/ 2

تطبيق مراتب الستّارية في السير و السلوك

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تطبيق مراتب الستّارية في السير و السلوك

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي-سنة ۱٤٣۸ هـ ق- المحاضرة الخامس عشر

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

تطبيق مراتب الستّارية في السير و السلوك

2
  •  

  •  

  • أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم

  • بسم اللـه الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد

  • وعلى آله الطيبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • «وَلَو خِفتُ تَعجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ، لا لِأَنَّك أَهوَنُ النَّاظِرِينَ وَأَخَفُّ المُطَّلِعِينَ، بَل لِأَنَّك يا رَبِّ خَيرُ السَّاتِرِينَ، وَأَحكمُ الحاكمِينَ، وَأَكرَمُ الأَكرَمِينَ»

  • لو كنت أخاف تعجيل العقوبة يا ربِّ، لما اقتربت من الذنب، وعدم خوفي ليس سببه اعتقادي بعدم إشرافك واطّلاعك الكافي على ما أقوم به من تصرّفات وأعمال؛ بل إنَّ عدم خوفي سببه أنَّك خير الساترين للخطايا والذنوب، ولأنَّك في مقام الحكومة حاكمٌ متقِنٌ، ومحاسب حقيقيّ وواقعيّ، ثمّ إنّك في مقام الكرم أكرم الأكرمين؛ فكرمك وعظمتك يتركان أثرًا على حكومتك، ويتركان أثرًا على ستّاريتك أيضًا، فإن كل هذه المسائل تندرج في حقيقتها تحت دائرة كرمك يا ربِّ.

  • الإنسان بحاجة للتربية حتّى يصل إلى الكمال

  • تحدّثت في تلك الليالي التي تشرّفت فيها بلثم أعتاب حضرة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حول موضوع ستاريّة الله، وكيف يجب على كلّ واحدٍ منَّا أن يراعي هذا الأمر في علاقاته وتعاملاته مع الآخرين بحيث يستر أعمال الآخرين وما يصدر منهم، فالإمام يعلّمنا في هذه الفقرات من الدعاء طريقةً ونهجًا وأسلوبًا لحياتنا، ويعلمنا منهاجًا للتربية، منهاجًا لتربية النّفس، فهذه النّفس التي ينبغي لها أن تخضع للتّربية كيف هي طريقة تربيتها؟! فالتربية لا تحصل هكذا لوحدها، فحتّى فرخ الدجاجة حينما يخرج من البيضة إذا لم يتم تربيته فسيموت، ويكون بلا فائدة، لذا تقوم أمّه بتربيته فهي تُرشده لأكل الـحَبّ الجيّد والامتناع عن الحبّ الرديء، وتقول له: لا تذهب إلى الأماكن غير المناسبة؛ وتبعده عن الآفات والأضرار.

  • فكيف الأمر بالنسبة إلى الإنسان الذي يريد أن يخرج من مستنقع الأهواء الدنيّة والشّهوات والذي يريد التخلّص من التوغّل في الكثرات؟ والذي يريد أن يحرق كافّة جذور تعلّقاته؟! وإلا [فمن لا يريد ذلك] فإنّه من الممكن لأحدهم وعن طريق مجاهدات النّفس والعمل بالرّياضات [النفسيّة]، أن ينال بعضًا من مراتب الصفات الحسنة؛ غير أنَّ الطريق الذي أمامه من أجل أن يتمكّن من القضاء على جذور التعلّقات الدنيويّة لا يزال طويلًا، فإن أراد الله بعبدٍ خيرًا وأراد أن يلطف به، فإنّه يعرّضه لبعض المواقف التي تجعله يعرف أنّه مازال بعيدًا عن الهدف، وأمّا إن حُرم من مثل هذا اللطف، فسوف يجعله يبقى ويستمرّ على وضعه الذي هو عليه [من دون أن يعرّفه عيوبه] إلى حيث يعلم الله أين ينتهي به الأمر!

  • وكلّ ذلك يرجع إلى بقاء جذور تلك التعلّقات وعروقها في نفسه، هذا في الوقت الذي يرى نفسه أنَّه يعيش في أفقٍ آخر.

  • قصّة تبيّن خطورة عدم إتمام التربية وبقاء جذور التعلقات في النفس

  • تذكّرت الآن هذه الحكاية التي كنت قد سمعتها من المرحوم العلاّمة عن أحدهم، وأنا أيضًا قد رأيتُ هذا الشّخص في إحدى المدن الإيرانيّة، والذي كان من تلامذة المرحوم السيِّد القاضي رضوان الله عليه، وكان يمتلك منذ ذلك الزمان بعض الحالات، وكان محطّاً للاهتمام ممن حوله حتّى أنّ المرحوم العلاّمة أيضًا كان يتردّد عليه عندما كان يعيش في مدينة النجف، بل وكان يأخذ منه بعض البرامج السلوكيّة، فقد رأيت في مذكّرات العلامة بعض تلك البرامج التي أخذها منه بعنوان كونها برنامجًا سلوكيًا.

  • لم يكن ارتباط المرحوم العلاّمة مقتصرًا على المرحوم الشيخ عبّاس [القوجاني]؛ بل كانت له علاقات مع الكثير من العظماء من أمثال المرحوم السيِّد عبد الهادي [الشيرازي]، والمرحوم السيد جمال الدين [الكلبايكاني]، و مع هذا الرجل الذي نحن بصدد ذكره، كما وكانت له علاقة مع المرحوم الشيخ الأنصاري أيضاً، و ذلك عندما كان الشيخُ يتشرّف بالقدوم إلى النجف من إيران من مدينة؛ فقد أتى مرّتين وكانت علاقته معه منذ ذلك الوقت، ثم صار ذلك الارتباط برنامجه بعد ذلك، وخلال تلك السبع سنوات [التي أمضاها في النجف] كانت له علاقات مع الكثير من العظماء وأهل المعنى حتّى تغيَّر أمره بعد هذه السنوات السبع، وأخذ له شكلًا آخر، حيث اقتصرت علاقته على [المرحوم السيِّد الحدّاد رضوان الله عليه]، كما يعرف الإخوة هذا الأمر، وكما كتبه هو في مؤلفاته.

  • إنَّ موضوع حديثنا يدور حول أنّ الشخص ما دام لم يصل في تربيته إلى حدّ التمام بعد، ولم يطوِ بعض الآفاق المعيّنة بعد، فلا تزال أمامه الكثير من المخاطر؛ وذلك لأنَّ جذور وعروق التعلقات النّفسانيّة لا تزال موجودة.

  • والحاصل أن ذلك الرجل أتى إلى إيران وسكن في إحدى المدن ، و ذلك قبل أن ينهي هذا الرجل مراحل التربية وقبل الوصول إلى مرحلة الثّبات، فلم تصل تربيته إلى فعليّتها، وطبعًا هذا الشخص بدلًا من أن يسعى إلى مواصلة طريقه وتحقيق هدفه، فقد كان يشغل نفسه بما يملك من تصوّرات ذهنية ومدركات، ويحسب بأنَّه يُمكنه مواصلة سيره بتلك المُدركات والأفكار والوضع الذي هو عليه؛ وما أكثر ما كان يُعجب بحاله ووضعه الذي هو عليه، فالنفس تلتذّ بما لديها من حالٍ؛ وبما أنّ ذلك الالتذاذ التذاذٌ نفسانيٌّ لا رحمانيّ، لذا فإنّ ذلك الالتذاذ يقوم بحبس الإنسان في تلك المرتبة التي هو فيها.

  • حسنًا، هذا الرجل وصل به الحال إلى الحدّ الذي كان يقول عنه المرحوم العلاّمة: لقد سُمع من هذا الشخص أنه كان يقول لجمع من الناس: عندما خرجتُ من هذه المدينة قاصدًا السّفر عنها (حيث كان يريد السفر إمّا بالحافلة أو السيارة) فعندما خرجتُ، رأيت أنّ هذه المدينة قد غرقت في الظلام، فعرفتُ بأنَّ ما كان يهيمن عليها من نورٍ وبهاءٍ وبهجةٍ وسرورٍ، إنَّما كان بواسطة نفسي، وعندما خرجتُ بنفسي من هذه المدينة غرقتْ في ظلامٍ دامس!

  • وهنا يوضّح المرحوم العلاّمة ما حصل قائلاً: لقد كان يرى ظلمةَ نفسِه إلا أنّه كان ينسبها إلى الناس، لقد كانت الظلمةُ ظلمةَ نفسه هو، حيث أنه عندما رأى بأن مكانه صار خاليًا عندما غادر ذلك المكان، بدأ يشعر بالظلمة ... طبعًا إن إدراك هذه المسألة صعب ـ على أننا سنبيّنها ـ ولكن كيف يمكن أن يلتبس الأمر على هذا الشخص بحيث مهما تأتي له بدليل وبرهان لتوضّح له الحقّ فإنه لا يدركه ولا يفهمه، فهو قد وضع نفسه داخل حجاب و ستار، وحبسه ذلك الحجاب في ذلك الأفق وفي تلك النفسانيّات، حتّى صارت جميع آرائه ونظريّاته تطلّ على الخارج وتصدر من داخل ذلك الحجاب، ولمّا كانت رؤية الخارج متعذرةً من وراء الحجاب والستار؛ لذا فإنّه باتَ يرى كلّ شيءٍ مظلمًا! يا عزيزي، إذا أردت أن تنظر إلى الخارج فأزح الستار جانبًا، فما لم تتمّ إزالة الحجاب فلن تتمكّن من رؤية ما في الخارج، ولذا تجد أنّه يرى كلّ شيءٍ مظلمًا ويرى نفسه وحدها المنيرة، في حين أنّه هو المظلم ولا علاقة للآخرين بذلك فالآخرون عاديّون.

  • وذات مرّة كنتُ أتكلّم عن بعض المسائل، وعندما تحدثتُ مقدارًا وجدتُ أنّ أحد الأشخاص مبتلىً بنفس ذلك البلاء، فما كان يراه من ظلمةٍ وينسبه إلى شخصٍ آخر، ليست إلا تصوّره الشخصي، فإن حال المقابل هي نفسها ولم تتغيّر، فلم يتبدّل عمّا كان عليه في الماضي؛ ولكن لمّا كان قد وقع تحت الحجاب، [صار كما يقول الشاعر:]

  • چون كه بر چشمت بود عينك كبود***زين سبب عالم كبودت مي نمود

  • [لأنّك وضعتَ على عينيك نظّارةً معتمةً لذا فإنَّ جميع العالم يتراءى لك وكأنَّه معتم]

  • فعندما يضع أحدهم نظّارة على عينيه، فإنَّ كلّ ما حوله سيتراءى له بلونٍ آخرٍ، وعندما يقوم بإزالتها عن عينيه، فسوف يتبدّل اللون عنده.

  • فعندما يشترك أحدهم بمسألة معينة مع رجلٍ آخرٍ۱ ويشعر بأن ذلك الآخر أعلى منه ومتفوّقٌ عليه، فستأخذ صفاته النفسانيّة السيّئة بالغليان والفوران، ويأخذ في وصم الآخر بتلك الصفات، فيقول عنه: فيه كذا وكذا من الصفات، وكم هو إنسانٌ فاقدٌ للرحمة والمروءة، وهو لا يفكّر إلا بنفسه وهكذا... صحيح؟!

  • ثمّ يقوم ذلك الشخص المقابل وبطريقةٍ ما بفتح بابٍ من الصداقة معه، خصوصًا إن كان فيها بعض الفوائد، فحينئذٍ تجده يُبدّل كلّ كلامه السابق ويقول عنه: كم هو رجلٌ جيد! وكم هو منصف وذو مروءة! وكم يفكّر بالجميع أكثر من نفسه! ما الذي تبدّل؟ فقط أصبح صديقًا لك، ولم يتبدّل في الرجل أيّ شيءٍ؛ لم يتبدّل ميزان علمه، ولا مقدار ماله، ولا عطائه ولا أيّ شيء أبدًا، بل أصبح صديقًا لك فقط، فذهب جميع ذلك الكلام السابق أدراج الرّياح! هذه هي الدنيا، وهذا هو حال الدنيا، وهذا حال العلاقات، فإن أيًا من هذه العلاقات ليست علاقة واقعيّة بحيث تُبيّن أمرًا على أساس الواقع.

  • في يومٍ من الأيام كنتُ أتكلّم حول أمرٍ فقلتُ: أتعلمون ما هو السلوك؟ إنَّ السّلوك يعني بأنَّك إن أردت أن تتحدّث إلى الناس عن يزيد بن معاوية، فعليك أن تصف يزيدًا وصفًا صحيحًا، فإن لم يسرق فلا تقل: لقد سرق يزيد؛ نعم إنَّ يزيدًا قد ارتكب أعظم جناية تمّ ارتكابها في العالم، فإن أردت أن تتحدّث عن قسوته وجناياته فكلّ ما تقوله عنه حول هذه الأمور يبقى قولك فيه قليلًا، فهو مشهور بهذه الأمور، أمّا إن لم يكن قد ارتكب عملًا معينًا، فتأتي أنت وتقول: بما أنَّه يزيدٌ فسأنسب هذه الصفة له! إنّ عملك هذا يعد تهمة وبهتاناً له، ولا يجوز إلصاق تهمةٍ باطلةٍ حتّى بيزيدٍ، فلماذا ينبغي علينا أن نتّهم يزيدًا أو شمرًا؟ هل هناك من هو أسوء من الشمر؟

  • لا يوجد في العالم أسوء من الشمر، فقسوة قلب الشمر ليست موجودة حتّى عند يزيد؛ نعم فالشمر كان يمتلك أعلى درجة من درجات القسوة؛ فقد ذُكر في التواريخ بأنَّ البعض كان قد جاء لقتل الإمام الحسين عليه السلام، فلم يتمكنّوا من ذلك وارتعدت فرائصهم وتنحّوا جانبًا، والشمر فقط استطاع ذلك! فأيّ مخلوقٍ عجيبٍ كان بحيث كان لديه القدرة؟! بحيث بواسطته تحصل تلك الجناية التي كانت أعظم جناية في التأريخ! فلا بدّ أن يكون مخلوقًا عجيبًا جدّا، ومع ذلك كلّه نفس هذا الرجل يجب أن لا ننسب إليه الفعل الذي لم يفعله ولا أن ننسب إليه الذنب الذي لم يقترفه فهذا هو معنى السلوك، السلوك يعني هذا الأمر، أن يضع الإنسان الحقّ في موضعه، فلا يضع الحقّ مكان الباطل ولا يضع الباطل مكان الحقّ.

  • إنْ قمنا بتمرين أنفسنا على ذلك، وواقعًا قمنا بتطبيق هذه الأمور تطبيقًا عمليّـًا، فسنرى كيف سنتبدّل خلال مدّةٍ قصيرةٍ بشكلٍ كبير، فأفكارنا سوف تتبدّل بشكلٍ كبير، وأعمالنا سوف تتبدّل وكلامنا سيتغيّر.

  • إنّ السبب وراء جميع ما نعاني منه من مشاكل ومن توقّف وركود، يتمثّل في وضعنا لأنفسنا في غشاوةٍ وحجاب، ونريد أن نقوم من وراء هذا الحجاب بتقييم أفعال الناس وتصرّفاتهم، وهذا غير ممكن، ولا فائدة منه، وذلك الرجل الذي ذكره المرحوم العلاّمة بهذا النحو لماذا أصبح هكذا؟ أصبح هكذا لأنّه رغم مصاحبته للمرحوم السيِّد القاضي لسنوات عديدة، غير أنَّ تلك المصاحبة لم تقلع جذور التعلّقات من كافة زوايا نفسه، بل بقيت تلك الجذور، فكان لزامًا عليه أن يرجع إلى رجلٍ آخرٍ بعد ارتحال المرحوم القاضي، فإن السيد القاضي قد رحل إلى ذلك المكان الذي قد هيّأه الله له: {في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِرٍ}٢ و «فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذّنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر»٣ ذهب إلى هناك؛ ولكن ماذا علينا نحن أن نفعل؟ فهل يكفي الحضور لعدّة سنوات عند هذا الرجل العظيم؟ كلّا! طالما لم يصل ذلك الاستعداد إلى فعليته، وطالما لم تتيبّس (بحسب تعبير المحروم العلامة) جذور تلك الرذائل النفسيّة والصفات السيّئة، فما زلنا محتاجين ومتورطين؛ نعم متورطين. ونتيجة لذلك [من عدم تيبّس جذور الصفات النفسية] ما الذي يحصل؟ النتيجة هي أنّ السالك طالما كان في محضر الأعاظم فلا مشكلة؛ ولكن بعد ذلك ستكون زمام أموره على عاتقه وعليه أن يمشي بنفسه، وعليه أن يرجع إلى نفسه، وهنا تبدأ أوّل مصيبةٍ وأول ورطةٍ وأول خطرٍ، ولهذا يتعجّب الإنسان عندما يسمع كلام أولئك الأشخاص ويرى تصرّفاتهم، فيقول: يا للعجب! فما هي نتيجة الحضور لدى العظماء كلّ تلك السنوات الطوال؟!

  • كيفية الاستفادة من مقام الستّارية للتقرّب من الله وطيّ الطريق

  • إنّ الإمام السجّاد يقول: إنّ المسائل يجب أن تكون بهذا النحو وبهذه الكيفية؛ فبعد أن علمنا أنّ الله تعالى هو خير الساترين؛ فيجب أن نرى كيف ينبغي علينا أن نتقرّب منه؟ وكيف لنا أن نُخرج أنفسنا من رذائل الصفات البشريّة؟

  • نحن أيضًا يجب أن نكون من خير الساترين، فهذا أمرٌ بديهي ولا مجاملة فيه؛ [فافرض] الآن أننا نحن أتينا إلى هذه الدنيا، ولا نُريد أن نكون خير الساترين، ونقول: إن هذا القسم وهو (خير) الساترين يختصّ بالله، فالإمام السجاد يصف الله بذلك ويقول له: أنت خير الساترين. حسنًا، لا نريد أن نكون (خير) الساترين، فمرتبة (الخير والأحسن) متعلّقة به عزّ وجلّ؛ ولكن على أقل التقادير ألا نريد أن نسعى لأن نكون ساترين؟! ألا نريد أن نكون ساترين حتّى؟! لماذا؟! إنّنا نحن في هذه الدنيا نقوم بعكس هذا العمل تمامًا، فالجميع يسعى لإيجاد زلّةٍ ويحفظها في ملفٍ ليستغلّها في يومٍ من الأيّام، يعني في هذه الدنيا نبقى لمدة ستين عامًا بالقيام بعكس العمل الذي ينبغي أن يُوصلنا تمامًا، يا عزيزي الطريق إلى طهران من هذا الاتّجاه فلماذا تسلك الطريق المعاكس؟! هذه الجهة تأخذك إلى الجنوب باتجاه أصفهان؛ ولكن طريقك أنت من هنا [على العكس تمامًا]! إنّ الطريق للوصول إلى هدفك هي بالعكس.

  • في يومٍ من الأيّام كنت مع الوالد، وكنّا في خدمة المرحوم الحدّاد، وسأل أحدهم المرحوم العلاّمة عن حال أحدهم، فتحدّث المرحوم العلاّمة عن حاله وقال: كذا وكذا، ثمّ حصلت لابن هذا الشخص قضيّة ما، الخلاصة، حصلت له مشكلة عائليّة وكان هناك خطأٌ ما [صدر من زوجة الابن]، فقام هذا الوالد والذي كان من أصدقاء المرحوم العلاّمة دائمًا، وكان من الذين يتردّدون على المسجد، قام بنشر الخبر وتحدّث عن المرأة بأنّها قد ارتكبت الخطأ الفلاني مثلًا وقالت الكلام الفلاني. فقال المرحوم السيِّد الحدّاد: ولماذا يريق ماء وجهها؟! فليطلّقها، وليتزوّج بأخرى، لماذا يريق ماء وجهها؟!

  • هل لاحظتم؟! إن كنّا نحن كذلك فما هو الفرق بيننا وبين غيرنا؟! نرى أمرًا ونتحدّث عنه هنا وهناك، وأمّا هل وقع هذا الخطأ من الأصل أم لم يقع فالله أعلم، فقد يكون الأمر لم يقع أصلًا ولعله كان نتيجة لسوء تفاهم بين الطرفين! أيًا يكن فليكن، فلنفرض أن المسألة كانت خطأً برأي أحدهم، حسنٌ جدًا، فهناك طرق لحلّ هذه الأمور، فالطرف المقابل هو أحد عباد الله أيضاً والجميع هم عباد الله! أم نحن فقط عباد الله والآخرون ليسوا كذلك؟! فهل نحن على رأسنا ريشة أمّا البقية فليسوا ببشر؟! لا إنّ خطأنا يكمن هنا، وهو أنّنا نعتبر أنفسنا عبادًا لله ثمّ نخرج الآخرين من عبوديتهم لله، فنقول عنهم: إنّهم ليسوا بشرًا، فمن يكون هؤلاء؟! نحن نُمثّل كلّ شيء، نحن من يصلي ونحن من يصوم ونحن من يذهب إلى المسجد ونحن من يقوم بجميع أفعال الخير!

  • كلّا يا عزيزي! الكثير من الناس يسبقوننا فلا تتوهّم! الكثير من الذين يمشون في الشارع يسبقوننا، الكثير منهم سابقون؛ أتعلم متى يتّضح من هو المتقدّم ومن المتأخّر؟ يُعلم ذلك من خلال استجابة الدعاء، فعندما يقف أحدهم ممّن يضع عمامةً كبيرةً، وله لحيةٌ طويلةٌ فيدعو ولا يُستجاب له، ثمّ يأتي واحد من عامّة الناس فيدعو ويستجيب الله دعاءه، فعندئذٍ يتّضح بأنَّهم يسبقوننا، الأمر لا يتبيّن الآن، فالآن هو مشدوه ببهاء السيد الطهراني ويقول: يا له من وجه ويا له من كذا وكذا! لا شكّ أنَّه في صدارة الجنّة؛ ولكن في يوم القيامة عندما يقف أمير المؤمنين على الصراط عندها ستّتضح الأمور، وسيمتاز الحقّ من الباطل، وحينها سيقف الكثير من أمثالنا في صفّ عُمر، فننادي: إننّا من الشيعة! فيقال لنا: أأنت شيعيّ؟! أنت كنت شيعيّاً؟! إنّ الشيعي هو الذي يتمسّك بالحقّ عندما يراه، لا الذي يتجاهل الحق وكأنه لم يره! فكم رأيتَ من الأمور الحقّة ومع ذلك تجاهلتها وكأنك لم ترها؟! ما دمت كذلك فانصرف إلى الوراء! وأمّا أولئك الذين في نيّتهم الخير فحتّى لو كان ظاهرهم غير جيّدٍ، فجميعهم سيقفون في صفّ أمير المؤمنين، أمّا هنا في هذه الدنيا فهي دنيا الستاريّة والله يستر الذنوب :

  • لطف حق با تو مداراها كند***چون كه از حد بكذرد رسوا كند

  • [يقول: إنَّ الله يداريك ويتعامل معك بلطفه، فإن تجاوزت الحد فسوف يفضحك]

  • إنَّ الله سيراعيك في هذه الدنيا ويستر عليك، وسينخدع البعض من أهل الظاهر بك؛ لأنّهم ينظرون إلى الأمور من الناحية الظاهريّة، وأمّا أولياء الله والملائكة، فإنهم لا ينظرون إلى الظاهر بل ينظرون إلى الباطن ويرون عجبا!

  • ظاهرش چون گور كافر پر حلل***باطنش قهر خدا عزوجل

  •    ***   [يقول: ظاهره كظاهر قبر الكافر المزيّن بأنواع الحُلل، بينما باطنه مجلى لقهر الله عزّ وجلّ]

  • نحن في مقام الستاريّة يجب أن نكون ساترين، و يجب علينا أن نختبر أنفسنا بذلك...

  • لقد ذكرتُ قبل عدّة ليالي مطلبًا، فنبّهني أحد الإخوة إلى مسألةٍ، وطبعًا ملاحظته كانت صحيحةً ومطلوبة في مكانها، غير أنَّ هدفي مما ذكرته كان شيئًا آخرًا، حيث قلت حينها إن عُرض عليَّ أمرٌ [من قبيل استلام منصبٌ ما] فسوف أغادر في صباح اليوم التالي إلى القسم الآخر من الكرة الأرضيّة حتّى لا تصل إليّ يد أحدٍ من البشر، وكانت ملاحظة ذلك الصديق بالشكل التالي: إنَّ مثل هذا الكلام يدلّ على نزعة استقلاليّة، في حين أنه لا يُفترض في العبد أن يكون لديه أيّ اختيار؛ بل عليه أن يفعل ما يُريده الله منه، وحينما يأتي إليه التكليف فإذا قال: سأفعل هذا ولن أفعل ذاك، فلا يشمّ من رائحة هذا القول العبوديّة؛ بل يُشمّ منه رائحة الاستقلال.

  • نعم، في مقام التكليف هكذا يجب أن يكون الأمر؛ لكنّني كنتُ بصدد بيان نيّتي ورغبتي، خارج إطار التكليف الذي له مقامه الخاصّ به، نعم إنّ مقام التكليف له محلّه، وإن جاء التكليف [فلابد من امتثاله]

  • من كه ملول گشتمي از نفس فرشتگان***قال ومقال عالمي مي كشم از براي تو

  • [يقول: مع أني أمِلّ من أنفاس الملائكة إلا أنني أتحمل الحديث والكلام مع جميع الناس لإجلك]

  • فحتّى رسول الله لم يكن يرغب في التعامل مع أبي سفيانٍ وأبي جهل؛ فمن يترك غار حراءٍ مع كلّ تلك المراتب وذلك الأفق، ومع كلّ [ما كان لديه] بحيث صار التحدّث حتّى مع جبرائيل كان يُوجب الملل له؟!

  • من كه ملول گشتمي***...

  • [أنا رغم أنّي أصبحت ملولًا من نفس الملائكة...]

  • لقد كان النبي في غار حراء بحيث ينبغي على جبرائيل أن يستأذن عليه إن أراد أن يدخل عليه، وعليه أن ينتظر النبي حتّى ينزل من مراتب الذات إلى مراتب الأسماء حتّى يأخذ منه جبرائيل إذنًا بالدخول، وإلّا عندما يكون النبيّ في مرتبة الذات فكيف يستطيع أن يتكلّم مع جبرائيل؟! كلّا، لا يستطيع ذلك، بل عليه أن ينزل إلى مرتبة الأسماء، وجبرائيل في مرتبة الأسماء، أحد تلك الاسماء، وعند ذلك يستطيع أن يتكلّم معه.

  • و الآن يقال له: يجب عليك الذهاب إلى مكّة والتعامل مع أبي سفيانٍ وأبي جهلٍ وعتبة وشيبة، والتعرّض للضرب بالحجر، و لكسر رجلك وشجّ رأسك!

  • هذا ما كان يُواجهه النبيّ، ألم يكن النبي يتألّم عندما يشجّ رأسه؟! فهل هو من حديدٍ؟! وهل هو عمود لكي لا يتأثّر؟! بل كان واحدًا من بني البشر. أجل قيل له: عليك الذهاب والقيام بهذه الأمور!

  • وهنا يأتي النبيّ ويبدأ بالدعوة؛ وفي الطرف المقابل تأتي النفس وتتدخّل، وبالتالي تقع الحروب ويحصل ما يحصل، حسنًا من الذي يرغب أن يحصل له ذلك؟! لا أحد يرغب بذلك؛ ولكن حينما يأتي الأمر من ذلك الجانب بأنّ عليك ـ طالما أنّك وصلت إلى هذه المرتبة ـ ألا تأكل من الخيرات لوحدك؛ بل أحضر الآخرين ليجلسوا على هذه السفرة أيضاً، إلاّ أنّ إجلاسهم على السفرة لا يتمّ عن طريق إرسال بطاقة دعوةٍ مطرّزةٍ ومزيّنةٍ بالأشرطةٍ، ومكتوب عليها أن تعالوا وتفضّلوا، لا يا عزيزي! بل يجب أن تذهب إلى الطائف لتدعُ أحد المتواجدين هناك إلى الإسلام.

  • واقعًا عندما ننظر إلى ما يجري نعلم بأنّه ما لم يشمل الله أحدهم بلطفه وعنايته ويجعله يُدرك بعض تلك الأمور، ما كان ليمكن لنا أن نفهم ولا أن ندرك ذلك؛ بل كنّا سنفهم ما جاء في الكتب فقط وأمثال هذه الأمور، من أنَّ النبي ذهب إلى الطائف ليدعو رجلًا كان هناك، فكم كان النبي رجلًا جيّدًا وكريمًا! ولكن ما الذي يعنيه هذا الكرم؟ وما معنى هذا الكلام؟ إنّه يعني أنّ النبيّ عندما جاءه التكليف، جعل نفسه في نفس مسار نزول الأسماء والصفات الإلهيّة، لا أن الله كان يأمره أن قم وافعل العمل الفلانيّ؛ كلاّ! بل كان هو من نفسه يتحرّك [ويعمل]، وهو الذي كان يُنشئ الأحداث ويوجد الطرق، ولم يكن ينتظر صدور أمرٍ بأن قُم بكذا أو افعل كذا؛ بل نفس النبي مظهرٌ لصفة رحمة الله، وعطفه، وهدايته، ورازقيّته، وعلمه، وقدرته، فهو الذي كان حائزًا على أتمّ درجات ذلك الظهور وأعظمه وأكمله، وتبعًا لتلك [الصفات المتحقّقة في نفسه] كانت تجري هذه المسائل، ولا تقتصر عظمة الرسول على ما يقولون من أنّه كان رجلًا جيدًا وعظيمًا، ذهب إلى هناك من أجل أن يقوم بهداية أحدهم.

  • تطبيق مراتب الستّارية على السير و السلوك

  • ونحن أيضًا ينبغي علينا أن نكون كذلك ففي مقام الستاريّة يجب أن نكون ستّارين، وهذا ما كنت قد أشرت إليه في حديثي في تلك الأرض المقدّسة [يعني مشهد]، حيث ذكرتُ بأنَّ أولى درجات الستر تتمثّل في التغطية، وأمّا الدرجة الثانية منه فتتمثّل في المحو، فإنّ الله يقوم بمحو الأخطاء والذنوب التي يرتكبها العباد، ونحن علينا أن نفعل الشيء نفسه، يعني حينما ترى بأنّ صديقك ارتكب خطأً في حقّك السنة الماضية وقد مضى الأمر، فعليك أن تصير رجلًا آخرًا، وعليك أن تمحوه من ذهنك، فصحيحٌ أنه لا يُمكنك أن تمحوه في الخارج؛ لأنّ ما حصل قد حصل وليس بإمكان أحد تغييره، ولكن عليك أن تمحوه من ذهنك، لا أنّك تعفوا عنه فقط.

  • نعم، عليك أن تعفوا عنه كمرحلة أولى ثمّ [في المرحلة الثانية] تمحوه، يعني عندما تراه في الغد وتسلّم عليه، يكون سلامك سلامًا على من لم يكن قد فعل لك شيئًا، بهذه الطريقة!

  • وهذا العمل له تأثيرٌ كبيرٌ جدًا في تسريع حركة الإنسان، وفي عبوره للعقبات النفسيّة والأهواء، ليصبح مثل البرق الخاطف، إنَّ التغطية تعتبر أمرًا عاديّـًا، ولكن المرتبة الثانية هي أن تمحو ذلك، وهكذا كان أولياء الله، ففي زمان المرحوم العلاّمة وحينما كانت تحدث مثل هذه الأمور؛ إذ كان بعض الأفراد يقولون عن المرحوم العلاّمة بعض الكلام ويفعلون بعض الأمور، وكان ذلك يحصل له من نفس أقاربه... ولكنّي كنت أرى بأنّه عندما يؤوب ذلك الشخص وتتغير حاله ويظهر الندامة حقيقةً على ما عمله، كنتُ أرى أنّ العلامة كان يتعامل معه بشكلٍ آخر وكأنَّه لم يصدر منهم أيّ كلامٍ بحقّه، أيّ كلام! فكان يتمازح معه ويلاطفه، ولم يخطر في ذهنه أصلًا خاطرة عمّا كانوا قد فعلوه.

  • إنَّ المرحوم العلاّمة قد عبر هذه المرحلة بنفسه، وهو يقول لنا: إن كنتم تريدون الطريق فهذا هو الطريق، فها أنا أضع عدّة خيارات أمامكم وعليكم أن تختاروا الخيار الذي تريدون من بينها، فهذا الوعاء يحتوي على هذا النوع من الغذاء، وذاك يحتوي على نوعٍ آخرٍ، فكُلْ من هذا الوعاء إن أردت، وإن أردت فكلْ من الآخر، أو من الوعاء الثالث، أمّا إن كنت تريد أن تصل إلى المكان الذي قصدتُه أنا ووصلتُ إليه، فعليك أن لا تكتفي بهذه الأوعية؛ بل عليك أن ترتقي إلى ما هو أعلى، إلى الأفق والفكر الأرفع، فتلك الدرجات الدنيا هي لأولئك الأشخاص العاديّين الذين قنعوا بحدود التردّد على المساجد وما شابهها، فمن كان يريد البقاء في تلك الدرجات الدنيا فتلك الأمور تكفيه، أمّا إن أراد أن يرتقي لما هو أعلى فسيتطلّب الأمر منه أمورًا أخرى.

  • قصّة تبيّن الفرق بين منهج الأولياء ومنهج أهل الظاهر

  • لقد ذهب أحدهم للمرحوم العلاّمة ... لا أدري إن كنتُ قد ذكرتُ هذه الحكاية للإخوة أم لا... إنّ هذه الحكاية توضّح اختلاف التّكاليف في منهج الأولياء عن التّكاليف في المناهج الأخرى لأهل الظاهر، فقد ذهب ذلك الرجل إلى السيّد العلاّمة ـ وكان من أقاربه ـ وقال له: لقد اشتغلتُ بالعمل الفلاني والعمل الفلاني فخسرتُ وأفلستُ، وأنا مدين للآخرين الآن، [ولا أقدر على السداد لأنّني] لا أملك اليوم سوى البيت الذي أعيش فيه والسيارة التي أستعملها ولا غير، ولي زوجة وأطفال!

  • فقال له المرحوم العلاّمة: هنالك حكمان في هذا المجال فعليك أن تختار أحدهما، فبحسب الظاهر وبحسب ما يقضي به الفقه الظاهري والتكليف الظاهري فلا يترتّب عليك أيّ شيءٍ، فالبيت والمركب تُعدّ من الأمور المستثناة٤، وكذا الأمر بالنسبة إلى الخادم، فهذا هو الحكم الذي يترتّب عليك بحسب الظاهر. وأنا أضيف إلى كلامه شيئًا من عندي وهو أنّ هذا هو الحكم الذي سيُقال لك أينما ذهبت وسألت ومن أيّ طرفٍ استفسرت، فلو استفسرت تلفونيًّا فسيقال لك: لا يترتّب عليك أيّ شيءٍ، ولا يتوجّب عليك دفع شيء. غير أنَّ المرحوم العلاّمة قال له شيئًا آخرًا، فقد قال له: وأمّا إن كنت درويشًا [كناية عن كونه من أهل السّير والسّلوك] فعليك أن تتنازل عن كلّ هذه الأمور، وتريح ذهنك وبالك.

  • ما معنى "إن كنتَ درويشًا"؟! إنَّه يعني إن كنت تريد أن تبقى بهذه المرتبة؟! فالحكم الذي يترتّب عليك هو مثل ما يقولون، فأنا أعرف هذا الحكم مثل ما يعرفه غيري؛ بل وأعرفه أكثر منهم، وأنا الأعلم بينهم، وأعلم بأن هناك مستثنيات وما هو المستثنى وما هو غير المستثنى، حسنًا وها قد أخبرتك به؛ غير أنَّ هنالك شيئًا آخرًا لا يعلمه الآخرون، أي أنّ مستوى إدراك أولئك لا يصل لهذا الأمر، وهو موجود هنا فقط لا في مكان آخر، فانظر في نفسك لترى أيّهما تطلب، مع العلم أنّه لا يوجد أيّ إجبارٍ أو إلزامٍ في الموضوع، وليس هناك ضرب أو اعتقال، فكلا الخيارين أمامك فاختر ما شئت منهما. هذا هو الفرق بين مدرسة العرفان والأولياء وبين بقيّة المدارس الأخرى

  • بلبل به باغ وجغد به ويرانه تاخته***هر كس بقدر همت خود لانه ساخته

  • [يقول: اختار البلبل الحدائق ليبني عشّه فيها بينما اختارت البومة الخرابة لذلك، فكلٌّ يبني عشّه بمقدار ما لديه من الهمّة]

  • فإن أردت أن تكتفي بذلك المستوى فهو بهذه الكيفيّة، أمّا إن أردت أن تكون مثل البلبل وأردت أن تسكن الحدائق، وتتنزّه في الرّوضات الغنّاء، فلا ينبغي لك أن تتوقّف عند تلك الحدود، ولا ينبغي لك أن تحطّ من أفكارك، فإن حططت من أفكارك فلن تستطيع الذهاب إلى هناك! ولهذا السبب كانت الجنّة في يوم القيامة لها ثمان درجاتٍ، فكلّ شخص سيعطونه هناك بحسب ما قدّمه من ثمنٍ هنا؛ لا أنّهم سيعطونه إياها هناك؛ بل إنّه سيأخذها معه من هنا إلى هناك، وإن أراد الأعلى منها فسيُعطى الأعلى وإن أراد الأعلى فالأعلى، و هكذا. فنسأل الله وببركة هذا الشهر المبارك أن يهبنا أعلى الدرجات...

  • زار أحدهم المرحوم العلاّمة ـ وكنت حاضرًا ـ وأراد ذلك الشخص أن يدعو [بدعاء عاديّ]، فقال له العلامة: لماذا تطلب هذه المراتب المتدنّية؟! ألا يستطيع الله أن يجيبك إن طلبت منه ما هو أعلى؟ فلماذا تبخل؟! فلمّا كان غيرك هو من سيستجيب الدعاء، فعليك أن تطلب منه الأعلى، فلماذا نتنازل عن تلك المرتبة العليا؟!

  • نسأل الله أن يتفضّل علينا جميعًا بأعلى درجة جعلها من نصيب أوليائه.

  • الّلهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد.