المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالأسفار
المجموعةمقدّمة المؤلّف
الموضوعالثانوية العامة أو أقل
التوضيح
هل يصحّ تعريف الحكمة بالغاية؟ وهل يجوز إقحام “استكمال النفس” أو قيد “بقدر الوسع الإنساني” في حدّ الفلسفة الحقيقيّ؟ وكيف ينحلّ الإشكال في طلب الخليل عليه السلام للحكم حين قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات العميقة، كاشفةً النقاب عن تهافت الاكتفاء بالتصديق البرهانيّ الذهنيّ، ومبيّنةً أصالة العلم الحضوري باعتباره المرتبة العليا للحكم، مع رسم مسار التلازم بين الحكمة العمليّة والأخلاق وصولاً إلى الانكشاف الشهوديّ العرفانيّ.
هو العليم
تقسيم الحكمة إلى نظريّة وعمليّة
نقد التعريف الغائيّ للحكمة وبيان مراتب الحكم وحقيقته العينيّة
سلسلة دروس شرح الأسفار الأربعة، السفر ۱، المسلك ۱، المقدّمة، الدرس الرابع عشر
الاستاذ
سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
السفر الأوّل
وهو الذي من الخلقِ إلى الحقِّ في النظرِ إلى طبيعةِ الوجود ِوعوارضِه الذاتيّةِ.
السفر الأوّل يعني السفر من عالَم الكثرات إلى عالَم الوحدة، ومن عالَم المعلوليّة إلى عالَم العليّة. ويكون هذا السفر بالنظر إلى طبيعة الوجود وعوارضه الذاتيّة؛ أي بالنظر إلى ما هو الوجود، وما هي طبيعته وحقيقته، وما هي العوارض التي تطرأ على هذا الوجود. وتتمثّل عوارض الوجود في: الوحدة، والبساطة، والإطلاق، والضرورة، والوجوب، وغيرها، حيث إنّ هذه كلّها عوارض ذاتيّة تطرأ على الوجود.
وفيه مسالك.
ويعود السبب في تسميتها بـ «المسالك» إلى السفر الأوّل؛ لأنّه محلّ السلك، أي محلّ الحركة والعبور، والسالك يريد أن يتحرّك هنا من الجهة الخَلقيّة، ليصل إلى الجهة الحقّية. فهنا، توجد مسالك؛ ولكن في الأسفار اللاحقة، توجد مواقف.
المسلك الأوّل في المعارف التي يحتاج إليها الإنسان في جميع العلوم.
فأيّ علمٍ تريدون دراسته، ستواجهون فيه ـ في النهاية ـ الوجودَ وعوارض الوجودَ.
وفيه مقدّمة وستّة مراحل:
المقدّمة في تعريف الفلسفة وتقسيمها الأوّلي وغايتها وشرفها.
«توجد هنا مقدّمة وسيأتي بناءً عليها ستّ مراحل: المقدّمة في تعريف الفلسفة، والتقسيم الأوّلي للفلسفة، وغاية الفلسفة، وشرفيّة الفلسفة بالنسبة لسائر العلوم».
تعريف الفلسفة والحكمة النظريّة
اعلم أنّ الفلسفةَ استكمالُ النفسِ الإنسانيّةِ بِمَعرفةِ حقائقِ الموجودات على ما هي عليها، والحكمُ بوجودها تحقيقًا بالبراهين ـ لا أخذًا بالظنِّ والتقليدِ ـ بِقَدرِ الوُسعِ الإنسانيِّ.
«الفلسفة عبارة عن استكمال نفس الإنسان بواسطة معرفة حقائق الموجودات، على ما هي عليه، بواسطة البرهان وعن طريق التحقيق والواقعيّة ـ لا عن طريق الظنّ والحدس ـ بقدر تلك الطاقة التي قدّرها الله تعالى للإنسان لكي يصل إلى تلك الحقائق».
وبالطبع، كما مرّ سابقًا، فقد كان لنا تعليقٌ على هذا الموضع:
إذا تعرّف إنسانٌ ـ مثلاً ـ على جنس حيوانٍ ما وفصله، أو عرف أنّ الحركة الجوهريّة تعني حركة ذاتٍ من مرتبةٍ إلى مرتبةٍ أخرى في وجودها، فإنّ هذا لا يؤدّي إلى استكمال النفس؛ أجل، سيحصل له تغيّرٌ كميّ على أيّ حال، ولكنّ هذه الأمور ليست كمالاً للنفس؛ وهذا ما سيذكره هو لاحقًا.
فالكمال ليس عبارة عن مجموعةٍ من التصوّرات والتصديقات التي تنطبع في ذهن الإنسان، فيحصل له تجاهها حضورٌ علميّ وعلمٌ حصوليّ؛ بل الكمال يعني الحركة من القوّة إلى الفعل، والحركة نحو التجرّد، ووصول ذات الإنسان إلى فعليّة التجرّد. ولهذا، فأينما استُعمل لفظ «الكمال»، فهذا هو المقصود منه؛ وهذا لا يحصل للإنسان عن طريق الفلسفة النظريّة.
نقدُ التعريفِ الغائيِّ عند المؤلّف
والمسألة الأخرى الموجودة هنا هي: على فرض أنّنا نعتبر «استكمال النفس» غايةً للفلسفة والحكمة النظريّة، إلاّ أنّ الغاية لا تُذكر في تعريف الشيء؛ بل تعريف الشيء عبارة عن بيان حدوده ورسومه، لا بيان غايته. وعلى الرغم من أنّهم يذكرون الغاية في التعريف في بعض الموارد، ولا إشكال في ذلك، إلاّ أنّه مستبعدٌ في كلام الحكيم. فأنتم تقولون في تعريف الفلسفة: «الفلسفة استكمال النفس بواسطة المعرفة بالأشياء». لكنّ استكمال النفس لا يرتبط بالفلسفة، بل كمال النفس صفةٌ تطرأ على ذات الإنسان نفسها، ولا تطرأ على الفلسفة. وعلى سبيل المثال، إذا قلتم في تعريف المنبر: «إنّ المنبر شيءٌ يصعد عليه الخطيب فيتحدّث للناس وينصحهم»، فهذا ليس تعريفًا للمنبر؛ بل يجب أن تقولوا في تعريف المنبر: «المنبر هو ذلك الشيء الذي يُصنع من الخشب، وله ثلاث درجات، وفيه الخصائص الكذائيّة». ثمّ تقولون: «غايته أن يجلس الخطيب عليه ويتحدّث». فلا تُذكر العلّة الغائيّة أبدًا في تعريف الشيء؛ وقد يذكرونها أحيانًا، ولكن، في مقام بيان المسائل الفلسفيّة والحِكميّة، يجب مراعاة حدود ذلك الشيء وثغوره تمامًا. ولهذا، فإنّ التعريف الأفضل من هذا التعريف هو ذلك التعريف الذي يذكره في شرح الهداية الأثيريّة: «صناعةٌ نظريّةٌ يُستفاد بها كيفيّة ما عليه الوجود في نفسه»، ثمّ يتابع قائلاً: «لكي تستكمل النفس بواسطتها، وتستعدّ لإدراك تلك المعاني».۱
الوصول إلى الحقائق الفلسفيّة بحسب الوسع الإنسانيّ
كان لي تنبيهٌ آخر هنا، وهو أنّ: قيد «بقدر الوسع الإنسانيّ» ليس جزءًا من تعريف الفلسفة؛ لأنّ الفلسفة مطلقةٌ، والوُسع الإنسانيّ مسألةٌ أخرى. فالوسع الإنسانيّ لا يرتبط بالفلسفة؛ بمعنى أنّ عدم إمكان الوصول إلى واقعيّةِ واقعيّةِ الواقعيّةِ هو نقصٌ من جهتنا، ولا يعود إلى الفلسفة. فالفلسفة باقيةٌ على حالها في مقامها المنيع والعزيز. ومَن أراد، فعليه أن يسعى بنفسه ليصل إليها. فهذه المسألة لا ترتبط بالفلسفة لكي تُذكر في تعريفها. الفلسفة عبارة عن الوصول إلى حقيقة الأشياء. والآن، من أراد ذلك، فعليه أن يمضي ويصل. وليس الأمر أن نُدخل هذا النقص في تعريف الفلسفة، ونقول: «يوجد خللٌ ونقصٌ من هذه الناحية في الفلسفة، حيث إنّها تُفيد بقدر الوسع الإنسانيّ». بل الفلسفة لا تُفيد بقدر الوسع الإنسانيّ؛ إنّما الفلسفة عبارة عن الوصول إلى حقيقة الأشياء، فتصل فائدتُها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله الذي هو خاتم الأنبياء؛ ونحن أيضًا كطُلاّبٍ عاديّين، نأخذ نصيبنا من الفلسفة بقدرنا؛ وهذه المسألة لا ترتبط بالفلسفة، والفلسفة باقيةٌ على حالها في مقام مناعتها وعزّتها. ولهذا، فإنّ جميع الذين يُشكلون على الفلسفة، ويفرّقون بينها وبين العرفان، ويقولون: «يوجد نقصٌ في الفلسفة، والحكمة لا تُعطي أكثر من هذا!» هم مخطئون؛ بل الفلسفة مثل العرفان تمامًا، ولا تختلف عنه أبدًا، سوى أنّ العرفان في مقام الشهود، والفلسفة في مقام التعقّل والنظر. فإذا لم يتمكّن إنسانٌ من الوصول إلى مسألةٍ ما من باب التعقّل، فالنقص فيه هو الذي لا يبلغ عقله ذلك؛ وهذا لم يعُد مرتبطًا بالفلسفة لكي نُريد إدخال الخلل والنقص في تعريفها.
تعريفٌ آخر ذكره المؤلّف للفلسفة
وإن شئتَ قلتَ: نظم العالَم نظمًا عقليًّا على حسب الطاقة البشريّة، ليحصل التشبّه بالباري تعالى.
«وإن شئت يُمكنك القول هكذا: الفلسفة عبارة عن أن تُعطي لعالَم الوجود نظامًا عقليًّا بناءً على التعقّل وبحسب الطاقة البشريّة، وتتكوّن صورةٌ عقليّةٌ من هذا النظم في عقلك، لكي يحصل لك التشبّه بالباري تعالى».
لا يُمكننا أن نُعطي نظامًا للخارج؛ لأنّ هذه الفصول الأربعة والتصرّف في المادّة وعالَم الوجود ليس في اختيارنا لكي نتمكّن من إعطاء النظم. فنحن لسنا سوى قشّةٍ تدور حول نفسها في كلّ عالَم الوجود هذا! وحتّى لو كنّا نمتلك قوّةً كبيرةً، فقد نتمكّن من نظم هذا العالَم؛ ولكن، لن يكون بوسعنا بعد ذلك أن نُنظّم سائر العوالِم. فمَن نحن لكي نُريد إصلاح عالَم الملكوت، ونجعل له مَلِكًا، ونجعل له رئيس وزراء، ونُغيّر فيه يمنةً ويسرةً؟! فالعمل الوحيد الذي يُمكننا القيام به هو إعطاء نظمٍ عقليّ، ووضع العالَم كما هو في تصوّرنا الذهنيّ.
تقسيم علم الحكمة إلى الحكمة النظريّة والحكمة العمليّة
ولمّا جاء الإنسان كالمعجون من خلطين، صورةٌ معنويّةٌ أمريّةٌ ومادّةٌ حسّيةٌ خَلْقيّة، وكانت لنفسه أيضًا جهتا تعلّقٍ وتجرّدٍ؛ لا جرم افتنّت الحكمة بحسب عمارة النشأتين بإصلاح القوّتين إلى فنّين: نظريّةٍ تجرّديةٍ وعمليّةٍ تعقّليةٍ.۱
«بما أنّ الإنسان جاء كالمعجون من خلطين، أحدهما الروح والصورة المعنويّة المرتبطة بعالَم الأمر والتي لها طابعٌ ربطيّ مع الله، والآخر هو هذه المادّة الحسّية التي لها طابعٌ خَلْقيّ؛ وكذلك، بما أنّ النفس التي يمتلكها الإنسان لها جهة تعلّقٍ بهذا البدن، وجهة تجرّدٍ تُحقّق طابعه الربطيّ، فلا جرم قد قُسّمت الحكمة ـ بحسب عمارة النشأتين وبسبب إصلاح القوّتين ـ إلى فنّين: أحدهما الفنّ النظريّ التجرّدي، والآخر الفنّ العمليّ التعقّلي».
المعجون يعني شيئين يُمزجان معًا، مثل الحليب الذي يُخلط مع العسل. وقد قال: إنّ الإنسان «مثل» المعجون، لا أنّه معجونٌ حقًّا؛ بمعنى أنّ الجهة الدنيا معلولة للجهة العليا، لا أنّهما شيئان مجزّآن ومنفصلان لكي يُصالحوا بينهما.
وتوجد مسألتان هنا:
المسألة الأولى هي: بما أنّ الإنسان له جهة ربطيّة بعالَم الوجود وحقيقة الوجود، وهناك، يوجد طابع الوحدة والعليّة والبساطة، فإنّه من اللازم علينا حينئذ أن يكون لنا نظرٌ إلى إدراك حقيقة الوجود على ما هي عليه؛ ولكنّ هذا الأمر ليس مرتبطًا بنا ولا في اختيارنا؛ والعمل الوحيد الذي يُمكننا القيام به هو أن نُوصل أنفسنا إليه.
والمسألة الثانية هي أنّنا نمتلك بدنًا على أيّ حال، ولدينا حسٌّ، ونتعلّق بالدنيا؛ وبسبب التعلّق بهذه الدنيا وبهذا البدن، يجب علينا القيام بمجموعة من الأعمال، وأن نقوم بهذه الأعمال بشكلٍ صحيحٍ وسليمٍ لكيلا يحصل اختلافٌ وتناقضٌ وتضادٌّ من ناحيتي الظاهر والباطن، ومن ناحيتي الأمر والخَلْق، ومن ناحية الفطرة ومرحلة الشهود والظهور. إذًا، نحن نحتاج إلى فنّين من أجل عمارة النشأتين الأمريّة والخَلْقيّة، وإصلاح القوّتين النظريّة التجرّدية والعمليّة التعقّلية التجرّدية: أحدهما الفنّ النظريّ التجرّدي والحكمة النظريّة، والآخر فنّ الحكمة العمليّة التعقّلية.
فالحكمة العمليّة تعني أن يكون العمل مبنيًّا على التعقّل، لا على الظنّ والتخيّل والحدس والوهم. فيجب على الإنسان أن يقوم بعمله بناءً على التعقّل والمنطق، وأن يكون له طابعٌ عقليّ، وأن يستخدم العقل في عمله، لا الشائعات والمجاز وما قاله هذا وذاك، وأنّ زيدًا فعل كذا فيجب علينا أن نفعل ذلك أيضًا.
أمّا النظريّةُ، فغايتُها انتقاشُ النفسِ بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه، وصيرورتُها عالَمًا عقليًّا مشابهًا للعالَم العينيّ، لا في المادّة بل في صورته ورقشه وهيئته ونقشه.
«أمّا غاية الحكمة النظريّة فهي أن تنتقش نفسنا بصورة الوجود، وأن ينطبع الوجود في نفسنا كما هو، بكمال ذلك النظام وتمامه، لكي نرى الواقعيّات كما هي، وتتحوّل نفسُنا إلى عالَمٍ عقليٍّ مشابهٍ للعالَم العينيّ الخارجيّ؛ وبالطبع، هذا الشبه ليس في مادّته، بل في صورته ورقشه، وفي شكل هيئته وطابعه النقشيّ نفسه».
فالنظامُ الأكملُ والأتمّ والأحسنُ هو ذلك الذي تُطابِقُه حقيقةُ الوجودِ في الواقع.
فإذا أصبحت نفسنا هكذا، ورأينا العالَم بهذا النحو، فإنّ هذه النفس تتحوّل إلى عالَمٍ عقليّ، لا عالَمٍ عينيّ؛ لأنّكم لا تستطيعون حتّى إدخال برتقالةٍ واحدةٍ داخل رأسكم، وإلاّ، لانفجر هذا الرأس! فما بالكم لو أردتم إدخال جبل "دماوند" أو الكرة الأرضيّة، فإنّهما لن يتّسعا أبدًا، ولا يُمكن لهما ذلك. بل معنى هذا الأمر أن يُصبح الإنسان عالَمًا عقليًّا، لا عالَمًا خارجيًّا. وبالطبع، ما كُتب في بعض المواضع: «عالِم»، فهو خطأ. فمعنى أن «يُصبح عالَمًا عقليًّا»، أن يُصبح من الناحية العقليّة والتصوّرية نفس ما هو موجودٌ في العالَم الخارجيّ، بحيث لو كان هناك جهازٌ يُخرج ما في ذهنه، ثمّ انهمك العمّال والبنّاؤون في صنعه، لصار ذلك هو العالَم الخارجيّ نفسه، ولصُنعت الكرة الأرضيّة والسماء وعالَم المثال وغيرها، ولأصبح تمامًا كما هو في ذهنه. هذا العالَم هو عالَمٌ عقليّ؛ غاية الأمر أنّ هذا العالَم يُشابه ذلك العالَم الخارجيّ في صورته فقط، لا في واقعيّته.
وقد قيل لعارف: «لو كنت مكان الله تعالى، ماذا كنت ستفعل؟». قال: «لم أكن لأُحرّك هذا النظام الموجود قيد أنملة!»؛ فهذا يُصبح عالَمًا عقليًّا؛ لأنّه لو حرّكه، فمعنى ذلك أنّ هذا أفضل من ذاك؛ فمثلاً كنت سأُغني الفقراء، وأُسقط المستكبرين، وأجعل العالَم روضةً! أ فهل يعجز الله عن فعل ذلك؟!
ولا يخفى أنّ قول النبيّ صلّى الله عليه وآله في القرآن ردًّا على المنكرين: ﴿وَلَو كُنتُ أَعلَمُ ٱلغَيبَ لَاستَكثَرتُ مِنَ ٱلخَيرِ﴾،۱ إنّما هو بسبب تكلّمه في مقام البشريّة.
وقد ذكر المرحوم الحاجّ السبزواريّ مسألةً في حاشيته هنا تستحقّ التأمّل. فهو يقول [ما معناه]:
بما أنّ حقيقة الشيء بصورته لا بمادّته، فبناءً على ذلك، فإنّ حقيقة العالَم ستكون في وجوده.٢
ويجب أن يُقال له: تلك الصورة [الواردة في عبارة: حقيقة الشيء بصورته لا بمادّته] هي صورته الفصليّة التي هي حقيقته نفسها؛ وهذه المسألة لا ترتبط بصورته النقشيّة والرقشيّة، أي صورته الذهنيّة الخارجيّة ووجوده الذهنيّ؛ وهذه الصورة تختلف عن تلك الصورة كثيرًا. نعم، كلامك هذا بأنّ حقيقة الشيء بصورته لا بمادّته، هو في مقام الشهود والعلم الحضوريّ، حيث يتعيّن الإنسان بحقيقة جميع الأشياء.
فضيلة علم الحكمة في كلام النبيّ الأكرم والنبيّ إبراهيم عليهما السلام
وهذا الفنّ من الحكمة (أي الفنّ النظريّ التجرّدي والوصول إلى حقيقة الوجود بالبرهان والدليل) هو المطلوب لسيّد الرسل المسؤول في دعائه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى ربّه حيث قال: «ربّ أرنا الأشياء كما هي».
يقول: إنّ كلام النبيّ الأكرم هذا يُشير إلى الحكمة النظريّة؛ أي: [يا ربّ] أوصِلنا إلى نفسِ حقيقة الوصول التصديقيّة وتحقّق حقيقة الأشياء بصورتها، لكي نرى ونُشاهد في أنفسنا حقيقةَ الأشياء كما هي.
ولكن، من الواضح جدًّا أنّ مراد النبيّ الأكرم من إراءة الأشياء كما هي، ليس إراءتها على حسب الظنّ وعلى حسب الحدس ولا كما هي عليها؛ بل مراده صلّى الله عليه وآله هو: أرني الأشياء كما هي في الواقع؛ أي نفس إدراك حقيقة التوحيد، وإدراك العليّة والسببيّة والمؤثّرية الواحدة، وفناء جميع التعيّنات في التعيّن الشخصيّ الوجوديّ الإطلاقيّ البسيط للهوهويّة. وعليه، فإنّ «ربّ أرنا الأشياء كما هي» تعني: أرنا واقعيّة الأشياء كما هي!
وللخليل عليه السلام أيضًا حينما سأل: ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا﴾؛۱ والحكم هو التصديق بوجود الأشياء المستلزم لتصوّرها أيضًا.
«وقد سأل النبيّ إبراهيم هكذا: ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا﴾؛ والحكم عبارة عن أن يُذعن الإنسان، ويُصدّق، ويلتزم في الاعتقاد بوجود الأشياء؛ وبالطبع، فإنّ كلّ تصديقٍ يحتاج إلى تصوّرٍ أيضًا».
فليس مراد النبيّ إبراهيم عليه السلام أن: «اعطني تشخيص مورد الصواب والخطأ في القضايا الشخصيّة والمرافعات والمنازعات، لكي أتمكّن من أن أكون قاضيًا جيّدًا، وأُشخّص الدعوى جيّدًا»؛ لأنّ النبيّ إبراهيم ليس في مقام الدعوى والمرافعة في الأساس.
نقدٌ على المؤلّف في بيان معنى الحكمة في الآية الشريفة ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُکْمًا﴾
هو [أي الملاّ صدرا] يقول: «الحُكم هنا بمعنى التصديق بوجود الأشياء، وليس بمعنى الحضور العينيّ لهذه الأشياء». هذا باطل؛ بل الحُكم يعني أن يصل [الإنسان] إلى مقام عينيّة الأشياء، وأن تتجسّد عينيّة نظام الوجود في وجوده على النحو الأصحّ والأتمّ والأكمل؛ ولهذا، يقول [إبراهيم عليه السلام]: ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا وَأَلحِقنِي بِالصَّـٰلِحِينَ﴾، حيث إنّ ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا﴾ تعني: أعطني حكمةً، وعرّفني على حقيقة الوجود، لكي أُشاهد الأشياء والتعيّنات بالمعرفة الواقعيّة والعين الباطنيّة وعين رؤية الحقيقة. وعندما يحصل ذلك، يتحقّق ﴿وَأَلحِقنِي بالصَّـٰلِحِينَ﴾؛ أي: يحصل للإنسان الاستعداد للحوق والوصول إلى مرتبة الصالحين. والصالحون هم الذين تجلّت لهم حقيقة التوحيد بتمامها وكمالها.
سمعتُ أحدهم في طهران يُفسّر آية ﴿ٱلحَآقَّةُ * مَا ٱلحَآقَّةُ﴾٢ باللحوق، ويقول: «اللحوق والإلحاق أمرٌ جيّد! فلتلتحقوا!». لقد وقع الأمر بأيدي هؤلاء! هذا، مع أنّه بنفسه كان يقول: «نحن لا نحتاج إلى أستاذ!» ولكنّنا نجده يقول بعد ذلك: «الإلحاق أمرٌ جيّد!». إنّ تحريضك وتشجيعك هذا يعني أنّك وضعت نفسك في مقام الأستاذيّة! فبما أنّك تقول: «إنّنا لا نحتاج إلى أستاذ»، فاجلس في مكانك، ولا تتحدّث بعد الآن!
وهذه المسألة تُشبه ما كان يُثبته ذاك دائمًا في كتاب «معراج الروح» من أنّنا لا نحتاج إلى أستاذ،٣ ولكنّه يقول في كلّ صفحةٍ منه:
كان الحاجّ الملاّ آغا جان يقول لي دائمًا: افعل كذا، وافعل كذا! أدّ هذه السجدة! اقرأ هذا العزاء! قم بهذا التوسّل! لنذهب إلى هناك الليلة! كان يُعاقب! كان يُؤدّب!٤
ولكنّ هذه كلّها دكاكين! فإمّا أن تقولوا: «إنّنا لا نحتاج إلى أستاذٍ»، وتجلسوا جانبًا، ولا تتحدّثوا بشيء، وإمّا أن تقولوا صراحةً: «إنّنا نحتاج إلى أستاذ»! ولكن، بما أنّهم لا يرون في أنفسهم الأهليّة للأستاذيّة، ولا يستطيعون القول «إنّنا لسنا أهلاً»، ويُخلوا الساحة من هذه الجهة، فإنّهم يضطرّون إلى قلع مسألة الأستاذ من أساسها، وإخلاء الساحة من الجهة الأخرى.
على أيّ حال، وخلافًا لما قاله المرحوم الملاّ صدرا، فإنّ المراد من «الحكم» في كلام النبيّ إبراهيم عليه السلام الذي يقول فيه: ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا وَأَلحِقنِي بالصَّـٰلِحِينَ﴾،۱ ليس التصديق بوجود الأشياء، بحيث يُصدّق الإنسان بالبرهان أنّه يوجد عالَمُ ملكوتٍ مثلاً، أو أنّه بما أنّ صادقًا مُصدَّقًا قد قال هذا، فهو يُورث التصديق لي، ويكون بحكم البرهان. فعندما يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله شيئًا، ويُصدّق الإنسانُ كلامَه من باب تحصيل مقدّمات القبول، فربّما تكون هذه القضيّة أحكم من البراهين التي نأتي بها؛ ولكن، ما دمنا لم نعمل، فأيّ استكمالٍ سيُوجده لنا مجرّد هذا التصديق؟! وكذلك، إذا صدّقنا عن طريق البرهان بوجود العوالِم العليا ونظام الوجود وحقائق الأشياء ـ وبشكلٍ عامّ، كلّ عالَم الوجود ـ، فما الفائدة من ذلك؟! وأيّ استكمالٍ فيه لنا؟! فقد جاء الكثيرون، وذهبوا، وصدّقوا أيضًا، ولكنّهم لم يخطوا خطوةً واحدةً، ولم يكُن لهم أيّ استكمال! فيُعلم إذًا أنّ ﴿رَبِّ هَب لِي حُكمًا﴾ عبارة عن التحقّق العينيّ للأشياء، وهذه هي أعلى مراتب الحكم.
فالسبب في تسمية الحكم حُكْمًا هو أنّه يُقطع فيه، وتُحسم فيه المسألة. ﴿فَاحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ﴾٢ تعني احسم المسألة، وأنهها، وأخرجهم من حالة الشكّ والتردّد، وأزل الشكّ والتردّد والتذبذب والتزلزل. فالحكم يعني المسألة التي تُوجب رفع الشكّ والتردّد.
العلم الحضوريّ أعلى مراتب الحكم
والسبب في تسمية الحكمة حكمةً هو أنّها تُزيل الشكّ والتردّد من ذهن الإنسان ونفسه؛ أي: عندما ينظر إلى الأشياء، لا ينظر بعين الشكّ والتردّد، بل ينظر بعين القطع والبرهان واليقين، ولا يعود هناك أيّ شكّ. وأعلى مراتب الحكم هي مرتبة العلم الحضوريّ التي لا يتطرّق إليها التردّد بأيّ وجهٍ من الوجوه أبدًا! ولكن، حتّى في مورد القطع، قد يحصل لنا أحيانًا قطعٌ خاطئ، أو أن يكون هناك قطّاع٣ يحصل له كلّ ذلك القطع، فكلّ هذا خطأ! فمجرّد أن يحصل للقطّاع قطعٌ أكثر من الآخرين، هو دليلٌ على الخطأ في الأساس. فمن العجيب حقًّا أنّ بعض الناس يحصل لهم القطع بسرعةٍ وفورًا! يا عزيزي، اترك عشرة بالمائة فارغةً على الأقلّ!
كان المرحوم الشيخ السبزواريّ من أصدقائنا السابقين. وكان يقول:
خرجنا عصر أحد الأيّام مع عدّة أشخاصٍ من بينهم أحد السادة (وقد ذكر اسمه بالطبع، وهو سيّدٌ طيّبٌ وطاهرٌ وصالحٌ جدًّا ولا يزال حيًّا) إلى خارج همدان، وكنّا نمشي في الصحراء، وبقينا هناك لعدّة ساعاتٍ، ثمّ عدنا. وفي الأسبوع التالي، ذهبنا مجدّدًا إلى المكان نفسه الذي ذهبنا إليه في الأسبوع الماضي، فوصلنا إلى مفترق طرق. فقلت: يجب أن نذهب من هذا الطريق.
ولكنّ ذلك السيّد كان يقول: «كلاّ، يجب أن نذهب من ذلك الطريق». ومهما تحدّثت معه، لم يقتنع، وكان يقول: «أنا أقطع بأنّه يجب أن نذهب من ذلك الطريق».
فقلت: أنا من أهل همدان، وأمرّ من هنا كلّ يوم؛ فماذا تقول؟ وعلى أيّ أساسٍ تقول هذا الكلام؟
قال: «في الأسبوع الماضي عندما كنّا نمرّ من هنا، جاءت هاتان الحمامتان من فوق رؤوسنا، ومضتا معنا في نفس المسار الذي كنّا فيه. وأنا رأيت الآن هاتين الحمامتین قد جاءتا، وذهبتا من هنا؛ فمن المعلوم إذن أنّهما تذهبان نحو عشّهما؛ ولهذا، فإنّ طريقنا هذا خاطئ، ويجب أن نذهب من ذلك الطريق!».
فهل هاتان الحمامتان الآن هما نفس حمامتي الأسبوع الماضي؟ أو إذا كانتا هما، فربّما تُريدان الذهاب إلى مكانٍ آخر. ولكنّه حصل له قطعٌ وتمسّك برأيه بشدّةٍ، ولم تكُن هذه الملاحظات تخطر في ذهنه أبدًا. فالأشخاص القطّاعون هكذا؛ أي إنّهم سريعو القطع جدًّا، ثمّ ينكشف لهم الخلاف بعد ذلك.
ولكنّ هذا القطع يكون في العلم الحضوريّ قطعيًّا، ولا ينكشف فيه الخلاف أبدًا! فمثلاً، كما ترون هذا المصباح الآن بأعينكم، فإنّه إذا جاء شخصٌ بدليلٍ على عدم وجوده، فإنّكم ستضحكون عليه، وتقولون: أنا أراه بعيني، وأنت تأتي بدليلٍ على خلاف ذلك!
أراد شخصٌ أن يذهب في سفر، فجاء إلى المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، وكان يأتي دائمًا بأدلّةٍ على قيامه بالعمل الكذائيّ بأنّ المصلحة الآن في هذا، والأوضاع هكذا، وما إلى ذلك. وكان العلاّمة يبتسم له؛ وكلّما أصرّ أكثر، زادت هذه الابتسامة. ومعنى هذه الابتسامة هو أنّك مهما قلت، فأنا أرى؛ فلا داعي لأن تُحاول عبثًا، وتُتعب نفسك بلا طائل! فلو جلست سنةً كاملةً بدلاً من ساعةٍ وساعتين، وأتيتني بأدلّة، فسأبتسم لك مرّةً أخرى؛ لأنّني أرى؛ وعندما أرى، فما الذي تُريد توضيحه بعد ذلك؟! وكما يُقال: «پیش غازی و معلّقبازی!».۱
فمقام العلم الحضوريّ مقامٌ لا يتطرّق إليه أيّ خلل. والنبيّ إبراهيم كان يطلب هذا المقام من الله تعالى، ويقول: «أعطني مقامًا لا يوجد فيه تردّدٌ بعد ذلك». فحينئذٍ، كيف يُمكن أن نفهم نحن كطُلاّبٍ صغارٍ هذا الأمر، ولا يفهم النبيّ إبراهيم ما يقول؟ فمن المقرّر هنا أن يُجيب الله تعالى، ويقول: «أنا الله، وسأُعطيك كلّ ما تطلبه! يُمكنني أن أُعطيك علمًا وحُكمًا بمعنى رفع الخصومة، لكي تفهم القضيّة بمجرّد أن يأتيك أناسٌ، فتنظر في الملفّ وتُقلّب أوراقه، لا أن تكون كسائر الناس الذين لا يزالون لا يفهمون ما يجب عليهم فعله مع وجود البيّنة والشاهد والقرينة وثلاثين كيلوغرامًا من الملفّات والقضايا؛ أو أعلى من ذلك، يُمكنني أن أزيد علمك وأجعلك فقيهًا متضلّعًا، وحتّى يُمكنني أن أمنحك علم الرياضيّات وباقي العلوم، وأجعلك أستاذًا؛ أو يُمكنني أن أجعلك إنسانًا صالحًا وأُعطيك درجات الجنّة والحور العين وغيرها؛ وأعلى من كلّ ذلك، يُمكنني أن أفعل بك ما يجعلك تأتي في هذا المكان نفسه وفي هذا الوقت لتكون جليس نبيّي وأنيسه!». فيجب أن يكون الإنسان مجنونًا لكيلا يطلب هذا، ويختار تلك المراتب الدانية!
فهل عندما يطلب النبيّ إبراهيم من الله «الحكم»، يقصد هذا التصديق بوجود الأشياء نفسه؟! أي: أن أحصل على اعتقادٍ جازمٍ وراسخٍ وتامّ بوجود ملائكة، ووجود عالَم جبروت، ووجود عدل، ووجود عقلٍ فعّال، ووجود لوحٍ وقلم، ووجود قضاءٍ ومشيئةٍ وإرادةٍ وأسماءٍ وصفاتٍ إلهيّة. فهذه الأمور لا طائل منها وليست مُهمّة! فالتصديق بوجود الأشياء ليس أمرًا ذا بال! الأمر المهمّ هو أن يحصل للإنسان علمٌ حضوريٌّ بالنظام الأتمّ والأحسن والأكمل، وتتحوّل حقيقة الأشياء التعيّنية إلى حقيقةٍ بسيطةٍ على الإطلاق، ويضمحلّ الإنسان فيها ويفنى؛ فهذا هو المقام الذي لا يُتصوّر ما فوقه.
وهذه هي الحكمة النظريّة نفسها التي يُبيّنها المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا]. أجل، بما أنّه كان من أهل المراقبة والمكاشفة، وقد حصلت له حالاتٌ، ورُفعت له حُجُب، لهذا، تلاحظون في كلماته أنّه يُريد إرجاع الجهة الفلسفيّة إلى تلك الجهة الإشراقيّة والذوقيّة، وخلطِها، ومزجِها بها. وبالطبع، كما مرّ سابقًا، فهذه طُرقٌ متنوّعةٌ نحو حقيقةٍ واحدة، لا أنّ الطُرق تختلف فيما بينها. ولكنّ ذلك المقام الذي يتحدّثون عنه، لا يحصل للإنسان بهذه الكيفيّة، إلاّ أن يضع قدمه في الطريق، وتكون له مراقبةٌ ومجاهدة.
مراتب الحكم
التلميذ: والمسألة كذلك بالنسبة للنبيّ زكريّا والنبيّ يحيى: ﴿ءَاتَينَٰهُ ٱلحُكمَ صَبِيًّا﴾؛۱ أي: إذا كان من المقرّر أن يُعطوا ذلك الحكم للنبيّ يحيى، فلن يُعطوه القضاء مثلاً، بل سيُعطونه مراتبه العالية التي هي العلم الحضوريّ؛ وحينها، ألا يلزم من ذلك أن يكون مقامه أعلى من النبيّ إبراهيم؛ لأنّ النبيّ إبراهيم طلب هذا في أواخر نبوّته؟
الأستاذ: ذكرتُ لكم أنّه: كما أنّ الصلاح والصالح لهما مراتب، فالحكم له مراتب أيضًا؛ فلدينا مقام الجمع، ومقام جمع الجمع، ومقام الوحدة في الكثرة، ومقام الكثرة في الوحدة؛ وكلُّ هذه مراتب للحكم تُعطى لكلٍّ بحسبه. والحكم الذي يذكره الله تعالى هنا عبارة عن: الحضور العينيّ للأشياء بنفسها في وجود الإنسان. فمثلاً، عندما كان يأتي شخصٌ إلى النبيّ يحيى، ويقول شيئًا، لم يكن الأمر أنّ الله تعالى يُريه فيلمًا، فيُشاهد ذلك الشيء، بل كان النبيّ يحيى يشعر بنفسه في تلك الحادثة التي ينقلها ذلك الشخص، وكان يقول له: «إنّك تكذب!»؛٢ هذا هو معنى الحكم. وبالطبع، تتفاوت سعة الأفراد؛ فسعة كلّ إنسانٍ هي ذلك المقدار الذي يُعطيه الله تعالى إيّاه.
فالحكم له مراتب؛ فتارةً، يكون على نحوٍ كلّيٍ، ويشمل جميع مراتب الوجود؛ وتارةً، لا يكون على نحوٍ كلّي، بل يرتبط بعالَم المادّة فقط، أو يرتبط بعالَم البرزخ، أو يرتبط بعالَم ما فوق البرزخ وعالَم الملكوت، وهكذا سائر العوالِم الأعلى. ولهذا، فإنّ النبيّ يحيى يُقوّي هذا الحكم دائمًا بواسطة تكامله، ويُعطى أكثر، ليصل إلى المرحلة العليا. وهنا، صِدقُ بعضُ الأفراد في بعض المسائل ليس دليلاً على صِدقهم في جميع المسائل؛ لأنّك تجده يُشخّص الآن في تلك المرحلة، ولكن، قد لا يكون أُعطي الحكم في المراحل الأعلى بعد، بل أُعطي الحكم حاليًّا في مرتبة البرزخ والمثال والملكوت الأسفل مثلاً.
ففي كلّ مرحلةٍ من تلك الأسفار الأربعة، يستقرّ الحكم في وجود الإنسان بأيّ مقدارٍ يكون قد تحرّك فيه. وعلى سبيل المثال، إذا رأى الفعل فعلاً واحدًا، فهذا يكون بمعنى الحكم؛ وإذا رأى الصفة واحدةً، فهذا يكون بمعنى الحكم؛ وهكذا، فإنّ مشاهداته في كلّ عالَمٍ تكون حُكمًا في هذا العالَم بنفسه، وتكون صحيحة وذات حقيقة. ولكن، إذا أراد نسبتها إلى المرتبة العليا، سنرى أنّه يُخطئ، فيُعلم أنّه لا يزال في المرتبة الدنيا. ومن هنا، فإنّ بعض الأخطاء التي نراها في ألسنة العرفاء، فينسب بعضهم الخطأ إلى الآخر، هي بسبب أنّ [العارف] يُخبر عن مرتبةٍ فوق مرتبته، ويقول: يجب أن يكون الأمر هكذا.
يقول الإمام الباقر عليه السلام في رواية:
كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه، مخلوقٌ مصنوعٌ مثلكم، مردودٌ إليكم! [ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ لله تعالى زبانيتين، فإنّ ذلك كمالها!].۱
«فالذين يعبدون الله يُشبهون تلك النملة التي تتخيّل أنّ له تعالى زبانيتين أيضًا لأنّها تمتلك زبانيتين؛ في حين أنّ هذا لا يعود إلى الله، ولا يرتبط به، بل يعود إلى فكرنا وذهننا وتخيّلاتنا».
فهذه الرواية تُشير إلى هذه القضيّة نفسها؛ أي إنّ الإنسان في أيّ مرحلةٍ كان، نجده يقول: «هذا هو الله!»، ناسبًا إيّاه إلى أعلى مرتبة [يُدركها]. بيد أنّه حريٌّ به أن يقول: «ما أعبده الآن هو هذا»؛ لأنّه قد يكون هناك ما هو أعلى من ذلك، وهو لا يعلم؛ ولهذا، لا ينبغي أن يقول إنّ الله هو هذا. فبمجرّد أن يقول: «إنّ الله هو هذا»، يُدان فورًا! إذ بما أنّك في هذه المرحلة الآن، فإنّك ترى الله تعالى بهذا الشكل؛ ولكن، إذا ارتفعت أعلى، ستقول: «عجبًا، كان هذا أعمق، وأنا فعلتُ كذا!». فتراهُ إنْ دوّن مسألةً مثلاً، سارع إلى طمسها وإتلافها فورًا؛ لئلّا تقع في يدِ أحدٍ، حِفظاً لماءِ وجهه! ولكن، إذا طرحها في تلك المرحلة نفسها، فإنّنا سنرى أنّها صحيحة. فإذا قال: «رأيت الله في هذه المظاهر التي كانت بهذه الكيفيّة وتجلّت بهذا النحو»، فلا إشكال في ذلك؛ لأنّ الأمر هو هكذا أيضًا؛ ولكن، إن قال: «الله هو هذا، وهو بهذه الكيفيّة»، فسيُقال له: «إنّ الأمر ليس هكذا، وإنّ هذه مرحلةٌ من الحقيقة».
فالحكم عبارة عن الوصول إلى واقعيّة الأشياء في كلّ درجةٍ وفي كلّ مرتبة؛ وبما أنّ عالَم الوجود ذو مراتب لا متناهية، فإنّ الإنسان في أيّ مرتبةٍ وصل إليها يُدرك هذه المرتبة بعينها من الحكم وحقيقة الوجود.
وقد ضربت لكم سابقًا مثالاً بأنّه إذا كان لديكم وعاءٌ من الماء الساخن، وأردتم تذويب مقدارٍ من العسل الصلب فيه، فإنّ هذا العسل الصلب لا يتحوّل إلى سائلٍ دفعةً واحدةً وفي طرفة عين، بل يجب أن يلين أوّلاً، ويتجانس تدريجيًّا مع ذلك الماء الذي وُضع فيه، لكي يتحوّل إليه. وبأيّ مقدارٍ يلين ويتجانس العسل مع الماء، فإنّه يبلغ حقيقة هذا الماء وتترسّخ وتنفذ فيه آثاره وكماله؛ إلى أن يصل إلى مرحلةٍ يفقد فيها ماهيّته تمامًا، ويفقد هويّته وتشخّصه أيضًا. فهناك، لا يعود له أيّ وجود، بحيث عندما تنظرون، ترون سائلاً واحدًا فقط يمتلك ذلك اللون الخاصّ. وأبوح لكم بهذه المسألة الدقيقة: إنّنا بدورنا ما لم نُصبح بهذا النحو، فلن نظفرَ بطائل!
تعريف الحكمة العمليّة
وأمّا العمليّة فثمرتها مباشرة عمل الخير.۱
«الحكمة العمليّة هي ذلك العلم الذي ثمرته ونتيجته أن يُباشر الإنسانُ عملَ الخير، ويلتزم به».
هنا أيضًا، لم يُعرّف الحكمة العمليّة، بل بيّن علّتَها الغائيّةَ مرّةً أخرى. وبرأيي، فإنّ التعريف الأفضل هو ذلك التعريف الذي ذكره في شرح الهداية الأثيريّة:
الحكمة العمليّة عبارة عن العلم بسلوك الإنسان وخصائصه وأفعاله وملكاته وصفاته، وطريق إزالة الصفات القبيحة والرذيلة، وإحلال الصفات الحسنة مكانها.٢
التلميذ: الحكمة العمليّة علمٌ أيضًا، وذلك العلم نفسه ليس هو الحكمة العمليّة؛ بل إنّ تحقّق تلك الأعمال في البدن، وتفاعل النفس مع الأشياء الخارجيّة، هي الحكمة العمليّة.
الأستاذ: ما لم يعلم الإنسان بشيء، فلن يسعى خلفه؛ ولهذا، يجب أن يعلم أوّلاً ماذا يفعل لكي يتحقّق ذلك العمل فيه لاحقًا. فهذا له صورتان: صورةٌ علميّة، وصورةٌ عينيّة. فهذه المسائل التي كتبها المرحوم الملاّ صدرا هنا، هي صورةٌ من تلك الحالات للنظام الأحسن للوجود وعوارضه الذاتيّة، ولها طابعٌ حكائيّ؛ أي إنّ هذا الكتاب يحكي عمّا هو موجودٌ في هذا النظام؛ وأنتم بُمطالعته، تصلون إلى حقيقته من الناحية الذهنيّة، ولكنّكم لا تصلون إليها من الناحية العينيّة؛ إلاّ أن تقوموا بعملٍ آخر. أي: إذا قرأنا هذا الكتاب، وفهمنا أنّ العقل الفعّال وهذه العوالِم موجودة، وفهمنا قاعدة العليّة، وفهمنا جهة بساطة الوجود، وفهمنا الأسماء والصفات الجماليّة والجلاليّة ووحدتها أو غيريّتها مع الذات، فسيكون ذلك حكمةً نظريّة. وحينئذ، يجب أن نُحقّق هذه الحكمة النظريّة في وجودنا. فالحكمة العمليّة تسعى إلى هذا التحقّق؛ أي إنّ الحكمة العمليّة هي مقدّمة للحكمة النظريّة. فالحكمة العمليّة تقول: بما أنّك درستَ هذه المسائل، فلكي تصل إليها في وجودك، وتتحقّق هذه الأمور في وجودك، يجب أن تقوم بمجموعةٍ من الأعمال. وتلك الأعمال التي يجب أن نقوم بها، تعود إلى الحكمة العمليّة، وتكون مقدّمةً للوصول إلى حقيقة الحكمة النظريّة، والتي هي تلك الحقيقة المتمثّلة في الشهود.
وبالطبع، كما بيّنت، فإنّ حقيقة الحكمة النظريّة وواقعيّتها هي التي تُوجب الاستكمال، لا ما بين الدفّتين؛ لأنّنا قلنا: إنّ هذا السفر الذهنيّ مُطابقٌ للسفر النفسيّ والباطنيّ، حيث إنّ باطنه وحقيقته هي الحكمة الشهوديّة والوجدانيّة والعرفان نفسه. ونحن لكي نصل إلى ذلك، يجب أن ندفع عن أنفسنا الملكات السيّئة، ونُحلّ محلّها الملكات الحسنة. وبواسطة الملكات الحسنة، تُصبح هذه الحقائق المكتوبة هنا، والتي كانت ذهنيّةً حتّى الآن، عينيّةً بالنسبة إلينا.
وتوجد مراتب هنا: أوّلاً، يجب أن ندرس هذه الحكمة النظريّة بواسطة البرهان والتصديق. فربّما نتعلّم هذا تمامًا، ونفهم ما الذي يجري في العالَم، ولكنّ المسألة لا تنتهي هنا، بل هذه تكون آنذاك مرحلةٌ من المراحل. وبعد ذلك، يجب أن نتعلّم طريق الوصول إلى هنا، والذي يُسمّى بالحكمة العمليّة. فكُتُب الأخلاق مثل معراج السعادة، وجامع السعادات، وإحياء العلوم، وبحر المعارف وأمثالها، تتصدّى للحكمة العمليّة. ولكن، إذا طالعناها فقط، فلن تُعدّ المسألة منتهيةً؛ بل يجب أن نعمل بها لتكون مقدّمةً للوصول إلى باطنها؛ أي: أن تتبدّل أخلاقنا السيّئة إلى أخلاق حسنة. وهذا التبدّل إلى الأخلاق الحسنة يعني التخلّق بأخلاق الله. والتخلّق بأخلاق الله يعني انكشاف حقيقة الوجود للإنسان. وذلك الانكشاف هو العرفان. فالحكمة العمليّة إذن تكون مقدّمةً للعرفان. أي إنّكم تُحوّلون الأخلاق السيّئة ـ بواسطة الحكمة العمليّة ـ إلى أخلاق حسنة؛ وهذه هي مقدّمة الوصول إلى الباطن. فالحكمة العمليّة إذن هي المقدّمة الموصلة للوصول إلى باطن الحكمة النظريّة.
قد تدرسون الحكمة النظريّة ظاهرًا، من دون أن تخطوا خطوةً واحدةً أبدًا تجاه الحكمة العمليّة، ولكنّكم تعلمون في الوقت نفسه أنّ عالَم المادّة موجود، وبرزخ المادّة موجود، وملكوت المادّة موجود، وعقل المادّة موجود، وسلسلة العقول العشرة موجودة. وعلى سبيل المثال، إذا قرأ نصرانيٌّ أو شيوعيٌّ أو ماركسيٌّ جميع هذه الأسفار تمامًا، وفهمها أفضل من الملاّ صدرا نفسه، فما الفائدة التي سيجنيها؟ فما قرأه هو الحكمة النظريّة فقط، وقد طوى الأسفار النظريّة فقط، ولكنّه لم يطوِ الأسفار العمليّة. ولكي يطوي الأسفار العمليّة، يجب أن يتوجّه نحو الحكمة العمليّة، وأن يُفرغ ما في فكره، ويُحلّ محلّه الأخلاق الحسنة، لكي يصل ـ بعد الظفر بها ـ إلى باطن الحكمة النظريّة، والذي هو عبارة عن العرفان والشهود.
التلميذ: الحكمة العمليّة في الفلسفة بالمعنى الأعمّ هي علم الأخلاق نفسه، فهل يُمكننا أن نُطلق على مَن يُطالع علم الأخلاق ـ فيقرأ معراج السعادة مثلاً ويعلم ما هي الأعمال التي يجب أن يقوم بها ـ أنّه حكيم؟
الأستاذ: يُمكننا أن نُطلق على هذا الإنسان أنّه حكيمٌ عمليّ؛ أي إنّها لم تستقرّ في روحه، بل حصل له علمٌ بالحكمة العمليّة فقط. إنّ المرحوم الملاّ مهدي النراقيّ، والمرحوم الملاّ عبد الصمد الهمدانيّ، وابن مسكويه رحمة الله عليهم، الذين كتبوا كتب جامع السعادات، وبحر المعارف، وتطهير الأعراق في الحكمة العمليّة، كانوا حقًّا أناسًا عظماء وصالحين جدًّا ولهم مقامات؛ ولكن، لا يُمكننا القول إنّهم قد وصلوا واقعًا بأنفسهم إلى تلك المسائل الموجودة في هذه الكتب، وإلى حقيقة الروايات التي نقلوها.
فهل أزال المرحوم الملاّ مهدي النراقيّ حقًّا جميع ملكاته السيّئة؟ وبالطبع، فإنّ السيّئة التي عنده هي حسنةٌ بالنسبة لنا؛ وإذا أُعطينا سيّئته، فلا نُريد شيئًا بعد ذلك! لأنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.۱ ولكن، هل وصلوا حقًّا بأنفسهم إلى المسائل التي هم بصدد بيانها في هذه المراتب الدقيقة؟ لأنّها ليست مرتبةً واحدةً فقط، والملكات ليست فقط أن "لا تشربوا الخمر ولا تسرقوا"؛ فهذه لعامّة الناس. فهل يُمكننا القول إنّهم وصلوا إلى استبدال تلك الملكات السيّئة وتغييرها بالحسنة في تلك المراتب الدقيقة واللطيفة والظريفة للنفس؟ فربّما لم يصلوا؛ وما يبدو من عباراتهم أنّهم لم يصلوا.
فهذه مسائل دقيقةٌ جدًّا. فليس الأمر أن نعتقد أنّ الذين يُصلّون صلاة الليل، ويُغمى عليهم في الصلاة ويسقطون، قد انتهى أمرُهم. فقد كان هناك شخصٌ في زمان العلاّمة يقوم بالكثير من هذه الألاعيب؛ فكان يُغمى عليه في الصلاة ويسقط؛ وفجأةً، يضرب على رأسه في القنوت، وما إلى ذلك، وكنّا نضحك منه. ولكنّ هذا الإنسان انحرف لاحقًا، وغادر [الطريق] بالكليّة! فتلك المراتب العالية والعُليا مُهمّةٌ جدًّا، وعلم الأخلاق مرتبطٌ بها جميعًا.
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.