المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالأسفار
المجموعةمقدّمة المؤلّف
الموضوعالثانوية العامة أو أقل
التوضيح
ما هي الأسفار العرفانيّة الأربعة التي يطويها السالك؟ ولماذا تتفاوت شرائع الأنبياء بناءً على مراتبهم في إدراك الوجود المطلق؟ وما هو السرّ وراء احتياج السالك إلى «الوليّ المطلق» للوصول إلى الحقيقة؟ وكيف يُحاسَب الأولياء الكمّل على أدقّ التفاصيل كما حدث مع المرحوم العلاّمة الطهرانيّ قدّس سرّه؟ تجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، موضّحًا حقيقة السير والسلوك، ومبيّنًا الأسس البرهانيّة والشهوديّة التي بُني عليها كتاب الحكمة المتعالية للملاّ صدرا.
هو العليم
الأسفار الأربعة ـ بيانها الإجماليّ وسبب تسمية الكتاب بها
ضرورة الوليّ الإلهيّ المطلق
سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار، مقدّمة المؤلّف، الدرس ۱۱
الاستاذ
سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
السفر الأوّل
السفر الأوّل ـ أي السفر من الخلق إلى الحقّ ـ عبارة عن استكمال النفس لجميع مراتبها الاستعداديّة، وإخراج جميع مراتب قوّتها وإمكانها الاستعداديّ إلى الفعليّة، حيث يصل الإنسان في هذا السفر إلى حقيقة الوجود التي هي كمال وغاية كلّ حقيقة ومركزها ومنشؤها ومنبعها.
ونتيجة لذلك، فإنّ لازم هذا السفر هو التربية النفسيّة، والطريق الذي تستطيع النفس من خلاله عبور هذه المراحل، والوصول بالطبع إلى حقيقة الوجود تلك. ويتمثّل ذلك الطريق في كيفيّة ترتيب مقام الفعل ومقام القلب ومقام السرّ في طريق الوصول إلى هذه المسألة؛ وبطبيعة الحال، يجب أن يكون الفعل الصادر من الإنسان والعمل الذي يقوم به دليلاً ومرشدًا على هذه الحقيقة وعلى توجّهه النفسانيّ والقلبيّ نحو ذلك الكمال المطلق. ولهذا، إذا صدر من الإنسان فعل، وظهر منه عمل يُجانب هذا التوجّه الفكريّ والقلبيّ والنفسانيّ، فمن الطبيعيّ أن يقف ذلك الفكر وذلك العمل والفعل في الاتجاه المعاكس، ويُبقي النفس في مرحلة التوغّل في الشوائب النفسانيّة، والابتعاد عن الوصول إلى وجود الحقّ المطلق والوجود اللامتناهي. بناءً على هذا، لا يوجد أيّ طريق للوصول إلى تلك الحقيقة المطلقة، إلاّ بأن يقع فعلُ الإنسان وفكره وقلبه في الجهة الصحيحة لمثل هذا التوجّه.
اختلاف شرائع الأنبياء بحسب مقدار إدراكهم للوجود المطلق
ولهذا، فإنّ ذلك الفعل والعمل الذي نقوم به، يجب أن ينبعث ـ في مقام التشريع والاعتبار ـ من منبع الوجود والكمال المطلق؛ وإلاّ، فإنّ كلّ ما يخرج عن مرحلة الوجود المطلق لا يُمكنه الدلالة على الطريق والمقصود؛ بل بقدْر ما يمتلك، سيبقى في تلك المرحلة ذاتها، ولن يكون هناك ما يزيد عليها!
ومن هنا، نجد أنّ تشريع الأنبياء السابقين مبنيّ على مقدار الطريق الذي قطعوه؛ أي إنّهم يهدون فقط بمقدار المسار الذي سلكوه، وإلى المرحلة نفسها التي يتواجدون فيها. وبعبارة أخرى، تُعدّ نفوسهم منشأً لتشريع الأحكام الاعتباريّة في نفس المرحلة التي هم فيها؛ أي إنّ النفس تدلّ ـ في مقام الإنشاء ـ على نفس المبدأ الذي تمتلكه، لا على ما فوق هذا المبدأ.
