3

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين

دود العقل في السلوك إلى الله

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1414

التاريخ 1414/09/03

جلسات المجموعة(3 جلسة)

التوضيح

ما هو الخطر الذي يمثّله العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين؟ ولماذا قال أمير المؤمنين عليه السلام إنّهما يقصمان ظهره؟ ما هي حدود العقل في طريق السير والسلوك إلى الله؟ ولماذا يجب التسليم المطلق للوليّ الإلهيّ حتّى لو كانت أوامره مخالفةً لعقولنا؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة في هذه المحاضرة المهمّة.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين

  • دود العقل في السلوك إلى الله

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٤ هـ ـ الجلسة الثالثة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللَهِ منَ الشّیطانِ الرّجیم

  • بسمِ اللَه الرّحمنِ الرّحیم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمینَ 

  • والصّلاةُ والسّلامُ علیٰ أشرَفِ المُرسَلینَ

  • وخاتمِ النّبیّینَ أبی‌القاسمِ محمّدٍ

  • وعلیٰ آلِهِ الطّیِّبینَ الطّاهرینَ

  • واللعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین

  •  

  •  

  • «إلهی لا تُؤَدِّبني بِعُقوبَتِکَ ولا تَمکُر بي فی حیلَتِکَ! مِن أینَ لي الخَیرُ یا رَبِّ ولا یوجَدُ إلّا مِن عِندِکَ؟! ومِن أینَ لي النَّجاةُ ولا تُستَطاعُ إلّا بِکَ؟! لا الّذی أحسَنَ استَغنیٰ عَن عَونِکَ ورَحمَتِکَ، ولا الّذی أساءَ واجتَرَأ عَلَيکَ ولَم یُرضِکَ خَرَجَ عَن قُدرَتِکَ»

  • خلاصة الجلسة السابقة

  • تقدّم في الجلسة السابقة أنّ كلّ ما نحصل عليه هو ليس من عند أنفسنا، بل نحتاج أن يمنحنا الله تلك البصيرة، إن شاء الله، حتّى يصل الإنسان إلى حقيقة هذا الأمر. وفي كثير من الأحيان، عندما أقول فكرةً ما، أقول: اقبلوا هذا الأمر حاليًّا كأصلٍ موضوعيٍّ حتى يحين وقته، وتفصيله لن يتأخّر، سيأتي شيئًا فشيئًا، فلنكْتفِ بقبول هذا الأمر وعدم رفضه، وهو أنّ هذه الأمور التي نحصل عليها ليست من عند أنفسنا، بل هي كلّها أمورٌ وصلت إلينا من الآخرين. لذا، من الأفضل ألا نفتخر بأنفسنا من دون حقٍّ، وأن نحافظ على احترامنا، مع أنّ هذا الاحترام أيضًا لم نأتِ به من عند أنفسنا، ولكن إذا تنازلنا كثيرًا وتسامحنا مع أنفسنا، فهذه هي حقيقة الأمر!

  • وقلنا إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «قَصَمَ ظَهري صِنفانِ عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ» ۱ وأنّ الجاهل الذي يقف في وجه النبيّ أو الإمام ويُبدي رأيه، تكون قضيّته صعبةً على الإمام إلى درجة أنّ الإمام يقول: هؤلاء كسروا ظهري! أي إنّني مهما فعلتُ، لم أستطع إصلاحهم! وكسر الظهر يعني: العجز. والنبيّ نفسه يقول أيضًا: لقد عجزتُ عن التعامل مع جاهلٍ تعلّم كلمتين عند منبر هذا العالِم، وحفظ حرفين من ذاك العالِم، ولكنه لا يخضع للحقّ، فهو لا يملك العلم، ولا حالة القبول والتسليم!

  • وعند تطبيق هذا الأمر على قضايانا، قلنا إنّ هؤلاء أنفسهم هم الذين تسبّبوا في تلك المتاعب للسيّد العلاّمة الطهراني، هؤلاء الذين كانوا يأتون ويوجّهون السيّد الوالد ويُعطونه التعليمات بأن افعل هذا الأمر، وافعل ذاك...؛ هؤلاء كانوا من صنف الجاهل المتنسّك. خلاصة القول، كانت هذه القضايا الماضية امتحانًا كبيرًا للجميع! والآن، أعتقد أنّ هذا المقدار كافٍ فيما يتعلّق بهذا الموضوع، فالرفقاء أنفسهم يعرفون هذه الأمور أفضل منّي، ولكنهم يقولون: سيدنا، تكلّم أنت! فأقول: سمعًا وطاعةً، سأتكلّم، وأما تقييم الكلام فموكولٌ إليكم!

    1. الريشهري، العلم والحكمة في الكتاب والسنّة ص ٤٥٥ 

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

3
  • إذا كان الجاهل يكسر ظهر النبيّ، فماذا يفعل العالِم الفاسق؟

  • هذا الجاهل المتنسّك الذي كان أمّيًّا، كسر ظهر النبيّ؛ والآن لنرَ ما الذي يفعله العالِم المتهتّك! هذا الذي يملك علمًا ويعرف كلمتين، ماذا يفعل!

  • لقد قلنا إنّ هؤلاء أنفسهم وقفوا في وجه أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوه، وانتهى كلّ شيء! ففي حرب صفّين، كانت هزيمة أمير المؤمنين عليه السلام بسبب هؤلاء الجهلة المتنسّكين، أي هؤلاء المسلمين الذين تمسّكوا بظاهر القرآن، مثل هؤلاء السنّة تمامًا. يا سيّدي، هؤلاء يقرؤون القرآن بكثرة، ويحفظونه كثيرًا! في العام الماضي عندما تشرّفنا بزيارة مكّة، كانت لديهم حلقاتٌ قرآنيّة، وحفظٌ للقرآن، وتجويدٌ، وقراءة، وما إلى ذلك. كنّا ندخل متاجرهم، فنجد أحدهم يبيع العطور وربطات العنق، وقد وضع شريط قرآن، وكان يردّد التواشيح وأمثالها. ذهبنا إلى مكانٍ لنشتري كتابًا، فرأينا أنّه يبيع أشياءً فخرجنا على الفور كي لا نبقى أكثر! لا شيء يا سيّدي، يبيع مجلّاته، ويستمع إلى صوت القرآن في الوقت نفسه! هؤلاء هكذا وبهذه الكيفيّة، يهتمّون كثيرًا بظاهر القرآن، وقد نشأت علاقةٌ بين نفوسهم وبين مجرّد تلاوة القرآن وظاهره.

  • ثمّ نرى هؤلاء أنفسهم يأتون في معركة صفّين ويقفون في وجه أمير المؤمنين عليه السلام، ومهما قال لهم الإمام: هذا الآن مجرّد ورق! لقد كان قرآنًا عندما لم يكن في مواجهتي، أمّا الآن وقد وُضع في مواجهتي، فقد أصبح ورقًا، فارموا هذا الورق وألقوه! هذا كان كلام الإمام عليه السلام، فقوله: ارموا المصاحف بالسهام۱، يعني ارموا الورق! فالقرآن الذي يوضع في مواجهتي هو ورقٌ، وليس قرآنًا! قالوا: لا، لن نرمي القرآن!٢

  • حينها، ألا ينبغي أن ينكسر ظهر أمير المؤمنين عليه السلام؟! ثمانية عشر شهرًا من الحرب، وكلّ هذا القتل في ليلة الهرير٣، وما أدراك ما كانت الأوضاع، وفي الليالي والأيام الأخرى، وبعد ثمانية عشر شهرًا، عندما وصلت الأمور إلى ذروتها واقتربت خيمة معاوية من السقوط؛ فجأةً تحدث هذه الحادثة! حينها ماذا يحدث؟ ينكسر ظهر أمير المؤمنين عليه السلام! من الذي يصمد في خضمّ هذه الأحداث؟ قيس بن سعد بن عبّادة ومالك الأشتر وأمثالهما، الذين يقولون: نحن نقبل بالقرآن الذي يكون معك، ولا نقبل بقرآنٍ منفصلٍ عنك! أمّا أولئك فكانوا يقولون ذلك القول الآخر! وفي النهاية، فرضوا رأيهم، وجاء عشرة آلاف رجل وحاصروا أمير المؤمنين عليه السلام، وشهروا سيوفهم، وكان زعيمهم الأشعث، وقالوا: يجب أن تنتهي هذه القضيّة!٤

    1. الإرشاد، ج ١، ص ٣١٦:
      «و من ذلك قَولُه علیه السّلام و قد رفع أهلُ الشّامِ المَصاحِفَ و شَك فَریقٌ مِن أصحابِهِ و لَجَئوا إلَی المُسالَمَةِ و دَعَوهُ إلَیها: ”وَیلَكم! إنّ هَذِهِ خَدیعَةٌ، وما یُریدُ القَومُ القُرآنَ لِأنَّهُم لَیسوا بِأهلِ قُرآنٍ! فاتَّقوا اللَهَ وَ امْضوا عَلیٰ بَصائِرِکُم فی قِتالِهِم؛ فإن لَم تَفعَلوا، تَفَرَّقَت بِكمُ السُّبُلُ و نَدَمتُم حَیثُ لا تَنفَعُكمُ النَّدامَة!“»
    2. وسائل الشيعة (آل البیت) ج: ٢۷ ص: ٣٤ ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال: هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق. ويؤيّده ما ورد في الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق... قال إنّ الكتاب لا ينطق ولكن محمّدًا وأهل بيته هم الناطقون بالكتاب . 
    3. في ليلة الحادي عشر من شهر صفر سنة ٣۷ هـ حدث ما يسمى بليلة الهرير وهي إحدى ليالي معركة صفين ولمولانا أمير المؤمنين علي (ع) ولأصحابه في تلك الليلة موقف شجاعة يذكر مع الأبد. و الهرير كأمير. هرير الكلب: صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد. 
    4. راجع: وقعة صفین، ص ٤٧٨ ـ ٤٩٤.

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

4
  • تحذير الأولياء من السالكين الذين يريدون فرض آرائهم عليهم

  • كلّ إمامٍ من الأئمّة عليهم السلام كان مبتلىً بأمثال هؤلاء، وأولياء الله كانوا كذلك ولا يزالون. فالذين يرون مكاشفةً، أو تحصل لهم حالةٌ روحيّة، أو تحدث لهم قضيّةٌ ما، يريدون أن يفرضوا آراءهم على الوليّ! وبعد ذلك يتسبّبون في المشاكل ويُحدثون المتاعب. في النهاية، إذا كنت تملك واحدةً من هذه الحالات، فهو يملك مائةً منها، بل هو يملك مليارًا منها!

  • أذكر أنّ سماحة السيّد العلامة قال يومًا لأحد هؤلاء الذين كانوا معه في السابق، وكانوا يتجاوزون أوامر سماحته ويتفوّهون بكلامٍ غير لائق، فقال له في إحدى الجلسات: في النهاية، هذا الكلام الذي تقوله، وهذه الحالات التي تدّعي أنّها لديك، هل أتيت بها من بيت خالتك؟! أليس كلّ ما حصلت عليه هو من هنا؟! كيف كان الأمر صحيحًا إلى الآن، ثمّ أصبح خطأً من الآن فصاعدًا؟

  • لم يكن يستمع! وعدم الاستماع يعني اتّباع الهوى! وكلّنا كذلك! هناك بيتٌ من الشعر يصف حال الجميع، من كان ومن لم يكن؛ قال الشاعر:

  • می خور که شیخ و حافظ و مفتی و محتسب***چون نیک بنگری همه تزویر می‌کنند۱
  • يقول: 

  • اشرب الخمرَ فالشيخُ والحافظُ والمفتي والمحتسبُ *** إذا دقّقت وجدتَهم كلّهم يراؤنَ

  • طبعًا، هذا الأمر له حدوده أيضًا، يُعطى تنبيه أو تنبيهان، وعندما يُرى أنّ المسألة ليست كذلك، بل إنّ ما أراه وأعتقده يجب أن يُعمل به، عندما يكون الأمر هكذا، يقول له الوليّ: حسنًا، وداعًا!

  • ما الفرق بين تصرّف العالِم بالله والعالِم الفاسق؟

  • والآن، إذا كان من المقرّر أن يكون العالِم، ومن بيده مفاتيح الأمور، ومن يملك الأسرار، هكذا، فماذا سيفعل هذا؟! من الأمور التي أعرفها عن السيّد العلامة أنّه منذ ذهابه إلى النجف، ثمّ حضوره في المسجد، وغير ذلك، كان صريحًا جدًّا في بيان الحقائق؛ بمعنى أنّه لم يكن ينظر إلى ما يقوله جوّ العلماء، ففي أيام الجمعة، كان يأتي ويقف بين صلاتي الظهر والعصر ويبيّن للناس المسائل الشرعيّة، وكان يرفض صراحةً المعاملات المصرفيّة باعتبارها رباً وكلّها حرام! فارتفعت أصوات الناس قائلين: سيّدنا، ماذا نفعل؟! فكان يقول بوضوح: اذهبوا وبيعوا الشمندر! ماذا أفعل أنا لكم؟!

    1. دیوان حافظ، غزل ١٢٩.

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

5
  • خلاصة القول، ذهب يومًا إلى السوق، فجاء أحد التجّار وقال له: سيّدنا، هذا الكلام الذي تقوله، لا يقوله أيٌّ من علماء طهران! فهؤلاء يصحّحون عمل البنوك، وفي النهاية يرتّبون أوضاع الناس ويدبّرون أمورهم! يُدبّرون الأمور، يعني يذهب الإنسان إليهم ويقول: سيّدنا، أنا في ورطة! فيقول له: تعال، سأحلّ لك القضيّة بهذه الطريقة! وكان السيّد العلاّمة يقول: لا، أنا لا أستطيع أن أحلّها، فمهمّتي ليست حلّ المشاكل بهذه الطريقة!

  • نقل أحد الرفقاء عن أحد العلماء المعروفين في طهران أنّه قال: سألته: إنّ الأموال التي تأخذونها كخمسٍ من الناس الذين يأتون إليكم لحساب خمسهم هي أموال ربا! 

  • فقال ذلك العالِم: يا عزيزي، ماذا نفعل، لا نستطيع تدبير أمورنا المعيشيّة! ولأنّهما كانا صديقين حميمين، فقد قال له هذا الكلام! وهو من الشخصيّات المعروفة جدًّا، أي إنّ له نفوذًا في العديد من الأماكن، فإذا جاءه أحد فإنّه يبرّر الأمر ويبدأ باللفّ والدوران، واختلاق الصيغ، ويحلّ القضيّة. هذا هو الذي يكسر ظهر النبيّ!

  • العالِم الفاسق يضرب النبيّ بكلام النبيّ نفسه!

  • بل إنّ الأوّل [الجاهل المتنسّك] لا يفعل ذلك بالشكل المطلوب، وإنّما العالِم الذي بيده الأسرار، هو الذي يأتي بكلام النبيّ نفسه ويضرب به النبيّ! لأنّ هذه الأمور التي لدينا هي من الروايات والأدلّة نفسها؛ لم نأتِ بها من الشيطان! فلو قلنا إنّنا أتينا بها من الشيطان، لقال: اذهب يا هذا!

  • هؤلاء، بمختلف المواقع التي يحصلون عليها، يغيّرون مسائل الدين للناس؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾۱. لقد ذكرتُ لكم سابقًا أنّ هذه الآية تتعلّق بهذه القضيّة.

  • قصّة الشهيد الثالث وتغيّر فتوى صلاة الجمعة

  • الشهيد الثالث، الشيخ محمد تقي البرغاني، كان من العلماء المعروفين في قزوين. في ذلك الوقت، كان في قزوين إمام جمعة يقيم صلاة الجماعة، وكان هذا الشيخ [البرغاني] أينما ذهب يحرّم صلاة الجمعة ويقول: صلاة الجمعة خاصّة بزمن النبيّ! من قال [إنّها واجبة]؟! إنّ تجميع الناس حرام. ثمّ يحدث أن يطرأ أمرٌ لإمام الجمعة ذاك فيذهب إلى طهران لمدّة أسبوع أو أسبوعين، وبعدها يبدأ هذا الشيخ محمّد تقي البرغاني بإقامة صلاة الجمعة، وعندما يعود الأوّل، تكون إمامة الجمعة لهذا قد تثبّتت. كان أحدهم يقول: أنا أتعجّب كيف يتغيّر حكمٌ شرعيٌّ من النقيض إلى النقيض في غضون أسبوع واحد؟!

    1. سورة النساء، الآية ٤٦

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

6
  • كان العلاّمة الطهراني يقول: إنّ معظم الذين كتبوا عن عدم إقامة صلاة الجمعة، أو عدم تحقّق الحكومة الإسلاميّة والقضاء، لم يكونوا أنفسهم في موقع المسؤوليّة، ومعظم الذين كتبوا [بوجوبها] كانوا هم في موقع المسؤوليّة! حقًّا، ليحفظ الله الإنسان! وأنتم بأنفسكم لديكم من الأمثلة والمصاديق على ذلك ما هو أكثر منّا إلى ما شاء الله!

  • تأثير البيان الساحر والعلوم الظاهريّة في الوصول إلى الأهداف

  • هذا العالِم يأتي ويقف في وجه الإمام عليه السلام، ويستطيع أن يستدلّ، ويملك فصاحةً وبيانًا. هذه أدواتٌ يضعها الله في متناول الطرفين، أهل السعادة وأهل الشقاء. الأداة ليست هي المشكلة، لم يكن لدينا من الأولياء من يمتلك بيانًا جيّدًا ورائعًا، كانوا عاديّين. إذا رأيت شخصًا يتحدّث جيّدًا، فهذه مجرّد أداة.

  • عندما كان شريعتي يتحدّث، كان يسحر الناس حقًّا! كنت أستمع بنفسي إلى أشرطته، وكنت أرى في ذلك الوقت أنّه منطقيٌّ عجيب! كان يرسّخ المسألة ويشوّه صورة القضيّة ويقلبها بحيث إنّ هؤلاء الخلق المنكوسين كانوا ينقلبون رأسًا على عقب! وفي رأيي، كان لهم الحقّ في ذلك، لأنّهم لم يكونوا يفقهون شيئًا، وكان بيانه جيّدًا. ربّما لا يعطي الله مثل هذا البيان لأيّ شخص، ولكنّه يعطيه له! إنّه شيطان، وكما كان يقول السيّد الحدّاد: لقد كان شيطانًا عجيبًا! هذا البيان يعطيه الله لهذا الشيطان. يقولون: عندما يأتي آخر الزمان، ينادي الدجّال: هلمّوا إلينا! فيذهب إليه كلّ من يجب أن يذهب. هذه هي المسألة! إنّه يجذب الجميع بهذا البيان! يملك البيان، ويملك العلم أيضًا، فيمزج ذلك العلم بذلك البيان في سبيل تنفيذ مآربه، ويقدّمه للناس!

  • البيان أداة، أداة لجذب القلوب. وهذه العلوم هي أيضًا أدوات. الأداة: هي الوسيلة التي يستطيع الإنسان من خلالها تحقيق أهدافه. لا ينبغي لنا أن ننظر إلى هذه اللحى والعمائم! والله يعلم، عندما يظهر الإمام الحجّة عليه السلام، كم من هذه اللحى والعمائم والرؤوس يجب أن تُزال بالجرافات وتُحمّل في السيارات وتُؤخذ بعيدًا! هؤلاء هم الذين يقفون في وجه الإمام ويضلّون الناس، وبألف دليل يقولون إنّ هذا المهديّ كاذب، وإنّه دجّال، وإنّه من المهديّين الذين ادّعوا المهدويّة كذبًا! والناس ينخدعون بهم. أولئك الرهبان والقسّيسون والأحبار الذين كانوا يخدعون اليهود والنصارى، كانوا أفرادًا يصوّرون النبيّ صلّى الله عليه وآله على أنّه غير حقيقيّ، ويقولون: ليس هذا هو، بل إنّ أباه شخصٌ آخر، وأمثال ذلك! فكانوا ينقصون ويزيدون... .

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

7
  • مصاديق علماء السوء في رواية: هُم أضَرُّ على ضُعَفاءِ شیعَتِنا مِن جَیشِ یَزیدَ!

  • قلتُ مرّةً في مكانٍ ما: إذا تقرّر أن يُقال بوجوب تطبيق سياسة تكثير النسل في البلاد، فإنّهم سيعلنون أن يا الله، فليأتِ علماء الدين! وهذا العالم نفسه الذي يبحث الآن في كلّ زاوية وركن ليجد روايةً يرفعها كشعار [لمنع النسل]، هذا نفسه سيبدأ بالبحث عن رواية لتكثير النسل؛ وحينها تصبح كلّ رواياتنا ذات سند، وتصبح كلّها معتبرة، وكلّها حجّة، وكلّها مستدلاًّ بها! ثم تبدأ الأحاديث والمنابر والمحاضرات و...! «وهُم أضَرُّ على ضُعَفاءِ شیعَتِنا مِن جَیشِ یَزیدَ»۱، هؤلاء هم! هؤلاء أنفسهم، الذين يكتبون الكتب ويغيّرون أحكام الله!

  • قبل بضعة أيام، في الصباح، جاء أحدهم ونقل لي بعضًا من محاضرة لأحد العلماء، فرأيتُ أنّ هذا من أهل جهنّم! في النهاية، أنت تنكر شيئًا بهذا الوضوح؟! في قضيّة الإرث، يقول هذا العالم صراحةً: من قال إنّ إرث الرجل أكثر من إرث المرأة؟! عجيب! أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «وأمّا نُقصانُ حُظوظِهِنَّ فَمَواریثُهُنَّ علىٰ الأنصافِ مِن مَواریثِ الرِّجالِ»٢ ولدينا في الإرث أنّ حصّة الرجال أكثر.٣

  • يقول: لا يا عزيزي، في بعض الحالات يرث الرجل أكثر، وفي بعضها يتساويان، وفي بعضها ترث المرأة أكثر! ثم يضرب مثالاً للحالة التي ترث فيها المرأة أكثر، فيقول: إذا مات شخصٌ وله ابنٌ وبنتٌ، وكانا قد توفّيا قبله، فإنّ أحفاده يأخذون حصتي أبيهم وأمّهم، فإذا كان الحفيد من جهة الابن بنتًا، ومن جهة البنت ابنًا، فإنّ الحفيدة ترث أكثر من الحفيد؛ هذا كمثل شخص يموت أبوه ويترك له ريالاً واحدًا إرثًا، وشخص آخر يموت أبوه ويترك له ريالين، فهذا حصل على الأكثر بسبب أبيه، وهذا لا قيمة له! هذا تحريف! فلماذا لا تقول إنّه في الحالة نفسها لو كان هناك ابنٌ وبنتٌ، لورث الابن ضعفي البنت؟! لماذا تخفي الحقيقة؟! هُم أضَرُّ علىٰ ضُعَفاءِ شیعَتِنا مِن جَیشِ یَزیدَ٤

  • السادة الذين كانوا يقولون في اليوم الثالث والعشرين [من شهر رمضان] إنّ من أسباب سلب التوفيق هو أن يسوء ظنّ الإنسان بالعلماء؛ المقصود هم العلماء [الحقيقيّون]، وليسوا أولئك الذين هم «أضَرُّ علىٰ ضُعَفاءِ شیعَتِنا» نعم، من يقلّل من احترام العلماء، يسلبه الله التوفيق، ويحدث له كذا وكذا، ولكن يجب على الإنسان أن يقف كالجبل في وجه هؤلاء الذين لا دين لهم، ولا وطن، والخائنين للّه والخلق! أمير المؤمنين عليه السلام يقول إنّ عقل المرأة أنقص من عقل الرجل ٥وذاك السيّد يقول: ما هذا الكلام؟! نهج البلاغة يقول إنّ إيمان المرأة أنقص من إيمان الرجل٦، فكيف يحسب هؤلاء الأمر؟ يقولون: لا، بل إيمان المرأة أكثر! لأنّ المرأة تبلغ سنّ التكليف في التاسعة، والرجل في الخامسة عشرة! ثم يصنعون جدولاً يقولون فيه إنّ المرأة تحيض عشرة أيام في الشهر، فاضرب في ثلاثة، واضرب في ستة، ويتفوّهون بكلامٍ سخيفٍ يضحك الثكلى! لمن تقول هذا الكلام؟! ولمن تجمع الحطب؟! لمن تقول هذه القضيّة؟! سيأتي عليٌّ ويقف أمامك ويقول: هل خطبتي: «وأمّا فلانةُ فَقَد أدرَکَها ضَعفُ رَأي النِّساءِ»۷ معناها هذا؟! إن كان من المقرّر أن يكون كلٌّ من المرأة والرجل ناقصًا، فلماذا يقول الإمام عليه السلام: «ضعفُ رَأي النّساء»؟! فليقل: ضعفُ رَأي الرّجال! أنت تنكر ضوء المصباح! يا عزيزي، نحن نرى في حياتنا أنّهنّ لا يملكن العقل، فما الذي ننكره؟!! دعنا من هذا الآن. هذه الأمور تحتاج إلى جواب يوم القيامة، وعلى الإنسان أن يكون قادرًا على الإجابة! أقسم بالله إنّهم يعلمون ويفعلون هذا! والله العظيم إنّهم يعلمون ويقومون بهذا العمل! ولكن، من يفهم هذا الكلام، ومن يدركه؟ ذاك الذي عندما ينظر إلى عين أحدهم، يقرأ القضيّة حتّى نهايتها! الكلام جميلٌ جدًّا، الكلام جيّدٌ جدًّا؛ ولكن أين من يعرف حقيقة الكلام؟!

    1. الاحتجاج، طبرسی، ج ٢، ص ٤٥٨:
      «عن أبي محمَّدٍ العسكریِّ علیه السّلام: ”و هم أضَرُّ علی ضُعَفاءِ شیعَتِنا مِن جَیشِ یزیدَ علیٰ الحُسَینِ بنِ علیٍّ علیه السّلام و أصحابِهِ، فإنَّهُم یَسلُبونَهمُ الأرواحَ و الأموالَ و هَؤُلاء عُلَماءُ السّوءِ، النّاصِبونَ، المُتَشَبِّهونَ بِأنّهُم لَنا مُوالونَ و لِأعدائِنا مُعادونَ، و یُدخِلونَ الشَّکَّ ”و الشُّبهَةَ عَلیٰ ضُعَفاء شیعَتِنا، فَیُضِلّونَهُم و یَمنَعونَهُم عن قَصدِ الحَقِّ المُصیب.“
    2. نهج البلاغة ج۱ص۱٢٥
    3.  وسائل الشیعة، ج ٢٦، ص ٩٣.
    4. تقدم نقله عن مستدرك سفينة البحار للنمازي 
    5. نهج البلاغة، تصحيح صبحي صالح، ۱٤۱٤هـ، الخطبة ۸۰، ص۱۰٦. مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ. فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ. فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَ لَا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَر.
    6. نهج البلاغة الخطبة ۱٥٦ومن خطبة خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم
      وَأَمَّا فُلَانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ وَضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى وَالْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. 

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

8
  • هل يستطيع العقل إدراك المصالح الحقيقيّة في أوامر الأولياء؟

  • نذهب إلى الأستاذ، ونحن بالطبع نعرف هذه الأساليب والاستدلالات، فمهما قال الأستاذ إنّ القضيّة كذا، يتبيّن لنا خلاف ذلك وفقًا للروايات والمسائل التي بين أيدينا! كلّا! في محاضرات أيّام شهر صفر من العام الماضي، كانت إحدى المسائل التي طرحتها هي أنّ سنّة الأئمّة عليهم السلام كانت إطالة الشعر، ووفقًا للروايات كانوا يطيلون شعورهم۱؛ ولكن العلاّمة الطهراني يقول: احلقوا شعركم٢! كانت تلك هي السنّة، ولدينا كلّ هذه الروايات عن هيئة النبيّ صلّى الله عليه وآله، والإمام السجّاد، والإمام الرضا عليهما السلام عندما كان قادمًا إلى مشهد، فإنّ الذين رووا عنه الحديث في نيسابور قالوا: عندما جاءت المحملة رأينا الإمام وشعره الطويل كيف كان!٣ فما الذي حدث؟ تقبلون بقوله: «ولایةُ علیّ...» وهذه الأمور، ولكنكم تقولون عن هذا الأمر: لا، هذا كذب، وذاك هو الصحيح؟! إنّ من نقل ذاك، هو نفسه من نقل هذا!

  • وربّما يأتي زمان الإمام الحجّة عليه السلام فيقول: أطيلوا شعوركم! ففي زمان الإمام عليّ عليه السلام كانت هذه هي السنّة! معظم مؤرّخي كربلاء قالوا: جاء شابٌّ وكان شعره يصل إلى كذا! وكان أبو الفضل عليه السلام كذلك! ولكنّ العلاّمة الطهراني يقول: احلقوا شعركم! 

  • طبعًا، تتبادر إلى أذهاننا أمورٌ، مثل التشبّه بالشباب المستهترين وأمثال هذا الكلام، وهو موجودٌ إلى حدٍّ ما؛ ولكن قد تكون هناك قضيّةٌ أخرى لا نفهمها! فهل يجب أن نأتي ونناقش ونعترض ونقول "إن قلت قلت"؟! إنّ حالنا أسوأ من ذلك بكثير! فهذا لا شيء! نحن نأتي ونعترض في المسائل الاعتقاديّة! المسائل الاعتقاديّة مهمّة جدًّا، والانحراف ينشأ من هناك، وهناك نقوم بهذه الأعمال!

  • هل العقل حجّة في كلّ مراحل السلوك؟

  • إنّ عقلنا لا يستطيع أن يصل إلى المسائل التي يطرحها الأعاظم، وهو ساقطٌ عن الحجّيّة [في هذه المرحلة]! إنّ حجّيّة العقل هي لإيصال الإنسان إلى الوليّ، لا لمتابعة السلوك الاستمراريّ للسالك، فهناك لا يستطيع العقل أن يصل، ولا يستطيع أن يدرك المصالح الجزئيّة؛ وذلك لأنّه لو كانت واحدةٌ من تلك المصالح من مصالح عالم الشهادة، فإنّ تسعمائة وتسعًا وتسعين منها هي من مصالح عالم الغيب؛ فماذا يفعل العقل إزاءها؟! هل يطّلع عقلكم على ما سيقع؟! هل يطّلع عقلكم على ما وقع؟! هل يطّلع عقلكم على ما يجول في ضمائركم الآن؟! هل وجدتم أنفسكم وضمائركم الآن كما يجب، هل تعرفون مشاكلكم، هل تعرفون نقائصكم، هل تعرفون نقاط ضعفكم؟! إن كنتم تعرفون، فلماذا أتيتم؟!

    1. الكافي، ج ٦، ص ٤٨٥ و ٤٨٦؛ من لا یحضره الفقيه، ج ١، ص ١٢٩.
    2. هناك روايات حول حلق الشعر وجزّه في الكافي، ج ۱٢ ص ۱٢۰.
    3. ورد في رواية لا إله إلا الله حصني أنّه عليه السلام استوقف البغلة وأمر غلمانه بكشف المظلّة، فأقرّ عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان مدلَّيتان على عاتقه، والناس بين صارخ وباكٍ ومتمرّغ في التراب ومُقبِّل لحافر بغلته. فصاحت العلماء: معاشرَ الناس أنصتوا! فقال رضي الله عنه: حدّثني أبي موسى الكاظمُ عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمّد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين رضاءً واسعاً وأرضاهم، قال: حدّثني حبيبي وقرّةُ عيني رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: حدّثني جبرائيلُ قال: سمعت ربَّ العزّة يقول: «لا إله إلاّ الله» حصني، فمَن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمِنَ منْ عذابي. ثمّ أرخى الستر وسار، فعُدّ الذين يكتبون هذا الحديث فزادوا على عشرين ألفاً. (انظر ينابيع المودّة ص ٣٦٤ من الطبعة الثامنة ۱٣۸٥ هـ. /۱٩٦٦م. منشورات الدار العراقية ـ الكاظميّة، ومكتبة المحمّديّ ـ قمّ)، تأليف الحافظ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ). 

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

9
  • اختلاط الوهم والتخيّل بالعقل

  • وبعبارة أخرى، لأنّنا نخلط بين التخيّل والوهم والعقل، فلا مجال للعقل هنا، ولو لم يكن هذا الخلط موجودًا، لكانت حجّيّة العقل في محلّها. نحن نتخيّل أنّه عندما يأتي هذا الدليل، وهذه الكبرى، وهذه الصغرى، وهذه النتيجة۱، فإنّه يجب علينا أن نفعل كذا؛ في حين أنّ إحدى هذه المقدّمات كان له جانبٌ تخيّليٌّ أو وهميٌّ ولم يكن عقليًّا، وحينها نأتي ونقف في وجه الأستاذ قائلين: كلّا يا سيدي، ارتداء المعطف الطويل في هذا الزمان غير مناسب، والناس الآن ينتقدون ذلك؛ وأنا أعلم أنّ ارتداء العمامة بالنسبة لي هو قطعًا خلاف المصلحة، ومهما قال الأستاذ: يا فلان، يجب أن ترتدي العمامة، أقول: كلّا يا سيدي، إنّ ارتداء العمامة الآن بالنسبة لي ولموقعي هو خلاف المصلحة، ويأتي بالأدلّة، أي إنّه يأتي بالأدلّة لنفسه بأنّ الأمر كذا وكذا، وماذا سيحدث لوضعي وموقعي، والآن أستطيع أن أعمل بشكل أفضل، وأنا الآن كذا، وأنا كذا! والأستاذ يقول: لا يمكن، فهل نستطيع أن نقول إنّ للعقل مجالًا هنا؟! إنّ ما يراه هو من وراء الحجاب، لا يراه هذا، ولأنّه لا يراه فلا يستطيع أن يُدخل العقل هنا.

  • العقل هو لإيصالنا إلى يد الوليّ، ولكن ماذا عن الاستمرار؟! هل هذا يكفي، إذن لم تعد هناك حاجةٌ للذهاب إلى الوليّ! أنتم تقولون إنّ العقل كافٍ في كلّ موردٍ يرى فيه ضرورة العمل؛ وأنا أريد أن أقول: صحيحٌ أنّ العقل كافٍ، ولكن لا يوجد عقلٌ في الأمر! إنّ حجّيّة العقل لا تزول، ولكن لا يوجد عقل؛ بل هناك خلطٌ بين الوهم والتخيّل وبين العقل! وأصلًا، السلوك يعني التعبّد! إنّ العلم الذي لديكم الآن باعتقاد الأستاذ، هل هو علمٌ تفصيليٌّ أم إجماليٌّ؟! ليس تفصيليًّا، بل هو إجماليّ. لدينا علمٌ تفصيليٌّ بحجّيّة كلامه هو، وبحجّيّة شخصه هو؛ فلو لم يكن لدينا علمٌ [لما استطعنا فعل شيء!] لأنّ مرجع الحجّيّة الإجماليّة دائمًا إلى التفصيل، وكلّ إجمالٍ يجب أن يكون مرجعه إلى التفصيل، وحجّيّة ما هو حجّةٌ بالعرض ترجع إلى ما بالذات.

    1. المقدّمة والكبرى والمقدّمة الصغرى في القياس المنطقي مثل: 
      كلّ إنسان فان (كبرى) 
      وزيد إنسان (صغرى)
      إذن زيد فان (نتيجة) (م)

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

10
  • مرجعيّة الحجّيّة الإجماليّة إلى الحجّيّة التفصيليّة

  • لماذا نقبل كلام الراوي؟ لأنّ هذا الراوي يحكي عن قول المعصوم؛ فهل نعلم الآن أنّ هذا الراوي يقول الصدق؟ لا، فكلامه ليس حجّةً بذاته! ولكنّنا نعلم بالإجمال أنّه بما أنّ المعصوم قد جعل هذا الراوي حجّة، فإنّ قوله يصبح حجّةً أيضًا. فإلى ماذا ترجع حجّيّة الراوي؟ بما أنّ قول المعصوم حجّةٌ علينا تفصيلاً، فإنّ قول أبي بصير هذا يصبح حجّةً علينا أيضًا، وإلّا فما يُدرينا أنّ أبا بصير يقول الصدق أم الكذب؟! إنّ العمل بكلام أبي بصير حجّةٌ من حيث إنّه يحكي عن قول الإمام الصادق عليه السلام؛ وإلّا فمن هو أبو بصير؟! قد يكون هناك ألفٌ مثل أبي بصير؛ حسنًا، أنا واحدٌ منهم، وهو واحد، فما الفرق؟!

  • كيف نجمع بين العلم التفصيليّ والإجماليّ في اتّباع الوليّ؟

  • إنّ المجيء إلى الوليّ يحتاج إلى دليل، وهنا لا مجال للإجمال؛ ولكنّ كلّ شخصٍ مكلّفٌ بحسب سعته وإدراكه. قد تكون الأدلّة التي أُقيمت لك على حجّيّة شخصيّة الوليّ غير كافية بالنسبة لي؛ حسنًا، فلتكن غير كافية، يجب عليّ أن أبحث عن دليل، سواء كان رؤيا، أم مكاشفة، أم إلهامًا، أم معاشرة ومخالطة، أم لقاء، ففي النهاية يجب أن تتمّ الحجّة على الإنسان، ويجب أن نحصل على علمٍ تفصيليّ.

  • والآن، حصلنا على علمٍ تفصيليٍّ وقلنا سمعًا وطاعةً، ثمّ نصطدم بأمرٍ في موضعٍ ما، لا نفهمه. هل لديكم علمٌ تفصيليٌّ بالمصالح والمفاسد في الموارد التي تطيعون فيها الوليّ؟! ليس لديكم؛ فمن بين مائة أمرٍ، لا تعلمون حقيقة عشرة منها! يجب عليكم أن تتعبّدوا؛ هذا هو العلم الإجماليّ! نحن نعلم إجمالًا أنّه صحيح، ولكنّنا لا نعلم تفصيلاً.

  • ذاك العقل أوصلنا إلى الوليّ، والعقل أتمّ لنا حجّيّة رسالة النبيّ فأسلمنا؛ والآن يأمرنا النبيّ بأمرٍ، وعقولنا لا تدركه. فنقول: بما أنّ العقل كان حجّةً حتّى الآن، فيجب أن يكون حجّةً من الآن فصاعدًا! هنا يقع الخلل! كيف يمكن للعقل الذي كان حجّةً في أصل المجيء إلى الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله واتّباعه، أن يفقد حجّيّته هنا؟! 

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

11
  • لا يا عزيزي، لم يفقد حجّيّته، ولكن هو لا مكان له هنا! نعم، لو كان لديك عقلٌ هنا لكان حجّةً أيضًا؛ فأنت لا تملك عقلاً هنا، فعقلك تقدّم إلى حدٍّ معيّن، ولم يتقدّم أكثر من ذلك، ويقول: هذا ليس في نطاقي! هذا كمثل أن تتوقّع من عينك أن تسمع! فالعين للرؤية، والأذن للسمع؛ يجب أن نتوقّع من الأذن وظيفة الأذن، ومن العين وظيفة العين!

  • إنّ العقل الأوّل نفسه هو الذي يجبرنا على الاتّباع الإجماليّ، ويقول: بما أنّه حقٌّ وكلامه ليس باطلاً، وإدراكه ليس إدراكًا ظاهريًّا بل إدراكٌ للغيب، فاعلم أنّ يقينك هذا فيه خللٌ في موضعٍ ما! نحن نقع في المشاكل في المظنونات، فما بالك باليقينيّات! إنّ يقينك هذا فيه خلل! إمّا أن تتخلّى عن ذلك العلم التفصيليّ؛ وإذا تخلّيت عن أمرٍ واحدٍ وقلت: أتخلّى هنا وأقبل في بقيّة المواضع، فالعقل يقول: هذا لا يستقيم! عندما يكون ملاك الاتّباع ملاكًا واحدًا، فإذا أردت أن تتخلّى في موضعٍ واحد، فإنّك تهدم أصل كلّ شيء! لأنّه يقول: بالملاك نفسه الذي كنتُ آمرك على أساسه حتّى الآن، فإنّ هذا الأمر الآخر أيضًا هو بذاك الملاك نفسه، لم يصبحا ملاكين! الملاك هو الاطّلاع على نفس الأمر والمصالح، وهو غائبٌ عنّا؛ وهذا الملاك لم يتغيّر هنا. هذا كمن يقول: سيّدنا، نحن لا نقبل هذه الآية الواحدة من القرآن، ونقبل البقيّة.

  • ـ إذن أنت لا تقبل أيّ شيء! لأنّ هذه الآية الواحدة حجّةٌ علينا بنفس الملاك الذي تكون به بقيّة الآيات حجّة. بنفس الملاك الذي يقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾۱ وأنتم تعتبرون الصوم واجبًا، فبالملاك نفسه جاءت آية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾٢ ؛ فإذا أردت أن تنكر هذه، فأنكر ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيضًا، وأنكر ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾٣ أيضًا! لأنّ كلّها جاءت من مبدأ واحد.

  • والآن، دعك من المشكوكات والمظنونات؛ ماذا نفعل في يقينيّاتنا تجاه أوامر الأستاذ؟ عندما يكون الأمر يقينيًّا، فإذا كان لدينا يقينٌ بالخلاف، وأمر الأستاذ بأمرٍ ما، فهل يجب أن نقول: لا يهمّ، فليكن ما يكون من اليقين؟! ولدينا في هذا المجال رواياتٌ كثيرة: إن لم تدركوا حقيقة أمر ما من أوامرنا، فلا تقولوا: ليس بصحيح. بل فوّضوا علمه إلينا٤. فوّضوا علمه إلينا، يعني أنّك أنت لا تدرك الواقع؛ لو كان لديك عقلٌ لأدركت! فاذهب ونفّذ! كن إنسانًا بحيث أنّك على الأقلّ تكون قد نفّذت الأمر! وقد أورد المرحوم الشيخ [الأنصاري] أيضًا في القسم الأخير من الرسائل رواياتٍ مشابهة: إذا رأيتم أنّ النهار قد طلع ونحن نقول إنّه ليل، ففي ذلك مصلحة٥؛ وأمثال ذلك.

    1. سورة البقرة، الآية ١٨٤
    2. سورة النساء، الآية ٣٤
    3. سورة آل عمران، الآية ٩٧
    4. الكافي، ج ١، ص ٤٠١: إِنَّ حَدِيثَ آلِ مُحَمَّدٍ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يُؤْمِنُ بِهِ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ فَمَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَدِيثِ آلِ مُحَمَّدٍ ص فَلَانَتْ لَهُ قُلُوبُكُمْ وَعَرَفْتُمُوهُ فَاقْبَلُوهُ وَمَا اشْمَأَزَّتْ مِنْهُ قُلُوبُكُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْعَالِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا الْهَالِكُ أَنْ يُحَدِّثَ أَحَدُكُمْ بِشَيْ‌ءٍ مِنْهُ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَقُولَ وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا وَالْإِنْكَارُ هُوَ الْكُفْرُ.
      بحار الأنوار ج٢ ص ۱۸٦: قال أميرالمؤمنين: إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفون فردّوه إلينا وقفوا عنده، وسلّموا حتّى يتبيّن لكم الحق، ولا تكونوا مذاييع عجلى.
    5. فرائد الأصول ج٤ ص ۱٣٢: ما ورد مستفيضًا: من عدم جواز رد الخبر وإن كان مما ينكر ظاهره، حتى إذا قال للنهار: إنه ليل، ولليل: إنه نهار معللا ذلك بأنه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطن السامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر. 
      بحار الأنوار ج٢ ص ۱۸۷: عن سفيان بن السمط ، قال: قلت لابي عبدالله: جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الامر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه، قال: فقال أبوعبدالله: أليس عني يحدثكم؟ قال: قلت: بلى. قال: فيقول لليل: إنه نهار ، وللنهار: إنه ليل؟ قال: فقلت له: لا. قال: فقال: رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا.

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

12
  • كلّ هذه الأمور لها مناطٌ وملاكٌ واحد، وهو أنّ السلوك أصلًا يعني العلم الإجماليّ؛ والتعبّد يعني العلم الإجماليّ. عُمَر جاء إلى النبيّ وقال إنّه لم يشكّ قطّ إلّا في هذا المورد،۱ حيث قال النبيّ إنّنا سنذهب ونفتح مكّة، فجاؤوا إلى مكّة وعادوا ولم يفتحوها! عجيب! حسنًا، لقد تبيّن خلاف ذلك! فقال النبيّ: قلتُ هذا العام، ولكن لم أقل في هذه المرّة! إنّه يتعامل مع النبيّ بهذه الأسباب الظاهريّة، فمن ناحية يرى أنّه النبيّ ويقبله، ومن ناحية أخرى يرى أنّ كلامه هذا قد تبيّن خلافه بهذه الأسباب الظاهريّة؛ لذا يقول: لا نقبل هذا الأمر ونتركه جانبًا! لأنّ الإنسان واقعٌ في صراع مع النفس الأمّارة والهوى، فإنّ النفس الأمّارة تبرّر المسائل لصالحها؛ وهنا يحدث أن يتقابلا وجهًا لوجه!

  • قصّة العالم المتهتّك الذي أراد قتل شيطان في حضرة السيد الحداد!

  • العالِم المتهتّك هو العالِم الذي يقف في وجه الوليّ ويقول: يجب أن يكون الأمر كذا، ويجب أن يكون كذا! سألتُ السيّد العلامة يومًا: هل سافر بعض العلماء من تلاميذكم بإذنكم للقاء أحد المراجع؟ فأجاب: كلّا، لقد جاء فقط ليودّعني وقال: "هل لديك أمرٌ تريدني أن أبلّغه لذلك المرجع؟ فقلتُ: نعم هذه الأمور.

  • إنّ الأستاذ يرى ما سيحدث بعد يومين، ولكنّك لا ترى هذا، الأستاذ يرى الأوضاع والأحوال، ولكنّك لا تراها، أنت تنظر فقط إلى أنّ الإسلام قد ضاع، أغيثوا الإسلام! قيّم الإسلام جالسٌ هنا! الإمام الحسن عليه السلام جالسٌ ويقول: أنا أريد أن أصالح معاوية! ما علاقتك أنت بالموضوع، هل دينك أكثر من ديني؟! أتأتي أنت لتأمر الإمام الحسن عليه السلام بأن انهض لنقاتل؟! ما علاقتك أنت؟! يقول: أنا أريد أن أصالح معاوية، بل وأريد أن أقف خلف معاوية وأصلّي، بل وأريد أن أقتدي بمعاوية وأقلّده!! ما علاقتك أنت؟!

  • هذا الذي طُرد كان سبب طرده هذا الأمر؛ كان عالِمًا متهتّكًا، لم يكن جاهلاً! بالمسائل التي حصلت له وانفتح بصره، كان السلاح في يده، حصلت له مكاشفاتٌ وكان لديه سلاح. كان يأتي من النجف إلى كربلاء ويصلّي خلف السيّد الحدّاد، ويقول: أنا آتي إلى كربلاء مرّةً في الأسبوع لأصلّي صلاةً. كان يأتي يوم الخميس ويعود يوم الجمعة. كان يأتي ويرى فجأةً أنّ أحد أولئك الذين لم يكن السيّد الحدّاد يريد أن ينظر إليهم أصلًا، ومن المعاندين للسيد الحداد، موجودٌ هناك! كان هذا الخبيث يأتي إلى مجلس السيّد الحدّاد ليرى ويستخرج كلمةً من السيّد الحدّاد، ثم يذهب ويعلنها في المجالس ويجمع الناس ضدّه... وفي كثير من الأحيان كان يحدث أن يتقدّم [هذا العالم] ويقتدي به السيّد الحدّاد، فيغضب هذا [التلميذ]!

    1. تاریخ الإسلام، الذهبي، ج ٢، ص ٣٧١: «... فقال عُمَرُ: وَاللَهِ ما شَككتُ مُنذُ أسلَمتُ إلّا یومئذٍ، فأتیتُ النّبیَّ، صلّی اللَهُ علیه و [آله و] سلّم فقُلتُ: یا رسولَ اللَه، ألَستَ نبيّ اللَه؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: ألَسنا علیٰ الحقِّ وعدُوُّنا علیٰ الباطل؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: فلِمَ نُعطی الدَّنیَّةَ فی دینِنا إذًا؟ قال: ”إنّی رسولُ اللَهِ و لَستُ أعصیهِ و هو ناصِری!“ قلتُ: أولَستَ کُنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأتي البَیتَ فنَطوفُ حَقًّا؟ قال: ”بلیٰ، أفَأخبَرتُك أنَّك تَأتیه العامَ؟“ قلتُ: لا! قال: ”فإنَّك آتیهِ و مُطَوِّفٌ به.“»
      وقال السيوطي في الدر المنثور ج ٦/ ۷۷: " وأخرج عبد الرزاق ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم ... فذكر قضية شكّ عمر يوم الحديبية ، إلى أن وصل إلى قول عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ " . 

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

13
  • قال لي هو نفسه: يومًا ما، جئتُ من النجف بشوقٍ للصلاة في منزل السيّد الحدّاد، فرأيتُ السيّد الحدّاد يقتدي بالشيطان! لم يكن يرى كذبًا، بل كان يرى حقيقةً، كان يرى أنّ الشيطان قد أتى! كانت صورته البرزخيّة واضحةً له، وكان يقول الصدق يا ويلاه! ذهبتُ إلى المطبخ وأحضرتُ سكينًا لأطعنه في بطنه! (كان جادًّا، أي كان ينوي ذلك!) ولكن ما إن ارتفعت يدي بذلك السكين المشؤوم، حتى نظر إليّ السيّد الحدّاد نظرةً وقال: ألا تستحي! فارتخت يدي، وسقط السكين من يدي، ولم أصلِّ أصلًا! تنحّى جانبًا واصفرّ وجهه وابيضّ! كان سيقتله! كانت نيّته جادّة! بعد ذلك قال السيّد الحدّاد: ما علاقتك أنت، هل أنت قيّمٌ عليّ! يا عزيزي، هل كنت ستموت لو وقفت وصلّيت؟! إذا أراد السيد الحداد أن يذهب إلى جهنّم، فلن تذهب معه! لنفرض أنّنا أعلى من الجميع، أصلًا أنا أرغب في الذهاب إلى جهنّم! كلّا يا سيدي، لا يمكن! ذاك لكم، وهذا لنا؛ حور العين لنا، وناره لكم!

  • سرّ السلوك: التعبّد المطلق بأوامر الإمام والوليّ الإلهيّ

  • هذه الأمور دقيقةٌ جدًّا؛ هذه هي أسرار السلوك! إنّني أطرح هذه الأمور لأنّني أسمع بعض الأقاويل من هنا وهناك. إذا سألك أحدهم ما هو سرّ السلوك؟ فهذه هي الأسرار! إنّ ما يفعله [الوليّ]، لا ينبغي أن يكون هو محور اهتمام السالك؛ بل إنّ ما يجب أن يكون محور اهتمامنا هو ما يريده منّا وأين يريده. [نعوذ بالله] الإمام الحسين عليه السلام يريد أن يذهب إلى جهنّم، نحن أيضًا نذهب، وهذا أفضل، نشعر بالدفء؛ أريد أن أذهب إلى الكوفة، بسم الله؛ أريد أن أذهب إلى اليمن، بسم الله؛ أريد أن أُقتل، بسم الله؛ أريد أن أبقى حيًّا، بسم الله؛ أريد أن أتزوّج، يا له من أمرٍ حسن؛ أريد أن أطلّق، اذهب؛ وأيّ عملٍ آخر! أن تكون تحت عباءة الإمام الحسين عليه السلام هو الأمر المهمّ! أمّا ماذا يفعل، فما علاقتي أنا؟ هو أدرى بنفسه!

  • العالِم المتهتّك يأتي ويقول: لا، لا أقبل بوجودك، بل أنظر إلى عملك؛ يجب ألّا يكون عملك مخالفًا [للشرع]! إذا كان عملك مخالفًا، آتي وأمنعه! لذا، هنا تظهر قضيّة اختلاف الطريق في هذه المسألة! تصبح المسألة كما يقول السيّد الحدّاد: ذاك العالِم كان ثمرةً فجّةً غير ناضجة سقطت من الشجرة!. لقد أسفتُ كثيرًا، شخصٌ بكلّ هذه المقامات يصبح هكذا؛ ولكنّ شخصًا أمّيًّا، كأنّ شيئًا لم يكن، [لسان حاله] أينما كان الأستاذ نحن هناك، نحن [أمام أوامر الأستاذ ونواهيه] لا نفقه شيئًا! والآن، من علمه أكثر؟! هل العلم بالكتب؟! حسنًا، إنّ علمه هو الذي يسبّب ذلك!

خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين - دود العقل في السلوك إلى الله

14
  •  

  •  اللّهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّد