المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالأسفار
المجموعةمقدّمة المؤلّف
الموضوعالثانوية العامة أو أقل
التوضيح
ما هو تعريف علم الفلسفة؟ هل يكفي البرهان الفلسفيّ النظريّ لاستكمال النفس الإنسانيّة؟ ما هو الملاك الدقيق في قبول أخبار الآحاد في أصول العقائد ومعارف المبدأ والمعاد؟ وكيف يترقّى السالك في مراتب الفناء (الفعل، والصفة، والاسم، والذات) وصولاً إلى «مقام العماء» وحقيقة «التشبّه بالإله»؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لآية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات الدقيقة، كاشفةً اللثام عن حقيقة التجليّات الإلهيّة وموضّحةً الخلط الحاصل بين الحكمة الشهوديّة الوجدانيّة والحكمة النظريّة.
هو العليم
تعريف علم الفلسفة (٢)
مقامات الفناء الإلهيّ والفرق الجوهريّ بين الحكمتين النظريّة والعمليّة
سلسلة دروس شرح الأسفار الأربعة، السفر ۱، المسلك ۱، المقدّمة، الدرس الثالث عشر
الاستاذ
سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
بيّنا سابقًا أنّه يوجد عِلمان يهتمّان بالتحقيق في حقيقة الموجود ضمن نظام الوجود، سواء أكان هذا الموجود سفليًّا أم موجودًا علويًّا، بل حتّى في حقيقة وجود الحقّ تعالى نفسها؛ وهما الفلسفة والعرفان.۱
فإذا كان هذا التحقيق مبنيًّا على البرهان والنظريّات، فسيكون عبارة عن انتقاش صور مظاهر الوجود في وعاء الذهن، بأيّة كيفيّة انطبعت، وبأيّ مقدار كانت قريبة من الواقع، «على الطاقة البشريّة». وهذا ما يُسمّى «الفلسفة».
لزوم برهانيّة مسائل الفلسفة وأصول العقائد
فالفلسفة عبارة عن انتقاش الصور الحقيقيّة للأشياء بالبرهان، لا بالظنّ ولا بالتقليد. على سبيل المثال، إذا تبنّينا رؤية خاصّة تجاه المَلَك والروح لمجرّد أنّ الآخرين قالوا ذلك، فلا يُسمّى هذا فلسفة؛ أو إذا حصل للإنسان ظنٌّ بمسألة ما عن طريق أدلّة تستند إلى ظواهر ودلائل غير قطعيّة من حيث السند أو الدلالة، فلا يُسمّى هذا فلسفة.
كيفيّة التمسّك بأخبار الآحاد في أصول العقائد
لعلّ المسألة التي يذكرها البعض بالنحو التالي: «لا يُمكن للإنسان أن يتمسّك بأخبار الآحاد في أصول العقائد» مبنيّة على هذا الأساس والملاك؛ وذلك لأنّ أخبار الآحاد غير قطعيّة؛ بينما في أصول العقائد، يُعدّ طابعُ الالتزام لدى الإنسان تجاه معارف المبدأ والمعاد أمرًا ضروريًّا، بحيث يحتلّ هذا الالتزام مرتبة عالية من حيث الأهمّية.
وإذا أردنا أن نبحث في مسألة حجّية الأخبار، فسنبتعد عن البحث الأصليّ، وأتذكّر أنّه جرى الحديث سابقًا حول القضيّة التالية: ما هو ـ في الأساس ـ الملاكُ في حجّية الأخبار؟ وهل هذه الحجّية تسري وتجري بنسق واحد في جميع الموارد، أم أنّها تختلف بحسب كلّ مورد، تمامًا كما تختلف الوثاقة أو العلم؟ ففي المجموع، نحتاج لكلّ موضوع ومورد إلى وثاقة مختصّة به.٢ عندما يأتيك إنسان، ويقول لك: «رأيت وأنا قادم الآن سيّارةً تصطدم، وتقتل إنسانًا!»، فإنّك تقبل قوله؛ لأنّ الحادث وما ينجم عنه من أضرار مسألة عاديّة، وليست في غاية الأهمّيّة. ولكن على سبيل المثال، إذا قال لك: «تعال، واشهد في المحكمة بأنّ هذا الرجل الذي تعرّض للحادث الآن قد مات»، فهل تكتفي بمجرّد كلام ذلك الفرد الواحد؟ ليس الأمر كذلك. فعندما يكون المقام مقام شهادة، ومن المقرّر أن يُعدم إنسان، أو تُؤخذ منه دية، أو يُعزّر ويُجلد، أو يُقتصّ منه بسبب شهادتك، فإنّك لن تثق بعد ذلك بكلام فرد واحد. فالوثاقة هنا تختلف عن الوثاقة في مسألة مجيء إنسان من هذا الجانب من الشارع، ثمّ تعرّضه لحادث.
بالطبع، لا أريد هنا أن أطرح هذه المسألة كنظريّة أو مسألة مسلّمة، بل أريد أن أقول: إنّ الوثاقة تختلف بحسب اختلاف الموارد؛ بمعنى: هل أدلّة حجّية خبر الواحد تختصّ فقط بالفقه والأعمال والتكاليف الجوارحيّة، أم أنّها تشمل أيضًا الالتزام بالمعارف الإلهيّة والعقائد على الرغم من خطورة هذه المسائل المتعلّقة بالمبدأ والمعاد ومسائل التوحيد وما شابه ذلك؟ على سبيل المثال، في المورد الذي يجلس فيه الراوي في محضر الإمام، ويكون عليه السلام منهمكًا في الحديث مع رجل، فبما أنّنا لا نعلم إلى أيّ مستوى من المعارف وصل الراوي، فلا يُمكننا أن نقبل كلامه ونتلقّاه كأصل اعتقاديّ لمجرّد وثاقته وأنّه إنسان صالح، بل من المستبعد جدًّا في الأساس أن يسمح لنا العقل السليم بذلك هنا. ففي المسائل المتعلّقة بإشكالات مسألة التوحيد والقضايا التوحيديّة العويصة التي يتحيّر فيها الفيلسوف، لا يُمكننا بمجرّد رواية نقلها السكونيّ مثلاً ـ والذي لا تتجاوز معارفُه حدودَ هذا الفقه ـ أن نقول: «إنّ المسألة هي بالكيفيّة التي ذكرها»، ونبني عليها أُسسنا الاعتقاديّة؛ فضلاً عن وجود نقاشات في وثاقته أيضًا؛۱ ولهذا، لا يُمكن قبول الرواية بمجرّد أن ينقلها عن الإمام الرضا عليه السلام في معارف المبدأ والمعاد.
