8

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟

فلسفة التشريع الإلهيّ

15
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي8

مقالات مجموعة (17 مقالة)

التوضيح

بماذا يتكوّن ويستمرّ المجتمع الإسلاميّ؟ وما الفارق الجوهريّ بين القوانين الوضعيّة الماديّة والتشريعات الإلهيّة في ضبط السلوك البشري؟ ولماذا تعجز الأنظمة البشريّة عن ضمان تطبيق قوانينها وحفظ الأخلاق؟ وكيف يكون التوحيد والإيمان بالمعاد هو الضامن الحقيقيّ لاستقرار المجتمعات؟
يُجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه التساؤلات في هذا البحث، مبيّناً الفروق العميقة بين غايات الاجتماع الدينيّ والمدني، ومؤصّلاً لدور العقيدة والأخلاق في تماسك المنظومة الاجتماعيّة وحمايتها من التلاشي.

/۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلاميّ؟

  • فلسفة التشريع الإلهيّ

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث التاسع

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٤

  •  

  •  

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • [طرح العلاّمة الطباطبائي ضمن بحوثه الاجتماعيّة بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا.. ۱٥ فصلاً تقدّم منها خمسة ضمن سلسلة البحوث السابقة۱، وإليك الفصل السادس منها:]

  • ٦ـ ما الذي يحقّق المجتمع الإسلاميّ ويضمن استمراره؟ 

  • مقدّمة عامّة: غاية أيّ مجتمع هي التي تجمعه

  • لا ريب أنّ الاجتماع٢ ـ أيّ اجتماع كان ـ إنّما يتحقّق و يحصل بوجود غاية واحدة مشتركة بين أفراده المتشتّتة، و هي الروح الواحدة السارية في جميع أطرافه التي تتّحد بها نوع اتحاد، و هذه الغاية و الغرض في نوع الاجتماعات المتكوّنة غير الدينيّة إنّما هي غاية الحياة الدنيويّة للإنسان، لكن على نحو الاشتراك بين الأفراد لا على نحو الانفراد، و هي التمتّع من مزايا الحياة الماديّة على نحو الاجتماع.

  • حاجة المجتمع إلى قانون يحقّق غايته

  • والفرق بين التمتّع الاجتماعيّ و الانفراديّ من حيث الخاصيّة، أنّ الإنسان لو استطاع أن يعيش وحده كان مطلق العنان في كلّ واحد من تمتّعاته، حيث لا معارض له و لا رقيب، إلا ما قيّد به بعض جهازاته بعضًا، فإنّه لا يقدر أن يستنشق كلّ الهواء، فإنّ الرئة لا تسعه و إن اشتهاه، و لا يسعه أن يأكل من الموادّ الغذائيّة لا إلى حدّ، فإنّ جهاز الهاضمة لا يتحمّله، فهذا حاله بقياس بعض قواه و أعضائه إلى بعض، وأمّا بالنسبة إلى إنسان آخر مثله فإذ كان لا شريك له في ما يستفيد منه من المادّة على الفرض، فلا سبب هناك يقتضي تضييق ميدان عمله، و لا تحديد فعل من أفعاله و عمل من أعماله. 

  • و هذا بخلاف الإنسان الواقع في ظرف الاجتماع و ساحته، فإنّه لو كان مطلق العنان في إرادته و أعماله لأدّى ذلك إلى التمانع و التزاحم الذي فيه فساد العيش و هلاك النوع و قد بينّا ذلك في مباحث النبوّة السابقة أوفى بيان.٣ و هذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجاري في المجتمع.

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

3
  • إحكام القانون وعدمه هما الفرق بين المجتمعات المتمدّنة والهمجيّة 

  • غير أنّ المجتمعات الهمجيّة لا تتنبّه لوضعها عن فكر و رؤية۱، و إنّما تكون الآداب و السنن فيها المشاجرات و المنازعات المتوفّرة بين أفرادها، فتضطرّ الجميع إلى رعاية أمور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ، و لمّا لم تكن مبنيّة على أساس مستحكم، كانت في معرض النقض و الإبطال تتغيّر سريعًا وتنقرض.

  • و لكنّ المجتمعات المتمدّنة تبنيه على أساس قويم بحسب درجاتها في المدنيّة و الحضارة، فترفع به التضادّ و التمانع الواقع بين الإرادات و أعمال المجتمع بتعديلها بوضع حدود و قيود لها، ثمّ ركْزِ القدرة و القوّة في مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون.

  • نتائج ثلاث

  • و من هنا يظهر:

  • ۱ـ حقيقة القانون 

  • أولاً: أنّ القانون ـ حقيقةً ـ هو ما تُعدّل به إرادات الناس و أعمالهم برفع التزاحم و التمانع من بينهما بتحديدها. 

  • ٢ـ حدود القانون والقانون الوضعي خاصّة

  • و ثانيًا: أنّ أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون أحرار فيما وراءه كما هو مقتضى تجهّز الإنسان بالشعور و الإرادة بعد التعديل، و لذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرّض لأمر المعارف الإلهيّة والأخلاق، وصار هذان المهمّان يتصوّران بصورة يصوّرهما بها القانون فيتصالحان و يتوافقان معه على ما هو حكم التبعيّة فيعودان عاجلاً أو آجلاً رسومًا ظاهريّة فاقدة للصفاء المعنوي، و لذلك السبب أيضًا ما نشاهده من لعب السياسة بالدين فيومًا تقضي عليه و تدحضه، و يومًا تميل إليه فتبالغ في إعلاء كلمته، و يومًا تطوي عنه كشحًا فتخلّيه و شأنه.

  • ٣ـ افتقاد القانون الوضعيّ إلى الضامن لتطبيقه

  • و ثالثًا: أنّ هذه الطريقة لا تخلو عن نقصٍ؛ فإنّ القانون و إن حمل ضمان إجرائه على القدرة التي ركّزها في فرد أو أفراد، لكن لا ضمان على إجرائه بالآخرة٢، بمعنى أنّ منبع القدرة و السلطان لو مال عن الحقّ وحوّل سلطة النوع على النوع إلى سلطة شخصه على النوع، و انقلبت الدائرة على القانون، لم يكن هناك ما يقهر هذا القاهر فيحوّله إلى مجراه العدل، و على هذا القول شواهد كثيرة ممّا شاهدناه في زماننا هذا وهو زمان الثقافة و المدنيّة، فضلاً عمّا لا يحصى من الشواهد التاريخيّة، و أضف إلى هذا النقص نقصًا آخر وهو خفاء نقض القانون على القوّة المجرية أحيانًا أو خروجه عن حومة قدرتها، (و لنرجع إلى أوّل الكلام). 

    1. أي لا تلتفت إلى واقعها وأحوالها ولا تنظّمها تنظيمًا دقيقًا. (م)
    2. بالآخرة بمعنى في النهاية. (م) 

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

4
  • الفارق بين المجتمع الإسلاميّ والماديّ في الغاية وأثره على طريقة التقنين

  • و بالجملة الاجتماعات المدنيّة توحِّدها الغاية الواحدة التي هي التمتّع من مزايا الحياة الدنيا و هي السعادة عندهم.

  • لكنّ الإسلام لمّا كان: 

  • ـ يرى أنّ الحياة الإنسانيّة أوسع مدارًا من الحياة الدنيا الماديّة بل في مدار حياتِه الحياةَ الأخرويّةَ التي هي الحياة؛

  • ـ و يرى أنّ هذه الحياة لا تنفع فيها إلا المعارف الإلهيّة التي تنحلّ بجملتها إلى التوحيد؛

  • ـ و يرى أنّ هذه المعارف لا تنحفظ إلا بمكارم الأخلاق و طهارة النفس من كلّ رذيلة؛

  • ـ و يرى أنّ هذه الأخلاق لا تتمّ و لا تكمل إلا بحياة اجتماعيّة صالحة معتمدة على عبادة الله سبحانه والخضوع لما تقتضيه ربوبيّته، و معاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي؛

  • أخذ ـ أعني الإسلام ـ الغاية التي يتكوّن عليها المجتمع البشريّ و يتوحّدُ بها، دينَ التوحيد، ثمّ وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد، و لم يكتف فيه بتعديل۱ الإرادات و الأفعال فقط بل تمّمه بالعباديّات، و أضاف إليها المعارف الحقّة و الأخلاق الفاضلة. 

  • ثمّ جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلاميّة أوّلاً، ثمّ في عهدة المجتمع ثانيًا، و ذلك بالتربية الصالحة علمًا و عملاً و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

  • سريان روح التوحيد في الأخلاق وروح الأخلاق في الأعمال المطلوبة في الإسلام 

  • و من أهمّ ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطًا يؤدّي إلى الوحدة التامّة بينها، بمعنى أنّ روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، و روح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلف بها أفراد المجتمع، فالجميع من أجزاء الدين الإسلامي ترجع بالتحليل إلى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق و الأعمال، فلو نزل لكان هي و لو صعدت لكانت هو، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.٢ 

  • اعتراض: لا فرق بين القانون الوضعيّ والإسلامي من حيث تعرّضهما لعصيان أتباعهما

  • فإن قلت: ما أورد من النقض على القوانين المدنيّة فيما إذا عصت القوّة المجرية عن إجرائها أو فيما يخفى عليها من الخلاف مثلاً وارد بعينه على الإسلام، و أوضح الدليل عليه ما نشاهده من ضعف الدين وزوال سيطرته على المجتمع الإسلامي، و ليس إلا لفقدانه من يحمل نواميسه على الناس يومًا! 

    1. في الأصل: على تعديل. (م)
    2. سورة فاطر، مقطع من الآية ۱۰. 

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

5
  • جواب: تطبيق القانون منوط بإرادة المجتمع والإسلام لو التزم به فيه ضمان قويّ لهذه الإرادة

  • قلت: حقيقة القوانين العامة سواء كانت إلهيّة أو بشرية ليست إلا صورًا ذهنيّة في أذهان الناس، و علومًا تحفظها الصدور، و إنّما ترد مورد العمل و تقع موقع الحسّ بالإرادات الإنسانيّة تتعلّق بها، فمن الواضح أن لو عصت الإرادات لم يوجد في الخارج ما تنطبق عليه القوانين، و إنّما الشأن فيما يحفظ به تعلّق هذه الإرادات بالوقوع حتّى تقوم القوانين على ساقها. 

  • و القوانين المدنيّة لا تهتمّ بأزيد من تعليق الأفعال بالإرادات أعني إرادة الأكثريّة، ثمّ لم يهتمّوا بما يحفظ هذه الإرادة، فمهما كانت الإرادة حيّة شاعرة فاعلة جرى بها القانون، و إذا ماتت من جهة انحطاط يعرض لنفوس الناس، و هرم يطرأ على بنية المجتمع، أو كانت حيّة لكنّها فقدت صفة الشعور و الإدراك لانغمار المجتمع في الملاهي و توسّعه في الإتّراف والتمتّع، أو كانت حيّة شاعرة لكنّها فقدت التأثير لظهور قوّة مستبدّة فائقة غالبة تقهرُ إرادتُها إرادةَ الأكثريّة. و كذا في الحوادث التي لا سبيل للقوّة المجرية على الوقوف عليها كالجنايات السريّة، أو لا سبيل لها إلى بسط سيطرتها عليها كالحوادث الخارجة عن منطقة نفوذها، ففي جميع هذه الموارد لا تنال الأمّة أمنيتها من جريان القانون و انحفاظ المجتمع عن التفاسد و التلاشي، و عمدة الانشعابات الواقعة في الأمم الأوربيّة بعد الحرب العالميّة الكبرى الأولى والثانية من أحسن الأمثلة في هذا الباب.

  • و ليس ذلك ـ أعني انتقاض القوانين و تفاسد المجتمع و تلاشيه ـ إلا لأنّ المجتمع لم يهتمّ بالسبب الحافظ لإرادات الأمّة على قوّتها و سيطرتها، و هي الأخلاق العالية؛ إذ لا تستمدّ الإرادة في بقائها واستدامة حياتها إلا من الخلُق المناسب لها كما بيّن ذلك في علم النفس، فلولا استقرار السنّة القائمة في المجتمع، و اعتماد القانون الجاري فيه على أساس قويم من الأخلاق العالية، كان كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.۱

  • و اعتبر في ذلك ظهور الشيوعيّة، فليست إلا من مواليد الديمقراطيّة، أنتجها إتّراف طبقة من طبقات المجتمع و حرمان آخرين، فكان بعدًا شاسعًا بين نقطتي القساوة و فقد النصفة، و السخط و تراكم الغيظ و الحنق. و كذا في الحرب العالميّة التي وقعت مرّة بعد مرّة و هي تهدّد الإنسانيّة ثالثة و قد أفسدت الأرض و أهلكت الحرث و النسل، و لا عامل لها إلا غريزة الاستكبار و الشره و الطمع، هذا. 

    1. اقتباس من الآية ٢٦ من سورة إبراهيم.

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

6
  • و لكنّ الإسلام بنى سنّته الجارية و قوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق، و بالغ في تربية الناس عليها لكون القوانين الجارية في الأعمال في ضمانها و على عهدتها، فهي مع الإنسان في سرّه و علانيته، و خلوته و جلوته، تؤدّي وظيفتها و تعمل عملها أحسن ممّا يؤدّيه شرطيّ مراقب أو أيّ قوة تبذل عنايتها في حفظ النظم. 

  • نعم تعتني المعارف العموميّة في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة، و تبذل جهدها في حضّ الناس و ترغيبهم إليها، لكن لا ينفعهم ذلك شيئًا. 

  • أسباب عدم تأثير التربية على الأخلاق في المجتمعات الماديّة

  • أمّا أولاً: فلأنّ المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ليس إلا الإسراف و الإفراط في التمتّع الماديّ و الحرمان البالغ فيه، و قد أعطت القوانين للناس الحريّة التامّة فيه، فأمتعت بعضًا و حرمت آخرين، فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق و الترغيب عليها إلا دعوة إلى المتناقضين أو طلبًا للجمع بين الضدّين؟! 

  • على أنّ هؤلاء كما عرفت۱ يفكّرون تفكّرًا اجتماعيًّا، و لا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة و دحض حقوقهم، و التمتّع بما في أيديهم، و استرقاق نفوسهم، و التوسّع في التحكّم عليهم ما قدروا، و الدعوة إلى الصلاح و التقوى مع هذه الخصّيصة ليست إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة. 

  • و أما ثانيًا: فلأنّ الأخلاق الفاضلة أيضًا تحتاج في ثباتها و استقرارها إلى ضامن يضمن حفظها و كلاءتها، و ليس إلا التوحيد، أعني القول بأنّ للعالم إلهًا واحدًا ذا أسماء حسنى، خلق الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم، و هو يحبّ الخير و الصلاح، و يبغض الشرّ و الفساد، و سيجمع الجميع لفصل القضاء و توفية الجزاء، فيجازي المحسن بإحسانه و المسي‌ء بإساءته. و من الواضح أن لولا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتباع الهوى و الكفّ عن حظوظ النفس الطبيعيّة، فإنّما الطبيعة الإنسانيّة تريد وتشتهي مشتهيات نفسها لا ما ينتفع به غيرها ـ كطبيعة الفرد الآخر ـ إلا إذا رجع بنحو إلى مشتهى نفسها (أحسن التأمّل فيه). 

  • ففيما كان للإنسان مثلاً تمتّع في إماتة حقّ من حقوق الغير و لا رادع يردعه و لا مجازي يجازيه و لا لائم معاتبٌ يلومه و يعاتبه، فأيّ مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة و ارتكاب المظلمة و إن عظمت ما عظمت؟! و أمّا ما يتوّهم ـ و كثيرًا ما يخطئ فيه الباحث ـ من الروادع المختلفة كالتعلّق بالوطن و حبّ النوع والثناء الجميل و نحو ذلك فإنّما هي عواطف قلبيّة و نزوعات باطنيّة لا سبب حافظًا عليها إلا التعليم و التربية من غير استنادها إلى السبب الموجب، فهي إذن أوصاف اتفاقيّة و أمور عاديّة لا مانع معها يمنع من زوالها، فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتّع بالعيش بعده و هو يرى أنّ الموت فناء وبطلان؟! و الثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين و لا لذّة يلتذّ به الفادي بعد بطلان ذاته.٢

    1.  الميزان ج٤ ص ۱۰٥. والبحث المنتتخب تحت عنوان: هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع؟ (٢).  
    2. راجع حول هذه الفكرة أيضًا الميزان ج۱ ص ٤٢۱ ـ ٤٢٤، والبحثين المنتخبين تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة، وتحت عنوان: الوطن مفهومه والواجب نحوه (م)

ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟ - فلسفة التشريع الإلهيّ

7
  • و بالجملة لا يرتاب المتفكّر البصير في أنّ الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء و لا يعود إليه منه نفع، و الذي يعده و يمنّيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن و الثناء الجميل الخالد و الفخر الباقي ببقاء الدهر فإنّما هو غرور يغترّ به و خدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته و عواطفه، فيخيّل إليه أنّه بعد موته و بطلان ذاته حاله كحاله قبل موته، فيشعر بذكره الجميل فيلتذّ به، و ليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخّر بهيجان إحساساته فيعفو و يبذل من نفسه و عرضه و ماله أو كلّ كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا و عقل، و هو سكران لا يعقل و يعدّ ذلك فتوّة و هو سفه و جنون. 

  • فهذه العثرات و أمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصّن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه، و لذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءًا من طريقته الجارية، على أساس التوحيد الذي من شؤونه القول بالمعاد، و لازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان و يجتنّب الإساءة أينما كان و متى ما كان سواء عُلم به أو لم يُعلم، و سواء حمِدَه حامد أو لم يحمِد، و سواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن؛ فإنّ معه الله العليم الحفيظ القائم على كلّ نفس بما كسبت، و وراءه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرًا و ما عملت من سوء، و فيه تجزى كل نفس بما كسبت.۱

    1. تفسير الميزان ج٤ ، ص ۱۰۸ ـ ۱۱٢.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.