16

موضوعُ العلمِ الإلهيّ

نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل


التوضيح

ما هو المحور الأساسيّ الذي تدور حوله مسائل الفلسفة الإلهيّة والعرفان؟ وكيف تؤول موضوعات سائر العلوم الطبيعيّة والرياضيّة إلى محمولات «الوجود بما هو موجود»؟ ما هو الردّ البرهانيّ على من زعم الاكتفاء بالفقه والعبوديّة الجوارحيّة مع الجهل بذات المولى وتجرّده؟ ولماذا يمتنع تعريف الوجود بالحدّ والرسم مع كونه أولى ما يرتسم في النفس وأغنى الأشياء عن الإثبات؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه التساؤلات الفلسفيّة والمعرفيّة الدقيقة؛ مبيّنًا سرّ كون حقيقة الوجود في غاية الخفاء مع بداهة مفهومه ووضوحه.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • موضوعُ العلمِ الإلهيّ

  • نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

  •  

  • دروس شرح الأسفار الأربعة، المرحلة ۱، المسلك ۱، المنهج ۱، الفصل ۱: الدرس السادس عشر

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

2
  •  

  •  

  • بسم اللَه الرحمٰن الرحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ

  • والصلاةُ على خيرة اللَه المُنتجبينَ محمّدٍ وآله الطاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • «الوجود» هو موضوع علم الفلسفة

  • المرحلةُ الأولى: في الوُجودِ وأقسامِه الأوَّلية، وفيها مَناهجَ:

  • الأوّلُ: في أحوالِ نفسِ الوُجودِ

  • من الواضح أنّ موضوع الفلسفة ـ وهي علمٌ إلهيّ ـ هو «الوجود»، حيث تدور الأبحاث فيها حول أحوال الوجود نفسه. يتناول المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا] في هذه المرحلة تعريفَ حقيقة الوجود ومفهومه. أمّا التقسيم الأوّلي للوجود الذي يعود إلى الوجود نفسه، فهو مبنيّ على التعيّنات التي يتّخذها الوجود. وبالطبع، يُبحث هنا عن «العدم» استطرادًا (طردًا للباب)، وإلاّ، فإنّ العدم لا تحقّق ولا تعيّن له كي يقع موردًا للبحث.

  • وكما ذكر المرحوم الآخوند في «الأسفار الأربعة»، فإنّ العلم الإلهيّ عبارة عن العلم بأحوال المبدأ والمعاد، وكيفيّة نزول الوجود في عالم التعيّنات، وكيفيّة عود هذا الوجود إلى مبدئه؛ وكلّ هذه تحوّلاتٌ وتغيّراتٌ تطرأ على حقيقة الوجود. 

  • بناءً على ذلك، يجب أن نعلم في الوهلة الأولى ما هو الوجود؟ وما هي العوارض التي تعرضُه؟ وما هي حالاته وأوصافه؟ وكيف ينقسم في مراحل التعيّن؟ كأن ينقسم مثلاً إلى: وجود مجرّد، ووجود بسيط، ووجود مادّي، ووجود هيولانيّ، ووجود بالفعل. أو بناءً على تقسيم القدماء: وجود نبات، ووجود إنسان، ووجود فلك، وهكذا. يجب أن تعود كلّ هذه التقسيمات إلى أصل حقيقة الوجود لنعرف ما هو هذا الوجود وهذا الشيء الذي له مراتب.

  • على سبيل المثال، يتعلّق البحثُ في صحّة بدن الإنسان أو سقمه ـ في علم الطبّ ـ بالجانب المادّي، وتُدرس فيه جهة المادّة؛ أي: ما هي المادّة؟ وما هي حقيقتها؟ وهل لها جزء أم لا؟ لهذا، يعود البحث هنا إلى الطبيعيّات وأصل حقيقة المادّة، ثمّ يعود بعد ذلك إلى البحث عن منشأ تكوّن حقيقة المادّة، ثم إلى أنّ المادّة من تعيّنات الوجود، وأنّ الوجود ينقسم إلى مجرّد ومادّي ويشملهما كليهما (سواء كان ذلك بنحو التجرّد أو بنحو المادّية)؛ حيث إنّ أصل ذلك كلّه ومرجعه إلى «الوجود».

  • أو مثلاً، إذا بحثت في علم الرياضيات الذي موضوعه «الكمّ المنفصل» أو «العدد»، فإنّ مرجع هذا البحث هو: ما هو العدد؟ وعلى أيّ شيء يعرض؟ وما هي الذات التي تتعدّد بالعدد؟ ومرجع ذلك أيضًا هو «الوجود».

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

3
  • إذن، أصل وحقيقة كلّ العلوم وموضوعاتها تعود إلى نفس «الوجود»؛ ومهما كان البحث الذي طرحناه، فإنّ هذه المسألة ستظهر فيه مجدّدًا. وبعبارة أخرى، كما يقول المرحوم الآخوند [ما معناه]:

  • الموجود هو موضوع مسائل هذا العلم الإلهيّ، ومحمولات الوجود هي موضوعات مسائل العلوم الأخرى.

  • على سبيل المثال، فإنّ «الكمّ المتّصل» هو موضوع علم الهندسة، حيث يُبحث فيها عن الكمّ المتّصل، والجسم التعليميّ، والخطّ، والجسم بما هو جسم؛ ولكن، من حيث التصوّر الذهنيّ لا التعيّن الخارجيّ؛ لأنّ الهندسة لا تبحث في الجزئيات ـ مثلاً هذا الشيء الخاصّ الذي أمامنا، هل له أبعاد وزوايا؟ أو هل له زاوية قائمة؟ ـ بل تبحث في الكلّيات؛ مثلاً: كلّ مثلث له الخصائص الفلانيّة، وكلّ مكعّب له الخصائص العلاّنية، ومحيط كلّ كرة يُحسب بكذا، وحجمها يُحسب بكذا، وكلّ شكل سداسيّ كذا. وبعبارة أخرى، البحث في الهندسة هو بحث تعليميّ عن الأجسام والسطوح، لا بحث طبيعيّ وتكوينيّ عنها.

  • أو مثلاً «الأوزان» هي موضوع علم الموسيقى، و«الارتباط والنسب بين الأجرام السماوية وكيفيّة حركتها والتغيّرات التي تطرأ عليها» هي موضوع علم الهيئة.

  • كلّ هذه الأمور هي محمولات الوجود التي تقع كموضوعات مختلفة لعلوم مختلفة؛ فمثلاً، محمول «الوجود إمّا مادّي أو غير مادّي» هو موضوع للعلوم المادّية، ومحمول «الموجود إمّا ذو كمٍّ أو غير ذيّ كمّ» هو موضوع لعلم الهندسة، ومحمول «الوجود إمّا ذو نموٍّ وإدراكٍ أو غير ذي نموٍّ وإدراكٍ» هو موضوع لمعرفة الحيوان، ومحمول «الموجود إمّا مادّي غير ذي إدراكٍ وهو ممتزجٌ من مختلف الأمزجة، وإمّا مادّي ذو إدراكٍ» هو موضوع لعلم طبقات الأرض والمعادن. إذن، كلّ واحد من محمولات الوجود هذه يخلق موضوعات لمسائل العلوم الأخرى.

  • نقد إشكالٍ على الفلسفة

  • ذات مرّة، كنت في مجلسٍ لبعض الفقهاء، فنقلوا مسألة عن المرحوم الشيخ محمد علي الكاظميّ،۱ حيث كان يقول:

  • إنّ علّة عدم توجّه عظمائنا إلى الفلسفة والعرفان وأمثالهما، واكتفائهم بالفقه فقط، هي أنّنا عبيد، ووظيفة العبد هي الطاعة والعبوديّة، أمّا ما هي خصائص المولى وشروطه ـ مثلاً هل هو مجرّد أو مادّي، وهل له رأس ويد ورجل أو لا ـ فلا علاقة له بالعبد ومقام العبوديّة؛ لهذا، فإنّ ما يجب أن نسعى لتحقيقه هو الطاعة، والتي ينحصر طريق الإتيان بها بالجوارح.

    1. آية الله الشيخ محمد علي الكاظميّ من تلامذة المرحوم آية الله النائينيّ رحمة الله عليه، وهو صاحب كتاب «فوائد الأصول» الذي يُعدّ تقريرًا لدروس خارج الأصول للمرحوم النائينيّ. (المحقّق)

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

4
  • لقد أخطأ هذا الرجل الفاضل كثيرًا، وهذا خطأ كبقيّة أخطائه! فهؤلاء لا يُخطئون في الأصول فحسب، بل في المباني أيضًا وبشكل كبير؛ وذلك لأنّه:

  • أوّلاً: كيف يُمكن للعبد الذي لم يعرف المولى بعدُ ـ أو مثلاً يعتقد أن لله تعالى رأسًا ـ أن يعبده؟! إنّ ذلك الشخص الذي يعبد الله، ويعتقد أنّه تعالى موجودٌ منفصلٌ ومنحازٌ بنحو كلّي عن العبد، هو كافرٌ ومشركٌ في اعتقاده أساسًا،۱ ولا يُمكنه بتاتًا عبادة الله! وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء العلماء في النجف الأشرف إلى أن يقولوا: 

  • إنّ آية: ﴿بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾٢ لها ظهور، والظهور حجّة؛ فإذن، لله يد؛ إذ لو كان تعالى يقصد معنىً آخر غير هذا المعنى الظاهريّ الحسّي، لوجب عليه بيانه!

  • ولا بدّ أنّهم يقولون من باب: «إذا كانت شجرة الجوز بهذا الكبر، فما بالك بشجرة البطيخ!»: 

  • بما أنّ أيدينا وأعضاءنا وجوارحنا بهذا الحجم؛ فإذن، يد الله تعالى وأعضاؤه وجوارحه يجب أن تكون بحجم المجرّات!

  • ثانيًا: أمير المؤمنين، وسيّد الشهداء، والإمامان الصادقان، وموسى بن جعفر، والإمام الرضا، والإمام الجواد (عليهم السلام)، وعظماء ديننا الذين أفصحوا عن كلّ هذه المعارف والعبارات العجيبة والغريبة بخصوص الحقّ تعالى، والتي لم يفهمها أحدٌ حتّى الآن؛ ألم تكن عقولهم تُدرك هذا الكلام الذي تفضّلت به؟! هل تعني أنّهم لم يكونوا يفهمون كما فهمت أنت أنّنا عبيد، ويجب أن تكون ـ في مقام الطاعة ـ مسائل الاستنجاء والدماء الثلاثة وأمثالها هي التي على لسان العبد فقط؟! 

  • يقول المشايخ:

  • لا داعي أبدًا لأن نعرف هل الله تعالى مجرّد أم لا، وهل الله غنيّ بالذات أم لا، وهل الوحدة في الله تعالى وحدة بالصرافة أو بالعدد؛ بل لو اعتبرنا أنّه تعالى متكثّر، فلا إشكال في ذلك؛ وعلينا فقط أن نُطيعه، ونُؤدّي الصلاة في أوقاتها الخمسة! حتّى لو اعتبرنا الله تعالى غولاً بلا رأس وقدم (ذا أنياب وأغوال)، وله ذيل ويد وقدم، فلا إشكال في ذلك؛ إذ علينا فقط أن نُطيعه!

  • ذلك الشخص الذي كان ينقل هذه الحادثة، كان يُؤيّد هذا الكلام ويقول: إنّه كلام صائب.٣

    1. الاحتجاج، ج ۱، ص ٢۰۱:
      «قال [أميرُ المؤمنين] عليه السلام: ... توحيدُه تمييزُه عن خَلقِه، وحُكمُ التمييزِ بَينونةُ صِفَةٍ لا بَينونةُ عُزلةٍ».
    2. سورة المائدة، الآية ٦٤.
    3. لمزيد من الاطّلاع، راجع: أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٤٢٥.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

5
  • وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى [وليلى لا تقرّ لهم بذاكا]

  • عدم إمكانيّة تعريف الوجود

  • على أيّة حال، يعود البحث ـ في نهاية المطاف ـ بخصوص موضوعات العلوم المختلفة، إلى بحث «الوجود» نفسه، وإلى أنّ هذا الوجود الذي هو منشأ كلّ الآثار وله كلّ هذه الترشحات والتعينات، ما هي طبيعته؟ وما هي حقيقته؟

  • هنا، نُدرك أنّ الوجود من حيث المفهوم لا تعريف له أصلاً؛ لأنّ التعريف يجب أن يكون إما بالحدّ أو بالرسم، لكنّ:

  • التعريف بالحدّ غير مُمكن؛ لأنّ الحدود تكون بالجنس والفصل، في حين أنّ الوجود أعلى وأشرف من الجنس والفصل؛ والجنس والفصل إنّما هما محدِّدان ومقيِّدان للوجود المجرّد بأقسامه، وللوجود المادّي بأقسامه؛ وبالتالي، فإنّ الوجود هو حقيقة تقع فيما وراء ذلك.

  • والتعريف بالرسم أيضًا غير مُمكن؛ إذ يقتضي التعريفُ به بيانَ العوارضِ الذاتية للمُعرَّف، ويُشترط فيه أن يكون المُعرِّف أشرف وأعرف من المُعرَّف، في حين أنّه لا شيء أعرف من الوجود؛ وأنت أيًّا من العوارض الذاتيّة للوجود أردت تعريفها، فستعود مجدّدًا إلى الوجود نفسه؛ أي أنّ حقيقة الوجود تتبادر إلى الذهن أوّلاً وبالذات، وفي المراحل اللاحقة، تأتي إلى الذهن عوارضه الذاتيّة؛ مثل الإمكان، والوجوب بالضرورة، والوجوب بالغير، والوجوب بالقياس إلى الغير، والوحدة، وغيرها من الأمور الانتزاعيّة.

  • أمّا الوجود من حيث حاقّ ذاته، فهو أمرٌ عجيب جدًّا؛ إذ الوصول إلى حاقّه ليس بمقدور أيّ أحد:

  • [كار هر بز نیست خرمن كوفتن]***گاو نر می‌خواهد ومرد كهن
  • [يقول: ليس من شأن كلّ ماعزٍ أن يدوسَ البيدر (أي يدرس القمح)، بل يُحتاجُ إلى ثورٍ قويّ ورجلٍ شجاعٍ خبير]۱

  • وكما يقول المرحوم الحاج السبزواريّ هنا:

  • مفهومُهُ مِن أعرفِ الأشياءِ***وكنههُ في غايةِ الخفاءِ
  • هذه المسألة ـ أي أنّ الوجود لا يقبل التعريف ـ تُوصِلنا إلى أنّه: بما أنّ للوجود انقسامات وعوارض وأوصافًا، فإنّه يتعيّن علينا في الوهلة الأولى بيانُ تقسيماته.

  • لهذا، يبدأ المرحوم الآخوند بحثَه ببيان إجماليّ عن الوجود وأحواله وعوارضه الذاتيّة التي تطرأ عليه أوّلاً وبالذات، ثم يُبيّن تقسيماته.

  • الفصل الأوّل: «الوجود» موضوع العلم الإلهيّ وأوّل ما يُرتسم في النفس

    1. أي أنّ هذا الأمر لا ينفعُ فيه إلا أهلُه. المترجم

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

6
  • المرحلةُ الأولى: في الوجود وأقسامه الأوّلية 

  • وفيها مناهج: 

  • الأوّل: في أحوال نفس الوجود

  • وفيه فصول:

  • الفصل الأوّل: في موضوعيّته للعلم الإلهيّ وأوّلية ارتسامه في النفس

  • «المرحلة الأولى: الوجود وأقسام الوجود من ناحية التقسيم الأوّلي». 

  • وبالطبع، ينقسم الوجود من ناحية التقسيم الثانويّ إلى أقسام أخرى؛ فمثلاً ينقسم إلى رياضيّ وطبيعيّ، والطبيعيّ نفسه ينقسم إلى ثمانية أقسام.

  • «وفيه مناهج: 

  • المنهج الأوّل في أحوال نفس الوجود والحالات التي تعرض الوجود وتطرأ عليه. 

  • وهنا، يتمّ بيان عدّة فصول: 

  • الفصل الأوّل في أنّ الموجود هو موضوع العلم الإلهيّ، وهو أوّل ارتسام يحدث في النفس».

  • موضوع الفلسفة هو هذا: «الموجود بما هو موجود»، لا بما هو مادّي، ولا بما هو مجرّد، ولا بما هو بسيط، ولا بما هو ممتزج من الأمزجة. «الموجود بما هو موجود» أصبح موضوعًا للعلم الإلهي، مع أنّه لم يصل أحدٌ حتّى الآن إلى حقيقته.

  • العلم الإلهيّ هو نفس الفلسفة والعرفان، وموضوع كليهما واحد، وهو «الوجود». وبالطبع ـ كما ذكرت سابقًا ـ۱ تختلف طريقة انكشاف حقيقة هذا الموضوع؛ أي إذا كان انكشاف حقيقة هذا الموضوع بنحو الوجدان فهو «عرفان»، وإذا كان بنحو التعقّل والبرهان فهو «فلسفة».

  • هذا الوجود هو أوّل ارتسام يحدُث في النفس؛ مثلاً، بمجرّد أن يشعر الطفل الرضيع بأنّه يجب أن يرضع من أمّه، فقد دخل الوجود إلى ذهنه؛ أي: أحسّ بكينونة الشيء ووجوده. لو فكّر في العدم، لما اتّجه نحو أمه. مع أنّ الطفل لا يفهم هل أنّ هذا حليب، أم سائل مثل الحليب ـ كأن يكون مثلاً ماءً أو عصيرًا ـ لكنّه في النهاية يفهم ويشعر أنّ هذا الشيء الذي يدخل في فمه ـ أيًّا كان ـ ويأكله، يُشبعه. نحن نُطلق اسم «الوجود» على هذا الإحساس، وإن لم يفهم الطفل نفسه أنّ هذا الشيء هو ذلك الوجود الذي يتمتّع بكلّ هذه الخصائص. الطفل يقول بكل سهولة: «أريد حليبًا، أريد دمية»، وعندما يرى شيئًا في يد غيره، يتبعه؛ كلّ هذا يعني أنه أحسّ بالوجود. أمّا لو قيل لهذا الطفل: «إنّ هذا الشيء الذي تتبعه هو ذلك الوجود الذي دارت حوله الكثير من النقاشات والنزاعات، وكان موجبًا للتكفير والارتداد»، فإنّه سيقول: «أنا لا أفهم ما تقوله، أعطني هذه الدمية لأذهب»، أو مثلاً: «أعطني تلك الحلوى لآكلها»! طوبى للطفل الذي لا يفهم هذه الأقاويل!

    1. راجع: دروس شرح الأسفار الأربعة، مقدّمة المؤلّف، الدرس ۱.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

7
  • تقسيم نعوت الشيء إلى حيثيّات وجودية وكمّية ومادّية

  • يضرب الملاّ صدرا هنا عدة أمثلة عن الإنسان:

  • اعلم أنّ الإنسانَ قد يُنعَت بأنّه واحدٌ أو كثيرٌ، وبأنّه كلّي أو جزئيٌّ، وبأنّه بالفعل أو بالقوّة، وقد يُنعت بأنّه مساوٍ لشيءٍ أو أصغرُ منه أو أكبرُ، وقد يُنعت بأنّه متحرّك أو ساكنٌ، وبأنّه حارٌّ أو باردٌ أو غيرُ ذلك.

  • «أحيانًا يُطلقون هذه النعوت على الإنسان: طبيعة الإنسان واحدة أو كثيرة، كلّية أو جزئيّة، بالفعل أو بالقوّة».

  • هذه النعوت الثلاثة التي ذكرها هنا تتعلّق بالإنسان بما هو إنسان، لا الإنسان بما هو موجود في الخارج؛ لأنّ الإنسان بما هو موجود في الخارج ليست له حالتان، ولا يُمكن أن يكون واحدًا أو كثيرًا، بل له حالة واحدة فقط، وهي أنّه واحد، فلا يوجد لدينا «كثير» في الخارج؛ كذلك الإنسان الخارجيّ لا يُمكن أن يكون بالفعل أو بالقوّة؛ لأنّ هذا الإنسان الذي وُجد الآن ليس بالقوّة.

  • التلميذ: بحث الكلّي بحث مفهوميّ؛ ولكنّ بحث بالفعل وبالقوّة، وبحث الواحد والكثير، هو بحث عن أمور تامّة في حقيقة الإنسان الخارجيّة، وليس بحثًا مفهوميًّا.

  • الأستاذ: كلاّ، لقد أشرت إلى الإنسان من ناحية حكايته عن الخارج. وكما سيأتي لاحقًا، وبشكل عامّ، عندما يُبحث عن القوّة والفعل، فالنظر يكون هناك إلى طبيعة الشيء، بحيث تُلحظ حقيقة هذا الشيء منحازةً عن وجوده الخارجيّ؛ غاية الأمر أنّنا نعتبر حقيقة هذا الشيء كمرآة لأمر لم يتحقّق بعدُ، ونسمّيها «بالقوّة»، ونعتبر [أيضًا] نفس هذه الحقيقة مع لحاظ الحكاية والمرآتيّة لأمر قد تحقّق، ونسمّيها «بالفعل».

  • على سبيل المثال، هذه النطفة بالنسبة للمرحلة التي لم توجد بعدُ هي «بالقوّة»؛ أي: نحن نلحظ هذه النطفة بالنسبة للحالة التي يُمكن أن تكتسبها لاحقًا، بحيث نفترض ذلك المعدوم في منزلة الموجود، ثمّ ننظر إلى هذه النطفة بلحاظ تلك الحالة، ونُسمّيها «بالقوّة». لهذا، فإنّ قولنا: «هذه النطفة تصير بالفعل» لا يعنيّ أنّها تتحوّل إلى ذلك، بل كان نظرُنا هنا إلى مفهومٍ ومعنىً كلّيٍ تكون هذه النطفة مصداقًا خارجيًّا له؛ وهذا المفهوم الذي لدينا عن هذه النطفة يتحوّل لاحقًا في الخارج إلى وجودٍ كنّا قد اعتبرناه في حكم المُنزَّل منزلة الموجود، ونُسميّه «بالفعل».

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

8
  • أو مثلاً: هذه الغرفة يُمكنها بالقوّة أن تَسَعَ عشرين شخصًا؛ لكن الآن، لا يوجد فيها عشرون شخصًا. هذا يعني أنّنا اعتبرنا هذا المفهوم بلحاظ ذلك الأمر المعدوم الذي أُنزِل منزلة الموجود. فنُسميّ هذا «بالقوّة». أمّا «بالفعل»، فهو أن يكون فيها الآن عشرون شخصًا؛ أي أن نرى زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا موجودين أمام أعيننا. بالطبع، بحث القوّة والفعل هنا أخصّ من بحث القوّة والفعل في الفلسفة.

  • المسألة الأخرى المطروحة هنا هي أنّ القوّة والفعل تارةً يتعلّقان بأمر معدوم، وتارةً أخرى، يتعلّقان بأمر خارجيّ؛ مثلاً، عندما نقول: «الموجود بما هو موجود له استعداد لأن يتحوّل إلى موجود آخر»، فنحن هنا نعتبر هذا الشيء الخارجيّ بما أنّه موجود، ونُسميّ جهة استعداد التحوّل فيه: «بالقوّة». لكن، متى ما تعلّقا بأمر معدوم، فإنّنا نُنزل هذا المعدوم منزلةَ الموجود، ونُسميّ ذلك ـ بلحاظه ـ قوّة؛ مثلما أنّ النطفة يُمكنها بالقوّة أن تُصبح علقة، أو أن تُصبح إنسانًا. فهنا، يُنزَّل ذلك المعدوم منزلة الموجود؛ وحينئذٍ، تكون علاقة هذا الموجود بذلك المعدوم هي علاقة القوّة والفعل.

  • «وأحيانًا، يعرض للإنسان وصف أنّه مساوٍ لشيء (مثلاً الإنسان مساوٍ لبقرة) أو أصغر منه أو أكبر منه؛ وأحيانًا أخرى، تعرضه صِفة أنّه متحرك أو ساكن، حارّ أو بارد، أو غير هذه الصفات (مثلاً متحيّز أو لا)».

  • ثمّ إنّه لا يُمكن أن يوصفَ الشيءُ بما يجري مجرى أوسطِ هذه الأوصافِ إلاّ من جهةِ أنّه ذو كمٍّ.

  • «لا يُمكن أن نصف الشيء بأوسط هذه الأوصاف التي بيّناها، إلاّ إذا كان ذا كمّ». 

  • المراد من "أوسط هذه الأوصاف" وصفُ الشيءِ بأنّه «مساوٍ لشيء آخر أو أصغر منه أو أكبر». فإذا لم يكُن لهذا الشيء كمّ متّصل قارّ الذات ـ مثل الخطّ ـ فلا يُمكن أن نصفه بأنّه «أصغر من ذلك الشيء أو مساوٍ له أو أكبر منه». لهذا، لا يُمكننا أن نقول عن العقول: «هذا مساوٍ لذاك، أو أصغر منه، أو أكبر منه»؛ مثلاً لا يُمكننا أن نقول عن الملائكة: «هذا المَلَك أصغر من ذاك، أو هذا المَلَك أكبر من ذاك». بالطبع، مسألة «السعة» هي مسألة أخرى؛ لكن، لا يُمكننا قول هذا من ناحية الكمّ والمقدار. يجب أن يكون الشيء ذا كمّ حتّى نتمكّن من وصفه بالمساواة واللامساواة والمقدار وما شابه ذلك.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

9
  • ولا يُمكن أن يوصفَ بما يجري مجرى آخرِها، إلاّ مِن جهةِ أنّه ذو مادّةٍ قابلةٍ للتغيّرات.

  • «لا يُمكن أن نصف شيئًا بتلك الأوصاف التي ذكرناها في آخر هذه الأوصاف، إلاّ إذا كان ذا مادّة وقابلاً للتغيّرات». 

  • المراد من "آخر هذه الأوصاف" وصف الشيء بأنّه «متحرّك أو ساكن» أو «حارّ أو بارد». إذا لم يكن للشيء مادّة، فلا معنى فيه للحركة والسكون؛ أي: يجب أن تكون هناك مادّة، ليتحوّل من هذا المكان إلى مكان آخر، ويتبدّل، ويتغيّر من هذه الحالة إلى حالة أخرى؛ كأن يبرد أوّلاً، ثمّ يسخن.

  • نعوت الشيء من حيث الموجوديّة

  • لكنّه لا يحتاج في أن يكون واحدًا أو كثيرًا إلى أن يصير رياضيًّا أو طبيعيًّا؛ بل لأنّه موجودٌ هو صالحٌ لأن يوصفَ بوحدةٍ أو كثرةٍ، وما ذُكرَ معهما (أي: بالقوّة أو بالفعل)».

  • يعني: لا يحتاج إلى أن يتحوّل [الشيء من حيث هو موجود] إلى موضوع علم الرياضيات (العدد) أو إلى موضوع علم الطبيعة (المادّة)؛ بل يُمكن أن يقولوا عن شيء واحد: إنّه واحد، ويُمكن أن يقولوا عنه: إنّه كثير؛ مثلاً «الإنسان بما هو إنسان» قد يكون واحدًا وقد يكون كثيرًا؛ أو مثلاً، عندما نقول عن الله تعالى: «إنّه واحد»، لا يُمكننا أن نقول إنّ مرادنا هنا هو تصوّرنا الذهنيّ عن الله، أو مرادنا هو أنّ الله له مقدار وعدد، أو له جسم طبيعيّ. أو مثلاً عندما نقول: «هذا الشيء إمّا واحد أو كثير»، فإنّه ليس بوسعنا القول: يجب حتمًا أن يكون طبيعيًّا. ألا يُمكننا أن نُسميّ المجرّد كثيرًا؟! أليست الملائكة كثيرة؟! في حين أنّها ليست طبيعيّة. إذن، عروض «الوحدة والكثرة» على قضيّة ما، أو كونها «كلية أو جزئية»، لا علاقة له بكونها طبيعيّة أو رياضيّة.

  • على سبيل المثال، قد نلحظ طبيعة الإنسان؛ وهذه الطبيعة إمّا كلّية أو جزئيّة. وبالتالي، فإنّ كلّية طبيعة الإنسان أو جزئيّتها لا يتعلّقان بالعدد، ولا يكون العددُ موضوعًا للكلّية أو الجزئية؛ بل نجد هنا أنّ نفس طبيعة الشيء «من حيث هي هي» قد جُعلت موضوعًا، بصرف النظر عن أنّ هذه الطبيعة لها جنس وفصل أم لا، وهل هي واحدة أو اثنتان، كلّية أو جزئيّة، موجودة في الخارج أم لا.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

10
  • وكذلك على سبيل المثال، فإنّ كون الشيء بالفعل أو بالقوّة لا علاقة له أصلاً بكونه طبيعيًّا، أو بامتلاكه لجهة رياضيّة وحسابيّة؛ أي: لا يلزم بتاتًا أن يكون مرتبطًا بمسألة رياضيّة فيتضمّن عددًا، أو متعلّقًا بمسألة طبيعيّة فيحتوي على مادّة؛ بل إنّ كلّ موجود نعتبره، فإنّه يتوفّر حتمًا على جهة فعليّة؛ لكن، قد تكون له جهة بالقوّة، وقد لا تكون، بحيث يكون عبارة عن فعليّة تامة. فليس ضروريًا أن يكون هذا الموجود طبيعيًّا حتمًا حتى تكون فيه جهة بالقوّة. من باب المثال، فإنّ النفس، في عين أنّها ليست طبيعيّة، توجد فيها جهات بالقوّة كثيرة، بحيث إنّ هذه الجهات تتحوّل إلى فعليّات. إذن، ليس ضروريًّا أن يكون الموجود ـ بما أنّه يتّصف بالقوّة والفعل ـ داخلاً في الطبيعيّات؛ بل إنّ هذا الاتّصاف يعود إلى نفس موجوديّة الوجود.

  • يُمكن أن يتّصف الموجود بالوحدة أو الكثرة؛ ولكن، ليس من جهة أنّه طبيعيّ ومادّي، وليس من جهة أنّه رياضيّ ومعدود. كذلك يُمكن أن يتّصف الموجود بالفعل أو بالقوّة، وألاّ يمتلك تلك الجهات بتاتًا. يعني: بمجرّد أن تتّصف ذاتٌ ما بالوجود، يُمكن لهذه الذات أن تتّصف بالوحدة، أو الكثرة، أو القوّة، أو الفعل، أو الكلّية، أو الجزئيّة. لكن، إذا أرادت هذه الذات أن تتّصف بالحرارة أو البرودة، يجب أن تكون لها مادّة؛ لأنّ الموجودات المجرّدة ليست مثلنا، بحيث تبرد بسرعة، ثمّ تسخن مرّة أخرى، ومن المستحيل أن تشعر بالبرودة أو الحرارة.

  • دراسة الحيثيّة الكمّية للأشياء في العلوم الرياضيّة

  • فإذن، كما أنّ للأشياءِ التعليميّة (مثل الحجم والسطح والكمّ والمقدار) أوصافًا وخواصَّ يُبحث عنها في الرياضيّات من الهيئة والهندسة والحساب والموسيقى، وللأشياء الطبيعيّة أعراضًا ذاتيّةً يُبحث عنها في الطبيعيّات، كذلك للموجود بما هو موجود عوارضُ ذاتيّةٌ يُبحث عنها في العلوم الإلهيّة.

  • يقولون: الرياضيات أربعة علوم: «الهيئة»، وهي علم التناسب بين الأجرام السماويّة والحركة والاستقامة والاستدارة والتقابل بينها؛ و«الهندسة»؛ و«الحساب» وموضوعه العدد؛ و«الموسيقى» وموضوعها الأوزان.

  • ولا يخفى أنّ المراد من الموسيقى هنا ليس الآلات والمعازفَ (كالطبل، والعود، والقانون)؛ فهذه ليست إلاّ أدواتٍ موسيقية. بل إنَّ علم الموسيقى هو عبارةٌ عن نِظامِ الأوزانِ التي تُولِّدُ النغماتِ المختلفة، وعن النوتاتِ التي إذا ما انتُظمت ضمن نسقٍ نغميّ مُعيّنٍ، انبثقت عنها هذه الأصواتُ المخصوصة. على سبيل المثال، إذا وُضعت هذه الأوزان في آلةٍ (كالعود)، ستصدر عنها الخصائص التالية: قد يبكي شخص، قد يُسرّ ويضحك شخص آخر، وقد ينام شخص ثالث، وهكذا.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

11
  • سابقًا، كانت الموسيقى علمًا يُعدّ جزءًا من الفلسفة، ويُبحث عنه في الرياضيات. فكان الرياضيون سابقًا مُطّلعين على الموسيقى؛ لأنّ لها أوزانًا رياضيّة. مثلاً: هذه النوتة يجب أن تستغرق ثانيتين، ثمّ ترتفع فجأة، وتستمر ثلاث ثوانٍ، ثمّ تتنزّل فجأة، وتتوقّف عند نقطة معيّنة، ثمّ تعود للخلف أو تتقدّم للأمام. كلّ هذه عبارة عن حركات وتموّجات تحدث في تلك الآلات؛ ومن خلال تقدّمها وتأخّرها، تحصل هذه الأعراض، وكلّ هذا عبارة عن نوع خاصّ من العدد.

  • فأصل «الموسيقى» يونانيّ، ويُطلق على النغمة والصوت؛ مثل «فيلوسوفيا» التي أصلها يونانيّ: «سوفيا» تعني الحكمة، وهي العلم الإلهيّ، و«فيلا» تعني المحبّ؛ و«فيلوسوفيا» تعني محبّ الفلسفة ومن يتبع الفلسفة. بالطبع، في الإنجليزية Wisdom تعني الحكمة، وWiseman تعني الحكيم. والموسيقى كذلك، حيث إنّ لها سابقة قبل الإسلام. فقد دخلت الموسيقى إلى العرب عن طريق الإيرانيّين، ثم ازدهرت في عهد الإسلام في بلاط هارون الرشيد.۱ ولكن، بما أنّ الموسيقى اسم يونانيّ، فليس لدينا في الروايات مسألةٌ باسم الموسيقى؛ بل ما جاء في الروايات، جاء بعنوان «الغناء»؛ وهو بحث آخر يختلف عن الموسيقى.

  • بالطبع، الموسيقى ليست حرامًا بشكل كلّي وبأيّ نحو كانت، بل الموسيقى المُحرّمة هي التي تجعل الإنسان يخرج من حالته الطبيعيّة، ويدخل في حال الحيوانيّة؛ ولكن، لأنّنا لا نستطيع تمييزها، حُرّمت الموسيقى في الإسلام بشكل مطلق.

  • سابقًا، كان «السماع» برنامجًا سلوكيًّا عند بعض السلاّك، ونجده اليوم أيضًا عند الدراويش. ولا يخفى أنّه كان عند مولانا [جلال الدين الروميّ] أيضًا،٢ لكنّه كان يختلف عن البقيّة، حيث كان نهجه مختلفًا تمامًا. هذا البرنامج السلوكيّ يُطرح في موضعٍ يكون فيه الأستاذ مُشرفًا على النفوس، ومُطّلعًا على الأرضيّة التي يجب أن يكونوا فيها، فلا تسمح ولايته أبدًا بأن يطرأ الفسادُ على العمل، أو يخرج عن الحدود. أمّا إذا أراد شخص آخر القيام بهذا العمل، فسيحدث الكثير من الفساد والخراب. بالله عليكم، لا تهتمّوا بهذه الأقاويل!

  • بالطبع، توجد مسألة دقيقة هنا؛ وهي أنّ البعض يقول:

  • عالم التشريع عالم اعتبارات، وواضع الشريعة جعل ـ طبقًا لمذاقه ـ سلسلةً من الأحكام بشكل اعتباريّ.

    1. راجع: تاريخ الموسيقى في إيران (فارسيّ)، حسن مشحون.
    2. مناقب العارفين، أفلاكي، ج ۱، ص ۸۸ و٤٢٩ و٥٦۰.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

12
  • أي: كما أقول: «يا سيّدي، ادخل من باب منزلي هذا، ولا تدخل من ذاك»، فإنّ الشارع أيضًا قال: «للوصول والتقرب إليّ، يجب أن تختار هذا الطريق، ولا ينبغيّ أن يكون لك شأن آخر!».

  • هذه المسألة خاطئة تمامًا وباطلة مائة بالمائة؛ وذلك لأنّ عالم التشريع لا يخضع للأذواق والاعتبارات والميول والرغبات؛ بل هو طريق الفطرة الذي يُمكنه إيصال استعدادات الإنسان الدفينة إلى الفعليّة. وبالتالي، إذ كان هناك مسار يُمكنه ـ بأيّ نحو وبأيّة طريقة ـ أن يُقّرب الإنسان، فمن الممتنع والمستحيل أن يكون مردودًا عند الشارع وأن يمنعه. ومن هنا، إذا رأينا في مكان ما أنّ شيئًا يخلق للإنسان قُربًا ذهنيًّا ونفسيًّا، وقد منعه الشارع، فيجب أن نعلم أنّ هناك إشكالاً في هذه القضيّة، وأنّها ليست مقربة، ولذلك منعها الشارع. وعليه، يُطرح هنا البحث التالي: هل الموسيقى محرّمة بنحو كلّي أم بنحو جزئيّ، وتُطرح أيضًا أبحاث أخرى هنا.

  • دراسة الجهة المادّية للأشياء في العلوم الطبيعيّة

  • يُبحث في الطبيعيّات عن الأعراض الذاتيّة للأشياء الطبيعيّة؛ مثلاً: هل الجزء لا يتجزّأ موجود أم لا؟ هل لهذه الأشياء تحيّز أم لا؟ هل يوجد فيها امتزاج أم لا؟ وكيف هي كيفيّة اختلاطها وامتزاجها؟ وهل هي بسيطة أم لا؟ لقد عدّوا للطبيعيّات ثمانية أقسام؛ وهي التي ذكرها [المرحوم الحاج السبزواريّ] أيضًا في حاشيته هنا، حيث يقول [ما مفاده]: «الأشياء الطبيعيّة إما بسيطة أو غير بسيطة، وإمّا ذات نموّ أو لا، وإمّا ذات إدراك أو لا»، واضعًا اسمًا لكلّ واحد منها.۱

  • دراسة حيثيّة الوجود للأشياء في العلوم الإلهيّة

  • يُبحث في العلم الإلهيّ عن العوارض الذاتيّة للموجود؛ مثل مسألة: الموجود إمّا ممكن وإمّا واجب، الموجود إمّا بسيط أو غير بسيط، الموجود إمّا معلول أو علّة.

  • فموضوعُ العلم الإلهيّ هو الموجود المطلق (أي لا علاقة له بخصائص هذا الشيء، بل له علاقة بالموجود بما هو موجود).

  • ومسائله إمّا بحثٌ عن الأسباب القُصوى لكلّ موجودٍ معلولٍ، كالسبَب الأوّلِ الذي هو فيّاضُ كلِّ وجودٍ من حيث إنّه وجودٌ معلولٌ، وإمّا بحثٌ عن عوارضِ الموجودِ بما هو موجودٌ، وإمّا بحثٌ عن موضوعاتِ سائرِ العلومِ الجزئيّةِ؛ فموضوعاتُ سائرِ العلومِ الباقيةِ كالأعراضِ الذاتيّة لموضوعِ هذا العلمِ.

    1. الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ٢٤، الهامش ۱، تعليقة للحاج السبزواريّ رحمة الله تعالى عليه.

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

13
  • بعبارة أخرى، يُبحث هنا عن العلل العلويّة، وكيف تكون موجبةً لتنزّل الموجود ـ مثل الملائكة والعقول ـ وصيرورته معلولاً في عالم الخارج.

  • وذُكر قيد «من حيث إنّه وجود معلول» بسبب أنّ الوجود من حيث هو وجود لا يكون فيّاضًا، بل يكون فيّاضًا فقط من حيث المعلوليّة [أي معلوليّة المعلول]؛ وبالتالي، فلا معنى للإيجاب والإيجاد بالنسبة للوجود من حيث حاقّ ذاته، والتي هي نفس الوجود.

  • والمسألة الأخرى المطروحة هنا هي: عندما نقول مثلاً: «الموجود ذو كمّ، الموجود ذو مقدار، الموجود يُمكن أن يكون ذا مادّة»، فإنّ هذه العوارض التي تعرِض على موضوع هذا العلم، تُصبح موضوعات لسائر العلوم؛ فتصبح من باب المثال موضوعًا للهندسة، والحساب، والرياضيات والطبيعيّات.

  • وستتّضح لك من طريقتنا في تحقيق مباحث الوجودِ التي هي حقيقةُ دارِ الأسرارِ الإلهيّةِ، أنّ الماهياتِ من الأعراضِ الأوّليةِ الذاتيّةِ لحقيقةِ الوجودِ (أي أنّ الماهيات نفسها هي أحد الأعراض الأوّلية الذاتيّة لحقيقة الوجود؛ وبالتالي، فإنّ الماهيات عرض، والأصالة للوجود)؛ كما أنّ الوحدةَ والكثرةَ وغيرهُما من المفهوماتِ العامّةِ(مثل القوّة والفعل)، من العوارضِ الذاتيّةِ لمفهومِ الموجودِ بما هو موجودٌ (أي أنّ مفهوم الوجود الذي هو من المفاهيم العامّة ـ مثل الوحدة والكثرة ـ يُحمل عليه)

  • فالماهية لا تعرِض على المفهوم، بل تعرِض على نفس حقيقة الوجود؛ لأنّ الماهية نفسها مفهومٌ، وليس من شأنها أن تعرِض على نفسها، بل تعرِض على نفسها بما هي موجودة. يعني أنّ الماهية تعرِض على الوجود من ناحية الموجوديّة، لا من ناحية كونها طبيعيّة ورياضيّة وأمثال ذلك. وبالتالي، فإنّ الوحدة والكثرة من ناحية نفس الموجوديّة هي من عوارض الموجود.

  • علة استغناء الوجود عن التعريف والإثبات

  • فاستقامَ كونُ الموضوعاتِ لسائرِ العلومِ أعراضًا في الفلسفةِ الأولى.

  • «إذن ثبت أنّ موضوعات سائر العلوم هي أعراض للفلسفة الأولى».

  • وبالجملة، هذا العلم لفرطِ علوِّه وشمولِه باحثٌ عن أحوالِ الموجود بما هو موجودٌ وأقسامه الأوّلية، فيجِب أن يكونَ الموجودُ المطلقُ بينًا بنفسه مستغنيًا عن التعريف والإثبات، وإلاّ لم يكن موضوعًا للعلم العامّ.

  • «[وخلاصة القول:] هذا العلم بسبب علوّه وشموله ولكونه مستوعبًا لكلّ الأشياء، يبحث عن أحوال الموجود من ناحية نفس الموجود وأقسامه الأوّلية (أي: أقسام الموجود من حيث التقسيم الأوّلي)؛ وبالتالي، فإنّ الموجود المطلق نفسه يجب أن يكون بيّنًا بنفسه ومستغنيًا عن التعريف والإثبات، وإلاّ لما كان موضوعًا للعلم العامّ».

موضوعُ العلمِ الإلهيّ - نقدُ مسلكِ الفصلِ بين العبوديّةِ والمعرفةِ الفلسفيّةِ

14
  • فلأنّ هذا العلم علم عامّ وموضوع لكلّ العلوم، فيجب أن يكون هذا الموضوع نفسه بيّنًا؛ وإلاّ لكان علينا ـ لإيضاح هذا الموضوع ـ الرجوع إلى علم آخر كي تُوضّح حدودُ ورسومُ ذلك العلمِ موضوعَ هذا العلم؛ في حين أنّ هذا العلم بيّن بنفسه.

  • على سبيل المثال، عندما يريد شخص دراسة علمِ الطب، فإنّه يسأل: «ما هو علم الطبّ؟»، فيُقال له: «الطبّ بحث في صحّة البدن وسلامته». ثمّ يسأل: «ما هو البدن؟»، فيُقال له: «جسم الأفراد الموجودين في الخارج». إذن، الذي يُمكنه دراسة علم الطبّ هو الذي له معرفة بالإنسان؛ ولهذا، إذا لم يرَ شخصٌ إنسانًا في الخارج، فلن يكون بوسعه دراسة علم الطبّ. أو مثلاً، عندما يريد شخص دراسة علم البيطرة والطبّ البيطريّ، فإنّه يسأل: ما هو الحيوان؟ ما هو الحمار؟ فيُقال له: تعال، وشاهد هؤلاء الحمير! في هذا العلم، يُبحث عن صحّة الحيوانات وسقمها، فيجب أن يُطلعوا الإنسان على الحمار، ليعرف ما هو الشيء الذي يُريد دراسته، حتّى لا يذهب إلى جامعة الطبّ البيطريّ رجمًا بالغيب. ولهذا، فإنّ كلّ من يدخل علمًا من العلوم، يجب أوّلاً أن يكون موضوع ذلك العلم بيّنًا بالنسبة إليه.

  • وأيضًا (أن نقول إنّ معنى الوجود بيّنٌ، فذلك لأنّ) التعريف إمّا أن يكونَ بالحدّ أو بالرسم، وكلا القسمين باطلٌ في الوجود:۱

  • أمّا الأوّلُ (أنّ التعريف الحديّ غير ممكن): فلأنّه إنّما يكون بالجنس والفصل، والوجودُ لكونه أعمَّ الأشياءِ لا جنسَ له (إذ لو كان له جنس، لكان محدودًا بحدود خاصّة، فلا يكون أعمّ الأشياء)، فلا فصلَ له (إذ بما أنّ الجنس أعلى من الفصل، فهو بالطريق الأولى لا فصل له)، (وإذ لم يكن له فصل) فلا حدَّ له.

  • وأما الثاني (أنّه لا يُمكن تعريف الوجود بالرسم والعوارض الذاتيّة): فلأنّه تعريفٌ بالأعرف، ولا أعرفَ من الوجود.

  • فمن رامَ بيانَ الوجودِ بأشياءَ على أنّها هي أظهر منه، فقد أخطأ خطأً فاحشًا.

  •  

  • اللَهمّ صلّ على محمد وآل محمد

    1. خ ل: الموجود.