وبما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله حائز على جميع مراتب الوجود بجميع أنحائها وكمالاتها، فإنّ الأحكام المنبعثة من نفسه، وتلك الناحية الولائيّة المنزلة من جهته بناءً على تلك الأحكام، تسحب الإنسان نحو نفس المرتبة، وتوصله إلى المكان الذي يتواجد فيه هو صلّى الله عليه وآله.
ولهذا السبب، يجب أن تنشأ أحكام الشرع من مبدأ يكون بنفسه متّصلاً بالغيب، وإلاّ حصل الخلل. وفيما يخصّ المسائل المطروحة هنا، نقول: «إنّ مَن يتولّى زمام أمور الناس، يجب أن يكون متّصلاً بالغيب». بناءً على هذا، فإنّ جذور مسألة سياسة المدن وعلوم إدارة المدن والحضارة والاجتماع وأمثال ذلك تكمن هنا؛ لأنّ توجّه الإنسان الفكريّ يكون نحو الوجود المطلق؛ وهذا الوجود المطلق ـ الذي هو الحقّ المطلق ـ يقع في مرتبةٍ تُعدّ مدلولاً ومحكيًّا؛ ومن أجل الوصول إلى هذا المدلول، نحتاج إلى أدلّة يُمكنها أن تحقّق تطابقًا حقيقيًّا وواقعيًّا بينها وبين ذلك المدلول. ولهذا، فإنّ جميع المسائل التي يُمكننا أخذها بعين الاعتبار في ولاية الفقيه، وولاية الإمام عليه السلام، والولايات التكوينيّة، والولايات التشريعيّة والاعتباريّة، تنشأ جميعها من هذا الأمر: إنّ مَن لم يصل إلى مقام الحقيقة المطلقة والوجود المطلق لا يُمكنه الدلالة على الحقّ المطلق! نعم، يُمكنه الدلالة على بعض المراتب بقدر سعته؛ لكنّه لا يستطيع الدلالة على جميع المراتب، ولا يُمكنه إخراج جميع الكمالات الإنسانيّة الموجودة في مرحلة القوّة والاستعداد إلى مرحلة الفعليّة.
الاحتياج إلى الوليّ المطلق الإلهيّ من أجل السلوك إلى الله تعالى
نصل من هنا إلى المسألة التالية؛ وهي أنّ المجتمع والفرد بحاجة إلى «الوليّ المطلق»؛ أي: مَن وصل إلى مقام الإطلاق، وهو حضرة الإمام المهديّ صلوات الله وسلامه عليه، وأولئك الذين سيتصدّون لهذه المسائل عن طريقه، وتحت ولايته.
هذا هو الطريق الذي يُمكننا من خلاله أن نجمع ـ في خطّ واحد ـ بين السلوك إلى الله في الباطن، وبين سلوك الشرع في مقام الظاهر، وبين السلوك العلميّ والنظريّ في مقام التعقّل والتفكّر؛ لأنّ سلوك الباطن دون التعبّد بالشرع، والتعبّد بالشرع دون التعبّد بتلك المسائل الحقيقيّة والاعتباريّة غير ممكن!
ولهذا، توجد لدينا روايات تفيد بأنّه مَن كان ـ حقًّا ـ في مقام الخلوص وفي مقام السعي للوصول إلى هذه المرحلة، فإنّه يُؤخذ بيده، ويجعل الله تعالى واسطةً في طريقه ليوصله إلى مراده الحقيقيّ، ويُنقذه ويخرجه من أيدي العوامّ المخادعين وعلماء السوء والذين يُضلّون ويسدّون طريق الله، بشرط أن يكون صادقًا في ادّعائه.۱
هذا هو السفر الأوّل للإنسان، وهو الوصول إلى الوجود المطلق.
اختلاف المراتب المعرفيّة للأنبياء والأولياء الإلهيّين
التلميذ: أ لا تدلّ الآيات القرآنيّة في سورة الواقعة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾،٢ على أنّ الأنبياء السابقين قد أوصلوا أناسًا إلى مقام القرب، في حين أنّه يصل عدد قليل في الأمّة الأخيرة ـ وهي أمّة رسول الله ـ إلى هذا المقام؟!
الأستاذ: المقرّبون [مصطلح] مقول بالتشكيك. فأمير المؤمنين عليه السلام بناءً على الروايات الموجودة [هو المصداق البارز للمقرّبين]: «يا عليّ، لم تأتِ صفة للمؤمنين إلاّ وأنت أمير هذه الصفات!»؛٣ أي: إذا جاءت التقوى، فأنت أمير الأتقياء! وإذا جاء الصلاح، فأنت أمير الصلحاء! وإذا جاء الوليّ، فأنت أمير الأولياء! وإذا جاء المؤمن، فأنت أمير المؤمنين! كلّ هذا موجود، والأنبياء السابقون أنفسهم جزء من المقرّبين؛ ولكنّ المقرّبين يتفاوتون: فلدينا مقرّب الخاقان، ومقرّب الحضرة٤ و... هل تظنّون أنّ الأمر يُشبه المجيء إلى هذا البيت، ومشاهدة أربع غرف وقبو؛ لنقول: «أتينا وشاهدنا»؟! كلاّ، إذ توجد هنا عوالم ومسائل كثيرة جدًّا، والمسائل الواقعيّة كثيرة لدرجة أنّ انكشافها معقّد؛ ممّا يجعل الإنسان يُصاب بالدوار أساسًا! القضايا ليست هكذا هنا! الوصول إلى مقام العرفان والحقيقة ليس هكذا!
انظروا في سيرة العرفاء، كم إنسانًا كاملاً تجدون بينهم؟ الشيخ أبو الحسن الخرقانيّ، الشيخ أبو سعيد أبو الخير، الشيخ أحمد بن خضرويه، السريّ السقطيّ، الجنيد البغداديّ، حافظ، مولانا، شهاب الدين السهرورديّ، الجولا، وإلى ما شاء الله! كلّ هؤلاء كانت لهم كرامات وخصائص، ولكنّ الحديث هو: هل يصل الإنسان إلى مقام الولاية، ويُصبح وليًّا بمجرّد قراءة الفاتحة، وشفاء مريض، وتصرّف واحد؟!
لقد عرفتُ في الماضي رجالاً كانوا يُحيون الموتى، وكانت لديهم القدرة على الإحياء وتغيير الأمور، ولكنّهم انقلبوا لاحقًا، وحدثت لهم ـ باختصار ـ مسائل عجيبة. القضايا ليست هكذا.
الآن، يخرج كلّ مَن هبّ ودبّ، ليقول: «فلان هكذا! وعلاّن هكذا! يقرأ الفاتحة فيشفي! عنده اطّلاع على ما سيحدث غدًا!». ما هذا الكلام؟! هذه مجموعة من المسائل البديهيّة والأوّلية! بل إنّ هذه الأعمال تجعل الإنسان يعلم أنّ مَن يقوم بها الآن هو إنسان مسكين لا يزال مبتلىً جدًّا؛ لأنّه لو كان كاملاً، لما قام بهذه الأعمال! فليمُت مَن يموت؛ الأولياء لا يقومون بهذه الأعمال!
لقد احتضر ابن السيّد الحدّاد أمام عينيه وهو واقف ينظر إليه هكذا! أحيانًا، تكون مشيئة الله في الصحّة؛ حينها مثلاً، يُلهم الله قلب أحدهم، فيقرأ الفاتحة، ويحصل الشفاء؛ ولكن أحيانًا، لا تكون المصلحة الإلهيّة في هذه القضايا. طبعًا، لا أنّه لا توجد هناك مصلحة، بل المصلحة في العافية؛ ولكن، يجب أن نرى أين تكمن العافية؟ لِمَ تحدث كلّ هذه المسائل؟ هل يُمكن للإنسان أن يفعل كلّ ما يحلو له؟! هنا، توجد مسائل كثيرة أخرى!
أنتم تنظرون مثلاً إلى أنّ النبيّ موسى عليه السلام حوّل العصا إلى ثعبان، ولكنّ تحويل العصا إلى ثعبان هو للعوامّ، وليس للذين يمتلكون فكرًا وتعقّلاً! حينما جاء سلمان رضوان الله عليه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، بمجرّد أن نظر إليه، استسلم! لم يطلب منه معجزة! هؤلاء العوامّ هم مَن يجب على النبيّ أن يُنطق لهم ضبًّا، وأن يجعل الشجرة تشهد للآخر، وأن يشقّ القمر لآخر! كلّ هذه المسائل هي لأجل هؤلاء الناس، وإلاّ، فلو نظر أحدهم فقط إلى قامة النبيّ ومشيته وخصائصه، فلن يحتاج أبدًا إلى معجزة، وسيشعر أساسًا بالآثار الوضعيّة لورود هذه الجذبات، وبارقات وجذبات الجلال والجمال، وسيُدرك في أيّة مرتبة هو الآن!
هؤلاء الأنبياء السابقون كانت لديهم مقامات عظيمة! في الواقع، حينما كان النبيّ موسى يُحوّل العصا إلى ثعبان، لم يكن يدعو، بل كانت نفسُه هي مَن تفعل ذلك، لا أنّه يدعو ويقول: «يا ربّ افعل هذا! يا ربّ لا تدع ماء وجهنا يُراق؛ أنا الآن أُفضح أمام هؤلاء السحرة!»؛ فيرحمه الله تعالى، ويقول: «بما أنّنا أرسلناه، فلنحفظ ماء وجهه أيضًا!»؛ كلاّ! قد لا يحفظ الله ماء وجه النبيّ موسى نفسه بهذه الكيفيّة في مكان ما؛ غاية الأمر ليس أمام الجمع. ألم يفعل الله ذلك مع النبيّ صلّى الله عليه وآله؟! قال النبيّ: «تعالوا غدًا لأُجيبكم!»، فقال الله له: «انتظر أربعين يومًا الآن! لِمَ لم تقل "إن شاء الله"؟!۱ مِن كيس مَن تُريد أن تنفق؟!». يُريد الله تعالى أن يقول: «في مقام عزّتي وغيرتي، لا فرق عندي بين أيّ أحد بتاتًا! فالنبيّ وغير النبيّ سواء، والنبيّ لا يفرُق عن هذه النملة في شيء! حينما يختصّ مقام العزّة بي، وأكون أنا منشأ العزّة لا غيري، فإنّ ذرّة من غيري هنا تُعدّ شركًا! انتهى الأمر!». هنا، يرتجف جسد الإنسان؛ أي تتقطّع أوصاله، ولا يعود قادرًا على فعل أيّ شيء، ويبقى هكذا متحيّرًا! أحيانًا، يُوقف الله تعالى أولياءَه هؤلاء أنفسَهم، ويُحاسبهم! طبعًا، كلّ هذا من أجل عبور المراحل.
حالات الأولياء الإلهيّين الكمّل
حينما كنّا ننظر إلى حال المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ]، كنّا نرى أنّه حتّى في أواخر عمره، ظهرت له مجموعة من المسائل الأخلاقيّة العجيبة والظريفة والدقيقة جدًّا، والتي كانت تحكي جميعها عن انكشاف بعض العوالم! هذه المسائل عجيبة جدًّا، وربّما لا تكون مقبولة لدى البعض!
في ذلك السفر الذي جئت فيه شتاءً إلى قمّ من أجل حضور عقد وقران وزفاف أخي السيّد عليّ، جاءت الوالدة وبقيّة الأفراد جميعًا معنا؛ لكنّ المرحوم العلاّمة كان قد سبقنا بأيّام، وكان وحده في الغرفة المقابلة، وكان السيّد عليّ فقط هناك. طبعًا، الأخت والسيّد جعفر كانا في قمّ حينها. في ذلك الوقت، كانت قد حدثت مسائل، وكانت هناك أمور بيني وبينه؛ وباختصار، كان البعض قد قام بأفعال جعلتني أشعر بالضيق؛ ولهذا، كنت أبتعد قليلاً، ولا أتدخّل في المسائل لكي تجري الأمور بشكل عاديّ؛ وكأنّني غير موجود مثلاً. حينما جئنا، نادانا العلاّمة ذات ليلة، وتحدّث كثيرًا. ومن جملة كلامه أنّه قال:
إنّهم يُحاسبونني مؤخّرًا على عمل قمتُ به سابقًا؛ ورغم أنّ الحقّ كان معي في ذلك العمل، إلاّ أنّ قلبًا قد تأذّى من ذلك!
أي إنّهم أوقفوا الأمر هكذا حتّى وصل إلى هنا؛ والآن، يقولون: «يجب أن تأتي، وتُقدّم حسابك!». ومضمون تلك القضيّة هو أنّه في ذلك البيت الذي كان يبنيه المرحوم العلاّمة في حيّ الأحمديّة، كان هناك بنّاء يحاول ـ ذات يوم ـ بناءَ السلّم المؤدّي إلى السطح، ولكنّه لم يفلح مهما حاول؛ حينها، قال له: «يجب أن تقوم بالعمل الكذائيّ!»، فقال البنّاء: «كلاّ!». وكان العلاّمة يقول: «لم أتدخّل، وقلت في نفسي: حسنًا، دعه يبني». فاستمرّ بالبناء هكذا حتّى علق في بسطة السلّم! ماذا يفعل الآن؟ كيف يبنيها؟ باختصار، اضطرّ إلى هدم السلّم. بعدها، قال المرحوم العلاّمة لذلك البنّاء: «إذا أزحته قليلاً إلى هذه الجهة، ووسّعت مثلاً البسطة، وجعلتها بدرجة واحدة، سينتهي الأمر»؛ أي أن تكون هناك بسطتان في الأعلى: واحدة من هذه الجهة، وأخرى أعلى بدرجة واحدة، وهو ما عليه الحال الآن.
وكان يقول:
يقولون لي: لِمَ تحدّثتَ أساسًا أمام بقيّة البنّائين، وجعلت هذا الرجل ينفعل؟ ولِمَ تبني بيتًا في الأساس (العجيب هنا) لتقع في مثل هذه المسألة أثناء بنائه. ورغم أنّ الحقّ معك، ولا يُمكن أن يكون الأمر غير ذلك؛ ولكن، لِماذا ينبغي أن يُكسر قلب رجل مؤمن؟!
وكان ذلك الرجل المسكين مؤمنًا قد اقترض من البنك بالربا، وبنى حينها مبنىً في شارع بهلوي، ولم يستطع بعدها سداد الربا، فاستولى البنك على المبنى والمال، وكان باختصار مُحطّمًا؛ أي: لم يكن مؤمنًا كسلمان الفارسيّ، بل كان رجلاً ملتحيًا يأتي أحيانًا إلى المسجد للصلاة. ولكنّ الأمر سيّان عند الله تعالى!
فقلتُ للعلاّمة حينها: «يا سيّدي، إن كان الأمر هكذا، ففي أمان الله تعالى، نحن ذاهبون! أ لمجرّد عمل حقّ مضت عليه سنوات، يُحاسبونكم الآن!! فإذن، نحن في كلّ خطوة نخطوها مُعفوَن!». الآن، يقولون: «لِماذا يجب أن تُمهِّد الأرضيّةَ أساسًا لكسر قلبٍ؟ رغم أنّ الحقّ معك!»؛ حينها، ساءلوا العلاّمة، وحاكموه، وأصدروا الحكم أيضًا! متى أصدروا الحكم؟ حينما أُصيب بجلطة قلبيّة! هل اتّضح هذا؟! كانت تلك الجلطة القلبيّة هي جواب ذلك العمل وحكمه.
حينما أُصيب بالانزلاق الغضروفيّ، كنت حديث العهد بالزواج، وكنت في مشهد. اتّصلت بي الوالدة ذات صباح قائلة: «انهض، وتعال لترى ما حلّ بوالدك!». حينما جئت صباحًا إلى هناك، رأيته يتلوّى كالملدوغ! وحتّى حينما جئت، كان ألمه قد خفّ! وكانت عبارته أنّه قال:
ليلة أمس، آلمني ظهري لدرجة أنّني حينما استيقظت منتصف الليل، وأردت النهوض من الفراش والجلوس، قاومت لساعة ونصف لمجرّد أن أنهض وأجلس، لكنّني لم أستطع!
كانت غرفته هي تلك الغرفة الجانبيّة، وكان ينام على الأرض، ولكنّه في أواخر عمره، صار ينام على السرير بسبب وضع ظهره.
وبعدها قال لي:
لقد كان ألم ظهري في المستشفى لدرجة أنّني كنت مستعدًّا لأن يُقطّعوا ظهري بالفأس!!
كان ألمه بهذه الكيفيّة؛ أي: كان لونه يشحب كلّيًا، ويفقد وعيه، رغم أنّه كان مقاوِمًا جدًّا للألم، ولم يكن يُظهره!
وبعدها، كان يقول لي:
يا سيّد محسن، إنّ ألم ديسك الظهر هذا لم يكن شيئًا أمام ألم القلب الذي أُصبت به! وهذا الألم كان بسبب ذلك القلب الذي كسرناه!
أي إنّهم أصدروا الحكم وحاكموه أيضًا! متى يُنفّذون الحكم؟ إنّهم يُؤجّلونه إلى وقت لاحق، حتّى يظهر هذا الأمر فجأة! هذا عجيب جدًّا!
طبعًا، لا أُريد إيجاد اليأس بكلامي هذا. فكلّما اتّسع السطح، زاد ثلجه!۱ أمّا نحن فلا شيء؛ نحن مُعفَون، والله تعالى لا شأن له بنا بتاتًا!
كان يُريد أن يُلقّنني هذه المسائل ليقول لي: أنت الذي تريد الآن محاربةَ تيّارٍ في مسألة حقّة، يجب أن تأخذ هذه الجهات بعين الاعتبار أيضًا؛ أي: رغم أنّه حقّ؛ ولكن، يجب أن يُطبّق الحقّ بهذه الطريقة! باختصار، الأمر دقيق وعجيب جدًّا!
الأستاذ الكامل الذي يُمكنه التربية هو مَن يُطلق عليه هذا الوصف. كان العلاّمة كاملاً بسبب هذه النقاط الدقيقة، وبسبب أنّه كان يُفهِم التلميذ هذه المسائل. يجب علينا في بيان الحقّ وفي طريق الحقّ أن نخطو، بحيث لا يُكسر حتّى قلب مؤمن واحد؛ فرغم أنّه حقّ، ولكن، لا يجب أن يُكسر. هذه مسألة مهمّة جدًّا!
هذه المسائل تخصّ مَن طوى أسفاره الأربعة، ووضع كلّ شيء على الرفّ، ووضع كلّ الكتب و ... على الرفّ أيضًا! كانت هذه المسائل تحدث للنبيّ أيضًا، وكلّ هذا من أجل عبور المراتب. هذه حالات عجيبة ودقيقة لا حدّ لها. انظروا لتروا ما الخطب!
ينظر أحدهم مثلاً إلى الشيخ أبي الحسن الخرقانيّ راكبًا أسدًا قد روّضه فيقول: «ما شاء الله، لقد طوى هذا الرجل قاب قوسين، وانتهى أمره!». حسنًا، هناك مرتاض هنديّ يركب فيله أيضًا؛ فإذا كان هذا قد ركب أسده، فالفيل أكبر! أيّة فضيلة في هذا؟
الأنبياء السابقون والمقرّبون كانت لهم مراتب؛ أي إنّ للنبيّ حالات ودرجات ومكانة لا يُمكن للنبيّ موسى أن يصل إليها بتاتًا، ولا تخطر على باله أساسًا ليُفكّر فيها أو لا يُفكّر!
هذا هو الوصول إلى السفر الأوّل.
السفر الثاني
السفر الثاني هو السفر من الحقّ في الحقّ بالحقّ؛ أي نشأته من الحقّ، وسيره في الحقّ، ومآله الحقّ أيضًا؛ أي أنّ بدايته هو الحقّ ونهايته هو الحقّ؛ كما ورد في الدعاء أيضًا: «يا مَن لا يُفَرُّ مِنهُ إلاّ إلَيه!»؛۱ أي أنّ الفرار يكون من الله وإلى الله؛ بمعنى أنّ الله تعالى موجود في كلا الطرفين، فهو يفرّ من الله ويفرّ إلى الله أيضًا؛ أي إنّ الإنسان يفرّ من قضاء الله إلى قدر الله،٢ وكلاهما ليسا خارجين عن دائرة الوجود، أي ليسا غير الوجود. في هذا السفر، يتمّ إدراك التعيّنات الأوّلية للوجود المطلق الذي يكون بروزه وظهوره بواسطة الأسماء والصفات الكلّية؛ مثل بروز الوجود في صفة القهر، وبروز الوجود وإظهاره في صفة الجمال، وبروز الوجود في صفة العلم وأمثال ذلك. وطبعًا، وكما بيّنا سابقًا البارحة، فلدينا هنا أيضًا مجموعة من الآراء.٣
وبناءً على هذا السفر، خصّص المرحوم صدر المتألّهين القسم الثاني من الأسفار لبحث «الإلهيّات بالمعنى الأخصّ»؛ وهو عبارة عن الصفات الجلاليّة والجماليّة، كالعلم والقدرة والحياة، والعوارض والخصائص واللوازم التي تترتّب على هذه الأبحاث.
وهذه الأوصاف الجماليّة الكلّية التي تُبيّن في هذا السفر الثاني من الأسفار النظريّة والفكريّة والعقليّة، تظهر تعيّناتها في السفر الرابع الذي هو عبارة عن «السير في الخلق».
السفر الثالث
السفر الثالث ـ وهو السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ ـ عبارة عن التغيّر الماهويّ والجوهريّ الذي يحصل للسالك بسبب اندكاك إنّيته في إنّية الله تعالى؛ وبواسطة هذه الجهة، يكتسب قابليّة مقام الرجوع إلى الحقّ، وتظهر الصفات والأسماء الإلهيّة في نفسه، وينزل مع الخلق، ويتنازل إلى عالم الكثرة، وتحصل له هذه الكثرة، ويحصل له إدراك الكثرات ومقام جمع الجمع؛ وطبعًا، في هذا السفر، تنكشف للإنسان خصائص وحالات وصفات النفس ومعادها وعودتها.
السفر الرابع
السفر الرابع ـ الذي يحصل للسالك بعد النزول من الحقّ إلى الخلق بالحقّ ـ عبارة عن السير من الحقّ في الخلق بالحقّ؛ أي إنّه يسير في ناحية الخلق، غاية الأمر أنّ ذلك كلّه من ناحية الحقّ. وهذا السفر ـ كما بيّنت سابقًا ـ لا متناهٍ؛ وهو مشاهدة صفات جلال الله وجماله في تمام التعيّنات الجزئيّة والكلّية، وهو آخر مرتبة كماليّة للإنسان؛ ولهذا، تنتهي الأسفار هنا.
وهذا السفر الرابع هو تعيّنات الصفات الجماليّة والجلاليّة، حيث يتمّ بيان تلك الصفات الجماليّة الكلّية في السفر الثاني من الأسفار النظريّة والفكريّة والعقليّة.
الأسفار الأربعة
واعلم أنّ للسلاّك من العرفاء والأولياء أسفارًا أربعة:
أحدها السفرُ من الخلق إلى الحقّ؛
وثانيها السفرُ بالحقّ في الحقّ؛
والسفرُ الثالثُ يُقابل الأوّلَ، لأنّه من الحقّ إلى الخلق بالحقّ (غاية الأمر أنّه بالحقّ، أي إنّ الحقّ معه)؛
والرابعُ يُقابل الثانيَ من وجهٍ، لأنّه بالحقّ في الخلق (وهنا، يكون الحقّ دائمًا مرافقًا له).
فهناك مقابلةٌ من وجهٍ بين السفرين الثاني والرابع؛ أي إنّ السفر الثاني هو سفر في الحقّ وفي ذات الحقّ وأسمائه وصفاته؛ أمّا السفر الرابع، فهو سفر في الأسماء والصفات الجزئيّة التي هي عالم التعيّنات والجزئيّات؛ غير أنّ سبب كون [المقابلة] من وجه هو أنّ هذا [السفر الرابع] جزئيّ، ولكنّ ذلك [السفر الثاني] ذو طابع كلّي؛ وهذا مقابل لذلك، ولكن، كلاهما بالحقّ.۱
تدوين كتاب الحكمة المتعالية للملاّ صدرا بناءً على الأسفار الأربعة السلوكيّة
فرتّبتُ كتابي هذا طبق حركاتهم في الأنوار والآثار على أربعة أسفار؛
أي: كما أنّهم يسيرون في الأنوار الربوبيّة، ويتحرّكون في آثار الله الجماليّة والجلاليّة، فقد رتّبتُ أنا أيضًا كتابي (من الناحية الفكريّة والعقليّة والنظريّة) طبقًا لهذه الأسفار الأربعة.
لكيلا تظنّوا أنّها مجرّد مجموعة من الأعمال الظاهريّة التي لا يوجد لها أيّ سند برهانيّ؛ كلاّ! فكلّ سير وسلوك للسالك في أيّة مرتبة يثبت بالدليل والبرهان، وكلّ هذه المسائل والحالات برهانيّة؛ خلافًا لمن يقول: «إنّ الدراويش يجلسون حول الموقد فقط، ويُدخّنون الحشيش، فتحصل لديهم بعض الأحوال!»
وسمّيته بـ «الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة»؛۱
أي: لم يُقتصر في هذا الكتاب على الحكمة المشائيّة التي تتميّز بطابع البحث والنظر، بل جيء فيه أيضًا بحكمة الإشراق التي تتميّز بطابع الإفاضات الإلهيّة الإشراقيّة على قلب السالك؛ وكذلك، جيء فيه أيضًا بالمسائل من جهة مطابقتها مع الشرع. وبشكل عامّ، فقد جعل هذا الكتاب متعاليًا عن بقيّة أنواع الحكم.
فها أنا أفيض في المقصود مستعينًا بالحقّ المعبود الصمد الموجود؛٢
أي: فها أنا ذا أشرع الآن في المسائل والمقصود الذي أبتغيه، مستعينًا بالله المعبود الذي هو الغنيّ والوجود المطلق!
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد