المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1414
التاريخ 1414/09/07
التوضيح
ما هو معنى المكر الإلهيّ الوارد في الدعاء والقرآن؟ وكيف يختلف عن مكر البشر؟ ولماذا يُعدّ التفكير في الالتفاف على أوامر أولياء الله هو الوقوع في المكر الإلهيّ نفسه؟ وما هو سرّ عظمة أويس القرنيّ الذي لم يرَ النبيّ في حياته؟ في هذه المحاضرة من شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، يضع آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره أُسسًا مهّمة في الأدب السلوكيّ، موضّحًا حقيقة المكر الإلهيّ من خلال قصص وتجارب شخصيّة عميقة.
هوالعلیم
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
قصة أويس القرنيّ: لماذا منعه الله تعالى من رؤية النبيّ؟
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٤ هـ ـ الجلسة الأولى
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
والصّلاةُ والسّلامُ علىٰ أشرفِ المُرسَلينَ
وخاتمِ النّبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ
وعلىٰ آلِهِ الطّيِّبينَ الطّاهرينَ
واللعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعين
لماذا تبقى كلمات الأولياء حيّة على مرّ الزمان؟
«إِلَهِي لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ».۱
إنّ كلمات الأئمة عليهم السلام هذه حيّة دائمًا، وتُواكب الإنسانَ في كلّ مرحلة من مراحل حياته. لهذا، فهي لا تنفد أبدًا، ولا تبعث على الملل. وعمومًا، كلّ من يتّصل بالحقيقة ونفس الأمر، يكون كلامه كذلك. بحيث كلّما أطالع كتب الوالد العلاّمة، أرى هذا الأمر جليًّا في المواضع التي يُبدي فيها رأيه الخاصّ في مسألة ما، لا في المنقولات؛ لأنّ المنقولات تختلف. أي كلّما أنظر، أجد أنّ فكرة جديدة تُطرح أمامي. وأتذكّر، أنّني كنت أتحدّث معه ذات يوم عن المثنويّ، فقلت له: سيّدي، كلّما أقرأ المثنوي، تتبادر إلى ذهني أفكار جديدة!
وأتذكّر أنّني كنت قد أخذت معي المثنويّ إلى مستشفى القلب، لأقرأه عندما يكون نائمًا، فسألني: «ما ذلك الكتاب هناك؟»، قلت: «المثنوي». فقال: «أحسنت بإحضاره! كنت أريد أن أقول لك أن تقرأ قليلاً من المثنويّ في هذا المستشفى!»، ثمّ قال: «ابدأ بالقراءة من أوّله!».
وهكذا قرأت فصلاً كاملاً منه؛ فكان يُصحّح لي أخطائي، قائلاً: «اقرأ هنا هكذا، مُدّ الصوت، وهنا اقرأ بسرعة...»، وكان يُبيّن لي جميع أخطائي الصوتيّة وغير الصوتية. وأحيانًا، كان يطرح بيتًا من الشعر ويستمع إلى ترهّاتي أوّلاً، ثمّ يبدأ هو بالتفسير ويبيّن أمورًا. وفجأة، تجده قد استغرق في تلك الفكرة لمدّة ساعة، حيث أحتفظ بكتاباتي عن ذلك. ولم يكن هناك وقت محدّد لذلك؛ ففجأة في الساعة العاشرة يقول: «اقرأ يا سيّد محمد محسن!»، أو قبل الأذان بساعتين، وخلاصة القول عند شروق الشمس. ففي الصباح، كان يقرأ القرآن، وكانت لنا حصّة يوميّة من إحدى السور القرآنيّة.
وفي إحدى الليالي، حوالي الساعة العاشرة ليلاً، جاء الدكتور خوارزميّ ـ الذي كان رئيس المستشفى آنذاك ـ إلى الباب، فوجدنا نقرأ شعرًا، فوقف هناك ولم يدخل حتى النهاية ثمّ انصرف، وقال لاحقًا: «أيّها السيّد الطهرانيّ، يبدو أنّك مستمتع بوقتك مع السيّد العلاّمة!». قلت: «حسنًا، لماذا لم تدخل؟». قال: «لو دخلت، لتعكّر الجوّ». قلت: «لا يا سيّدي، كنّا سنواصل!»، لكنّ المسكين لم يأت بعد ذلك.
مقارنة بين مجالس الذكر ومجالس الغفلة
وهكذا هي روايات الأئمّة وكلماتهم. إنّ أفكارنا هي أفكار نابعة من ضُعفنا وجهلنا، أمّا أفكار الأئمّة فهي عين الحقيقة والواقع. وتأكيد الوالد العلاّمة على قراءة القرآن في هذه المجالس، ليس لأنّ ذلك عبارة عن أمر صوريّ أو قانون من قوانين الجلسة أو مجرّد إجراء روتيني...، بل لأنّه يدلّ على حقيقة وواقع. ويُمكننا القول جادّين إنّنا لا نعلم بهذه المسائل الواقعيّة ولا نقدّرها حقّ قدرها!
خلاصة القول، انظروا في أيّ أمور يعيش الناس! ذهبنا ليلة إلى مكان ما، فقالوا: «لقد دُعي فلانٌ.. رئيس مرشدي كذا وكذا إلى مدينة كذا، وأقيم هناك مجلس»؛ وبالصدفة، صوّروا فيلمًا لذلك المجلس وقالوا لي: «هل نأتي به لنشاهده؟». قلت: أحضروه! فأحضروه وشاهدناه. كان عبارة عن مجلس وضيافة، وسماحة السيّد الدرويش فلان يجلس هناك بعمامته وقبّعته العجيبة الغريبة وضفائره ولحيته الكذائيّة، وقيل في ذلك المجلس كلّ الترّهات التي يُمكنكم تخيّلها! وذلك الأخرق لم يكن يفهم شيئًا بتاتًا! في البداية، كان الجميع يأتون ويُنشدون! فكان هناك كلّ حالق لحية يتزحلق الذباب على وجهه، وقد فتَل شاربه وحلق لحيته حتى أصبحت تلمع! لا أدري هل وضع عليها مادّة البارافين أم عطرًا، أم ماذا وضع، حتّى أنّ ضوء المصباح كان ينعكس على وجهه حقًّا! ثمّ كان يُنشد: ها ها ها! وذلك الدرويش كان يستمتع بذلك أيّما استمتاع! وهو نفسه كان يبدأ أحيانًا [بالإنشاد]، ثمّ ينشد أحدهم من الشرق، والآخر من الغرب. أحدهم يُنشد شعرًا للشيخ البهائيّ، والآخر ينشد عن عليّ، وآخر عن فؤاد الكرمانيّ والإمام الحسين! كان مجلسًا فوضويًّا ومثل سوق موسميّ! ثمّ بدأوا بالضرب على الدفّ والنفخ في الناي و.... خلاصة القول، بدؤوا بترديد شعر: "غمّ عشقك بيابون پرورم كرد!" (أي: جعلني حبّك أهيم في الصحاري!). والدرويش نفسه كان يُنشد وهم يضربون على الناي و ...!
قلت: حقًّا إنّنا لا نقدّر النعمة! وأولئك المساكين الذين كانوا هناك، كان واضحًا أنّهم قضوا كلّ وقتهم في البطالة و.... وحقًّا، إنّ ما يسمّونه «بِركة السِّباع» كان هو محلّهم هذا!
إنّ مجرّد حضور القرآن في الجلسة مفيد للإنسان.
هل السلوك بالكلام أم بالصمت؟
هناك مسألة كنت قد سمعتها من البعض، وكنت أفكّر فيها كثيرًا منذ القدم؛ وعندما وصلت إلى خدمة المرحوم السيّد الحدّاد، حُلّت القضية بالنسبة لي. وتلك المسألة هي: هل السلوك بالكلام أم بالصمت؟ هل نفهم أمرًا ما بالكلام، أم بالهدوء والاطمئنان والانغماس في الذات وإيجاد ما نبحث عنه من داخل أنفسنا؟ نحن نريد أن يكون في جلساتنا حديث، وأن يُقال شيء، وتُطرح مسألة. وطبعًا هذه الأمور جيّدة إلى حدّ ما ولها جانب إرشاديّ؛ ولكن، إذا اكتفى الإنسان بالحديث، فإنّه سيبقى في حدود هذا الحديث، والحديث لا ينتهي! أمّا إذا لم يُرد الإنسان أن يبني طريقه ومنهجه على الكلام، بل على السماع، فإنّه يكفيه أن يُقال له القليل.. هؤلاء هم الأفراد الذين يستفيدون!
كنّا في مكان ما، وكان المرحوم السيّد الحدّاد يقول: فلان يأتي ويسألني باستمرار: سيّدي، ماذا سيحدث لهذا؟ سيّدي، ماذا سيحدث لذاك؟ ثمّ بعد غد يأتي مرّة أخرى ويسأل باستمرار: ماذا سيحدث لهذا، وماذا سيحدث لذاك؟ ولكنّ فلانًا يأتي ولا يفتح فمه، بل يجلس في تلك الزاوية ولا يصدر منه صوت، يأخذ نصيبه ويذهب!
لماذا لا يوصلنا الكلام إلى الحقيقة؟
لا يتّضح الأمر لأحدٍ بالكلام، بل بالفكر والصمت والتأمّل تتّضح القضية للإنسان وتُحلّ. إنّ أحاديثي وأحاديث أمثالي هي أحاديث في حدود فهمنا. فلي فهمٌ لمسألة ما، وللسيّد حسن فهم، وللسيّد حسين فهم مختلف. ولكن أيّها هو الصحيح؟ هذا غير معلوم. فالذي يستطيع أن يُشرف على هذه القضيّة ويخبر عنها، هو من كان محيطًا بها. كلّ واحد منّا يخطّئ رأي الآخر، ونحن دائمًا في مقام الإثبات، ولسنا أبدًا في مقام الثبوت. ولكنّ القرآن والكلام الذي هو كلام الله أو كلام الإمام عليه السلام، هو كلام حتميّ.
حكمة اختيار الأدعية في الجلسات السلوكيّة
إنّ قراءة صفحة أو صفحتين من دعاء أبي حمزة لا تعني التعبّد والطاعة العمياء، بل هي مسألة يجب على الإنسان أن يغور في معانيها ويغوص فيها. فلا ينبغي أن نفهم أنّ هذه الجلسات هي مجرّد تجمّع للحديث وطرح الأفكار، وهذا كلّ شيء! بل حقيقة المسألة هي أنّ هذه الأمور التي يأمرون بتطبيقها في الجلسات، كلّها محسوبة!
قال أحد الرفقاء:
بدلاً من دعاء السِمات، لنقرأ زيارة عاشوراء أو دعاء كميل وأمثال ذلك، ما المشكلة في هذا؟!
وهذا بالضبط مثل كلام ذلك الشخص الذي قال للوالد العلاّمة: سيّدي، لماذا لا نذهب إلى مجالس السيّد... ـ رحمه الله، كان يقرأ دعاء الندبة ـ؟! لماذا لا نذهب إلى دعاء الندبة عند الشيخ... وهو مؤثّر جدًا والناس يبكون كثيرًا عنده؟!
لماذا لا ينبغي استخدام الأولياء لقضاء الحوائج الدنيويّة؟
ففي نهاية الأمر، فإنّ دعاء كميل الذي يريدون فيه استدعاء إمام الزمان لشفاء ألم البطن، هو هكذا! يا أهل المرضى تعالوا، يا أصحاب الحوائج تعالوا! هل خُلق إمام الزمان لقضاء الحوائج؟! هل خُلق إمام الزمان لشفاء ألم الأرجل؟! قد يأتي إمام الزمان ويكسر ساق أحدهم، فما المشكلة في ذلك؟!
ما هذا الخطأ الذي نرتكبه؟! لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا: أنّه إذا جاء السيّد إلى منزلنا وكان طفلنا مريضًا، شُفي؟! قد يأتي السيّد ويموت طفلنا! ما هذا الخطأ الذي لدينا، بحيث نعتقد أنّه إذا تلطّف السيّد العلاّمة أو العظماء بعناية، قُضي دين الإنسان؟! لماذا يجب أن نتخيّل أنّ المقصود بالبركة التي يجلبها العظماء إلى المنزل هو أن يعيش الإنسان بسببها حياة سعيدة ومرفّهة وبصحّة جيدة؟! لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟!
دخل النبيّ صلّى الله عليه وآله منزل أحد الأنصار؛ وبمجرّد دخوله، سقط طفله في البئر، ومات، وانتهى الأمر! فهل هذ أيضًا من بركة أقدام النبيّ؟! وعندما ذهب النبيّ إلى هناك، لم تفعل هذه المرأة شيئًا، ولم تُظهر أيّ تأثّر على الإطلاق، لا شيء! ثمّ قامت وذهبت إلى منزلها وأكلت عشاءها وغداءها وشبعت! وعندما جاء زوجها، قالت: القصّة كذا وكذا! لم تصدر صوتًا بتاتًا؛ لأنّ النبيّ كان هناك! انظروا أيّ نساء كنّ، حتى أنّ المرء ليتعجّب! امرأة عجيبة لم تُشعر النبيّ بشيء أبدًا! فقال النبيّ جملة معناها: إنّي لأفخر بأمثال هؤلاء النساء على الأمم السابقة!۱
والآن، عندما يأتي النبيّ إلى المنزل، هل يجب حتمًا أن يُشفى المريض؟! لماذا؟! من قال إنّه عندما يدخل النبيّ منزلاً يجب أن تُثمر شجرتُه اليابسة وتخضرّ؟! كلاّ، بل قد تجفّ شجرته الخضراء!
قصة أصحاب السيّد الحدّاد وطلبهم للدنيا
كان رفقاء الشيخ الأنصاريّ والسيّد الحدّاد مبتلين بهذا الإشكال، وكانوا يظنّون أنّ الأستاذ هو من يجلب لهم الرفاه الدنيويّ! فكان فلانٌ يأتي إلى السيّد الحدّاد ويقول: «سيّدي، صدّام يريد أن يأخذ منّا ضرائب، افعل شيئًا!»؛ وكان السيّد الحدّاد مثلاً يُعطيه دعاءً ليُعلّقه في دكّانه! فكان المأمور يأتي وينظر، ولا يرى البضاعة، فينهض ويذهب في سبيله، ولا يأخذ ضريبة! ولكن، هل هذا صحيح؟ ليس صحيحًا! كان أحدهم يأتي إلى الوالد العلاّمة ويقول: «سيّدي، إنّ أقمشتنا الصوفيّة سيفوت أوان بيعها في الصيف، وقد خسرت من قيمتها خمسة ريالات لكلّ تومان.. إنّهم لا يشترونها، ادعُ الله أن يشتروها!». حسنًا، ماذا عساهم أن يقولوا؟! وهل بيعها الآن في مصلحتك؟! هل هذا جيّد؟! وكان أحدهم يأتي إلى السيّد الحدّاد ويقول: «سيدي، طفلي أصابه عيب كذا، وواجهته مشكلة كذا، ادعُ الله أن تُحلّ!»، فكان يدعو؛ وبالفعل، كانت تُحلّ! حسنًا، إنّهم يُسايروننا! أي: إنّهم يريدون أن يُبقونا معهم!
كان هناك شخص يُؤذي السيّد الحدّاد. وفي مجلسٍ كان قد حضره السيّد الحدّاد في طهران، قال كلامًا رفيع المستوى، فبدأ أحد هؤلاء الجهّال الذين كانوا يُلازمون العالم الفلانيّ بالاعتراض وقال: «ربّما هذا غير صحيح!»، فطأطأ السيّد الحدّاد رأسه وغضب، ثمّ رفع رأسه والتفت إلى الحاضرين وقال: «في النهاية، ماذا نفعل مع هؤلاء؟! لا هم يذهبون، ولا هم يأتون، ولا هم يتركوننا وشأننا!».
خلاصة القول، إنّهم يُسايروننا؛ وبكرمهم، يتغاضون ويتسامحون. ولكن في النهاية، يجب أن يكون لدينا حياء، وعقل، وأن نفكّر قليلاً! رحم الله المرحوم السيّد الحدّاد، كان يقول: ما ينفع في السلوك هو الفكر والعقل، وأن يزداد عقلكم ويُدرك الحقيقة.. هذا ما ينفع!
وكان يقول لي: لا تنظر إلى عمل الإنسان، بل انظر كم يفهم، وما هو مقدار فهمه السلوكيّ؛ هذا هو المهمّ!
لماذا لا نستطيع فهم أجوبة الأولياء على حقيقتها؟
لهذا، فإنّ الأفراد الذين يسعون إلى حلّ مشاكلهم بالسؤال والجواب، وطرح الإشكالات والمسائل، فليعلموا أنّهم لن يصلوا إلى هدفهم المنشود أبدًا! والسبب هو أنّ الجواب الذي يُعطيه الأستاذ ليس هو الجواب كما هو حقّه أبدًا، بل هو جواب يتناسب مع خيالنا وسعتنا! فلو أراد أن يعطي الجواب كما هو حقّه، لما استطاع أحد تحمّل ذلك الجواب، ونحن أيضًا لا نستطيع الخروج من نطاق الخيال. وبالتالي، فإنّ المسائل التي يُسأل عنها تتّخذ طابعًا جزئيًّا ومؤقّتًا؛ والجزئيّ لا يوصل إلى الكلّي أبدًا! بل سيقتصر على هذا الجزئيّ وهذه الحالة، وعلى ذلك الجزئي وتلك الحالة... ولهذا، فقد رأيت بنفسي وبأمّ عينيّ وسمعت بأذني أفرادًا على هذه الشاكلة، حيث كانوا يخطئون في أحكامهم على الوالد العلاّمة! من الصعب جدًّا أن يصل الإنسان من المسائل الجزئيّة إلى الكمالات الكلّية، إلاّ إذا مارس الصحبة مع وليّ الله لدرجة أنّه أتقن تفاصيل القضية، وإلاّ فلا يُمكنه ذلك.
وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن نسعى كثيرًا إلى أن يكون هناك حديث وتُطرح بعض المسائل. ما هو موجود هو أنّه قد يكون هناك أمرٌ، حسنًا، يُنفّذ هذا الأمر ويُقال الكلام، وأنا لا أمانع. القضيّة هي أنّ هذه المسائل التي أطرحها إنّما أطرحها لكي تتمكّن النفس المستعدّة ـ إن وُجدت ـ من قبولها. فنحن لم نُحقّق شيئًا؛ ومع ذلك، فلنكن على الأقلّ غير مانعين للخير.
أمّا هل المسألة مقتصرة علينا؟ كلاّ! حقًّا أطلب من الرفقاء أن يقرأوا هم أنفسهم فقرة من الدعاء ويُترجموها ويُفسّروها. وأنا أقول هذا بجدّ، ولا تظنّوا أنّي أمزح! لأنّ كلّ نفس لها فهمها الخاص. فالآن، على سبيل المثال، لو جاء أحد الرفقاء وفسّر «إلهي لا تؤدّبني بعقوبتك ولا تمكُر بي في حيلتك»، فأقسم بالله العليّ العظيم أنّي أنا السيّد محسن قد أستفيد من كلامه! وربّما تخطر بباله فكرة لم تخطر ببالي. هذا هو الواقع! فلماذا المجاملة؟! نريد أن نأتي ونخدع مَن باستمرار؟! لماذا نريد أن نفعل هذا؟!
حسنًا، هذا يقول فكرة، وذاك يقول فكرة أخرى، وذلك يقول فكرة مختلفة؛ وهكذا تختلف التفسيرات لدى الإنسان. فيكون الدعاء قد قُرئ، والفكرة قد قُسّمت، والجميع يستفيد.
هذه كمقدّمة، والآن لنرَ إن شاء الله ماذا سيكون في ذي المقدّمة!
ما هو معنى الأدب الحقيقيّ؟
يقول الإمام عليه السلام: «إلهي لا تُؤَدِّبني بعقوبتِكَ ولا تَمكُر بي في حيلَتِكَ»؛ أي: يا إلهي، لا تُؤدّبني بعقوبتك، ولا تمكُر بي ولا تحتال عليّ!
الأدب على قسمين. وبشكل عامّ، فإنّ الأدب يعني إخراج ذات مستعدّة بالقوّة إلى مرحلة الفعليّة، سواء كانت إنسانًا أم غير إنسان.. هذا هو معنى الأدب والتربية.
فالأدب في كلّ شيء يتناسب مع ذلك الشيء نفسه. عندما تُعطى قطعة خشب لِتَصنَعَ منها طاولة أو سريرًا، فإنّك تُؤدّب هذا الخشب؛ أي تنحت جوانبه وتُصلحها؛ وخلاصة القول، فإنّك تعدّه حتى يصبح جاهزًا للطاولة أو السرير. أو أنّك تُؤدّب شجرة؛ أي: عندما تكون الشجرة شتلة، تضع بجانبها عصا، وتربطها بها لتنمو بشكل مستقيم، حتّى تكتسب القوّة وتقف بنفسها.. هذا يسمّى أدبًا.۱ فتلك النفوس وتلك الذوات ـ سواء كانت إنسانًا أم غير إنسان ـ التي لها قابليّة الصيرورة والفعليّة، يُحوّل الإنسان استعدادها إلى فعليّة. ٢
المرتبة الأولى للتأديب
فيما يتعلّق بالإنسان أيضًا، فإنّ الله تعالى يُريد أن يُؤدّبه. يُؤدّبه، يعني أنّ شخصًا قد ارتكب ذنبًا وخطأً، ويجب أن يُخرج أثرَ ذلك الذنب وأثرَ ذلك الخطأ من نفسه؛ فماذا يفعل به؟! تارةً، يُوجّه له تذكيرٌ بأنّ ما فعلته كان خطأً. وكم هو جيّد أن يُوجّه الإنسان دائمًا تذكيره لشخص ما في مكان خالٍ، لا في مكان عامّ! فلأمير المؤمنين عليه السلام رواية تقول: «النُّصْحُ بَيْنَ الْمَلَإِ تَقْرِيعٌ»؛۱ أي إنّ النصيحة في العلن هي تجريحٌ للشخص! فإذا أراد الإنسان أن ينصح، فلا ينصح أمام أحد أبدًا، بل في الخلوة والخفاء أفضل! فتارةً، يكون الأمر هكذا، فيأتي ويُؤثّر ويكون فعّالاً؛ وتارةً أخرى، يأتي، ويُؤدّبه بقسوة. والآن، فيما يتعلّق بهذا التأديب والعقوبة وأمثال ذلك، ومتى تكون، أظنّ أنّنا تحدّثنا عن ذلك سابقًا!
معنى "المكر" وكيف يخدع البشر بعضهم بعضًا
قلت إنّي سأتحدّث الليلة عن عبارة «لا تَمكُر بي في حيلَتِكَ» وما هو المقصود بها؟ المكر، بشكل عامّ، هو صفة مذمومة. المكر: يعني الوسيلة التي يُحرّف بها الإنسانُ ذهنَ أحدٍ آخر، ويفرض عليه أمرًا غير مرغوب فيه. عندما يمكر شخصٌ بآخر، فإنّه يصوّر له الأمر بطريقة يرى بها سير العمل طبيعيًّا؛ ولكن، بما أنّ هذا الشخص الماكر والمكّار يعلم بما وراء الستار ويعرف نتيجة هذا السير، فإنّه يقول: «تعال واشترِ منّي!». مثلاً، يكون الشخص نفسه عضوًا في الحكومة، ويعلم أنّ الحكومة ستُصادق غدًا أو بعد غد على مشروع قانون ستنخفض بموجبه التعرفة الجمركيّة، فترخص أسعار السيّارات، فيبيع سيّارته بسرعة ويقول: «يا سيّدي، اشترِ منّي هذه السيارة، إنّها جيّدة جدًا لك! إنّ سعرها يرتفع!»؛ وذلك المسكين الغافل عن كلّ شيء يأتي، ويشتري هذه السيّارة؛ ثمّ فجأة في اليوم التالي، يرى أنّ سعر السيارة قد انخفض مليونًا! هذا يسمّى مكرًا.
قال لي أحد الرفقاء: في اليوم الذي أُعلن فيه عن وقف إطلاق النار، رأينا فجأة أنّ قضبان الحديد قد كثرت في سوق الحديد. جاءت شاحنات مليئة بالحديد، فكانوا يبيعون هذا الحديد بسعر أقلّ بتومان أو تومانين. قالوا: لقد امتلأت مخازننا ونريد أن نبيع! فاشترى الكثيرون. استخرتُ فجاءت الاستخارة سيّئة! أي خطر ببالي أمرٌ، وقلت: لا يمكن أن يحنّ قلبه على الناس ويبيع بسعر أقلّ، هذا مضحك! يا سيّدي، اشترى الناس! وفي الساعة الثانية بعد الظهر، أُعلن عن وقف إطلاق النار. وفجأةً، ذلك الحديد الذي اشتروه بسعر أرخص بتومانين، انخفض سعره عشرين تومانًا! فصار ـ مثلاً ـ لا يُساوي شيئًا على الإطلاق! لهذا، كانوا ينقلون المصابين بالجلطات إلى المستشفى تباعًا!
هذا ما يسمّى المكر؛ أي إنّه يعلم بما وراء الستار، والآخر لا يعلم؛ فيقلب القضيّة، ويخدع الطرف الآخر!
كيف نفهم "مكر الله" الوارد في القرآن؟
المكر بشكل عامّ صفة مذمومة، فكيف يمكن أن يكون الله أيضًا مكّارًا؟! يقول: «لا تَمكُر بي في حيلَتِكَ»؛ فلا معنى بتاتًا لأن يتّصف الله تعالى بصفة مذمومة! لدينا في الآية: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ۱في قصّة بني إسرائيل وموسى، عندما أمرهم الله بعدم الصيد يوم السبت، كانوا يضعون الشباك، فتدخلها الأسماك، فيصطادونها، حيث كانوا يحتالون: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. فالله أيضًا يمكر بهم ويقول: حسنًا، لا بأس، أنت تمكر بنا؛ نحن أيضًا نمكر بك! لنرَ من سيفوز؟! ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي أنّ يد الله هي العليا، والله دائمًا له اليد العليا! وعندما تكون لله اليد العليا، فمن سيفوز إذن؟! من الواضح أنّ الله هو الذي سيفوز!
المكر الإلهيّ نتيجة مباشرة لأفعالنا
والآن، ما معنى مكر الله؟ هل يعني أنّه تعالى يُباغت الإنسان؛ أي أنّنا نفعل شيئًا، فيأتي الله ويخدع الإنسان، من باب أنّه تعالى قهّار ومدير ومدبّر وفعّال لما يشاء؟! أم أنّ مكر الله هو عبارة عن عمل وفعل الإنسان نفسه!
يأمرنا السيّد العلاّمة: «عليكم أن تفعلوا كذا!». فتارةً، يكون الأمر الذي يُعطى لنا موافقًا لطبعنا وميلنا، فنبادر فورًا وننهض بالتأكيد للذهاب، وأنا هنا أتحدّث عن نفسي ولا شأن لي بأحد. ولكن تارةً أخرى، يكون الأمر الذي يُعطيه لنا السيّد العلاّمة غير موافق لطبعنا، فنبحث دائمًا عن مخرج منه! هذا هو المكر. لنفترض أنّه يأمرك بأن تفعل هذا العمل، مثلاً أن تذهب إلى فلان، وتأخذ هذا الكتاب وتُعطيه إيّاه! وأنت في خصام مع ذلك الشخص وبينكما كراهية ونفور، فتُعطي الكتاب لصديقك ليأخذه وتقول: «المهمّ هو إيصال الكتاب!».. هذا هو المكر.
ذات مرّة، قبل بضع سنوات، أعطاني الوالد العلاّمة طردًا أو رسالة وقال: «اذهب وأعطِ هذا لفلان وقل له أن يعطيه لأمّه!»؛ فذهبت وأعطيته إيّاه وقلت له: «أعطِ هذا لأمّك!». فكّر ذلك الشخص قليلاً، وبما أنّنا كنّا أقارب وذوي رحم، قال: «لا، يجب أن تأخذه أنت بنفسك وتعطيه إيّاها!». في النهاية، لم تكن علاقته بأمّه جيّدة جدًّا! ذهبت إلى مشهد، فقال الوالد العلاّمة: «هل أعطيته لذلك الشخص؟!». قلت: أعطيته له، لكنّه فعل كذا.
عندما يقول لي السيّد: «اذهب وتصالح مع فلان الذي بينك وبينه مشكلة!»، لكنّي لا أريد أن أتنازل عن موقفي، ولا أريد أن أعترف للطرف الآخر بأنّني أخطأت! لأنّني سأقول حينئذ بأنّني أنا هو فلان، وأنا لا أريد أن أقول ذلك؛ ولهذا، فإنّني أنهض، وأذهب إلى باب ذلك الشخص، وأقول له: «سمعت أنّ فلانًا هنا، وقد جئت لكي أراه»؛ والحال أنّه لا شيء من ذلك بتاتًا! فمعنى هذا أنّه: لا تظنّ أنّني جئت من أجلك، لقد جئت لأرى فلانًا! فيكون ذهابي إلى هناك فقط لكي أثبت أنّني تحدّثت مع ذلك الشخص؛ هذا هو المكر! في حين أنّه يجب أن تنهض وتذهب وتقول: «السلام عليكم! كيف حالك؟! يا سيّدي، لقد أخطأت!». ولكن، لأنّني لا أريد أن أتنازل عن موقفي، يبدأ فكري بالعمل. طبعًا، ليس فكرًا، بل هو وهم وخيال وشيطان! يبدأ هذا الفكر بالعمل لألتفّ من هنا وهناك، وأواجهه بهذه الطريقة كيلا أتنازل عن موقفي! لأنّني إذا فعلت ذلك الأمر، سيذهب، ويقول لرفقائي: «أرأيتم، لقد جاء فلان وفعل كذا!». لهذا، أبدأ بتدبير هذه الأمور باستمرار، وأنسج وأنسج. نعم، لقد توصّلت إلى نتيجة! إذن، سأذهب وأطرح الأمر بهذه الطريقة! لكنّه يذهب ولا يحصل على نتيجة. ثمّ يأتي ويقول: «نعم، يا سيدي، لقد ذهبت وفعلت هذا الأمر وتمّ كلّ شيء!».
قصّة شخصيّة: كيف كشف الله للسالك حقيقة أمره؟
لماذا نذهب بعيدًا، لنتحدّث عن أنفسنا، لقد حدثت لي قضيّة شخصيًّا، حيث قلت للرفقاء ذات مرّة: إنّ الوالد العلاّمة أمرني بأمر، وقصّرت في تنفيذه. كانت المسألة تتعلّق بأخذ سيّدة من الأقارب إلى الطبيب، وكانت قضيّتها واضحة جدًّا. وبعد أن علم بالأمر، انتابه الأسف لأجلي! بعض الأفراد الذين كانوا هناك لم يُعجبهم تأسّف السيّد العلاّمة كثيرًا، لكنّني تأثّرت جدًا بسبب تأسّفه هذا؛ وخلاصة القول، أنّني قصّرت هنا!
مرّ على هذه القضيّة حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر، فقلت: لأعمل على التعويض عن ذلك لاحقًا. كنت جالسًا في مكان ما يومًا، ولم يكن ذهني في هذه القضيّة بتاتًا، بل في مكان آخر؛ وفجأة، خطرت قضيّة ببالي هكذا، واتّضحت لي مسألة؛ وهي أنّه: كانت هناك مشكلة في نفسي، ولم تكن هذه المشكلة لتُحلّ إلاّ بتنفيذ ذلك الأمر. وبما أنّي لم أنفّذه، فما زالت تلك المشكلة باقية. إنّها واضحة لي كالمصباح، وإذا أريد لها أن تُحلّ، فيجب أن تحدث قضيّة أخرى مماثلة؛ في حين أنّه لم تكن هناك أيّة علاقة لهذه القضية بالأمر أبدًا!
لقد قلت هذا مائة مرّة، وألف مرّة، حتى كَلّ لساني، وهو: لا يمكننا أن نُخضع أعمال أولياء الله لمقاييسنا! أقسم بوحدانيّة الله، لو أنّي فكّرت حتى يوم القيامة، لما وجدت العلاقة بين هاتين المسألتين أبدًا! حتى السيّد سروش لم يكن ليجدها مع تلك السعة التي يدّعيها! لا يخطر بالبال بتاتًا أنّ هناك علاقة بين هاتين المسألتين، أبدًا! الحقّ أنّ المرء لا يستطيع!
لا تحاول خداع الوليّ!
هذا ما يُسمّى بالمكر! أي: عندما يأمر السيّد العلاّمة: «يا سيّد فلان، اذهب وافعل هذا الأمر!»، لماذا تبحث عن حيلة؟! لماذا تحتال؟! السيّد نفسه هو نهاية كلّ شيء، وسترى في الأخير أنّه نهاية كلّ شيء! أحيانًا، آتي لأخبر السيّد العلاّمة بقضيّة، وقبل أن أقولها، أرى: يا ويلي، لقد باغتني! وقبل أن أفتح فمي، يقول لي بتلك النظرة: اذهب، أنت هو الجاهل! لقد قرأت حتّى النهاية ما تريد أن تقول! أي إنّني باغتتك قبل أن تُفكّر أنت بالهجوم! يا مسكين، لقد بُوغتَّ، فلا داعي لأن تكمل الباقي! هكذا هو الأمر! لقد أتينا إلى مكان صعب؛ أي أنّنا أتينا إلى مكان جيّد، لكنّه مكان صلب، فلا يُمكن أن تفعل حياله أيّ شيء؛ لأنّ الحجر حجر صلب!
كيف كان العلامة الطهرانيّ مرآة صافية أمام أساتذته؟
ما أتذكّره من سلوك وتصرّفات الوالد العلاّمة تجاه كبار أساتذته ـ وأشهد الله تعالى أنّي مع كوني طفلاً، وحتّى عندما كبرت، بل حتّى الآن، وأنا أقارن وأضع المسائل في الاعتبار ـ أنّه كان أمام هؤلاء الأساتذة كالمرآة تمامًا! أي: عندما كان يتحدّث مع أستاذه، لم يكن باطنه يختلف عن ظاهره بمقدار رأس إبرة، بل كان كالمرآة تمامًا! كيف هي المرآة؟ المرآة بلا تموّج، تُظهر ما يقال لها. أي إنّ ما كان يدور في قلبه هو نفسه ما كان يخرج على لسانه، ولم تكن تخطر بباله فكرة: كيف أتحدّث؟ وكيف وبأيّ شكل أطرح المسألة؟ لكنّنا نجد البعض يقولون: إنّ الذهاب في هذا السفر ليس جيّدًا، فلنذهب إلى السيّد ونطرح القضيّة بشكل ملتوٍ، لعلّه يقول لنا اذهبوا إلى مكّة! أيّة قيمة لمكّة التي يُطاف فيها حول الحجر بدون ولاية السيّد؟!
قصة أويس القرنيّ: السير الباطنيّ بلا لقاء ظاهريّ
إنّ أويسًا لم يرَ النبيّ صلّى الله عليه وآله ولو مرّة واحدة في حياته كلّها؛۱ أي إنّ لأويس شأنًا خاصًّا بين العرفاء، وحسابًا منفصلاً! كان أويس قويًّا جدًّا!٢ كان أويس هو نفسه الذي تحدّثنا عنه الآن؛ أي لم يكن يبحث عن الكلام، بل كان مستغرقًا في نفسه. لم يكن يبحث عن الظاهر ليسمع ويرى ويلمس؛ كلاّ، بل كان يغوص في نفسه؛ فسواءً رأيتُ النبيّ، أم لم أره.. اذهب يا سيّدي، لا أريد أن أراه أبدًا! والأويسيّون معروفون! لهذا، فإنّ الأويسيّ يعني عند العرفاء الذي يكون منهجه منهجًا أويسيًّا، وباطنه باطنًا أويسيًّا. أولئك شيء آخر، ويختلفون عن البقيّة وعن الأفراد الآخرين؛ فهو لم يرَ النبيّ بتاتًا!
حسنًا، من جهة أخرى، هناك النفس والشوق، وهو لم يصل بعدُ إلى الكمال، وهذا المؤشّر لم يتحرّك من مكانه. وبعدَ آمالٍ كثيرة، يقول: «سأنهض وأذهب!». ولكن، من جهة أخرى، هو مبتلى! والعجيب هنا أنّ كلّ بلاء أويس هو أمّه، التي يضعها الله تعالى فوق رأسه! لو كانت أمّه تسمح له، لاستقرّ في المدينة أصلاً! فهو لم يكن يملك سوى جملين وجلد. كان سينهض ويأتي إلى المدينة!
يقول الشاعر:
| آسوده خودم كه خر ندارم | *** | از كاه و جوَش خبر ندارم٣ |
| رند عالم سوز را با مصلحتبینی چه كار | *** | كار مُلک است آن كه تدبیر و تأمّل بایدش٤ |
يقول:
أنا مرتاح البال فليس لديّ حمار *** ولا علم لي بتِبنه وشعيره
ما للفَطِن (الذي يحرق العالم) بالتفكير في المصلحة *** فذلك شأن المُلك الذي يحتاج إلى تدبير وتأمّل!
أي: إنّ الله يضع شخصًا فوق رأسه ويقول له: «انتبه، أمسكه وأبقه ولا تدعه يذهب ليرى النبيّ!». فكلّما جاء إلى أمّه، كانت تقول: «لا!». دعيني أذهب لأرى النبيّ! تقول: «لا!». لقد ضاق صدري! «لا!». لقد متّ من الفراق! «لا، لا، لا، لا!». فكلّما جاء إلى هذه الأمّ ليذهب مرّة واحدة ويراه، لم يكن ذلك ممكنًا! مَن الذي يُلقي هذا في رأس هذه الأمّ؟! هو نفسه الذي أبقاه، وهو نفسه يقول: «لا!». حينئذ، لو كان [أويس] يمكر ويقول: «إنّ تجارتي وأغنامي في المدينة ستضيع، والآن سيأتي سيل و ...»، فيحتال على أمّه ليأتي ويرى النبيّ، فترضى هذه الأمّ، ويرى النبيّ، فما الذي كان سيحدث؟!
كان أحد رفقاء الوالد العلاّمة يُحبّ السيّد الحدّاد كثيرًا، لكنّ والده لم يكن راضيًا بأن يذهب إلى كربلاء لرؤيته. فكانوا يذهبون، وكان هو يرى أنّه لو أخبر والده، لقال: «لا!»؛ وحينئذ، أيّ سفر سيكون هذا؟! لذا، كان يذهب، ويُرسل رسالة من كربلاء بأنّه في كربلاء وأنّه في طريق العودة. ثمّ يمكث خمسة عشر يومًا على فرض أنّه مثلاً في طهران. وكان والده يظنّ أنّه في طهران ولا شأن له به. ثمّ يذهب إلى كربلاء، وبعد خمسة عشر يومًا أو عشرين يومًا عندما تصل تلك الرسالة، يمكث شهرًا آخر! حسنًا، أيّ سفر هذا؟! والسيّد الحدّاد يتحدّث [معه] ويضحك و ...، ولكنّ حقيقة الأمر أنّه لا يستفيد كما يجب وينبغي، ويُحرم من فيوضات السيّد نفسه. هذه القضيّة مهمّة جدًا! فماذا نفعل بهذا؟!
خلاصة البحث: متى يبدأ المكر الإلهيّ وكيف يعمل؟
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ نحن نذهب ونمكر؛ نسمع كلام السيّد، فما هو جيّد لنا نسعى خلفه بسرعة، أمّا ما هو ليس كذلك، ويتعارض مع شؤوننا، ويتناقض مع أهوائنا، ويتصادم مع مكانتنا، فإنّ رأسنا هذا الذي يشبه الكمبيوتر يبدأ برسم الخُطط، ويصعد ويهبط، يصعد ويهبط؛ وفجأة، يحلّ معادلة بثلاثة مجاهيل! نعم، لقد وجدتها: سأذهب هكذا، وأفعل هكذا، وماذا سأفعل! في حين أنّه ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. هذا الجاهل لا يعلم أنّه منذ اللحظة التي بدأ فيها كمبيوترك بالعمل، بدأ مكر الله تعالى أيضًا!
النتيجة التي أردت أن أقولها هي أنّه: منذ اللحظة التي بدأت فيها بالتفكير: «ماذا أفعل؟»، وأنت تتلقّى الضربة، ولا تعلم أنّك تتلقّاها! وبمجرّد أن تقول: «سأذهب وأقول هذا»، تكون قد تلقّيت الضربة! هنيئًا مريئًا! ولكنّك جاهل، ولا تعلم؛ يضربك حقنة، فتفقد الوعي، ولا تفهم، ولا يصدر منك صوت! وبمجرّد أن تنتقل إلى الخطّة الثانية، تأتيك طعنة أخرى؛ وفي الخطّة الثالثة، طعنة أخرى. ثمّ عندما تنتهي الخطّة الأخيرة، تكون قد سقطت ممزّقًا.. الفاتحة، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾! وهو سعيد بأنّه نفّذ أمر السيّد، ولم يتنازل عن موقفه.. انظر إلى هذا!
متى يبدأ مكر الله؟ يبدأ منذ اللحظة التي تبدأ أنت فيها بالمكر. ليس أنّك تمكر ثمّ يُباغتك الله بسياسة، لا! بل من نفس الفكرة ونفس الخطّة التي لديك، ومن الخطوة الأولى التي تتّخذها لتغيير الأمر! وأنت تعلم هذا، فلا تتظاهر بالجهل! لو لم تكن تعلم، لما قمت بهذه الألاعيب! أنت تعرف مقصود السيّد، وتعرفه جيّدًا، بل كلّنا نعرفه جيّدًا!
شارب السمّ الذي يظنّ أنه يخدع غيره
جاءني شخص وقال: «لقد قال لي السيّد العلاّمة: لا تفعل كذا! وقد دعوت واستخرت كثيرًا لتأتي جيّدة!». قلت: «إذا كنت تعلم أنّ في القضية عيبًا ما، فلا داعي للدعاء والاستخارة، اتركها. إن تمّ الأمر فبها، وإلاّ فلا!». هل تريد بالدعاء والاستخارة أن تغيّر نيّة السيّد العلاّمة؟! منذ اللحظة التي بدأنا فيها بتنفيذ أمره بالشكل المرغوب، بدأ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾، وليس أنّك ستعلم بذلك لاحقًا!
الأمر يُشبه تمامًا أن يكون بينك وبين شخص عداوة أو لك عليه دين؛ وفي منزله وعاء ثمين جدًا، وتعلم أنّ في ذلك الوعاء سائلاً ثمينًا جدًا، ولنفترض أنّه أنفق مائة ألف تومان أو مائتي ألف تومان أو عشرة ملايين ليحصل على هذا السائل. فتنهض وتذهب إلى هناك، وبحجّة شرب الماء، تشرب كلّ السائل الذي في ذلك الوعاء وتقضي على كلّ رأسماله! والآن، لا تقل إنّ داخل هذا الوعاء سمًّا وكنت تظنّه ذا قيمة! مع تلك الجرعة التي تشربها، يبدأ مكره؛ أي إنّ نفس الشرب هو ضربتُه! كلّ جرعة تشربها، تظنّ أنّك تمكر به، ولكنّك لا تعلم أنّه هو الذي يضربك! يقول: لا تهتمّ، دعه يشرب؛ اشرب، اشرب يا عزيزي، نعم إنّه حلو جدًّا! أنت تضحك منه، وهو يضحك منك! أنت تضحك منه وتقول: «لقد خدعته، وذلك الشيء الذي دفع من أجله كلّ هذا المال وأنفقه عليه، أنا أشربه الآن وأقضي على رأسماله!». أنت تمكر به وتضحك منه؛ إنّها خطّة! وهو من وراء الستار يضحك باستمرار ولا يقول شيئًا! اشرب، نعم إنّه ممتاز جدًّا، جيّد لك! يقول باستمرار: «اشرب!». متى يتّضح أيّكم هو الفائز؟ عندما تشرب، وفجأة، تسقط ممدّدًا على الأرض. حينها، يتّضح مَن مِنكم مَكَر بالآخر!
معنى الدعاء "ولا تمكر بي في حيلتك"
ونحن كذلك، «ولا تَمكُر بي في حيلَتِكَ»؛ أي: يا إلهي، لا تضعني في وضعٍ أَحفُرَ فيه لنفسي بئرًا مع كلّ خطوة أخطوها! ولا تضعني في موقفٍ يُصبح فيه كلّ شيء ألمسه بلاءً عليّ! فالذي هو بعيد عن المسألة، هو هكذا؛ إنّه يحفر لنفسه بئرًا باستمرار، ويمكر بنفسه باستمرار! إذن، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يعني أنّ الله قد مكر. فالمكر ليس لله، والله لا يمكر، ولا يخدع أحدًا، ولا يُعادي أحدًا، فلماذا يمكر؟! بل إنّ نتيجة عمل كلّ شخص هي مكر الله، وهذا هو المكر بالنسبة لهذا الفرد نفسه!
هو يريد أن يخدع الله، فيضع القطن في أذنيه! ويُعطي القطن لأولئك الذين يأتون لسماع القرآن ليضعوه في آذانهم كي لا يسمعوا كلام محمّد! حيث كان قد أحضر كيسًا من القطن، وكان يعطي كلّ من يدخل المسجد الحرام حزمة من القطن ويقول: «تعال خذها، وضعها في أذنك!»، لكنّه لا يعلم أنّه مع كلّ قطعة قطنٍ يضعها، يتراجع هو نفسه خطوتين إلى الوراء! أتريد أن تمنعهم من سماع صوت النبيّ؟! لو كنت تنظر إلى نفسك وما يحلّ بك الآن بسبب هذا العمل، لوصل صراخُ استغاثتك إلى الثريا! أيّها المسكين، أنت لا تعلم! هو يريد أن يمنع الآخرين، لكنّه يبني أمام نفسه حجارة وطوبًا باستمرار؛ وهذا العمل هو عمل الشيطان!
اللّهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّد