المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالأسفار
الموضوعالثانوية العامة أو أقل
التوضيح
ما هي حقيقة الحكمة التي قَصَدَها صدر المتألّهين؟ وهل هي مجرّد إدراكٍ نظريّ وحكاية عن الواقع، أم هي تحوّل وتغيّر جوهريّ في حقيقة الإنسان؟ ما هو الفرق الدقيق بين العلمين الحضوريّ والحصوليّ؟ وكيف نُدرك حقائق الأشياء على ما هي عليه؟ وكيف يستكمل الإنسان نفسه ليُصبح عالمًا عقليًّا مضاهيًا للعالم العينيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة، التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه، عن هذه الأسئلة التأمّلية العميقة لتوضيح الغاية القصوى من دراسة الفلسفة ومسار السير التكامليّ للإنسان.
هو العليم
تعريف علم الفلسفة (۱)
حقيقة الحكمة وتمايز العلم الحضوريّ عن العلم الحصوليّ
سلسلة دروس شرح الأسفار الأربعة، السفر ۱، المسلك ۱، المقدّمة، الدرس الثانی عشر
الاستاذ
سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّدٍ وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
السفر الأوّل: وهو الذي من الخلق إلى الحقّ في النظر إلى طبيعة الوجود وعوارضه الذاتيّة. وفيه مسالك:
المسلك الأوّل: في المعارف التي يحتاج إليها الإنسان في جميع العلوم. وفيه مُقَدّمة وستّة۱ مراحل:
المُقَدّمة: في تعريف الفلسفة وتقسيمها الأوليّ وغايتها وشرفها.٢
تعريف عِلم الفلسفة والحكمة
قَدّم صدر المُتَأَلّهين هنا تعريفًا للفلسفة والحكمة بالنحو التالي:
صيرورة الإنسان عالَمًا عقليًّا مضاهيًا للعالَم العينيّ.
أي: استكمال النفس الإنسانيّة بواسطة معرفة حقائق الموجودات على ما هي عليها.
إنّ ما لدينا من تَصَوّرٍ أو تصديقٍ حول الموجودات يبتني على رؤانا الذهنيّة؛ ولكن، قد لا تكون هذه الرؤى الذهنيّة منطبقةً على الواقع. وعندما نقع في الخطأ والإشكال في المسائل البديهيّة، فإنّنا بطريقٍ أولى لا نستطيع أن نكون مُطّلِعين على الأمور كما ينبغي، ولا أن نمتلك تَصَوّرًا صحيحًا في المسائل النظريّة والتأمليّة والفكريّة، وخصوصًا في القضايا التي ترجع إلى حقيقة موجودٍ ما، وتَكَوّنه.
ومن هنا، يقول ابن سينا [ما معناه]:
إنّ الوصول إلى حقيقة كلّ موجودٍ ـ والتي هي فصله المُمَيّز ـ هو من شأن عَلاّم الغيوب فقط، وليس للآخرين سبيلٌ إلى هذه المسألة. فنحن نستطيع فقط أن نصل ـ بناءً على المتشاركات والأعراض المشتركة بين حقائق الموجودات ـ إلى بعض المشتركات التي هي حقائقها الجنسيّة، أو إلى بعض الخصوصيّات العرضيّة لذلك الموجود، وليس بمعنى الوصول إلى حاقّ ذاته.٣
وهذه المسألة هي كذلك حقًّا وصحيحةٌ؛ لأنّ الإنسان لا يستطيع ولا يُمكنه أن يُحيط بحقيقة شيءٍ ما، ويحصل على علمٍ حضوريّ به، إلاّ إذا حصل اتّحادٌ واقعيّ وعدمُ بينونةٍ تكوينيّةٍ بينه وبين هذا الشيء. وبمقدار ما تحصل هذه المعرفة، يقترب الإنسان بنفس المقدار من تلك الواقعيّة، ويصل إليها.
بناءً على هذا، إذا أراد الإنسان أن يَطّلع على حقيقة جميع الموجودات ـ أي على حقيقة الوجود ـ فلا مناص من أن تَتّحد نفسُه وعقله وروحه مع حقيقة الوجود، وتحصل له وحدةٌ عينيّة به. وفي هذه الحالة فقط يستطيع الإنسان أن يَطّلع على حقيقة الأشياء؛ وهذا هو معنى الحكمة.
إنّ هذه المسألة التي أُبَيّنها لكم هي بسبب بعض المسائل والإبهامات الموجودة في المتن. فالحكمة عبارةٌ عن تَحَوّلٍ وتَغَيّرٍ وتَبَدّلٍ جوهريّ وتَغَيّرٍ ماهويّ لحقيقة الإنسان إلى حقيقةٍ أخرى، بحيث إذا وصل الإنسان إلى هذه الحقيقة، فإنّه يحصل على عينيّةٍ مع حقيقة نظام الوجود. فإلى ذلك الحين، كانت الاثنينيّة قائمةً، والغيريّة قائمةً، والنفاق قائمًا، والبُعد قائمًا؛ ولكن الآن، لم يعُد الأمر يقتصر على أنّ الإنسان يدخل المنزل، ولا أنّه يُصبح جزءًا من المنزل، بل يُصبح عَيْنَ المنزل، وعَيْنَ ذلك البستان، وعَيْنَ تلك الأشجار، وعَيْنَ تلك الحيوانات الموجودة هناك، وعَيْنَ الأنهار، وعَيْنَ الأرض، وعَيْنَ السماء.. هذا ما يُسَمّونه الحكمة.
حينئذٍ، توجب هذه الحكمة أن يشعر الإنسان بوجوده في كلّ ما هو موجودٌ في عالَم الوجود من المُجَرّدات وغير المُجَرّدات، وكذلك في كلّ عالَمٍ من عوالم الوجود المُتَحَقّقة. وبناءً على ذلك، تحصل صورةٌ من ذلك العالَم في وجود الإنسان، غاية الأمر أنّها ليست صورةً منقوشة أو مرسومة، بل هي صورةٌ عينيّةٌ من ذلك العالَم؛ فكأنّ الإنسان عندما يُخْبِر عن ذلك العالَم، فإنّه يُخْبِر عن وجوده هو، لا أنّه ينظر إليه، ويُخْبِر عنه.
الآن وأنتم جالسون هنا، إذا سألوكم: «سيّدي، ماذا يوجد في الجهة الأخرى من المنزل؟»، فإنّكم تفتحون النافذة، وتلقون بنظركم على تلك الغرف الموجودة في الجهة الأخرى، وتشيرون إليها قائلين: «عزيزي، يوجد في تلك الجهة غرفتان، ومطبخٌ، وإيوانٌ، وسجّادٌ، وجدارٌ، وآجُر، وما إلى ذلك». ولكن، هل أنتم أنفسكم آجُر؟ هل أنتم أنفسكم تلك الجهة؟ هل أنتم أنفسكم زجاجٌ وبابٌ ونافذةٌ؟ لستم كذلك؛ أنتم فقط جالسون، وتُخْبِرون. هذا العمل لا يُسَمّونه «الحكمة»، بل يُسَمّونه «العلوم النظريّة».
نقد تعريف المُؤَلّف
لقد وقع خلطٌ في كلام صدر المُتَأَلّهين، وكذلك في بيان المرحوم الحاج السبزواريّ، حيث يحكي الاضطراب الموجود في عباراتهما عن هذا الأمر. لقد خلطا بين الطابع التَصَوّري والتصديقيّ العلميّ، وبين الطابع التَغيّري الجوهريّ. هذا العمل لا يُسَمّونه «الحكمة»، بل يُسَمّونه «الحكاية».
أنتم تجلسون هنا، وتنظرون إلى صورةٍ فوتوغرافيّةٍ أمامكم. هذه الصورة تحكي عن الناس الموجودين فيها، وعن خصوصيّات المجلس الموجود فيها، وعن مجموعةٍ أخرى من المسائل. الآن مثلاً، قد تعود هذه الصورة إلى خمسين عامًا مضت، ولكنّ أعماركم لا تبلغ خمسين عامًا، بل تبلغ ثلاثين أو أربعين عامًا، فلم تكونوا حاضرين هناك؛ إلاّ أنّكم تقولون: «اللباس الذي يرتديه هؤلاء الرجال دليلٌ على أنّ ذلك الوقت كان فصل الشتاء، والكيفيّة التي يجلسون بها دليلٌ على أنّ المجلس كان مجلسًا حميميًّا، وطريقة جلوسهم مع بعضهم تحكي عن أنّ ارتباطهم ببعضهم كان وثيقًا جدًّا، والخصوصيّات الموجودة في ذلك المجلس تحكي عن أنّ هذا المجلس كان يعود إلى رجلٍ وضيعٍ أو رجلٍ غنيّ وثريّ». كيف أدركتم هذه المسائل؟ لقد جلستم وتَفَكّرتم وتَأَمّلتم في هذه الصورة؛ ومن خلال الآثار والعلامات، أدركتم مسائل ليست موجودةً داخلها. لم يُكتب داخل هذه الصورة عن العلاقة القائمة بينهم، بل أنتم ترون فقط في الصورة أنّهم يضحكون معًا. ولم يُكتب داخل الصورة أنّ ذلك الوقت كان فصل الشتاء، بل لأنّهم يرتدون ملابس دافئةً، فقد أدركتم أنّ ذلك الوقت كان فصل الشتاء والبرد. لا يوجد أيّ ارتباطٍ بينكم وبين هذه الصورة! هذا لا يُسَمّونه «الحكمة العينيّة والقلبيّة»، بل يُسَمّونه «الحكمة النظريّة».
الحكمة النظريّة تعني مُجَرّد انتقاش النفس بمجموعةٍ من النقوش التي تحكي عن تَصَوّراتٍ وتصديقاتٍ مرتبطة بمجموعةٍ من المسائل نفس الأمريّة؛ وهذه التَصَوّرات والتصديقات الآن، إمّا أن تكون مطابقةً لنفس الأمر أو مخالفةً له.
وهنا، يرد قيدُ «على حسب الطاقة البشريّة»؛ أي إنّ الإنسان يكتسب ـ في التَصَوّرات والتصديقات التي يملكها تجاه نفس الأمر والحقائق المنفصلة عنه ـ بمقدار تلك الطاقة التي يملكها من حيث الوصول إلى الواقع والوصول إلى حقيقة الشيء؛ وبنفس ذلك المقدار، يَطّلع أيضًا على التَصَوّرات والتصديقات والبراهين الخاصّة بنظام العالَم.
سأضرب مثالاً لكي تَتّضح هذه القضيّة:
على سبيل المثال، إذا رأيتم في المنام أنّكم تَتَحَدّثون مع رجلٍ؛ وفجأةً، يُصبح هذا الرجل رجلاً آخر! وحتّى لو لم تروا ذلك بأنفسكم، فعلى الأقلّ، قد سمعتم أنّه [حصل لأحدهم أن رأى] رجلاً يُصبح فجأةً رجلاً آخر!
في إحدى المرّات، جاءت امرأةٌ، وكانت تقصّ عليّ قائلةً:
رأيت في المنام أنّ زوجي كان يُصبح أخي تارةً، وأخي كان يُصبح زوجي تارةً أخرى.
إنّها حقيقةٌ واحدةٌ تَتّخذ صورتين؛ فتارةً، تُصبح هذه الحقيقة زوجها، وتارةً أخرى، تصبح أخاها. هذا أمرٌ عاديّ، ورُبّما رآه الجميع؛ وإذا لم يروه بالنسبة للإنسان، فقد رأوه بالنسبة لأشياء أخرى. الآن، هذا الرجل يُصبح ذلك الرجل بشكلٍ كُليّ، ويكتسب خصوصيّاته، ليس فقط في الصورة، بل في السيرة أيضًا يُصبح هو، ثمّ يعود مرّةً أخرى، ويُصبح نفسه؛ أي الصورة الأولى نفسها.
الآن، في قضيّتنا هذه، تَصَوّروا هكذا أنّكم أصبحتم هذه الصورة حقًّا؛ أي أن تُصبحوا ذلك الرجل الموجود في هذه الصورة، أو أن تُصبحوا ذلك الرجل الجالس بجانبه، أو أن تُصبحوا تلك الأواني وتلك البرتقالة والتفّاحة الموجودة في الأمام، أو أن تصبحوا ذلك المنزل و ... في هذه الحالة، ما هو شعوركم تجاه هذه الصورة؟ لن تقولوا بعد ذلك إنّ هذه الصورة تحكي عن هذه المسألة، بل ستقولون إنّها هي نفسها.
على سبيل المثال، إذا قالوا لك الآن إنّك جائعٌ، أو قالوا إنّك لست جائعًا؛ فهل ستقول: بما أنّ فلانًا قال لي إنّك جائعٌ، فأنا إذن جائعٌ؟! كلاّ! بل [تقول ذلك] لأنّك تشعر بالجوع في وجودك. لا تقول أبدًا: إنّني أحكي عن رجلٍ قال إنّني جائعٌ! إنّه وجودك، وأنت تشعر به؛ فتشعر بالشبع في نفسك، وتشعر بالجوع في نفسك أيضًا. أنت تلمس خصائصك الوجوديّة بنفسك، فتلمسها لمسًا عينيًّا ووجدانيًّا وعقليًّا، لا أنّك تحكي عنها، بل تُخْبِر عن نفسك وعن وجودك.
الآن، إذا أصبحت إنسانًا كهؤلاء، فهذا يُصبح الوجود العينيّ للأشياء. ففي هذه الحالة، إذا أخبرت عن هذا الرجل الموجود في هذه الصورة، فقد أخبرت عن نفسك؛ لأنّه لم يعُد هناك أحدٌ تُخْبِر عنه، بل ستكون أنت بنفسك. هنا، إذا بَيّنتَ فصلاً مُمَيّزًا لهذه البرتقالة، فلن يكون ذلك خطأً؛ لأنّك ستكون أنت هي. وهنا، إذا بَيّنتَ الفصل المُمَيّز لرجلٍ ما، فإنّك في الواقع ستكون مُطّلِعًا على نفسك، وتُفصح عن نفسك؛ فلم يعُد الأمرُ، بحيث لا تجد سبيلاً إلى ذلك الفصل المُمَيّز.
اختلاف الحكمة النظريّة عن الحكمة العينيّة
وبناءً على ذلك، فإنّ الحكمة تعني أن يحصل للإنسان تَبَدّلٌ وتَجَرّدٌ في وجوده، بحيث تزول جهة الابتعاد الناجمة عن التَعَلّق بالخلق، ويحلّ محلّها قُربُ الارتباطِ بالربّ، ويُصبح هذا القرب بنحوٍ لا يبقى معه قربٌ بعد ذلك، بل تحصل للإنسان عينيّةٌ واتّحادٌ حقيقيّ وماهويّ مع عالَم الوجود. إذا حصل لكم علمٌ حضوريّ، وصِرتم موجودات العالَم، فإنّكم تصبحون العالَم [بذاته]؛ غاية الأمر أنّ هذا العالَم لم يدخل في رأسكم، وإلاّ لانفجر هذا الرأس! ولهذا، فهي [أي الحكمة] صيرورةٌ عقليّةٌ، حيث إنّ العقل هنا هو بمعنى السرّ. إنّ حقيقة الحكمة التي وردت في الآيات والروايات وكلام بعض العرفاء من الفلاسفة، تُشير إلى هذا التَحَوّل التجرديّ للنفس؛ لا أنّها مسألةٌ عقليّةٌ، ومُجَرّد انتقالٍ تَصَوّري وتصديقيّ وبرهانيّ؛ رغم أنّ الحكماء قد فسّروها بهذه العبارات أيضًا. ولهذا، سأُبَيّن كيف يوجد هنا اختلافٌ في تلك العبارات.
وبناءً على ذلك، هنا يتحقّق مفاد: «اللهمّ أرني الأشياء كما هي»!۱ فعندما يُناجي النبيّ ربّه قائلاً: «إلهي، تَفَضّل عليّ»، فإنّه يقول في الواقع: اجعلني مُتّصِلاً بحقيقة الوجود؛ وحينئذٍ، سأرى كلّ شخصٍ كما هو، لا كما ينقلون لي، ولا كما يكتبون في الكتب، ولا كما يقول الآخرون لي! فذلك النحو لا فائدة فيه؛ بل أن أرى ذلك الشيء كما هو عليه، وبنفس الماهيّة التي هو عليها، وبنفس الهويّة التي يملكها.. بهذه الكيفيّة نفسها. ولازم هذه الهوهويّة هو الولاية؛ هذه هي الحكمة.
الاختلاف بين العِلمين الحضوريّ والحصوليّ
هذا هو العلم الحضوريّ. فالعلم الحضوريّ هو الوجود، والعلم الحضوريّ يعني حضور الشيء عند النفس؛ لا أنّه العلم بحضور ذلك الشيء عند النفس، بل يعني وجود الشيء في نفس الإنسان.
على سبيل المثال، يضعون أمامكم الآن طعامًا وأنتم جياعٌ، وتريدون أن تتناوله، فتشمّونه قليلاً، وترون أنّه فاسدٌ، وتقولون: «لا، أنا لن أتناوله!». فما هو الشعور الذي ينتابكم، بحيث تمتنعون عن هذا الطعام؟ لماذا لا تأكلونه؟ لأنّكم تشعرون بوجودكم، وتشعرون ببقائه أيضًا، وتأخذون السلامة والصحّة بعين الاعتبار؛ وبما أنّكم ترون هذا الطعام مُضرًّا بصحّتكم وعافيتكم، فإنّكم تُعرضون عنه. عندما أخذتم وجودكم بعين الاعتبار، هل فَكّرتم مع أنفسكم أنّني موجودٌ؟ أو أنّني حيّ؟ لم يكن الأمر كذلك، ولا وجود لهذا الكلام. إنّ وجودكم هذا في أنفسكم هو عبارةٌ عن علم حضوريّ.
إنّ ذلك الاستنباط الذي تقومون به لاحقًا: «لن آكل هذا الطعام، لأنّه يتعارض مع وجودي ومع صحّتي»، ليس عِلْمًا، بل هو «عِلْمٌ بالعلم»؛ وهو في مرتبةٍ دون العلم الحضوريّ. العلم الحضوريّ هو المنشأ والعلّة للعِلم بالعلم. العلم يقع أوّلاً، ثمّ يحصل العلم بالعلم. في كثيرٍ من الموارد، لا نملك عِلْمًا بالعلم في الأساس، بل نملك عِلْمًا فقط. لو لم نكن نملك عِلْمًا، لأقدمنا قطعًا [على تناول ذلك الطعام]. لماذا لا تُقدمون أنتم؟ لأنّ ذلك العلم موجودٌ هناك، ولا يدعكم تُقدمون على هذه القضيّة. ذلك العلم يدفعكم للإقدام على مسألةٍ ما؛ لتجلبوا المنافع لأنفسكم وتدفعوا المضارّ عنها.
عندما تأخذون الطفل إلى جانب النافذة، فإنّه يخاف ويتراجع إلى الخلف؛ لأنّه يملك عِلْمًا حضوريًّا. لو لم يكن يملك عِلْمًا حضوريًّا، لسقط إلى الأسفل، ولما كان لديه أيّ إباءٍ من أن يلقي بنفسه أو لا يلقي. العلم الحضوريّ يجعله يرى هذه المسألة خطيرةً عليه، ولهذا يتراجع إلى الخلف.
لا يوجد عِلمٌ بالعلم في العلم الحضوريّ أبدًا؛ أي: رغم أنّ ذلك العلم قد شمل وجود الإنسان وملأه، إلاّ أنّ الإنسان في ذهنه ليس شاعرًا بوجود قضيّةٍ كهذه. فكما أنّ الخيمة التي يُلقونها على رجلٍ، فيشمل تمام وجود هذه الخيمة ذلك الرجل، فإنّ العلم الحضوريّ أيضًا يشمل وجود الإنسان؛ أي أنّه يستوعب تمام وجود الإنسان، فيصير لهذا الشيء نفسِه حضورٌ عند الشيء.
بعبارةٍ أخرى، هل يملك الله عِلْمًا بوجود هذه الخلائق؟ أي: هل ينظر الله تعالى من ذلك العلوّ، ويرى أنّ زيدًا هذا قد أُوجِد الآن، ووُلد من أمّه مثلاً؟ إنّ الله يرى الجميع: المجيء، والذهاب، والتَكَوّن و ... باختصارٍ، مهما أردتم إخفاء المسألة، فهناك فئةٌ ترى! ليس الله وحده من يرى، بل ملائكته يرون أيضًا؛ فماذا نفعل حيال هذا في النهاية؟ ولا يقتصر الأمر على أنّ ملائكته يرون، بل هناك أفرادٌ آخرون يرون أيضًا؛ فهم يملكون عِلمًا حضوريًّا، وهذا العلم الحضوريّ حاضرٌ في أنفسهم. ولكنّ عِلْم الله تعالى ليس كذلك، بل مُجَرّد أنّ الأشياء حاضرةٌ عند الذات وعنده، فهذا عبارةٌ عن عِلْم الله.
إذا أردنا نحن أن نحصل على عِلْمٍ، يجب أن نفتح أعيننا. إذا أغمضت أنا عيني، فلن أعلم أنّ هناك كتابًا أمامي. وعندما أفتح عيني، يضرب النور من هنا في العين ويرتدّ؛ حينئذٍ، مع وجود هذه الخصائص، أرى أنّ هناك كتابًا أمامي. ولكنّكم في العلم الحضوريّ لا تحتاجون إلى عينٍ، ولا تحتاجون إلى أذنٍ، ولا تحتاجون إلى لمسٍ، ولا تحتاجون إلى شامّةٍ، ولا تحتاجون إلى ذائقةٍ؛ أنتم لا تحتاجون إلى أيّ شيءٍ. العلم الحضوريّ عبارةٌ عن حضور نفس ذلك الشيء عندكم. هذا يُصبح العلم الحضوريّ، والذي هو أعلى مراتب العلم.
إذا كنتم تملكون عِلْمًا، فهناك اثنينيّةٌ قائمةٌ بينكم وبين ذلك الشيء في النهاية. بأيّ شيءٍ تعلمون أنتم؟ إنّكم تعلمون بـ «الغير». إذن، هناك اثنينيّةٌ بينكم وبين الغير، وهذا لا فائدة فيه؛ لأنّكم إذا حصلتم على عِلْمٍ، فلن يعود عليكم ذلك بأيّ شيءٍ. مهما علمتم: هنا كتابٌ، هنا دفترٌ، هنا حقيبةٌ، هنا ساعةٌ، هنا مُسَجّلٌ و ...، إلاّ أنّ هذه الأشياء لن تنفعكم أبدًا. إنّ ما ينفعكم ويُمكنه أن يُشبعكم هو عبارةٌ عمّا يُصبح وجدانًا بالنسبة إليكم، أي يستقرّ في وجدانكم.. ذلك يُصبح العلم الحضوريّ.
عندما يَتَصَوّر الإنسان سنيّ الطفولة ـ وبالطبع هذا صعبٌ ـ يُدرك في أيّ وضعٍ كان، وفي أيّ حدٍّ كان عِلْمه بالأشياء، وماذا كانت مسائله، وما هي التَصَوّرات التي كان يحملها عن الوجود، وما هي التَصَوّرات التي كان يحملها عن الموت والحياة، وفي أيّ نطاقٍ من الفكر كان يسير. يُقال: عندما يُريد الإنسان أن يُرَبّي، يجب أن يضع نفسه مكان ذلك الطفل؛ أي أن يُصَغّر نفسه، يُصَغّر نفسه، يُصَغّر نفسه، حتى يُصبح طفلاً؛ حينئذٍ، يُمكنه أن يَتَحَدّث مع هذا الطفل، ويفهم لغته.
عندما تمسكون بيد الطفل، وتأخذونه إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، فلا ينبغي أن يكون الأمر بحيث تقولون فقط: «علينا أن نذهب إلى الحرم هكذا ونعود»؛ لأنّ الطفل لا يفهم الحرم وهذه الأمور. أن تأخذوه إلى الحرم مرّةً واحدةً في اليوم أمرٌ جيّدٌ؛ ولكن، عندما تُريدون أخذه إلى الحرم، خذوه إلى ذلك المكان الذي توجد فيه الحمائم، وأروه ذلك المكان أيضًا. فأنتم أنفسكم قد لا تذهبون إلى تلك الأماكن، وتقولون: «إنّ ذلك ليس ضروريًّا؛ إذن، فلا فائدة فيه لهذا الطفل أيضًا». ولكن، إذا أردتم أن يحصل للطفل رغبةٌ وميلٌ تجاه الإمام الرضا، فيجب أن تأخذوه وتروه الحمائم أيضًا، ويجب أن تأخذوه للتَنَزّه والترفيه إلى مكانٍ آخر أيضًا؛ وإلاّ، إذا اقتصر الأمر على أن يأتي، ويرى، ويمضي، فسيحصل له تَصَوّرٌ غير صحيحٍ تجاه الإمام الرضا.
يجب على الإنسان أن يضع نفسه مكان الطفل، ويرى في أيّ أفقٍ يسير هو الآن، ليقوم هو بنفس ذلك العمل. يجب على الإنسان أن يضع نفسه في أفق المرأة، ويرى في أيّ مستوى تقع هذه المرأة الآن. وعندما يضع نفسه مكانها، حينئذٍ يُمكنه أن يضع برنامجًا لها، ويقوم بعمليّاتٍ تربويّةٍ تجاهها؛ لا أن يقول مثلاً: «إنّها إذا لم تر هذا اللباس، فلا يهمّ! لا حاجة لذلك ولا إشكال فيه! أنا الآن أكتفي بارتداء قباء، وهي مثلي أيضًا». كلاّ، المرأة تمتلك نطاقًا وسعةً فكريّين خاصّين، ويجب على الإنسان أن يعمل طبقًا لهذه السعة الفكريّة؛ غاية الأمر أنّ التربية يجب أن تكون تربيةً صحيحةً!
الآن على سبيل المثال، إذا كانت حالة الطفولة تلك حاضرةً في أذهانكم بشكلٍ دقيقٍ ـ رغم صعوبة ذلك ـ وشعرتم أيضًا بحالتكم الحاليّة وفي أيّ أفقٍ أنتم؛ فحينئذٍ، ستُدركون العلم الحضوريّ إدراكًا تامًّا. إنّ هذا التَحَوّل الذي حصل فيكم بواسطة مرور الزمان وبواسطة التجارب، قد أحدث فيكم تَغَيّرًا نُطلق عليه اسم العلم الحضوريّ. ومن هذا التَغَيّر، تنشأ الآثار والعوارض والبروزات والظهورات.
إذا دخل طفلٌ في الثانية من عمره إلى هذه الغرفة، وقام بحركتين بهلوانيّتين، فلن يضحك عليه أحدٌ، لأنّهم سيقولون إنّه طفلٌ! ولكن، إذا قمتم أنتم على سبيل المثال بثلاث حركاتٍ بهلوانيّةٍ في مجلسٍ عامّ، فسيقولون إنّه مجنونٌ! لا يُمكنكم أن تقولوا: «أنا طفلٌ في الثانية من عمري!». إذا قام الطفل البالغ سنتين بحركةٍ بهلوانيّةٍ، فلن يَتَعَرّض له أيّ أحد؛ وذلك لأنّه طفلٌ. ناهيك عن هذا العمل؛ حتّى لو قام بعملٍ أسوأ من هذا، سيقولون إنّه طفلٌ! ولكنّكم إذا أحدثتم تغييرًا طفيفًا حتّى في حاجبكم وعينكم، فإنّكم ستلفتون الانتباه. هذا بسبب أنّكم تقعون الآن في مقامِ حضورٍ وعِلْمٍ حضوريّ، بحيث اختلف عِلمكم الحضوريّ عن العلم الحضوريّ لمرحلة الطفولة. وبمقتضى هذا العلم الحضوريّ، تختلف آثاركم وظهوراتكم وتجلّياتكم عن مرحلة الطفولة، وتَنتظِم وفقًا لذلك توقّعاتُ الناس تجاهكم. كلّ هذا بسبب العلم الحضوريّ، وبسبب ذلك الشيء الذي يشعر به الإنسان في وجوده دون أن يُبَيّنه. ولهذا، إذا سألوك: «سيّدي، لماذا لا تقوم بهذا العمل؟»، ستقول: «هل أقوم أنا بهذا العمل؟!»؛ لأنّك ترى وتشعر ـ شئت أم أبيت ـ بأشياء في نفسك؛ وبواسطة هذا الشعور، تقول: «أنا لا أقوم بهذا العمل!».. هذا هو العلم الحضوريّ.
التلميذ: في المثال الأوّل نفسه الذي تَفَضّلتم به، عندما يُدرك الإنسان الجوع، فإنّ هذا الجوع يكون مغايرًا للإنسان ومختلفًا عنه، وتبقى هنا جهةُ الغيريّة قائمةً، وإن كانت على نحو التَعَيّن وعدم التَعَيّن؛ وأمّا إذا أردنا أن نفترض العلم الحضوريّ لله تعالى، فلا بدّ أن يكون عِلْمًا أرقى من العلم الحضوريّ؛ أي: ينبغي أن تكون هنا عينيّة الأشياء.
الأستاذ: انتبهوا! إنّ الإنسان هو الذي يوجد الجوع في وجوده أو يوجد الشبع فيه. وهذه المسألة نفسها موجودةٌ في الله تعالى أيضًا؛ فجميع الموجودات منطويةٌ في ذات الله، في حين أنّه تعالى أشرف، وهو علّةٌ لجميع الموجودات، ويرى وجود جميع هذه الموجودات في وجوده بعِلْمٍ حضوريّ، أي: يرى نفسه علّةً؛ لا أنّه يطّلع ويرى بعينٍ أخرى وبيدٍ أخرى، مثلما صوّر الزنادقة من الشيعة وعلماء الشيعة مسائل كهذه، ففصلوا الله تعالى، ولم يفهموا معنى «خِلْو» في رواية: «إنّ الله خِلْوٌ من خلقه وخلقه خِلْوٌ منه»،۱ وقالوا:
إنّ الله موجودٌ تنفصل عنه المخلوقات، مثلما تنفصل قطعةٌ من كومة قطنٍ؛ فتنفصل قطعةٌ من الله أيضًا، ثمّ يُلقي تعالى بنظره، ويراها، ويحيط بها.
فتَصَوّرُ هؤلاء الأفرادِ هو بهذه الكيفيّة. هذا لم يُصبح عِلْمًا حضوريًّا، بل انفصل عنه. العلم الحضوريّ هو أن يشعر بوجوده في وجوده هو؛ بالطبع، ليس ذلك بأن يكون جزءًا وقطعةً، بل هو مرتبةٌ. هذا هو العلم الحضوريّ.
والجوع كذلك أيضًا؛ ولهذا، يزول الجوع ويأتي محلّه الشبع؛ ولكن، حتّى عندما يكون الإنسان شبعانًا، فإنّه يشعر بهذا الشبع في وجوده. إنّ الجوع وهذا العرض والكيفيّة التي حصلت لهذا الإنسان، هي في المرتبة النازلة بالنسبة إليه، ومرحلة النفس أعلى وأشرف من مرتبة الشبع والجوع.
تنافي قيد «على الطاقة البشريّة» مع قيد «على ما هو عليه» في تعريف الحكمة
إذن، التعريف الذي قَدّموه للحكمة: «الحكمة صيرورة الإنسان عالَمًا عقليًّا مشابهًا (أو مضاهيًا) للعالَم العينيّ» يُراد به هذه الحكمة؛ لا تلك الحكمة النظريّة والمقروءة التي هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من التَصَوّرات والتصديقات ومجموعةٍ من النقوش التي تكون في الكتاب أوّلاً، ثمّ تحلّ في ذهن الإنسان وترتسم في نفسه. هذه ليست حكمةً، بل هي مُقَدّمةٌ ووسيلةٌ لتلك الحكمة. كلّ هذه عبارةٌ عن مجموعةٍ من المعاني؛ بالطبع، لا أريد القول إنّه لا فائدة فيها، بل إنّ لها طابعًا تمهيديًّا، فتُحَرّك الإنسان وتسوقه؛ وهي وسيلةٌ لكي يصل الإنسان إلى ذي المُقَدّمة والغاية من الحكمة النظريّة؛ والتي هي عبارةٌ عن التَبَدّل الجوهريّ.
قَوْلي: «قد حصل هنا خلط في العبارات»، هو بسبب هذا الأمر؛ وهو أنّه يجب أن نرى ما معنى «الحكمة صيرورة الإنسان عالَمًا عقليًّا مشابهًا للعالَم العينيّ»؟ إذا كانت بمعنى أن يحصل للإنسان تَبَدّلٌ ماهويّ، فتَتَبَدّل حقيقتُه إلى حقيقة الوجود، وتحصل له عينيّةٌ مع حقيقة الوجود ونظام عوالم الوجود؛ فإذن، ما ذكروه هنا: «بقدر وسع الإنسان» أو «بقدر الطاقة البشريّة»، لم يعُد له معنًى؛ لأنّ الإنسان إمّا أن يصل إلى حقيقة الوجود على ما هو عليه أو لا يصل؛ فإذا وصل، فلم يعُد هناك معنًى لـ «بقدر الوسع الإنسانيّ»، وإذا لم يصل، فهو لم يصل؛ وبالتالي، لم تكن هذه حكمةً في الأساس؛ إلاّ إذا وَجّهنا الأمر بهذا الشكل، وهو: مهما كانت المرتبة التي وصل إليها الإنسان، فإنّه يكون قد تَقَرّب حقًّا بنفس ذلك المقدار إلى الوجود، وتَقَرّب إلى نظام عالَم الخلق وعالَم الأمر. فإذا وصل شخصٌ إلى مرحلة الصفات، فبنفس ذلك المقدار [يكون قد تقرّب]؛ وإذا وصل إلى مرحلة الأفعال فبنفس ذلك المقدار [يكون قد تقرّب]؛ وإذا وصل إلى مرحلة الأسماء، فبنفس ذلك المقدار [يكون قد تقرّب]. فإلى أيّ مرحلةٍ وصل ـ بشرط أن يكون وصل إليها على ما هي عليه ـ فإنّه يكون قد وصل إلى حقيقتها؛ وحينئذ، إذا لم يكن وصل إليها على ما هي عليه، بل اقترب من حقيقتها فقط، فبنفس ذلك المقدار يستقرّ من الحكمة في وجوده، وبنفس ذلك المقدار يحصل له تَبَدّلٌ وتَغَيّرٌ.
فكلّ شخصٍ يستفيد من الحكمة بمقداره. تارةً، يأتي الإنسان بالقرب من البحر، والبحر فيه أمواجٌ، والرياح تهبّ أيضًا، فتتطاير قطراتٌ منه، فتصيب رأسه ووجهه، ويشمّ رائحته، ويُدرك صوت أمواجه؛ وربّما أصاب وجهَه ورأسَه شيءٌ من الرذاذ المتطاير المصاحب لتلاطم الأمواج، فيبتلّ، ويشعر بذلك كلّه، ويقول: «إنّ البحر يجب أن يكون هكذا»؛ ولكنّه لم يدخل داخل البحر بعدُ. ثمّ يَتَقَدّم، ويدخل البحر، فيكون البحر في البداية سنتيمترًا واحدًا، ثمّ يُصبح عشرة سنتيمتراتٍ، ثمّ يَتَقَدّم ويُصبح مترًا واحدًا، ثمّ يَتَقَدّم ويُصبح عشرة أمتارٍ، ثمّ يَتَقَدّم ويرى: يا للعجب، يا لَعِظَمِ عُمقِ البحر! الآن، وفي هذه المرحلة، يكون قد لمس مترًا واحدًا فقط من حقيقة البحر؛ فلا يلمس حقيقة البحر لمسًا تامًّا إلاّ عندما ينزل إلى الأسفل عشرة كيلومتراتٍ على سبيل المثال؛ ومع ذلك، لا يكون قد لمس سوى عمق البحر، ولكنّه لم يُدرك طوله وعرضه! فيبدأ بالحركة إلى هذه الجهة وتلك الجهة، والسباحة إلى الأعلى والأسفل، ثمّ عندما يصل إلى جميع أرجاء وجوده، حينئذٍ يقول: «أنا الآن شعرت بالبحر كما هو عليه!». هذا يُصبح: «على الطاقة البشريّة». وفي هذه الحالة، إذا فسّرناه بهذا الشكل، فلن يعود «على ما هو عليه»، أي أنّه قد استفاد [منه] في مرتبته هو، لا أنّه وصل إلى حقيقته واقعًا، ليكون موجودًا في نظامه نفس الأمريّ.
مراتب الحكمة العينيّة والقلبيّة
تتفاوت مراتب الحكمة، وكلّ شخصٍ له شأنٌ: ﴿تِلكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَىٰ بَعضٍ﴾؛۱ مثلاً، كان لقمان قد وصل إلى الحكمة حقًّا: ﴿وَلَقَد ءَاتَينَا لُقمَٰنَ ٱلحِكمَةَ﴾،٢ ولكنّ مرتبة كمال الحكمة مُخْتَصّةٌ بالنبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام. هذه المسألة تُشبه تفاوت مراتب الصلاح؛ فمثلاً، ورد لفظ «الصلاح» في حقّ جميع الأنبياء: ﴿وَكُلاًّ جَعَلنَا صَٰلِحِينَ﴾؛٣ ولكن، هل هذا الصالح هو نفس ذلك الصالح الذي يقول عنه تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ فِي ٱلأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾؟٤ فهذا هو مقام الصلاح الذي يتحقّق في السفر الرابع حيث يحصل للإنسان ذلك التَضَلّع والسعة في الرجوع؛ وهو مقامٌ ذو سعةٍ كبيرةٍ من أنوار الله ومظاهره في مقام الرجوع. هذه هي المراتب المختلفة للصلاح.٥
التلميذ: هل هذه السعة في السفر الرابع يحصل عليها قبل السفر الأوّل؟
الأستاذ: كلاّ! بالطبع، طريقة التربية مُؤثّرة؛ ولكن في الفناء، لا يوجد أيّ فرقٍ؛ وفي الرجوع أيضًا، "كلٌّ على شاكلته".
إنّ ذلك التعريف الذي أورده المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا] للحكمة هو عبارةٌ عن «استكمال النفس وتَبَدّلها». بالطبع، كان يجب عليه في هذه العبارة أن يُعَرّف الفلسفة، ولكنّه أورد الغاية في تعريفه هذا للفلسفة، وهذا نقصٌ. التعريف الذي نُقَدّمه نحن للحكمة الواقعيّة هو عبارةٌ عن: «تَبَدّل النفس بواسطة إدراك الحقائق نفس الأمريّة»؛ أي: الإدراك الواقعيّ لكلّ شيءٍ لدى النفس على ما هو عليه، سواءٌ كان هذا الشيء من حقائق عالَم الأمر أو حقائق عالَم الخلق. الإدراك الواقعيّ يعني أنّه بواسطة هذا الإدراك، تستكمل النفس، وتصل إلى كمالها.
إنّ هذا الإدراك الواقعيّ والحقيقيّ لكلّ النظام على ما هو عليه، إمّا أن يكون موجبًا للاستكمال ومُقَدّمةً له، أو أن تكون له عينيّةٌ خارجيّةٌ مع الاستكمال ويساويه. وما لم يحصل هذا الإدراك، فإنّ النفس تظلّ في مكانها ولا تَتَغَيّر؛ ولكن، بواسطة هذا الإدراك، تصل النفس إلى كمالها ذلك؛ أي، تصل إلى حقيقة كلّ شيءٍ على ما هو عليه، بمعنى أنّها تصل إليه كما هو ذلك الشيء، وعلى النحو الذي هو عليه في الواقع.
الوصف الذي لاحظناه هنا كان عبارةً عن «إدراك النفس لحقائق الأشياء كما ينبغي أن تكون»؛ ولكنّنا نقول الآن: «إدراك الذات لحقائق الأشياء على ما هي عليه». إذن، الحكيم يعني تلك الذات التي تضع كلّ حقيقةٍ في موضعها، وتضع كلّ وجودٍ مطابقًا لما هو عليه؛ أجل، يبقى أنّ هذا الوضع ليس وضعًا فكريًّا وتَعَقّليًا وتَأَمّليًا، بل هو وضعٌ صدوريّ وعِلِيّ.
الآن، أيّ ذاتٍ وأيّ موجودٍ أجدر بأن يضع حقائق الأشياء ـ على ما هي عليه ـ في موضعها؟ لا موجود أجدر بذلك إلاّ الذات الإلهيّة! فهو تعالى لا يضعها في موضعها فحسب، بل هو في الأساس عَيْن حقيقة الأشياء، ومصدر وجودها. فهذه هي المرحلة الأولى، حيث تتعلّق الأوّلية والأولويّة والأجدريّة بالذات الإلهيّة؛ ولهذا، يُسَمّى تعالى بالحكيم. هذا هو أعلى وأرقى مقام تنظيمٍ وتدبيرٍ. وبعد الذات الإلهيّة، يأتي النبيّ الأكرم؛ وبعده، هناك أفرادٌ آخرون يصلون إلى هذه المرتبة من الحكمة، ويُصبح وجودهم وجودًا يضع كلّ شيءٍ على ما هو عليه في موضعه، ويراه ويلمسه. هؤلاء يُسَمّون بالحكماء.
والذات هنا أعمّ من النفس والجنّ والملائكة و ...؛ ولهذا، فإنّ الجنّ والملائكة يصلون إلى الحكمة أيضًا؛ ولكن، ليس بمقدار الإنسان، بل في مرتبة أدنى منه.
التلميذ: بناءً على ما تَفَضّلتم به، هل يُصبح الحكيم مترادفًا مع المُخْلَص؟
الأستاذ: كلاّ! الحكيم الواقعيّ أرقى من المُخْلَص ومن مرحلة الإخلاص. مقام المُخْلَصين هو مقام فناء الذات، رغم أنّه يتلاءم مع فناء الأسماء والصفات أيضًا. بالطبع وكما بَيّنت سابقًا،۱ فإنّ لازم فناء الأسماء والصفات هو الفناء في الذات؛ أي: ما لم تكن هناك بارقاتٌ جلاليّةٌ تشعّ على الذات، فلا يُمكن للإنسان الحصول على فناءٍ أسمائيّ.
في مقام فناء الذات، يكون الكلام في المَلَكة؛ أي: قد يوجد أفرادٌ لديهم حالاتٌ فنائيّةٌ بمثابة الحال، ولكنّها لم تَتّخذ طابع المَلَكة بعدُ، ولهذا، تظلّ هناك أخطارٌ تتهدّدهم؛ وعبارة «از آنسوی فناء صد خطر است٢»٣ تتعلّق بهذا المقام. بالطبع، المسألة هنا ليست مسألة النفس، بل هي مسألة الإنيّة. مسألة الإنيّة تعني أنّ الإنسان نفسه لا يزال موجودًا؛ أي: رغم أنّه قد عبر من النفس، ولكنّه لم يتجاوز التَعَيّن الذاتيّ بعدُ. ورغم أنّ العبور من النفس مُهِمّ جدًّا أيضًا، إلاّ أنّ العبور من النفس يقع في أواسط السير، والإشكال الأساسيّ يكمن في العبور من التَعَيّنات.
التلميذ: هل الخير الكثير هو هذا أيضًا؟
الأستاذ: الخير الكثير يعني ذلك الخير الذي يستوعب تمام شوائب الإنسان الوجوديّة، ولا يُبقي منه شيئًا بعد ذلك، بحيث يشعر تجاه ذلك الوجود بالحقارة أو النقص أو القلّة أو الفراغ. «كثيرٌ» يعني أنّه يستوعب تمام وجود الإنسان، ولا يبقي له فراغًا بعد ذلك. الخير الكثير هو نفسه الوصول إلى حقيقة الوجود التي لا توجد مرتبةٌ أعلى منها بعد ذلك.
اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