90

أنواع الإنفاق وشروطها

3087
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالإنفاق و الإيثار

التاريخ 1424/05/26

جلسات المجموعة(7 جلسة)

التوضيح

ما هي أنواع الإنفاق؟ وما هي شروطها وكيفيّاتها؟
فهل يجوز في إنفاق المال الإنفاق من الحقوق الشرعيّة؟
وهل يعني إنفاق النفس التهوّر والموت في أيّ موضع؟
وهل يعني إنفاق الشخصيّة إيقاع الدين في الذلّ؟ ومن هو القيّم على الدين؟ وهل هناك صلة بين المحافظة على عزّته والمحافظة على عزّتنا نحن؟ وهل دائمًا لا بدّ أن يكون الحقّ منتصرًا في الظاهر بأيّ ثمن؟
يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني قدس سرّه في هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرحه لفقرة هان عليه الإنفاق…
/۲۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أنواع الإنفاق وشروطها

1
  •  

  • هو العليم 

  •  

  • أنواع الإنفاق وشروطها

  •  

  • شرح حديث عنوان البصريّ -٩۰

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  • ٢٦ جمادى الأول – لعام ۱٤٢٤ هـ ق

  •  

أنواع الإنفاق وشروطها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • متى يهون الإنفاق على الإنسان؟

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام: 

  • فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله الله تعالى ملكًا هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه. 

  • أي إذا كان العبد لا يرى في مقام العبوديّة شيئًا لنفسه، ولم يشعر بتملّك هان عليه الإنفاق في سبيل الله وسهل. هان عليه الإنفاق وصار يقوم به مرتاحًا وبيسر وبلا مشكلات وعقد، فينفق فيما أمر الله تعالى الإنفاق فيه. 

  • معنى إنفاق المال

  • تحدّثنا في الجلسة السابقة إن كان الرفقاء يذكرون أنّ للإنفاق مراتب وموارد، منها إنفاق المال، وهو يعني أن يبذل الإنسان ويتنازل ويهدي من أمواله الشخصيّة في الموارد التي أمر الله بالإنفاق فيها، وذكرنا أنّ المرتبة الدنيا من الإنفاق هي في الأمور الماليّة، الإنفاق في الواجبات، كأن يدفع الإنسان مثلاً عندما يجب عليه كالكفّارات والزكوات والخمس وزكاة الفطرة والتي هي داخلة في الزكاة، وكفّارة شهر رمضان، اليوم الذي يفطره متعمّدًا عليه أن يطعم ستّين مسكينًا، أو مثلاً ارتكب خطأ ما في الحجّ، فركب أثناء سيره في النهار في مركب مظلّل، فعليه أن يذبح شاة، فهذه كفّارات، وهذه أمور واجبة، وهذه أدنى مراتب الإنفاق والتي إذا لم يقم الإنسان بها عوقب يوم القيامة، عاقبه الله وعذّبه، فعليه أن يدفعها دون أن يمنّ على الله بها ولا على عبده، لأنّه إن لم يدفعها فهناك عقاب وعذاب في النهاية. فهذه أدنى مراتب الإنفاق، وفي الحقيقة يمكن أن يقال إنّها ليست إنفاقًا لأنّ من الواجب عليه أن يدفع، وإن لم يدفع فسيكون حسابه هناك مع الكرام الكاتبين. 

  • عدم صحّة الإنفاق من الخمس

  • الإنفاق هو أن لا ينفق الإنسان في الأمور الواجبة، بل في المستحبّة وبدون ملاحظة للاعتبارات، وفي الموارد التي أمر الله تعالى بها، لا أنّ يقال مثلاً: هل تسمح لنا يا سيّد بأن ندفع لأقاربنا وأرحامنا من هذا المبلغ الذي يجب أن ندفعه كخمس، نعم إن كانوا مستحقّين للخمس وكانوا سادة ومحتاجين فيمكن للإنسان أن يدفع، ويمكن أن يدفع بإذن المجتهد أيضًا، ولكن يجب أن يقول: هذا ليس منّي، فلو دفعه بطريقة تجعله يعتقد أنّه منه فلا يكتب له ثواب ولا يحسب من الخمس قرش واحد، وعلى الرفقاء جميعًا أن يلتفتوا إلى ذلك فلو دفع المؤدّي بنحو يجعل الآخذ يتصوّر أنّه يعطيه من جيبه فلن يحتسب ذلك من الخمس، وهذا يعني أنه خسر من الجهتين؛ فلا يعطى ثوابًا ولا يحسب له خمس، لذلك أنا شخصيًّا عندما يجري الحديث حول هذا الأمر مع كثير من الناس أسأل أوّلاً: أليس في أقاربك ومعارفك محتاجون فإن كان فيهم فليعطوا بهذه الطريقة أو أن يقول الإنسان مثلاً: أنا أدفع هذا المال من قبل أحد المجتهدين، أو من قبل إمام الزمان، فلا يتصوّر الإنسان أنّه من قبل المعطي نفسه، أو أنّه تبرّعات تلاحظ فيها القرابة والرحم أو الصداقة ولو كانت الموارد مناسبة كما لو كان يريد أن يشتري جهازًا للعروس، أو يؤسّس فيها لحياة شابّ فهذه الموارد كلّها موارد مناسبة، ولكنّها ليست من الموارد التي ينبغي أن يصرف فيها الخمس، بل لا بدّ أن يصرف فيها من التبرّعات، فلو قال إنسان ما: أنا أريد أن أصرف من جيب إمام الزمان [في هذه الموارد]، كلاّ لا حقّ له، لا يمكن للإنسان أن يصرف في هذه الموارد من حساب إمام الزمان عليه السلام، بل عليه أن يفتح جيبه المباركة وإن شاء الله يبارك له الله، فيدفع من الأموال المستحبّة التبرعيّة وثوابها أكثر أيضًا. 

أنواع الإنفاق وشروطها

3
  • فلكلّ شيء مقامه، ولكلّ كلام وكلّ نقطة موضعها، ولا يمكن للإنسان من نفسه أن يتدخّل ويتصرّف على أساس ذوقه الخاصّ ويحكّمه. 

  • الإنفاق عبارة عن صرف المال بلا عوض وبدون مقابل، المقابل المتعارف والمقابل الظاهري، فلو أنفقت على إنسان ليأتي غدًا ويأخذ بيدك ويكون إلى جانبك فهذا ليس إنفاقًا، ولو أعطيت لإنسان هديّة لأجل عمل قام به، فهذا ليس إنفاقًا، ولو قمت بخطوة تجاه إنسان ما ليقوم هو بخطوة مقابلة نحوك فهذا ليس إنفاقًا، وهذه المعاملات المتعارفة لا علاقة لها بالإنفاق، والإنفاق موضوع آخر، موضوع آخر. 

  • المشكلة هي التعلّق لا التملّك

  • إنّ كلام الإمام الصادق عليه السلام هنا ناظر إلى موضوع آخر، فالإمام يخرج الإنسان من دائرة المجاملات الاعتباريّة، فعندما لا يرى العبد في نفسه ملكيّة فستكون نظرته إلى ما يملكه مختلفة، ستكون رؤيته مختلفة، سيكون اهتمامه به مختلفًا، سيختلف تعلّقه الذهني والفكري، فهذه كلّها أمور تحبس الإنسان فيها وتجعله يتوقّف عندها، ولا تسمح له أن يتحرّك، وتجعل الإنسان أسيرًا في حدود الأنس بتحصيلها والاكتفاء بها، ولا يمكن أن تحرّكه أكثر من ذلك. 

  • أمّا لو كان للإنسان أملاك بمقدار الكرة الأرضيّة ولكن إذا أراد أن يفارقها فلا يكون لديه أيّ تشويش وكأنّه يفارق مائة تومان، ليس لديه أيّ تشويش، ففي السير والسلوك لا معنى لكون ما يملكه قليلاً أو كثيرًا، لم يقل أحد لا النبيّ صلّى الله عليه وآله ولا الإمام عليه السلام ولا أحد من أولياء الله أن قلّل من أموالك في طريقك إلى الله، فلم يطرح أحد أمرًا كهذا، وهذه الفكرة هي فكرة الماديّين والملحدين والذين ينظرون إلى تعلّقات الدنيا نظرة ماديّة، فيرون القلّة والكثرة في المال لا في التعلّق، فهؤلاء يمتلكون هذه النظرة. لا فرق لدى السالك بين ملك سليمان وبين انزواء أمير المؤمنين. فالنبيّ سليمان يخاطب الله: {ربّ... هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي}۱، وقد أعطاه الله ملكًا وسلطانًا وحكومة.

  • هل كان ملك سليمان منقصة في كماله؟ 

  • كنت ذات مرّة في إحدى المدن فكان أحد علماء مشهد المعروفين يفسّر القرآن، وكان رجلاً مشهورًا وفاضلاً ولا يزال على قيد الحياة، فعندما وصل إلى قصّة النبيّ سليمان بدأ بالطعن عليه والاعتراض بعبارات قبيحة وقحة وأنّ النبيّ سليمان كان قد أصيب بالغرور عندما طلب من الله الملك، فليأت إلى هنا إلى مدرسة الإمام الصادق ويرى أنّ ماذا يقول الإمام الصادق. 

    1. سورة ص، مقطع من الآية ٣٥

أنواع الإنفاق وشروطها

4
  • ألا تخجل أيّها الأحمق، لا أحد يقول هذا الكلام لنبيّ الله! في النهاية الفهم شيء مهمّ جدًّا لكن للأسف لا نصيب لك منه، لم تكن مدركات سليمان بحاجة إليك في المقام الذي ترى نفسك فيه وتقول: لا، ما الفائدة من السلطة، الإمام الصادق يقول لا يحتاج الإنسان إلى السلطة، فالمنصور الدوانيقي يقترح عليه الخلافة وهو يردّها، ويأتي رجل خراساني فيقول له الإمام نحن لا كلام لنا في هذا. 

  • لم يكن يعتقد أنّه بالنسبة إلى سليمان على نبيّنا وآله وعليه السلام لا يختلف الأمر بين حكومة الدنيا والانزواء والعزلة في المنزل، هو لا يريد هذه الحكومة للحكومة، إنّه يريدها لإقامة العدل، وعندما كان سليمان يطلب كان مظهرًا لاسم مالكيّة الله وصفتها، لا أنّه من باب هوى النفس والإحساسات وغلبة الهوى وغلبة التعلّقات، فلو كان كذلك لما نسبه إلى نبيّه، أو لو لم يكن الله راضيًا عن هذا الطلب لأشار في الآيات إلى ذلك، كيف أنّب الله داوود بشكل صريح في ما يشبه هذا الأمر وقال إنّه أخطأ فخرّ داوود تاب وخرّ ساجدًا بسبب ذلك الأمر الذي جرى في نفسه ۱لأنّه كان يكشف عن ضعف مراتبه النفسيّة أناب إلى الله وبكى. 

  • وهذا أمر واضح جدًّا وهو أنّه ليس بين الله وبين أحد قرابة، وهو لا يجامل أحدًا، وفي مقام التوحيد ومقام العزّة والكبرياء لا فرق لديه بين الرسول الأكرم وأيّ إنسان آخر، فالجميع سواء، فلو أنّ رسول الله قال ما يتنافى مع مقام الكبرياء ومقام عزّة الله فإنّ الله يوفّيه حسابه في اللحظة نفسها ولا ينتظر أبدًا، فلا فرق في هذا الأمر، ولو كان هناك فرق لكان علينا أن نتأمّل ـ وربّما سنشير إلى هذا الأمر في الأواخر ـ نحن نتّبع مدرسة تدعو إلى التوحيد، فإن وجدتم ما يخالفه في مورد من الموارد فهذا موضع إشكال، لذلك فنحن لا نجد، ومهما بحثتم فلن تجدوا، وإن وجدتم فأخبروني. ففي عالم التوحيد لا تفاوت ولا تمييز أبدًا.

  • ما هي المشقّات التي يتحمّلها الإنسان في طريق الولاية؟

    1. سورة ص الآية ٢۸: قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‌ نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغي‌ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَليلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَناب‌.

أنواع الإنفاق وشروطها

5
  • وواقعًا عندما يسمع الإنسان بعض الحكايات والقضايا التي تحصل للأئمّة يقول: إلهي إذا وقعت لنا أيضًا فهل نحتمل أم لا؟ أنتم تظنّون أنّ أمير المؤمنين وضعوا على رأسه تاج الولاية هكذا وأجلسوه على العرش وهم يلطّفون له الهواء من هذا الجانب ومن ذاك؟ 

  • من منّا يمكنه أن يتحمّل أن يأتوا بزوجته والتي هي في تلك المرتبة ويجعلوها خلف الباب، وهم أيضًا جماعة من الأوباش المجرمين الفسقة الزناة فيعاملونها بهذه المعاملة؟ من منّا يمكن أن يتحمّل؟! هكذا نعم! فنحن نقول: أمير المؤمنين والمولى وعليّ ونرفع الصوت باسمه بحرارة وأمثال هذه الأمور... 

  • عندما أراد الإمام الحسين عليه السلام الانطلاق من المدينة إلى مكّة جاء شباب بني هاشم ورجالهم وأحاطوا بمحمل زينب في منتصف الليل كيلا يرى أحد من غير المحارم شخص السيّدة زينب ونساء الإمام الحسين! هكذا! فهذا من جانب. 

  • والحادثة الأخرى مجلس ابن زياد والسير من كربلاء إليه، وفي مجلس يزيد حيث نظر الجميع إلى وجه السيّدة زينب والنساء وبنات الإمام الحسين، فليس الأمر هزلاً، فلو لم يكونوا قد رأوا لما تجرّأ ذلك الرجل من جماعة يزيد أن يقوله له: أعطني هذه الجارية يقصد فاطمة بنت الحسين! ويقال إنّها كانت فريدة الحجاز في جمالها ابنة الإمام الحسين، وهي التي عقد لها الإمام ليلة عاشوراء عقدًا دائمًا على ابن الإمام الحسن، وجميع نسل الإمام الحسن هو منها، فالإمام كان يعلم أنّه لن يستشهد في اليوم التالي، فقد وقع بين القتلى ولم يكن قد مات حين أخذوه وشفعوا له ونقلوه إلى الكوفة وعالجوه وعوفي. فقضيّة العقد لم تكن لها صلة بالقاسم وعلي الأكبر وغيرهما، بل هي لعبد الله بن الحسن ابن الإمام الحسن، فلو لم يقم الإمام الحسين بذلك ولو مات هذا لما بقي أحد من ذريّة الإمام الحسن، والإمام الحسين عقد لابن أخيه على هذه الفتاة التي قال عنها ذلك الرجل في مجلس يزيد هبني هذه الجارية. 

  • فإذا نظرتم لرأيتم رجلاً في مقام العزّة والمناعة والرفعة والكرامة كالإمام الحسين صاحب الحالات العجيبة جدًّا فمن مثله على وجه الأرض؟ ومع ذلك فإنّ الله يضع الأمر واضحًا بين يديه أن تفضّل، صحيح أنّك إمام ولكن... هذا لنا نحن. فلا تتصوّروا أنّ الإمام الحسين صار سيّد الشهداء الشفيع الأكبر وصاحب مقام الولاية هكذا بسهولة! كلاّ. 

أنواع الإنفاق وشروطها

6
  • سأنقل لكم حادثة عن المرحوم العلاّمة، فذكّروني. أنا عازم اليوم على إنهاء موضوع الإنفاق، وأرجو أن لا نقع فيما نقع فيه دائمًا من الوعود حيث ننهي مقدارًا من الموضوع وينتهي الوقت. سأنقل هذه القصّة عن المرحوم العلاّمة لكي تعلموا أنّ أولياء الله في مقام مناعة الطبع وفي مقام العزّة وفي مقام إظهار الشخصيّة الحقيقيّة لا الاعتباريّة في أيّة مرتبة هم؟ علينا أن لا نطرح الأمور هكذا ببساطة! 

  • وهكذا هو الحال في سائر الأئمّة، الإمام السجّاد، الإمام الصادق، الإمام الرضا عليهم السلام، فكلّ واحد من هؤلاء الله تعالى يطبّق عليهم أولاً كامل جهات غيرته التوحيديّة وغيرته القهّاريّة والكبريائيّة ثمّ يأتي إلى الآخرين، فأولاً يأتي إلى النبيّ، أولاً يأتي إلى ... ومن هو هذا؟ فأمير المؤمنين يشارك في جماعتهم لأجل حفظ الوحدة. 

  • قرأت قبل أيّام في جريدة مقالة يعدّ فيها أحد علماء طهران عمر وأبا بكر من مفاخر الإسلام! الحمد لله! لم يكن بقي سوى هذا! فهؤلاء لهم سوابق في الكمال، كمال جعلهم يقضون ثلاثة أيّام فرارًا بعد معركة أحد، وفي معركة الأحزاب عندما جاء عمرو بن عبد ود وقال النبيّ: من يتمكّن من قتاله؟ نزلت الآية تقول: وبلغت القلوب الحناجر. فالله لم يقل أنّ أشياء أخرى قد ارتفعت إلى الحناجر، بل هذا القلب وصل إلى الحنجرة وعلق فيها، لم يقم من بين الجميع إلا واحد هو أمير المؤمنين فنهض وتصدّى، ومع ذلك يقول هذا الرجل إنّ أبا بكر وعمر من مفاخر الإسلام، كمالاتهم، سوابقهم في الإسلام، وهو من الشيعة. وقد جاء خالد بن الوليد يريد أن يضرب عنق أمير المؤمنين بأمر أبي بكر، أن يغتاله، هو نفسه وقد أخفى السيف تحت عباءته، حتى إذا قام أنهى الأمر، ثمّ إنّ أبا بكر ندم فقال: يا خالد لا تفعل ما أمرتك، وقد كان جالسًا قرب أمير المؤمنين، ولمّا أنهى أمير المؤمنين صلاته قال: ماذا كنت تريد أن تصنع؟ قال: لا شيء، لم يكن هناك شيء. 

  • ـ لا لقد قال هذا شيئًا، قال: لا تفعل ما أمرتك. أنت كنت تريد... اكشف عباءتك لأرى! وما إن كشف عباءته حتّى رأى سيفًا، فقال له: لماذا تحمل في الصلاة سيفًا؟ أأردت أن تقتلني؟ ولدينا في الرواية أنّ الإمام أمسكه بإصبعيه هذين في عنقه حتّى اسودّ وسقط على الأرض، فهذا هو خالد بن الوليد الذي شفع له أبو بكر وعمر، والإمام لم يكن يريد قتله، فقط أراد أن يفهمهم... 

أنواع الإنفاق وشروطها

7
  • وأمير المؤمنين هذا عليه أن يقف وينظر إلى زوجته أمام عينيه تقطّع إربًا، من منّا يمكنه أن يتحمّل أمرًا كهذا؟ هل يمكن هذا للإنسان أصلاً؟! هكذا كان هؤلاء. فهذا أمر. 

  • الأمر الآخر الذي وقع هو زواج ابنة الإمام من عمر، فهذا أمر قد نقل، وطبعًا أنا لم أحقّق بعد في هذا الأمر، وهناك أمور أخرى حدثت طوال تلك المدّة لأمير المؤمنين، فلم يكن حال أمير المؤمنين أنّه فقط يمضي كلّ يوم إلى بساتين النخيل ويزرعها، بل كان يواجه في كلّ يوم واحدة من هذه المشكلات، فليس بين الله وبين أحد قرابة، يقول: نعم يا علي، إن أردت أن تكون عليًّا وتصل إلى الولاية الكبرى وتصبح كذا وكذا فهذه هي حقيقة المسألة وهذا هو الطريق. وبالنسبة لنا الأمر كذلك أيضًا، وطبعًا ليس إلى هذا الحدّ، فبالنسبة إليه بمستوى مليار، وبالنسبة إلينا اثنان في المائة، اثنان في المليار، ثلاثة في المليار، عشرة في المليار، ولكن في النهاية هذا هو الطريق، وهذه هي الحال: 

  • نابرده رنج گنج ميسر نمى شود

  • يقول: ما لم تتحمّل المشاق فلن تحصل على الكنز

  • فالإنفاق هو أن يبذل الإنسان أمواله بغير مقابل في طريق الله وفق ما أمر الله أن يصرف، وقد تحدّثنا عن هذا الموضوع، ويبدو أنّه لا حاجة إلى المزيد فيه. 

  • إنفاق النفس وشروطه

  • إنّ أحد مراتب الإنفاق إنفاق النفس، يقول الإمام الصادق عليه السلام إذا كان العبد في مقام العبوديّة فعليه أن لا يفتح حسابًا لنفسه، يعني عليه أن يفوّض ملك روحه وبدنه وحكومتهما إلى الله تعالى، وهذا ليس بمعنى أن يكون في عالم اللاأباليّة وعدم المحاسبة والدقّة، وأن يعمل بكلّ ما يخطر في ذهنه! كلاّ فإنّ كلا جانبي الإفراط والتفريط مذمومان، فسواء الإمساك عن المضيّ في موارد الإيثار والجهاد في سبيل الله والبقاء في المنزل كالقاعدين وعدم القيام بأيّ فعل والتذرّع بالذرائع وترجيح الحياة الدنيا على الإيثار والجهاد في سبيل الله مذموم ومردود وقبيح ومطرود، وكذلك أن يعرّض الإنسان نفسه للخطر بدون حساب وبدون ملاحظة للتكليف وبدون التفات إلى التكليف أمر مرفوض ولا يسمّى شهامة، فكما أنّ مخالفة التكليف وعدم امتثال أمر الله في ميدان القتال والجهاد وسائر الموارد التي أمر بها يستوجب العقاب، فإنّ الحركة بغير عقل وبغير أمر ومن عند النفس وإلقاء النفس في التهلكة هو أمر مرفوض ومردود ومحاسب ومعاقب عليه. 

أنواع الإنفاق وشروطها

8
  • على العبد أن ينظر إلى مولاه، ولا يحسب لنفسه حسابًا خاصًّا، مالكنا هو الله، هو يقول آثر هنا وتوقّف هنا، هو يقول: أقدم هنا، وامتنع هنا، هنا تحرّك وهنا توقّف، وللأسف نحن كان لدينا في هذين الجانبين إفراط وتفريط، وفي زمان الأئمّة عليهم السلام كان يحدث ذلك كثيرًا حيث كان الإمام يأمر أحيانًا بالإقدام وهم يمتنعون، وفي كثير من الموارد كان يأمر بالاحتياط والتوقف ولكنّهم كانوا يقدمون من عند أنفسهم، ودائمًا كان الأئمّة بسبب هذا الأمر في ضيق وأذى، كانوا يقومون من أنفسهم ببعض الأعمال في موارد التقيّة خلافًا لها، فيأذون أنفسهم وأسرهم والشيعة والإمام نفسه أيضًا، فهشام بن الحكم الذي كان زمان الإمام الصادق عليه السلام مورد عنايته، وكان الإمام يجلسه إلى جانبه، كان في زمان موسى بن جعفر شوكة في عين موسى بن جعفر، وقد أرسل إليه الإمام مرارًا أنّ هذا الكلام الذي تطرحه حول الولاية والأبحاث التي تطرحها حول الولاية مخالفة للتقيّة، الزمان الآن ليس زمان أبي، جعفر بن محمّد، الزمان الآن زمان هارون، ولا بدّ أن تبقى أفكار الشيعة مخفيّة ولا تصل إلا إلى أهلها، ولكنّ هشام بن الحكم هذا بقدرة البيان التي كانت لديه وسعة الاطّلاع التي لديه لم يكن يتحمّل أن يقوم الناس بتشكيل المجالس والحديث ضدّ الإمامة والتشيّع، ويقول: نحن جالسون وهم يفعلون هذا! فكان يأتي إلى مجالسهم متنكّرًا، ثمّ إذا بدأ بالكلام شيئًا فشيئًا وغلب الخصم وأخرجه من الميدان التفتوا إلى أنّه هشام بن الحكم. 

  • جاء هارون ذات يوم من وراء الستار إلى مجلس أقامه أحد وزرائه، وكان المجلس للفضل بن يحيى البرمكي فسمع مناظرة هشام مع هؤلاء المخالفين فقال: والله إنّ لسان هذا أخطر على ملكي من سيوف ستّين مقاتل. حسنًا فأنت إذ تتكلّم بهذا الكلام هنا تضيّق على الإمام الكاظم. وكذلك المعلّى بن خنيس حيث نسمع عنه أمورًا وقد قدّم نفسه في النهاية في هذا السبيل. 

  • كم أوصى الإمام الكاظم المعلّى أن لا يفشي أسرار أهل البيت، ولا تقل الكلام لأيّ إنسان ولا تسبّب لنا المشاكل، إلى أن انتهى الأمر إلى موسى بن جعفر أن قال ليتني أقطّع إربًا إربًا ويحفظ شيعتي ألسنتهم. 

أنواع الإنفاق وشروطها

9
  • الإمام الذي كان في حياته يشجّعك هو بعينه يقول: اسكت لماذا لا تسكت. فأين هي النقطة الأساس؟ لا بدّ أن يدرك الرفقاء، ويجب أن تكونوا قد أدركتم والتفتّم. 

  • لماذا كان هشام يمتثل في ذلك الزمان أمر الإمام والآن يخالف أمره؟ علماً لا يقول كفرًا، ولا كلامه صار زندقةً، بل هو يقول عين الكلام الذي كان يقوله آنذاك، يتكلّم عن الله والنبيّ والإمام وعن التشيّع، ولكن هل كلامه عن الإمامة موضع رضا إمام زمانه؟ كلاّ. وبما أنّه ليس موضع رضاه فما فائدة هذا الله الذي تتحدث عنه وهذا النبيّ الذي تدافع عنه، ما فائدتهما لك؟! 

  • الإمام الصادق يقول هذا: يا هشام ليتك كنت قرأت رواية عنوان البصري فأنت حينما كنت تروّج للتشيّع في زمان الإمام الصادق فلحساب من كنت تروّج؟ هنا المهمّ، هل كنت تروّج من نفسك أم بأمر الإمام؟ إن كان من نفسك فامض وشأنك، الآن إمام زمانك بعينه يقول لا تفعل. فإمام الزمان يقول لا تفعل في النهاية، كنت تتكلّم وتذهب إلى البصرة وتكلّم عديم الدين ذاك، كنت تأتي إلى المدينة وتجادل الملحدين، وتجادل مخالفي التشيّع ومدرسة أهل البيت، وكنت معروفًا دائمًا في كلّ مكان، وكنت موضع اهتمام الإمام الصادق، والإمام الصادق في زمانه هو إمامك، يقول لك: اذهب وجادل، حتّى لدينا أنّ الإمام قال له حول كلامه مع ذلك البصريّ إنّ روح القدس ألقى في قلبك. التفتوا فنحن هنا نصل إلى نقاط دقيقة جدًّا، وهي أن يجعل كلّ إنسان نفسه في مقام الطاعة والامتثال، في مكان هشام بن الحكم، يقول الإمام الصادق هذا البحث الذي طرحته حول الإمامة ـ وقد ذكره المرحوم العلاّمة على ما يبدو في معرفة الإمام في الجزء الأوّل ـ هذا البحث الذي طرحته ألقاه الروح الأمين إليك، وهو الكلام الذي ألقاه الله والروح الأمين إلى الأنبياء السابقين وعلى ما يبدو إلى النبيّ دانيال، فهشام هذا نفسه الذي يقول له الإمام: روح الأمين ألقى إليك... لا دليل على أنّه سيبقى هكذا إلى نهاية عمره، لأنّه كان في مقام الطاعة آنذاك ألقى إليه الروح الأمين، وهذا صحيح أيضًا طبق القواعد النقليّة والعقليّة، ففي مراتب نزول العلم إلى نفس الإنسان في عالم الناسوت إذا لم تتدخّل المسائل النفسيّة والأهواء في هذا النزول فإنّ تلك الحقيقة العلميّة تلقى في القلب بواسطة الوسائط بصورتها البسيطة والخالصة والطاهرة، أمّا لو كانت هذه الحقيقة العلميّة ممزوجة بالأهواء النفسيّة... فكيف كانت حالة هشام في زمان الإمام موسى بن جعفر؟ وكيف كانت حاله في زمان الإمام الصادق؟ الكلام واحد والبيان واحد، بعض يأوّلون، فالذين لا يمكنهم أن يلتفتوا إلى هذه الأمور يقولون: لا، الإمام في الظاهر يمنع هشام، وفي الباطن يؤيّده لأنّه يواجه الظلم، وكأنّ جميع الإسلام صار مواجهة الظلم، فلا هنا إله، ولا نبيّ ولا خبز ولا ماء ولا جنّة ولا نار، كلّ ما هو موجود في العالم هو مواجهة الظلم. 

أنواع الإنفاق وشروطها

10
  • زيد بن علي خرج مخالفًا للإمام عليه السلام، يقولون: كان الإمام يؤيّده في الباطن، وأمّا في الظاهر... حسنًا. يحيى بن زيد خرج على بني العبّاس في جرجان وهناك قطعوا رأسه، الإمام الصادق يقول للمتوكّل ماذا قلت له؟ يقولون إنّ الإمام قال هذا الكلام لأجل التقيّة، وفي الباطن كان يؤيّد. 

  • وبنو الحسن في زمان المنصور يحبسون الإمام الصادق، هذا كلّه ليس مهمًّا ولكن هل لأنّهم كانوا ضدّ المنصور الدوانيقي كانوا باطنًا موضع تأييد الإمام الصادق الذي سجنوه في زريبة؟ هل كانوا موضع تأييد؟ فهذا كلّه لا قيمة له كلّه أمور فارغة، وفقط لأنّه خرج ضدّ بني العبّاس فهو موضع تأييد الإمام، وبناء على هذا فإنّ الإسلام كلّه صار مواجهة للظلم. حتّى إنّهم جعلوا أبا حنيفة الذي هو من أئمة أهل السنّة ومن وقف في وجه الإمام الصادق عليه السلام وفي وجه مدرسة الحقّ والتشيّع وجمع الناس من حوله وقال: خالفت جعفر بن محمّد في كلّ حكم أفتى به، فرجل كهذا على حدّ تعبير بعض السالفين والعلماء المنتقلين إلى رحمة الله هو من مفاخر الإسلام؟ لماذا؟ لأنّه كان في زمان المنصور لبضعة أيّام، أي يكفي لأن يكون الإنسان من مفاخر الإسلام أن يدخل إلى سجن المنصور ويدخل سجن هارون لأيّ سبب كان، أمّا أنّه يواجه الإمام الصادق عليه السلام ويقول إنّي خالفته في كلّ حكم فهذا لا يعتبر شيئًا مهمًّا. لماذا؟ لاعوجاج الفكر والفهم وعدم فهم الإسلام وعدم فهم الفقه. فليس الأمر هذا فقط، وأن تختصر جميع أعمال موسى بن جعفر في مواجهة الظلم، الإمام يفرّ في مورد فيسمّى چریک، يسمّون الإمام جريك، الإمام كان جريكًا، وهؤلاء الجريك الذين كانوا... وقد ذكروا كلّ ذلك في كتبهم أنّ جميع أعمال الأئمّة تتلخّص في مواجهة الظلم، كأنّ الأئمّة لم يكن لديهم تربية، كأنّ الأئمة لم يكن لديهم مناجاة وعبادة، كأنّ الأئمّة لم يكن لديهم أمور اجتماعيّة... فقط وفقط كان المواجهة للحاكم هي التي تكوّن شخصيّة الإمام، هذا خطأ، فليس الأمر هكذا، فلو جعلنا شخصيّة الإمام مائة درجة فإنّ مواجهة الظلم لا تشكّل منها واحدًا في المائة بل نصفًا في المائة، وتسعة وتسعون ونصف في المائة هي الأمور والأبعاد الأخرى. 

أنواع الإنفاق وشروطها

11
  • لماذا تغيّرت شخصيّة هشام هنا عن شخصيّته تلك؟ لماذا؟ هذه مشكلة موجودة فينا جميعًا، هشام في زمان الإمام الصادق كان يعدّ نفسه تلميذًا للإمام الصادق عليه السلام ومطيعًا ومنقادًا لأوامره، التفتوا! لأنّه في زمان الإمام الصادق كان الإمام يقول له: اذهب وواجه عمران الصابي وجادله، وكان يذهب بهذا العنوان، فإنّ جبرائيل كان يرافقه، وإلى أيّ مجلس ذهب كان جبرائيل رفيقه، وأيّ إنسان ناظر كان جبرائيل إلى جانبه، وجبرائيل ملاك ماذا أيّها الرفقاء؟ ملاك العلم، العلم والوحي والإلهام يفاض من ناحية جبرائيل على جميع العوالم، فإذن لأنّه كان تابعًا للإمام الصادق فإنّ جبرائيل كان يسبقه ولم يكن ينتظره حتّى يأتي، كان يسبقه إلى ذلك المجلس ويغيّر أجواءه ويعدّ الأذهان، فهذه أعمال يقوم بها هؤلاء في النهاية، فلا تتصوّروا أنّه هكذا يأتي إنسان ويجلس ويبحث ويمضي، كلاّ! فهناك ألف حادثة وحادثة تحدث وأنتم ترون واحدة منها، فهو يسبق ويغيّر الأجواء ويبدّل الأذهان، ثمّ يقول له الآن تفضّل أنت. فيأتي هو ويبدأ فيمدّه جبرائيل دائمًا ويلقي إليه، أتظنّون أنّ هشامًا كان يتكلّم من نفسه؟! لم يكن يقول من نفسه حتّى واحدًا من المليار، حتّى إذا كاد أن يتحيّر يأتيه على الفور دليل، فهذا الدليل الذي يأتي على الفور من الذي يلقيه؟ جبرائيل الجالس إلى جانبه، غاية الأمر هو لا يراه، ولو كان عارفًا وكبيرًا لرأى أنّ جبرائيل جالس يقول: جميل جدًّا. نحن نتكلّم في النهاية، ولكنّ في الحقيقة جبرائيل هو الذي يجيب، يقول: لقد جئت من قبل الإمام الصادق وأمرت أن أكون إلى جانبك، لقد أمرني أن آتي إليك لأنّك مطيع، فأنا إلى جانبك، فإذا أردت أن تترك طاعتك جانبًا فلن أنظر إليك ولو كنت مائة مليار شخصٍ من أمثالك، إذا أردت أن تتملّص من أوامر الإمام الصادق لما اعتنيت بألف واحد من أمثالك، ولأنّك الآن جئت بأمر من الإمام الصادق فإنّي أتيت وجلست قربك ألقي هذا في ذهنك، أجب بهذا الجواب، ثمّ يقولون: لقد غلب هشام، كلا يا عزيزي! لقد غلب جبرائيل، إنّه جالس قربه، وكلاهما واحد، وكلاهما في طريق واحد، ثمّ يأتي إلى الإمام الصادق فيبجّله الإمام يقف له ويجلسه إلى جانبه ويقول له أنت تنصرنا بلسانك وجبرائيل يؤيدك، وهو في المقابل يراعي مقام الأدب ويقول: كلّ ما لديّ هو منكم. وهو صادق في ذلك، والأمر كما قال، وليتك كنت تبقى على هذا القول حتّى النهاية يا هشام! ليتك بقيت على هذا الكلام! 

أنواع الإنفاق وشروطها

12
  • عندما نصب الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله أمير المؤمنين أنشد حسّان بن ثابت فيه شعرًا، أنقل لكم هذه القضايا ولا أريد أن أتلف أوقاتكم، فهذه الأمور التي أذكرها اليوم أمور حسّاسة لها وجود في كلّ دقيقة من دقائق حياتنا، فهذه الأمور مهمّة جدًّا فأعملوا فيها الدقّة. 

  • ينشد حسّان بن ثابت قصيدة في الغدير، قصيدة غرّاء، عندما ينتهي كلام النبيّ ينظر إليه النبيّ ويقول: لا تزال مؤيّدًا بالروح الأمين ما دمت ناصرًا لنا بلسانك. وحسّان نفسه الذي كان مؤيّدًا بروح القدس عندما غصب أبو بكر الخلافة دخل في نظام أبي بكر، بعد شهرين، أليس علينا أن نفكّر في أنفسنا؟! علينا أن لا نفكّر أنّ الأمر سهل! فحين أنشدت في حقّ عليّ ساعدك الروح الأمين، ولكنّ حسانًا كان جبانًا، فلأجل شؤون شخصيّته [توقف] كان جبانًا جدًّا، أحيانًا كان يأتي إلى الخطوط الخلفيّة لساحات القتال، ولم يكن يتقدّم إلى الأمام، كان في الخطوط الخلفيّة يرتجز وينشد، فإذا فرّ العدوّ كان يتقدّم، فهكذا كان. وعلى كلّ حال، عندما وصلت الخلافة إلى أبي بكر فإنّ حسّانًا هذا ينشد الشعر لها، فيا عجبًا! لم يمض إلا شهران على إنشادك لعليّ، والآن أنت تنشد في حقّ أبي بكر؟ وهؤلاء الناس ماذا يقولون؟ يقولون: نعم إنّه الذي قال عنه النبيّ: لا زلت مؤيّدًا بروح القدس... وأمثال هذه الحادثة كثير، ففي زمان الإمام الكاظم عليه السلام تغيّرت شخصيّة هشام، ماذا حصل؟ ذاك الاستعداد وذاك العلم وتلك القريحة وذاك الذوق وذاك البيان الذي أودعه الله فيه فرأى الأمر من نفسه وبدأت المشكلة من هنا. 

  • أنا لديّ علم، والآن يهينون الإمام الكاظم أمامي؟ فما هذا؟ لديّ هذا البيان وهؤلاء يتجرؤون أمامي؟ أنا في هذه المكانة! أنا في هذه الحالة وهؤلاء ينشئون المجالس ضدّ التشيّع؟! أنا بياني كان كذا وكلامي كان كذا وكانت مجالسي السابقة بذاك المستوى وهم الآن يقولون هذا الكلام؟! لقد تبدّلت حالة هشام هذه إلى تعلّق نفسيّ نعبّر عنه نحن بالغرور العلميّ، فقد ابتلي هشام في زمان موسى بن جعفر بالغرور العلميّ وهو أمر مرفوض.

أنواع الإنفاق وشروطها

13
  • لو أنّ هشامًا كان ملتفتًا إلى أنّ هذا العلم الذي لدي وهذا البيان الذي لديّ وهذه القريحة والاستعداد والقدرة على الغلبة التي وهبك الله ليست من نفسه، لو أنّه أدرك هذا الأمر لقبل بسهولة إذا أمره موسى بن جعفر أن امض إلى قرية واعمل في زراعة الشعير، امض إلى بستان واعمل في زراع الكرمة، اعمل في بيع الأقمشة، فبعض أصحاب الإمام الصادق كانوا تجّار قماش، عندما يقول الإمام: اسكت فهذا يعني أنّك لا تعرف شيئًا، فهل يتكلّم من لا يعرف شيئًا؟! عندما يقول الإمام الكاظم لا تتكلّم فهذا يعني أنّ لسانك مربوط، وأصلاً ليس لديك لسان، ليس لديك عين، لا أذن لك، فهل أنت المحامي عن الولاية أم أنّ لها صاحبًا؟ فهل أنت وليّ التشيّع ومدرسة التشيّع أم له وليّ؟ فمن هو وليّ مدرسة التشيّع الآن؟ أنا الذي أكلّمكم؟! أم أنّ وليّ مدرسة التشيّع إنسان آخر ولا شأن لي أنا؟! ما شأني أنا؟ ما علاقتي بالأمر؟ الإمام يقول: تكلّم، أقول: حاضر. يقول: لا تتكلّم! اسكت، انتهى الأمر، لا داعي لكثرة الكلام، لا داعي للكلام، عندما لا يريدون أن نتكلّم فمن الذي يتكلّم؟ الإمام لا يريد أن ينتشر هذا الأمر. الإمام لا يريد أن ينعقد هذا المجلس، الإمام لا يريد أن تخطى خطوة، الإمام يريد أن يكون هذا الإنسان مسؤولاً، الإمام يريد أن يكون هذا ملكًا، الإمام يريد أن يكون هذا رئيساً للجمهوريّة، الإمام يريد أن تكون هذه الظروف الآن. كلاّ لا يمكن سيّدنا، فإقامة العدل واجبة، ومحاربة الظلم واجبة، والثورة واجبة، لا بدّ من السيطرة والقضاء عليهم وجعل الدنيا تموج ببعضها وكأنّها قد فلحت بالمحراث. 

  • كلاّ بالإمام الصادق كان في ذلك الظرف يقول امض، والإمام موسى بن جعفر كان يقول في هذا لا تمض، ولكنّه يخاطر بنفسه ويخاطر بموسى بن جعفر وبالشيعة فمن المسؤول عن ذلك؟ المسؤول هو هشام. عليك في ذاك العالم أن تجيب، يأتي موسى بن جعفر هناك ويقف أمامك ففي النهاية الحكومة هناك لمن؟ الحكومة لموسى بن جعفر، يقول: إلهي لقد قمت بالدفاع عن مدرسة موسى بن جعفر، الله تعالى بنفسه يقول: لا تفعل، عبثًا تقوم بهذا، من نفسك، وما دام من نفسك فحسنًا في الآخرة أيضًا لن يكون لك شافع مشفّع. وهذا أمر على كلّ واحد منّا أن يدقّق فيه النظر، إن لم نكن قد دقّقنا فيه حتّى هذه اللحظة فعلينا من الآن فصاعدًا أن نوليها اهتمامًا، ونرى هل نحن ملك لأنفسنا؟ أم لا، هل أزمّة الأمور بأيدينا؟ أم لا، وهل كلّما تكلّم إنسان فعلينا أن نطيع نحن؟ فكلّ إنسان يتكلّم، ولا أدري ما إن كنت نقلت هذا الأمر لكم أم لا، ففي الزمان السابق كان رفقاء المرحوم العلاّمة يأخذون منه برامجهم في الأمور الاجتماعيّة، وقد كان يبيّن رأيه في بعض الأمور بنحو معيّن، وفي بعض آخر بنحو آخر، وكثيرًا ما كان رأيه يخالف ما هو مطروح في المجتمع، وهذا الأمر لم يكن يلاقي قبولاً عند أذواق البعض وسلائقهم، ويقولون: عجيب! الآن بهذه الحالة هو يتكلّم بكلام آخر، أو لا يتكلّم، أو بنحو آخر، فكيف يمكن ذلك؟ فانظر إلى هؤلاء الناس المجتمعون، عشرون مليونًا، ثلاثون مليونًا، ستّون مليونًا، مائتا مليون، أربعمائة مليون هؤلاء كلّهم بهذا النحو، أفيعقل؟ ولماذا حول هذا الأمر...؟ فتبدأ النفس شيئًا فشيئًا مثل هشام بتبرير الأمور بنحو آخر بدلاً من أن تأتي وتطرق الباب فلا يكلّفك الأمر أكثر من ذلك وتسأل: ماذا أفعل في هذا الأمر؟ 

أنواع الإنفاق وشروطها

14
  • إن قال: أقدم حسنًا، فيوم القيامة هو من عليه أن يحمل مسؤوليّة ذلك، وإن لم يتكلّم فمن المعلوم أنّ الأمر له جهة أخرى، ولكنّهم كانوا يبدؤون بالتوجيه في أذهانهم، السيّد لم يتكلّم لا شكّ أنّه ترك الأمر لاختيارنا، لماذا لا تقول: ربّما كان غرضه هو عدم الإقدام لماذا لا تقول هذا؟ واقعًا إذا ما أزاح الإنسان الحجب بينه وبين الله ووضع الأهداف الشخصيّة جانبًا [فإنّه يدرك حقيقة ما يريد]، فالآن إذ نقلت لكم هذا الأمر ماذا حصل لديكم من تصوّر؟ لم يكن موافقًا، ربّما ليس بين هذه الجماعة الموجودة هنا أحد يتصوّر أنّه لم يكن كذلك بل ترك الأمر باختيارهم، ولكن لأنّ هذا الإنسان يفكّر على أساس نفسه واستقلالها فإنّه يظنّ أنّ جبرائيل يجلس قربه ويلقي إليه، ولكنّ هناك غير جبرائيل يأتيه يأمره أن اعمل هكذا واعمل هكذا. فجبرائيل يتنحّى جانبًا ويأتي غيره يجلس إلى جانبه يقول له: كلاّ قم بهذا العمل، حتمًا ترك الأمر إليك، فانظر وتأمّل، أقدم على تأييد الإسلام، أقدم وافعل كذا وسر وتقدّم. 

  • كان أحدهم يقول: كنت في البيت ـ هو بنفسه قال لي ـ فرأيت حشودًا تمشي في تظاهرة لأمر ما، الصوت صوت الإسلام والنداء نداء الإسلام والجميع يهتفون أدركوا الإسلام الله أكبر كذا وكذا، فقلت: إلهي لقد جلست أنا هنا والناس يمضون، ويقدّمون أرواحهم في النهاية، ففي النهاية ليس هناك مزاح، أقلّب الأمر أدخلت المرحوم العلاّمة ثمّ أخرجته، جئت به إلى المنزل ثمّ أخرجته منه، في النهاية تغلّبت وقلت يا علي، نمشي ونخرج الأمر إخراجًا مناسبًا، فقد كان من جهة يدرك أيضًا أنّ السكوت هنا بمعنى النفي والسلب، لا بمعنى الإثبات والإيجاب، فكان يقول: قلت على الأقل أخرج وأسير معهم، لن أنتهي معهم إلى تلك النقطة ولكن أرافقهم بمقدار ما، فخرجت وسرت معهم ربع ساعة، فاسترحت الحمد لله، لقد تحمّلت المسؤوليّة بهذا المقدار، لقد قمت بما يجب عليّ وأدّيت التكليف، ولكن في النهاية خوفًا من المرحوم العلاّمة رجعت إلى المنزل كيلا يصيبني سهم من الغيب ويحدث لي أمر، فقلت له: ربع الساعة الذي مشيته هذا إنّما مشيته في جهنّم، حيث تحرّكت بغير أمر، فلماذا مشيت؟ لماذا مشيت؟ لماذا مشيت؟ وقد حدث لي نظير هذا أنا أيضًا. 

أنواع الإنفاق وشروطها

15
  • الشجاعة لا تعني الإقدام العاطفي

  • على الإنسان أن لا [يقدم هكذا]، موضوع الشجاعة وما شابه له مكانه، فقد قال لي المرحوم العلاّمة يومًا: خذ هذا الكتاب في هذه الساعة إلى هذا المكان، فقمت في وقت إطلاق النار والقنص والوقت الحسّاس والخطير في وسط طهران في تلك الساعة التي خرجت فيها، حيث قال يجب أن تذهب إلى هذا المكان وتوصله إلى هذا الموضع ولم يكن هناك مكان آخر، ففي النهاية لو كان هناك مكان آخر لمرّ منه الإنسان واختار طريقًا آخر، ففكّرت على الفور بأنّ المرحوم العلاّمة قال اذهب، حسنًا وطريقي هو من هنا، فجاءت دبّابة ووقفت أمامي وأطلقت النار، وكانت من تلك النوعيّة... ربّما تحرّكتم الآن أنتم قليلاً من مكانكم ولكنّي لم أتحرّك من مكاني حتّى بهذا المقدار، وكنت أعلم أنّه ربّما جاؤوا وألقوا القبض عليّ ومضوا، فقد كنت أعلم ذلك ومع ذلك مضيت، لماذا؟ لأنّه قال: اذهب وخذ الكتاب وسلّمه، اذهب وسلّمه والطريق هو من هنا في النهاية، وليس هناك طريق آخر، فيجب أن تذهب. إن قتلوني فلا بأس فقد كنت في ذاك الزمان أشعر بشيء من الغرور، علينا أن لا نمنّ على الله ونحيل الأمر إلى أسباب أخرى. لا بل كنت إنسانًا لا أباليًّا أيضًا، قال: اذهب، ولكنّه هو نفسه في ظرف آخر قال: عليك أن لا تقوم بهذا الأمر وكانت الرغبة شديدة، ولكن على الإنسان أن يقف، عليه أن لا يتقدّم، ولو تقدّم الإنسان وحدث حادث ما ماذا سيكون؟ سيكون شهيدًا! يستشهد، لو حدث أمر ما لصار شهيد الحمار، ألم يكن في زمان النبيّ من هذا؟ ذهب ليقاتل وكان هناك حمار أبيض جميل فقال: سآخذه، سأقتل صاحبه وآخذه، فتوجّه إليه واتّفق أن قتله صاحب الحمار فسقط على الأرض، فقال النبيّ لقد صار شهيد الحمار، كان هناك حمار أبيض فمضى ليأخذه ولم يتقدّم ليقتل الكافر. 

  • لا بدّ من السير وفق التكليف، عمل واحد فلا تظنّوا أنّ الأمر واحد للجميع، كلاّ بل على كلّ إنسان أن يقوم بتكليفه بينه وبين الله، ولكن عليه أن لا يخدع نفسه، فعمل واحد بالنسبة إلى إنسان يحقّق الشهادة وبالنسبة إلى إنسان آخر ماذا يحقّق؟ يحقّق الخسران، عمل واحد، فهذا قام بالعمل وبينه وبين الله... فكثير من هؤلاء الذين شاركوا في الحرب العراقيّة الإيرانيّة كثير من هؤلاء الشباب كم كان لديهم من الصفاء وكم كانوا مخلصين! وكم تحرّكوا من أجل الله! لم يكونوا قليلين، فهؤلاء من الشهداء، كلّ هؤلاء يحشرون مع شهداء كربلاء، لماذا؟ لأنّهم أخلصوا نيّتهم ومشوا، ولكن لو كان في هذا المكان من لم يسر على أساس الخلوص وعلى أساس إخلاص النفس وعلى أساس أداء التكليف، بل على أساس أن يقال: إنّا نحن أيضًا عملنا، على أساس أن لا يقال: إنّ فلانًا توقّف عن المشاركة في المعارك، بل هو أيضًا شارك، فقد كان من هؤلاء أيضًا! على أساس أن يكتبوا اسمي في الجريدة، على أساس أن يقولوا... فهؤلاء لو استشهدوا فهم شهداء الحمار الذي حدّثتكم عنه! 

أنواع الإنفاق وشروطها

16
  • إنّها معركة واحدة وساحة قتال واحدة، وفي هذه المعركة يشارك اثنان أحدهما يصبح شهيدًا وكثير من شبابنا، وكثير من شيوخنا هم من الشهداء، والمرحوم العلاّمة أيضًا كان يقول ذلك، كان يقول جميع هؤلاء هم من الشهداء، هذا النوع من الناس، هؤلاء الذين انطلقوا على أساس التكليف وعلى أساس الواجب، لقد شعر بينه وبين الله أنّ عليه أن يقوم للدفاع عن الوطن الإسلاميّ ويواجه الكفر، كفر صدّام، فليس هناك من هو أكفر من صدّام وأسوأ من صدّام، عليه أن يقوم الآن ويقاتل لأنّ البلد يخضع لهجوم، فيذهب هذا الإنسان ويقتل، يستشهد فيجعل سجلّه مع أصحاب الإمام الحسين، في مكانته وزميله، أمّا إذا ذهب ليقال أنّي شاركت أنا أيضًا في القتال فاستشهد فلا يكتب اسمه في الشهداء لا يكتب! كلاهما يقتلان، كلاهما يصابان معًا بالرصاص، وكلاهما يسقطان، هذا ترفعه الملائكة إلى الأعلى وذاك عليه أن يؤدّي حسابه. 

  • لم يعمل هشام في زمان موسى بن جعفر بأمر الإمام، وفي زمان الإمام الصادق عمل بأمره، عمل بأمره فصار روح الأمين يؤيّده، وفي أيّام الإمام موسى بن جعفر لم يعمل بأمر الإمام فيأتي الشيطان لمساعدته، يأتي الشيطان ويساعده في أبحاث الولاية، فانظروا إلى أين وصل الشيطان، لا أدري في أيّ موضع من الروح المجرّد هناك موضع كنت قرأته منذ مدّة بعيدة، فليذهب الرفقاء وليراجعوه حيث يتحدّث السيّد الحدّاد حول دقّة الاعتباريّات وأنّ إنسانًا قد يقرأ القرآن لأجل جلده الجميل، وآخر لأجل السجّادة، سجّادة جميلة أهديت إليه من مكّة والمدينة وفيها قبّة وصورة الكعبة فيصلّي عليها صلاة النافلة و... هناك يوضّح بمقدار صفحتين أو ثلاث فليذهب الرفقاء وليقرأوه بدقّة، ثمّ يقول هناك: انظروا في أيّ الأمور جاء الشيطان وأظهر نفسه، في سجّادة الإنسان، وفي سجدته، وفي ذكره وفي صلاته وقرآنه۱، فلا تظنّوا أنّ الشيطان فقط في العرق والورق، كلاّ، كم نسبة ذلك؟ نسبته نصف في المائة، وتسعة وتسعون ونصف من قوّته قد جعله الشيطان لنا، ليس لي أنا فأنا من... لأجلكم أمثالكم أنتم، تسعة وتسعون في المائة من جهده جعله لكم من الآن فصاعدًا، هؤلاء قال عنهم إنّهم يأتون بأنفسهم ولا حاجة معهم إلى الحبال والجرّ فقط يدعونا. يأتي الشيطان... في زمان موسى بن جعفر الدفاع الذي كان يقوم به هشام بن الحكم عن موسى بن جعفر وعن الولاية كان بأمر الشيطان، لا بأمر الإمام، بأمر الشيطان يدافع عن التشيّع. 

    1. الروح المجرد، ص:۱٩٩ـ ٢۰۰
      لقد كان سماحة الحاجّ السيّد هاشم الحدّاد يعدّ الكثير من أعمال الخير من حظوظ النفس، لأنّ النفس تلتذّ به، و كان يقول: إ نّ المجالس التي يشكّلها بعض السالكين فيقرؤون فيها الشعر، هي غالباً من حظوظ النفس، و مع أنّهم يحصلون فيها على لذّة معنويّة لكنّها تبقى من حظوظ النفس، كذلك الذين يأتون بالكثير من الأذكار و الأوراد لأغراض النفس و حظوظها.
      فالقرآن الذي يتلونه، إن جذبهم فيه جمال جلده و ورقه و خطّه، و لو تلوه و هو على رَحْل مشبّك بحيث أثَّر ذلك الرحل في حال قراءتهم لكان ذلك من حظّ النفس. كما أ نّ السجّادة البيضاء بلا نقوش أمر مطلوب و مقبول، في حين أ نّ السجّاد الجميل الملوّن الذي تنتظمه النقوش هو من حظّ النفس. كذلك فإنّ تربة سيّد الشهداء عليه السلام أمر مطلوب لو كانت على هيئة القالب المعيّن المعهود المستعمل للسجود عليه في الصلاة و لو كان سطحها خشناً غير مستوٍ، أمّا لو اشترط فيها صفاء سطحها و صقله لتحوّلت إلى حظوظ النفس.
      و من ثمّ ينبغي الانتباه بدقّة كم أنّ الشيطان قد وسّع دائرة نفوذه، بحيث إنّه يرغب في إعمال تأثيره في محلّ سجود المؤمن الشيعيّ، وذلك على التربة الطاهرة لتلك الأرض المقدّسة.
      كما أ نّ المِسبحات الجميلة التي تؤثّر في ذِكر الإنسان هي جميعاً من حظّ النفس، و هكذا الأمر بالنسبة للعمامة و العباءة و الرداء وغيرها من الأشياء التي تؤثّر في عبادة و صلاة و دعاء و زيارة و تلاوة و ذِكر المؤمن و ورده.
      و كان السيّد الحدّاد يقول: إ نّ الرغبة في الأحلام و الرؤيا المعنويّة و الروحيّة هي من حظوظ النفس، كما أ نّ طلب المكاشفات والاتّصال بعالم‌ الغيب و الاطّلاع على الضمائر و العبور على الماء و الهواء و النار و التصرّف في موادّ الكائنات و شفاء المرضى هي بأجمعها من حظوظ النفس.

أنواع الإنفاق وشروطها

17
  • فانظروا كم هو عجيب هذا! بأمر الشيطان، فهو يعلم ماذا عليه أن يفعل، يقول ألقي هذا الأمر في ذهن هذا، ألقيه في ذهنه لكي يلقوا غدًا موسى بن جعفر في السجن، فالشيطان يعلم، لا تظنّوا أنّه جاهل، يعلم جيّدًا. 

  • الآن أنا أقول لهذا اذهب إلى هذا المجلس اذهب وأفش، اذهب وتغلّب، فسأصنع مشكلات للشيعة غدًا، فالشيطان طبق برنامج وطبق المسير الذي يرسمه يعمل، نعم فهذه من قدرات الله في النهاية، الله جعلها فيه، ففي النهاية حتّى هذه النقطة هو يسير طبق أمره، وهنا يأتي الإمام الصادق عليه السلام ويستنقذنا. 

  • لو كنت عبدًا لما ذهبت إلى هذا المجلس وجادلت، فأنت عبد ماذا؟ هذا العلم الذي لديك من أعطاكه؟ الله أعطاكه، وهو يقول هنا لا تستعمله، وهذه القدرة على البيان الله أعطاها يقول لا تستعملها هنا، لا تتكلّم هنا، اسكت هنا. 

  • كنت ذات يوم أتكلّم في مشهد، كانت هناك مجالس لعشرة أيّام، عشرة صفر، كان المرحوم العلاّمة آنذاك يشارك بيوم واحد من كلّ عشرة في تلك المجالس، وفي كلّ يوم كنت أتكلّم كان هو يستمع إلى تسجيله وفي اليوم التالي كنت ألتقي به إن كان لديه ملاحظات أو خطأ أو نقصان كان يلفت نظري إليه. واتّفق أن رجعت معه إلى المنزل في ذلك اليوم الذي كان قد شارك فيه، وبينما كان واقفًا في الغرفة الداخليّة قال لي: يا فلان لا يمكن للإنسان أن يقول كلّ شيء ولو كان حقًّا، فلا تهبط بالبحث إلى درجة تجعل فيها المستمع يحدّد المصداق، أنت قل الكلام بصورة كليّة وعامّة ولا تعيّن المصداق، فقلت: سيّدنا هناك بين المستمعين من إذا لم أحدّد له المصداق ولو دون ذكر الاسم فإنّهم يوجّهون الكلام بهذا الاتّجاه وذاك، ولا يأخذون الفكرة، فقال: أنت قل الأمر، ومن كان يجب أن يفهم ولو قلت بشكل كليّ سيلتفت، ومن كان ينبغي أن لا يفهم لو عيّنت له المصداق ألف مرّة فإنّه سيوجّه الكلام في نفسه ولو كان حقًّا. ولكن لا يمكن للإنسان أن يقول كلّ شيء، رغم أنّ الكلام صحيح ولكن لا يمكن قوله، فمن كان يجب أن يدرك سيدرك. 

أنواع الإنفاق وشروطها

18
  • أنا بنفسي كنت شاهدًا في إحدى جلسات عصر الجمعة حيث كان المرحوم العلاّمة يتحدّث عن أمر ما للحاضرين وكان حديثه عن أحد الأحداث وكان يتحدّث بطريقة بحيث إنّ أيّ إنسان محايد إذا طرح عليه الأمر الذي طرحه يقول إنّ غرضه هو ذاك الأمر وتلك القضيّة، وعندما انتهى المجلس رأيت اثنين يتكلّمان معًا هذا يقول: أرأيت السيّد يتحدّث عن هذا الأمر؟ فالكلام الذي قاله كان صريحًا ولا يمكن أن يطرح أصرح منه وأوضح منه لم يكن قد بقي إلا أن يصرّح بالاسم، هكذا، لا يمكن أن يبيّن أوضح منه، ولكن هذين رغم أنّهما كانا فاضلين ومن أهل العلم كانا يسوقان الكلام في اتّجاه آخر. 

  • لماذا؟ لأنّ النفس فاسدة، النفس فيها مشكلة، ما إنْ يريد أن يبيّن الحقّ تزيحه جانبًا وتجعل مكانه قوى أخرى، ما إن تريد الملائكة أن تأتي وتبيّن الحقيقة التي صدرت من لسان وليّ الله وتدخِلها إلى النفس بهدوء، فما دامت تلك النفس فاسدة فإنّها تزيحها وتأتي جنود الشيطان وتقلب الأمر بالالتفات إلى بعض الإيهامات والكنايات والإبهامات وبالتركيز على بعض العبارات المجملة التي يمكن أن تكون في أيّ كلام، فيأخذ بها ويترك تسعين في المائة من الكلام أو خمسًا وتسعين منه، ويتمسّك بخمسة في المائة. 

  • لماذا ذلك؟ لأجل الفساد، فساد النفس، وهنا الإنسان... لذلك يقولون: على الإنسان أن يلتفت قليلاً، وإذا أراد أن يسمع كلامًا ما فليصفّ ذهنه، يصفّيه من جميع الجوانب ويعدّ نفسه بعيدًا عن ذلك المحيط، حينها ربّما يتلقّى الأمر بنحو آخر، ويكون الأمر مختلفًا عنده.

  • فحول إنفاق النفس الكلام كثير ومهما تكلّمنا فيه فهو قليل.

  • إنفاق الشخصية

  • الأمر الثالث الذي يبقى هنا هو الإنفاق في الشخصيّة وفي آثار النفس وفي الموقع ولو ألّفنا في هذا كتابًا فهو قليل. 

  • فعلى الإنسان أن يتخلّى عن شخصيّته لأجل الله، وهذا أمر يمكن للإنسان أن يتخلّى عن المال وعن الأمور الاقتصاديّة وعن روحه وعن عرضه ولكن لا يتخلّى عنه، وهذا أمر مهمّ جدًّا ولكن على الإنسان أن يتخلّى. 

  • لقد هوّن الإمام عليه السلام الأمر، فهو يقول هل وجودك هو لك أم لغيرك؟ ما دام وجودك لغيرك فإنّ هذا الوجود وآثاره كلّها هي لغيرك، لأنّي أنا الآن في موقع ما فإذن لا بدّ أن أكون أنا الغالب شخصيًّا، لأنّي أنا الآن أدافع عن الله وعن الإسلام فلا بدّ أن أكون أنا الغالب شخصيًّا وإلا فالإسلام في خطر، لأنّي أنا الآن أدافع عن المذهب وأبلّغ له ـ وهذا جانب من القضيّة ولكلّ إنسان في أيّ موقع كان وأيّ تخصّص مسائل نفسانيّة ليست بالواحدة والاثنتين ـ لأنّي أنا في هذا الموقع فلا بدّ أن أكون الغالب ولو لم أغلب لذهبت كرامة الإسلام! كلاّ لن تذهب كرامة الإسلام، ستذهب كرامتي أنا، ولتذهب لا حاجة إليها، وكرامة الإسلام لن تذهب. 

أنواع الإنفاق وشروطها

19
  • لسنا نحن أولياء الدين

  • لذلك فقد ذكرت هذا الأمر مرارًا للرفقاء والأصدقاء وهو أنّ علينا أن لا نرى أنفسنا متولّين [للدين] أن لا نرى أنفسنا أولياء، أن لا نرى أنفسنا قيّمين. 

  • أنا أحيانًا أتحدّث مع البعض في بعض الرسائل أو الأبحاث التي لدينا فيقولون: هذا الكلام الذي تقوله نحن لا نقبله من الإسلام، فأقول: لا تقبلونه فليكن، ما شأني أنا؟ وظيفتي أنا هي أن أطرح لكم ما فهمته عن الإسلام. أنتم تقولون إنّكم لا ترضون بالإسلام فهذا شأنكم وإلى جهنّم وبئس المصير، ولتبقوا رافضين له مائة سنة أيضًا. 

  • أفهل جعلني إمام الزمان قيّمًا؟ للإسلام قيّم، وقيّمه إمام الزمان لا أنا وأمثالي، ليس سوى إمام الزمان على وجه الأرض قيم للإسلام ووليّ للإسلام، فقط وفقط وفقط الإمام عليه السلام هو الوليّ لا غير. ليس هناك أحد آخر، إمام الزمان يريد أن تذهب كرامة الإسلام في هذا المجلس فلتذهب فما شأني أنا، لا شأن لي، أنا أبيّن بمقدار فهمي وفي حدود ذهني، عليّ أن أبيّن بهذا الحدّ. 

  • يقولون اليوم: لقد ميّز الإسلام بين المرأة والرجل، وهذا الأمر لا يناسب العالم، فليكن غير مناسب له فما شأني أنا! فاذهبوا واعترضوا على إمام الزمان! لماذا تعترضون عليّ أنا؟ سيّدنا نحن لا نعترف بالإسلام لأنّه يتنافى مع حقوق الإنسان المعاصرة، فليكن منافيًا ما شأني أنا؟ ألأنّ حقوق الإنسان جعلت حقوق الرجل والمرأة والعقوبات بنحو آخر فعليّ أنا أن أترك المبادئ الأساسيّة وأبحث في الأدلة وأقوم بألف توجيه وتبرير وبألف خطوة وخطوة لكي أستفيد شيئًا مخالفًا للإسلام ومخالفًا لضرورات الإسلام فأقول هذا الأمر موافق لحقوق الإنسان، هذا موافق لها؟!

  • إن كان الأمر هكذا فلندع كلّ شيء، فلنوسّع أمر الحريّة إلى كلّ شيء، ولنجعل مسائل الحريّة في كلّ شيء كيلا تصاب كرامة العلماء بأذى. أين موقعنا نحن من الأمر؟ أين موقعنا نحن كي نكون ملوكيين أكثر من الملك ونعدّ أنفسنا قيّمين حتّى لا يعترضوا على الإسلام؟ فليأتوا ويعترضوا ولتأت الدنيا كلّها وتقول نحن لا نقبل بالإسلام. إن كنتم لا تقبلون فهذا شأنكم، نحن علينا أن نرى وظيفتنا بذلك المقدار الذي أعطي لنا ولا نتجاوزه وهذا هو المطلوب! أليس هذا هو الإسلام الذي تغلّب وأزاح أمير المؤمنين جانبًا؟ ألم يكن هذا المذهب المخالف والأفراد المخالفون من أزاحوا الإمام الحسن المجتبى جانبًا؟ ألم يقم معاوية بذلك؟ لماذا يعترض حجر بن عديّ على الإمام الحسن؟ لأنّه لم ير نفسه بعد عبدًا كما ينبغي. جاء ليقول للإمام يا ابن رسول الله لقد أرقت ماء وجوهنا!! لقد أرقت ماء وجه المؤمنين أمام معاوية، فمن أنت يا حجر لكي تقول هذا للإمام المجتبى؟ هل أنت قيّم؟ هل أنت وليّ الدين؟ إمام زمانك الآن هو الإمام المجتبى، فمن أنت لتقول أرقت ماء وجوهنا؟ الإمام يريد أن يريق ماء وجوهكم...

أنواع الإنفاق وشروطها

20
  • ورغم ما وَعدنا به فإنّنا اليوم أيضًا لم ننه ما أردنا، ولا شكّ أنّ الرفقاء تعبوا، وإن لم تكونوا تعبتم ـ فربّما تقولون لم نتعب ـ فأنا تعبت، وتلك المسألة لا تزال على حالها. 

  • هل الحقّ منتصر دائمًا في الظاهر؟

  • فأحيانًا وإلى حدّ ما وفي بعض الموارد تحدث الأمور بشكل يجعل جبهة الباطل تتغلّب ونظائر ذلك كثير جدًّا، سواء تفوّف في العلم أو في البيان أو سائر الموارد الاجتماعيّة، فالمخالف يتفوّق، الله يريد ذلك فماذا نفعل نحن؟ فهل لأنّي أنا أنا فلا بدّ في جميع الأوقات أن يكون كلامي هو الأرجح بأيّ نحو وبأي ثمن ولو خربت الدنيا كلّها كي لا يصاب الإسلام بأذى، هذا يكشف عن أنّ الفرد هو المطروح، لو كنت أرى نفسي عبدًا فلا أبالي إذا أتيت إلى هذا المجلس وناظرت فلانًا وغلبني، سيحمّر وجهي قليلي ويبيضّ ثمّ أخرج ولا يحدث أيّ شيء. سيقولون إنّ فلانًا غلب فلانًا، ونحن غُلبنا، نعم لا بأس، هل يجب أن يكون لديّ علم الإمام؟ هل يجب حتمًا أن أغلِب أنا بأيّ نحو لكي تبقى عزّة الإسلام؟ ربّما كان الله يريد أن يجعل هذا امتحانًا ووسيلة فمن كان في قلبه مرض ومن كان في قلبه انحراف ومن كان في قلبه عقدة يتمسّك بذلك ويسير في ذاك الطريق. 

  • لو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أمسك بعد رسول الله السيف وقضى على الجميع فماذا كان سيحدث؟ لانتهى الأمر، ثمّ لأمسك بزمام الحكم وعلّق السيف قرب مسجد المدينة فمن أصدر نفَسًا قام إليه فمن سيتجرّأ أن يقوم؟ لكان أمسك بالحكومة ولكن عالم الامتحان وعالم المدّ والجزر وعالم غلبة الإحساسات على العقل وعلى المباني وعالم {أكثرهم لا يعقلون}۱ أين سيصبح إذا حكم أمير المؤمنين؟ والذين لا بدّ أن يرتفعوا ويهبطوا في هذا المجال، والذين لا بدّ أن يكون لديهم ذريعة لكي يسيروا في طريقهم المنحرف أين سيصبحون؟ أساسًا إنّ عالم التربية هو مزيج بين الحقّ والباطل. فأنتم تلاحظون أنّ الحقّ تارة يتقدّم وتارة أخرى يتقدّم الباطل، فهنا يغلب الحقّ من حيث القوّة وهنا يغلب الباطل من حيث القوّة.

    1. مقطع من الآيات ۱۰٣ من سورة المائدة، و٦٣ من سورة العنكبوت، و٤ من سورة الحجرات. 

أنواع الإنفاق وشروطها

21
  • الإمام الحسين إمام، ولكن من الناحية البشريّة لديه قدرة بشريّة، يرمونه بسهم فيصيبه هذا السهم في قلبه، فكونه إمامًا لا يجعله يقف صامدًا هكذا، كلاّ بل يأتيه السهم من هذا الجانب ويخرج من هذا الجانب. والإمام يقع عن الخيل على الأرض، يضربونه بالسيف فتقطع رقبته أفلأنّه إمام لا بدّ أن يكون منتصرًا في كلّ مكان؟! 

  • نعم في موضع آخر لدينا أمر آخر، وذلك إلى جانب هشام [بن عبد الملك] يأتي الإمام الباقر عليه السلام فيريد هشام أن يصغّر شأن الإمامة فيبدأ بالرماية، ويقول له: ارم أنت أيضًا، حتّى يرمي الإمام مثلاً فيبتعد عن الهدف مترين فيضحك الجميع من ذلك، فهنا لا يمكن للإمام الباقر أن يقول: لا. يمسك الإمام فيرمي سهمًا فيصيب الهدف في وسطه ولا يميل عنه أبدًا بل يصيبه دقيقًا، ثمّ يرمي آخر فيقع فوق السابق، ثمّ يرمي ثالثًا حتّى التاسع، أحدها يلتصق بنهاية الآخر حتّى تكوّن منها عامود بطول ثلاثة أمتار، من فعل ذلك ومتى؟ الإمام فعل ذلك هنا، ولكنّه عندما يأتون لإخراجه وإبعاده فإنّه يطيع، إلى أيّ مكان يبعّدونه يمضي، هناك يضرب تسعة أسهم متعاقبة في نفس المكان كيلا يصغّر أمر الإمامة، ولكن إذا تمّ أمر الإمامة وثبت للجميع أنّ هذا إمام، فإنّه يتحمّل كلّ أذى وعذاب، فهذا هو إمام الزمان. 

  • ونحن أيضًا في وضع كهذا، فالأمور الشخصيّة والنفسيّة هي أمور حدث بسببها كلّ ما حدث في جميع شؤون البشر حتّى الآن. 

  • إن شاء الله موعدنا للحديث عن هذا الأمر هو الجلسة القادمة. 

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد