15

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة

مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

3
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل


التوضيح

ما هو تعريف الحكمة العلميّة؟ وما هي ثمرتها الحقيقيّة؟ وكيف تكتسب النفس هيئتها الاستعلائيّة لتقهر البدن وتتجرّد عن التعلّقات الماديّة؟ ما هو الفرق الدقيق بين مجرّد «العمل الحسن» و«العمل الصالح»؟ وكيف تتحوّل المعارف البرهانيّة إلى ملكات راسخة وانكشافٍ شهوديّ؟ تُجيب هذه المحاضرة لآية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، مُبيّنةً دور المراقبات والمجاهدات في بلوغ الإنسان غاية الكمال والنجاة.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة 

  • مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

  •  

  • سلسلة دروس شرح الأسفار الأربعة، السفر ۱، المسلك ۱، المقدّمة، الدرس الخامس عشر

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمٰن الرّحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ

  • والصلاةُ علىٰ خيرة الله المُنتجبينَ محمّدٍ وآله الطّاهرينَ

  • واللعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • تعريف الحكمة العمليّة

  • وأمّا العمليّةُ، فثَمرتُها مُباشرةُ عَملِ الخَير لتَحصيلِ الهيئةِ الاستعلائيّةِ للنفسِ على البدنِ، والهيئةِ الانقياديّةِ الانقهاريّةِ للبدن من النفس.

  • «إنّ الحكمة العمليّة هي علمٌ ثمرته ونتيجته أن يباشر الإنسانُ عملَ الخيرِ ويلتزم به، حتّى تصير للنفس قدرةٌ وقوّةٌ تفوق قدرةَ البدن وقوّته، وتحيط بالبدن وتقهرُه وتتمكّن من التصرّف فيه؛ وكذلك، حتّى تتحقّق للبدن هيئةٌ انقياديّةٌ وانقهاريّةٌ بواسطة النفس».

  • أي أن تتحقّق للبدن جهةُ الانفعال والتأثّر، فيخرج من حالة تمرّده، ويصير مقهورًا للنفس.

  • وكما بيّن هنا، ليس للبدن أيّ اختيار من ذاته، وكلّ ما هنالك هو النفس، ولا فرق في هذه المسألة بين صغيرٍ وكبيرٍ، وبين صالحٍ وطالحٍ، وبين مؤمنٍ وفاسقٍ.

  • ومراده بـ «البدن» هنا هو التعلّقات التي تعرض لهذا البدن؛ لأنّه اعتبر البدن مظهرًا من مظاهر عالم المادّة. والنفس التي تتعلّق بعالم المادّة هي نفسٌ مقهورةٌ لهذه المادّة؛ أي مقهورةٌ للدنيا وأعراضها ولوازمها، والتي يرجع مآلها إلى الأكل والنوم وإطفاء الشهوات والمنازعة والتكاثر في الأموال والأولاد، وخلاصة القول: التوغّل في المشتهيات النفسانيّة. وحيث إنّ جميع هذه التعلّقات تدور حول المادّة، ولا ارتباط لها بجهة المعنى والتجرّد، فقد عبّر عنها بالبدن؛ أي إنّ البدن هنا إشارةٌ إلى تلك الجهات التي تُبقي الإنسانَ في عالم المادّة وعالم الدنيا.

  • المراد من ذمّ الدنيا

  • طبعًا، توجد هنا مسألةٌ وإشكالٌ سيأتي ذكره لاحقًا في عبارته أيضًا؛ وهو أنّ كثيرًا من الناس في السابق كانوا يقعون في هذا الخطأ، فيتوهّمون أنّ الجسم والجسمانيّات هي أظلمُ العوالم، فكانوا يربطون النهي عن الدنيا وذمّها والاحتراز منها وأمثال ذلك بهذه الجهات الجسميّة والماديّة لعالم الكون والفساد؛ في حين أنّ الجسم والمادّة هما المرتبة النازلة للوجود وحقيقة الوجود، والظلمة هنا لا معنى لها أصلاً؛ لأنّ الوجود نفسه وأصل الوجود هو خيرٌ محضٌ، ولا يُمكن للشرّ أن يترشّح ويظهر من الخير المحض. فالخير المحض يتجلّى ويظهر في صور مختلفة؛ وهذه الصور التي يتّخذها تُصاغ في كلّ مرتبةٍ على شكل هويّاتٍ تتناسب مع هذه المرتبة: ففي عالم المثال، تكون له هويّةٌ مثاليّةٌ على شكل صورة؛ وفي عالم الدنيا والمادّة، تكون له هويّة الجسم والمادّة. واتّخاذه هويّةً متفاوتةً لا يوجب دناءته ورذالته وظلمته.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

3
  • لقد كان للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هذا البدن نفسه؛ فهل كان بدنُ النبيّ نجسًا؟! وللأولياء والعظماء هذا البدن نفسه؛ فهل أبدانهم قذرة؟! وهل أبدانهم في أظلم العوالم؟! لا يُمكننا أن نتفوّه بمثل هذا الكلام بتاتًا! لقد كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يبني بيتًا، ويتزوّج النساء، ويأكل من هذه المأكولات التي نأكلها، ويشرب من هذه المشروبات التي نشربها؛ فكان يشرب الماء، ويشرب العصير، ويشرب اللبن المخيض، ويشرب الحليب، وكان هو أيضًا يستفيد من هذه الأمور. فهل الجسم بمعنى الظلمة؟! وهل كان النبيّ يُدخل الظلمة إلى بطنه؟! وهل أخطأ حين فعل ذلك؟! كلّ هذا الكلام باطلٌ ومجانبٌ للصواب!

  • الدنيا ليست هي الجسم والمادّة؛ بل هي الابتعاد عن الحقّ، والتعلّق بموجبات البُعد عن الحقّ، والتعلّق بالأمور التي يوجب ذلك ابتعادَكم عن الحقّ. ولهذا، فإنّ الدينار والدرهم في حدّ ذاتيهما ليسا من الدنيا؛ ولكنّ عدم قدرتكم على التخلّي عنهما هو الدنيا. والمرأة في حدّ ذاتها ليست من الدنيا، بل هي من مظاهر الله تعالى؛ ولكن، أن تكون المرأة مانعًا من وصولكم إلى التكامل، فهذا هو الدنيا. والمنزل والبيت ليسا من الدنيا؛ ولكنّ تعلّقكم به، وانشغال ذهنكم به هو الدنيا. ليس أيٌّ من الأمور الدنيويّة دنيا؛ ولكن، أن يُشغل الإنسان نفسه بها بنحوٍ لا يجد معه مجالاً للارتباط بالحقّ، فهذا هو الدنيا. وعليه، فالتدريس والدراسة والعلم والتعليم والتعلّم والاهتمام بشؤون الناس إن كان لأجل النفس، فهو دنيا؛ وإن كان لأجل الربّ فهو ليس من الدنيا. فتولّي زمام أمور الناس والمرجعيّة وأمثال ذلك ـ وهذه الأمور التي نراها حاليًّا ـ هي دنيا، بل مرتبة دناءتها أحطّ من الدنيا! كلّ هذه الأمور دنيا.

  • إنّ مسألة «أظلم العوالم» لا ترجع إلى جسمانيّة الدنيا، بل إلى التعلّق بالأمور الجسمانيّة. ولهذا، إذا لم تكونوا متعلّقين بالأمور الجسمانيّة، غير أنّ العلوم التي لديكم كانت تحجبكم، فستكونون أيضًا في الدنيا، مع أنّكم لستم متعلّقين بجسمٍ وقد تكونون محتاجين أيضًا. فكلّ ما يوجب أن يبقى الإنسان بعيدًا عن ربّه بحيث لا يتمكّن من مواصلة السير في الطريق، وينصرف فكره وذكره عن الحقّ ليتعلّق بتعيّنات الحقّ، فهو دنيا.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

4
  • ولهذا، فقد أخطأ المرحوم الشيخ البهائيّ هنا حينما قال:

  • گنج علم ما ظهر مع ما بطن***گفت: از ایمان بود حبّ الوطن
  • این وطن مصر وعراق وشام نیست***این وطن شهری است كآن را نام نیست‌
  • زانكه از دنیا است این اوطان تمام***مدح دنیا كی كند خير الأنام؟۱
  • يقول: 

  • [إنّ كنز العلم الظاهر والباطن قال: إنّ حبّ الوطن من الإيمان. 

  • هذا الوطن ليس مصر والعراق والشام، هذا الوطن مدينة لا اسم لها. 

  • وإذا كانت كلّ هذه الأوطان من الدنيا، فكيف لخير الأنام أن يمدح هذه الدنيا؟]

  • يقول: بما أنّ هذه الأوطان من الدنيا، فإنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله لم يمدح الوطن والأرض أبدًا. طبعًا، له مرادٌ آخر، وهذا الشعر ينطوي على حقيقة معيّنة؛ وهي حقيقةٌ صحيحةٌ، مع أنّ الشعر نفسه خطأ. يقول الشيخ البهائيّ رحمة الله عليه: كما ورد في الحديث: «حُبُّ الوطنِ مِنَ الإيمانِ!»،٢ فإنّ هذا الوطن هو وطن «لا إله إلاّ الله» والوطن المقصود، وذلك المكان نفسه الذي أتينا منه. وهذا المعنى هو معنى حسنٌ جدًّا وصحيحٌ، وتفسيرٌ وجيهٌ لهذه الرواية.

  • بالطبع، يُمكننا أن نفسّر «الوطن» بمعنى أرض الإسلام التي يجب على الإنسان أن يعيش فيها، ويُدافع عن حدودها وثغورها، وينهض للحفاظ على حدودها وكيانها. لا إشكال في هذه المحبّة؛ مثلاً، لا إشكال في أن يُحبّ الإنسان إيران من باب أنّ فيها حكومة إسلاميّة، لا من باب أنّ لها حدودًا جغرافيّة. في هذه الحالة، سيكون وطن الإنسان هو المكان الذي تقوم فيه حكومة الإسلام، حتّى لو كان هذا الإنسان يعيش في مكانٍ آخر. مثلاً، إذا كان شخصٌ يعيش في أفريقيا، ولكنّ حكومة الإسلام في مكانٍ آخر، فيجب عليه أن يُحبّ ذلك المكان الآخر، لا المكان الذي يعيش فيه.

  • وعليه، يُطلق وصف «الداخليّ» على المسلمين وأفراد البلدان التي تقوم فيها حكومة إسلاميّة، ويُطلق وصف «الأجنبيّ» و«الغريب» و«الرعايا الأجانب» على الأفراد الذين هم خارج حكومة الإسلام، حتّى لو كانوا يعيشون في بلد الإسلام نفسه. ولهذا، إذا كان يعيش مسلمٌ وشيعيٌّ في الطرف الآخر من أفريقيا ، فمن الخطأ أن نسمّيه من الرعايا الأجانب، بل يجب أن نعتبره منّا؛ إذ لا يوجد في الإسلام أجنبيّ؛ لأنّ الأجنبيّ في الإسلام يعني الأجنبيّ عن المذهب والشريعة، لا الأجنبيّ بمعنى المنفصل بواسطة حدٍّ أو فاصل. ذلك الحدّ والفاصل الذي يرسمونه على طاولة بقلم رصاص ـ هنا وهناك ـ ويُضيفون إليه تلّتين وثلاثة بحار وصحراء، لا يُسبّب الأجنبيّة. الإسلام لا يقوم على الاعتباريّات؛ أي: ليس الأمر بأن يقوم بضعةُ أناسٍ مخمورين ذوي عقول أفسدها الشراب والقمار بتحديد مصير بلدان العالم، ثمّ يقول الإسلام: بما أنّهم عيّنوا هذا الحدّ، فكلّ من يُحبّ هذا المكان، فحبّه من الإيمان!٣

    1. كلّيّات الأشعار والآثار الفارسيّة للشيخ بهاء الدين محمّد العاملي، نان وحلوا (الخبز والحلوى)، ص ١٠.
    2. أمل الآمل، الشيخ الحرّ العامليّ، ج ۱، ص ۱۱.
    3. لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۸، ص ۱٣٩؛ شرح حديث عنوان البصريّ، المحاضرتان ٥٥ و۱٥٩.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

5
  • ومن هنا، علاوةً على أنّ البدن والجسم والجسمانيّات ليست من الأمور المذمومة، بل هي ممدوحة أيضًا؛ لأنّ هويّة من هويّات مراتب الوجود قد تجلّت فيها، وهي علّةٌ ومُعدّةٌ لوصول النفس والروح إلى مرحلة التجرّد. فلو كان الجسم سيّئًا، لما خلقه الله تعالى! ولهذا، وخلافًا لما قاله الملاّ صدرا، فإنّ المراد من ﴿رَدَدنَٰهُ أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ في الآية الشريفة التي جاء فيها: ﴿لَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ فِيٓ أَحسَنِ تَقوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدنَٰهُ أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾۱ ليس عالم المادّة، بل التعلّق بعالم الدنيا؛ أي إنّنا أنزلنا الإنسان من تلك المرتبة والمقام ـ مقام الهُويّة المحضة ومقام الأحديّة والواحديّة ـ شيئًا فشيئًا، حتّى شغلناه ببضع صفائح، وبضع دُمى، وبضع مسائل، بحيث شغلته بنفسه تمامًا، حتّى لم يعُد يذكر بتاتًا وطنَه الذي كان فيه. ولهذا، ورد في ذيل تلك الآية: ﴿إِلاّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾.٢

  • لماذا ليس هؤلاء في ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؟ أليس لهم بدن؟! ألم يكن للنبيّ بدن؟! ألم يكن للنبيّ زوجة وأولاد؟! تقول الآية: إنّ الذين هم ﴿ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ مستثنون من ﴿رَدَدنَٰهُ أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾. وتقول الآية: كان جميع البشر في ﴿أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾، ثمّ جئنا بهم جميعًا إلى ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؛ وفئةٌ واحدةٌ فقط مستثناةٌ ـ من حيث الاستمرار والبقاء ـ من هذا الـ ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؛ وهم الذين ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾.

  • وآية ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾٣ هي بالمعنى نفسه، ولا تختلف أبدًا؛ وهي تتعلّق بعالم الأهواء والخيالات والتخيّلات التي هي كلّها جهنّم؛ طبعًا، جهنّم ليست سيّئة، وهي نفسها خيرٌ أيضًا.

  • التلميذ: ألا يُمكننا عدم أخذ ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ بمعنى التعلّق بعالم المادّة، بل فقط من حيث إنّه عالم الثقل، وظاهره أنّ الإنسان يرى كلّ شيء مستقلاًّ ومنفصلاً عن ذلك الوجود الواحد، فيكون ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؟

  • الأستاذ: إذن، فإنّ الأمر يتعلّق برؤية الإنسان، لا بالإنسان نفسه؛ لأنّه هو نفسه خيرٌ محضٌ. فالمادّة ليست سيّئة؛ أي إنّ ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ سوف تكون بمعنى التخيّلات ورؤية الأشياء مستقلّة.

  • إنّ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ ليسوا في ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؛ في حين أنّهم يمتلكون هذا البدن نفسه، فيأكلون، ويتزوّجون، ولهم أرض، وحياة، ووسائل...، ولكنّهم مع ذلك ليسوا في ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؛ إذن، ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ ترجع إلى ذلك التخيّل نفسه.

    1. سورة التين، الآيتان ٤ و٥.
    2. سورة التين، الآية ٦.
    3. سورة مريم، الآية ۷٢.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

6
  • عالم المادّة من الآثار الوجوديّة لله تعالى؛ وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ له جهة تجرّد. بعبارة أخرى، إنّ إحاطة الله تعالى بالمادّة ليست أقلّ من إحاطته بالمجرّدات؛ بل لا فرق بين المجرّدات والماديّات أبدًا، فكلاهما تحت قدرة الله تعالى وسيطرته؛ وحينئذ، لماذا نسمّي المادّة ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؟!

  • التلميذ: لأنّها حاجبة. مثلاً، في ذلك العالم، ولأنّ الأبصار تنفتح، يُقال ﴿مَلِكِ يَومِ ٱلدِّينِ﴾؛۱ في حين أنّ الله تعالى هنا أيضًا ﴿مَلِكِ يَومِ ٱلدِّينِ﴾، ولكنّنا لا نستطيع ـ بسبب هذه الحُجب والأستار ـ أن نرى ذلك.

  • الأستاذ: كلاّ، هذه ليست حاجزة، وإثبات الشيء لا ينفي ما عداه؛ أي: لا يُمكننا القول: بما أنّه قال هناك ﴿مَلِكِ يَومِ ٱلدِّينِ﴾، فهو ليس ﴿مَلِكِ﴾ هنا. ففي آية أخرى، يقول: ﴿قُلِ ٱللَهُمَّ مَٰلِكَ ٱلمُلكِ تُؤتِي ٱلمُلكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلمُلكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلخَيرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ﴾.٢

  • إذا كان هناك تفسير خاطئ تمامًا، فهل يُمكننا أن نُوجّهه توجيهًا كلّيًا! أي: هل يُمكننا، بمجرّد أنّ هذا البدن يُصبح حجابًا، أن نقول بشكلٍ كلّي: إنّ هذا البدن والمادّة هما ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾؟! فعلى سبيل المثال، إذا أحببنا النبيّ الأكرم إلى درجة أنّ رؤيته صلّى الله عليه وآله نفسها أصبحت حجابًا يمنعنا من الوصول إلى الله تعالى، فهذا لا يجعل النبيّ ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾! وما علاقة النبيّ بذلك؟! يجب أن نُصلح رؤيتنا. حجاب المادّة يعني حجاب التعلّق بأمور الدنيا، وحجاب التعلّق بأمور الأُخرى على حدٍّ سواء. إذن، ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ لا علاقة له بالمادّة نفسها بتاتًا.

  • كلّ ما هو في نطاق النفس، ويوجب انصراف الإنسان عن الاتّكاء على المعبود إلى الاتّكاء على التعيّنات، يُصبح عالم الدنيا وأظلم العوالم؛ حتّى لو كنتم تدرسون الفلسفة، مع أنّها لا علاقة لها بالدنيا والدنيويّات؛ ولكن، إذا أصبحت دراسة الفلسفة وتعلّمها حجابًا لكم يمنعكم من الخضوع للحقّ، فإنّ هذا نفسه يُصبح بالنسبة إليكم أظلم العوالم وحجابًا ظلمانيًّا.. حجابًا قد أسر النفس، وأبقاها في نطاق النفسانيّات ومشتهياتها.

  • التلميذ: إذا سار أحدٌ في العوالم العليا، وانكشفت له أمورٌ كثيرةٌ في سيره هذا، وتجاوز مدارج النفس، ولكنّه لم يصل بعدُ إلى مقام الإطلاق، وكانت في طريقه موانع تحول دون وصوله إلى هذا المقام، فهل سيكون هو أيضًا في أظلم العوالم؟

    1. سورة الفاتحة، الآية ٤.
    2. سورة آل عمران، الآية ٢٦.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

7
  • الأستاذ: كلاّ، هو لم يعُد في أظلم العوالم، بل هو في تلك العوالم؛ غاية الأمر أنّ لتلك الحُجب النورانيّة حساباتها الأخرى.

  • فضيلة الحكمة العمليّة في كلام النبيّ الأكرم وإبراهيم الخليل

  • وإلى هذا الفنّ (الحكمة العمليّة) أشار (الرسول الأكرم) بقوله عليه السلام: «تخلّقوا بأخلاق اللَه».۱

  • ثمرة الحكمة العمليّة هي التخلّق بأخلاق الله؛ أي أن تتشبّه أخلاقُ الإنسان وملكاتُه بأخلاق الله تعالى. طبعًا، عبارة «التخلّق بأخلاق الله» هذه لم ترد في الروايات الشيعيّة، والظاهر أنّها منقولةٌ عن الغزاليّ؛٢ وحينما ذكرها المرحوم الملاّ مهدي النراقيّ في جامع السعادات،٣ لم يذكر لها سندًا شيعيًّا هناك. لقد بحثتُ طويلاً عمّا إذا كان حديث «تَخَلَّقوا بِأخلاقِ الله» موجودًا في روايات الشيعة أم لا؛ ولكنّي لم أجده بعد.٤

  • واستدعَى الخليل عليه السلام (هذا المقام) في قوله: ﴿وَأَلحِقنِي بالصالِحِينَ﴾.٥

  • «الإلحاق بالصالحين» هو عبارة عن رسوخ الملكات التي توجب تحوّل ذات الإنسان، بحيث تنكشف للإنسان ـ بواسطة هذا التحوّل ـ تلك الحقيقة الجوهريّة.

  • الحكمة النظريّة والعمليّة في الآيات القرآنيّة الشريفة

  • وإلى فنَّيِ الحكمة كلَيهما أُشيرَ٦ في الصحيفة الإلهيّة: ﴿لَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ فِيٓ أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾،۷ وهي صورته التي هي طرازُ عالم الأمر؛ ﴿ثُمَّ رَدَدنَٰهُ أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾،۸ وهي مادّته التي هي من الأجسام المُظلمة الكثيفة؛ ﴿إِلاّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾،٩ إشارةٌ إلى غاية الحكمة النظريّة؛ ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾،۱۰ إشارةٌ إلى تمامِ الحِكمةِ العَمَليّة.

  • «وإلى كلا فنّي الحكمة أُشير في الصحيفة الإلهيّة، حيث يقول تعالى: [﴿لَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ فِيٓ أَحسَنِ تَقوِيمٍ﴾]؛ وهي صورته الجوهريّة التي هي على نمط عالم الأمر ووزانه؛ أي تلك الحقيقة المحضة للوجود البسيط».

  • فتلك الجهة الاستعداديّة التي يُمكنها أن تبلغ عالم الأمر لا توجد إلاّ في الإنسان؛ أمّا في غيره، فلا توجد هذه الجهة، وحتّى الملائكة لا يملكون مثل هذه القوّة، كما يشير إلى هذه المسألة قول جبرائيل: «ولَو دَنَوتُ أنمُلةً لاحتَرَقتُ».۱۱

  • «فهذا الإنسان سنُنزله إلى ﴿أَسفَلَ سَٰفِلِينَ﴾ [أدنى مرتبة من مراتب الوجود]؛ وهي مادّة الإنسان، والتي هي عبارة عن الأجسام المظلمة الكثيفة».

  • فنجد الإنسان ـ الذي يمتلك هذه المرتبة العالية التي لا يُتصوّر علوٌّ فوقها ـ يهبط، ويُشغل نفسه بأمورٍ مضحكة!

    1. بحار الأنوار، ج ٥۸، ص ۱٢٩.
    2. إحياء علوم الدين، ج ۱٤، ص ٦۱.
    3. جامع السعادات، ج ٣، ص ۱٤٥.
    4. راجع: بحار الأنوار، ج ٥۸، ص ۱٢٩.
    5. سورة الشعراء، الآية ۸٣.
    6. خ ل: أُشهر.
    7. سورة التين، الآية ٤.
    8. سورة التين، الآية ٥.
    9. سورة التين، الآية ٦.
    10. سورة التين، الآية ٦.
    11. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱۷٩.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

8
  • «﴿إِلاّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ (فهؤلاء مستثنون من الردّ إلى أسفل السافلين). وهذه إشارةٌ إلى غاية الحكمة النظريّة؛ وهي الإيمان بالمبدأ، ومعرفة المبدأ والربّ كما هو هو».

  • هذه هي مرتبة الإيمان الحقيقيّ؛ أي أنّ هؤلاء يُوطِّدون إيمانهم ويقينهم تجاه قضايا المبدأ والمعاد.

  • طبعًا، للإيمان مراتب؛ أعلاها إيمان الأفراد الذين يبلغون مرحلة الإيمان الكامل، وأدناها الإيمان الذي كان لأبي سفيان، وإن لم يكن إيمانًا حقيقيًّا.

  • هذا الأمر يتعلّق بالحكمة النظريّة، وهو كسابقه تمامًا، فيرد عليه الإشكال السابق نفسه. فكما قلتُ لكم، يجب أن تتحقّق حقيقة الحكمة النظريّة في وجود الإنسان، لا أن تُنال هذه المسائل بالبرهان والدليل فقط.

  • فلم نرَ أنّ الرسول الأكرم أو نبيّ الله إبراهيم أو أيًّا من الأنبياء عليهم السلام قال: «يا إلهي، برهن لنا على هذه المسائل!»؛ أي أن نجمع المقدّمات، ونُشكّل من الأوليّات أو النظريّات القطعيّة شكلاً أوّلاً وثانيًا وثالثًا، لكي نصل إلى نتيجة! بل إنّ معنى ذلك هو أن تتجلّى حقيقة الحكمة النظريّة في وجودهم على نحو الانكشاف.

  • «﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾؛ وهذه إشارةٌ إلى أنّ الحكمة العمليّة تبلغ في وجودهم مرحلة التمام، ويُصبح عملهم عملاً صالحًا».

  • أي أنّهم يُحقّقون في أنفسهم ـ بواسطة المراقبات والمجاهدات والعمل بالتكاليف الشرعيّة ـ جهة الحكمة العمليّة، ويُبدّلون الصفات الرذيلة والقبيحة ـ التي كانت راسخة في وجودهم في الجاهليّة ـ إلى ملكات فاضلة وأخلاق روحانيّة. هذه هي العلّة الغائيّة للحكمة العمليّة، وعلّة احتياجنا وحاجتنا إلى الحكمة العمليّة.

  • فالعمل الحسن يختلف عن العمل الصالح واللائق، فقد يكون عملٌ ما حسنًا، ولكنّه ليس صالحًا. على سبيل المثال، لنفرض أنّكم دعوتم رجلاً عظيمًا إلى منزلكم، وتريدون إكرامه؛ فتارةً، تُحضرون له طعامًا؛ وتارةً أخرى، تسألونه: «يا سيّدي، أيُّ طعامٍ تُحبّ؟»، وتطبخون له الطعام الذي يُحبّه. هذا يصبح «صالحًا». الأوّل حسنٌ؛ لأنّكم ـ في نهاية المطاف ـ وضعتم أمامه طعامًا يملأ بطنه ويُشبعه، فوضعتم أمامه ـ مثلاً ـ الكرنب، وهذا حسنٌ؛ ولكنّ الصالح هو أن تسألوه، وتنظروا هل يُحبّ اللحم المشوي، أم الأرزّ بالكباب.

  • الحكمة النظريّة والعمليّة في كلام أمير المؤمنين

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

9
  • وللإشعار بأنّ المعتبرَ من كمالِ القوّة العمليّةِ ما به نظامُ المَعاش ونجاةُ المَعاد، ومن النظريّةِ العلمُ بأحوال المبدأ والمعاد والتدبّر فيما بينهما من حقّ النظر والاعتبار، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «رحم اللَه امرءًا أعدّ لنفسه، واستعدّ لرَمسه، وعَلمَ من أين، وفي أين وإلى أين».۱

  • «وللإشعار بأنّ المعتبر من كمال القوّة العمليّة هو أن يتحصّل للإنسان نظام الدنيا ونجاة العقبى».

  • فيجب على الإنسان أن يعيش في هذه الدنيا على أحسن وجه وأفضل نحو؛ لا أن يكون مُرفّهًا، بل أن تكون حياتُه حياةً تُؤمّن له المزيد من الراحة والاستقرار، وتُقلّل من همومه وأفكاره. إنّ أفضل نحوٍ للعيش في هذه الدنيا هو أن يكون استقرارُ الإنسان وهدوؤه أكثر، لا أن يمتلك مالاً أكثر. كما يجب أن تنال عقباه النجاة أيضًا، ويكون من السعداء هناك. هذا هو كمال الحكمة العمليّة.

  • وبناء على ذلك، فقد انطوت الحكمة العمليّة على ثلاث مسائل:

  • الأولى: تدبير المنزل؛ أي أن يستطيع الإنسان إيجاد نظام مختصّ بالمنزل؛ إذ يتعيّن ـ في نهاية المطاف ـ أن تكون له حياة اجتماعيّة؛

  • الثانية: سياسة المدن، أي أن يكون قادرًا على السياسة؛

  • الثالثة: الأخلاق الشخصيّة، وهذا ممّا يرتبط بالمعاد.

  • «[وللإشعار بأنّ المعتبر من كمال القوّة النظريّة هو أن يحصل للإنسان العلم بكيفيّة المبدأ والمعاد، و] أن يتدبّر في هذين السيرين النزوليّ والصعوديّ الحاصلين بين المبدأ والمعاد».

  • أي أن يعلم كيف وُجدت هذه النشآتُ، وما هي الوسائط والعقول التي تتكفّل بمرتبة العليّة، واحدةً تلو الأخرى، وكيف يحصل نزول عَالَم الأمر إلى عَالَم الخلق، وما هي طبيعة رجوع الإنسان وخروجه من الاستعداد إلى مرحلة الفعليّة.

  • «[(وللإشعار بهاتين المسألتين) يقول أمير المؤمنين عليه السلام ما معناه:]

  • غفر الله لوالدي مَن أعَدَّ لنفسه أوّلاً، وأوصل نفسه إلى مرحلة الفعليّة، ومضى في إنجاز أعماله، وفكّر لِقَبره أيضًا، وفكّر في أعقابه ورفاقه أيضًا (كأن يترك لهم مالاً مثلاً)، وعَلِمَ من أين هو، وفي أيّ موقع هو، وإلى أين يذهب».

  • وإلى ذينك الفنّين رَمَزَت الفلاسفة الإلهيّون حيث قالوا تأسّيًا بالأنبياء عليهم السلام: «الفلسفة هي التشبّه بالإله». كما وَقَعَ في الحديث النبويّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «تخلّقوا بأخلاق الله»؛٢ يعني في الإحاطة بالمعلومات والتجرّد عن الجسمانيّات (أي: كما أنّ لله تعالى إحاطة عينيّة بالتعيّنات، ينبغي أن تكون لكم إحاطة علميّة بالمعلومات، وأن تكونوا مجرّدين عن الجسمانيّات).

    1. الوافي، ج ۱، ص ۱۱٦.
    2. بحار الأنوار، ج ٥۸، ص ۱٢٩.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

10
  • طبعًا، لقد سَبَق القول إنّ كلمة «الجسمانيّات» هنا خاطئة؛ إذ لا معنى للتجرّد عن الجسمانيّات؛ بل يجب أن يكون التجرّد عن التعلّق بهذه الجسمانيّات.

  • علّة شرفيّة علم الحكمة بالنسبة لسائر العلوم

  • ثمّ لا يخفى شرفُ الحكمة من جهاتٍ عديدةٍ؛

  • منها: أنّها صارت سببًا لوجود الأشياء علَى الوجه الأكمل، بل سببًا لنفس الوجود.

  • طبعًا، كان من الأفضل هنا أن يقول: «سببًا لمعرفةِ نفسِ الوجود»؛ لأنّ الحكمة تترشّح من الوجود، لا أنّها سببٌ له؛ أي إنّ الوجود لا يكون في مقام المعلوليّة بالنسبة للحكمة، بل هو في مقام العلّية بالنسبة إليها. فالأفضل إذن أن نقول: «سببٌ لمعرفة الوجود»؛ لأنّه هو نفسه يقول في تتمّة كلامه:

  • إذ ما لم يُعرف الوجودُ على ما هو عليه، لا يُمكن إيجاده وإيلاده. والوجودُ خيرٌ محضٍ، ولا شرفَ إلاّ في الخير الوُجوديّ.

  • «لأنّه إذا لم يُعرف الوجود كما هو، لا يُمكن لله تعالى أن يوجده ويُولّده؛ فيجب أولاً أن يُعرف الوجود نفسه، حتّى تتّضح تلك الجهات العلّية والمعلوليّة للموجد والمولّد. الوجود خيرٌ محضٌ، ولا شرف إلاّ في الخير الوجوديّ».

  • لأنّنا قرأنا سابقًا في المنظومة:

  • والشرّ أعدامٌ فكَم قد ضلَّ مَن***يقولُ باليزدان ثمّ الأهرمن‌
  • أي إنّ جهة الشرّ تنشأ دائمًا من ناحية العدم؛ وبما أنّ الوجود خيرٌ، فإنّ الشرّ لا يترشّح منه.

  • وهذا المعنى مرموزٌ (ومكنونٌ) في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤتَ ٱلحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا﴾.۱

  • أي إنّ من ينال حظًّا أكبر من الحصّة الوجوديّة، سينال خيرًا كثيرًا؛ ومن يصل إلى حقيقة الوجود، فقد وصل إلى حقيقة الخير المحض.

  • وبهذا الاعتبار (وهو أنّ حقيقة الله هي أنّه وجودٌ محضٌ؛ والوجود المحض خيرٌ محضٌ، وهو تعالى نظّم وجود الأشياء على الوجه الأكمل والأتمّ) سمَّى اللَه تعالى نفسَه حكيمًا في مواضعَ شتّى من كتابه المجيد الذي هو ﴿تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾،٢ ووصفَ أنبياءه وأولياءه بالحكمة، وسمّاهم ربّانيين (أي إنّ جهة الربوبيّة قد قويت فيهم) حكماء بحقائق الهويّات (والموجودات)، فقال: ﴿وَإِذ أَخَذَ ٱللَهُ مِيثَٰقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكمَةٍ﴾٣ (أن تُؤدّوا الرسالة، وتُسلّموا هذه الأمور إلى أهلها، ولا تُفوّضوها إلى أيّ كان)، وقال خصوصًا في شأن لقمان: ﴿وَلَقَد ءَاتَينَا لُقمَٰنَ ٱلحِكمَةَ﴾.٤ كلّ ذلك في سياق الإحسان ومعرض الامتنان. ولا معنى للحكيم، إلاّ الموصوف بالحكمة المذكورة حدُّها (وهي المعرفة بحقائق الأشياء) التي لا يُستطاع ردُّها (فمن يصل إلى هذا المعنى، فإنّه لا يزول ولا يُمكن ردّه).

    1. سورة البقرة، الآية ٢٦٩.
    2. سورة فصلت، الآية ٤٢.
    3. سورة آل عمران، الآية ۸۱.
    4. سورة لقمان، الآية ۱٢.

تعريف الحكمة العمليّة وشرفيّة علم الحكمة - مسار النفس نحو التخلّق بأخلاق الله تعالى

11
  • ومن الظاهر المكشوف أن ليسَ في الوجود أشرفَ من ذات المعبود، ورُسله الهداة إلى أوضح سبله؛ وكلاًّ من هؤلاء (أي نفسه ورُسله) وصفه تعالى بالحكمة؛ فقد انجلى وجه شرفها ومجدها.

  • فالحكمة إذن هي معرفةٌ يُعطى بها الإنسان خيرًا كثيرًا، وأعلى مقامٍ من حيث الشرف والمجد.

  • وجوب تعلّم الفلسفة

  • فيجبُ إذن انتهاجُ معالم غورها ونجدها، فَلنَأتِ على إهداءِ تُحفٍ منها وايتاءِ طُرَفٍ فيها، ولنُقبِل على تمهيد أُصولها وقوانينها، وتلخيص حججها وبراهينها بقدر ما یتأتّى لنا، وجمع متفرقات شتّى وإرادة علينا من المبدأ الأعلى؛ فإنّ مفاتيح الفضل بيد اللَه، ﴿يُؤتيهِ مَن يَشاءُ﴾.۱

  • «الآن، وقد فهمنا معنى الحكمة على هذا النحو، واتّضحت لنا غايتُها، وتجلّى لنا شرفُها على سائر العلوم، فمن الواجب أن نتّجه نحو معالم غورها، ونعثر عليها، وأن نُهدي تحفًا من هذه المعالم ونُعطي طُرفًا منها؛ ويجب علينا أن نُقبِل ـ بقدر ما نستطيع ـ على تمهيد أصولها وقوانينها، وتلخيص حججها وبراهينها، وتوضيحها، وجمع كلّ المتفرّقات. وهذه الإرادة قد أتتنا من المبدأ الأعلى؛ لأنّ مفاتيح الفضل بيده يؤتيه من يشاء».

  •  

  • اللَّهُم صلِّ على محمّد وآل محمّد

    1. سورة آل عمران، الآية ۷٣.