2

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله

قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

5
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1414

التاريخ 1414/09/07

جلسات المجموعة(3 جلسة)

التوضيح

مَن هو «الجاهل المتنسّك» الذي اعتبره أمير المؤمنين عليه السلام قاصمًا لظهره؟ وكيف يمكن للمتديّن أن يتحوّل إلى أداة لهدم الدين بسبب جهله واتّباعه لهواه؟ ولماذا أمر بعض الأئمّة شيعتهم بالسكوت؟ وما هي وظيفة العقل مع وليّ الله؟ في هذه المحاضرة، يغوص آية الله السيد محمّد محسن الطهراني قدس سره في هذه الأبحاث مستشهدًا بأمثلة تاريخية وقصص واقعية.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله

  • قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٤ هـ ـ الجلسة الثانية

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم

  • الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ

  • والصّلاةُ والسّلامُ علىٰ أشرفِ المُرسَلينَ

  • وخاتمِ النّبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ

  • وعلىٰ آلِهِ الطّيِّبينَ الطّاهرينَ

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعين

  •  

  •  

  • «مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِّ، وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ؟! وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ، وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ؟! لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ»

  • من أين يأتينا الخير الذي يصل إلينا؟! ومن ذا الذي له القدرة غيرك على تحصيل النجاة لنفسه؟!. «لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ» كلّ من أراد أن يفعل خيرًا، فقد فعله بعونك ولم يكن مستغنيًا عن عونك ومساعدتك! «وَلَا الَّذِي أَسَاءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ» ولا ذلك الذي يفعل القبيح ويتجرّأ عليك خارج عن قدرتك.

  • قدرة الله تشمل فعل الخير والشر على السواء

  • هذا المعنى هو المضمون السابق نفسه، ولكنّ الإمام عليه السلام هنا قد تحلّى بكثير من الأدب! ففي الموضع الذي يقول فيه: إذا فعل أحدٌ خيرًا، فهذا الخير كان بعونك، ولا يقول الإمام هنا: إنّ من فعل فعلًا قبيحًا، فقد كان ذلك أيضًا بقدرتك، بل يقول: لم يكن خارجًا عن قدرتك. أي لا تظنّوا أنّ هذه القدرة التي حصل عليها الآن لارتكاب هذا الذنب، كانت قدرة ذاتيّة ومنفكّة عن قدرة الله؛ بل هي نفسها، ولكنّه استخدم تلك القدرة في طريق خاطئ!

  • رحلة الإنسان من توحيد الطفولة إلى فرعونيّة الأنا

  • إنّ المسألة المهمّة هي أنّ طريق السلوك والتوحيد بشكل عام، والمسار الذي يقضي الناس حياتهم فيه، يقعان في قطبين متعاكسين ومحورين متقابلين! لو نظرتم إلى جميع الأفراد، لرأيتم أنّنا عندما نولد ونأتي إلى هذه الدنيا بنفس تلك الروح التوحيديّة، تكون ملكاتنا وأوصافنا وصفاتنا، صفات توحيديّة. فعندما تنظرون إلى طفل في الثانية أو الثالثة من عمره أو أقلّ، ترون أنّه لا يوجد في مدركاته تكلّف، ولا يزيّن نفسه، بل يلحظ في نفسه صرف الوجود، أمّا شؤون الماهيّة وغيرها، فلا خبر عنها في هؤلاء الأطفال! فالطفل الذي يكون والده ملكًا على سبيل المثال، والطفل الذي يكون والده فقيرًا، لا يلاحظانهما من ناحية العلاقة الاجتماعية؛ يكفي فقط أن يكون بينهما سنخيّة، أن يكون عمر هذا ثلاث سنوات وذاك ثلاث سنوات، وهذا يكفي ولا يريد شيئًا آخر. من هو أبوك؟ ملك، فليكن! من هي أمّك؟ السيّدة الأولى، فلتكن! لا وجود لهذه المسائل أصلاً!

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

3
  • ولكن بمجرّد أن نكبر شيئًا فشيئًا، تُنسى تلك المسألة التوحيدية تدريجيًا، وتأتي هذه التكلّفات والزوائد لتحلّ محلّ الأصل، إلى درجة أنّ الإنسان الذي وُلد بتلك الروح التوحيديّة، يتحوّل إلى شيطان مَريد يطلب الدنيا كلّها لنفسه! إنّه لأمر عجيب! أي إنّ روح الأنانيّة والتفرعن تقوى فيه لدرجة أنّه مستعدّ لأن يحترق العالم كلّه ولا تسقط كلمته على الأرض! ويعلم الله إلى أين يصل الأمر بهذه الأنانيّة، بحيث لا يمكن فعل شيء حيالها! وبالفعل، تأتي هذه النفس وتبدأ بالتبرير، وتصوّر المسائل غير الواقعيّة على أنّها واقعيّة، وتطابق جميع المسائل مع أهوائها، وتستدلّ وتخرّب العمل، ثمّ لا تلقي باللائمة على نفسها! فإذا نجح الأمر فبها، ولا يُدرى إلى أين سيصل به الغرور وإن لم ينجح، لا يلقي باللوم على نفسه، بل على زيد وعمرو!

  • من هو "الجاهل المتنسّك" الذي قصم ظهر أمير المؤمنين؟

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في عبارة عجيبة: «قَصَمَ ظَهْرِي: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ»۱. والمتنسّك يختلف عن الناسك. فالناسك: هو من له بطبعه حالة عبوديّة، أمّا المتنسّك: فهو على وزن «التفعُّل»، أي من يكلّف نفسه ويلصقها بالنسك. حسنًا، عامة الناس هكذا، كما يقول الشاعر

  • آن كس كه نداند و بداند كه نداند***لَنگان خَرَک خویش به مقصد برساند 
  • من لا يعلم ويعلم أنّه لا يعلم *** يوصل حماره الأعرج إلى غايته

  • أمّا من لا يعلم ولا يعلم أنّه لا يعلم، فهذا هو الجهل المركّب لدى عوامّ الناس الذين تعلّموا كلمتين، وأطلقوا لحية وأمسكوا مسبحة واستخدموا مسواكًا، وحضروا مجلسين، ثمّ يقدّمون أنفسهم ويقفون في وجه الحقّ والواقع والوليّ، بل ويقفون في وجه أمير المؤمنين أيضًا! أهل النهروان هؤلاء، كانوا جهّالاً متنسّكين! لقد سمعوا روايتين من النبيّ صلّى الله عليه وآله. حسنًا أيّها الجاهل، لقد سمعت هذه الرواية، فاسمع الجانب الآخر أيضًا، وأنّ عليًّا كذا وكذا!

  • هنا تتدخّل النفس! فلو كانت لديك أهواء ولم تسمع شيئًا، لكان عدم سماعك هذا بنفسه نزعًا لسلاح النفس، وهذا النزع للسلاح مفيد جدًّا للإنسان؛ فالإنسان يكون منزوع السلاح ولا يملك شيئًا. ولكنّ الكلام هو أنّ النفس الآن قد حصلت على وسيلة، وسيلة للمواجهة والمقابلة. ويا ليت وسيلتها كانت وسيلة صحيحة! لم تحصل إلّا على أربع كلمات! فإذا كانت القضيّة هذه، فهناك ما يقابلها أيضًا! لكنّه يبرّر الأمر قائلاً: لا يا سيّدي، ما أقوله أنا هو الصحيح!

    1. منية المريد ص۱۸۱وغرر الحكم ٩٦٦٥قصم ظهري عالم متهتّك وجاهل متنسّك فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه والعالم ينفّرهم بتهتّكه

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

4
  • هذا هو الجاهل المتنسّك! العوامّ والأمّيون الذين قرأوا كلمتين وحضروا مجلسين، يأتون ويقفون في وجه الإنسان والوليّ ويستعرضون أنفسهم! يأتي هؤلاء الجهلة ويقفون بثقة ويستعرضون أنفسهم!

  • قصّة العلاّمة الطهراني والمتنسّكين: عندما يجادل التلميذ أستاذه

  • في إحدى القضايا، كان الوالد۱ قد أمر الجميع بالجلوس في أماكنهم وعدم التحرّك! كنّا نجلس تحت «الكُرسي»٢، فقال: اجلسوا كما أنتم تحت الكرسي ولا تتحرّكوا من أماكنكم! هناك فئة تبذل دماءها، وفئة أخرى تأتي لتجلس على هذه المائدة!

  • كانت هذه عبارته بالحرف الواحد. في ذلك الوقت، جاءت مجموعة من الناس وكانوا يجادلون الوالد!

  • عجيب أمرك يا من كنت تلميذًا للعلاّمة، عمّ تبحث بعد ذلك؟! لقد جاؤوا وكانوا يجادلون! سنتحدّث عن العالم المتهتّك لاحقًا، فلتكن هذه في ذمّتي لكم. نحن الآن مع الجاهل المتنسّك الذي كان يأتي ويجادل. جاء أحدهم ممّن كان يحلق لحيته، وقد أطلق لحية تصل إلى سرّته، وكان يجادل الوالد قائلًا: لماذا أنتم جالسون؟! ماذا ننتظر إذن؟! ننتظر الإسلام؟! ها هو الإسلام قد خرج من الأرض! ماذا ننتظر؟! ألم نكن حتى الآن ندعو إلى الإسلام، أولم نكن نقرأ كلّ ليلة في دعاء الافتتاح: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ...» ؟! حسنًا، كلّ هذا من أجل أن تتجلّى هذه الأدعية التي نقرؤها يومًا ما وتظهر. فالجلوس والدعاء وهذه الأمور لا تحلّ المشكلة! فلنخطُ خطوة على الأقلّ!

  • كان يأتي ويجادل الوالد! فماذا عساه أن يقول له؟! يقول: يا عزيزي، نحن أيضًا نعرف هذه الأدعية، بل نحن من قلنا لكم اقرؤوها! وقرأناها أكثر منكم! ولكن هذا الدعاء لأيّ إسلام يروّج؟! والله إنّ بني العباس كانوا مسلمين، ويزيد كان مسلمًا، وعمر كان مسلمًا، وأبو بكر كان مسلمًا؛ ولكنّ الحديث هو: أيّ إسلام هو الذي يريده الإمام؟!

  • قصة هشام بن الحكم: حينما يضرّ الحماس بالإمام عليه السلام

  • لقد قال الإمام الكاظم، موسى بن جعفر عليه السلام، لهشام بن الحكم مرارًا: كلّ هذه المصائب التي تحلّ بنا أهل البيت هی بسببك! حسنًا، لم يكن يستمع لكلام الإمام! يا عزيزي، إنّه زمن هارون، فلا تتكلّم! هل يحترق قلبك أكثر من موسى بن جعفر؟! لقد جئت إلى محضر الإمام الصادق وموسى بن جعفر وتعلّمت الروايات، ثمّ شهرت سيفك تضرب به عنق موسى بن جعفر عليه السلام؟!

    1. ملاحظة: ألقيت هذه المحاضرة في حياة المرحوم العلاّمة لذلك اقتصر في الترجمة على التعبير عنه بالوالد دون إضافة لقب المرحوم. (م)
    2. مدفأة تقليديّة. (م)

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

5
  • جاء هارون إلى مجلس مناظرة وكان يجلس خلف ستار مع الفضل بن يحيى. وعندما كان هشام بن الحكم يناظر الجميع، التفت هارون إلى الفضل وقال: إنّ لسان هذا الرجل أمضى من سيف ستين ألف مقاتل وجيش، وأشدّ فتكًا بي!۱

  • كانوا يبحثون عنه! حسنًا، كان يظنّ أنّه بلسانه هذا سيروّج لموسى بن جعفر، ولم يكن يعلم أنّ كلّ مجلس يعقده كان ضربة توجّه إلى عنق موسى بن جعفر! لذا، كان الإمام عليه السلام يقول: يا هشام، لا تفعل هذه الأمور! لهذا، ورد في الرواية: «لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ»٢ فمن لا تقيّة له، لا دين له! وعدم التقيّة يعني: التدخّل فيما لا يعني، والشفقة الزائدة، وعدم الاستماع إلى الكلام. أو كما ورد في الرواية: وددت والله أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق [الطيش] وقلة الكتمان !٣

  • حسنًا، هؤلاء كانوا من شيعة الإمام! والإمام يرى أنّ الوضع الآن لا فائدة منه، ولا ينبغي فعل هذا الأمر، وليس مفيدًا! حينئذٍ، لو كان من المقرّر أن يأتي أحد ويقوم بعمل ما، فمن كان أجدر من الإمام نفسه للقيام بهذا العمل؟! عندما يكون الإمام نفسه جالسًا، فلماذا تبادر أنت؟! هل قال الإمام لأحد تلامذته أن ينهض ويواجه هارون؟!

  • هل خرج الإمام الكاظم عليه السلام على هارون؟

  • سمعت في محاضرة أنّ أحدهم قال: كان موسى بن جعفر يجاهد ضدّ هارون، وذهب إلى سوريا، إلى الشام، إلى الغار! يا عزيزي، لماذا تكذبون؟! متى جاهد موسى بن جعفر وقام ضدّ هارون؟! لماذا تحرّفون التاريخ؟! لماذا يجب أن نرى الإسلام في الجهاد فقط ولا شيء غيره؟! لماذا عند تعريف إمام ما، تُطرح مسألة الجهاد ولا تُطرح مسألة التعبّد أبدًا؟! هذا عار على الإمام، وقبيح، ويُنزل من مقامه!

  • أراد هارون أن يقتل موسى بن جعفر، فذهب الإمام! أين لدينا أنّ موسى بن جعفر جمع الجنود والرسائل والسيوف والأموال ضدّ هارون؟! أروني ذلك! ابنه الإمام الرضا، عندما جاء المأمون ليفرض عليه الخلافة بالقوة، قال الإمام: لا أريد! فقال المأمون: إن لم تقبل ولاية العهد، سأقتلك! فقال الإمام: إن كان الأمر قد بلغ القتل فأنا أقبل بها، ولكن بهذه الشروط!٤

    1. كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ج٢ص٣٦٢
    2. أصول الكافي ج٢ص۱۷٢والمحاسن للبرقي ٣٥٩
    3. الكافي ج٢ ص٢٢۱ عن الإمام زين العابدين عليه السلام.
    4. قد صرّح الإمام الرضا عليه السلام باضطراره للقبول وكان يقول: قد علم الله كراهتي لذلك فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل .(عيون أخبار الرضا ٢/۱٣٩)

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

6
  • كيف تتطابق أوامر الأولياء مع المشيئة الإلهيّة؟

  • هؤلاء كانوا يعلمون الأوضاع ومطّلعين عليها، هؤلاء الأئمة كانوا مجرى لمشيئة الله. أي في الوقت الذي يعلم فيه كيف هي الأوضاع، وفي عين المعرفة، يسيّر الوضع الظاهري بأفضل طريقة لا تتنافى مع مشيئة الله. والآخرون، لأنّهم لا يعلمون هذا، يأتون ويفسدون. والآن، كونهم لا يعلمون، هذا أمر، ولكن إن كان هناك نهي، فإنّهم لا يستمعون أيضًا!

  • لماذا لا يستمعون؟! لأنّ تكوينهم ونفوسهم تتناسب مع هذا النوع من المسائل. حينئذٍ، ماذا يفعلون؟ مثلًا، أنا أعاني من ألم في البطن أو مشكلة كذا، فما هو الجيّد لي الآن؟ لنفترض أنّ الماء المغلي مع السكر النباتيّ جيّد؛ حسنًا، أشرب الماء المغليّ مع السكر النباتيّ حتى أتحسّن، ثمّ كلّ من يصاب بألم في البطن أقول له: اشرب الماء المغليّ مع السكر النباتيّ! ولكن قد يقتل الماء المغلي مع السكر النباتيّ إنسانًا ما! وبالفعل، هناك بعض آلام البطن التي يجب تناول السكّر النباتيّ مع الماء البارد، لا مع الماء الساخن.

  • كان الوالد يقول: كان هناك رجل في همدان يمارس الطبّ ولكنّه لم يكن طبيبًا، كان يركب حمارًا ويذهب إلى البيوت. في السابق، كان هناك مثل هؤلاء. كانت عادته أنّه عندما يذهب إلى مريض، يطلب ما يشتهيه هو ثمّ يقول: أعطوا المريض من ذلك الشيء! وذات يوم ذهب إلى مريض، وكان الفصل صيفًا والجوّ حارًّا جدًّا، فقال: هل يوجد هنا شراب الكرز الحامض؟! وهذه القصّة حقيقيّة وليست مزحة! فشرب شراب الكرز الحامض وقال: أعطوا بقيّته للمريض ليشربه! فشربه ومات في المجلس فورًا! وكان هذا الرجل تركيًّا اللسان، فقال: «رحمه الله!» لقد حان أجله. فركب حماره وذهب إلى بيته؛ وهم أخذوا الميّت وذهبوا به.

  • هذا النوع من الناس تركوا المسألة الأساسيّة ويقفون في وجه الإمام عليه السلام ويجادلون! والآن ماذا يقول لهم الإمام؟! فليس كلّ شيء يمكن فعله! حقًّا، لقد كان الأئمّة في زمن عجيب! كنت أفكّر ذات مرّة في مظلومية الإمام الحسن حقًّا، ورأيت كم كان الإمام مظلومًا! يتعجّب المرء حقًّا. ماذا كان هؤلاء المحيطون بهذا الإمام؟! ثمّ يرى المرء أنّ لا عجب في ذلك، فنحن لسنا بأقلّ منهم! أنت الذي سمعت من النبيّ «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ، قَامَا أَوْ قَعَدَا»۱ فلماذا تفعل ذلك؟!

    1. مناقب آل أبي طالب ٣: ۱٦٣ باب إمامة السبطين(عليهما السلام)، فصل في معاجزهما. 

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

7
  • كيف ينبغي للسالك أن يطيع ولي الله؟

  • الحديث هو أنّنا يجب أن نكون حيثما يكون الوليّ! ما شأننا بخصوصية ذلك المكان؟! أيّ اهتمام نوليه لخصوصية ذلك المكان؟! هذا هو ما تحدّثت عنه تلك الليلة، أنّ البعض يظنّ أنّ السلوك هو أن يكون الإنسان على يقين بصحّة كلّ طريق يسلكه! فإذا كنت على يقين، فلا حاجة لك بأستاذ! هذا الأمر الذي يأمرك به الأستاذ الآن، يجب أن تكون على يقين بأنّه مفيد لك. حسنًا، هل أنت على يقين؟! من أين لك أن تعلم أنّ هذا الأمر الذي يأمرك به الأستاذ الآن جيّد لك؟!

  • قد يخطئ الأستاذ! هذا الأمر الذي يأمر به الأستاذ الآن، بأن تفعل هذا العمل، هل لديك يقين بصحّته؟ إن كان لديك يقين، فلماذا تطيعه؟! فاذهب ونفّذه بنفسك! كيف أنّك في بعض الأمور التي يقولها الأستاذ، إن لم يصل إليها عقلك ، تشكّك فيها؟! ولكنّ أوامر السلوك ـ بنظرنا ـ تعدّ بسيطة وعديمة الأهميّة لدرجة أنّها تعدّ كما لو أنّها من اليقينيّات؟! إذن، هذه الأوامر بنظرنا عديمة الأهميّة لدرجة أنّنا لو قلنا بدلاً من ذكر السجدة اليونسيّة، سورة التوحيد، فلا بأس؛ ولو قال أحدنا بدلاً من التوحيد، زيارة عاشوراء، فلا بأس؛ وبدلاً من زيارة عاشوراء، دعاء الصباح، فلا بأس. هذه ليست مسألة مهمّة! قرأت هذا أو ذاك، ففي النهاية، في كلّ هذه الأمور يوجد «الله»، فلا فرق كبير بين هذا وذاك!

  • أمّا إذا أمرك أستاذك بمسألة اجتماعية وأنت تتحرّك عكسها، فهنا يبدأ الشكّ والشبهة بالظهور، بأنّ الأستاذ ربما لم يكن منتبهًا، ربما قيل له خلاف الحقيقة، ربما يكون رأيه كذا، ربما نتكامل بهذه الطريقة بشكل أفضل! حسنًا، الأوّل هو أهمّ، فالأوّل يتعامل مع نفسك، الأوّل يتعامل مع ضميرك. طبعًا كلاهما مهمّ، ولكنّ الأوّل هو برنامج سلوكي، والبرنامج السلوكي مهمّ جدًا! البرنامج السلوكي يعني تشكيل النفس بهذا الذكر وتصوير النفس بهذه الصورة؛ هذا أهمّ من الباقي! ولكن لأنّ هذه الأوامر وهذه الأمور لا قيمة لها عندنا، نقول: حسنًا، لو قال بدلاً من سورة التوحيد ذكر السجدة اليونسيّة۱، فلا بأس، فهذه ليست مسألة مهمّة!

    1. المقصود من ذكر السجدة اليونسيّة قوله تعالى على لسان يونس عليه السلام في سورة الأنبياء: ﴿لا اله إلله أنت سبحانّك إني كنت من الظالمين﴾. (م)

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

8
  • ما هي حدود العقل في السير والسلوك؟

  • إنّ هداية العقل وإرشاده محدودة بحدود معيّنة. فالعقل حجّة في الحدود التي يستطيع أن يحكم فيها. وبعد ذلك، عندما لا يكون الأمر في نطاق العقل، تزول حجّية العقل أيضًا بانتفاء الموضوع. العقل حجّة فيما يتعلّق بالبراهين التي يحصل عليها من الظاهر، ولكنّه ليس حجّة فيما ليس في نطاق تصرّفه. فهل يعلم العقل بالمستقبل؟! لا! هل يعلم العقل بالماضي؟! لا! هل يعلم العقل؟!

  • والآن، في مسألة تتعلّق بالمستقبل وبصلاح الإنسان في المستقبل، هل يمكن للعقل أن يحكم بأن يفعل هذا أو لا يفعل؟! لا، ما علاقة هذا به؟! كأنّك تتوقّع من العين أن تسمع! فالعين حجّة لك في المبصرات، لا في المسموعات؛ فما شأنها بالمسموعات؟! والأذن آلة لك في المسموعات، ولا شأن لها بالمبصرات! كأنّك تتوقّع من الأذن أن ترى؛ أي أن تحمّل الأذن مسؤليّة ما تحصل عليه من الرؤية. فمثلاً، يأتي من يقول لك شيئًا، لنفترض أنّه يقول: في الخارج شمس حارقة! وأنت في الغرفة، بينما الثلج يتساقط. فتقول فورًا: بما أنّ هذا قد قال، فالأمر كذلك، وتخرج بقميص رقيق فتصاب بالبرد وتسقط!

  • هذا الإشكال منك، لأنّك حمّلت الأذن نفس الحجّية التي تحمّلها للعين. ولو كنت ترى بعينك أنّ الثلج يتساقط في الخارج، فهل كنت ستخرج بقميص رقيق؟! لم تكن لتفعل! هذا الخطأ لأنّك تحمّل أذنك المسؤوليّة التي تحمّلها لعينك؛ لذا تخرج بقميص داخلي، كشخص أعمى أو معصوب العينين! إلّا أن يصل الأمر إلى حيث يصبح كالرؤية؛ فلنفترض أنّ إنسانًا موثوقًا قال ذلك، أو اثنان أو عشرة أو مائة، أو من خلال اللمس والقرائن وهذه الأمور، فيصبح حجّة لك كالرؤية، حينئذٍ يكتسب مستوى الاتّباع، ومع ذلك فهو ليس كالرؤية. أي إنّ ما تحصل عليه من الرؤية، لا تحصل عليه بنقل مائة ألف راء، أي أنّ ترى الثلج بعينك وهو يتساقط من السماء! ذلك التغيّر وتلك الحالة النفسيّة التي تحصل لك من الرؤية، لو جاء مائة مليون راء وقالوا إنّ الثلج يتساقط، لما حصلت لك، ويبقى قلبك غير مطمئنّ. لديك علم ويقين، ولكنّك ما زلت تبحث عن ذلك وتقول: حبّذا لو كنت قد رأيت! أنت ترتّب الأثر ولا تشكّ، ولكنّ تلك الحالة تختلف!

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

9
  • هناك نطاق محدّد للعقل يبني فيه البراهين من خلال المقدّمات. فنحن ناقصون ولا نستطيع أن ندرك الواقع؛ كلّ هذه براهين و مقدّمات يبنيها العقل. والآن دليلنا يتكوّن أحيانًا من مقدّمتين، وأحيانًا من مائة مقدّمة، كلّها مرتبطة ببعضها البعض بشرط أن تكون شروط الكلّية والجزئية والسلب...۱ كلّها مأخوذة بنظر الاعتبار.

  • كلّنا ناقصون نحن نشعر بذلك بالوجدان، نلمس الجهل في أنفسنا وجدانًا، فلا حاجة لشيء آخر، إنّه من البديهيّات والقضايا الأوليّة ومن الوجدانيّات، ومن كان ناقصًا لا يستطيع أن يدرك الواقع. ومن جهة أخرى، لم نُخلق عبثًا وهناك غرض من خلقنا. ومن هذه الجهة، نشعر في أنفسنا بحبّ الكمال ونشاهد أنّ الإنسان نفسه يسعى إلى الكمال ويبحث عنه. فكلّ هذه مقدّمات عقلية والعقل يرشد إليها. ومن جهة أخرى، نشعر بأنّ الله لا يمكن أن يتركنا عبثًا ومهملين، فنحن بحاجة إلى إنسان يرشدنا.

  • هل يجب أن يكون مثلنا؟ لا، فلو كان مثلنا فنحن موجودون! هل أنا هنا عاطل عن العمل لأسلّم زمام أمري لمن هو مثلي؟! لو فعلت ذلك لكنت جاهلًا حقّاً! يجب أن يكون أعلى منّي! وهل ذلك الذي هو أعلى منّي، قد سلك نفس الطرق التي سلكتها أنا؟! لا، لأنّه حينها قد يخطئ هو أيضًا، فأنا أخطئ؛ خطأ في خطأ، ويا ويلاه، خطأ في خطأ!

  • لماذا نهى أهل البيت عن التسرع في الحكم على الظواهر؟

  • لدينا رواية تقول: لو أنّ مؤمنًا حمل فعل أخيه على سبعين محمل حسن، ثمّ بعد المرة الحادية والسبعين رتّب الأثر السيّئ، فإنّ إيمانه ناقص٢! ناقص، أي كأنّه معلّق في الهواء ولا أساس له. لذا، فإنّ ثمانية وتسعين بالمائة من أحكامنا مبنيّة على المسموعات! أنت تصل فقط إلى هذا الكلام الذي يقول إنّ فلانًا قال كذا؛ حسنًا، ربما كان هناك شيء قبله! ثمانية وتسعين بالمائة ترتبط بهذا الأمر؛ إلّا من كان لديه إشراف على الواقع. فإنّ حسابه مختلف. لذا، يقولون: كلّ ما سمعته تأمّل فيه ولا تتسرّع في الحكم!٣

  • إنّ كثيرًا من تلك المسائل التي كانت مطروحة سابقًا كانت بسبب هذا التسرّع في الحكم والاستعجال! فالأمر أحيانًا قد يكون دقيقًا ولطيفًا جدًّا! لقد حدثت لي شخصيًا مسائل، لو أنّ الإنسان اطّلع عليها، لحملها على معنى معيّن قطعًا، أي لا شكّ في ذلك، في حين أنّ ذلك لم يكن واردًا في ذهني أصلًا! أي أريد أن أقول إنّ الأمر يتجاوز حتّى الرؤية بالعين؛ حتى لو رأيت المسألة!

    1. يتألّف كلّ دليل وقياس منطقي من مقدّمتين ونتيجة، وهناك شروط لترتيب القضايا والمقدّمات في ذلك العلم لو خالفها الإنسان لما صحّ دليله منها أن تكون إحدى القضيّتين (الكبرى منهما) كليّة تبدأ بكلمة كلّ كقولنا كلّ إنسان ميّت. وهكذا هناك شروط ترتبط بكون القضايا سالبة أم موجبة. (م)
    2. أخرج البيهقي بسنده في شُعَب الإيمان إلى جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرًا لا أعرفه. 
      وفي مصباح الشریعة، ص ١٧٣:
      «قال أُبَیُّ بنُ کَعبٍ: إذا رَأیتُم أحَدَ إخوانِکُم فی خَصلَةٍ تَستَنکِرونَها مِنهُ فَتَأوَّلوها سَبعین تَأویلًا فَإن اطمَأنَّت قُلوبُکم علی أحَدِها، و إلّا فلُوموا أنفُسَکُم حیث لم تَعذِروهُ فی خَصلَةٍ یَستُرُها علیه سَبعینَ [سَبعونَ] تَأویلًا، فأنتم أولَی بالإنکارِ علی أنفُسِکُم مِنه.»
    3. ينسب إلى ان سينا: كلّ ما قرع سمعك فضعه في دائرة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان.

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

10
  • وهنا لا يمكننا أن ننظر إلى مجرّد الأعمال الظاهريّة لشخص ما، أي لا يمكن أن تكون حجّة علينا إلاّ إذا تيقّنّا يقينًا يقينًا أنّ هذا العمل قد صدر من هذا الإنسان على هذا الأساس. لذا، لا يمكن النظر إلى العمل!

  • ما هو السبب في حجية أوامر الولي؟

  • إذًا، هذا العقل يقود الإنسان إلى آخر لا تحصل علومه ومدركاته عن طريق الظاهر، بل عن طريق غير الظاهر، وعن طريق لا خطأ فيه. وعندما يوصله إليه، تتمّ الحجّة! حتى لو كنّا انسداديّين۱، فإنّ الظنّ هنا يصبح منجّزًا؛ منجّزًا ومؤمِّنًا، حسب مصطلح علماء أصول الفقه. حسنًا، فنحن لسنا انسداديين، بل انفتاحيين. فلو ظننّا بتحقّق هذا، لكان حجّة علينا. فكيف بنا وقد ذهبنا وبحثنا وتيقّنّا.

  • لماذا رفض الكفّار الإيمان مع علمهم بصدق النبيّ؟

  • أولئك الذين كانوا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وعرفوه، هل كانوا على يقين أم لا؟! يقول تعالى في سورة البقرة: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾٢ كانوا يعرفون النبيّ كما يعرفون أبناءهم! فهل يشكّ أحد في ابنه؟! لقد وُلد منه، فلا شكّ بعد ذلك. هكذا كانوا يعرفون النبيّ، ومع ذلك لم يذعنوا! لو كان لديك قليل من الإنصاف والوجدان وأردت أن تتّبع الحقّ، لقال لك عقل أبي سفيان نفسه: هذا صحيح!

  • أبو سفيان نفسه ينطبق عليه قوله تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كان يعرف النبيّ. لو لم يعرفه، لما عذّبه الله فالله يعاقب وفقًا للمدركات. لو أنّ أبا سفيان لم يعرف النبيّ بالرسالة حقًّا حتّى آخر عمره، وقال: يا إلهي، لم أعرفه، فماذا أفعل وأن لم أعرفه؟! لم أكن أعرفه وجئت وحاربته! لو كان الأمر كذلك، لما كان للّه شأن به! لكنّه يقول: أراد أن يأتي ويفعل كذا بأصنامنا ويأخذ الرئاسة منّا؛ حسنًا، أنا الرئيس! فلماذا تريد أن تأخذ الرئاسة منّي؟! حسنًا، لا تكن أنت، ولأكن أنا!

  • هنا تصبح المسألة دقيقة جدًّا. تكمن دقّتها في أنّ كثيرًا من أولئك الذين كانوا يواجهوننا، لم يكونوا يرون الحقّ فينا فواجهونا. لو رأوا الحقّ، لربما مالوا إليه! من أين لكم أن تعرفوا؟! كان بنو العباس في طرف وبنو أميّة في طرف، هذا يعرف ذاك وذاك يعرف هذا؛ هذا يقول: لماذا تكون أنت ولا أكون أنا، وذاك يقول: لماذا تكون أنت ولا أكون أنا؟! كانوا يضربون بعضهم بعضًا! هذا يقول: نحن من آل النبيّ، نحن أبناء العبّاس وأمثال ذلك، وذاك يقول: نحن من بني أميّة وقريش وأمثال ذلك! هل كان جهدنا قليلاً من أجل الحصول على هذه السلطة؟! لقد تعبنا كثيرًا ولا نريد أن نفقدها! عندما أراد الشاه أن يغادر إيران، قال: يكفيني جيش وفيّ لي ليحافظ على السلطنة، والباقي لنطردهم! ماذا نريد بهم؟! المهمّ هو سلطنتي! يجب أن أكون أنا!

    1. الانسداد اصطلاح في علم أصول الفقه يفيد أنّه إذا انسدّ طريق العلم وطريق الظنون التي ثبت لها الاعتبار والقيمة العلميّة والحجيّة فإنّ جميع الظنون تصبح حجّة. وهذا البحث مطروح لدى علماء الشيعة، وحوله خلاف فمن قبل به يسمّى انسداديًا، ومن لم يقبل به يسمّى انفتاحيًّا. (م)
    2. سورة البقرة الاية ۱٤٦

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

11
  • بيت القصيد في السلوك: كيف نميّز بين حكم العقل ووسوسة الوهم؟

  • والآن، ساق العقل الإنسان وجاء به إلى هذا الإنسان [الأستاذ المشرف على الواقع]، فحينئذٍ من يجب على الإنسان أن يطيع؟ انتهى الأمر، أطع! والآن هنا تبدأ المسائل. يأمر السيّد بأمر، وهذا الأمر يتنافى مع ما في أذهاننا، فماذا نفعل؟ ننفّذ أم لا؟! يجب علينا أن نفصل بين هذه الأمور. تلك القوّة الباطنيّة فيك التي تحكم الآن بالخلاف، أيّ قوة هي؟ هل هي العقل أم المتخيّلة أم الواهمة؟ ما هي القضيّة؟

  • إن كانت العقل، فالعقل لا يمكنه أن يحكم بالخلاف إلّا إذا كان لديه يقين بالخلاف، وهنا العقل ليس لديه يقين بالخلاف، لأنّ القضيّة جزئية، والعقل لا يمكنه أن يحكم في الجزئيّات؛ لأنّ أمر الوليّ مبنيّ على الباطن، لا على الظاهر. تارةً، يحكم بناءً على الظاهر، مثلًا يقول: يا عزيزي، اذهب وحوّل ذلك اللبن الرائب هناك إلى «مخيض» (شراب اللبن) وأحضره وضعه على المائدة! فنذهب إلى هناك فنجده دبسًا، فنقول: هناك دبس! فيقول: عفوًا يا عزيزي، لقد أخطأت! وتارةً يقول: يا عزيزي، يجب عليك أن تفعل هذا الأمر! وأنا أرى أنّ العمل مخالف؛ فأبقى حائرًا هل هذه المسألة نابعة من الباطن أم من الظاهر؟

  • أذهب إلى السيد وأقول: سيدنا، هذا الحكم الذي تصدره، هل هو عن رؤية باطنيّة أم عن رؤية ظاهريّة؟ إن كان عن رؤية ظاهريّة فلن أنفّذه، وإن كان عن رؤية باطنيّة فأنا مضطرّ لتنفيذه. 

  • فيقول: إن شئت نفّذ، وإن شئت لا تنفّذ! هكذا هو الأمر! لم أجبرك على التنفيذ، هكذا هو! 

  • حينئذٍ، لو كنتُ رجلاً عاقلاً، لنفى عقلي نفسه في هذا الموضع! فالعقل هو الذي أوصلني إلى هنا. وهو يقول: ألم تقل إنّ هذا يطّلع على الغيب؟! أولم تكن أحكامه منجّزة عليك؟! فإذًا، لا طريق لي أنا كعقل إلى هنا! أنا كحاكم أحكم عليك من فوق وأشرف عليك، أطلب أن تأتي وتطيع هذا الرجل! أنا لا دور لي هنا، ولكنّي أعلم هذا القدر وأنّه يجب عليك أن تطيعه! فقد تراجعتُ إلى الخلف ودفعتُك بك إلى الأمام، فاذهب ونفّذ! 

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

12
  • وهنا يكمن الخطر في الأمر! وكلّ العثرات التي نتعثّرها هي في هذا أمثال هذا الموضع وفي أنّنا نخلط بين هاتين النقطتين: حكم العقل بعجزه، وحكم العقل بنفي نفسه! إنّ العقل الذي يقول: على الإنسان أن يعارض أمر الأستاذ والوليّ، هو الواهمة والمتخيّلة، ولم يعد عقلاً! ونحن هنا نخطئ ونخلط.

  • أحوال الجهّال المتنسّكين وأصحاب الأهواء

  • إذًا، هؤلاء الذين كانوا يقفون في وجه أمير المؤمنين، هؤلاء الجهّال المتنسّكون، كانوا هكذا يأتون ويقفون، وبتمسّكهم بكلام من النبيّ وآية من القرآن، كانوا يشكّكون في أصل القضيّة، وفي أصل ولاية أمير المؤمنين وإمارته وكلّ شيء! هذا يشبه تمامًا أن يكون العقل نفسه قد أرشدنا إلى الأستاذ، والآن بعد أن وصلنا إلى الأستاذ، يأتي ويزلزل الأرض تحت قدمي الأستاذ! هذان الأمران يتنافيان! أنت نفسك جئت وقلت اذهب إلى هذا، لم يأتِ أحد غيرك ليقول ذلك، أنت نفسك جئت وقلت إنّ عين هذا قد فُتحت على مسائل، وهو يدرك المسائل من مكان آخر ويفهم الأمور من مكان آخر، وذلك الاحتمال بالخطأ الموجود في عملك ومسيرك، ليس موجودًا في أقوال هذا وسلوكه!

  • حسنًا، الآن بعد أن ذهبت والتصقت به، يقول العقل: كلاّ، عمله هذا خطأ، لا يمكن! كلاّ، هذا الكلام الذي قاله يحتاج إلى تأمّل؛ لا يمكن! يا سيّدي، كلّ هؤلاء الناس يهتفون، كلّ هؤلاء الناس...!

  • أقسم بالسيّدة المعصومة هذه، كنت أعبر جسر الحجّتية هذا بنفسي۱، فرآني أحد الأفراد ـ ولا أنوي ذكر اسمه ـ من هؤلاء العلماء الذين اكتسبوا الآن مكانة عظيمة وكان له سابقة مع الوالد، وكان ذلك في أوائل الثورة، وكان قد ألقى محاضرة، ويبدو أنّ ذلك كان في أوّل يوم أُطلق فيه النار في قم، وكان منزل هذا العالم من الأماكن التي ذهب إليها الطلبة، وكان هو يعتبر ذلك فخرًا لنفسه، بأنّ الناس قُتلوا من منزله وانطلقت الثورة! فقال: السلام عليكم و... حسنًا، ماذا يفعل والدكم في هذه المسائل وهذه الثورة؟ كنت في ذلك الوقت في الثالثة والعشرين من عمري، فقلت: حاليًا، لم تتّضح المسألة له كما يجب وينبغي. فكّر قليلًا وقال: حسنًا، ولكن في النهاية تحرّك الجميع الآن، وما كنّا نسعى إليه حتى الآن وكنّا في صدده ونقرأه في الكتب ونبحثه، هو الآن على وشك التحقّق.

    1. جسر في مدينة قرب حرم السيّدة المعصومة سلام الله عليها، وقرب المدرسة الحجّتية نسبة إلى آية الله حجّت المؤسّس لها. (م)

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

13
  • خلاصة القول، قال لي مثل هذه المسائل ومضى الكلام، ثمّ قال: والآن متى يمكننا أن نراه ونتحدّث معه؟ وكان قصده أن يضمّه إلى الحراك أيضًا! فمرّت هذه الأحداث، ولم أخبر الوالد أصلاً! ووصل الأمر إلى أنّ هذا الرجل نفسه يقول الآن: لقد أُهمل سهمي في هذه الثورة! 

  • عجبًا! هل كنت تعمل من أجل الإسلام أم كنت تبحث عن سهمك؟! أُهمل فليهمل! كان يقول: لماذا جعل آية الله الخمينيّ زيارتي بعد زيارة السيّد الكلبايكاني والميرزا هاشم الآملي وأمثالهم؟! ألست في مرتبتهم؟! لماذا أُسندت إليّ مكانة كذا، وأنا أعلى منهم؟! لماذا، لماذا، لماذا؟!

  • إنّ أمثال هذا الرجل هم في هذا المستوى! والآن، لنترك العالم المتهتّك... لليلة أخرى إن شاء الله، ليأتِ أحد السادة ويتحدّث عن تلك القضية، ونحن نستمع وأنتم تتحدّثون. نحن الآن نتحدّث عن الجاهل المتنسّك، الذي نحن أنفسنا من ضمن صفوفه، ونتحدّث عن أنفسنا.

  • حسنًا، هؤلاء هم كذلك! إن أعطيته منصبًا، يقول: الثورة والإسلام و...؛ وإن لم تعطه منصبًا، يضرب الجميع في رؤوسهم! أي إنّ هذا الإسلام نفسه الذي يدافع عنه، هو نفسه يشهر سيفه ويشقّه نصفين، قائلًا: لماذا لست ذا شأن، لماذا لم يعطوني شيئًا، لماذا لم يعطوني مكانة! ذلك الذي يقول يجب الحفاظ على النظام بكلّ ما أوتينا من قوّة، هو نفسه عندما يُستبعد في الانتخابات، يقول: لو كانت أجواء الجمهوريّة الإسلامية أجواء سليمة، لكنت بالتأكيد قد انتخبت في المجلس! شكرًا جزيلاً، يعني هذا المجلس الموجود الآن، حسب رأيك، هو مجلس مزوّر؟! والآن، لو كنت أنت الرئيس، فهل كنت ستقول هذا الكلام نفسه؟! بل ستقول: يا عزيزي في هذا المجلس يحضر إمام الزمان! وقد ملأه مائة وأربعة وعشرون ألف نبيّ، ولا مكان للملائكة للجلوس في هذا المجلس، وكذا وكذا...! كلّ هذا كلام فارغ يا عزيزي! كلّه باطل! الجميع يدافعون عن هذه النفس، هذه النفس الخبيثة:

  • این نفس بد اندیش به فرمان‌شدنی نیست***این کافر بد کیش مسلمان شدنی نیست 
  • هذه النفس الخبيثة لا تطيع الأوامر *** هذا الكافر السيئ المذهب لا يمكن أن يُسلم

الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله - قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟

14
  • فإسلامهم هو أيضًا كفر!

  • قصّة العلامة الطهراني والسيّد الحدّاد: كيف نتعامل مع الجهال المتنسكين؟

  • والآن، نصل إلى حيث سأل الوالد السيد الحدّاد ذات يوم. عندما كان السيد الحدّاد يتحدّث عن أنّ الإنسان يجب أن يكون له علاقة إلى حدّ ما مع هؤلاء الناس الجهّال المتنسّكين، فقال بشكل مختصر جدًّا: يا سيّد محمّد حسين، لا تحزن عليهم! فأجاب الوالد: حسنًا سيّدنا، إذا زال الإسلام، فسيصبح كلّ الناس بهائيّين! ـ وفي ذلك الوقت، لم يكن البهائيّون كثرًا ـ فقال السيّد الحداد: إنّ الناس بهائيّون الآن!

  • يُنتخب أحدهم في الانتخابات، فيقول: لقد أدخلتم السرور على قلب رسول الله! والآن، لو لم تُنتخب، فهل كنت ستقول هذا الكلام نفسه؟! فلنترك العالم المتهتّك لليلة القادمة، فليكن الله في العون حينها!

  • قلت لكم أمس أن تنظروا إلى التاريخ وتروا كيف كان العرب في السابق عندما يأتون للقتال، يطلبون كفؤًا. أي إنّ من يأتي لمواجهتي يجب أن يكون في مستواي، ولا ينبغي لشخص أقلّ منّي حسبًا ونسبًا أن يتبعني! فإذا جاء، لم يكن يذهب ليقاتله؛۱ وإذا شهر خصمه سيفه، يقف بثبات ويضربه خصمه بالسيف على رأسه ويشقّه نصفين، وهو لا يتحرّك! يقول: أنت لست كفؤًا لي! أي إنّه يُقتل في سبيل أنانيّته! والآن، هل يمكننا أن نقول إنّ هذا كذا وكذا و...؟! لا يا عزيزي، إنّه جهل، يقضي على نفسه في الجهل والأنانيّة والتفرعن ولا يحدث شيء! أو إذا جاء خصمه من الخلف، يقول: لن ألتفت، إذا كنت صادقًا فتعالَ من الأمام! فيأتي الخصم من الخلف ويضربه ويسقط رأسه، وهذا يقف بثبات ويقول: لن ألتفت! كانوا عجيبين!

  • الكثير من أعمالنا هكذا! عندما نقع في هوى النفس، نرى أنّه خطأ ولكنّنا لا نريد أن تسقط كلمتنا! إنّهم يقتلونك! فليقتلوا، لن أتراجع عن كلامي! هذه هي القضية! هذه المسألة مهمّة، وخلاصة القول، لا ينبغي للإنسان أن يخلط، ويجب عليه أن يميّز الحالات بدقّة، أيّها موافق للنفس وأيّها مخالف لها!

  •  

  • اللّهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّد

    1. وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي- وكان رجلا شرسا سيئ الخلق- فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة، فأطن قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد- زعم- أن يبر يمينه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
      ثمّ خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار.
      فقالوا: ما لنا بكم حاجة! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا علي بن أبي طالب، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي:
      علي، قالوا: نعم أكفاء كرام!