أوّلاً، مقدار سعة قابليّة الراوي هو الملاك. وثانيًا، هؤلاء لم ينقلوا باللفظ، بل نقلوا بالمعنى. وعندما ينقل [الراوي] بالمعنى، فكيف نثق بكلامه؟ لو كان ينقل باللفظ، ويقول: «هذه عين عبارة الإمام عليه السلام!» لكان ذلك مقبولاً. على سبيل المثال، رواية «مَن ماتَ ولَم يَعرِف إمامَ زَمانِه، ماتَ ميتةً جاهليّةً»٢ منقولة باللفظ، ويوجد هنا تواتر لفظيّ؛ وبناءً على هذه الرواية، يُمكن أن يكون لدينا مجال للبحث في مسألة المعرفة، واتّحاد معرفة الإمام بمعرفة الله تعالى. ولكن، مثلاً، إذا سأل راوٍ الإمام عليه السلام عن مسألة توحيديّة، فأجابه عليه السلام بطريقة لا تتوافق بتاتًا مع المعارف التي بين أيدينا؛ فهنا يكون الإمام قد تحدّث معه وفقًا لفهمه؛ لأنّ الناس يختلفون. انظروا في كتاب العلل: يسألون الإمام الرضا عليه السلام أو الإمام الصادق عليه السلام: «لماذا يجب أن نجهر في صلاة الصبح؟»، فيجيب عليه السلام على سبيل المثال: «لئلاّ يركلك إنسان إذا كنت في السجود وكان الجوّ مظلمًا!»؛٣ فهل حقًّا علّة الجهر في صلاة الصبح هي ألاّ يركلك أحد؟! ليس الأمر كذلك، ومن الواضح أنّ الإمام عليه السلام قد بيّن هذه المسألة وفقًا لفهم ذلك الرجل.
ولهذا، فإنّ القضيّة التي طرحها المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ هي مسألة دقيقة للغاية وفي غاية الأهمّية، وهي أنّ «معرفة الراوي» نفسها تعدّ مسألة مهمّة بحدّ ذاتها؛ أي: يجب في الأساس أن نعرف من هو الراوي، وما هو مقدار معلوماته، وما هي سعة قابليّته.۱
دعونا لا نذهب بعيدًا في الأساس؛ فإليكم هذا المثال الحيّ والحاضر: كان الوالد يتحدّث بكلمة، فتُنقل بعشرة طرق، وتُفسّر بعشرة أوجه! ناهيك عمّا كان يقوله البعض: «كان مقصود السيّد العلاّمة كذا»، فهذا يُعدّ مائة طريقة أخرى! يكتفون فقط بالقول: «إنّ السيّد العلاّمة ذكر هذه المسألة»؛ ولكن، إذا وُجد شريط تسجيل واستمع إليه الإنسان، فسيرى أنّه لم يتحدّث بهذا النحو بتاتًا، أو أنّ السياق ليس هكذا في الأساس. باختصار، القرائن لها تدخّل كبير جدًّا هنا.
إنّ الفائدة من قولي مرارًا وتكرارًا: «الظهور النوعيّ ليس ملاكًا للحجّية، بل الظهور الشخصيّ هو المهمّ» تتّضح هنا. ولهذا، أصبح وضعي في الآونة الأخيرة بحيث لم أعُد أثق بكلام أحد. كانوا يأتون إلى المرحوم العلاّمة، ويقولون: «يا سيّدي، هل قلت كذا؟»، فيجيب: «كلاّ يا عزيزي، متى قلت هذا الكلام؟!»؛ وبعد مغادرتهم، كان يقول: «لم أقل مثل هذه المسائل أبدًا! لكن، لا يعني ذلك أنّهم مقصّرون، بل فهمهم مختلف».٢
وهنا، تُطرح مسألة «الأفقهيّة» في بحث تعارض الأدلّة. فالضبط مسألة مهمّة؛ ولكنّ المسألة الأولى هي الأفقهيّة؛ أي: من هو الأرقى فهمًا، ومن هو الأقرب إلى الإمام عليه السلام، ومن هو الأكثر تلقّيًا للمعارف من الإمام عليه السلام، ومن هو المُلمّ بتفاصيل مسائل الإمام عليه السلام ودقائقها؟ هذه قضيّة مهمّة. مسألة الأفقهيّة أرفع من مسألة الضبط، والتحفّظ، والأصدقيّة، والوثاقة، والصدق، والأعدليّة، وما شابه ذلك. فالذي يمتلك فهمًا أوسع يعرف السياق الذي ذكر فيه الإمام عليه السلام هذه المسألة، ومع من كان يتحدّث، وهل كان في حالة تقيّة أم لا؛ أي أنّه يأخذ في الحسبان الخصوصيّات الفرديّة لذلك المورد، بل وقد يطرح تلك الرواية جانبًا. بالطبع، لا يعني طرحنا لرواية ما جانبًا أنّنا قد ارتددنا؛ على الرغم من أنّ المشايخ اليوم، بمجرّد أن يجدوا إشكالاً في عبارة ما من هذه الروايات مثلاً، يطرحونها جانبًا بكلّ سهولة، ولا يبالون بتاتًا! ومن جهة أخرى، نحن في بعض الموارد نطرح حتّى الرواية الصحيحة جانبًا بكلّ سهولة، ونقول إنّ هذه الرواية لا تتوافق مع قواعدنا! بالطبع، أعني تلك القواعد التي وصلتنا من الأئمّة أنفسهم، لا القواعد المختلقة التي وضعها المشايخ!
قبل يومين أو ثلاثة، جاءني رجل، ونقل مسألة من صحيفة "اطّلاعات". المسؤول عن صحيفة "اطّلاعات" يفتقر إلى الاستقامة الفكريّة، وقد رأيت مسائل باطلة كثيرة فيما يُنشر في هذه الصحيفة. قال الرجل:
كتب رجل يُدعى "عبّاس تيلا" مقالاً في هذه الصحيفة يقول فيه: «إنّ إرث المرأة لنصف ميراث الرجل كان صحيحًا في ذلك الزمان؛ لأنّ الزوج كان يدفع نفقة المرأة، وكانت نفقاتها تقع على عاتق الرجل؛ ولهذا، كان يجب أن ترث المرأة نصف ميراث الرجل».
ما علاقة هذا الأمر بقضيّة النفقة في الأساس؟! على سبيل المثال، ما علاقة هذا الكلام بتلك الفتاة الصغيرة التي لا يُعطيها أحد أيّة نفقة؟! وماذا تقولون عن الدية الآن؟! فالدية تختلف عن الإرث، ولا علاقة لها بالنفقة بتاتًا!
ومن جهة أخرى، هل كان النبيّ صلّى الله عليه وآله أبكم في ذلك الزمان ـ والعياذ بالله ـ لكيلا يقول: «إذا عملت المرأة من أجل زوجها ـ لا أن تخرج من المنزل لتعمل، بل مثلاً أن تذهب لتعمل في مزرعة أو بستان يملكه الرجل ـ فإنّها ترث بمقدار ما يرث الرجل؛ وإذا لم تعمل، ودفع الزوج نفقتها، فإنّها ترث نصف ميراث الرجل!».
بالمناسبة، يقال إنّه من المتعارف عليه في مناطق خوزستان أن يجلس الرجل داخل المنزل أو في المقهى ويُدخّن النرجيلة! حينئذٍ، إذا اعتبرنا الاستصحاب القهقرائيّ حجّةً بملاك عدم التغيّر، فيجب أن نقول إنّ الأوضاع كانت في زمان النبيّ أيضًا بهذا النحو، ومع ذلك، فقد حكم النبيّ هنا أيضًا بالتنصيف؛ في حين أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يحكم به.
الحمد لله، عندما يتفوّه بعض العلماء بمثل هذا الكلام، فلا توجد مشكلة، ويكون الباب مفتوحًا، فيُفكّر ذلك السيّد التنويريّ العظيم ويقول: «بما أنّ النساء يعملن في هذا الزمان ويشتغلن خارج المنزل، فمن المؤكّد أنّه يجب تغيير هذا الحكم، والحكم بتساوي إرث المرأة والرجل!»؛ أي أنّه لا يوجد من يردعهم! والحمد لله، يتفضّل كلّ شيوعيّ وماركسيّ بالإفاضة في الصحف التي تُموّل من بيت المال! حسنًا يا عزيزي، هذه الترّهات والأقوال ليست جديدة، بل كانت تُقال في زمان رضا شاه أيضًا! إنّ «التجديد» الذي يتحدّثون عنه هو عبارة عن مجموعة من الأقوال السخيفة التي ظهرت أوّلاً في البلدان العربيّة مثل مصر وتونس، ثمّ وصلتنا، ونحن الآن نأكل فُتاتهم!
في هذه المسائل، يجب أن نستخرج الملاكات من الروايات نفسها ومن أهل البيت أنفسهم، لكي تتّضح لنا صحّة الروايات وسقمها بناءً على هذه الملاكات. وكذلك يجب أن تتّضح لنا موارد وخصوصيّات ورود المسائل المعرفيّة والاعتقاديّة التي نأخذها، وفي أيّ سياق تمّ بيانها.
تعريف الشارح لعلم الفلسفة
على أيّ حال، المسألة التي ذُكرت سابقًا هنا هي أنّ الفلسفة عبارة عن: تحقّق نظام عالم الوجود وتنظيمه على ما هو عليه بالبرهان؛ أي بواسطة المسائل اليقينيّة. ولهذا، إذا اتّضحت لنا مسائل من خلال الظنّ والاعتبار، أو عن طريق تقليد الآباء أو حتّى المجتهدين، فلا يُسمّى ذلك حكمة وفلسفة. على سبيل المثال، إذا فهم المجتهد المسائل بطريقة جعلته يكتب في رسالته العمليّة: «مَن قال بوحدة الوجود فهو مرتدّ وكافر ونجس!»، وقمتَ أنت بتقليده والالتزام بهذه المسألة، فلا يُسمّى هذا حكمة. إنّ هذا الكلام لا يُلزم أحدًا غيرهم؛ وحتّى لو كان صائبًا، فإنّ الالتزام به لا يُسمّى حكمة. الحكمة عبارة عن: «تنظيم الإنسان لنظام عالم الوجود على ما هو عليه بحسب الطاقة البشريّة». هذه هي الفلسفة، وبالطبع، أشار المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا] نفسه في شرح الهداية الأثيريّة إلى هذه المسألة. التعريف الذي أورده للفلسفة هناك أفضل من التعريف الذي أورده هنا؛ لأنّ هذا التعريف يُشير فقط إلى غاية الفلسفة، رغم إشارته في ضمنه إلى الخصوصيّات الحدّية والرسميّة للفلسفة؛ لكن هناك، لم تُؤخذ الغاية بعين الاعتبار، بل ذُكرت الغاية لاحقًا، حيث يقول هناك:
«صناعة (عمل أو علم أو فنّ) يطّلع الإنسان بواسطتها على حقيقة كلّ موجود كما هو عليه، وتتّضح له حقيقته، بحسب الطاقة البشريّة».۱
ثمّ يقول هناك إنّ هذه الحكمة تنقسم إلى قسمين: الحكمة النظريّة والحكمة العمليّة.
الحكمة النظريّة تعني أن يطّلع الإنسان على حقيقة الأشياء (حقيقة عالم الوجود والموجود) على ما هي عليه، وأن تستقرّ الصور البرهانيّة لهذا النسق في ذهنه وتنطبع، على حسب الطاقة البشريّة.
أمّا الحكمة العمليّة، فهي أن يقوم الإنسان ـ بناءً على انتقاش هذه الصور ـ بتحويل ملكاته وأفعاله وتصرّفاته الرذيلة إلى ملكات وأحوال وأخلاق حسنة. بمعنى أن يعلم أوّلاً بكيفيّة إزالة الأخلاق الرذيلة (أي تلك الملكات التي تُخرج الإنسان من مقام العبوديّة وتُدخله في مقام الفرعونيّة والأنانيّة، وتجعله يتوغّل فيه؛ كالبخل والحسد والشهوة والحقد والانشغال بعيوب الناس)، واستبدالها بالأخلاق الحسنة، وأن يتعرّف عليها. وبعد ذلك، وبواسطة الاطّلاع على كيفيّة إزالتها ومحوها، يدفع الملكات الرذيلة والسيّئة عن نفسه ويردّها، ويسعى في صدد إصلاحها.
لذلك، يوجد هنا صناعتان وفنّان وعلمان:
العلم الأوّل عبارة عن العلم بحقائق الموجودات كما هي عليه. هذا العلم لا يتعلّق بالإنسان، وتحصيله ليس في اختياره؛ لأنّ الموجودات لا تقع ضمن دائرة الاختيار الإنسانيّ، ونظامها لا يخضع لإرادته.
العلم الثاني الذي يتكفّل بالجهة الثانية من المسألة، عبارة عن استكمال نفس الإنسان بواسطة ذلك العلم الأوّل، ووصولها إلى كمالها الخاصّ؛ أي: حصول الشهود الوجدانيّ والتحوّل والتبدّل الجوهريّ. بمعنى أن تتكامل هذه النفس، وتتغيّر، وتتحوّل أوّلاً بواسطة العلم والحكمة التي هي عبارة عن تنظيم عالم الوجود على ما هو عليه؛ وبعد ذلك، عندما يطّلع الإنسان على حقيقة عالم الوجود، ويرى ضعفه ونقصه وشدّة فقره، يسعى إلى بلوغ الفعليّة، وإزالة النقائص والخلل، والوصول إلى ذلك الوجود الواجب الوجود والمبدأ الفيّاض وعلّة العلل وواهب الوجود لكلّ الوجودات. يُسمّى هذا العلم الثاني: علم الأخلاق والحكمة العمليّة.
إذن، الحكمة العمليّة عبارة عن العلم الذي يطّلع الإنسان بواسطته على رذائله النفسانيّة والأخلاقيّة والفعليّة والسلوكيّة، ويسعى في صدد إزالة هذه الملكات والسلوكيّات والأفعال القبيحة ومحوها، ويتمكّن من استبدالها بالأخلاق الحسنة. تحصيل هذا العلم الثاني خاضع لاختيار الإنسان؛ لأنّ هذا العلم عبارة عن تحصيل الوجودات التي يُريد الإنسان أن يُحصّلها لنفسه، لكي تُخلي تلك الوجودات الخبيثة القابعة في مرحلة الدناءة مكانها لهذه الوجودات، حتّى يُوجَد الإنسان بالوجود الروحانيّ، ويُحصّل الأخلاق والملكات الفاضلة.
بعبارة أخرى، البحث الأوّل يتعلّق بسلسلة العلّية والمعلوليّة ووجود كلّ العالم وواجب الوجود، والبحث الثاني يتعلّق بتلك الخصوصيّات والعلوم التي يُمكن للإنسان بواسطتها أن يُبدّل نفسه بأخلاق الروحانيّين وبأخلاق الله تعالى.
إذن، الحكمة العمليّة تتعامل مع سلوك الإنسان وأفعاله، بينما الحكمة النظريّة تتعامل مع فكر الإنسان وعقله. هذا هو علم الحكمة والفلسفة الذي هو عبارة عن العلم بتنظيم نظام الوجود على ما هو عليه، على حسب الطاقة البشريّة.۱
عدم تأثير الحكمة النظريّة في استكمال النفس
كما أشرت سابقًا، فإنّ المسألة التي اختلط أمرُها على المرحوم الآخوند وغيره كالمرحوم السبزواريّ وأفراد آخرين ممّن لديهم تعليقات وحواشٍ هنا، هي هذه: لن تكون الحكمة النظريّة سببًا في الاستكمال أبدًا؛ واستكمال النفس يقع ـ في الأساس ـ في وادٍ وباب آخرين، ولا علاقة له بالانتقاش والصور؛ فلا أحد يصل إلى الاستكمال عن طريق البرهان. ولهذا، فإنّ ما قاله هنا: «الفلسفة استكمال النفس الإنسانيّة بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليها» صحيح في مقام الحكمة الشهوديّة والوجدانيّة، لا في مقام الحكمة النظريّة. هذه العبارة عبارة جيّدة جدًّا، وتحكي عن العرفان الشهوديّ والوجدانيّ، حيث يشعر الإنسان بذلك التنظيم للعالم في وجوده.
أمّا عبارة: «والحكم بوجودها تحقيقًا بالبراهين، لا أخذًا بالظنّ والتقليد»، فتتعلّق بالحكمة النظريّة، ولا علاقة لها بالعرفان والشهود. العارف لا يعرف الله بالبرهان أبدًا، بل يصل إليه تعالى بالشهود والوجدان دائمًا. عبارة «بالبراهين، لا أخذًا بالظنّ والتقليد» هي في مقام النظر إلى تنظيم نظام حقيقة الوجود بناءً على المقدّمات البرهانيّة، لا بناءً على الظنّ والتقليد.
ولذلك، نشعر بتردّد واضطراب بين هاتين العبارتين؛ لأنّ المرحوم الآخوند قد خلط بين ما يتعلّق باستكمال النفس بواسطة المعرفة والشهود، وبين الحكمة النظريّة، حيث سلك الباقون الطريق بالكيفيّة نفسها.
التلميذ: الحكمة العمليّة متوقّفة على الحكمة النظريّة؛ إذ ما لم يمتلك الإنسان حكمة نظريّة، لا يُمكنه أن يُحدّد موقفه.
الأستاذ: هذان أمران مختلفان وسنأتي على بحثهما لاحقًا. بعض الناس أقوياء في الحكمة النظريّة، ولا يمتلكون حكمة عمليّة في الأساس؛ ولكنّ البعض الآخر يمتلكون حكمة عمليّة جيّدة، إلاّ أنّهم ضعفاء جدًّا في ترتيب الصغرى والكبرى؛ كبعض الناس الذين يتمتّعون بسياسة جيّدة، ويستطيعون إدارة المنزل وتربية الأسرة بشكل جيّد، لكنّهم لا يفهمون الكلّيات؛ وإذا سألتهم عن مسألة رياضيّة، يقفون حائرين فيها، ولا يستطيعون إجابتك حتّى بعد عام! ذلك لأنّ فكرهم وعقلهم مُوجَّه نحو المسائل الجزئيّة أكثر من المسائل الكلّية؛ أي: يتوجّهون إلى تلك المسائل المتعلّقة بالأفعال والملكات. هذه هي الحكمة العمليّة، وهذه مسألة ذكرتها استطرادًا.
بشكل عامّ، الحكمة العمليّة عبارة عن الاطّلاع والعلم بالرذائل والمفاسد الأخلاقيّة للإنسان، لكي يسعى بعد ذلك في صدد رفعها. مثلاً، نحن نعلم أنّ لدينا غضبًا، ولدينا شهوة، ولدينا حقدًا وضغينة، ولا نُطيق رؤية الناس، ولا نُطيق رؤية من هو أعلى منّا، ولا نُطيق رؤية من تفضّل الله تعالى عليه بلطف، ونرغب دائمًا في الغيبة وذكر مساوئ الناس؛ ولهذا، يجب أن نسعى في صدد رفعها: «كَفَىٰ بِالمَرءِ شُغُلاً بِعَيبِهِ لِنَفسِهِ عَن عُيوبِ الناسِ».۱
لا يلزم أن تعرف برهان الصدّيقين لكي تتمكّن من دفع الرذائل عن نفسك! فكلّ هؤلاء الذين يُصبحون سالكين ـ بدءًا من ذلك الذي لا يستطيع حتّى التوقيع وهو أُمّي تمامًا، ووصولاً إلى من هو أعلى منه ـ كلّهم في مقام الحكمة العمليّة؛ أي: بواسطة إزالة الأخلاق السيّئة واستبدالها بالأخلاق الحسنة وأخلاق الروحانيّين، وبواسطة «تخلّقوا بأخلاق الله»،٢ تحصل للإنسان تلك النتيجة والآثار المترتّبة على التخلّق بأخلاق الله، والتي تتمثّل في كشف الحجب، وظهور الصفات الإلهيّة الجلاليّة والجماليّة.
الحكمة العمليّة هي مثل كتابَي جامع السعادات ومعراج السعادة للمرحومين النراقيّين؛ وهي مقدّمة للشهود، وتبدّل النفس، وتحوّلها من عالم الدناءة إلى عالم الروحانيّة.
لكنّ الحكمة النظريّة ليست كذلك، فهي تسعى فقط للتعريف بحقيقة كلّ وجود وموجود كما هو عليه؛ مثلاً أن تُعرّف من أيّ جنس هو المَلَك، وهل هو مادّة أم لا؟ هل هو حسّيّ أم لا؟ هل هو مجرّد أم لا؟ ومن حيث مقدار التجرّد، في أيّ مرحلة من التجرّد يقع؟ هل للمَلَك صورة، أم أنّ تجرّده أقوى من الصورة؟ فقد ذكرت لكم أنّ مراحل التجرّد مختلفة: المرحلة الأولى للتجرّد هي مرحلة المثال الأسفل، وما فوقها هو البرزخ؛ وبعد ذلك، مرحلة الصورة المحضة؛ وبعد ذلك، إبهامٌ بين المعنى وهذه الصورة؛ وبعد ذلك، يبقى المعنى وحده فقط؛ وبعد ذلك، يبقى النور المحض فقط. هذه هي مراحل التجرّد التي تحصل للإنسان، بحيث كلّما اشتدّت وقويت أوّلية الوجود وأولويّته، كانت مرحلة التجرّد أقوى.
حسنًا، لقد فهمنا هذه المسائل؛ ولكن، إلى أين وصلنا؟ لقد جاء كلّ هؤلاء الحكماء والفلاسفة وبحثوا وحقّقوا؛ لكن، عندما ننظر، نرى أنّهم لا يزالون في أوّل الطريق. فماذا حدث؟ بالطبع، هي تدفع الإنسان وتُحرّكه، لكنّها لا توجب الاستكمال بتاتًا.
لن أذكر أسماءً، لكنّني كنت أرى أحد الأفراد الذين يُعدّون من البارزين في هذا العصر من حيث التعمّق في المسائل الفلسفيّة، يقف حائرًا في أبده المسائل؛ وذلك لأنّ الحكمة العمليّة ـ التي هي العلم بتهذيب الأخلاق ـ لم تترسّخ فيه بعدُ، ولم يُدرك أنّه ما زال ناقصًا وفي مرحلة الاستعداد والهيولى، بحيث لا يُمكنه الاطّلاع على مسائل يُعدّ فيها طابع الفعليّة من ألزم اللوازم وأوجب الواجبات، ولا يستطيع الاشتغال بها والدخول فيها. وبما أنّ هؤلاء توقّفوا في الحكمة العمليّة، فهم لا يفهمون هذه المسألة بعد، ولا يُدركون أنّ الخوض في المسائل الاجتماعيّة والولائيّة والمسائل المتعلّقة بالأعراض والدماء والنفوس، يتطلّب استعدادًا وقابليّة تفوق الطاقة البشريّة؛ ولهذا، يذهبون، ويتورّطون! حتّى أنّهم ألّفوا كتبًا في علم الأخلاق، لكنّ هذه المسألة لم تستقرّ في نفوسهم؛ وعندما لا تستقرّ في النفس، فإنّها تكون مجرّد نقل بالمعنى. ويعود هذا الأمر إلى أنّهم يقتصرون في تأليف هذه الكتب على تبييض المسودّات، وتسويد المبيّضات.
هذا هو المعنى الذي نفهمه من الحكمة هنا، حيث يُقال بعبارة واحدة: «الحِكمَةُ صَيرورَةُ الإِنسانِ عالَمًا عَقليًّا مُضاهِيًا (مُشابِهًا) لِلعالَمِ العَينِيِّ». وبعبارة أخرى، يقولون: «الحِكمَةُ التَّشَبُّهُ بِالإِلٰهِ»، وقد عُبّر عنها بعبارات مختلفة أخرى أيضًا.
إذا اعتبرنا الحكمة النظريّة هي «تنظيم الأمور ومعرفتها بحقيقتها كما هي عليها»، فإنّها ستكون عبارة عن: تنظيم عالم الوجود في ذهن الإنسان عن طريق الصور العلميّة طبقًا للتعيّنات الخارجيّة؛ أي: إذا انطبع في الذهن ـ على هيئة صور علميّة ـ ما في العالم من أجناس وأنواع وفصول بكيفيّتها على ما هي عليها، فهذا يكون تشبّهًا بالإله. التشبّه بالإله يعني أنّ الصور العلميّة تحضر في نفس الحكيم بنحو يُطابق إحاطة الله تعالى الوجوديّة بالأشياء، ويُحاكي إشرافَه سبحانه على خلقها ونشأتها من وجوده؛ أي أنّ هناك صورًا علميّة قد انطبعت في ذهن الحكيم، وهي نفسها التي تحضر في وجود الله كصور عينيّة وعلم حضوريّ، وبعينها وبتعيّنها وبصورها العينيّة، فيكون بالتالي متشبّهًا بالإله. بالطبع، على الطاقة البشريّة؛ أي: لا يُمكننا القول إنّ كلّ إنسان يُمكنه الوصول إلى هذه المرحلة، لا أنّه من المستحيل الوصول إليها، بل لم يصلوا إليها حتّى الآن.
نقد أخذ قيد «على الطاقة البشريّة» في تعريف علم الحكمة
أجل، وكما ذكرت لكم، فإنّ كلّ هذه الأخطاء التي نراها في الحكماء لا تتعلّق بالحكمة، بل الإشكال يكمن في ترتيب المقدّمات، حيث وقعوا في أخطاء في المقدّمات الموصلة للنتيجة. مثلاً، كان ينبغي لهم الاستفادة من الأوّليات والبديهيّات، لكنّهم لم يفعلوا ذلك، وربّما تسرّب التخمين والحدس والخطابة والشعر، وتدخّل في هذه البراهين؛ وبالتالي، نجد أنّ النتيجة ـ التي تتبع أخسّ المقدّمات ـ تسلك طريقًا آخر. هذا يتعلّق بالحكيم ولا يتعلّق بالحكمة، حيث قد يأتي حكيم آخر، ويصل بواسطة هذه الحكمة إلى نتيجة واقعيّة. أي أنّ الاختلاف يقع في الحكيم، وهذه المسألة لا علاقة لها بالحكمة، ولا يوجد إشكال أو خطأ في الحكمة، بل الحكمة هي عين الحقيقة ومساوية للحقيقة المطلقة؛ كما يقول المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا]: «تنظيم الأمور على كلّ عالم الوجود على ما هو عليه». ولهذا، لم نكن نُفرّق بين الحكيم الواقعيّ والحكمة.
ولكن، بما أنّنا في مقام المعلوليّة والخلقيّة، فإنّ الوصول إلى واقعيّة عالم الوجود وحقيقة الوجود، وإدراكها كما هي عليه، يكاد يكون محالاً لمن هو مُقيّد بقيود الموجوديّة؛ مثلما يقول المرحوم الحاج السبزواريّ أيضًا:
| مَفهومُهُ مِن أَعرَفِ الأَشياءِ | *** | وكُنهُهُ في غايَةِ الخَفاءِ۱ |
أي أنّ كُنه الوجود مكنون في عالم الخفاء. ولهذا، ذكرت هنا أنّه يُمكننا أن نُقرّب أنفسنا من تلك الحقيقة والواقعيّة للوجود. وبالطبع، فإنّ هذه المسألة التي ذكرتها قد توصّلنا إلى نتيجتها عن طريق البراهين.
خذوا كمثال على ذلك المسألة التي ذكرتها، ومفادها أنّ: «أوّل مرتبة للتجرّد هي مرتبة الصورة؛ وبعد ذلك، المرتبة التي بين الصورة والمعنى؛ وبعد ذلك، مرتبة المعنى؛ وبعد ذلك، تأتي مرتبةٌ لا يوجد فيها حتّى المعنى»، فإنّكم لن تجدوا مثل هذه القضيّة بهذا الترتيب في أيّ مكان أو أيّ كتاب؛ وحينئذ، كيف ينبغي للإنسان أن يُنظّم فكره لكي يصل إلى هذه النتيجة؟ الآخرون ذكروا مراتب أخرى على حسب فهمهم. فإذا كانت هناك مسألة هنا، فهي تتعلّق بالشهود؛ أي أنّ شهود الآخرين أصبح وسيلة للحكماء لكي يُقيموا البرهان بناءً على ذلك؛ أمّا أن توصل المسائلُ الأوّلية والبديهيّة بنفسها الإنسانَ إلى هذا التقسيم، فهو مستبعد جدًّا.
ولهذا، فإنّهم أوردوا عبارة «بالوسع الإنسانيّ» أو «على حسب الطاقة البشريّة» من هذا الباب؛ وهو أنّ الطاقة الإنسانيّة لا تسمح لمن يقف دائمًا في مقام المعلوليّة ودون مقام الوجود المطلق، بأن يصل إلى حقيقة الوجود تلك، إلاّ إذا حصل هناك كشف للحجب وما شابه ذلك.
إذا أخذنا الحكمة بمعناها الحقيقيّ، فسيُرفع قيد «على حسب الطاقة البشريّة»؛ لأنّنا سنكون هنا في مقام الانكشاف والشهود؛ أي أنّ البحث «على حسب الطاقة البشريّة» يكون في الحكمة النظريّة، أمّا في الحكمة العمليّة والشهوديّة والوجدانيّة، فلا معنى لـ «على حسب الطاقة البشريّة»؛ لأنّ الوصول إلى حقيقة الوجود في الواقع، إمّا أن يكون على ما هي عليه، أو لا يكون كذلك. فإذا كان على ما هي عليه، فهي الواقعيّة؛ وإذا لم يكن كذلك، فيجب علينا أن نرفع عبارة «على ما هي عليه»، لكي يصحّ قيد «على حسب الطاقة البشريّة». والمراد من ذلك أنّ الإنسان قد يُدرك ـ من ناحية تجلّيات أسماء الله تعالى وصفاته ـ بعض المراتب الوجوديّة؛ لكن، لا يلزم بالضرورة أن يشعر بحقيقتها كما هي عليه؛ وهذا ما يُطلق عليه: «على حسب الطاقة البشريّة». يُقال: «هرچه پول بدهی آش میخوری»٢و٣ أي: بمقدار ما تتعب، وتُكشف لك الحجب، يُكشف لك عن وجه حقيقة عالم الوجود بنفس هذا المقدار.
فتلك الحقيقة قد تجلّت، ويُمكنكم القول إنّ حقائق مختلفة قد أُفيضت؛ لكن، لا يلزم بالضرورة أن يصل الجميع إلى كلّ هذه الحقائق، بل حتّى النبيّ الأكرم قد لا يصل إليها؛ لأنّنا إذا علمنا أنّ مقام الله تعالى هو مقام الإطلاق، ولا حدّ فيه، فإنّ إفاضاته تعالى الوجوديّة لا متناهية أيضًا. وعندما تكون لا متناهية، فالنبيّ نفسه لم يصل إليها حتّى الآن، ولن يصل إليها أبدًا؛ فضلاً عن البقيّة. أي أنّ وعاء النبيّ يمتلئ دائمًا من إفاضات الله الوجوديّة؛ وهذه الإفاضات الوجوديّة ليس لها حدّ تقف عنده حتّى يوم القيامة وبعد يوم القيامة، كلّما مضى الزمان إلى ما لا يتناهى. هذا هو معنى: «على حسب الطاقة البشريّة». أي أنّ كلّ إنسان يُدرك تلك الحقيقة ـ من جهة السير العرضيّ ـ بناءً على وعائه الوجوديّ، لا أكثر ولا أقلّ، وبحسب وُسعه.
مثلاً، يوجد هنا قِدر من الحلوى، فيأكل الطفل منها بمقدار صحن صغير، وتأكلون أنتم بمقدار طبق؛ لا أنّ الطفل لم يأكل الحلوى، بل الطفل أكل الحلوى وأنتم أكلتموها أيضًا. إذن، لا معنى لأن تحصل للإنسان معرفةٌ بحقيقة شيء على حسب الطاقة البشريّة؛ لأنّ الإنسان إمّا أن يصل إلى حقيقتها على ما هي عليه، أو لا يصل؛ فمثلاً إمّا أن يأكل هذه الحلوى أو لا يأكلها؛ لكن، لا معنى لأن نقول إنّه أكلها ولم يأكلها!
وعليه، فإنّ الاضطرابات الموجودة في هذه العبارات ناجمة عن الخلط بين الحكمة الشهوديّة والحكمة النظريّة، وهي ليست مسألة مهمّة أيضًا.
معنى «التشبّه بالإله» في تعريف الحكمة العمليّة
لقد بُيّن «التشبّه بالإله» في الحكمة النظريّة؛ لكن، لدينا «تشبّهٌ بالإله» آخر، وهو التشبّه الحقيقيّ، وعبارة عن أن يُصبح الإنسان ـ بواسطة العمل والتزكية والشهود ـ تلك العين الخارجيّة بذاتها؛ فيُصبح زيدًا نفسه وعمرًا نفسه وبكرًا نفسه؛ أي: يدخل في زيد، ويأخذه، ويُدخله في نفسه، ويمزجه، ويهضمه، ويُمرّره من مرحلة الهضم الرابع أيضًا. أي: إذا سُئل: أين زيد؟ يقول: زيد في داخلي. فيقولون: زيد جالس هناك! فيقول: كلاّ يا عزيزي، ذلك مجرّد وجود جالس هناك، لكنّ زيدًا الحقيقيّ هو أنا.
ولهذا، نجده يُعمل تأثيرًا في ذاته هو، لكنّ ذلك الشخص يتأثّر، مع أنّه لا يفعل به شيئًا! أي: لا حاجة لأن يذهب إليه، ويضربه بلَبِنةٍ على رأسه، بل يُريد ذلك في وجوده؛ وفجأةً، يُصاب رأس ذلك الذي يقع في الجانب الآخر من الكرة الأرضيّة بالألم!
حقيقة مقام الفناء ومراتبه
التلميذ: قلتم سابقًا: «يُمكن للجميع الوصول إلى مقام الأحديّة، ولا فرق في ذلك بين النبيّ وغير النبيّ؛ لكن، لا يُمكن لأحد أن يدخل المقام الذي فوقه، وهو مقام العماء»؛ أي: علينا أن نعتبر غاية مراحل الفناء الثلاث هي الأحديّة.
الأستاذ: كلاّ، مقام العماء هو نفسه مقام الفناء، ويُمكن للجميع الوصول إلى مقام الفناء. الفناء الذاتيّ فوق الأحديّة؛ لأنّ فناء الأحديّة هو مقام الاسم، وهناك، يكون الفارق والفاصلة لا يزالان متحقّقين بين الاسم والذات.
لقد قسّمتُ هذا الأمر سابقًا بالنحو التالي: مقام الفعل، مقام الصفة، مقام الذات؛ وبعد ذلك، مقام الإنّية. مقام الإنّية يختلف عن الذات؛ والذات تعني الاسم.
بالطبع، بناءً على تقريري هذا، يجب أن تفنى الذات أوّلاً لكي يفنى الاسم؛ أي: ما لم تفنَ الذات، فلن يحصل الفناء في الفعل والصفة والاسم أيضًا. ذاك باطنيّ وهذا ظاهريّ؛ أي أنّ الباطن يفنى أوّلاً، ثمّ يظهر أثره في الظاهر؛ خلافًا لما قيل حتّى الآن.
لكنّ طريق القوم أسهل، وسنقول بناءً عليه حاليًّا:
المرحلة الأولى: يحصل للسالك الفناء في الفعل؛ أي: يُدرك أنّ فعلاً واحدًا فقط يحكم في عالم الوجود.
المرحلة الثانية: يحصل له الفناء في الصفة؛ أي: يُدرك أنّ كلّ الصفات ـ التي يُعدّ هذا الفعل معلولاً لها ـ هي صفة واحدة؛ بمعنى أنّ العلم هو علم واحد، والقدرة هي قدرة واحدة.
ولنضرب مثالاً على ذلك بإنسان يرفع أثقالاً بوزن ثلاثمائة كيلوغرام، وإنسان آخر يرفع كيلوغرامين، لكنّ كلّ هذه الأفعال هي فعل واحد يُنجز، وصفة واحدة وقدرة واحدة؛ غاية الأمر أنّ هذه القدرة الواحدة لها ظهوران. مثل كفّة الميزان؛ فالميزان واحد، وليس لدينا ميزانان؛ غاية الأمر أنّ هذا الميزان له كفّتان، فأحيانًا، تثقل هذه الكفّة، وأحيانًا تثقل تلك الكفّة. هل يُمكنكم القول إنّه يوجد ميزانان هنا؟ كلاّ، هو ميزان واحد؛ وتارةً، يثقل هذا الجانب وينزل ويرتفع الجانب الآخر، وتارةً أخرى، يثقل الجانب الآخر ويرتفع هذا الجانب. إذن، يوجد ميزان واحد هنا؛ ولكن، له ظهوران: ظهور بأن تروا هذا الجانب نازلاً والجانب الآخر مرتفعًا، وظهور آخر بأن تروا الجانب الآخر نازلاً وهذا الجانب مرتفعًا. هذا هو توحيد الصفات أو الفناء الصفاتيّ.
المرحلة الثالثة: الفناء في الاسم. هذه المرحلة دقيقة جدًّا، حيث إنّ الاسم يعني تلك النفوس التي تُبرِز التشخّصات الوجوديّة لكلّ إنسان؛ فمثلاً، يقوم زيد بهذا العمل، وعمرو يقوم بذاك العمل، ولأنّ هذا زيد وذاك عمرو وهما ليسا واحدًا، فإنّكم تنسبون الفعل لكلّ منهما على حِدَة. وذلك يعني أنّنا جعلنا لهذا الوجود اسمًا، وهو عبارة عن «الظهور بنحو الإطلاق»؛ ومن هذا الظهور، تنبثق الصفة؛ ومن هذه الصفة، يتولّد الفعل. أمّا السالك، فإنّه يشهد كافّة تلك الظهورات ظهورًا واحدًا.
نحن نقول هكذا في حقّ الله تعالى: العالم والحيّ والقادر هي أسماؤه؛ ومن هذه الأسماء الثلاثة، تنبثق الصفات الجماليّة، فتُوجد الرحمانيّة والرحيميّة، ويُوجد الخلق والإماتة و .... ومن الاسم "القادر"، تُوجد صفات لها طابع القهريّة؛ لأنّ هذا الاسم ينقسم إلى قسمين: قدرة على الجمال وقدرة على الجلال. ومن الاسم "العالم"، تُوجد صفات لها طابع العلميّة والتجرّد. ومن اسم الله "الحيّ" والذي هو منشأ للاسمين الآخرين، تُوجد صفات لها طابع الحياة. فالسالك يرى كلّ هذه الأسماء واحدًا، وهذه المرحلة هي مرحلة الفناء في الاسم؛ لكنّ مرحلة الذات لا تزال باقية.
المرحلة الرابعة: فناء الذات، وهذا المقام هو المقام الأخفى ولا يصل إليه أحد [كيفما كان]؛ وإلاّ، ففي مرحلة الاسم، قد يكون الكثير من الأنبياء قد وصلوا إلى الفناء في الاسم. والمراد من الذات هي الجهة الربطيّة بين الحقّ والخلق، حيث يتمثّل ظهور هذه الجهة الربطيّة في أن تُشاهدوا زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا.
مقام تعيّن الذات الذي يُسمّى بمقام الإنّية والتعيّن والتشخّص، هو مقام لا يُمكن لأيّ إنسان [كيفما كان] أن يفنى فيه؛ والذين يفنون يكونون قد أنهوا فعليًّا سفرهم الأوّل، ويكون من الواجب بعد ذلك أن نرى ماذا يفعلون في الأسفار الثلاثة الأخرى. هذا هو «مقام العماء». مقام العماء ليس مقام الأحديّة، بل هو مقام «الهوهويّة» ومقام «هو». بالطبع، «هو» خاطئة أيضًا، لأنّ «هو» إشارة؛ وهناك، لا معنى للإشارة بتاتًا. إلى من نريد أن نشير؟ نحن حتّى لا يُمكننا أن نشير إلى أنفسنا! نعم، يُمكننا الإشارة إلى أعضائنا، لكنّنا لا يُمكننا الإشارة إلى أنفسنا أبدًا. هناك، الله نفسه لا يُمكنه الإشارة إلى نفسه؛ أي أنّ الله تعالى قادر على فعل كلّ شيء، لكنّه لا يُمكنه القيام بهذا الفعل الواحد.
إذن، مرحلة العينيّة لا تقتصر على حضور الصور العلميّة لحسن وحسين وزيد وبكر وعمرو في ذهن العارف، بل تعني أن يتّصف العارف بعينيّة الأشياء؛ وحينئذٍ، يحصل التشبّه الحقيقيّ بالإله؛ أي: كما أنّ لكلّ عالم الوجود حضور عينيّ في وجود الله بنحو الاندماج والاندكاك، فإنّه يكون أيضًا حاضرًا عينيًّا في وجود العارف، وله وحدة مع العالم، ويمتلك ـ بحسب رؤيتنا ـ طابع المثليّة. هذه العينيّة هي حقيقة عبارة: «الحِكمَةُ صَيرورَةُ الإِنسانِ عالَمًا عَقليًّا مُضاهِيًا لِلعالَمِ العَينِيِّ». أجل، الجهة العلميّة موجودة أيضًا، لكنّ هذه العبارة تتعلّق بالجهة العينيّة وبالعالم العقليّ. العالم العقليّ يعني العالم الواقعيّ؛ لأنّ العقل الفعّال يكون في مقام الانبساط هو المدير والمدبّر لكلّ الأمور في الخارج؛ ولهذا، يكون الإنسان بوصوله إلى العقل الفعّال كأنّه قد جعله تحت سيطرته.
التلميذ: كان الإنسان يمتلك كلّ شيء قبل التنزّل في القوس النزوليّ؛ ولكن، كما تفضّلتم، مع التنزّل في القوس النزوليّ ومجيئه إلى هنا الآن، صارت يده قاصرةً عن الأشياء جميعًا، ونسيها، وسيطرت عليه حالة النسيان؛ فهل يُمكنه ـ والحال هذه ـ الوصول مرّة أخرى إلى عوالمه السابقة نفسها؟
الأستاذ: يُمكننا القول إنّ كلامك يتضمّن مجموعة من المسائل الصحيحة، ويكتنفه بعض الخلط.
المسألة الصحيحة فيه هي أنّ الإنسان لا يكتسب أيّ شيء؛ بل ما يكسبه هو من وجوده نفسه، وهو عبارة عن تذكّرٍ لذلك المقام من الفناء والمحو والإجمال الذي كان فيه.
لكنّ النقطة المهمّة التي تتبادر إلى الذهن هنا هي أنّ هذا التذكّر هو في مقام التفصيل؛ أي أنّ الإنسان يوصل ـ بواسطة الكمال والسعة اللذين يحصلان له ـ ذلك الاستعداد الذي جلبه معه إلى مرحلة الفعليّة. هذه الفعليّة تعني التفصيل؛ أي أنّ ما كان فيه بنحو الإجمال، ولم يكن يجده مهما بحث عنه، يرى الآن أنّه قد دخل فيه، ويُخيّل إليه أنّ هذا العالم مألوف لديه. أي: ليس الأمر بأن تدخل منزلاً فجأة، وتقول: «يا له من مكان! وما هذه الأبواب والجدران؟! لم يخطر ببالي مثل هذا حتّى في المنام!». كلاّ، ليس الأمر كذلك هناك؛ بل عندما يدخل الإنسان هناك، يقول: «كأنّ هذا المكان مألوف!».
مثلاً، يشعر الإنسان أحيانًا عندما يلتقي ببعض الناس للمرّة الأولى، وكأنّه يعرفه منذ عشر سنوات، وأنّهما رفيقان، حيث يعود هذا الأمر إلى وجود ارتباطات فيما بينهما؛ لكن، مهما بحث في نفسه فلن يجدها. وعندما يصل، يقول: «هذا هو الشيء الذي كنت أبحث عنه وكنت معه!»؛ أي أنّ وجهه كان متّجهًا نحو هذه المسألة دون وعي منه.
وهنا، يشير ابن الفارض إلى مقام الهوهويّة والتعيّن بكلّ ما دونه، ويقول كلامًا عجيبًا جدًّا:
| وَكُلُّهُم عَن سَبقِ مَعنايَ دائِرٌ | *** | بِدائِرَتي أَو وارِدٌ مِن شَريعَتي |
| وَإِنّي وَإِن كُنتُ ابنَ آدَمَ صورَةً | *** | فَلي فيهِ مَعنىً شاهِدٌ بِأُبُوَّتي |
| وَنَفسي عَلى حَجرِ التَّجَلّي بِرُشدِها | *** | تَجَلَّت وَفي حِجرِ التَّجَلّي تَرَبَّت |
| وَفي المَهدِ حِزبي الأَنبِياءُ وَفي عَنا | *** | صِري لَوحيَ المَحفوظُ وَالفَتحُ سورَتي |
| وَقَبلَ فِصالي دونَ تَكليفِ ظاهِري | *** | خَتَمتُ بِشَرعِيَ الموضِحي كُلَّ شِرعَةِ |
| فَيُمنُ الدُّعاةِ السّابِقينَ إِلَيَّ في | *** | يَميني وَيُسرُ اللاّحِقينَ بِيَسرَتي |
| وَلَولايَ لَم يوجَد وُجودٌ وَلَم يَكُن | *** | شُهودٌ وَلَم تُعهَد عُهودٌ بِذِمَّةِ |
| فَلا حَيَّ إِلاّ مِن حَياتي حَياتُهُ | *** | وَطَوعُ مُرادي كُلَّ نَفسٍ مُريدَةِ |
| وَلا قائِلٌ إِلاّ بِلَفظي مُحَدِّثٌ | *** | وَلا ناظِرٌ إِلاّ بِناظِرِ مُقلَتي |
| وَلا مُنصِتٌ إِلاّ بِسَمعِيَ سامِعٌ | *** | وَلا باطِشٌ إِلاّ بِأَزلي وَشِدَّتي |
| وَلا ناطِقٌ غَيري وَلا ناظِرٌ | *** | وَلا سَميعٌ سِوائي مِن جَميعِ خَليقَتي |
يقول: لو لم أكن موجودًا، لما كان هناك وجود في الأساس! هذه المخلوقات كلّها تنطق بلساني؛ وعندما تنظر وترى، فنور عيونها منّي، وترى بعيني! وكلّ إنسان يمتلك قدرة ويقوم بعمل، فبواسطة تلك القدرة التي أفضتها عليه! لا يوجد ناطق غيري في جميع الخلائق بتاتًا، ولا ناظر غيري، ولا سميع غيري؛ بل أنا فقط!
يُستفاد من هذه العبارات لابن الفارض المعنى الحقيقيّ لـ «الحِكمَةُ صَيرورَةُ الإِنسانِ عالَمًا عَقليًّا مُضاهِيًا لِلعالَمِ العَينِيِّ» أو «الحِكمَةُ التَّشَبُّهُ بِالإِلٰهِ».
هذه ليست شطحيّات! الفرق بين الشطحيّات وهذه العبارات يكمن أوّلاً في الفجاجة والنضج؛ إذ من المعلوم أنّ الشطحيّات عبارات فجّة، لكنّ هذه الأشعار لابن الفارض أو عبارة «سُبحاني ما أَعظَمَ شَأني» هي عبارات ناضجة. بالطبع، لا يُمكن لأيّ إنسان فهم ذلك. وثانيًا، هذه العبارات هنا ترتبط بمرتبة قائلها، لكنّ الشطحيّات ليست كذلك. وثالثًا، كلّ الشطحيّات هي عبارة عن حال، لكنّ «سُبحاني ما أَعظَمَ شَأني» عبارة عن ملكة.
هذه المسألة هي بعينها ما تُشير إليه رواية: «لَو عَلِمَ أَبو ذَرٍّ ما في قَلبِ سَلمانَ لَكَفَّرَهُ أَو لَقَتَلَهُ!»،۱ ولا يوجد بينهما فرق بتاتًا! بالطبع، لم يقل له سلمان شيئًا ولم يتفوّه بكلمة؛ ولكن، لو قال له شيئًا، لقال أبو ذر: «سلمان مرتدّ، فاقتلوه!»؛ فهل تعرفون صدّيقًا أعظم من أبي ذرّ؟ مع أنّه أبو ذرّ الذي صرّح النبيّ بصدقه،٢ لا أبو ذرّ الذي يُظهرونه هم.
التلميذ: في الواقع، الله نفسه لا حكم له في مقام الهوهويّة.
الأستاذ: الله نفسه مخفيّ في مقام الهوهويّة؛ فكيف يكون له حكم إذن؟! وأمّا نحن، فلسنا في هذا المقام، ولا نكره الكثرة.
اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد