7

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (2)

مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

15
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)
/۱٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (٢)

  • مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار، المقدّمة، الدّرس السّابع

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمٰن الرّحيم

  • الحمدُ لله ربِّ العالمينَ

  • والصلاةُ على خيرة الله المُنتجبينَ محمّدٍ وآله الطّاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • مراتب الفناء

  • بيّنا سابقًا أنّه في السفر السلوكيّ للإنسان نحو الله تعالى، سيكون مقام الفناء ـ في السفر من الخلق إلى الحق ـ نهاية هذا السفر؛ وبناءً على اصطلاح العرفاء، عبّرنا عن فناء الوجود في تلك الحقيقة البسيطة بعالم العماء. هذا المقام هو مقام عدم تجلّي الذات ومقام كينونيّة الذات من دون تجلٍّ في المظاهر؛ وهو مقام اندكاك جميع الصفات، والأفعال، والأسماء، والذوات، والتعيّنات، بحيث لا يبقى في هذا المقام أيّ أثرٍ لوجود السالك الواصل بتاتًا. وقبل الوصول إلى هذا المقام، ذكروا مراتب كمقدّمة: المرتبة الأولى هي التوحيد الأفعاليّ أو بعبارة أخرى الفناء الأفعاليّ؛ والمرتبة الأعلى هي التوحيد الصفاتيّ أو الفناء الصفاتيّ؛ والمرتبة الثالثة هي التوحيد الأسمائيّ أو الفناء الأسمائيّ. وقد نُصَّ على تأخُّرِ وتَقَدُّمِ هذه المراتب الثلاثِ بعضِها عن بعضٍ؛ وتلك المرتبة الأعلى من هذه المراتب الثلاث هي مقام فناء الذات.۱

  • بيان مقام الفناء الأفعاليّ

  • وهنا، تُطرح المسألة التالية: نحن لا نعتبر الفعل مستقلاًّ بالتعيّن وبالشيئيّة والحيثيّة، بل نعتبره متأثّرًا بالصفة؛ لأنّ الفعل الإنسانيّ لا يمتلك استقلالاً في حدّ نفسه، بل هو متأثّر بصفة من صفات الإنسان، وهذه الصفة نفسها متأثّرة بالإرادة والمشيئة، وتلك الإرادة أيضًا صفة من صفات الإنسان متأثّرة بالذات وبحاقّ النفس. ولهذا، ووفقًا لسلسلة العليّة، فإمّا أن تكون ذاتُ الإنسان علّةً للإرادة، والإرادة علّة لتلك الصفات، وتلك الصفات علّة للفعل؛ وإمّا أن تكون الإرادة علّة للفعل، وتلك الصفات لها طابع مُعِدّ للإرادة.

  • العلاقة بين الإرادة والفعل

  • فالإرادة صفة من صفات النفس؛ غاية الأمر أنّ النفس لا تمتلك صفة الإرادة فقط، بل تمتلك صفات أخرى أيضًا: تمتلك شهوةً، وتمتلك غضبًا، وتمتلك رحمةً، وتمتلك عطفًا، وتمتلك فكرًا وعقلاً؛ وكلّ هذه الأمور مُعدّةٌ للإرادة، ولها طابع إعداديّ، وتسوق الإرادة بنحوٍ موافق وملائم لِطَبعها.

  • معنى الإرادة

  • التلميذ: أنتم قلتم: إنّ الذات علّة للإرادة؛ إذن، لدينا نوعان من الإرادة.

  • الأستاذ: كلاّ، الإرادة واحدة؛ أي إنّ الإرادة نفسها هنا وصف للذات، لا أنّها وصف للشهوة وأمثال ذلك؛ غاية الأمر أنّ لتلك الشهوات دورًا في توجيه الإرادة بالنحو المطلوب لها. بمعنى أنّ تلك الشهوات والصفات النفسانيّة تترك تأثيرًا في الذات؛ وبواسطة تغيّر هذه الذات، تتغيّر الإرادة أيضًا وفقًا لتلك الرغبات النفسانيّة. أي إنّنا إذا اعتبرنا الذات في مرحلة خاصّة، واعتبرنا الإرادة معلولة للذات، فإنّ هناك سلسلة من الصفات الأخرى الموجودة التي لا تُؤثّر في الإرادة مباشرةً، بل تُؤثّر هذه الصفات في الذات، والذات بدورها تُؤثّر في الإرادة؛ حينها، تتوافق هذه الإرادة مع هذه الصفات الموجودة في عرضها. فمثلاً، عندما تكون الذات ذاتًا شهوانيّة، لا تتولّد فيها إرادة تجاه مسألة روحانيّة؛ أو عندما تكون الذات روحانيّة، لا يتولّد فيها ميلٌ نحو المسائل الشهوانيّة؛ أو عندما تكون الذات عقلانيّةً، لا يتولّد فيها أبدًا ميل نحو المسائل الحسّية وما شابه؛ أو عندما يكون الإنسان منهمكًا في مسائل الرئاسات والمادّيات وعالم الدنيا، لا يتولّد فيه توجّه نحو مسائل عالم الملكوت والمعنى.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

3
  • الإرادة صفة النفس، وهناك صفات أخرى في عرض الإرادة هي [أيضًا] صفات للنفس؛ غاية الأمر أنّ هذه الصفات لا تُؤثّر في الإرادة مباشرةً وبلا واسطة، بل تُؤثّر في الذات، والذات بدورها تُؤثّر في الإرادة. أي إنّها علل مُعِدّة للإرادة، وتسوق الإرادة والمشيئة بالنحو المطلوب لها، وهي مؤثّرة في الإرادة بالواسطة.

  • افترضوا أنّ مولىً لديه عبدٌ، ولديه أيضًا عدّة أطفال. قدرة هذا العبد وإرادته بيد المولى، وقدرة أولئك الأطفال وإرادتهم بيد أبيهم [وهو نفس ذلك المولى]. ولكن، عندما يُريد هذا المولى أن يأمر عبده هذا بإنجاز عمل ما، يأتي هؤلاء الأطفال، ويصرفون ميل الأب نحوهم؛ أي إنّ هؤلاء الأطفال لا يُمكنهم التأثير في الإرادة، والقول للعبد: «اذهب وأنجز هذا العمل!»؛ لأنّه سيقول: «أنا أُطيع إنسانًا واحدًا فقط، اذهبوا لِشأنكم!»؛ وحينئذ، يذهب هؤلاء إلى أبيهم ـ الذي هو المولى ـ ويُحرّضونه، ويسوقون ميله نحوهم. هذا هو معنى: بالواسطة وبلا واسطة.

  • كيفيّة تأثير الذات وتأثّرها نسبةً لصفاتها وظهوراتها

  • التلميذ: إذن، الذات ليس لها طابع علّي فقط، بل تصبح معلولة أيضًا.

  • الأستاذ: أجل، بيّنا سابقًا أيضًا أنّ الذات نفسها تتلوّن وتتغيّر بواسطة الصفات والملكات التي تكتسبها؛ إذ بوسعها أن تتجرّد بالتجرّد الجوهريّ، أو تتوغّل في الجهة المادّية نحو الحيوانيّة. ليس الأمر بحيث إنّ الذات تبقى في مكانها دون مَساس، وكلّ ما في الخارج هو ظهورات غيرها؛ بل إنّ كلّ تلك الظهورات هي معلولة للذات. على سبيل المثال، ترون أنّ ذاتًا في بادئ الأمر كانت روحانيّة جدًّا وذاتَ بهاءٍ ونورٍ؛ ولكن، تمرّ عشر سنوات، وتتغيّر هذه الذات كليًّا عمّا كانت عليه قبل السنوات العشر، وتتكدّر لدرجةٍ ترون صدور حالات مزعجة منها، وكأنّها ليست هي بتاتًا! والعكس صحيح أيضًا؛ أي: ترون إنسانًا يمتلك صفات وحالات سيّئة؛ وفجأةً، يحدث فيه انقلاب؛ وعندما ترونه بعد خمس سنوات، تقولون: هل هذا هو نفسه الذي كان يرتكب تلك الأعمال، ويقوم بتلك الأمور؟!

  • التلميذ: هذه الصفات إذا كانت لها عوامل [وعلل] خارجيّة، فمن الطبيعيّ أن تُغيّر الذات أيضًا؛ أمّا عندما تمتلك ذات الإنسان شاكلة خاصّة، وتكون الصفات وليدة الذات نفسها، فلا يُمكن [هنا] لأيّة صفة أن تتنافى مع هذه الذات؛ إلاّ إذا حدثت سلسلة من التغيّرات في هذه الصفات بفعل عوامل خارجيّة وبرّانية تُعطي تشكّلاً خاصًّا لتلك الصفات يتنافى قطعًا مع الذات؛ ولهذا، يُغيّر الذات.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

4
  • الأستاذ: الذات تمتلك طابعًا استعداديًّا محضًا لا يُمكننا فصله عن المسائل الخارجيّة. تصوّروا طفلاً؛ عندما تنظرون وتَرَون أنّ هذا الطفل ينمو في بيئة مناسبة جدًّا، تجدونه يمتلك نفسيّة معيّنة؛ ولكن، افترضوا أنّه نما في بيئة غير مناسبة، فإنّه حينئذ سيمتلك نفسيّة أخرى.

  • بشكل عامّ، مقام الروح ومقام الذات هو مقام الاستعداد. فِعليَّةُ الذاتِ عبارة عن تلك الواردات التي تَرِد عليها وتكتسب [بواسطتها] الفعليّة. أنتم بأنفسكم ترون أنّكم عندما تذهبون إلى مجلسٍ ما، تُصبحون روحانيّين؛ ولكن، تذهبون إليه مجلس آخر، فتتكدّرون فيه. وحينئذ، إذا استمررتم في هذه القضيّة، ولم تهتمّوا لنداء وجدانكم ولذلك الزجر الذي يُوجّهه لكم الوجدانُ باجتناب هذه المجالس، ترون بعد مدّة أنّكم لا تملكون ميلاً للعبادة بتاتًا، ولا ميلاً لمجالس الدعاء والذكر، فتزول كلّ هذه الأمور بشكل عام؛ ولكن، إذا انتبهتم، وانتقلتم إلى هذا الجانب من القضيّة، تنعكس المسألة كليًّا.

  • [ذات الإنسان وروحه تكون في مقام الاستعداد المحض، ثمّ تصل إلى مقام الملكة،] وبعد الملكة، تصل إلى مقام الفعليّة؛ وبعد ذلك، تصل إلى مقام [العقل] المستفاد. يأتي عاملٌ، ويُوصل هذه الحالة الاستعداديّة إلى الفعليّة؛ أي إنّ هذا الإنسان يكون الآن في مقام الإمكان الاستعداديّ أو الإمكان الذاتيّ، ثمّ إذا أرجعته عوامل إلى هذه الكفّة من الميزان، ينقلب إليها؛ وإذا وُجدت فيه عوامل للكفّة الأخرى من الميزان، ينقلب إلى هذه الكفّة الأخرى. هذه الأمور تحصل بسبب التغيّرات التي تحدث في نفس الإنسان عن طريق مجموعة من العوامل.

  • بالطبع، لا يتنافى هذا مع مسألة أنّ ما يكتسبه الإنسان هو منه نفسه. وهذه مسألة دقيقة جدًّا سنصل إليها إن شاء الله تعالى في مباحث النفس؛ وهي أنّ ما نكتسبه عبارة عمّا كنّا نملكه وكان موجودًا في النفس، لا أنّه خارج عن ذاتنا، ويصل إلينا لاحقًا. بعبارة أخرى: المسائل التي تحدث للإنسان في هذه الدنيا لها حكم كشف حقيقة واقعة، ولا يكون لها حكم وضع حقيقة واقعة وإيجادها.

  • كلّ هذه الكشوفات هي مقام إثباتٍ يكشف عن ثبوتٍ يُمثّل الكيفيّة التي كانت عليها هذه النفس في الوهلة الأولى وفي الأزل. يتحرّك الإنسان وفقًا لتلك الكيفيّة، ويعمل، ويتقدّم، إلى أن يصل إلى ذلك المبدأ وتلك المراحل التي كان موجودًا فيها، ولكنّه كان غافلاً عنها، ولم يكن عالمًا بذلك العلم؛ أي: في الواقع، حصل له الآن علم بالعلم، فيُشاهد نفسه، ويرى أنّه كان هكذا.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

5
  • أمّا من ناحية عالم الكثرة، فهذه الصفات تُؤثّر حتمًا في الذات. لا تعتبروا هذه القضيّة مسألة منفصلة عن مسألة الصفات. عندما نقول إنّ الذات يجب أن تنتقل في هذه المراتب، وتكون لها حركة بهذا الشكل، فكيف حينها لا تُؤثّر مسألة الصفات في الذات؟! إذا لم تُؤثّر، فلا يُمكن للذات أن تتغيّر. أي: إنّ ما تملكه الذات في نفسها، تملكه في مقام الإجمال والبساطة وعدم النضج، لا في مقام التفصيل. أمّا في مقام الإثبات، فيجب أن تأتي صفة، وتُخرج ما في باطن هذه الذات من حالة الكمون؛ أمّا إذا لم توجد صفة، فلن يخرج ذلك.

  • التلميذ: الصفة موجودة؛ لأنّها معلولة للذات، وتُبرز هذه الذات.

  • الأستاذ: نعم، ولكنّ ذلك له ارتباط بالمسائل الخارجيّة. لا يُمكن للإنسان أن يفصل نفسه عن المسائل الخارجيّة؛ فمثلاً، عندما تجلسون مع إنسانٍ ما، ويُؤثّر فيكم؛ هل يُمكنكم إنكار ذلك؟!

  • التلميذ: ما يُؤثّر فيّ إذا كان ملائمًا لما هو في ذاتي وفي كموني، فلا يُمكن إنكار تأثيره؛ أمّا إذا لم يكن ملائمًا لذاتي، فلن يترك تأثيره فيّ.

  • الأستاذ: سيترك تأثيرًا في النهاية؛ إلاّ إذا انضمّت عوامل ـ سواء قبل ذلك أو بعده ـ واجتمعت، لكي تمنع ذلك التأثير أو لتزيد منه. لا يُمكنكم القول إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما كان يتحدّث مع الناس، لم يكن يُؤثّر فيهم، بل كان يُؤثّر حتى في عُمَر؛ غاية الأمر أنّه هو نفسه عندما كان يخرج، كان يُفسد الأمر ويُخرّبه! أليس لدينا في سيرة عمر أنّه في قضيّة السيدة الزهراء عندما جاءت عليها السلام خلف الباب، ضرب هذا الباب عليها... عندما فهم، وشعر بأنّها عليها السلام قد أُصيبت هكذا، حدثت فيه حالة رقّة، وأراد الامتناع عن الضرب، ثمّ قال: «تذكّرت تلك الأحقاد وكبار العرب الذين قتلهم عليّ! وعندما تذكّرت ذلك، دفعت الباب!».۱ إذن، فقد كان مؤثّرًا فيه أيضًا؛ لأنّه ليس خشبة! إذا كان خشبة وحجرًا، فلا عقاب عليه حينئذ؛ ولكن، كلاّ! هذه الحالة نفسها، وهي أنّ ابنة النبيّ المعصومة والبريئة قد جاءت الآن خلف الباب، وأنت لديك حرب مع عليّ، وليس لديك حرب مع امرأة، فلماذا تفعل هذا؟ إذا كنت تريد، فاذهب إلى عليّ، واحمل السيف، واقتله، وافعل ما يحلو لك! لكنّها امرأة في البيت، ولا ذنب لها، وأنت بنفسك تقبل هذا أيضًا؛ ولكنّك مع ذلك، تفعل ذلك! أليس هذا غير أنّك عالمٌ بهذه القضيّة، وشاعر بها، ونفسُك تمتلك هذه الصفة؟! الآن، بعد أن ارتكب عمر ذلك الفعل، ارتدّت نفسُه؛ أي: خُتم عليها. ولكن، قبل ذلك، لم يكن الأمر هكذا!

    1. بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٢٩٣.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

6
  • لا تظنّوا أنّنا نمتلك دائمًا ـ في الحالات التي تحدث لنا في هذه الدقائق واللحظات ـ طابعًا ثابتًا كتمثال، وأنّ المسائل تمرّ بجانبنا هكذا بشكل عابر؛ كلاّ! كلّ عمل وكلّ فعل نقوم به يُشبه مِعول النحّات الذي يُحدث تغييرًا في هذا التمثال؛ فإذا قمنا بفعل سيّئ، فإنّه يُسقط قطعة من هذا الحجر؛ وإذا قمنا بعمل صحيح، فإنّ ذلك الحجر يُرفع، ويُلصق في مكانه. إذا قمنا بعمل جيّد آخر، يُصيغ هذا المِعول مقدارًا من شكل التمثال وهيئته. وإذا قمنا بعمل آخر ـ وهكذا أعمال لاحقة أخرى ـ وكانت كلّ هذه الأعمال في المسار الجيّد، يتحوّل فجأة إلى تمثال ظريف جدًّا وممتاز جدًّا وثمين جدًّا؛ وإلاّ، إذا تحرّكنا في المسار السيّئ هكذا، وخطونا فيه، فإنّه يشبه ذلك الحجر الذي تُسقط منه قطعة باستمرار؛ وفجأةً، ترى أنّه لا يبقى شيء أبدًا ليعمل عليه النحّات!

  • كان عمر في هذه اللحظة يمتلك نفسًا بكيفيّة وشاكلة خاصّة؛ ولكن، بمجرّد أن قام بذلك العمل، أحدث فيه انقلابًا، وأنهى أمرَه، بحيث بوسعنا القول: إنّه من ذلك الحين فصاعدًا، انتهى أمرُه، وخُتم عليه! هذه عينٌ اقتلعها بنفسه ورماها، والعين التي تُرمى لا تعود إلى مكانها بعد ذلك! وإلاّ، فلو لم يفعل عمر ذلك في تلك اللحظة، لكان ربّما قد نجا؛ أي: لو أنّه عندما حدثت له رقّة في تلك اللحظة، كفّ يده، مع أنّه قد فعل ذلك الأمر مع السيدة الزهراء عليها السلام أيضًا؛ ولكن، لو كان قد كفّ يده، لربّما كان هذا نفسه نقطة إيجابيّة له قد تفيده في وقتٍ ما.

  • نفس الإنسان ـ التي تمتلك هذا الاستعداد ـ تبدأ بالانقلاب مع كلّ تغيير. وعندما تنقلب، تشتدّ تلك الصفات فيها هكذا أيضًا؛ لأنّ الصفة تنشأ منها؛ أي إنّ العمل الخارجيّ يُؤثّر في النفس، والصفات تنشأ من النفس، والأفعال تنشأ من الصفات أيضًا؛ وبالتالي، فهذه الذات في حالة تحوّل دائم؛ ومع تحوّلها، تتحوّل الصفات والأفعال أيضًا. تتحوّل هذه النفس مرّة أخرى؛ ومع تحوّلها، تتحوّل الصفات مرّة أخرى، وتتحوّل الأفعال أيضًا. وهكذا هو الإنسان؛ فهو في حال تغيّر ذاتيّ دائم، ويمتلك تغيّرًا في الصفات بالتبع. هذه مسألة مهمّة جدًّا يُستفاد منها في التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ وما إلى ذلك.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

7
  • الحقيقة المشكّكة للفناء الذاتيّ

  • عندما تتّضح هذه القضيّة، نصل إلى المسألة التالية: يقول العلماء: يجب في البداية أن يحصل التوحيد الأفعاليّ للإنسان، ثمّ يحصل له التوحيد الصفاتيّ، ثمّ التوحيد الأسمائيّ، ثمّ يحصل له الفناء الذاتيّ؛ ولكنّنا نرى أنّ في هذه المسألة مجالاً للنقاش والتأمّل؛ لأنّ كلاًّ من التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ والأسمائيّ يقع في مرتبة العلّية، فكيف يُمكن أن يحدُثَ تغيّرٌ في المعلول دون أن يحدث تغيّرٌ في علّته؟! لا يُمكن أن يكون الأمر هكذا! أي: إذا أراد الإنسان أن يحصل له توحيد أفعاليّ، فيجب حتمًا أن يكون قد حصل له توحيد ذاتيّ. إذا لم يحصل التوحيد الذاتيّ، فلا يُمكنه رؤية جميع الأفعال فعل الله، وفعلاً واحدًا.

  • بيّنا سابقًا أيضًا أنّ كلّ واحد منّا جالس هنا الآن، ويرى أفعالَه متميّزةً عن الآخرين. ففِعلي يختلف عن فعل ذاك. أنا أُغلق هذا الكتاب وأفتحه، وهو يكتب هذه المسائل؛ وأنا أتحدّث، وأنتم تستمعون. في الأساس، هذه الأمور تتفاوت مع بعضها، وتختلف وتتميّز عن بعضها. هذا الاختلاف والتمايز ناشئ من تلك الصفة التي يصدر منها هذا الفعل الآن. أنا الآن في مقام التكلّم، وهذه الكلمات تخرج من لساني؛ وأنتم في مقام التفكير، وتتّصفون الآن بصفة التفكير؛ ولهذا، تستمعون الآن، وأنتم مستمعون أو سامعون. فمن صفات الله: «يا سامِعَ الدعَواتِ»؛۱ وأنتم أيضًا تسمعون هذه الأمور، فأنتم تتّصفون الآن بصفة السمع؛ وبالتالي، فإنّكم تمتلكون الآن صفات الله، ولا ينقصكم شيء عنه تعالى! ولكن في الوقت نفسه، يُمكنكم دفع الاتّصاف بصفة السمع عن أنفسكم، والاتّصاف بصفة التعقّل والتفكير، والبدء بالنظر في هذه المسائل، ليُترك السمع جانبًا. أو أن تمتلكوا السمع والتفكير (والتعقّل) في الوقت نفسه، وتجمعوا كلتا الصفتين معًا. لو كنتم تمتلكون السمع فقط دون تفكير، لكنتم مثل شريط التسجيل الذي يُسجّل فقط؛ حينها، لم يكُن بوسع أيٍّ منكم أن يُشكلَ عليّ. فسبب هذا الإشكال هو أنّكم تمتلكون تفكيرًا مع السمع. فالآن، قد يمتلك أحدكم مع السمع والتفكير صفة الكتابة أيضًا، ويتّصف بالكتابة؛ أي إنّه يستمع ويُفكّر ويكتب. وقد يكون أحدهم يستمع ويُفكّر ويكتب، ويتّصف بصفة التكلّم، ويتحدّث؛ أي: في حين أنّه يكتب، يتحدّث أيضًا! فنجد هكذا أناس يقومون بكلّ الأعمال معًا! وهؤلاء عجيبون جدًّا، ويخلطون الأمور قليلاً. بالطبع، يوجد هؤلاء في الخارج، لا أنّهم غير موجودين؛ أمّا فينا، فالأمر صعب، لا أنّه ممتنع عقلاً.

    1. الكافي، ج ٣، ص ٣٢۷.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

8
  • سبب رؤيتنا لهذه الأفعال الآن منفصلةً ومتميّزةً عن بعضها هو أنّنا نرى الصفات متميّزة، فتمايز الصفات يُؤدّي إلى تمايز الأفعال. وسبب رؤيتنا للصفات متميّزة هو أنّنا نرى الذوات متميّزة. فتمايز الذوات يُؤدّي إلى تمايز الصفات، وتمايز الصفات يُؤدّي إلى تمايز الأفعال.

  • بناءً على هذا، فالذي يصل إلى التوحيد الأفعاليّ ويرى الأفعال واحدة واقعًا، يجب أن يرى الذوات واحدة واقعًا أيضًا. لا يُمكنه أن يرى الذوات مستقلّة، ولكنّ الفعل يكون فعلاً واحدًا! هذا يُصبح مثل سماء واحدة وهواءين!۱ هذا يُصبح مثل الأقرع الذي له شعر طويل!٢ إذا كنتم ترون الفعل واحدًا، فهل هذا الفعل مستند إلى صفة أم لا؟! الفعل في العالم الخارجيّ ليس له استقلال ذاتيّ، بل له طابع رابطيّ، ووجوده وجود رابطيّ؛ أي: له مجرّد حيثيّة الارتباط بينه وبين علّته. نحن في الحيثيّة الرابطيّة وفي الوجود الرابطيّ، لا يُمكننا تصوّر هذا الوجود في الأساس من دون تصوّر مبدئه. أي: لا يُمكنكم إلقاء نظرة استقلاليّة إلى الفعل بتاتًا بدون التوجّه إلى الصفة والإرادة التي يصدر منها هذا الفعل؛ وبالتالي، فأنتم مضطرّون للتوجّه إلى الإرادة أيضًا. وعليه، فالذي يرى التوحيد الأفعاليّ، يرى توحيد الإرادة أيضًا، وأنّ جميع الإرادات واحدة؛ أي إنّ الإرادات وإن كانت متفاوتة في الصورة، إلاّ أنّها واحدة في الواقع وفي المعنى. وهكذا أيضًا، لا يُمكن للإنسان أن يرى الإرادة واحدة، ويرى [في الوقت نفسه] الذات مختلفة، بل يجب أن يرى الذات والتعيّن واحدًا أيضًا. هذا هو الإشكال يُطرح على كلام العرفاء من الناحية البرهانيّة والفلسفيّة.

  • تلازم إدراك التوحيد الأفعاليّ والأسمائيّ والصفاتيّ في مقام الإثبات مع فناء الذات في مقام الثبوت

  • التلميذ: كلامنا هو في عالم الإثبات، لا في عالم الثبوت. هذه المسألة تكون بهذا النحو في عالم الثبوت، وهي واحدة؛ أمّا في عالم الإثبات، فمن الممكن ألاّ يكون الإنسان قد وصل إلى الذات بعدُ، ولم يمتلك ذلك العمق، غير أنّه لا يرى إلاّ وحدة الأفعال.

  • الأستاذ: كلاّ، عندما ترون الأفعال واحدة في عالم الإثبات، هل ترونها واحدة بعينكم أم بباطنكم؟ إذن، لا يُمكن أن تتّضح لكم حقيقة الوحدة الأفعاليّة، وأنتم لم تصلوا بعدُ إلى حقيقة وحدة الذات؛ لأنّ هذه الوحدات ليست شيئًا يتوفّر على جزء يكون منفصلاً ومستترًا.

    1. عبارة كنائيّة في اللغة الفارسيّة تُشير إلى الكيل بمكيالين وازدواجيّة المعايير. المترجم
    2. عبارة كنائيّة في اللغة الفارسيّة تُشير إلى التضادّ بين أمرين، وعدم اجتماعهما. المترجم

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

9
  • نعم، يُمكننا القول هنا بمراتب تشكيكيّة للتوحيد، والقول بالاختلاف في رُؤى الوحدة. فمثلاً، قد ينظر الإنسان في نفسه، ويرى أنّ جميع الأفعال هنا واحدة، وإن لم يصل ذهنه وعقله إلى مسألة حاقّ الوجود. بالطبع، يُمكننا بيان هذه المسألة نفسها بنحوٍ ما من ناحية برهانيّة فلسفيّة أيضًا. أي: يُمكننا القول من باب التمثيل والتشبيه: القضيّة لها حكمُ مصباحٍ واحد تجلّى في مرايا مختلفة. فقد لا تقع أعيننا على المصباح، ولكنّنا نرى الأضواء المتفاوتة؛ وبما أنّ عقلنا يقول: إنّ هذا الضوء يجب أن يكون ضوءًا واحدًا، وله منشأ واحد؛ إذن، يجب أن نكون هنا قائلين بتوحيد الأثر، وإن كان المتأثّر متفاوتًا. أي: وإن كانت تلك المرايا متفاوتة، إلاّ أنّها بأجمعها تمتلك أثرًا واحدًا؛ بمعنى: وإن لم تقع أعيننا على ذلك المصباح ولم نلتفت إليه، إلاّ أنّه يُمكننا هنا تصوّر هذه المسألة. فهذا التصوّر يكون من ناحية مفهوميّة؛ ولكن، متى نجد بأرواحنا هذه الوحدة الأفعاليّة حقًّا وحقيقةً؟ ليس في ذلك الوقت الذي تلمع فيه هذه الوحدة كبارقةٍ على أرواحنا، بل في ذلك الوقت الذي نرى فيه الذات واحدة أيضًا.

  • أنا لا أُريد ردّ كلام العرفاء، وأقول إنّه غير صحيح؛ بل أُريد إثبات أنّه: بأيّ مقدار يحصل لكم توحيد ذاتيّ، فبذلك المقدار نفسه يحصل لكم توحيد أفعاليّ وتوحيد صفاتيّ. لا يُمكن للسالك أن يحصل له توحيد أفعاليّ من دون توحيد ذاتيّ! إذا كان يرى التوحيد الأفعاليّ، ولكنّه لا يرى التوحيد الذاتيّ، فسيصل إلى مرحلة يحدث له فيها اختلاف في هذه الرؤية نفسها. أي إنّه كان يرى سابقًا أنّ جميع الأفعال واحدة؛ ولكنّه الآن يشاهد الوحدة بصورة أخرى غير الصورة السابقة، وفي مرتبة غير المرتبة السابقة. الآن، يرى وحدةً لم تعُد منفصلة عن الصفة؛ ولكنّه في ذلك الوقت، كان يرى وحدة الفعل منفصلة عن الصفة.

  • السالك الذي يحصل له التوحيد الأفعاليّ يقول بوجود مراتب مختلفة لِتعيّن الوجود: [أوّلاً] الوحدة في الأفعال، وهي مرتبة ضعيفة من الوجود؛ [ثانيًا] الوحدة في الصفات، وهي المرتبة الأقوى والأشدّ للوجود وهي علّة للأفعال؛ الوحدة في الأسماء، حيث تكون كلّ هذه الأسماء علّة للصفات، ويكون مثلاً نفس اسم زيد ونفس زيد عبارة عن مرتبة اسميّته وتعيّنه؛ [ثالثًا] الوحدة في الذات، والتي يرى فيها [السالك] ذاتًا واحدة هي ذلك الوجود البسيط نفسه.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

10
  • هذا التشكيك في الوجود الذي يحصل الآن لهذا السالك ـ الذي يُشاهد الوجود الضعيف دون أن يُشاهد الوجود القويّ ـ هو بسبب أنّ نفسه قد تبدّلت، وحصل مقدار ضعيف من الوحدة في ذاته؛ غاية الأمر أنّه هو نفسه لا يُدرك هذه الوحدة التي يراها الآن؛ مثل الناس الذين حدث تغيّر في العصب المركزيّ لشبكيّة عينهم، بحيث لم يعودوا يُميّزون الألوان.

  • حصول مراتب التوحيد في مقام الإثبات بواسطة فناء الذات في مقام الثبوت

  • التلميذ: ألا يكون عدم فهمه وإدراكه دليلاً على أنّ ذلك التغيّر في عالم الثبوت، لا في عالم الإثبات؟

  • الأستاذ: التغيّر كان في عالم الثبوت، فتغيّر عالم إثباته أيضًا؛ غاية الأمر أنّه في عالم الإثبات، لا يكون شاعرًا بنفسه، ولا يكون لديه إشراف على ذاته، بل يُشاهد ذاته فقط في مرتبة المحسوسات أو المعقولات. في عالم الإثبات، يكون الفعل أسهل منالاً نسبةً للذات؛ وبعد الفعل، تكون الصفات أسهل منالاً؛ وبعد الصفات، تكون الأسماء أسهل منالاً؛ وبعد الأسماء، تأتي الذات التي ليست في المتناول بتاتًا. أي: بما أنّ الأفكار والحواسّ وعالم القلب وما إلى ذلك يرتبط بالمرتبة المعلوليّة ومرتبة متناسبة مع [السالك]، لا بالمرتبة الأشدّ؛ لذلك، فإنّ ما هو أكثر ملاءمة لذهنه في الوهلة الأولى ينجلي له، ولكنّه لا يشاهد تلك المرتبة الأقوى.

  • ولهذا، يجب أن يُقال للذي يُشاهد التوحيد الأفعاليّ: يا عزيزي، إنّك ترى التوحيد الأفعاليّ هكذا، لأنّ ذاتك قد تغيّرت؛ وليس أنّ ذاتك لم تتحرّك من مكانها أبدًا، وهي جالسة في مكانها بدقّة، وفي الوقت نفسه أنت ترى التوحيد الأفعاليّ في مقام الأفعال! عندما يُشاهد الإنسان التوحيد الأفعاليّ، فإنّه يُدرك التوحيد الذاتيّ أيضًا، شاء أم أبى، ومن حيث لا يشعر؛ غاية الأمر أنّه يُدركه في مرتبة ضعيفة، ويشعر بأنّ ذوات [هذه الأفعال] يجب أن يكون لها ربط ببعضها أيضًا. فشعوره بأنّه يجب أن يكون لها ربط ببعضها، هو بسبب ذلك المقدار الذي تغيّرت فيه ذاته؛ غاية الأمر أنّ هذا التغيّر في الذات يُظهر التوحيد الأفعاليّ.

  • وحدة الذات تمتلك أرضيّة واسعة جدًّا، ومرحلة العلّية هي مرحلة لطيفة وظريفة ودقيقة جدًّا أيضًا؛ وبالتالي، لا يُمكن [للسالك] إدراكها واقعًا كما ينبغي؛ ولهذا، فإنّه يصل بعدها إلى التوحيد الصفاتيّ والأسمائيّ؛ أي يتوصّل إلى أنّ جميع الصفات وجميع الإرادات واحدة.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

11
  • أنا أقوم بإرادة للضرب، وأنتم تقومون بإرادة للضحك؛ فكيف تصبح هاتان الإرادتان واحدة؟ هذه الإرادة قهريّة [وجلاليّة]، وتلك الإرادة جماليّة؛ فكيف يُصبح الجمال والجلال واحدًا هنا؟

  • يرى [السالك] أنّ كلتا هاتين الإرادتين المختلفتين يجب أن تكونا مُنبثقتين من ذوات تربطها وحدة وثيقة. نحن نطرح الآن هذه المسألة في عالم الفكر والتعقّل، بينما ذلك السالك يُشاهد ـ في عالم نفسه وقلبه ـ أنّ ذلك الارتباط الوثيق الذي تملكه هذه الذوات ببعضها يُؤدّي إلى ظهور هذه في الجلال، وتلك في الجمال؛ ولكن في الواقع، مردُّ الجمال والجلال كلاهما إلى إرادة واحدة وحقيقة فريدة.۱ وهذا المقام أقوى من التوحيد الأفعاليّ، حيث يرى [السالك] الإرادات واحدة واقعًا؛ ولكن، في الوقت الذي يرى فيه الإرادات واحدة حقيقةً، لا يرى ـ مع وحدة الإرادة ـ الذاتَ واحدةً بعدُ، بل يراها قريبةً من الوحدة.

  • على سبيل المثال، افترضوا أنّ هناك رفيقين، جاء أحدهما من الغرب والآخر من الشرق. عندما يلتقي هذان الرفيقان في البداية، يُسلّمان على بعضهما؛ هذا يقول: سلام عليكم! وذاك يقول: سلام عليكم! بماذا تحكمون عليهما؟ تقولون: إنسانان غريبان التقيا، وليس بينهما أيّ ارتباط. حسنًا؛ بعد مرور مدّة، لا ترونهما، لكنّكم تنظرون إلى أفعالهما، وترون أنّ أفعالهما تُشبه بعضها. على سبيل المثال، هذا يذهبُ إلى الدكّانِ فيشتري تفاحًا، وذاك أيضًا يذهبُ فيشتري تفاحًا؛ أو هذا يشتري خبزَ السَّنگک،٢ بينما ذاك الذي لم يكن يأكلُ إلا خبزَ التفتون،٣ تراهُ الآن يأكلُ خبزَ السَّنگک؛ أو هذا يُعجبه البرتقال، وذاك الذي كان يُعجبه البطّيخ، ترون أنّه الآن يُعجبه البرتقال. تقولون: هذان اللذان كانا يختلفان عن بعضهما، ماذا حلّ بهما الآن لتصبح جميع أفعالهما واحدة؟! هذا كان يلبس خفًّا بدل الحذاء، ولكنّ الآخر كان يقول: ما هو الخفّ أصلاً؟! لم يكن يخرج من بيته أبدًا ما لم يكن حذاؤه مكويًّا وملمّعًا وكذا وكذا! ولكن، ترون الآن أنّه هو أيضًا يلبس خفًّا! يجب أن تكون هذه القضيّة قد نشأت بواسطة وجود ارتباطٍ بينهما؛ أي: يجب أن يكون هذا التشابه وهذه الوحدة في الأفعال خاضعين لحساب. هل نقول هذا أم لا؟ نحن لم نرَ رفقتهما، بل رأينا الأفعال فقط، ولم نرَ أبدًا هذين الاثنين يمشيان معًا؛ بل هذا جالس في مكان وننظر إليه، وذاك أيضًا ننظر إليه دون أن يكون له ارتباط بهذا أبدًا، ونرى الفعل فقط. ندخل في حياة هذا، فنرى أنّ حياته مثل حياة ذاك؛ هذا مثلاً علّق اللوحة الكذائيّة على الجدار، وذاك علّق اللوحة نفسها على الجدار. نقول: «يا للعجب! في الأساس، كلّ أفعالهما واحدة؛ إذن، يجب أن يكون هناك ارتباط بينهما، ويجب أن يكونا قد أصبحا حميمين معًا لتصدر هذه الأمور من تلك الحميميّة». حسنًا، الآن هذه الحميميّة إلى هذا الحدّ.

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: تفسير آية النور، المجلس العاشر.
    2. خبز إيرانيّ يُخبزّ في تنّور تحتوي أرضيّته عادة على حصى صغيرة؛ ولهذا، يُترجم إلى العربيّة إلى عبارة: الخبز الحجريّ. المترجم
    3. خبز إيرانيّ رقيق يُخبز في التنوّر ويتميّز بانتفاخ أطرفه. المترجم

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

12
  • تمرّ مدّة أخرى، فننظر، ونرى عجبًا؛ فهذا الذي يقوم بهذه الأعمال، قد تغيّرت حالاته في الأساس؛ هذا كان إنسانًا عصبيًّا و ...، ولكنّنا ننظر الآن، ونرى أنّه يمتلك وجهًا مبتسمًا وضاحكًا جدًّا. ثمّ نقول: «يا للعجب، هذا كان بهذا النحو سابقًا، ورفيقه كان بذاك النحو؛ ولكن هذا قد أصبح بذاك النحو أيضًا!». ثمّ ننظر إليه، ونرى أنّه لم يكن يمتلك ميلاً للكتاب والمطالعة أبدًا، ولم يكن من أهل هذه الأحاديث، وكان يسخر من هذه الأمور في الأساس، ويقول: «اذهب يا عزيزي إلى حال سبيلك!»، ولكنّنا نراه الآن يحمل الكتاب دائمًا، ويُطالع! ما هي القضيّة التي أوجدت فيه هذه المسألة؟ ثمّ نرى أنّ هذا إنسانٌ كان مكانه في السينما من الصباح حتى المساء، وكان من أهل الغناء والرقص و ...، ولكنّه يأتي الآن دائمًا إلى المسجد، ويقرأ الأذكار دائمًا، ويتلو الذكر اليونسيّ، ولديه أربعين و ...! نرى: يا للعجب، يا للعجب، فصفات هذا أيضًا أصبحت مثل ذاك! نقول: «حتمًا، هذان قد أصبحا حميمين جدًّا مع بعضهما، لدرجة أنّ هذا يكتسب الآن صفات ذاك».

  • ثمّ تمرّ مدّة، ونرى أنّهما قد أصبحا واحدين مع بعضهما كثيرًا، وحصلا على وحدة أسمائيّة. بالطبع، تُصبح المسألة دقيقة جدًّا هنا، وكيف انتقلت الأسماء من هذا الإنسان إلى ذلك الإنسان. هذه الأمور التي أقولها جادّة، ولا أمازحكم. هذه المسائل موجودة واقعًا في عالم الإثبات، بحيث عندما تنظرون، ترون:

  • من كی‌ام؟ لیلی، و لیلی كیست؟ من***ما یک روحیم اندر دو بدن۱
  • [يقول: من أنا؟ أنا ليلى، ومن هي ليلى؟ هي أنا؛ نحن روحٌ واحدةٌ في جَسَدَين].

  • لقد كان صادقًا، وكان ـ بحقّ ـ يشعر بهذه القضايا وجدانًا.

  • انظروا: لقد تقدّمنا شيئًا فشيئًا من مرتبة الفعل، ووصلنا إلى مرتبة الصفة، وأصبحت الصفات واحدة. ثمّ اقتربنا أكثر، ورأينا أنّ الأسماء أصبحت واحدة؛ أي أنّ كلّ إرادة تتولّد في ذهن هذا، تتولّد في ذاك أيضًا، وكلّ شيء يتولّد في ذاك، يتولّد في هذا أيضًا. على سبيل المثال، يكون هذا في همدان، وذاك في قزوين؛ وحينئذ، كلّ ما يحلّ بهذا الذي في قزوين، وكلّ إرادة يقوم بها، نرى ـ ويا للعجب ـ أنّه يتولّد في الآخر أيضًا؛ مع أنّ الآخر هناك، وليس له ارتباط [ظاهريّ] بهذا بتاتًا! يُسمّون هذا بـ«الوحدة الأسمائيّة»؛ أي: تُصبح الأسماء واحدة. الاسم يعني جهة التعيّن والإرادة وما تعود إليه الإرادة.

    1. المثنويّ المعنويّ (ميرخاني)، الكتاب الخامس، ص ٤۷٢.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

13
  • بعد ذلك، يُصبح الأمر بنحوٍ، بحيث يُصبح وجودُهما واحدًا في الأساس؛ فمثلاً، يضربون هذا، فيموت ذاك في ذلك الطرف؛ أو يقتلون هذا هنا، فيموت ذاك في ذلك الطرف تلقائيًّا! هنا، أصبح وجودهما واحدًا. هذه المرحلة عالية ومرتفعة جدًّا. نحن بأنفسنا نرى هذه المسائل في مشاهداتنا.

  • ولهذا، فإنّ ما جاء [في الروايات]: «تَخَلّقوا بأخلاقِ الله»۱ أو «تخلّقوا بأخلاق الروحانيّينَ تكونوا منهم»٢ إشارةٌ إلى هذه الجهة؛ وهي أنّه: عندما يجلب الإنسان أخلاق هؤلاء في نفسه هكذا، سيُصبح عينهم شيئًا فشيئًا؛ لا أنّه يُصبح مثلهم، بل يُصبح عينهم. أي إنّ هذا الذي كان هكذا حتى الآن، سيُصبح ربّانيًّا الآن، ويُصبح بتلك الكيفيّة وبذلك النحو.

  • جهة الوحدة الأفعاليّة والصفاتيّة والأسمائيّة هذه هي في مقام الظاهر. والأمر بالتربية والتشريع وأمثال ذلك، كلّه جاء من أجل هذه الجهة؛ وهي أن يتقدّم الإنسانُ بدايةً في مقام التوحيد الأفعاليّ؛ غاية الأمر، بما أنّ التوحيد الأفعاليّ له ظهور، فإنّ الإنسان يرى ظهوره؛ ولكنّه لا يرى هذه المسألة بعد ذلك، وهي أنّ ذاته قد تغيّرت الآن.

  • على سبيل المثال، سبب أنّ فعل هذين الرفيقين قد أصبح واحدًا الآن هو أنّ ذاتيهما قد أصبحت واحدة الآن، ولكنّنا لا نرى هذه المسألة. فلاحقًا، اقتربت ذاتاهما من بعضهما أكثر، ولكنّنا نرى فقط أنّ صفاتهما أصبحت واحدة؛ غاية الأمر، إذا كان الإنسان فطنًا، سيُدرك أنّ اتّحاد ذاتيهما يجب أن يكون قد أصبح أقوى.

  • ولهذا، فإنّ ما ورد في الرواية: «يُعرَفُ المَرءُ بِصَديقِهِ»٣ هو بسبب أنّه: عندما يمتلك الصديق أفكارًا وخصائص معيّنة، فإنّ أصدقاءه أيضًا سيتميّزون بهذه الخصائص. ولهذا، إذا رأيتم الأمر ليس هكذا، أي إنّ هذا الصديق له حال، ولكنّ أصدقاءه لهم حال آخر، فاعلموا أنّ هذين ليسا صديقين، وإن كانا مع بعضهما في الظاهر. أمّا عندما يتّصل الباطن، فإنّ هذا الاتّصال يُوحّد الفعل والصفة والأسماء. لاحقًا، عندما يتّحدان أكثر، يُصبحان هما أنفسهما واحدًا في الأساس؛ وهناك، يحصل الوصل.

  • عدم حصول الفناء الأفعاليّ والصفاتيّ التامّ دون الفناء الذاتيّ التامّ

  • أي: قبل أن يصل الإنسان إلى الفناء الذاتيّ، لن يحصل له التوحيد الأفعاليّ والتوحيد الصفاتيّ والتوحيد الأسمائيّ بكماله، بل كلّ هذه ستمتلك طابع النقص؛ أي: سيظهر التوحيد الأفعاليّ بنحوٍ ناقص، لا بنحوٍ تامّ. بالطبع، الأولياء الذين لم يصلوا إلى مقام الذات يُمكن أن يمتلكوا توحيدًا أفعاليًّا، غاية الأمر أنّ [هذا التوحيد الأفعاليّ] معلول للفناء في الذات؛ بمعنى أنّ ذاتهم تتغيّر أوّلاً؛ وبتغيّر هذه الذات، يتغيّر الاسم والوصف والفعل أيضًا؛ غاية الأمر أنّه في عالم الإثبات، يظهر العكس.

    1. مفاتيح الغيب (تفسير الرازيّ)، ج ٧، ص ٥٨؛ بحار الأنوار، ج ٥٨، ص ١٢٩.
    2. الكافي، ج ٨، ص ١٧؛ إحياء علوم الدين، ج ١، جزء ١، ص ١٢١؛ الكلمات المكنونة، طبعة مؤتمر الفيض، ص ٢٨٧، مع اختلاف يسير في جميع المصادر.
    3. الكافي، ج ٢، ص ٣٧٥:
      «عن أبي ‌عَبدِ اللَهِ عليه السلام أنَّهُ قال: ... قال رسول اللَه صلّى اللَه عليه وآله وسلّم: "المَرءُ عَلى دينِ خَليلِهِ وقَرينِهِ"».

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

14
  • اختلاف عبارات العرفاء والحكماء في تعريف السفر الثاني والثالث والرابع

  • نريد في التتمّة أن نتطرّق لبيان الأسفار الأربعة (السفر من الخلق إلى الحقّ، والسفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ، و ...)، حيث سنُبيّنه بدايةً بناءً على رأي العرفاء؛ ثمّ بعد ذلك، بناءً على نظر الحكماء ومن ناحية الحكمة النظريّة.

  • مبتكر الأسفار الأربعة هو مرحوم صدر المتألّهين نفسه؛ وإن كان قد جاء قبل ذلك في كلمات السهرورديّ،۱ وفتوحات محيي الدين،٢ وبعضٍ آخر بشكل متناثر.

  • توجد تعبيرات مختلفة عن الأسفار الأربعة، حيث نجدها أحيانًا مختلفة عن بعضها:

  • فبعضهم خلط السفرين الرابع والثالث مع السفر الثاني.

  • وبعضهم ـ كما بيّنت لكم سابقًا ـ اعتبر السفر الأوّل والسفر الثالث واحدًا؛ أي قالوا: في السفر من الخلق إلى الحقّ، يُشاهَد السفر من الحقّ إلى الخلق أيضًا؛ غاية الأمر أنّ ذلك يتمّ بنحو الإجمال، وهذا بنحو التفصيل.

  • بعضهم يقول: في السفر الثاني وهو السفر من الحقّ في الحقّ بالحقّ، تُرى مقاماتُ الخلق ومقاماتُ التعيّنات أيضًا؛ لأنّه في السفر من الحقّ في الحقّ، توجد الصفات الجماليّة للحقّ والصفات الجلاليّة للحقّ أيضًا؛ ولهذا، تُشاهد التعيّنات أيضًا ـ أعمّ من الممكنات والمخلوقات والمحسوسات والمعقولات و ... ـ، وتُرى بأجمعها هناك.

  • بعضهم قال: كلاّ، نفس هذه التعيّنات منفصلة عن السفر الثاني، وتفصيلها يتحقّق في مقام الرجوع من الحقّ إلى الخلق؛ فهناك، يحصل هذا التعيّن، ويتحقّق هذا النظر ـ كما هو هو ـ في المخلوقات وخصائصها.٣

  • بعضهم خلط جهة المشاهدات، واعتبر المشاهدات الواقعيّة ـ كما هي حقّها ـ والمشاهدات الصوريّة والمثاليّة واحدة.

  • بعضهم مع كونهم حكماء، إلاّ أنّنا عندما ننظر إلى عباراتهم، نُشاهد تردّدًا واضطرابًا كثيرًا في هذه العبارات. فمثلاً، لم يستطع المرحوم محمّد رضا القمشئي ـ كما جاء في حواشي الأسفار٤ ـ التمييز كما ينبغي بين مقام «النبيّ»، ومقام «النبأ»؛ أي الحكاية عن الواقع كما هو هو؛ ولهذا، اعتبر هذا المقام وذلك المقام واحدًا. وبناءً على هذا وحسب اعتقاده، يجب أن يكون كلّ نبيّ قد طوى الأسفار الأربعة؛ في حين أنّ الأمر ليس هكذا قطعًا، حيث نُشاهد في كلمات الأنبياء وفي حالاتهم أنّ بعضهم لم يحصل له فناء ذاتيّ، وكان في عالم المثال أو الملكوت أو .... فذلك المقدار اللازم للنبوّة هو الوحي والإرشاد للخلق والإبلاغ، وهذا المقدار يكفي.

    1. مجموعه مصنّفات شيخ الإشراق، كتاب التلويحات، ج ١، ص ١١٢ ـ ١١٤.
    2. الفتوحات المكّية (أربع مجلّدات)، ج ٢، ص ٣٨٣.
    3. لمزيد من الاطّلاع على الأقوال الواردة في عدد منازل السلوك إلى الله تعالى، راجع: رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم، ص ۱٦٢.
    4. الحكمة المتعالية، ج ١، ص ١٣، الهامش ١.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

15
  • هذه الاختلافات هي بسبب أنّ هؤلاء أنفسهم لم يصلوا إلى هذه الحقائق؛ ولهذا، وقعوا في الخطأ والتردّد في العبارات التي نُقلت عن العظماء. أمّا بقية المسائل، فلندعها لوقت لاحق إن شاء الله.

  • عدم إدراك الفناء الذاتيّ التامّ إلاّ بعد الرجوع في السفر الثاني

  • التلميذ: قبل أيّام، قلتم إنّه مكتوب على حجر قبر المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ: «المُرتقي إلى جنّة الذات»؛۱ وعندما كان المرحوم العلاّمة جالسًا بجوار القبر، قال: «ولكن بنظر الحقير، هذه الكتابة لا تُعرّف بشخصيّته وحقيقته!»؛٢ أليس لجنّة الذات هذه ارتباط بالفناء في الذات؟

  • الأستاذ: كلاّ، المسألة أعلى من جنّة الذات. جنّة الذات عبارة عن الفناء الذاتيّ، والذي قد يحصل للإنسان كحالٍ في بعض الأحيان. أمّا هم [أي العظماء]، فيسيرون في السفر من الحقّ في الحقّ، أو السفر اللاحق الذي هو من الحقّ إلى الخلق؛ وهناك، تكون مشاهدة جميع الصفات الإلهيّة الجماليّة والجلاليّة بنحو التفصيل؛ وهذا المقام مهمّ جدًّا وأهمّيته كبيرة جدًّا. أمّا في جنّة الذات، فمن الممكن أن تحصل حالات الفناء للإنسان؛ ولكن، تعود له حالات صحو، ثمّ حالات محو، ثمّ يعود إلى الصحو مرّة أخرى.

  • التلميذ: إذن، جنّة الذات هي حال الفناء؛ في حين أنّكم قلتم إنّ العلاّمة الطباطبائيّ لم يصل إلى الذات.

  • الأستاذ: في ذلك الوقت، لم يكن الفناء بالنسبة إليه بصورة مَلَكة؛ ولكن، في أواخر عمره، تغيّرت حالاته. أتذكّر في ذلك الوقت الذي كانت فيه للعلاّمة [الطباطبائيّ] جلساتُ بحثٍ علميٍّ مع العلاّمة [الطهرانيّ]، التقطتُ له عدّةَ صور مرّة واحدة؛ وتلك الصور موجودة الآن أيضًا. لم تكن جيّدة جدًّا، ولكنّها في المجموع لم تكن سيّئة. أتذكّر أنّني كنت ذات مرّة في محضر المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ]، وأريته إحدى صور العلاّمة تلك، وقلت له: سيّدي، ألا تحكي هذه الصورة عن الفناء؟ فقال: «نعم، هذا يحكي عن الفناء!».

  • من الممكن أنّه هو نفسه لم يكن شاعرًا بهذه القضيّة، وكانت تأتي وتذهب بصورة حالات بين الحين والآخر. أمّا أن يطّلع على ذلك، ويكون له سفر من الحقّ في الحقّ، ويكون مطّلعًا على كلّ تلك الخصوصيّات و ...، فلم يكن قد حصل له بعد؛ ولهذا، كان يُنكر أصل فناء الذات؛ إذ حينما تحصل هذه الحالة للإنسان، فلن يعود يعلم بأيّ شيء، بل يكون حالاً فقط، ولا يعلم بشيء، ولا يعلم ما هي المسألة التي حدثت.

    1.  الشمس الساطعة، ص ۱٢٦.
    2. المصدر نفسه. 

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲) - مراتب الفناء وتلازم التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ مع الفناء الذاتيّ

16
  • الفناء له مراتب؛ وبمقدار ما يفهم الإنسان ويحدث له تغيّر ذاتيّ، يفنى؛ لا بمقدار الكمال والفناء الكامل. أي: كما ضربت مثالاً على ذلك، فإنّ ذات الإنسان تتغيّر شيئًا فشيئًا، ولكنّ ظهورها في الأفعال يكون كثيرًا؛ ولهذا، تحصل له العديد من الشبهات. وهذه المسألة نفسها تُؤدّي إلى أن يرى الإنسان بعض حالاته وأفعاله، ويتصوّر أنّه فانٍ؛ في حين أنّ الأمر لا يكون بهذا النحو.

  • بالطبع، في مقام الذات، لا يُدرك الإنسان شيئًا بتاتًا، إلاّ إذا سار من الحقّ في الحقّ؛ أي: بعد أن يصل إلى فناء الذات؛ حينها، يُمكنه السير في أسماء الله تعالى الجماليّة والجلاليّة، ورؤية خصوصيّاتها ونهايتها، والشعور بأنّ الفناء الذاتيّ قد حصل له الآن؛ أي إنّ حالة الفناء تلك تجلب له علمًا بالعلم، فيلتفت بنفسه؛ لكن، عند الرجوع، لا في وقت الفناء.

  • التلميذ: معظم الناس يرون كلّ شيء ـ بناءً على إدراكهم وفطرتهم ـ من الله تعالى؛ فمثلاً، كثيرون هم الذين يرون المطر من الله، ويرون الرزق من الله، ويرون التغيّر والتحوّل وهذه المسائل الموجودة من الله. هل هذا الإدراك مبنيّ على نفس ذلك الإدراك للوحدة في الذات؟ أي إنّه توجد وحدة في ذاتهم بشكل لا إراديّ؟

  • الأستاذ: تكون أنفسهم ذات لطافة خاصّة، فتُدرك هذه الحقيقة بشكل لا إراديّ؛ وهذا هو بروزها. بالطبع، فإنّ شاكلة البعض ـ في الأساس ـ هي بشكل عامّ بهذا النحو؛ وكما يقول السيد الحدّاد: «هم سالكون من دون أن يطووا الطريق!»؛ أي أنّ ذلك راجع إلى طهارتهم والصفاء الذي تمتلكه شاكلتهم؛ ولكنّهم لا يُدركون تلك الحقيقة كما ينبغي، وينزعجون في بعض الموارد، فيتّضح أنّ ذلك كان بشكل إجماليّ فقط، وفي مرحلة منخفضة.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمد وآل محمّد