفيسة يتيمة لم يظفر بها أحد.

  • من هنا قال البعض: هذا هو الذي أفضى إلى تمذهب الشيعة بالمذهب الجعفريّ و تسميتهم بهذا الاسم، إذ استطاع الإمام عليه السلام خلال برهة من الزمن أن يبيّن روايات جمّة، و لهذا سمّي المذهب بالمذهب الجَعْفَرِيّ.

  • و يظهر من التأمّل أنّ هذا الوجه لا ينبغي أن يكون صحيحاً، لأنّ

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

189
  • كثرة الروايات لا تخصّص المذهب. فقد نُقلت عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام روايات كثيرة، فلم يعرف المذهب الشيعيّ بالمذهب الباقريّ.

  • و قال بعض آخر: لمّا ارسيت دعائم المذهب الإماميّ الاثني عشريّ في عصر الإمام، و نبغ المتكلّمون في الولاية و إمامة الأئمّة الاثني عشر المعصومين يومئذٍ، و وطّد عليه السلام قواعد الولاية و اسسها، لذا عُرف المذهب بالمذهب الجعفريّ.

  • و هذا غير سديدٍ أيضاً، إذ إن اصول الولاية حسب الروايات مذكورة في كلّ عصر، و مفصّلة في الروايات. و تفصيلها الأكثر في أيّام الإمام عليه السلام لا يستلزم التسمية بالمذهب الجعفريّ.

  • و توضيح ذلك: أنّ مذهب اسم مكان و معناه محلّ الذهاب. تقول العرب: المَذْهَبُ إلى المَاءِ وَ إلى الكِلَاءِ. و المَذْهَبُ إلى شَرِيعَةِ الشَّطِّ.

  • و لمّا كان طريق الوصول إلى الدين الإسلاميّ ذا مسالك مختلفة، و كان كلُّ عالم من علماء العامّة قد تلمّس طريقاً معيّناً نحو الدين كالمذهب الحنفيّ، و المذهب المالكيّ، و المذاهب الحنبليّ، و المذهب الشافعيّ، فإنّ الطريق الذي اختاره الإمام الصادق عليه السلام نحو ذلك الدين القويم عُرف بالمذهب الجعفريّ.

  • و لم يكن الدين ذا مذاهب مختلفة في عصر الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله. فالجميع كانوا ينهجون نهج رسول الله صلّى الله عليه و آله و يتّبعونه و يكتفون بظاهر الأحكام. و كانت شريحة خاصّة من المسلمين تعرف بالشيعة و تتحرّك في طريق مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام عملًا بأمر رسول الله صلّى الله عليه و آله. و كان هولاء واعين لروح الولاية، واقفين سرّ النبوّة، مطّلعين على حقائق الأحكام الإسلاميّة و أسرارها و رموزها و معانيها مضافاً إلى اطّلاعهم على ظاهرها.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

190
  • و كانوا عاملين بالسنّة النبويّة الشريفة، حيث أوجب رسول الله صلّى الله عليه و آله اتّباع أمير المؤمنين عليه السلام، و أخبرهم أنّه وصيّه و خليفته.

  • تعبّد الناس بفقه العامّة حتى عصر الإمام الصادق عليه السلام

  • و بعد وفاته صلّى الله عليه و آله، و دوران الخلافة حول محور آخر، و عزل أمير المؤمنين عليه السلام، و تربّع القوم على أريكة الحكم، و هم لم يعرفوا إلّا ظاهر الأحكام، و لم يدركوا من الإمامة و الخلافة إلّا الرئاسة و التقدّم الظاهريّ و الإمارة، اتّخذ الدين طابع القوانين و الاصول الظاهريّة المتّسمة بسماتهم، و سار معظم الناس على ذلك النهج حسب قاعدة النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ. أمّا الاصول و الاسس الظاهريّة و الباطنيّة فكانت لأمير المؤمنين عليه السلام. و أتباعه الذين عُرفوا بشيعته كسلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ، و عمّار بن ياسر، و المقداد بن الأسود، و حذيفة بن اليمان و غيرهم. و قد كانوا شيعته حقّاً، و كانوا يسيرون سيرته في الأحكام و التفسير و القرآن و المشورة في مهامّ الامور. و مع أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تنازل عن حقّه حفاظاً على كيان الإسلام، إلّا أنّه كان يُنير الطريق للطرف المخالف، و يغيثهم في علاج مشاكلهم العلميّة و الفقهيّة. و كان يحضر في صلاتهم رغبة منه في عدم شقّ عصا المسلمين. و خلاصة الأمر أنّه كان يماشيهم في امورهم برمّتها.

  • و كان الحجّ، و الجهاد، و الصلاة، و الزكاة، و سائر الامور تُمارس حسب ما يريده الخليفة المتحكّم، و هو الذي يصدر الأوامر و له الفتيا و الرأي الأخير. و هو و أمثاله لم يعلموا بجميع المسائل و خصوصيّاتها. و كم أخطأوا! و كم غيّروا و بدّلوا في موضوعات مختلفة حسب مشتهياتهم.

  • و لم يعدّوا خلاف العمل بظاهر القرآن منكراً، و كانوا يعملون خلاف السنّة النبويّة، و يجتهدون في مقابل النصّ صريحاً على رؤوس الأشهاد.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

191
  • و يثبّتون هذه الضروب من الخلاف و يُبقونها بوصفها رأي الخليفة و الإمام.

  • و لهذا لوحظ رأي الخليفة و قد حلّ محلّ القرآن و تعاليم النبيّ و وصيّته و سنّته و منهاجه. و كان جميع الناس يهملون العمل بالقرآن و السنّة في مواطن التَّرك هذه، و يعملون وفقاً للأوامر الصادرة المقضيّة من مقام الخلافة (الخلافة الجائرة القاهرة الغاصبة المزيّفة).

  • إن حروب الخلفاء و الغنائم و الأموال الطائلة التي كانوا يأتون بها، و شوكة الحكم، و ابّهة الإمارة، و قعقعة السيوف و الأسلحة، و نظائر الرماح و الأسنّة، و همهمة الغُزاة، و حمحمة الخيول، و إثارة الغبار باهتزاز أعلام الامراء، و رايات القادة، كلّ ذلك قد أعمى الأبصار، و أصمّ الأسماع، و أدهش العقول و سلبها القدرة على التعقّل و الإدراك، و صادر منها التفكير و التدبير.

  • و مَن يأتي فيقايس أمر الخلاف الصادر من السلطان مالك الرقاب، بالقرآن أو بالسنّة النبويّة؟! أو- في الأقلّ- يقدّم احتمالًا ضعيفاً في بطلانه، و يرى و يسمع و يفكّر و يشهد الخلاف بعين بصيرته؟ و يَدَع الخلاف، و يتحرّك حسب الحقّ و قول الحقّ و أمر الحقّ و سنّته و منهاجه و منهجه؟

  • و مَن يذهب إلى عليّ عليه السلام؟ و من يبحث عن ذلك الرجل المهيض الجناح، المعتزل في منزله، الحامل معوله و مسحاته، زارع النخل و ساقيه؟ و من يسمع كلامه الذي هو حقّ و عين الحقّ، بل يدور الحقّ حيثما كانت حقّانيّة عليّ؟ و مَن يسترضيه و يستميله؟ و من يقدّم رأيه الحصيف السديد على هذه الكبكبة و الدبدبة؟ و يسمعه يقول: كلّ كلام عدا كلام الله و رسوله باطل، و كلّ أمر صادر من أيّ جهة باطل مرفوض إذا لم يتطابق مع آية من آيات القرآن؟

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

192
  • و لم يكن في المدينة غير الاثني عشر الذين جاءوا إلى المسجد بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه و آله، و تكلّموا و أدانوا أبا بكر،۱ و قليل من أتباعهم.

  • لقد جرى هذا الأمر بهذا النحو. و ظهر خلال خمس و عشرين سنة من الحكم الأسود المظلم للخلفاء الثلاثة، أي: خلال ربع قرن. و ألِفَ الناس تلك الأحكام و المناهج و مردوا عليها إلى درجة أنّ مولى الموالي الإمام بالحقّ عند ما تقلّد الأمر و أراد أن ينسف تلك البدع الباطلة التي اخترعها عمر عجز عن ذلك، إذ إن عمر كان قد أضفى على أعماله صبغة دينيّة، و كان الناس يقدّسونه كالسامريّ، و يعدّون معارضته معارضة للإسلام و النبيّ. و لم يعلم المساكين أنّ هذا المحتال المتلبّس بجلد الذئب قد جاء لاقتناص الحمل، و قد اتّخذ الدين وسيلة للتربّع على أريكة الخلافة و العرش. و أنّ نداءه الذي عليه مسحة الحقّ هو نداء الشيطان و لا تحمل صحيفة دعوته إلّا عنوان الباطل. و لقد خطب أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل خلافته بالكوفة، و قال كما جاء في خطبة الوسيلة:

  • ) لقد عملت الولاةُ قبلى بامور عظيمة [بدع عمر] خالفوا فيها رسول الله صلّى الله عليه و آله متعمّدين لذلك؛ و لو حملتُ الناس على تركها و حوّلتُها إلى مواضعها التى كانت عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله، لتفرّق عنّى جُندى حتّى أبقى وحدى).

  • و سارت الامور على هذا المنوال حتى عصر عثمان، ثمّ معاوية و يزيد و مروان و المروانيّين بالشام، حتى وصل الدور إلى العبّاسيّين.

    1. تحدّثنا عن هذا الموضوع مفصّلًا في الجزء الثامن من كتابنا هذا، الدرسان ۱۱٦ و ۱۱۷.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

193
  • و الجميع كانوا على هذه الوتيرة. و عمل الناس قاطبة بسنّة الخلفاء الاوَل، حتّى نلحظ أنّ جماعة كانت ترى عثمان فاسداً لكنّها ترى أنّ الخليفتَين قبله كانا على الحقّ و أوامرهما واجبه التنفيذ إلى يوم القيامة. و كانت تعتقد بذلك و تعمل به.

  • و كان بين جند أمير المؤمنين عليه السلام مَن يقال لهم جميعاً شيعة عليّ، سواء في الجمل، أم في صفّين، أم في النهروان. و يراد من ذلك أنّهم كانوا مخالفين لعثمان- أي شيعة عليّ في مقابل شيعة عثمان- و كان معظمهم يعتقد بخلافة أبي بكر و عمر. و يسير على سنّتهما. و لم يستطع أمير المؤمنين عليه السلام أن يعيد الجميع إلى نصاب الحقّ.

  • و على هذه الشاكلة كان شيعة الإمام الحسن و الإمام الحسين بالكوفة، إذ كانوا يقولون بحقّانيّة عليّ و بطلان عثمان، و يرون عليّاً عليه السلام هو الخليفة الثالث بالحقّ.

  • و هكذا الأمر في عصر الإمام السجّاد عليه السلام، حتى أنّ الفقهاء السبعة في المدينة كانوا يفتون على فقه السنّة في حين كان اثنان منهم شيعيَّين، و هما سعيد بن المسيِّب، و القاسم بن محمّد بن أبي بكر.

  • و مع أنّ الحقائق كانت تظهر شيئاً فشيئاً في عصر الإمام محمّد الباقر عليه السلام بسبب اتّساع نطاق الرواية و التفسير و الحديث و العرفان في مدرسته العلميّة، بَيدَ أنّ الامور لم تنكشف فجأة، فيستبين أنّ حقيقة الإسلام و الدين و النبوّة و الخلافة و الإمامة هي شيء آخر لا خلاق للناس منه.

  • دور الإمام الصادق عليه السلام في عرض الاسس الإسلاميّة

  • و كان الإمام الناطق بالحقّ جعفر بن محمّد الصادق عليه أفضل الصلاة و السلام أوّل من كشف سرّ الولاية و حقيقة النبوّة لعامّة الناس.

  • و مُنيَ الناس بالشبهة و الخطأ في أمرين خطيرين بعد وفاة رسول الله

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

194
  • صلّى الله عليه و آله و سلّم و حادثة سقيفة بني ساعدة. و هما:

  • الأوّل: أمر الإمامة و الولاية و الإمارة، إذ خالوا أنّ كلّ من مسك زمام الامور فهو الوالي الذي تجب طاعته. سواء كان تقلّده الأمر بالتسلّط و الخداع، أم بالاختيار، أم بالوصيّة، أم بالشورى، أم بالأوامر التحكّميّة التعسّفيّة. فلهذا كانوا يرون أنّ يزيد بن معاوية هو الخليفة المنصوب من قبل أهل الحلّ و العقد بنصب معاوية و المُغيرة بن شُعبة و جلاوزتهما، و كانوا يعملون حسب هذا المنطق، و يرتّبون آثاراً شرعيّةً حقيقيّة عليه.

  • الثاني: في أخذ معالم الدين و السنّة و العلوم الظاهريّة و الباطنيّة و التفسير و العرفان- و الخلاصة جميع المدركات الإنسانيّة و البشريّة- فكانوا يعتقدون أنّ مصدر هذه الأشياء كلّها هم الأمراء الذين تسلّموا مقاليد الامور حتى لو كان ذلك بالقوّة.

  • و على هذا الأساس كانوا يراجعون حكّام عصورهم لحلّ مسائلهم العلميّة و علاج معضلاتهم و مشكلاتهم. و يأخذون مسائلهم الشرعيّة و صلواتهم و صيامهم و جهادهم و سائر شئونهم الدينيّة و السياسيّة و الاجتماعيّة من تلك المصادر، و يتصرّفون حسب آرائهم و نظريّاتهم.

  • أي: كان الحكّام يموّنون الامّة في مجالين هما: الإمارة و الحكومة، و العلوم و الأفكار.

  • و هذان الأمران كلاهما يعاكس النهج الإسلاميّ المبين تماماً. ذلك النهج الذي يدعو إلى الحقّ دائماً على أساس القرآن و السنّة، و يحذّر عامّة الناس من اتّباع الباطل.

  • أمّا بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه و آله حيث انحرف محور الولاية عن قطبه، و انقلب كلّ شيء، لم يجد المسلمون أميراً بالحقّ، و لم يحظوا بدرس و تعليم مستقيم. و شاع هذا الأمر بين الطبقات و الأجيال المختلفة من

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

195
  • الناس في كلّ زمان و مكان. و استحكم حتى لم يجرؤ أحد على رفيع عقيرته ضدّه.

  • و بعبارة اخرى: اتّبعت الامّة الباطل سنين طويلة و هي تعتقد أنّه هو الحقّ، و عرفت الباطل على أنّه هو الحقّ. و كانت هاربة من الحقّ باعتقادها الباطل.

  • مَن كان يستطيع أن يرفع صوته في هذه المصيبة الكبرى، فيعلن بصراحة بطلان جميع الأجهزة و الحكومات؟ إنّه الإمام الحسين عليه السلام الذي توكّأ على السيف و نهض بذلك الوعي، و أنذر بقطع دابر الظلم، و أيقظ العالم، و دوّى صوته بالعدل و الحقّ و الصدق في عالم البشريّة من خلال خطبه و كلماته المتكرّرة. و الآخر هو الإمام الصادق عليه السلام الذي تأسّى بتلك التضحية العظيمة، و مارس دوره على امتداد ثلاثين سنة بعناء لا يوصف، و كشف سرّ تلك التضحية، و أصحر بروح الدين و حقيقة الإسلام التي كانت قد دُفنت تحت ركام الجهل و جباله الراسيات.

  • و تضافرت تضحية سيّد الشهداء عملًا، و تضحية الإمام الصادق علماً، و تعاضدتا حتى وقفنا هذا اليوم- و للّه الحمد و له الشكر- على حقائق الدين و النبوّة و سرّ القرآن و النبوّة و الولاية. أو بعبارة أصحّ: أنّ تضحية سيّد الشهداء بالسيف، و تضحية الإمام الصادق باللسان عاملان قويّان قد تكاتفا و دعم أحدهما الآخر، حتى أبدى الإسلام وجهه المتألّق الزاهر من بين الغمائم المظلمة السوداء.

  • لقد نطق آية الله المظفّر حقّاً إذ قال: فما أصدق القائل: إن الإسلَامَ عَلَوِيّ وَ التَّشَيُّعَ حُسَيْنِيّ!۱ أمّا أنا فأقول: إن الإنسَانِيَّةَ وَ الإسْلَامَ وَ التَّشَيُّعَ

    1. «تاريخ الشيعة» للمحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين المظفّر، ص ٢۷.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

196
  • حُسَيْنِيّ السَّيْفِ، وَ صَادِقِيّ القَلَمِ وَ البَيَانِ.

  • عمل الإمام الصادق عليه السلام إبانة الإسلام الحقيقيّ

  • أجل، إن العمل الذي قام به الإمام الصادق عليه السلام هو أنّه عرّف العالَم الإسلام الحقيقيّ من خلال علومه، و أزاح الصدأ عن وجهه المتغيّر.

  • و عرض الشريعة الحقّة كما هو حقّها. و يا لصعوبته من عمل! بعد أن تغيّرت الاصول و الفروع و تبدّلت، فألفت ذلك الامّة بأسرها عالمِها و جاهلها، و عاليها و دانيها، و كبيرها و صغيرها، و شيخها و حَدَثها على امتداد قرن من الزمان. و ها هو الإمام عليه السلام يقوم بدوره، و يرشد الجميع بلا استثناء (إلّا شرذمة قليلة) لا عن طريق التعبّد- فالتعبّد هنا لا يُغني شيئاً- بل عن طريق المنطق و البرهان، و القلم و البيان، و الهداية إلى كيفيّة الاستدلال بآيات القرآن و أخذ الأحكام من الفرقان، و يأخذ عليه السلام بأيدي الناس إلى ذلك الدين الأصيل، و يبدّد عَقْدَ الأفكار و المناهج و المذاهب التي كانوا يسلكونها للحصول عليه، و دلّ على أنّ الطريق الوحيد للوصول إلى الدين القويم هو هذا فحسب.

  • لهذا فإنّ الطريق الذي نهجه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، و أرشد إلى ذلك الدين كالرائد الذي يقود القافلة إلى المكان الخصب و الماء و الكلأ في الصحراء القاحلة هو الطريق الذي هدى به الامّة إلى دين جدّه المصطفى صلّى الله عليه و آله و شريعته المرسلة من الله تعالى.

  • من هنا، عُرف مذهبه الذي كان أوّل المذاهب بالمذهب الجعفريّ.

  • و لا يتوهّم الواهمون أنّه عليه السلام قد أسّس ديناً جديداً، أو أضفى على الإسلام طابعاً خاصّاً، كما ذهب إلى ذلك أحمد أمين بك المصريّ مع شدّه احترامه و تقديره للإمام عليه السلام، فإنّه يعتقد أنّه قد أضفى على الإسلام صبغة خاصّة، و المذهب الجعفريّ بمعنى الدين الإسلاميّ مصطبغ بهذه

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

197
  • الصبغة.۱ و هذا وَهْم منه، و قد ذهب مذهباً مغلوطاً في هذا الضرب من

    1. قال أحمد أمين بك المصريّ في كتاب« ضحى الإسلام» ج ٣، ص ٢٦٣: و كثير من أحاديث الإماميّة و نظمها تروي عنه( عن الإمام الصادق)؛ من أهمّها ما رواه جعفر الصادق عن علي بن أبي طالب في كيفيّة خلق العالم، و انتقال النور من آدم إلى نبيّنا صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى أن قال: ثمّ انتقل النُّور إلى غرائزنا، و لَمَعَ في أئمّتنا، فنحن أنوار السماء و أنوار الأرض، فينا النجاة، و فينا مكنون العلم، و الينا مصير الامور، و بمهديّنا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمّة، و منقذ الامَّة، و غايةُ النور، و مصدر الامور، فنحن أفضل المخلوقين، و أشرف الموحِّدين، و حُجَجُ ربِّ العالمين. فَلْيَهنَأ بالنعمة مَن تَمَسَّك بولايتنا، و قَبَضَ عُرْوَتَنَا.(« مروج الذهب» للمسعوديّ، ج ۱، ص ۱٥).
      و من هذا و نحوه يُظَنّ أنّ فكرة المهديّة، و عصمة الأئمّة و تقديسهم و إعلاء شأنهم نبتت في ذلك العصر، عصر الإمام جعفر الصادق- انتهى.
      و ذكر أحمد أمين بك في كتاب« ضحى الإسلام» ج ٣، ص ٢۰۸ إلى ٢۷۱ فصلًا حول الإماميّة، و أبطل مذهبهم على أساس صحّة مذهب أهل السنّة. و يتبيّن أنّه كان يقتني كتاب« الكافي»، و كتاب« بحار الأنوار». بَيدَ أنّ الذي يبدو من تضاعيف كلامه أنّه لم يقضِ بالحقّ.
      فقد فضّل أبا بكر و عمر على أمير المؤمنين، و لم ينبس ببنت شفة عن غدير خمّ و الوصاية و الولاية. و ساوى بين الأحاديث المرويّة في علي بن أبي طالب عليه السلام و عمر و أبي بكر. و ذهب إلى أنّهم جميعاً أفراد عاديّون يجوز عليهم الخطأ و الإثم. و أنكر عصمة الأنبياء، و الأئمّة. و زعم أنّ المهدويّة و الرجعة خرافتان، و عدّ المتعة في حكم الزنا. و مع أنّه يمجّد الإمام الصادق عليه السلام و يراه من الشخصيّات الكبيرة إلّا أنّه يعيبه أيضاً إشارةً و تلويحاً.
      حيث قال بعد حديثه عن أصل المهدويّة و الرجعة و اعتقاده بخرافتهما: ظهرت هذه العقيدة في عصر الإمام جعفر الصادق. و نقل الأدعية و الزيارات المأثورة عن الإمام، و مرّ عليها مستخفّاً بها.
      و خلاصة القول: أنّه ذهب إلى أنّ النبوّة و الشريعة القائمتين على أساس العرفان و الولاية و الارتباط بالله و الاطّلاع على عوالم الغيب و الشفاعة و المحبّة صبغة جديدة للإسلام، و أنّ المؤسّس لها هو الإمام الصادق عليه السلام. و تصوّر أنّ التشيّع مذهب سياسيّ قائم على التقيّة حتى يستطيع أتباعه أن يهاجموا الحكومات و يقوموا بالسيف متى شاءوا.
      و رأى أنّ دعوة الأئمّة الاوَل و الصادق عليهم السلام إلى أنفسهم قائمة على هذا الأساس. و على الرغم من أنّه عدّ أبا حنيفة و مالكاً من تلامذة الإمام في موضعين من كتابه، و اعترف بتلمذة جابر بن حيّان له، و سرد ما قاله الشهرستانيّ في كتاب« الملل و النحل» حول منزلته الرفيعة، لكنّه اعتبر هذا المذهب مُختلَقاً موضوعاً. و قال في ص ٢۱٥: و قال الرضا:
      الناس عبيدٌ لنا في الطاعة مُوالٍ لنا في الدين. فليبلّغ الشاهد الغائب.( من ص ۸۸« اصول الكافي» طبعة سنة ۱٢۸۱).
      و تحدّث أحمد أمين أيضاً في كتاب« ظهر الإسلام» ج ٤، ص ۱۰٩ إلى ۱٤٥، عن الشيعة و فرقها كالإسماعيليّة و القرامطة و الزيديّة و الإماميّة. و قال في ص ۱۱٥، بعد تبجيل و تكريم الإمام عليه السلام و بعض كلماته: و إنّما قلنا إنّه لوّن معنى الإيمان لوناً خاصّاً لما روي عنه من بعض الأقوال التي تدلّ على أنّ الله جعل لمحمّد نوراً، ثمّ تنقَّل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ذكره المسعوديّ من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام عليّ، جاء فيه: إن الله أتاحَ نوراً من نوره فَلَمَعَ وَ نَزَعَ قَبَساً من ضيائه فَسَطَعَ ... ثمَّ اجتمع النور في وَسَطِ تلك الصورة الخَفِيَّة فوافق ذلك صورة نَبِيِّنا محمّدٍ.
      فقال الله عزّ و جلّ: أنت المختار المنتخب، و عندك مُسْتَودَعُ نوري و كنوز هدايتي، من أجلك أسْطَحُ البَطْحَاء، و امَوِّجُ الماء و أرفع السماءَ، و أنصِبُ أهل بيتك للهداية، و اوتيهم من مكنون علمي ما لا يُشْكلُ به عليهم دقيقٌ، و لا يغيب عَنهم خَفِيّ، و أجْعَلُهُم حُجَّتي على بَرِيَّتِي و المُنَبِّهِينَ على قدرتي و وَحْدانيَّتي، و نحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم: فكلّ هذا جعلنا ننسب إلى الإمام جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من قبل.
      و قال في ص ۱٢٤، بعد نقله عن المجلسيّ رحمه الله زيارة لأمير المؤمنين عليه السلام مأثورة عن الإمام الصادق عليه السلام: و هم يروون دعاءً مخصوصاً دعا به أحد الأئمّة. و هذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيّع و أثره.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

198
  • الكلام.

  • أجل، لمّا كان الإسلام الصحيح عند أحمد أمين هو الإسلام الذي يدين به سلاطين الجور و الطغيان المتربّعون على عرش الاعتساف و العدوان، و أنّه هو المنهاج، فلا جرم أنّه يعتقد بتلوين الإمام الصادق عليه السلام الدين الأصيل و الشريعة المرسلة بصبغة خاصّة و لون مضاف. و يرى

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

199
  • أنّ هذا المذهب غصن مقطوع عن أصل الإسلام بما يحمله من خاصّيّة معيّنة.

  • بَيدَ أنّ الأمر ليس كذلك، و شتّان ما بين كلامنا و كلامه. فعلوم الإمام عليه السلام التي مضى عليها ثلاثة عشر قرناً، و هي مسطورة في الكتب تدلّ على ما نقول. فكلّ ما قاله الإمام، و كتبه، و درّسه هو تفسير و تبيان للكتاب و السنّة، لم يفرض عليهما شيئاً، و لم ينقص منهماً أو يزيد عليهما شيئاً، و هذا ما تدعمه الأدلّة الداخليّة و الخارجيّة.

  • هذه هي رسالة الإمام الصادق عليه السلام على امتداد ثلاثين سنة.

  • و إذا كان قد هدَّم منهاجاً قديماً ينهجه العامّة بما كان يعرضه من تعاليم، فهذا لا يعني إحباطاً لأمر صحيح و إبداءً لأمر باطل و إضفاءً لصبغة جديدة، بل يعني كسراً لكوز متصدّع متلوّث كان يُسقي الناسُ ماءَهُ على أنّه ماء لذيذ طيِّب، و استبداله بكوز جديد فيه ماء زلال بارد لذيذ غير آسن، و سقى الامّة منه.

  • و محصّلة عمل الإمام عليه السلام إزالة الطرق الباطلة المنحرفة التي فرّقت بين الناس و الدين. و من الطبيعيّ أنّ يبدو عمل الإمام في المنهاج و الاسلوب سواء في تعريف الولاية و مصدر الحكم و الإمارة، أم في تعريف العلوم و الأسرار و الحقائق و الأحكام شيئاً جديداً في أوّل نظرة. و هو الشيء الذي يظنّه أحمد أمين صبغة دينيّة جديدة، و ظنّه خائب. فجِدَّة هذا المنهاج تعود إلى اندراس الطريقة التي اخذ بها الإسلام الصحيح لا غير.

  • و هو ما يراه العامّة شيئاً جديداً، بَيدَ أنّه ليس إلّا روح رسول الله، و نَفَس القرآن بلا شائبة، و قد تجلّيا في سيرة الإمام الصادق عليه السلام و اسلوبه كلّه.

  • و بِلُغَة العلم، فقد كان لعمل الإمام عنوان الكشف عن الدين الصحيح،

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

200
  • لا عنوان نقل الإسلام بشيء مضاف و أثر مخصوص.

  • و هو يماثل بحث الكشف و النقل الذي يتناوله الفقهاء العظام في باب النكاح الفضوليّ، أو البيع الفضوليّ: هل تقرّ إجازة طرف النكاح أو البيع، أو تنقل المال إلى الطرف المعهود، فيتحقّق حينئذٍ عمل إجازة النقل؟ أو أنّ إجازة عمله كشف عن تحقّق النكاح، أو انتقال المال في البيع منذ صدور الصيغة أوّل الأمر؟ يرى القائلون بالكشف أنّ الشقّ الثاني هو الصحيح.

  • و إنّما ذكرنا هذا التشبيه هنا لمجرّد التنظير لإنارة الأذهان، و إلّا فإنّ هذا الموضوع يختلف كثيراً عن باب الكشف و النقل في المعاملات الفضوليّة.

  • أجل، يستبين ممّا ناقشناه كم كان جهاد الإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال عظيماً! فقد كان مكلّفاً أن يُتمَّ هذه الرسالة الإلهيّة. و هذا يستلزم وقتاً كبيراً يمتدّ شهوراً بل عشرات السنين، إذ كان للإمام عليه السلام أن يكشف عن آيات القرآن كلّها، و يوضّح و يفسّر و يشرح منهج جدّه و سنّته، و يبيّن مواضع الخلاف جميعها، و ينبّه على كافّة ضروب الاعوجاج و الانحراف و الانتهاك التي قام بها اولئك الرجال الذين هم كآظار أعطف من امّهات، و يُفصح عن صواب عمل أجداده الكرام مع تحمّل الشدائد القاصمة للظهر، ليستبين حقّ الموضوع. و هذا مطلب لا ينتهي بحديث واحد و لا بمائة حديث، و لا بمجلس واحد، و لا بمائة مجلس، بل يحتاج إلى جلسات ممتدّة على الشهور و السنين. و كان الإمام عليه السلام ملتفتاً إلى هذه المهمّة و عبء هذه المسئوليّة، فأعدّ نفسه لهذا الأمر الخطير.

  • و على هذا الأساس لم يقبل عليه السلام الخلافة الظاهريّة التي كانت

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

201
  • عند البيعة من نصيب صاحب القباء الأصفر (المنصور الدوانيقيّ) بعد أخيه عبد الله السفّاح. و مع أنّ ثورة الشيعة كانت من أجل إمارة العلويّين و إمامتهم بَيدَ أنّ العبّاسيّين قبضوا على السلطة، أو بتعبيرنا الصحيح استلبوها أو اختطفوها، و لم يفسحوا المجال للعلويّين. و في ذلك الميدان كان الإمام الصادق عليه السلام هو الشخصيّة البارزة الوحيدة المؤهّلة للخلافة. و قد اعترف الجميع بهذا. و اعتذر عليه السلام عن تقبّل هذا المنصب، و لم يستعدّ لقبول بيعة الناس بالخلافة. و امتنع بشدّة و رفض رفضاً قاطعاً على الرغم من إصرار الامّة و أهل الحلّ و العقد في المدينة على ذلك.

  • من جهة اخرى، حذق العبّاسيّون و بايعوا عبد الله السفّاح، فتربّع على أريكة الحكم، و عُدَّ الإمام الصادق عليه السلام من رعاياه.

  • سبب امتناع الإمام عليه السلام عن قبول الخلافة مع أنّه كان حائزاً على مقامات و درجات الإمامة و أعلميّة الامّة

  • قد يُشكل البعض هنا فيقولون: لما ذا امتنع الإمام الصادق عليه السلام عن قبول البيعة؟! و لما ذا ترك الامّة المسكينة فريسة بِيَدِ الفراعنة و العفاريت و الجبّارين؟! و لِمَ تخلّى عن الاضطلاع بهذه المسئوليّة الإلهيّة؟!

  • إذا كان شرط الإمامة هو النصّ من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فقد أجمعت الامّة على أنّه منصوص عليه. و إذا كان شرطها وصيّة الإمام السابق، فقد أوصى الإمام محمّد الباقر عليه السلام له بالإمامة. و إذا كان شرطها هو الأعلميّة، فقد كان عليه السلام أعلم الامّة غير منازَع.

  • و حينئذٍ فالأرضيّة مُمهَّدة، و الامّة مستعدّة للقبول. و قام المسلمون في

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

202
  • خراسان بنسف صرح الاستبداد و الظلم الأمويّ لمصلحة العلويّين، و ألحقوا الهزائم بالأمويّين من خلال حروبهم المتوالية المستمرّة. أي: أنّهم قضوا على عدوّهم الوحيد السفّاك و خصمهم العنيد المستبدّ «بني اميّة» و مَن مَتَّ إليهم بصلة من قرابتهم و أتباعهم و شيعتهم. فهل هناك أفضل من هذه الفرصة؟ و هل ثمّة أنسب من هذا الوضع؟ و هل هناك إمكانيّات متاحة كهذه الإمكانيّات؟

  • و لو كان الإمام عليه السلام قد تقلّد أمر الخلافة، و أحقَّ الحقوق الضائعة، فهل هناك شيء أفضل من هذا العمل؟ و هل هناك أحسن من بسط العدل و تحرير الامّة الإسلاميّة من نير الطغيان؟ أ ليس من الأولى أن يهتمّ الإمام بشؤون الضعفاء و المعوزين الذين ضاعت حقوقهم خلال قرن من الزمان! أ ليس من الأمثل أن يُخرِج الامّة من نير الاستعباد و الاسترقاق الذي مارسه سلاطين الجور، و يمنّ عليها بالحرّيّة؟ أ ليس من الأفضل أن يجعل الجهاد مبتنياً على أساس جهاد رسول الله، و يصنع من العالَم كلّه عالماً إسلاميّاً؟ و هَلُمَّ جَرّاً فَأحْصِ ما شئتَ أن تحصيه من هذه الأسئلة!

  • و يبدو الجواب عن هذه الإشكالات و الأسئلة يسيراً نوعاً ما.

  • أوّلًا: رفض الإمام عليه السلام الخلافة مع ما كان يتمتّع به من فهم و دراية و كياسة و قدرة علميّة و ذكاء، و رفضه ليس سطحيّاً ساذجاً فيندم عليه، و يقول و هو يرى جرائم المنصور بامِّ عينيه: وَدِدتُ لو كنتُ قبلتُ الخلافة، و لم أدَعِ الامّة تعاني من المشاكل و الآلام.

  • و كان عليه السلام على تلك السجيّة حتى آخر عمره، و لم يُرَ متأسِّفاً على ما فات، مؤمِّلًا الراحة و الرخاء، مع أنّ المشاكل كانت تتفاقم يوماً بعد آخر في العصر العبّاسيّ، و جرائم المنصور قد فاقت جرائم غيره من الظالمين.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

203
  • هذا الدليل مهمّ، لأنّ كلّ عمل يقوم به الإنسان إذا لم ينطلق فيه من تدبّر في عاقبته و تفكير بالمصلحة، فإنّه يندم و يأسف إذا واجه آثاره السلبيّة. بَيدَ أنّ لا ندم على العمل الصحيح على الرغم من ازدياد المشاكل و المشاقّ على مرّ الأيّام.

  • ثانياً: كان الإمام عليه السلام يعيش في ذلك العصر و ما اتّصف به من خصائص و ما لابسه من أوضاع اجتماعيّة و ما كانت فيه من إمكانيّات و متطلّبات، أمّا الذي نلحظه من ذلك فهو شَبَحٌ لا غير، فقد كان يرى، و نحن نسمع. و هو كان في العين و الشّهود، و نحن في الأثر و الخبر.

  • و الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الغَائِبُ.

  • و الحال أشبه بواقف خارج الحلبة و هو ينادي: ابطحه على الأرض!

  • ثالثاً: كان عليه السلام يدرك جيّداً أنّه لو قبل البيعة فلا يعني ذلك أنّ العالم الإسلاميّ يخضع له و يسلّم و يطيع، و أنّه كان ينتظر أوامره ردحاً من الزمن، بل لكان على العكس من ذلك و لخالفه و حاربه أوّلًا حثالات الأمويّين المنبثّين في أرجاء العالَم، و لضحّوا حتى بآخر قطرة من دمائهم للحؤول دون اعتلاء حكومته.

  • ثمّ يأتي بعدهم العبّاسيّون ثانياً، الذين يرون أنفسهم أولاد عمّ النبيّ و وارثيه، فقد ظهروا بألف دليل و دليل، و ادّعوا وراثة المحراب و المنبر، و السلاح و السيف، و العصا و النصل، و العلم و الراية، كما رأينا و قرأنا في التواريخ و السير، و شاهدنا في الآثار و الأخبار أنّهم تربّعوا على العرش بهذه العناوين خمسمائة سنة، و أدانوا العلويّين بأباطيلهم و تُرَّهاتهم، و دعموا بيعتهم و إمارتهم و حكومتهم الغاصبة بأدلّة شاعريّة. و كان شعراؤهم ينشدون القصائد على هذا المنوال.

  • و لَمَا اكتفوا بإقامة الدليل و البرهان، بل لأظهروا طغيانهم بالسيف

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

204
  • و السنان. و حينئذٍ يقف الإمام عليه السلام حياته كلّها على الحروب، و يُمضي عمره و وقته لقمع المعاندين و المعارضين، ثمّ لا يُعْلَم في أيّ حرب يُسْتَشْهَدُ.

  • و لا ننسى بعض العلويّين المطالبين بالإمارة ثالثاً، فإنّهم يرفعون لواء المعارضة ضدّه. و ما عليه إلّا أن يقاتلهم أو يُسكتهم بتوليتهم الأمصار، أو بتفويض القضاء أو صلاة الجمعة و الجماعة إليهم، أو بجعلهم على بيت المال، و أمثال ذلك مكافأة لسكوتهم.

  • و لا يمكن أن نتصوّر الخيار الثاني لوليّ الله الذي كان يمارس أعماله على أساس الحقّ، أمّا الخيار الأوّل فإنّه يؤدّي إلى القتل الاعتباطيّ و ارتكاب المذابح في غير موضعها، و إتلاف النفوس في غير المسار الحقيقيّ.

  • و لو تغاضينا عن ذلك كلّه، فقد كانت للإمام عليه السلام مهمّة إلهيّة خاصّة تتمثّل في إحياء الشريعة المندرسة. و إذا فرضنا أنّه تمكّن من جميع أعدائه و معارضيه، و تقلّد الأمر، فغاية ما يستطيع أن يقوم به هو النظر في الشؤون العامّة، و فصل الخصومات و رفع المنازعات الشخصيّة، و الإفتاء في الحلال و الحرام. أمّا إغاثة الشريعة المندرسة و الدين المنقلب فلا تتحقّق أبداً، إذ ذكرنا أنّ ذلك يحتاج حاجة ماسّة إلى سنين طويلة من التدريس و التربية و التعليم و البحث و النقد و الحلّ و الإبرام. من هنا، لا بدّ أن يشمّر عليه السلام عن ساعد الجدّ و يستفرغ همّته لهذا الأمر الخطير، و يبذل وقته كلّه من أجل ازدهار مدرسة العلم و الفهم و البيان و القلم.

  • و لا يُقاس هذا الأمر من حيث الأهمّيّة بأمر الخلافة، فهو في درجة عالية من الأهمّيّة. و كان الإمام عليه السلام يرى نفسه بين أمرين: إمّا يقبل الخلافة و النظر في شئون ولاية الناس، و إمّا يرفض البيعة و يهتمّ بإحياء

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

205
  • الإسلام المدمَّر المندرس. فاختار الثاني لعظمته، إذ إنّه بمستوى أصل نبوّة الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله، و إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و استشهاد سيّد الشهداء عليه السلام، و هذا الخيار الثاني يُسِرُّ حياة روح النبوّة و الولاية و سرّ الشهادة و إن استلزم مشاقَّ مرهقة و أفضى إلى فَقْدِ الحقوق الظاهريّة و الإمارة الدنيويّة. لكن هل تعلم أنّ تحمّل هذه المشاقّ يصبّ في مجرى المشاقّ التي عانى منها الرسول الأكرم و أمير المؤمنين، و أنّ فقد الخلافة و الإمارة لا يساوي عنده شروي نقير في مقابل المحافظة على ذلك الأمر العظيم بمنظار الإمام الذي لا يرى إلّا الحقّ و الواقع؟!

  • اختار الإمام عليه السلام الشقّ الثاني، و رفض الخلافة و الإمارة من أجل إقرار هذا الأمر الخطير، و استنكف عن الاقتراب إلى الجهاز الحاكم أيضاً، و خرج من نطاق الحكومة و الإمارة حتى كأنّ هاتين المفردتين لم تَرِدا في قاموسه قطّ، و كأنّ الله لم يمنحه ذلك المقام فيحقّقه عمليّاً إذا تطلّبت المصلحة. كان له بستان واسع في المدينة لاستقبال الوافدين عليه، و للتدريس و الإجابة عن أسئلة المتقاطرين عليه من شتّى الأنحاء. و وقف أيّامه و لياليه على المسائل و المناقشات و المناظرات العلميّة و جميع فروع الدراسة و البحث العلميّ ليتمكّن من القيام بأعباء المسئوليّة العظيمة المتمثّلة بعرض الدين القويم، و إرواء الناس السادرين من المنهل الفرات اللذيذ للآيات القرآنيّة و السنّة النبويّة. و هذا المنهل هو المذهب الجعفريّ، سلام الله على موجده و الذاهب إليه.

  • و كان هذا العمل مهمّاً خطيراً ذا جوانب متعدّدة إلى درجة أنّ الإمام عليه السلام قد زاوله على امتداد ثلاثين سنة تامّة إلّا الفترة التي جاء بها إلى العراق. يضاف إلى ذلك أنّ أعماله العلميّة الاخرى التي مارسها في رحلاته خارج المدينة كانت قائمة على هذا الأساس أيضاً.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

206
  • و قد حقّق عليه السلام هدفه عبر تربية أربعة آلاف تلميذ في فنون مختلفة، و تاليف أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلِّف في اصول متنوّعة، و تفصيل حقائق القرآن و السنّة و تفسيرهما و تأويلهما. و سدّ طريق الجور و الاعتساف، الذي سلكه البلاط الحاكم و عملاؤه، من خلاف إراءة الأحكام المستدلّ عليها و القوانين الصحيحة. و فتح الطريق للناس العُمي الصُّمّ المطبوع على قلوبهم نحو ملكوت السماوات عبر الفلسفة الإلهيّة و الحكمة العالية و عرفان عوالم الغيب و التجرّد. و دلّ على طريق العبوديّة لربوبيّة الحقّ عزّ اسمه.

  • و لحق الناس بعد عصر النبيّ صلّى الله عليه و آله و صحابته اولي البصائر القائمين الليل بصفوف عبّاد الليل علماء النهار. و ها هم يلتقون بعد عصر أمير المؤمنين بأمثال أصحابه الزهّاد العبّاد النسّاك السالكين العارفين كعثمان بن مظعون، و ابن التَّيِّهان و نظائرهما.

  • و هنا ينطلق اللسان بلا اختيار ليُحيّيه عليه السلام من أعماق القلب و الفكر مترنّماً بقوله تعالى: وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.۱

  • و أصرّ عليه السلام على صيانة حياته، و تموين كلّ طالب بالعلوم حسب استعداده، و عدم إرباكهم و إحراجهم بإيداعهم السجن أو إبعادهم أو تعذيبهم أو قتلهم بلا مبرِّر ممّا يستبين أنّ ذلك كلّه كان من أجل المحافظة على الحياة و تأمين القوى و العِدّة و العُدّة ابتغاء الوصول إلى تلك الغاية الرفيعة، إذ من الواضح أنّه لو كان قد قُتِل، أو نُهبت أمواله، أو اجتيح مكان درسه، فلا تعليم عندئذٍ، و لا إحياءً للدين بعد ذلك. علماً أنّ داره عليه

    1. الآية ۱٥، من السورة ۱٩: مريم.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

207
  • السلام قد احرقت، و أمواله قد سُلبت، و ختمت حياته شهيداً بالسمّ.۱

  • كلام مترجم كتاب «مغز متفكّر جهان شيعة» حول المذهب الجعفريّ

    1. نقرأ في كتاب« مغز متفكّر جهان شيعه»(/ العقل المفكّر في العالم الشيعيّ) الذي يتناول عجائب و غرائب علوم الإمام جعفر الصادق عليه السلام، التي جمعها خمسة و عشرون من أعلام مركز الدراسات الإسلاميّة في استراسبورغ أنّ المترجم المحترم سأل في صدر الكتاب: لما ذا يُسمّى المذهب الشيعيّ المذهب الجعفريّ؟ ثمّ أجاب مفصّلًا فقال: أنا رجل مسلم اثنا عشريّ و لكنيّ لم أعلم لحدّ الآن سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ. و لا أمتلك معلومات عن إمامي السادس جعفر الصادق غير أنّي أعرف أنّه ابن الإمام محمّد الباقر عليه السلام و أبو الإمام الكاظم عليه السلام. و كنتُ أجهل تأريخ حياته تماماً و لم أعلم إلّا مكان ولادته و وفاته. أمّا أقواله و أعماله فلم أعرف عنها شيئاً. و بطريق أولى: لم أعرف سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ. أ لم يكن إمامنا الأوّل هو علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فلما ذا لم يعرف مذهبنا بالمذهب العلويّ و عُرف بالمذهب الجعفريّ! و عند ما كنت أدوّن كتاب« إمام حسين و إيران» في حلقات نشرتها مجلة« خواندنيها» و وقفت بإجلال و إكبار أمام عظمة الحسين عليه السلام و خلوص تضحيته، كنت أسأل نفسي: أ ليس من المناسب أن يعرف المذهب الشيعيّ بالمذهب الحسينيّ تكريماً لتضحية الإمام الحسين عليه السلام؟ بعد ذلك وصلت إلى رسالة من إصدار مركز الدراسات الإسلاميّة في استراسبورغ، و هي تدور حول إمامنا السادس جعفر الصادق عليه السلام.
      فطالعتها و تبيّن لي سبب بروز الإمام عليه السلام من بين الأئمّة الأثني عشر حتى وُضع اسمه على المذهب و عُرِف المذهب به. و قد يقول لي القارئ المحترم: إن جهلَكَ الإمام جعفر الصادق نابع من تقصيرك. و لو كنتَ طالعتَ كتاب« بحار الأنوار» للمجلسيّ، و« وفيّات الأعيان» لابن خلّكان، و« الوافي» للملّا محسن الفيض، و« الكافي» للكلينيّ، و« ناسخ التواريخ» للسان الملك سبهر، لعرفتَ الإمام السادس للشيعة حقّ معرفته! و اجيب أنّي طالعتُ بعض الكتب في هذا المجال، و لاحظت أنّها تحدّث عن كرامات الإمام عليه السلام و مناقبه التي شغلت صفحات كثيرة منها، بَيدَ أنّها لم تتعرّض إلى سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ. أمّا الرسالة المذكورة فقد أبانت لي الموضوع و فتحت بصيرتي له. من هنا عزمتُ على تفصيل ما جاء في الرسالة، و تعريف الشباب الإيرانيّ بالإمام السادس على أساسٍ تاريخيّ جهد المستطاع. لأنّنا إذا استثنينا العلماء فلا أتصوّر أنّ أحداً من الناس العاديّين يعرف كيف أنقذ الإمام الصادق عليه السلام المذهب الشيعيّ من الفناء، و لولاه لما كان للمذهب الشيعيّ الاثني عشري أو المذهب الإسماعيليّ- في الأقلّ- وجود يُذكَر. و يستلزم منّا عرفان الجميل لذلك الرجل العالم العظيم أن نعرّفه لمن يجهله من الوجهة التأريخيّة و العلميّة و الفكريّة.
      كان هذا الكلام المترجم المحترم في عنوان الكتاب، بَيدَ أنّ وجه التسمية الذي ذكرنا آنفاً للمذهب الجعفريّ بلطف الله تعالى و تسديده أسمى من وجه التسمية الذي ذكره و أمثل منه. لقد بيّنّا في هذا الكتاب أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام أعرض عن الخلافة الظاهريّة بعقل راسخ و تُقى و حزم تامّ. و وقف ثلاثين سنة من عمره معانياً مكابداً من أجل تركيز روح النبوّة و أساس الولاية و أصل الحقيقة التي كانت قد ذابت في التشيّع الذي يمثّل روح النبوّة و أساس القرآن. إنّه- بمدرسته عليه السلام- جدّد روح النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، و أحيى بدروسه و تعاليمه جهاد مولى المتّقين و نضاله. و نضّر بدأبه و ديدنه قطرات الدم التي اريقت من أجداده الطاهرين و جدّه سيّد الشهداء. من هنا كان اسم المذهب الشيعيّ من بدايته إلى نهايته هو« الجعفريّ». فتأمّل و أفهم يرشدك الله إلى صراطه و منهاجه. نحن نقدّر كتاب« مغز متفكّر ...» و نشكر المترجم الكريم على جهوده التي بذلها من وحي رغبته و حبّه. و على عكس البعض المنتقد للكتاب، فإنّا نراه مفيداً ضروريّاً. غاية الأمر أنّنا ينبغي ألّا نتوقّع من علماء مسيحيّين أكثر من هذا. فمرحى بمن أقرّ و اعترف بفضائل إمامنا و مناقبه بالمقدار المذكور. و إذا كانوا قد أنكروا علمه اللدنّيّ فالجرم عليهم لا علينا. و نحن نرى أنّ جميع هذه العلوم لدنّيّة و نابعة من الاطّلاع على معدن الحكمة و الأسرار الإلهيّة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

208
  • فهو كسيّد الشهداء عليه السلام الذي ما ادّخر وسعاً في سبيل تنفيذ ذلك الأمر المهمّ، و قد أعدّ و استعدّ و تأهّب، و أرسل أصحابه و أهل بيته إلى ميدان القتال فاستشهدوا بأرفع طريقة، و بقي إلى عصر عاشوراء يذود عن حياض الإسلام، و ظلّ حتى آخر رمق من حياته، و لم يهدر دمه اعتباطاً، و إلّا فإنّ قتله كان حتماً مقضيّاً. و كان ممكناً أن يقتل في أوّل هجوم صباح عاشوراء أو ليلة عاشوراء، و يستريح. فالكلام لا يدور حول الخلاص و الاستراحة، بل يدور حول البقاء، و الدفاع عن الحريم حتى آخر قوّة و قدرة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

209
  • و حينئذٍ قال: قبول البيعة واجب على الإمام المفترض الطاعة! و يتحقّق اللزوم و الوجوب إذا تهيّأت جميع الإمكانيّات و محاسن القبول، و لا إشكال عنده في البيعة.

  • و للإمام شأنيّة مقام الإمارة و فعليّته، سواء قَبِلَ الناس أم رفضوا، و بايعوا أم لم يبايعوا. أمّا قبول البيعة فيتوقّف على إقبال الناس و فقدان المحذورات، و هو ما ينبغي أن يكون ثابتاً عند الإمام. و يجب على الناس أن يلتفّوا على الإمام و يطوفوا حوله كطوافهم حول الكعبة، لا أنّ الكعبة تأتيهم فيطوفوا حولها.

  • عند ما أخذ أصحاب السقيفة البيعة لأبي بكر بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم، و جاء العبّاس و أبو سفيان إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليبايعاه، فإنّه قد رفض البيعة.

  • و حينما قُتل عثمان و أجمع المهاجرون و الأنصار على بيعته عليه السلام، و انثال الناس على بيته من كلّ حدب و صوب، فإنّه قد رفض أيضاً حتّى مضت ثلاثة أيّام و في آخر اليوم الثالث إذ سئم الناس، و عمّت الجلبة و الضوضاء أجواء المدينة، و توسّط عمّار بن ياسر، و مالك الأشتر، و محمّد بن أبي بكر، و نظائرهم بينه و بين الناس، و امتنع بشدّة، و كلّمه مالك الأشتر، فقال له ما مضمونه: يا عليّ! جميع أهل الحلّ و العقد حتى طلحة و الزبير راغبون في بيعتك، فإن أمسكتَ، و الوقت ضيّق، بايع الناس أحدهما، و ستتأوّه من فعالهم غداً، و تأتينا لدفع الظلم! و ها نحن قد جئناك الآن، فاقبل البيعة لئلّا تبأسَ غداً!

  • قبل عليه السلام البيعة، فرفع طلحة و الزبير لواء المعارضة، و أوقدا نار الجمل بالبصرة. ثمّ انتهت حرب الجمل بحرب صفّين، و حرب صفّين ولّدت حرب النهروان. ثمّ قتله خوارج النهروان في محراب العبادة. و كان

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

210
  • عليه السلام منهمكاً في مواجهة الفتن الداخليّة على امتداد أربع سنين و أشهر كان فيها إمام المسلمين و خليفتهم، إذ لم يقتنع الناس بحقّهم، و كانوا يتوقّعون منه أشياء كثيرة. و هو رجل الحقّ و عنوان الحقّ.

  • و كان الإمام جعفر الصادق عليه السلام ابن عليّ هذا. و هو يعلم أنّه لو رضي ببيعة الناس. لتوقّع منه الذين أصرّوا على بيعته أشياء في غير موضعها. و هو ليس كمعاوية و المنصور لينفق بيت المال خدمة لمآربه الخاصّة، أو يولّي من ليس أهلًا للولاية. لهذا فإنّ أنصار اليوم المتدافعين حوله سيكونون من معارضيه و خصومه غداً.

  • ما هو الأفضل؟ أ قبول مثل هذه الخلافة أم ما اضطلع به الإمام عليه السلام من مهمّة رساليّة؟

  • و بعد أن استبانت هذه الامور علينا أن نناقش الأحداث الواردة، و العلوم المترشّحة عن الإمام عليه السلام. و هذا ما سنستعرضه في سياق عدد من البحوث بحول الله و قوّته.

  • البحث الأوّل: يدور حول اتّصالات المنصور الدوانيقيّ و معارضاته، و هو عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، و عبّاس عمّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم.

  • المنصور هو أخو أبي العبّاس السفّاح، عبد الله بن محمّد. فهما سميّان و أبوهما محمّد. و بويع لأبي العبّاس السفّاح- على ما نقل الطبريّ- في الثامن عشر من ربيع الثاني سنة ۱٣٢ ه-. و كان بالكوفة، و بايعه أهلها.

  • و نقل الطبريّ هذا القول عن هشام بن محمّد.۱ و لكنّه قال في موضع آخر

    1. «تاريخ الامم و الملوك» لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، ج ۷، ص ٤٣۱، طبعة دار المعارف بمصر، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، وقائع سنة ۱٣٢ ه-.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

211
  • من كتابه: «قال الواقديّ: بويع لأبي العبّاس بالمدينة بالخلافة في جمادى الاولى في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.۱

  • تفصيل مواقف المنصور الدوانيقيّ من الإمام الصادق عليه السلام

  • و ذكر المحدّث القمّيّ رحمه الله أنّه لمّا كانت الحكومة الأمويّة على و شك الانهيار، اجتمع جماعة من بني العبّاس فيهم أبو العبّاس السفّاح، و أخواه: أبو جعفر المنصور، و إبراهيم بن محمّد، و عمّه صالح بن عليّ، و جماعة من الطالبيّين منهم عبد الله المحض، و ولداه: محمّد، و إبراهيم، و أخوه لُامّه محمّد الديباج و غيرهم بالأبواء (المدينة)، و اتّفقوا على مبايعة أحد وَلَدَي عبد الله المحض. فبايعوا جميعهم محمّداً. لأنّهم كانوا قد سمعوا من بيت الرسالة أنّ مهديّ آل محمّد سميّ رسول الله.٢ ثمّ بعثوا وراء الإمام الصادق عليه السلام، و عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ عليه السلام لأخذ البيعة منهما.

  • فلم يبايع الإمام الصادق، و قال: المهديّ ليس هذا، و قد غرّ كم اسمه.

  • و قال لعبد الله المحض: إذا كانت هذه البيعة للخروج و الأمر بالمعروف، فَلِمَ لا نبايعك و أنت شيخ بني هاشم؟! فقال عبد الله: كلامك غير سديد، و أنت لا تبايع حسداً!

  • فقام الإمام و وضع يده على ظهر السفّاح، و قال: هذا هو الخليفة، و إخوته و أولاده هما الخلفاء بعده. و وضع يده على كتف عبد الله المحض، و قال: الخلافة ليست لك و لا لولَدَيك و سيُقتلان. و قال لعبد العزيز: سيقتل

    1. «تاريخ الامم و الملوك» ج ۷، ص ٤٢۰، وقائع سنة ۱٣٢ ه-.
    2. قال رسول الله: اسمه اسمي. و أمّا ما جاء في بعض الروايات: اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي! فلعلّه من وضع أصحاب محمّد النفس الزكيّة هذا، إذ عرّفوه على أنّه المهديّ.
      و كان اسمُ أبيه عبد الله سميّ والد رسول الله.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

212
  • صاحبُ الرداء الأصفر (المنصور) عبد الله، و وَلَده محمّداً.

  • حجّ المنصور سنة ۱٤۰ ه-، ثمّ دخل المدينة و حبس عبد الله و بني الحسن و محمّد الديباج.۱

  • و ذكر الطبريّ أيضاً٢ أنّ أبا العبّاس السفّاح مات في ۱٣ ذي الحجّة سنة ۱٣٦. و كانت ولايته من لَدُن قُتل مروان بن محمّد إلى أن توفّي أربع سنين. و كان له يوم توفِّي ٣٣ سنة، أو ٣٦ سنة، أو ٣۸ سنة.

  • و في هذه السنة عقد أبو العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ لأخيه أبي جعفر المنصور (عبد الله بن محمّد) الخلافة من بعده، و جعله وليّ عهده، و من بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ. و كتب العهد بذلك، و دفعه إلى عيسى بن موسى. و في هذا السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة.

  • كان المنصور الدوانيقيّ يعطي الامان و يقتل

  • و في سنة ۱٣۷ ه- قتل المنصور القائد الكبير أبا مسلم الخراسانيّ الذي مهّد الأمر لبني العبّاس. قتله غيلة بعد ما كاتبه متلطّفاً و آمنه و دعاه.

  • و ما أن دخل أبو مسلم مجلس المنصور، هجم عليه الغلمان و قطّعوه إرباً إرباً. و كان قتله فتكاً. و ورد ذلك في «تاريخ الطبريّ»، ج ۷، ص ٤۸۸.

  • و قال السيوطيّ في «تاريخ الخلفاء»: فأوّل ما فعل (المنصور) أن قتل أبا مسلم الخراسانيّ صاحب دعوتهم و ممهّد مملكتهم.٣

  • و أعطى المنصور الأمان ليزيد بن عمر بن هبيرة أمير العراقَين، ثمّ

    1. «منتهى الآمال» ج ۱، ص ۱٩٥؛ و« تتمّة المنتهى في وقائع أيّام الخلفاء» ص ۱۸۰، الطبعة الثالثة، ۱٣٩۷.
    2. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٤٦۸ إلى ٤۸۸.
    3. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦۰، الطبعة الرابعة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

213
  • قتله. و ذكر المحدِّث القمّيّ قضيّة معن بن زائدة الشيبانيّ الذي كان معاشراً لابن هُبَيْرة، و كان من أجواد زمانه و شجعانه، حين فرّ بدهاء من بغداد خوفاً من المنصور.۱

  • و أعطى الأمان لعمّه عبد الله بن عليّ، ثمّ قتله.٢

  • كان الوفاء بالعهد معظَّماً عند العرب. و إذا أعطوا الأمان لأحدٍ، فإنّهم يقاومون للمحافظة عليه حتى بذل المهج. و إذا غدر امرؤ بالعهد و نقض أمانه فإنّه يظلّ معروفاً بالقُبح و الشناعة عند قومه و أرحامه إلى الأبد. و كان المنصور يعطي الأمان بيُسر. فيأتي الشخص عنده على أساس هذه السنّة السنيّة في حفظ ذمّته و عهده، و إذا المنصور يضرب عنقه في أوّل ما يراه.

  • و عند ما كتب رسالة إلى محمّد النفس الزكيّة نجل عبد الله المحض، و آمنه فيها مفصّلًا و ذكر أنّ له عليه عهد الله و ميثاقه و ذمّته و ذمّة رسوله،٣ أجابه محمّد عنها، و من جملة ما قال له في الجواب:

  • أنَا أوْلَى بِالأمْرِ مِنْكَ وَ أوْفَى بالعَهْدِ! لأنَّكَ أعْطَيْتَنِي مِنَ العَهْدِ

    1. «تتمّة المنتهى» ص ٢۰٢ و ٢۰٣.
    2. قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص ۸٢: و كان( المنصور) قد حبس عمّه عبد الله بن عليّ من سنة ۱٣۸ في دار لتخرّ عليه فيموت سنة ۱٤۷ ه-. و عبد الله عمّه و قائده المنتصر على آخر ملوك بني اميّة يوم الزاب. لكنّه خرج عليه، فأرسل إليه جيشاً بقيادة أبي مسلم الخراسانيّ. و لجأ عبد الله إلى أخويه: سليمان و عيسى فأخذا له عهداً على المنصور كتبه ابن المقفّع، و فيه: و متى غدر أمير المؤمنين بعمِّه فنساؤه طوالق، و دوابّه حبس، و عبيده أحرار، و المسلمون في حلّ من بيعته.
      فأمّا أبو مسلم فسيدعوه أبو جعفر إلى قصره بعد أمان يعطيه إيّاه ثمّ يخرج عليه عبيده فيقتلونه أمامه. و أمّا عبد الله بن المقفّع فسيقتله والي أبي جعفر سنة ۱٤٢ فيشفي صدر أبي جعفر.
    3. «تاريخ الطبريّ»، ج ۷، ص ٥٦٦، الطبعة السابقة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

214
  • و الأمَانِ مَا أعْطَيْتَهُ رِجَالًا قَبْلِي! فَأيّ الأمَانَاتِ تُعْطِينِي؟! أمَانَ ابْنِ هُبَيْرَةَ؟! أمْ أمَانَ عَمِّكَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيّ؟! أمْ أمَانَ أبي مُسْلِمٍ؟!۱

  • ذكر الطبريّ أنّ المنصور لمّا حجّ سنة ۱٤۰ ه- أمر رياحاً٢ بأخذ بني حسن، و وجّه في ذلك أبا الأزهر المهريّ.

  • و قد كان حبس عبد الله بن حسن، فلم يزل محبوساً ثلاث سنين (حتى مات). فكان حسن بن حسن قد نصل خضابه تسلّياً على عبد الله.

  • فكان أبو جعفر المنصور يقول: مَا فَعَلَتِ الحَادَّةُ؟!

  • قال: فأخذ رياح حسناً (المثلّث) و إبراهيم (الغمر) ابنَي حسن بن حسن، و حسن بن جعفر بن حسن بن حسن، و سليمان و عبد الله ابنَي داود بن حسن بن حسن، و محمّداً و إسماعيل و إسحاق أبناء إبراهيم (الغمر) ابن حسن بن حسن، و عبّاس بن حسن، (المثلّث) بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب.

  • أخذوه على بابه، فقالت امّه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر: دَعُونِي أشُمَّهُ! قَالُوا: لَا وَ اللهِ مَا كُنتِ حَيَّةً في الدُّنْيَا!

  • و عليّ بن حسن (المثلّث) بن حسن بن حسن العابد، و حبس معهم

    1. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٦۸.
    2. ولى رياح بن عثمان المرّيّ المدينة للمنصور. ذكره المستشار عبد الحليم الجنديّ بالباء الموحّدة في كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص ۱٢٤ و ۱٢٥، و قال: و في إمرته اقتحم الجند منازل أهل البيت فأخرجوا منها رجالهم إلى السجون. و مرّت مواكب أهل البيت في شوارع المدينة و هم في الأصفاد، هزلهم العذاب و الأيّام الشداد، ثمّ سيقوا إلى الكوفة ليودعوا السجن حيث حُبِسوا- كما يقول المسعوديّ في« مروج الذهب»- في سرداب تحت الأرض، لا يعرفون الليل من النهار حتى مات أكثرهم، ثمّ خرّ عليهم، ليموت تحت انقاضه الأحياء منهم، و يدفن الذين سبقوهم إلى الموت دون أن يُعني بهم أحد.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

215
  • أبو جعفر الدوانيقيّ عبد الله بن حسن بن حسن أخا عليّ (أي: الابن الآخر للحسن المثلّث و كان أخا عليّ).۱

  • و حدّثني ابن زبالة، قال: سمعتُ بعض علمائنا يقول: مَا سَارَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنٍ أحَداً قَطُّ إلَّا فَتَلَهُ عَنْ رَأيِهِ.٢

  • و حجّ أبو جعفر المنصور في سنة ۱٤٤ ه- أيضاً، فتلقّاه رياح بالربذة.

  • فردّه إلى المدينة، و أمره بإشخاص بني حسن إليه، و بإشخاص محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، و هو أخو بني حسن لُامِّهم. امّهم جميعاً فاطمة ابنة حسين بن علي بن أبي طالب.

  • اعتقال المنصور بني الحسن في سجن الهاشميّة

  • و بعد حبس بني حسن بالمدينة ثلاث سنين، سير بهم إلى الكوفة.

  • و توجّه المنصور من الربذة إلى الكوفة، و هو في محمله. و قيّد بني حسن و محمّداً الديباج٣ بالأغلال و أجلسهم في المحامل بلا غطاء و لا وطاء

    1. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٢۷.
    2. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٣٩.
    3. الديباج هو الحرير. و كان جسم محمّد أبيض جميلًا يتلألأ كالحرير. قال المرحوم المحدِّث القمّيّ في« منتهى الآمال» ج ۱، ص ۱٩۷( ما تعريبه): كان جسم محمّد كسبيكة الفضّة ثمّ اسودّ كجسم الزنوج، و جحظت إحدى عينيه من ضرب السياط. و قال في ص ۱٩٩: بايع المنصور محمّداً النفس الزكيّة مرّتين. إحداهما في المسجد الحرام، و الاخرى في الأبواء. و قال أيضاً: و كان محمّد متخفيّاً في شعاب الجبال. و كان ذات يوم في رضوي مع أمَة له امّ ولد، و طفل رضيع. و حين رأى غلاماً جاء في طلبه من قبل المنصور، هرب، و هربت الجارية فسقط الصبيّ منها فتقطّع. و نقل هذا أبو الفرج الإصفهانيّ.
      أقول: و ذكره الطبريّ في تاريخه أيضاً، ج ۷، ص ٥٣٥، الطبعة الرابعة، و أضاف أنّه قال في تلك الحالة:
      منخرق السِّربال يشكو الوَجَى

      تَنكُبُهُ أطرافُ مَرْوٍ حِدادْ
      شَرَّده الخوفُ فأزْرَي به

      كَذاك من يَكْرَهُ حَرَّ الجِلادْ
      قد كان في الموت له راحة

      و الموتُ حتمٌ في رقاب العبادْ




معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

216
  • و أخذهم معه إلى الكوفة، و حبسهم بالهاشميّة قرب القنطرة.

  • و كان السجن مظلماً حتى أنّهم لم يعرفوا الليل من النهار، و ورمت أجسامهم بسبب رائحة السجن النتنة و ماتوا جميعهم في السجن.۱

  • و كان السجن مظلماً إلى حدٍّ أنّهم كانوا لا يعرفون أوقات الصلاة إلّا بأحزاب كان يقرؤها عليّ بن حسن (ابن الحسن المثلّث و كان يُسمّى العابد).

  • قال عمر: و حدّثني ابن عائشة، قال: سمعتُ مولى لبني دارم، قال:

  • قلتُ لبشير الرحّال: ما يُسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟!

  • قال: إنّه أرسل إلى بعد أخذه عبد الله بن حسن فأتيتُه، فأمرني يوماً بدخول بيت فدخلته، فإذا بعبد الله بن الحسن مقتولًا. فسقطتُ مغشيّاً علَيّ.

  • فلمّا أفقتُ أعطيتُ الله عهداً ألّا يختلف في أمره سيفان إلّا كنتُ مع الذي عليه منهما. و قلت للرسول الذي معي من قبله: لا تخبره بما لقيتَ، فإنّه إن علم قتلني.

  • قال عمر: فحدّثتُ به هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد من أهل همدان، و هو العبّاسيّ أنّ أبا جعفر أمر بقتله. فخلف بالله ما فعل ذلك، و لكنّه دسَّ إليه مَن أخبره أنّ محمّداً قد ظهر فقُتل، فانصدع قلبه، فمات.

  • قال: و حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: قال من بقي منهم (غير الذين قتلوا): إنّهم كانوا يسقون. فماتوا جميعاً إلّا سليمان و عبد الله ابنَي داود بن حسن بن حسن، و إسحاق و إسماعيل ابنَي إبراهيم بن حسن بن

    1. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٤۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

217
  • حسن، و جعفر بن حسن. فكان مَن قتل منهم إنّما قتل بعد خروج محمّد.۱

  • موقف المنصور من محمّد الديباج و تعذيبه

  • و لمّا حُمِل المحبوسون من بني الحسن إلى المنصور في الربذة. بعث إلى محمّد الديباج فلمّا ادخل عليه، قال: أخبرني عن الكذّابَيْنِ ما فعلا؟

  • و أين هما؟ (يريد المنصور محمّداً و إبراهيم ابنَي عبد الله بن حسن).

  • قال: و الله يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم! قال: لتَخبرني!

  • قال: قد قلتُ لك، و أنّي و الله لصادق! و لقد كنتُ أعلم علمهما قبل اليوم، و أمّا اليوم فما لي و الله بهما علم!

  • قال: جرّدوه. فجُرِّد، فضربه مائة سوط، و عليه جامعة حديد في يده إلى عنقه. فلمّا فرغ من ضربه اخرج فالبس قميصاً له قوهيّاً٢ على الضرب، و اتي به الينا.٣

  • فو الله ما قدروا على نزع القميص من لصوقه بالدم، حتى حلبوا عليه شاةً. ثمّ انتزع القميص، ثمّ داووه.

  • فقال أبو جعفر: احدروا بهم إلى العراق! فقدم بهم إلى الهاشميّة، فحُبسوا بها. فكان أوّل من مات في الحبس عبد الله بن حسن: فجاء السجّان، فقال: ليخرج أقربكم به فليصلّ عليه. فخرج أخوه حسن بن حسن بن حسن عليّ عليهم السلام، فصلّى عليه.

  • ثمّ مات محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. فأخذ رأسه، فبعث به مع جماعة من الشيعة إلى خراسان. فطافوا في كور خراسان. و جعلوا يحلفون بالله أنّ هذا رأس محمّد بن عبد الله بن فاطمة ابنة رسول الله

    1. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٤٩.
    2. القوهيّ: ثياب بيض تُنسب إلى قوهستان، كورة بين نيسابور و هراة.
    3. قائل هذا الكلام هو عبد الرحمن بن أبي الموالي.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

218
  • صلّى الله عليه و آله؛ يوهمون الناس أنّه رأس محمّد بن عبد الله بن حسن الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية.۱

  • و ممّن أفتى بالخروج مع محمّد على المنصور هو مالك بن أنس.

  • و عند ما قيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، قال: إنَّمَا بَايَعْتُمْ مُكْرَهِينَ وَ لَيْسَ عَلَى كُلِّ مُكْرَهٍ يَمِينٌ!٢ فأسرع الناس إلى محمّد، و لزم مالك بيته.

  • و ذكر المحدِّث القمّيّ رحمه الله أنّ محمّداً النفس الزكيّة خرج بالمدينة في غرّة رجب سنة ۱٤٥ ه-، و قُتل بأحجار الزيت بالمدينة في أواسط شهر رمضان. و كانت المدّة منذ ظهروه حتى مقتله شهرين و سبعة عشر يوماً. و كان له من العمر خمس و أربعون سنة.

  • و خرج أخوه إبراهيم بالبصرة في غرّة شوّال- و على قول- في رمضان سنة ۱٤٥ ه-. ثمّ قدم الكوفة بدعوة من أهلها، و قُتل بباخَمْرا في أرض الطفّ على ستّة عشر فرسخاً من الكوفة.٣ و كان قتله في يوم الاثنين من شهر ذي الحجّة سنة ۱٤٥ ه-، و هو ابن ٤۸ سنة. و أمر المنصور بأخذ رأسه إلى أبيه عبد الله في سجن الهاشميّة ببغداد.٤

  • قال الملّا جلال الدين السيوطيّ: و كان (المنصور) فحل بني العبّاس هيبةً و شجاعة و حزماً و رأياً و جبروتاً، جمّاعاً للمال، تاركاً اللهو و اللعب،

    1. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٥۱.
    2. «تاريخ الطبريّ» ج ۷، ص ٥٦۰.
    3. قال السيوطيّ في« تاريخ الخلفاء» ص ٢٦۱: و في سنة خمس و أربعين و مائة كان خروج الأخوين محمّد و إبراهيم ابنَي عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
      فظفر بهما المنصور فقتلهما و جماعة كثيرة من آل البيت، فَإنَّا لِلَّهِ وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
    4. «منتهى الآمال» ج ۱، ص ۱٩٩ و ٢۰٢، طبعة علميّة إسلاميّة بالقطع الرحليّ( الكبير).

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

219
  • كامل العقل، جيّد المشاركة في العلم و الأدب، فقيه النفس. قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه. و هو الذي ضرب أبا حنيفة على القضاء، ثمّ سجنه، فمات بعد أيّام. و قيل: إنّه قتله بالسمّ لكونه أفتى بالخروج عليه.

  • و كان فصيحاً بليغاً مفوَّهاً خليقاً للإمارة. و كان غاية في الحرص و البخل، فلقِّب «أبا الدوانيق» لمحاسبته العمّال و الصنّاع على الدوانيق و الحبّات.

  • امّه سلامة البربريّة امّ ولد. و في سنة ثمان و ثلاثين و مائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الامويّ إلى الأندلس. و استولى عليها و امتدّت أيّامه. و بقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة. و كان عبد الرحمن هذا من أهل العلم و العدل، و أمّه بربريّة.

  • قال أبو المظفّر الأبيورديّ: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتَين:

  • المنصور و عبد الرحمن بن معاوية.۱

  • المنصور أوّل مثير للخلاف بين العبّاسيّين و العلويّين

  • و كان العلويّون و العبّاسيّون حتى عصر المنصور متّفقين على رأي واحد، و كانوا يتعاونون لحلّ المشاكل. و يواصلون طريقهم جميعاً بوصفهم أرحام رسول الله. و كان عدوّهم الوحيد و خصمهم المعارض هم بني اميّة الذين شكّلوا جبهة مناوئة لبني هاشم مارست ضدّهم الحرب و الجدال و الأسر و النهب و القتل و سائر الأعمال العدائيّة. أمّا المنصور فقد مزّق أوصال هذا الاتّحاد، و لم يأل جهداً في التفريق بينهما. فانكسر العلويّون و غُلبوا على أمرهم بعد ذلك. و صارت القدرة و السلطة و الشوكة للعبّاسيّين.

  • و ظلّ الخلاف بينهما متأجّجاً على امتداد خمسمائة سنة من الحكم العبّاسيّ.

  • و يعود هذا إلى ما كان يحمله المنصور من روح استكباريّة فرعونية جبروتيّة فحسب. و يُلحَظُ في التأريخ أنّه هو الذي سنّ هذا الخلاف و وضع

    1. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٥٩ و ٢٦۰، الطبعة الرابعة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

220
  • قواعده.

  • قال السيوطيّ: و كان المنصور أوّل من أوقع الفتنة بين العبّاسيّين و العلويّين، و كانوا قبل شيئاً واحداً. و آذى المنصور خلقاً من العلماء ممّن خرج مع محمّد و إبراهيم أو أمر بالخروج قتلًا و ضرباً و غير ذلك. منهم أبو حنيفة، و عبد الحميد بن جعفر، و ابن عجلان ....

  • و في سنة سبع و أربعين و مائة خلع المنصور عمّه عيسى بن موسى من ولاية العهد. و كان السفّاح عهد إليه من بعد المنصور. و كان عيسى هو الذي حارب له الأخوين محمّداً و إبراهيم فظفر بهما. فكافأه بأن خلعه مكرهاً، و عهد إلى ولده المهدي.۱

  • و في سنة ثمان و خمسين و مائة أمر المنصور نائب مكّة بحبس سفيان الثوريّ، و عبّاد بن كثير فحُبسا. و تخوّف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحجّ. فلم يوصله الله مكّة سالماً، بل قدم مريضاً و مات، و كفاهما الله شرّه. و كانت وفاته بالبطن في ذي الحجّة، و دُفن بين الحجون و بئر ميمون.

  • و قال سلم الخاسر:

  • قَفَلَ الحَجِيجُ وَ خَلَّفُوا ابْنَ محَمَّدٍ *** رَهْناً بِمَكَّةَ في الضَّرِيحِ المُلْحَدِ

  • شَهِدُوا المَنَاسِكَ كُلَّهَا وَ إمَامُهُمْ *** تَحْتَ الصَّفَائِحِ مُحْرِماً لَمْ يَشْهَدِ٢

  •  *** 

  • شدّة حرص المنصور الدوانيقيّ و بخله

  • و من أخبار المنصور في البخل و خسّة النفس و لؤم الطبع ما رواه السيوطيّ أيضاً عن ابن عساكر بسنده عن أبي جعفر المنصور أنّه كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلًا من المنازل، قبض عليه صاحب الرصد، فقال: زِنْ دِرْهَمَيْنِ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ!

    1. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦۱.
    2. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦٢ و ٢٦٣.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

221
  • قال المنصور: خلِّ عنّي فإنّي رجل من بني هاشم.

  • قال: زِن درهمين!

  • فقال: خلِّ عنّي فإنّي من بني عمّ رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم!

  • قال: زِن درهمين!

  • قال: خلِّ عنّي فإنّي رجل قارئ لكتاب الله!

  • قال: زِن درهمين!

  • قال: خلِّ عنّي فإنّي رجل عالم بالفقه و الفرائض!

  • قال: زِن درهمين!

  • فلمّا أعياه أمره وزن الدرهمين:، فرجع و لزم جمع المال و التدنّق فيه حتّى لُقِّب بأبي الدوانيق.۱

  • و أخرج أيضاً عن ابن عساكر، عن يونس بن حبيب قال: كتب زياد ابن عبد الله الحارثيّ إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه و أرزاقه، و أبلغ في كتابه، فوقع المنصور في القصّة، إن الغنى و البلاغة إذا اجتمعتا في رجل أبطرتاه، و أمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتفِ بالبلاغة!

  • و أخرج عن محمّد بن سلام، قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعاً، فقالت: خليفة و قميصه مرقوع، فقال: ويحك! أ ما سمعتِ قول ابن هَرْمَةَ:

  • قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى وَ رِدَاؤُهُ *** خَلِقٌ وَ جَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ

  •  *** 

  • و قال العسكريّ في «الأوائل»: كان المنصور في ولد العبّاس كعبد الملك في بني اميّة في بُخله. رأى بعضهم عليه قميصاً مرقوعاً، فقال:

    1. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦٣.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

222
  • سُبْحَانَ مِنَ ابْتَلَى أبَا جَعفَرٍ بِالفَقْرِ في مُلْكِهِ.

  • وَ حَدَا بِهِ سَلْمَ الحَادِي.۱ فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة، فأجازه بنصف درهم. فقال: لقد حدوتُ بهشام، فأجازني بعشرة آلاف! فقال: ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال! يا ربيع؟ وَكِّلْ به مَنْ يقبضها منه! فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهاباً و إياباً بغير شيء.٢

  • و على عكس المنصور ولده المهدي. فقد كان جواداً، حسن الأخلاق، ممدوحاً، محبّباً إلى الرعيّة. و نقل الدميريّ أنّ المنصور حين هلك كان في خزائنه ستّون ألف ألف دينار (ستّون مليوناً) و مائة ألف ألف درهم (مائة مليون). فوزّعها المهدي على الناس. و نُقل أنّه أجاز شاعراً بمائة ألف درهم.٣

  • و من البيّن أنّ ارتداء المنصور القميص المرقوع ليس من كمال زهده. فقد شدَّ عُقَدَ مآزره من أجل جمع أموال الناس و ملء بيت المال و الخزانة. وفاق فراعنة الدهر و جبابرة التأريخ في إراقة دماء المظلومين و الأبرياء. فادّخار ستّين مليون دينار ذهب و مائة مليون درهم فضّة أمر يحتاج إلى محاسبين حاذقين من أجل توزيعه بين الناس.

  • و أخرج ابن عساكر أيضاً عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ. و الملوك

    1. قال في« أقرب الموارد» في مادّة( حدو): حَدَا يَحْدُو حَدْواً وَ حُدَاءً، يقال:« ما أمْلَحَ حُدَاءَهُ» و- الإبِلَ و- بها: ساقها و غنّى لها فهو( حادٍ ج حُداة) و سَلَّام الحادي مَثَلٌ في طَيِّب الحُدَاءِ. قيل:« أظمئوا الإبل شديداً ثمّ أوردوها الماءَ و وَقَفَ سلَّام من ورائها يحدو لها فانصرفت عن الماء إليه».
    2. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦۷، الطبعة الرابعة.
    3. «تتمّة المنتهى» ص ٢۰٥، الطبعة الثالثة.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

223
  • أربعة: معاوية، و عبد الملك، و هشام، و أنا.

  • و أخرج أيضاً عن مالك بن أنس، قال: دخلتُ على أبي جعفر المنصور، فقال: مَن أفضل الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه و آله؟

  • قلتُ: أبو بكر، و عمر. قال: أصبتَ. و ذلك رأي أمير المؤمنين.

  • و لم يكن ابتعاد المنصور عن اللهو و اللعب للّه و في الله. بل كانت مجالس شربه و غنائه تقام خلف الستار على مسافة عن ندمائه.

  • و روى السيوطيّ بإسناده عن الصوليّ، عن إسحاق الموصليّ قال:

  • لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب و لا غناء، بل يجلس و بينه و بين الندماء ستارة، و بينهم و بينها عشرون ذراعاً، و بينهما و بينه كذلك. (أي:

  • أربعون ذراعاً تعادل عشرين متراً تقريباً). و أوّل من ظهر للندماء من خلفاء بني العبّاس المهدي.۱

  • و أكّد السيوطيّ مرّة اخرى أنّ المنصور هو سبب التفرقة بين العلويّين و العبّاسيّين. و حكي عن محمّد بن عليّ الخراسانيّ أنّه قال:

  • المنصور أوّل خليفة قرّب المنجّمين و عمل بأحكام النجوم، و أوّل خليفة تُرجمت له الكتب السريانيّة و الأعجميّة للعربيّة، ككتاب كليلة و دمنة، و أقليدس، و هو أوّل من استعمل مواليه على الأعمال و قدّمهم على العرب، و كثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب و قيادتها، و هو أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العبّاس و ولد عليّ، و كان قبل ذلك أمرهم واحداً.٢

  • استدعاء الامويّين الإمام الصادق عليه السلام إلى الشام

  • قال آية الله الشيخ محمّد حسين المظفّر: مُني الإمام الصادق عليه السلام بمعاصرة الدولتين المروانيّة و العبّاسيّة، و شاهد منهما معاً ضروب

    1. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦٩.
    2. «تاريخ الخلفاء» ص ٢٦٩ و ٢۷۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

224
  • الأذى و التضييق.

  • فكم أزعجوه من دار الهجرة يُحمل إلى فرعون أيّامه من دون جرم سوى أنّه صاحب الخلافة و الإمامة حقّاً. فحُمل مرّة إلى الشام مع أبيه الباقر عليه السلام أيّام بني مروان، و إلى العراق عدّة مرّات۱ في عهد بني العبّاس أبناء عمّه، مرّة في عهد السفّاح إلى الحيرة، و مرّات في عهد

    1. في« المناقب» لابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۱۸٣ إلى ۱۸٤، الطبعة الحجريّة، و ج ۱، ص ٢٦۱، الطبعة الحديثة، في باب ميراث رسول الله صلّى الله عليه و آله، عن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، و معتّب و مصادف موليا الإمام الصادق عليه السلام في خبر أنّه لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العبّاس و شكوا من الصادق عليه السلام أنّه أخذ تركات ماهر الخصيّ دوننا. فخطب أبو عبد الله عليه السلام، فكان ممّا قال: إن الله تعالى لمّا بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه و الناصر له، و أبوكم العبّاس و أبو لهب يكذّبانه و يؤلّبان عليه شياطين الكفر و أبوكم يبغي له الغوائل و يقود إليه القبائل في بدر، و كان في أوَّل رعيلها و صاحب خيلها و رجلها المُطعِم يومئذٍ و الناصب الحرب له. ثمّ قال: فكان أبوكم طليقنا و عتيقنا، و أسلم كارهاً تحت سيوفنا، لم يهاجر إلى الله و رسوله هجرة قطّ، فقطع الله ولايته منّا بقوله:« الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ»( الآية ۷٢، من السورة ۸: الأنفال) في كلام له؛ ثمّ قال: هذا مولى لنا مات فخرنا تراثه إذ كان مولانا، و لأنّا ولد رسول الله صلّى الله عليه و آله و امُّنا فاطمة أحرزت ميراثه.
      و نقل العلّامة المجلسيّ في« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۷٦، الطبعة الحديثة، هذا الحديث في ترجمة الإمام الصادق عليه السلام، و قال في بيانه: ألَّبْتُ الجيش: جَمَعتُهُ.
      و التاليب: التحريص، و الرعيل، القطعة من الخيل.
      و ذكر العلّامة الشيخ محمّد حسين المظفّر هذا الحديث أيضاً في كتاب« الإمام الصادق عليه السلام» ج ٢، ص ۸، ضمن خطب الإمام، و قال في ذيله: إن الصادق أرفع من أن يواقف بني العبّاس من جرّاء المال، و لكنّي أخال أنّه يريد أن يكشف حالًا للعبّاس كانت مجهولة، لأنّ الملك سوف يوافي بنيه، فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب. و هذا الكلمات على و جازتها تفيد التأريخ فوائد جمّة، و لا أحسب أنّ التأريخ يذكر للعبّاس تلك المواقف!

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

225
  • المنصور إلى الحيرة، و إلى الكوفة، و إلى بغداد.۱

  • و روى الكلينيّ بسنده عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام، قال و هو بالحيرة في زمان أبي العبّاس السفّاح: أنّي دخلت عليه و قد شكّ الناس في الصوم، و هو و الله من شهر رمضان، فسلّمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله! أ صمتَ اليوم؟! فقلتُ: لا! و المائدة بين يديه! قال:

  • فادنُ فكُل! قال: فدنوتُ فأكلتُ.

  • قال: و قلتُ: الصَّوْمُ مَعَكَ وَ الفِطْرُ مَعَكَ.

  • فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: تُفْطِرُ يَوْماً مِن شَهْرِ رَمَضَانَ؟!

  • فقال عليه السلام: أي وَ اللهِ افْطِرُ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أحَبُّ إلى مِنْ أنْ يُضْرَبَ عُنُقِي.٢

  • و كذلك روى الكلينيّ بسند آخر عن الإمام أنّه قال:

  • دَخَلْتُ عَلَى أبي العَبَّاسِ بِالحِيرَةِ فَقَالَ: يَا أبَا عَبْدِ اللهِ! مَا تَقُولُ في الصِّيَامِ اليَوْمَ؟! فَقُلْتُ: ذَاكَ إلى الإمامِ. إن صُمْتَ صُمْنَا، وَ إن أفْطَرْتَ أفْطَرْنَا!

  • فَقَال: يَا غُلَامُ عَلَيّ بِالمَائِدَةِ فَأكَلْتُ مَعَهُ، وَ أنَا أعْلَمُ وَ اللهِ إنَّهُ يَوْمٌ مِنْ يَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَكَانَ إفْطَارِي يَوْماً وَ قَضَاؤُهُ أيْسَرَ عَلَيّ مِنْ أنْ يُضْرَبَ عُنُقِي وَ لَا يُعْبَدُ اللهُ!٣

    1. «تاريخ الشيعة» ص ٤٣.
    2. «الكافي» ج ٣، ص ۸٣؛ و نقله المجلسيّ عن« الكافي» في« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ٢۱۰، الطبعة الحديثة.
    3. «فروع الكافي» ج ٣، ص ۸٢؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ٢۱۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

226
  • استدعاء المنصور الإمام الصادق من المدينة إلى قصر الحمراء

  • جاء في كتاب «مهج الدعوات» للسيّد ابن طاووس عن كتاب قديم بسنده عن محمّد بن الربيع الحاجب قال: قعد المنصور يوماً في قصره في القبّة الخضراء، و كانت قبل قتل محمّد و إبراهيم تُدعى الحمراء. و كان له يوم يقعد فيه يسمّى ذلك اليوم يوم الذبح. و قد كان أشخص جعفر بن محمّد عليه السلام من المدينة. فلم يزل في الحمراء نهاره كلّه حتى جاء الليل و مضى أكثره، قال: ثمّ دعا أبي الربيع، فقال: يا ربيع! إنّك تعرفت موضعك منّي ... صِرِ الساعة إلى جعفر بن محمّد ابن فاطمة، فأتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغيّر شيئاً ممّا عليه ....

  • إلى أن قال: فأخرجته حافياً حاسراً قميصه و منديله ... فوقف بين يديه.

  • فلمّا نظر إليه، قال: وَ أنْتَ يَا جَعْفَرُ مَا تَدَعُ حَسَدَكَ وَ بَغْيَكَ وَ إفْسَادَكَ عَلَى أهْلِ هَذَا الْبَيْتِ مِنْ بني عَبَّاسٍ. وَ مَا يَزَيدُكَ اللهُ بِذَلِكَ إلَّا شِدَّةَ حَسَدٍ وَ نَكَدٍ مَا تَبْلُغُ بِهِ مَا تَقْدِرُهُ!

  • فقال له: و الله يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً من هذا، و لقد كنتُ في ولاية بني اميّة و أنت تعلم أنّهم أعداء الخلق لنا و لكم، و أنّهم لا حقّ لهم في هذا الأمر ... فكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟!

  • ثمّ رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه، و قال:

  • هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي و أن يبايعوك دوني!

  • فقال: و الله يا أمير المؤمنين ما فعلتُ و لا أستحلُّ ذلك، و لا هو من مذهبي، و قد بلغتُ من السنّ ما قد أضعفني من ذلك!

  • ثمّ قال: يا جعفر! أ ما تستحي مع هذه الشيبة، و مع هذا النسب أن

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

227
  • تنطق بالباطل! و تشقّ عصا المسلمين! تريد أن تريق الدماء، و تطرح الفتنة بين الرعيّة و الأولياء!

  • فقال: لا و الله يا أمير المؤمنين ما فعلتُ! و لا هذه كتبي و لا خطّي، و لا خاتمي!

  • ثمّ قال المنصور: يا ربيع! هات العيبة، فأتاه بها فقال: أدخل يدك فيها، فكانت مملوّة غالية. وضعها في لحيته و كانت بيضاء فاسودّت.

  • و قال لي: احمله على فاره من دوأبي التي أركبها، و أعطه عشرة آلاف درهم، و شيّعه إلى منزلة مكرّماً، و خيّره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه، و الانصراف إلى مدينة جدّه رسول الله صلّى الله عليه و آله.

  • (تخلّل هذا الحوار استلالُ السيف و العزم على قتل الإمام ثلاث مرّات في فترات مختلفة إلّا أنّ الله سبحانه دفع عنه شرّ المنصور بأدعية كان يتوسّل بها).

  • ثمّ قال المنصور للربيع: يا ربيع! قد كنتُ مصرّاً على قتل جعفر، و أن لا أسمع له قولًا! و لا أقبل له عذراً. و كان أمره و إن كان ممّن لا يخرج بسيف أغلظ عندي و أهمّ علَيّ من أمر عبد الله بن الحسن. فقد كنتُ أعلم هذا منه و من آبائه على عهد بني اميّة. و هممت بقتله ثلاث مرّات فظهر لي رسول الله فعلمت أنّي إذا قتلته ففي قتله حتفي، فانصرفتُ عن ذلك.

  • و فصّل المنصور للربيع ما رآه في المرّات الثلاث. ثمّ قال له: إيّاك أن يسمع هذا منك أحد.۱٢

  • معرفة الإمام ؛ ج۱۷ ؛ ص٢٤۱

    1. «مهج الدعوات» ص ۱٩٢؛ و« بحار الأنوار»، ج ٤۷، ص ۱٩٥ إلى ٢۰۰، تاريخ الإمام جعفر الصادق عليه السلام، الطبعة الحديثة.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، ۱۸جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: ۱، ۱٤۱٦ ه.ق.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

228
  • حوار المنصور مع الإمام الصادق عليه السلام و لين الإمام

  • استدعاء المنصور الإمام من المدينة إلى الكوفة

  • بعد قتل محمّد و إبراهيم

  • روى أبو الفرج الأصفهانيّ بإسناده عن يونس بن أبي يعقوب قال:

  • حدّثنا جعفر بن محمّد صلوات الله عليه من فيه إلى اذني قال: لمّا قُتِل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرا۱ و حشرنا من المدينة، فلم يترك فيها منّا محتلم، حتى قدمنا الكوفة فمكثنا فيها شهراً نتوقّع فيها القتل.

  • ثمّ خرج الينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلويّة؟! أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى.

  • قال: فدخلنا إليه أنا و حسن بن زيد. فلمّا صرتُ بين يديه، قال لي:

  • أنت الذي تعلم الغيب؟! قلتُ: لا يعلم الغيب إلّا الله! قال: أنت الذي يُجبى اليك هذا الخراج؟! قلتُ: اليك يُجبى يا أمير المؤمنين الخراج! قال:

  • أ تدرون لِمَ دعوتكم؟! قلتُ: لا!

  • قال (المنصور): أرَدْتُ أنْ أهْدِمَ رِبَاعَكُمْ، وَ اغَوِّرَ قَليبَكُمْ، وَ أعْقِرَ نَخْلَكُمْ، وَ انْزِلَكُمْ بِالشَّرَاةِ٢ لَا يَقْرَبُكُمْ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الحِجَازِ وَ أهْلِ العِرَاقِ، فإنَّهُمْ لَكُمْ مَفْسَدَةٌ!

  • فقلتُ له: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إن سُلَيْمَانَ اعْطِيَ فَشَكَرَ، وَ إن أيُّوبَ

    1. باخمرا: بالراء المهملة موضع بين الكوفة و واسط. و هو إلى الكوفة أقرب. به قبر إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن قتله بها أصحاب المنصور. و إيّاها عني دعبل بن عليّ الخزاعيّ بقوله:
      و قبرٌ بأرض الجوزجان محلّه

      و قبرٌ بباخمرا لدى الغربات




    2. الشراة: جبل شامخ مرتقع من دون عسفان تأوي إليه القرود. و اسم صقع بالشام بين دمشق و المدينة. من بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد على بن عبد الله بن عبّاس في أيّام بني مروان.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

229
  • ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَ إن يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَ أنْتَ مِنْ ذَلِكَ النَّسْلِ!۱

  • فتبسَّم (المنصور) و قال: أعِدْ عَلَيّ! فأعدتُ، فقال: مِثْلُكَ فَلْيَكُنْ زَعِيمَ القَوْمِ، وَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَ وَهَبْتُ لَكُمْ جُرْمَ أهْلِ البَصْرَةِ!

  • حَدِّثْني الحديث الذي حدَّثتني عن أبيك، عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله!

  • قلتُ: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: صِلَةُ الرَّحِمِ تَعْمُرُ الدِّيَارَ، وَ تُطِيلُ الأعْمَارَ، وَ تُكْثِرُ الغُمَّارَ وَ إن كَانُوا كُفَّاراً.

  • فقال (المنصور): ليس هذا.

  • فقلتُ: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: الأرْحَامُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تُنَادي: صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَ اقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي!

  • قال: ليس هذا!

  • قلتُ: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: إن اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: أنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَ شَقَقْتُ لَهَا اسْماً مِن اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَ مَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ.

  • قال: ليس هذا الحديث!

  • قلتُ: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله: إن مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الأرْضِ كَانَ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُ سِنِينَ فَوَصَلَ رَحِمَهُ فَجَعَلَهَا اللهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.

    1. ذكر محمّد بن طلحة الشافعيّ في كتاب« مطالب السئول» ص ۸٢، الطبعة الحجريّة، مضمون هذا الحديث.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

230
  • فقال: هذا الحديث أردتُ، أيّ البلاد أحبّ اليك. فو الله لأصلنّ رحمي اليكم. قلنا: المدينة! فسرّحنا إلى المدينة و كفى الله مئونته.۱

  • إغلاق الإمام الصادق عليه السلام كلّ طريق للانتهاك أمام المنصور

  • و نلحظ في هذا الحديث أنّ الإمام عليه السلام أخذ بنظر الاعتبار جميع أطرافه و جوانبه الوجوديّة. و قد أفحمه أمام عواطفه حتى أنّه لم يجد مناصاً إلّا التسليم للحقّ.

  • و كان المنصور يرى نفسه عالماً فقيهاً، و من أهل التفسير و الحديث.

  • و يحسب أنّه من نوادر الدهر في حدّة الذكاء و سرعة الانتقال في الفهم.

  • و قد أشعره الإمام بهذه العبارات القصيرة قائلًا له: أنت تدّعى بالعلم و التقوى و الزهد، و انّك شغلتَ هذا المنصب نيابة عن الرسول الأكرم، و تربّعت على هذا العرش كخليفة من خلفاء الله، فثُب إلى رُشدك لحظة و انظر: فقد كان سليمان من أسلافك و بلغت قدرته و عظمته درجة أنّ الجنّ و الإنس سُخِّرا له، و أنّ الرياح تجري بأمره. فلم يجحد تلك النعمة، و وضع كلّ شيء في موضعه، و هذا هو عين العدالة. أمّا أنت فلم تبلغ ما بلغ سليمان من القدرة و العلم، فإذا كنتَ تتعامل معنا أو مع أهل البصرة هكذا بلا جرم و لا ذنب، فقد أسأتَ استعمال السلطة، و أصبحتَ جاحداً مكان أن تكون شاكراً! و عاقبتَ رجالًا أبرياء من غير جريرة!

  • و انظر فقد ظُلِم يوسف، و ألقاه إخوته في غيابت الجُبِّ. بَيدَ أنّه حين حَكَمَ و تمكّن، و رأى إخوته البائسين أذلّاء أمامه، عفا عنهم بقوله

    1. «مقاتل الطالبيّين» ص ٤٥۰، و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ٢۱۱ و ٢۱٢، الطبعة الحديثة؛ و روى العلّامة المجلسيّ هذا المضمون من الرواية في« البحار» ج ٤۷، ص ۱۸۷ و ۱۸۸، بسند آخر عن« غوالي اللئالي». و نلحظ في صدرها أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: طلب المنصور علماء المدينة. فلمّا وصلنا إليه خرج الينا الربيع الحاجب فقال: ليدخل على أمير المؤمنين منكم اثنان! فدخلت أنا و عبد الله بن الحسن.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

231
  • لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.۱ و بهذا النداء القرآنيّ خلد نداء مكرمته و مجده و عظمته إلى الأبد، و خُطَّ على الافق عنواناً للشرف و الفضيلة.

  • و انظر فقد ابتُلي أيّوب بتلك الشدائد التي أخبر عنها القرآن الكريم، فصبر و لم يجزع أو يجحد.

  • أمّا أنت يا منصور! فحالك لا يعدو ثلاثة أمور: إمّا أن تكون كسليمان فنجعل العفو شكراً لسلطانك و حكومتك، أو تكون كأيّوب فتصبر و لا تطلق لسانك بالشتم و الفحش و البذاءة على المحرومين، أو تكون كيوسف فقد عفا عن إخوته جميعهم مع ما لاقاه من ظلمهم و إيذائهم إيّاه. فأنتَ أمامَ هذه الخيارات، فاعمل بأيّها شئت!

  • مثل هذا التعامل و هذا الكلام الذي نطق به الإمام عليه السلام خفّف حِدّة ذلك العفريت المشئوم المستكبر المتجبِّر.

  • و ينبغي أن نعدّ تلك الكلمات من معجزات الإمام عليه السلام. فعن أيّ معجزة تبحث إذن؟!

  • و ينبغي أن ننظر إلى تلك الأنفاس الملكوتيّة مناراً على الإمامة و الأعلميّة و الفقاهة، حتى أنّ المنصور نفسه يعترف بأنّ الحكومة و زعامة الامّة يجب أن تكونا لك.

  • و لو فرضنا أنّ الإمام عليه السلام لم يتحمّل ذلك التحمّل الولائيّ، فقد كان من الممكن أن يُغضب المنصور بكلمة واحدة في جوابه، و يسلّط ذلك الجائر الفتّاك الهتّاك على نفسه و على أرواح الناس ليرتكب كلّ جريمة

    1. الآية ٩٢، من السورة ۱٢: يوسف. هذا هو كلام يوسف على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام، حين عفا عن إخوته بمصر.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

232
  • يريدها بلا مبرّر.

  • و قد ذكر المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» كلام الإمام عليه السلام بثمانية أسناد مختلفة. و يُلحظ اختلاف في مضامين تلك الروايات نوعاً ما، و لكن يتبيّن من القرائن أنّ واقعة واحدة قد حدثت، و أنّ الرواة قد نقلوها بعبارات مختلفة لجواز نقل الرواية بالمعنى بأشكال مختلفة. إذ يبدو بعيداً من أدب الإمام الصادق عليه السلام و بلاغته و فصاحته أن يجيب المنصور بذلك الجواب في مرّتين أو مرّات عديدة.

  • موقف آخر للمنصور من الإمام الصادق عليه السلام

  • السند الآخر سند رواه عن «كشف الغمّة» عن عبد الله بن أبي ليلى، قال: كنتُ بالربذة مع المنصور، و كان قد وجّه إلى أبي عبد الله عليه السلام (الإمام الصادق) فاتي به، و بعث إلى المنصور فدعاني. فلمّا انتهيتُ إلى الباب سمعته يقول: عَجِّلُوا! عَلَيّ بِهِ! قَتَلَنِي اللهُ إن لَمْ أقْتُلْهُ، سَقَى اللهُ الأرْضَ مِنْ دَمِي إن لَمْ أسْقِ الأرْضَ مِنْ دَمِهِ!

  • فسألتُ الحاجب من يعني. قال: جعفر بن محمّد عليها السلام.

  • فإذا هو قد اتي به مع عدّة جلاوزة. فلمّا انتهى إلى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر، فدخل.

  • فلمّا نظر إليه المنصور قال: مرحباً يا بن عمّ! مرحباً يا بن رسول الله! فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته، ثمّ دعا بالطعام. فرفعت رأسي و أقبلتُ أنظر إليه و يلقمه جدياً بارداً، و قضى حوائجه، و أمره بالانصراف.

  • فلمّا خرج، قلتُ له: قد عرفتَ موالاتي لك و ما قد ابتليت به في دخولي عليهم! و قد سمعت كلام الرجل و ما كان يقول: فلمّا صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك و ما أشكّ أنّه شيء قلته، و رأيت ما صنع بك! فإن رأيتَ أن تعلّمني ذلك فأقوله إذا دخلتُ عليه.

  • قال: نعم! قلتُ: مَا شَاءَ اللهُ، لَا يَأتِي بالخيْرِ إلَّا اللهُ، مَا شاءَ اللهُ، مَا

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

233
  • شَاءَ اللهُ، لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إلَّا اللهُ، مَا شَاءَ اللهُ، مَا شَاءَ اللهُ، كُلُّ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ، مَا شَاءَ اللهُ، لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ!۱

  • و قال الأبي: قال للصادق عليه السلام أبو جعفر المنصور:

  • إنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى أنْ اخَرِّبَ المَدِينَةَ، وَ لَا أدَعَ بِهَا نَافِخَ ضَرْمَةٍ!

  • فقال: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ! لَا أجِدُ بُدَّاً مِنَ النَّصَاحَةِ لَكَ فَاقْبَلْهَا إن شِئْتَ أوْ لَا!

  • قال: قل!

  • قال: إنَّهُ قَدْ مَضَى لَكَ ثَلَاثَةُ أسْلَافٍ: أيُّوبُ ابْتُليَ فَصَبَرَ، وَ سُلَيْمَانُ اعْطِيَ فَشَكَرَ، وَ يُوسُفُ قَدَرَ فَغَفَرَ. فَاقْتَدِ بِأيِّهِمْ شِئْتَ!

  • قال: قد عفوتُ.٢

  • و قال الأبي أيضاً: وقف أهل مكّة و أهل المدينة بباب المنصور.

  • فأذن الربيع لأهل مكّة قبل أهل المدينة. فقال جعفر عليه السلام: أ تأذن لأهل مكّة قبل أهل المدينة؟ فقال الربيع: مَكَّةُ العُشُّ.

  • فقال جعفر عليه السلام: عُشٌّ وَ اللهِ طَارَ خِيَارُهُ وَ بَقِيَ شِرَارُهُ.٣

  • و قيل له: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ صارت الخلافة إليه إلّا الخشن و لا يأكل إلّا الجشب، فقال: يَا وَيْحَهُ مَعَ مَا قَدْ مَكَّنَ اللهُ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ، وَ جُبِيَ إلَيْهِ مِنَ الأمْوَالِ؟!

  • فقيل: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بُخْلًا وَ جَمْعاً لِلأمْوَالِ.

  • فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي حَرَّمَهُ مِنْ دُنْيَاهُ مَا لَهُ تَرَكَ دِينَهُ.٤

    1. «كشف الغمّة» ج ٢، ص ٤٢۸؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۸٣، الطبعة الحديثة.
    2. ( ٢ و ٣)-« كشف الغمّة» ج ٢، ص ٤٣٩.
    3. ( ٢ و ٣)-« كشف الغمّة» ج ٢، ص ٤٣٩.
    4. «كشف الغمّة» ج ٢، ص ٤٤۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

234
  • جواب الإمام الصادق للمنصور حول سبب امتناعه عن مخالطته

  • و قال ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام:

  • لِمَ لَا تَغْشَانَا كَمَا يَغْشَانَا سَائِرُ النَّاسِ؟!

  • فأجابه: لَيْسَ لَنَا مَا نَخَافُكَ مِنْ أجْلِهِ، وَ لَا عِنْدَكَ مِنْ أمْرِ الآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ! وَ لَا أنْتَ في نِعْمَةِ فَنُهَنِّئَكَ، وَ لَا تَرَاهَا نِقْمَةً فَنُعَزِّيكَ بِهَا، فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ؟!

  • قال: فكتب إليه: تَصْحَبُنَا لِتَنصَحَنَا!

  • فأجابه: مَنْ أرَادَ الدُّنْيَا لَا يَنْصَحُكَ، وَ مَنْ أرَادَ الآخِرَةَ لَا يَصْحَبُكَ!

  • فقال المنصور: وَ اللهِ لَقَدْ مَيَّزَ عِنْدِي مَنَازِلَ النَّاسِ: مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا مِمَّنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ، وَ أنَّهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ لَا الدُّنْيَا.۱

  • و رواه أيضاً المرحوم المحدِّث النوري في «المستدرك الوسائل» عن الإربليّ في «كشف الغمّة».٢

  • و ذكر المستشار عبد الحليم الجنديّ الرواية المنقولة عن «مقاتل الطالبيّين» حول استدعاء المنصور الإمامَ بعد قتل محمّد و إبراهيم.٣

  • و السند الآخر سندٌ عن «المناقب» لابن شهرآشوب، عن كتاب «الترغيب و الترهيب» عن أبي القاسم الأصفهانيّ، و عن «العقد الفريد» لابن عبد ربّه الأندلسيّ أنّ المنصور قال لمّا رآه: قتلني الله إن لم أقتلك!

  • فقال له: إن سُلَيْمَانَ اعْطِيَ فَشَكَرَ، وَ إن أيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَ إن يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَر، وَ أنْتَ عَلَى إرْثٍ مِنْهُمْ وَ أحَقُّ بِمَنْ تأسَّى بِهِمْ!

    1. «كشف الغمّة» ج ٢، ص ٤٤۸؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۸٥، الطبعة الحديثة.
    2. «مستدرك الوسائل» ج ٢، ص ٣۸٦.
    3. «الإمام جعفر الصادق» ص ۸٢ و ۸٣.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

235
  • فقال: إلى يا أبا عبد الله! فأنت القريب القرابة! و ذو الرحم الواشجة، السليم الناحية، القليل الغائلة. ثمّ صافحه بيمينه، و عانقه بشماله، و أمر له بكسوةٍ و جائزة.

  • و في خبر آخر عن الربيع أنّه أجلسه إلى جانبه فقال له: ارفع حوائجك! فأخرج رقاعاً لأقوامٍ.

  • فقال المنصور: ارفع حوائجك في نفسك!

  • فقال: لَا تَدْعُوَنِّي حتى أجِيئَكَ!

  • فقال (المنصور): مَا إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ!۱

  • و رواه المجلسيّ أيضاً بسند آخر عن الشيخ المفيد أعلى الله تعالى مقامهما.٢

  • و رواه كذلك بسند آخر عن عليّ بن عيسى الإربليّ، عن كتاب محمّد بن طلحة الشافعيّ، عن عبد الله بن الفضل بن الربيع، عن أبيه قال:

  • حجّ المنصور سنة سبع و أربعين و مائة، فقدم المدينة و قال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمّد من يأتينا به متعباً! قتلني الله إن لم أقتله. فتغافل الربيع عنه لينساه. ثمّ أعاد ذكره للربيع و قال: ابعث من يأتي به متعباً، فتغافل عنه.

    1. «مناقب ابن شهرآشوب» ج ٣، ص ٣٥۸؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۷۸ و ۱۷٩، الطبعة الحديثة. و كلام الإمام:« لا تدعونيّ حتى أجيئك» و ردّ المنصور بقوله:« ما إلى ذلك سبيل» رواهما المجلسيّ في رواية اخرى، في« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱٦٤، عن« الأمالي» للشيخ الطوسيّ رحمه الله، بسنده عن ربيع الحاجب. و كذلك روى هذا الكلام و جواب المنصور المساعد: لك ذلك و غير ذلك السيّد ابن طاووس في« مهج الدعوات» ص ٢٥۱، عن محمّد بن عبيد الله الإسكندريّ؛ و رواه المجلسيّ عنه في« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ٢۰٢.
    2. «بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۷٤ و ۱۷٥، عن كتاب« الإرشاد» ص ٢٩۰.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

236
  • ثمّ أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ عليه فيها و أمره أن يبعث من يُحضر جعفراً، ففعل. فلمّا أتاه قال له الربيع: يا أبا عبد الله! اذكر الله فإنّه قد أرسل اليك بما لا دافع له غير الله!

  • فقال جعفر: لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. ثمّ إن الربيع أعلم المنصور بحضوره. فلمّا دخل جعفر عليه أوعده و أغلظ و قال:

  • أيْ عَدُوَّ اللهِ! اتَّخَذَكَ أهْلُ العِرَاقِ إمَاماً، يَبْعَثُونَ إلَيْكَ زَكَاةَ أمْوَالِهِمْ، وَ تُلْحِدُ في سُلْطَانِي وَ تَبْغِيهِ الغَوَائِلَ! قَتَلَنِي اللهُ إن لَمْ أقْتُلْكَ!

  • فقال له: يا أمير المؤمنين! إن سُلَيْمَانَ اعْطِيَ فَشَكَرَ، وَ إن أيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَ إن يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، و أنت من ذلك السنخ.

  • فلمّا سمع المنصور ذلك منه قال له: إلى و عندي أبا عبد الله أنت البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة. جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثمّ تناول فأجلسه معه على فرشه. ثمّ قال: علَيّ بالطيب!

  • فاتي بالغالية، فجعل يغلّف لحية جعفر عليه السلام بِيَدهِ، حتى تركها تقطر.

  • ثمّ قال: قم في حفظ الله و كلاءته. ثمّ قال: يا ربيع! ألحق أبا عبد الله جائزته، و كسوته! انصرف أبا عبد الله في حفظه و كنفه، فانصرف.

  • دعاء الإمام الصادق عليه السلام في دفع شرّ المنصور عنه

  • قال الربيع: و لحقته فقلت: أنّي قد رأيت قبلك ما لم تره، و رأيت بعدك ما لا رأيته. فما قلتَ يا أبا عبد الله حين دخلتَ؟

  • قال: قلتُ:

  • اللَهُمَّ احْرُسنِي بِعَيْنِكَ التي لَا تَنَامُ، وَ اكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الذي لَا يُرَامُ، وَ اغْفِرْ لي بِقُدْرَتِكَ عَلَيّ، وَ لَا أهْلِكُ وَ أنْتَ رَجَائِي! اللَهُمَّ أنْتَ أكْبَرُ وَ أجَلُّ مِمَّا أخافُ وَ أحْذَرُ! اللَهُمَّ بِكَ أدْفَعُ في نَحْرِهِ، وَ أسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ!-

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

237
  • فَفَعَلَ اللهُ بِي مَا رَأيْتُ.۱

  • قال المستشار عبد الحليم الجنديّ: و في سنة ۱٤۷ عزم المنصور و هو راجع من موسم الحجّ أن يسيّر الإمام الصادق عليه السلام من المدينة إلى العراق. فاستعفاه الإمام، فلم يعفه و حمله معه. و لكنّ الصادق كان يقبل عليه بمقدار، فليست دنيا أبي جعفر لتجدر بالمقاربة. و في ذات يوم أرسل إلى الصادق: لِمَ لَا تَغْشَانَا كما تَغْشَانَا سَائِرُ النَّاسُ.٢

  • السند الآخر عن «مهج الدعوات»، عن محمّد بن أبي القاسم الطبريّ بسنده عن الربيع، إلى أن بلغ قوله: فوثب المنصور فأخذ بيده، و رفعه على سريره، ثمّ قال له: يا أبا عبد الله يعزّ علَيّ تعبك، و إنّما أحضرتك لأشكو اليك أهلك. قطعوا رحمي، و طعنوا في ديني، و ألّبوا الناس عَلَيّ و لو ولى هذا الأمر غيري ممّن هو أبعد رحماً منّي، لسمعوا له و أطاعوا.

  • فقال له جعفر عليه السلام: يا أمير المؤمنين فأين يُعْدَلُ بك عن سلفك الصالح؟! إن أيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَ إن يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَ إن سُلَيْمَانَ اعْطِيَ فَشَكَرَ! إلى آخر الرواية التي يسرد فيها الإمام أحاديث الرحم، و المنصور يخضب لحية الإمام بالغالية.٣

  • السند الآخر عن الكلينيّ بسنده عن معاوية بن عمّار، و العلا بن سيابة، و ظريف بن ناصح قال: لمّا بعث أبو الدوانيق إلى أبي عبد الله رفع

    1. «كشف الغمّة» ج ٢، ص ٣۷٤، عن كتاب« مطالب السئول» ص ۸٢؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱۸٢ و ۱۸٣.
    2. كتاب« الإمام جعفر الصادق» ص ۸٦ و ۸۷، الصادر عن جمهوريّة مصر العربيّة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة. و هي نفس القضيّة التي نقلناها عن« كشف الغمّة» عن ابن حمدون، و عن« بحار الأنوار».
    3. «مهج الدعوات» ص ۱٩٢؛ و« بحار الأنوار» ج ٤۷، ص ۱٩٣ و ۱٩٤.

معرفة الإمام ج۱٦ و ۱۷

238
  • يده إلى السماء، ثمّ قال: اللَهُمَّ إنَّكَ حَفِظْتَ الغُلَامَيْنِ لِصَلَاحِ أبَوَيْهِمَا فَاحْفَظْنِي لِصَلَاحِ آبَائِي مُحَمَّدٍ وَ عَلِيّ وَ الحَسَنِ وَ الحُسَيْنِ وَ عَلِيّ بْنِ الحُسَيْنِ وَ محَمَّدِ بْنِ عَلِيّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ! اللَهُمَّ أنّي أدْرَا بِكَ في نَحْرِهِ، وَ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ!

  • ثمّ قال للجمّال: سر! فلمّا استقبله الربيع بباب أبي الدوانيق قال له: