مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنة 1438

العدد التسلسلي18


الخلاصة

في آخر محاضرات هذا العام، تعرّض العالم الرباني سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني رضوان الله عليه لبيان حقيقة التوبة، مبينا كيفية محو الذنوب وحقيقة غفران الخطايا. ومن الجدير بالذكر أن أهم مواضيع هذه المحاضرة التي ألقيت في ليلة الثلاثين من شهر رمضان كالتالي: 1- الأولياء هم العبيد الحقيقيون. 2- حزن الأولياء و تأوههم على فراق شهر رمضان. 3- على السالك أن يسأل الله أعلى المراتب. 4- رحمة الله واسعة ، تمحو الذنوب وتحرق السيئات. 5- مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب. 6- تذكير الشيخ بهجت للعلامة الطهراني بأهمية صلاة الليل، و التعليق على ذلك. 7- كيف يمحو الله معاصي الإنسان التائب.
/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

1
  • مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

2
  • أعوذُ بِالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم

  • بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم

  • و صلَّى اللهُ عَلَى سيّدنا ونبيّنا أبي‌ القاسم مُحَمّدٍ

  • و على آله الطّيبين الطّاهرين

  • واللعنة عَلَى أعدائِهِم أجمَعينَ

  • "وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ لا لِأَنَّك أَهْوَنُ النَّاظِرِينَ وأَخَفُّ الْمُطَّلِعِينَ بَلْ لِأَنَّك يَا رَبِّ خَيرُ السَّاتِرِينَ وأَحْكمُ الْحَاكمِينَ وأَكرَمُ الْأَكرَمِينَ."

  • أي: لو أنّني كنت أخاف تعجيل الجزاء والعقوب، لاجتنبت الوقوع في الخطيئة والمعصية حتمًا؛ وهذا ليس بسبب عدم مراقبتك الدقيقة لأعمالنا، ولا بسبب اطّلاعك الناقص على تصرّفاتنا، بل بسبب أنّني وجدتك يا إلهي أفضل ساتر، واكتشفت أنّك في مقام الحكم أحكمُ وأتقن وأصلب حاكمٍ وقاضٍ في موقف المحاسبة، ولم أعثر في مقام الكرم والعظمة على من هو أعظم وأكرم منك.

  • الأولياء هم العبيد الحقيقيون

  • حسنًا، لقد شارفت هذه الليالي المباركة على الانتهاء، فنرجو من العليّ القدير [أن يتقبّلها منّا]، ولو أنّنا كنّا عبيدًا سيّئين ـ ولا يخفى أنّني أقصد نفسي بهذا ـ ولم نتمكّن من أن نكون له حتّى كما يليق بالعبد أن يكون، ناهيك أن نكون له كما يليق بمقامه الربوبي؛ فهذا ليس هو موضع حديثنا هنا، وأنّى لنا نحن أن نتصوّر ذلك أو أن نبلغ بأفكارنا ذلك الأفق؟! فأنا حينما أتأمّل في أحوال العظماء من الأولياء في هكذا مواقف؛ نظير المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه، والمرحوم العلاّمة، والمرحوم الشيخ الأنصاري، والذين كنت أشاهدهم حتّى في طفولتي، حيث لا زلت إلى الآن أستحضر في ذهني مجموعة من الذكريات عنهم، فإنّني أتعجّب من ذلك ، وأطفق أفكّر فيه.

  • وكمثال على ذلك، فإنّني شاهدت المرحوم الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه عدّة مرّات حينما كنت في عمر الرابعة والخامسة، حيث كان المرحوم العلاّمة يصحبنا إلى تلك المجالس التي كان يعقدها في منزل صهره ببستان "صبا" حينما يأتي إلى طهران. ولا زلت أتذكّر بشكل دقيق منذ ذلك الوقت حينما كنت في الرابعة، والثالثة، بل حتّى أقلّ من الرابعة من عمري ملامح وجهه، وكلامه، وحركاته، وهي الآن تمرّ أمام ناظري كالشريط السينمائي.

  • إنّ الذاكرة تكون أحيانًا مفيدة، لكنّها أحيانًا أخرى لا تكون كذلك! لأنّها تجلب المتاعب للإنسان؛ ففي هكذا موارد، نجدها تجلب للإنسان المتاعب، وذلك حينما ينظر إلى هؤلاء، فيُصاب باليأس من نفسه، ويقول: «فلنقرأ الفاتحة على أنفسنا يا عزيزي!» ففي هكذا حالات، تقول الذاكرة للإنسان: «يبدو أنّك في إجازة!» لكن، مع ذلك، فإنّنا نقول: يا إلهي، حالنا هو هكذا! فماذا نفعل؟! يا ربّ، لقد صنعتَ هؤلاء بنحو جيّد، حسن جدًّا، لكنّنا بهذا النحو! فلتقم بشيء ما، أو أنقذنا، وخلّصنا من هذه الأنانيّة والاستقلاليّة.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

3
  • أذكر في تلك الأيّام، وكان ذلك في فصل الشتاء، أنّ المرحوم الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه أتى فجأة إلى طهران، وجاء إلى منزل المرحوم العلاّمة الذي كان قد استأجر في تلك الفترة بيتًا قريبًا من ساحة الشهداء، والتي كانت تُسمّى سابقًا بساحة "جالة"، وأمّا الآن، فتحوّلت من ساحة إلى تقاطع للطرق. أجل، كان قد استأجر منزلاً بزقاق "حريرتشيان"، وسكن فيه لمدّة أربع سنوات بعد رجوعه من النجف، وهو منزل كان يملكه أحد أصدقائه، وقد توفّي وانتقل إلى رحمة الله تعالى، ويُعدّ من المنازل العتيقة التي تنقسم إلى قسمين يتوسّطهما صحن، وعندي ذكرياتٌ كثيرةٌ تخصّ هذا المنزل كنت قد ذكرتها للرفقاء.

  • وحينما أتى [المرحوم الشيخ الأنصاري] إلى المنزل، كان المرحوم العلاّمة بالمسجد ظهرًا، ولم يكن قد عاد بعدُ.. أجل! لقد كان الشيخ رجلاً مسنًّا، ويحمل عصى في يده، فجاء، وطرق الباب، فأتيت أنا عند الباب، حيث كان عمري لا يتجاوز الرابعة، وسألته: «من أنت؟»، فقال لي: «السلام عليك أيّها الولد الطيّب، كيف أحوالك؟ كيف أنت؟ هل أحوالك على ما يرام؟»، فبدأ يسألني عن أحوالي، ثمّ قال لي: «هل والدك موجود؟»، فأجبته بالنفي، ثمّ أغلقت الباب! فقال لي: «تريّث قليلاً يا عزيزي!» وأمسك الباب؛ أي حينما أردت إغلاق الباب، وضع يده عليها، ولم يسمح لي بسدّها، فكأنّه كان يقول في نفسه: «يا له من ولد غير صالح! أين هذا من السيّد محمد الحسين؟! لا يوجد أيّ شبه بينهما!» ثمّ قال لي: «اذهب عند والدتك وأخبرها بأنّ الأنصاري قد أتى»، فذهبت، وقلت لأمّي التي كانت في الأعلى إنّ شيخًا أتى، وكان يحمل في يده عصى، وأمرني أن أقول لك إنّ الأنصاري أتى! وفجأة، رأيت أنّ أمّي فزعت، وقالت لي: «قل له أن يتفضّل! قل له أن يتفضّل!»، فاكتشفت حينئذٍ أنّني ارتكبت خطأً فادحًا حينما قلت له: «اذهب، فوالدي غير موجود، مع السلامة، لقد سرّتنا رؤيتك!».

  • لقد شعرت من خلال تلك الحالة التي كانت عليها والدتي بأنّه من المحتّم أن يكون هذا الشيخ رجلاً عظيمًا؛ هذا، مع أنّني كنت أبلغ أربع سنوات من العمر أو أقلّ! فنزلت إلى الأسفل، وقلت له: «إنّ أمّي تدعوك للذهاب إلى الغرفة الواقعة في الجانب الآخر»، حيث كان صحن البيت يقع في الوسط، وكان البناء مقسومًا إلى شطرين، فكان الرجال يقطعون الصحن، ليصلوا إلى الجانب الآخر الذي يتألّف من غرفتين، ويحتوي على "كرسيّ"۱.

    1. جهاز قديم كان يُستعمل للتدفئة. المترجم

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

4
  • ففتحت الباب، ودخل إلى البيت، فكان يمشي هكذا في البهو: يحمل عصاه بيد، ويمسك أذني بيده الأخرى، يدغدغها ويمسح عليها، ويقول لي: «يا لك من ولد طيّب!» إلى أن وصل إلى تلك الغرفة، ودخل إليها. ثمّ إنّني تعجّبت كثيرًا لردّة الفعل التي أبدتها الوالدة، واضطرابها وارتباكها المفاجئين، وقلت في نفسي: «فلأذهب، وأنظر كيف هو هذا الشيخ!»، وأتذكّر بكلّ وضوح، كيف أنّني ذهبت إلى خلف النافذة، وبدأت أتطلّع منها إلى ما يفعله، فرأيته جالسًا تحت "الكرسيّ"، ومطرقًا برأسه إلى الأسفل؛ وكلّما ذهبت إلى هناك، ونظرت إليه، لم أره قد رفع رأسه من الأرض، إلى أن أتى المرحوم العلاّمة.

  • أجل، مرّت فترة من الزمان، وجاء المرحوم العلاّمة، فأخبرته الوالدة بقدوم الشيخ الأنصاري؛ وحينئذ، لم أدرِ ما الذي حصل للمرحوم الوالد، حيث رأيته يجري مسرعًا في صحن البيت، تبدو عليه آثار البهجة، ووجهه منشرح، والبسمة تعلو شفتيه... ولا زالت هذه الحادثة إلى الآن منتقشة بكلّ وضوح في قلبي وذهني كلوحة، وكيف أنّه حينما سمع من والدتي أنّ أستاذه أتى، وأنّه يجلس هناك، اعترته حالة لا يُمكن وصفها من البهجة والانبساط والسرور؛ وأنا الآن أسعى لرسم صورة عن تلك الحالة؛ فكان يركض بحيث أنّه كاد يسقط على الأرض، فكان مجيئه بهذا الشكل، ليفتح الباب بعد ذلك، ويلج إلى الداخل، ويلتقي بأستاذه.

  • لقد رأيت الشيخ الأنصاري عدّة مرّات، وأتذكّر أنّني رأيته حتّى حينما كان يأتي إلى منزل ابنته، حيث شاهدته هناك مع المرحوم العلاّمة مرّة أو مرّتين، وخلاصة القول أنّني اطّلعت على بعض أحوال المرحوم السيّد الحدّاد، وأحوال المرحوم العلاّمة... صحيحٌ أنّني لم أوفّق لزيارة المرحوم السيّد الحدّاد في شهر رمضان، لكنّني كنت أرى المرحوم العلاّمة في مثل تلك الأيّام، وأشاهد تغيّر حاله، وحيرته؛ فكان واضحًا تمامًا أنّ هؤلاء ليسوا من أهل الأرض، بل كانوا في عالم آخر، بينما كنّا نحن في عالمٍ مختلفٍ عنهم، ولا يتجاوز جلوسُنا وحديثُنا معهم مستوى فهمنا ومعرفتنا.

  • حزن الأولياء و تأوههم على فراق شهر رمضان

  • ففي يوم من الأيّام الأخيرة لشهر رمضان، أتيت عنده بعد الظهر، فتأوّه طويلاً، ثمّ قال: «يا سيّد محمد محسن، لقد انقضى شهر رمضان، ولم ننهل منه شيئًا!»؛ فمنحني ذلك ـ كحدّ أقلّ ـ شعورًا بأنّ هناك حقائق مغايرة لتلك التي نُدركها، ونقرأ عنها، ونتعامل معها؛ فهؤلاء يعلمون أشياء ومسائل أخرى عن شهر رمضان! ولنأخذ كمثال على ذلك المرحوم السيّد الحدّاد.. ذلك الرجل الإلهي الذي لا نجد له نظيرًا، فما هي الأمور التي كان يشعر بها في هذا الشهر الفضيل؟ وما هي المسائل التي كان يُدركها؟ وأقولها بجدّ: ما هي المسائل التي كان يُدركها، بحيث كانت سيرته حينما ينقضي شهر رمضان هي زيارةُ جميع أئمّة العراق، وأبناء الأئمّة المعروفين؛ كالسيّد محمد، وحضرة القاسم، ومولانا حمزة، وأمثالهم؟ كان يزورهم شكرًا لله تعالى على ما منّ به عليه، وتوفيقه لإدراك شهر رمضان، فكان يُؤدّي زيارة دائرة، يبدأ فيها من أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ الإمام الحسين عليه السلام وحضرة أبي الفضل عليه السلام، والكاظمين، وسامرّاء، وبعد ذلك حضرة القاسم، وغيره؛ وهكذا، وكان في بعض هذه الزيارات يُرافقه المرحوم العلاّمة؛ فما الذي كان يُدركه هؤلاء حقيقةً؟ أي: ما الذي قسمه الله تعالى لهم في هذا الشهر المبارك، حتّى يكونوا على هذه الحال؟ فهل كانوا مثلنا نحن الذين غاية ما يُمكننا بلوغه هو الحصول على بعض الحالات، والشعور بنوع من الانبساط والتوجّه الخاصّ؟ فهذا غاية ما يُمكننا بلوغه، وأمّا أن ننهض، ونلحظ هكذا مسألة؛ أي أن نسعى لزيارة كلّ تلك المقامات شكرًا لله تعالى على توفيقه لبلوغ شهر رمضان، مع كلّ تلك الروحيّة [فهذا ممّا لا سبيل لنا إليه].

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

5
  • على السالك أن يسأل الله أعلى المراتب

  • حسنًا، يبقى أنّنا اتّخذنا هؤلاء أسوةً لنا، ونحن نعلم أنّه لو كان من الواجب التأسّي بأحد، فإنّ هؤلاء العظماء هم من ينبغي التأسّي بهم، واتّباعهم؛ وحينئذٍ، لا يهمّنا أن يكون فهمنا قد بلغ ذلك المستوى أم لا؛ ففي نهاية الأمر، نحن رأيناهم يقومون بذلك الأمر، فعلينا أن نقوم به أيضًا بحسب طاقتنا ووسعنا؛ فليذهب القاطنون هنا لزيارة السيّدة المعصومة عليها السلام، أو زيارة عليّ بن موسي الرضا عليه السلام إن وُفّقوا لذلك، فزيارته لها مكانتها الخاصّة، ويذهبوا أيضًا لزيارة حضرة عبد العظيم رحمة الله عليه ورضوان الله عليه، وغيره من العظماء؛ فعلينا أن نقوم بنفس ما كان يقوم به أولئك الأولياء، أو إذا كنّا في شيراز، نزور حضرة السيّد أحمد وحضرة السيّد محمد۱، وكذلك أبناء الأئمّة المدفونين هناك، حيث يُعدّ كلّ واحد منهم مفيضًا؛ أي أنّ لكلّ واحد منهم فيضه الخاصّ، فيستفيض زوّارهم من بركات نفوسهم.

  • فكلّ واحد يستفيض بحسب وسعه وطاقته، ولا نقول بأنّنا لن نبلغ ذلك المستوى أبدًا! فنحن نرجو من الله تعالى أن يمنّ علينا، حيث كنت أريد أن أقول بدايةً: «نحن لسنا في ذلك المقام، ولن نصل إليه أبدًا»، إلاّ أنّني تراجعت، وقلت: لا، العبارة الثانية ليست بأيدينا، فإذا أراد الله تعالى... صحيح أنّنا لا شيء، غير أنّنا نرجو من الله تعالى أن يمنّ علينا، فهذا لا يشقّ عليه تعالى، وإلاّ، فإنّ الذين وصلوا إلى هناك [المقامات العالية]، كيف تأتّى لهم ذلك؟ لقد طلبوا ذلك من الله تعالى، ولم يأتوا به من بيت خالتهم!!! فهؤلاء الأولياء والعظماء لم يأتوا بهذه الدرجات والمقامات من بيت عمّتهم وخالتهم!!! لقد طلبوا ذلك من الله تعالى، فوفّقهم سبحانه للفهم والعمل وأعطاهم الهمّة، فتحرّكوا بدورهم، ووصلوا. حسنًا، فالله تعالى قادر أيضًا على أن يُعطي لكلّ أحد:

  • فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد *** دگران هم بكنند آنچه مسيحا ميكرد

  • [يقول: إذا وأفاض روح القدس مرّة أخرى من مدده، فسيتمكّن الآخرون أيضًا من الإتيان بذات العمل الذي كان يقوم به السيد المسيح]

    1. وهما السيّد أحمد والسيد محمد ابنا الإمام موسى الكاظم وأخوا الإمام الرضا عليهما السلام، و هما مدفونان في مدينة شيراز الإيرانية.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

6
  • وهم بأنفسهم قالوا لنا ذلك، وأمرونا بأن نأتي، ونكون إلى جانبهم، ولم يقولوا لنا: «أين أنتم منّا نحن؟!» كلّا! هذا، مع أنّهم لا يتفوّهون بتاتًا بمثل هذا الكلام، ونحن لم نسمع ذلك منهم أبدًا، بل نحن فهمناه وأدركناه بأنفسنا.

  • ذات يوم، أتيت عند المرحوم السيّد الحدّاد، فقال لي: «ماذا تريد؟»، قلت له: «أريد من الله تعالى أن يتفضّل علّي بقليل ممّا تفضّل به عليكم!، فقال لي: «لا، فهو يُعطي أكثر، يُعطي أكثر»، فقلت: «أنا لا أقول إنّه لا يُعطي، لكن، أنا قانع بالقليل، فلو أعطاني ذلك القليل، لرفعت قبّعتي إلى حيث العرش [جَذَلاً]»، فقال: «لا، فهو يُعطي أكثر». أجل، فهؤلاء لم يكونوا أبدًا من أهل المجاملات، ولا من أهل تصنّع التواضع والاستحياء وكسر النفس؛ فلم تكن لهم إرادة مستقلّة، بل لم يكن لهم وجود مستقلّ؛ وقد عاينّا هذه الأحوال بأنفسنا، ولا علاقة لنا هنا بما هو موجود في الأماكن الأخرى، ولا دخل لنا بالمسائل والقضايا الأخرى، فقد رأينا ذلك منهم بأمّ أعيننا، ونحن نتضرّع إلى الله تعالى قائلين: «يا إلهي، إن كنت ستمنّ علينا بنعمة أو بركة، فاجعلها من تلك النعم والبركات التي مننت بها على أولئك الخاصّة من عبادك، وَضَعْنا في نفس المسار والمكان الذي كانوا فيه».

  • رحمة الله واسعة ، تمحو الذنوب وتحرق السيئات

  • إنّ شهر رمضان هو شهر له مميّزاته الخاصّة؛ بمعنى أنّ الرحمة في هذا الشهر هي رحمةٌ واسعةٌ تحلّ وتشمل الجميع، وتمحو الذنوب، وتُحرق السيّئات والزلاّت؛ فما إن تتوجّهوا قلبيًّا، حتّى تنشرح نفوسكم؛ أي أنّ تلك الرحمة تكون قد أحرقت كلّ شيء وأعدمته. كان أحد الرفقاء قد كتب مجموعة من الروايات النافعة في المقام، فطلبت منه أن يُعطيها لي حتّى أذكرها للرفقاء؛ ولا يخفى أنّه أتاني بسطر واحد فقط يحتاج إلى مجهر لكي يُقرأ، فأرجو منه في المرّة القادمة إذا أراد أن يأتي بهذه الروايات أن يكتبها بخطّ أَسْمَك؛ هذا، مع أنّه كان قد كتب هذه الروايات لنفسه.

  • ففي هذا المجال، لدينا رواية عن الإمام الباقر عليه السلام يقول فيها: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"۱؛ فليس أنّ الله تعالى قد عفا عنه، وستر عن ذنبه، بل كأنّه لم يرتكب ذنبًا أبدًا! كما أنّ هناك رواية أخرى عن معاوية بن وهب يقول فيها الإمام عليه السلام: "إذا تاب العبد توبةً نصوحًا..."، وقد سمعتم حتمًا بقصّة التوبة النصوح، وهي تلك التوبة التي يعقد الإنسان فيها العزم على عدم الرجوع إلى ارتكاب الذنب أبدًا، "... أحبّه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة"، لأنّه حينما يُحبّ الله تعالى أحد عباده، فإنّه لا يرضى بأن يظهر هذا العبد أمام بقيّة الناس بمظهر غير لائق. ثمّ إنّ معاوية بن وهب يسأل الإمام عليه السلام: وكيف يستر عليه؟ قال: "يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب"٢؛ فيُنسي ذانك الملكين الموكّلين بالإنسان جميع ما كتباه من الذنوب.

    1. الكافي، ج ٢، ص ٤٣٥
    2. الكافي، ج ٢، ص ٤٣۰.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

7
  • فحتّى الملائكة تُصاب بمرض الزهايمر!! ولا اختصاص لهذا المرض بنا نحن فقط! يُنسي ملكيه؛ أي أنّ الملائكة تقول: «يا للعجب! إنّ هذا لا يتوفّر على أيّ ذنب.. لقد ضاعت يا إلهي كلّ الجهود التي بذلناها صباحًا ومساءً»؛ ولا يخفى أنّ الملك على اليمين يغطّ في سبات، وتأخذه السِّنة؛ فوحده الملك الموكّل بنا على الشمال هو المستيقظ والمنهمك في العمل والمراقب على الدوام، بينما الملك على اليمين يغطّ في نوم عميق! أجل! فيُنسي الله تعالى الملكين بنحو كامل، وحينما تنظر الملائكة إلى كلّ ما كتبته، تبدأ في التساؤل: يا للعجب! أين ذهبت إذن كلّ تلك المعاصي؟! وأين راحت كلّ تلك الجهود التي بذلناها؟! فالله تعالى هو من أمرنا بكتابة وتسجيل تلك الأقوال والأفكار والخواطر التي تحلّ في الذهن..

  • مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

  • نعم، يبقى أنّ هذه الكتابة ليست كالكتابة المتعارفة، بل هي عبارة عن حفظ ذات العمل في نفس الملك، بحيث تنحفظ تلك الكدورة وذلك العمل في نفس الملك بعينهما الخارجيّتين، لا بصورتهما الذهنيّة! أي أنّ عين الحادثة الخارجيّة، ونفس العمل الذي نرتكبه بأيدينا يُدّخر في نفس الملك، وليس صورته أو فيلمًا عنه، بل ذات العمل ينحفظ بشكله العلّي المتمثّل في صورته المثاليّة.

  • فنحن نظنّ بأنّ المسألة بالعكس، وأنّ الأعمال التي نُؤدّيها هي الأصل؛ وحينئذ، حينما يأتون بآلة تصوير، ويأخذون فيلمًا أو صورة عن ذلك العمل، ويطبعونها في الجريدة، فإنّ هذه الصورة تكون فرعًا، ومتى ما نظر أحدهم إلى تلك الصورة، واطّلع على جلوسكم مثلاً، فإنّه لن يقول إنّها أصل، بل سيقول إنّها صورة، وأمّا ذلك الشخص [أي أنتم] الذي كان جالسًا هنا، وذهب، ولم يعُد موجودًا الآن، فماذا سيكون؟ سيكون هو الأصل.

  • وحينئذٍ، إذا رأينا منامًا، أو مكاشفةً، فإنّنا نقول عنه أنّه فرع بالنسبة لذلك العمل المادّي الذي نقوم به في عالم المُلك والشهادة، بينما المسألة على العكس؛ أي أنّ حقيقة العمل وواقعه وأصله هو الموجود في عالم المثال، وأمّا ما نقوم به الآن، فحكمه حكم آلة التصوير التي تلتقط صورة عنه وتحكي عنه. وعليه، فإنّ واقع الفعل الإنساني وحقيقته في الخارج عبارةٌ عن وجود متنزّل لحقيقة أعلى مجرّدة تتجلّى في مثال ذلك الفعل ومثال ذات الإنسان؛ وبالتالي، فإنّ تسلّط الملائكة لا يقتصر على عمل الإنسان فقط، بل إنّ وجود الإنسان باقٍ ومحفوظ ومستمرّ بذاته في نفوس الملائكة؛ وإنّه لعجيب جدًّا كيف يكون وجود الإنسان مندكًّا في وجود الملائكة في حال الحياة وعند البقاء، ومعه جميع أفعاله وتصرّفاته وآثاره، بحيث تكون جميع هذه الأمور محفوظة ومسجّلة بواسطة هذا الوجود.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

8
  • وعليه، فإنّ أصل العمل وحقيقته متحقّق في وجود الملائكة التي في عالم البرزخ والمثال والتي في عوالم أعلى كعالم الملكوت؛ وهكذا كلّما صار تجرّد العمل أكثر، كلّما ارتقى إلى الأعلى، حتّى يصل إلى مقام الذات، فيصير أدقّ وألطف وأعمق؛ وهناك تفقد أعمال الإنسان حتّى الصورة، وتمسي ذات معنى صرف.

  • تذكير الشيخ بهجت للعلامة الطهراني بأهمية صلاة الليل، و التعليق على ذلك

  • لو يتذكّر الرفقاء، ففي أحد المواضع من تلك الحواشي والتعليقات التي وضعتها ـ على ما يبدو ـ على أجزاء مطلع الأنوار، نقلت حادثة ذكرها لي المرحوم العلاّمة ـ حيث لم أكن حاضرًا في ذلك المجلس ـ وأوردها بنفسه في كتابه عن المرحوم آية الله الشيخ بهجت رحمة الله عليه الذي كان رجلاً عظيمًا وتقيًّا وصالحًا ومن أهل الصلاح وأرباب القلوب وأصحاب التهجّد، وكان مُعرِضًا عن الدنيا وله العديد من الصفات الحسنة، حيث تعود علاقته مع المرحوم الوالد إلى سنواتٍ متمادية، وتربطهما أواصر المحبّة والمودّة؛ فكان كلّما تشرّف بزيارة قمّ، يذهب إلى منزل المرحوم الشيخ بهجت لأجل زيارته، كما كان الشيخ بهجت كلّما تشرّف بالمجئ إلى مشهد، يأتي إلى منزل المرحوم الوالد؛ فكنّا نحن من جانبنا أيضًا نذهب لزيارته مع المرحوم الوالد.

  • وفي إحدى تلك المرّات، جاء الشيخ بهجت إلى منزل المرحوم الوالد، غير أنّني لم أكن حاضرًا هناك، وكان أخي الأكبر موجودًا، فذكرالشيخ مسألة أشار فيها إلى أهمّية صلاة الليل وأنّه لا ينبغي تركها و...، ومن المؤكّد أنّ الرفقاء لهم علم بهذه الحادثة التي وقعت في زمان كنت ملازمًا للمرحوم العلاّمة في المستشفى لمدّة أسبوعين، حيث كان يُعاني من مشاكل قلبيّة أقعدته في المستشفى لأسبوعين، منهما أسبوع في وحدة العناية المركّزة؛ فكنّا نتردّد عليه مع بعض الأصدقاء الأطبّاء، غاية الأمر أنّه كان يُحظر على كلّ أحد رؤيته، فكنّا نتردّد عليه أحيانًا، لعلّه يحتاج إلى شيء، إلى أن انقضى الأسبوع، فنُقل إلى القسم الداخلي، فصرت ملازمًا له مرّة أخرى، حيث كان يعيش المرحوم العلاّمة ظروفًا لا تُضاهي فيها ألفُ سنةٍ من عبادتنا نَفَسًا واحدًا من أنفاسه، ثمّ إنّ المسألة انتهت بعد ذلك.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

9
  • فكان المرحوم الشيخ بهجت يُؤكّد على صلاة الليل، ويسعى للقول: إنّ على الإنسان ألاّ يدعها مهما كانت ظروفه وأحواله، فلا ينبغي للمشاكل والابتلاءات أن تصرف الإنسان عن أداء صلاة الليل، فقال المرحوم الوالد بأنّه كان يقصده هو بهذه المسألة، لأنّه لم يكن قادرًا على أدائها طيلة تلك المدّة التي قضاها هناك، ولعلّه مثلاً... لا أدري بالضبط، فأنا لم اكن أدرك ذلك...

  • وعلى أيّ حال، حينما ذكر المرحوم الوالد هذا الكلام، تدخّلت، حيث من المعلوم أنّ طالب العلم لا يهدأ له بال، ودأبُه التدخّل والمعارضة وحشر النفس!!! فقلت له: "لا، يا سيّدي لقد أخطأ [الشيخ بهجت رحمه الله] هنا!".

  • فقطّب السيّد العلاّمة في وجهي قليلاً، وقال: «تحدّث بلياقة يا سيّد!»، لكنّني كنت جريئًا، وصَلِفًا بعض الشيء، فقلت له: «يا سيّدي، لقد أخطأ؛ لأنّه لم يطّلع إلاّ على صورة العمل في عالم المثال، كما أنّ الصورة التي انكشفت له هناك كانت في مرتبة الظاهر فقط، ولم يطّلع حتّى على حقيقة تلك الصورة المثاليّة العليا، وأمّا حقيقة الصلاة وتلك الواقعيّة التي هي أعلى من الصورة والمعنى، فكيف يتسنّى له بلوغها، حتّى يكتشف أنّك وصلت إليها؟!!» فضحك، وقال: «قم، وارحل من هنا يا سيّد»!!! أي: اذهب من هنا، فإنّك تبحث عن المتاعب وتسبّب المشاكل!!! وخلاصة القول أنّني كنت طالب علم، ولا زلت كذلك، وهكذا كانت تبدو لي حقيقة المسألة.

  • لقد كان هؤلاء العظماء يعيشون في عالمٍ وأجواءٍ، بحيث تعجز ألف صلاة ليلٍ من أمثالي عن مضاهاة نَفَس من أنفاسهم.. حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم۱؛ فهنيئًا للذين يفضُل أكلُهم وشربهم ونومهم على جميع هذه العبادات وقيام الأسحار وإحياء الليالي حتّى الصباح!

  • هذا، مع أنّني لا أسعى هنا إلى التشجيع على هكذا مسائل، لا، فلكلٍّ أحواله الخاصّة، وكلّ واحد مطالَبٌ بالعمل وفقًا لذلك الظرف وتلك الأجواء التي يعيش فيها. فمن ناحية، كان السيّد الحدّد يقول بنفسه: «إنّ هؤلاء الرفقاء لا يتحرّكون ولا يعملون من تلقاء ذواتهم، بل علينا أن نأتي نحن ونحركّهم ونهزّهم»، لكن، من المعلوم أنّ هؤلاء كانوا يعيشون ظروفًا خاصّة.

    1. نهج البلاغة، الحكمة ۱٤٥.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

10
  • وخلاصة القول أنّ مرادي من حديثي عن هذه المسألة هو بيان أنّ حقيقة الأعمال حاضرة في عالم الملكوت وعالم الحقائق والمعاني بدون أن تتّخذ لها شكلا و صورةً؛ وهذا هو الأصل، وعندما تبدأ في التنزّل، تصبح صورة، ثمّ تتنزّل، إلى أن تصل في آخر مرتبة إلى عالم الملك والشهادة.

  • وعليه، فإنّ كلّ ما نقوم به في هذا العالم هو آخر النسخ الفوتوغرافيّة لتلك النسخ الأصليّة والخطّية الموجودة في العوالم العلويّة، حيث يأخذون نسخة فوتوغرافيّة عن تلك النسخة الأصليّة، ثمّ يحصل تنزّل، فيأخذون نسخة فوتوغرافيّة أخرى، إلى أن نصل إلى آخر مرتبة، حيث يأخذون آخر نسخة فوتوغرافيّة عن تلك النسخ، وتكون كتابتها غير واضحة؛ لأنّها مأخوذة عن عشرة نسخ مرة بعد مرة؛ فهذه هي التي تُمثّل الأعمال التي نقوم بها نحن؛ ولهذا، علينا ألاّ نتوهّم بأنّ ما نفعله نحن هو الحقيقة، وأنّ البقيّة عبارة عن صور ونسخ فوتوغرافيّة، بل إنّ الحقيقة هي التي تتنزّل إلى هنا بهذا النحو، وتُؤثّر هنا بهذه الطريقة.

  • كيف يمحو الله معاصي الإنسان التائب

  • وعليه، فحينما يريد الله تعالى أن يمحي، فما الذي يمحيه؟ إنّه يرفع صورة المعصية من جذورها، فلا يبقى لها أيُّ وجود؛ فصحيح أنّ نفس العمل ـ كما ذكرت ـ موجود، إلاّ أنّ صورة المعصية غير موجودة؛ وحينما ينظر الملك ـ الذي سجّل بأنّ فلانًا ارتكب معصية ـ إلى ملفّه، لا يرى فيه معصية، وفقط ذلك الملك الذي يُسجّل الحسنات [يجد الحسنات باقية]... ثمّ يُوحي إلي جوارحه أن اكتمي عليه ذنوبه، حيث لدينا آية شريفة تقول: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ}۱؛ يعني في يوم القيامة، يقول الحقّ تعالى لعبده: «لقد قمتَ بهذا الفعل.. لقد ارتكبتَ هذه المعصية!» فيُجيبه: «لا، لم أفعل!» فيأتي الخطاب: «يا أيّتها الرجل، اشهدي!»، فتبدأ الرجل بتقديم الشهادة، وماذا تعني الشهادة هنا؟ إنّها لا تعني أنّ الرِّجل تقول بلسانها: لقد ذهبت في هذا الطريق، ودخلت إلى المنزل الفلاني... لأنّه في هذه الحالة سيعترض صاحبها ويقول: «يا إلهي، إنّها تكذب، إنّ المسألة مفبركة!»؛ بل معنى شهادة الرجل أنّ الله تعالى يضع أمام الإنسان عين تلك الحادثة التي شارك فيها برجله؛ وحينئذ، كيف يتسنّى له الإنكار؟! لا أنّه يريه صورة عن ذلك العمل، بل إنّه يرى في نفسه بأنّه يقوم بذلك العمل بواسطة رجله، ويرى في نفسه أنّه يرتكب تلك المعصية بواسطة يده، ويرى في نفسه أنّه بواسطة لسانه يكذب، ويفتري، ويغتاب، ويتفوّه بكلام غير لائق في موضع لم يكن ينبغي عليه أن يتفوّه به، فذكره في مجلس، وهتك عرض مؤمنٍ! فيرى هناك جميع تلك الأمور، وليس أنّ اللسان يقول: «لقد قمت بهذا العمل»، بل إنّ الإنسان يرى في نفسه عين ذلك الفعل الذي ارتكبه.

    1. الآية ٢٤ من سورة النور

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

11
  • فهل أنا الآن أتكلّم أم لا؟ وحينئذ، هل توجد حاجة لكي يقول لساني: «يا أيّها السيّد الطهراني، إنّك تتحدّث الآن بهذا الكلام»؟ فأنا الآن بنفسي أتحدّث؛ وحينئذ، من الذي يُمكنه أن يخبرني بذلك؟! هل يدي هي التي ستُخبرني بذلك؟ أم أنتم ستُخبرونني بذلك؟ فهل أنّكم إذا لم تُخبروني بذلك، فإنّني لن أعلم، ولن أستطيع القول ما الذي فهمتُه وقلتُه ونطقت به؟!! فأنا الآن لديّ علم حضوريّ بذلك؛ وهو علم متّصل بالذات، ومتّحد بنفسي، وله معيّة ذاتيّة لها؛ فلا ينفصل عنها؛ وبالتالي، فإنّني لا أحتاج أبدًا لكي أرجع، وأفكّر فيما أقوله؛ لأنّني أرى في وجودي عين هذا الكلام الذي أقوله ويصدر منّي، وإلاّ، إذا لم أكن أره، فإنّني لن أتفوّه به، فأنا أراه حتمًا؛ وحينئذ، هل يحتاج الأمر إلى شهادة؟ كأن يأتي أحدهم ويقول: «يا سيّدي، إنّك تتحدّث بهذه الكلمات!»؛ ففي هذه الحالة، سأجيبه: إنّني أرى بنفسي ماذا أقول قبل أن تراه أنت، فلا أحتاج أن تخبرني بذلك؛ لأنّه لا يوجد من هو أقرب منّي لنفسي.

  • وفي يوم القيامة، تكون نفس هذه الحالة التي أنا عليها الآن وأنا خلف هذا الميكروفون شهادةً؛ وعليه، فإنّ الشهادة تعني الحضور العيني للعمل على مستوى الأعضاء والجوارح، وليس الحضور العلمي.

  • أجل إنّ الله تعالى يأمر هذه الأعضاء والجوارح يوم القيامة بمحو ذلك الحضور العيني؛ وهذا عجيب جدًّا! ولكن، مع ذلك، فإنّ الإمام عليه السلام يُشير إلى أنّ هذا لا يصدق في حقّ الجميع، بل فقط في حقّ شيعة أمير المؤمنين عليه السلام؛ ولهذا، علينا الانتباه كثيرًا!

  • ثمّ بماذا يقوم الحقّ تعالى أيضًا؟ إنّه يوحي إلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ما كان يعمل من الذنوب؛ أي أنّه يأمر تلك البقاع والمواضع التي عصى فيها، واغتاب فيها، وارتكب فيها خطأً، وصدر منه كلام، وفعل معصيةً؛ إذ إنّ هذه البقاع تُسجّل كلّ شيء؛ هذا، مع أنّهم يقولون في هذه الأيّام بأنّ كافّة الأجسام تمتلك القدرة على الالتقاط، حيث أحرزوا تقدّمًا ملحوظًا في هذا المجال؛ فيقول الله تعالى يوم القيامة لهذه الأرض وتلك المواضع [أن اكتمي عليه]... نعم، فصورتها موجودة هناك.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

12
  • والملفت للنظر هنا هو أنّ هذا العمل شبيه بعمل الإدارات؛ أي بتلك الإجراءات التي تقوم بها الدول، حيث نجدها تتوفّر على إدارة للتسجيل، وإدارة للأمن، وإدارة للتحقيقات الجنائيّة، ووزارة للشؤون الداخليّة، وهكذا،...، وحينما يريدون العثور على أحد الأشخاص، فإنّ اسمه يكون محفوظًا في العديد من السجلاّت، فإذا ضاع اسمه من أحد السجلاّت، فإنّهم يجدونه في سجّل آخر، حيث يكون موثّقًا في إدارة الأمن، وإدارة التحقيقات الجنائيّة، والمئات من الإدارات؛ فلا يتسنّى لأيّ أحد الهروب! وهنا أيضًا يوجد نفس الشيء؛ إذ إنّ الحقّ تعالى وضع وثيقةً وسندًا في جميع أعضائنا وجوارحنا، وذلك فضلاً عن الملكين الموكّلين اللذين يمتلكان السند الأصليّ، فجعل الله تعالى وثيقة في بقاع الأرض وفي الأجواء والفضاء، ووضع نسخة في كلّ مكان يخطر على بالك، بحيث لا يستطيع أيّ أحد أن يعترض؛ فما إن يقول أحدهم: «يا إلهي، إنّ هذا يكذب»، حتّى يقول له الله تعالى: «وماذا يقول هذا؟!»، ولو قال: «وهذا أيضًا تمّ إرشاؤه وشراء ذمّته»، فإنّه تعالى يقول له: «وماذا عن ذاك؟»؛ وخلاصة القول: إنّ عمل الله تعالى دقيق جدًّا، ولا يُمكن التملّص منه، ولكن، مع ذلك، يأمر سبحانه بقاع الأرض والسماء بمحو آثار الجريمة، فيمحوها الحقّ تعالى الواحدة تلو الأخرى.

  • فيلقى الله حين يلقاه؛ أي وعندما يذهب للقاء الله تعالى، فإنّ الأمر يكون عجيبًا، فإنّه يلقاه وليس شيءٌ يشهد عليه بشيء من الذنوب؛ فحينما يذهب للقاء الله تعالى، فإنّه يلقاه بحالةٍ، وقد رفع الله تعالى عنه حتّى ذلك الخجل الناشئ من وقوفه أمامه وقوله: «لقد ارتكبت هذه المعصية يا إلهي» وهذا عجيب جدًّا! لأنّ الإنسان يحار من هكذا نظام! فصحيح أنّه لدينا في بعض الموارد أنّ الله تعالى يسحب الاعتراف من بعضهم، لكنّ الأمر يتعلّق بأناس مختلفين عن محلّ بحثنا، فيقول لأحدهم: «أنت ارتكبت هذه المعصية، وقمت بهذا الفعل!» فيقول ذاك: «يا إلهي، لقد طأطأنا برؤوسنا إلى الأسفل من الخجل!» فيقول له تعالى: «لا داعي لكي تخجل كثيرًا، فقد محوت عنك كلّ شيء»؛ فهؤلاء طائفة أخرى غير التي نتحدّث عنها، حيث يبدو أنّ الطائفة التي نقصدها لها مرتبة أخرى، وتختلف نوعيًّا عن تلك؛ فنوع هؤلاء العباد يختلف عن غيرهم، و حالهم متفاوت؛ فهؤلاء الذين نتحدّث عنهم وقبل أن يصلوا إلى مقام المحاسبة حينما يخرجون من قبورهم، ويتوجّهون من عالم الحشر إلى عالم الحساب والكتاب والميزان، يرون بأنّ كل شيء قد ذهب و اختفى، يعني أنّهم يبدؤون بالتساؤل: «بأيّة حالة سأذهب إلى لقاء الله تعالى، فيدي ستشهد عليّ، ورجلي ستشهد عليّ؟!»، لكنّهم يكتشفون أنّ ما في أيديهم قد مُحي، فلا يوجد فيها شيء حتّى تشهد بالمعصية؛ وكذلك مُحي ما كان في الرجل واللسان والعين والأذن؛ ومع أنّهم كانوا يستمعون للغيبة والبهتان والمعاصي، إلاّ أنّهم يجدونها قد مُحيت من آذانهم وأعينهم؛ وحينئذٍ، عندما يصلون إلى الله تعالى، لا يجدون لديهم أيّة معصية، فماذا سيقولون له تعالى والحال هذه؟ هل سيقولون: «يا إلهنا لقد ارتكبنا المعاصي»؟! فالله تعالى سيقول لهم: «متى ارتكبتم معصية؟! إنّكم لم تعصوا قطّ!».

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

13
  • وعليه، انظروا إلى ما يقوله الإمام السجّاد عليه السلام، إنّه يقول: «إنّني أراك يا إلهي خير الساترين»؛ ومن هنا يظهر أنّه كان مطّلعًا على مجموعة من الأمور؛ فلهؤلاء اطّلاعٌ على الحقائق، ويعلمون ما الخبر، بينما ترانا لا نأخذ المسألة على محمل الجدّ، ونقول إنّ الأئمّة عليهم السلام قد ذكروا بعض المسائل ونقلوا بعض الأحاديث، غير أنّنا غير متيقّنين بها، فيعترض أحدهم متسائلاً عن سندها... يا عزيزي، لا ينبغي علينا تأخير أنفسنا من دون سبب؛ فحينما نرى الإمام عليه السلام يذكر حديثًا، ويتكلّم عن مسألة، لا ينبغي علينا إفساد الأمر، وإسقاط الرواية، والتشكيك في السند للمحافظة على مصالحنا؛ ومتى ما أدركنا بأنّ المسألة صادقة، فلنقبل بها، ولا نكون ـ لا قدّر الله تعالى ـ كالذي يتحدّث الإمامُ بكلامٍ أمامَه، لكن حينما يخرج من عنده، يبدأ في تحريفه؛ فهل هنا أيضًا سنكون بحاجة إلى سند؟! فالإمام يتحدّث معه بنفسه، لكنّه مع ذلك يقول: "لا، لقد كان عليه السلام يقصد شيئًا آخر وليس هذا!"؛ أجل، فالإنسان قد يبلغ به الحال إلى هذه الدرجة!

  • وحينئذٍ، تمرّ علينا ألف وأربعمائة سنة، ونحن نشكّك في السند: هذه سندها ضعيف، وتلك سندها كذا! هذا، مع أنّنا نعلم أنّها صحيحة؛ لأنّ الإمام قال بكلّ وضوح: «المسألة هي بهذا النحو!»، لكن، ما هو الذي يدعونا إلى ذلك؟ لأجل قضاء يومين في هذه الدنيا! هذا مع أنّ أحد اليومين نقضيه في صحّة وعافية، واليوم الآخر في مرض وابتلاء، ثمّ بعد ذلك يأتي الرحيل! فنأتي، ونُضحّي بالسعادة الأبديّة من أجل يومين في هذه الدنيا؛ [أفهل هكذا أحسن، أم] أن يأتي الإنسان ويُسلّم، ويقبل بالمسائل التي يعرضها الأولياء، ويقتفي أثرهم؛ ليرى حينئذٍ ما الخبر! نرجو من الله تعالى أن يمنّ علينا في هذا الشهر بتوفيقاته الخاصّة التي منّ بها فيه على العظماء.

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: لا تسمحوا بأن يضيع منكم هذا الشهر بكلّ سهولة، واحفظوا آثاره في أنفسكم؛ فهذه الفيوضات والبركات والرحمات التي منّ الله بها عليكم في هذا الشهر هي ضيفكم، فلا تُخرجوا هذا الضيف من بيوتكم بسرعة، بل أبقوه عندكم؛ وكان يقول بهذه العبارة: إنّ الذي تمكّن من الفوز في هذا الشهر المبارك ببعض التوفيقات والوصول إلى بعض الأحوال، لو أنّه استمرّ على نفس تلك المراقبة التي كان عليها في الشهر الفضيل، فإنّ تلك الأحوال ستبقى لديه، وإلاّ، إذا انفكّ عن تلك المراقبة، ولم يراعها في علاقاته، واتّصالاته، وطفق يأكل ويشرب كلّ ما يتاح له، ويتحدّث مع كلّ أحد؛ أي أنّه خرج من تلك الأجواء، فإنّ سيفقد تلك الأحوال بالتدريج، ويقلّ حظّه منها.

مراتب العمل وحقيقة محو الذنوب

14
  • اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد