16

المراتب الأرقى لستر العيوب

3671
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنة 1438


التوضيح

استمرّ سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدس سره أثناء هذه المحاضرة في بيان مراتب ستر العيوب منبّهًا في طيّات ذلك على العديد من مخاطر السلوك. وأهمّ ما جاء فيها: المرتبة الأولى: الإغماض عن عيوب الناس مخاطر تتبّع عيوب الناس على السلوك ضرورة تسليم القلب للوليّ وعدم الاعتداد بالنفس وتوقّعاتها عنده كما كان حال الزبير وأمثاله ضرورة الاهتمام النابع من نفس الإنسان لتحصيل الكمال بدلًا ممّا يأتيه من الخارج المرتبة الثانية: محو الذنب من وجود المذنب رغم بقاء تذكّره للقيام بذنب ما المرتبة الثالثة: محو الذنب من وجود المذنب مع عدم تذكّر شيء عنه كيوم الولادة.
/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

المراتب الأرقى لستر العيوب

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • المراتب الأرقى لستر العيوب

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤٣۸ هـ ق - المحاضرة السادسة عشرة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

المراتب الأرقى لستر العيوب

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم

  • بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم

  • و صلَّى‌ اللهُ عَلَى سيّدنا ونبيّنا أبي‌ القاسم مُحَمّدٍ

  • و على آله الطّيبين الطّاهرين 

  • واللعنة عَلَى أعدائِهِم أجمَعينَ

  •  

  •  

  • «وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ لا لِأَنَّك أَهْوَنُ النَّاظِرِينَ وأَخَفُّ الْمُطَّلِعِينَ بَلْ لِأَنَّك يَا رَبِّ خَيرُ السَّاتِرِينَ وأَحْكمُ الْحَاكمِينَ وأَكرَمُ الْأَكرَمِينَ.»

  • أي: لو أنّني كنت أخاف تعجيل الجزاء والعقوب، لاجتنبت الوقوع في الخطيئة والمعصية حتمًا؛ وهذا ليس بسبب عدم مراقبتك الدقيقة لأعمالنا، ولا بسبب اطّلاعك الناقص على تصرّفاتنا، بل بسبب أنّني وجدتك يا إلهي أفضل ساتر، واكتشفت أنّك في مقام الحكم أحكمُ وأتقن وأصلب حاكمٍ وقاضٍ في موقف المحاسبة، ولم أعثر في مقام الكرم والعظمة على من هو أعظم وأكرم منك.

  • الأولياء هم العبيد الحقيقيون

  • حسنًا، لقد شارفت هذه الليالي المباركة على الانتهاء، فنرجو من العليّ القدير [أن يتقبّلها منّا]

المراتب الأرقى لستر العيوب

3
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد 

  • وعلى أهل بيته الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين.

  •  

  •  

  • «ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنّك أهون الناظرين وأخفّ المطّلعين، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين، وأحكم الحاكمين، وأكرم الأكرمين.»

  • لو كنت يا إلهي أخاف تعجيل العقوبة لاجتنبت الذنب، وجرأتي هذه على الخطأ والاشتباه لم تكن لأنّك لست مراقبًا لأعمالي ولا مطّلعًا عليها، فلا شكّ في هذا الأمر، واطلاع الله ورقابته هما من باب اطلاع الذات على آثارها، فكيف يمكن أن تحرّكوا أيديكم ولا يكون لكم اطلاع على هذه الحركة؟!

  • ولكنّ سبب ذلك هو أنّك يا ربّ أفضل الساترين لأعمالنا وسلوكنا، وأنّك في مقام المحاكمة لأعمالنا تقوم بأتقن وأدقّ المحاكمات، فلا يمكن أن تتصوّر محاكمة فوق محاكمتك، أي أنّه لا يمكن أن تتصوّر محاكمة ومقاضاة بهذا النحو الذي يقضي به الله ـ وهنا مجال واسع للكلام، نعم، وهذا شهر رمضان شارف على الانتهاء... ـ وفي مقام ما بعد المحاكمة والقضاء أنت تملك أعلى مراتب الكرم وأعلى مراتب العفو والشهامة والمروءة. 

  • والشهامة والمروءة تختلفان عن العظمة۱، فتارة نقول: "هذا عظيم" وتارة نقول: "هذا شهم ذو مروءة"، وهناك فرق بين التعبيرين، وإن كانا متقاربين، فالمروّة والشهامة ترجعان إلى الكرم، فالكريم هو أهل العفو والغضّ والتغاضي عن الأمور، فيقال هذا كريم. وأنت يا ربّ في كرمك مع العباد، لك المرتبة العليا التي لا يتصوّر فوقها مرتبة، ولذلك صرنا نحن متجرّئين على الذنوب. هكذا يقول الإمام عليه السلام، فقد صارت لنا جرأة على الذنب، ولم نعد نولي تلك الأهميّة التي ينبغي أن نوليها لاجتنابه، ولا نهتمّ به ذلك الاهتمام الخاصّ. 

  • المرتبة الأولى من مراتب "خير الساترين": الإغماض عن عيوب الناس

  • نعم، تقدّم أنّ لعنوان "خير الساترين" مراتب عديدة، فالمرتبة الأولى هي أن يقوم الإنسان بإغماض بصره والمرور والتجاوز عن الأمر. فهذا الأمر كثير الوقوع، وربما وقع لكثير منّا، فعندما نشعر أنّه سينكشف لنا عيب أحد، نغمض أعيننا، فلو رأينا أحدًا يرتكب خطأ لا ننظر إليه ونغلق أسماعنا، ونمضي جانبًا ولا نلتفت حتّى لا نسمع صوته أو نراه، هذا يقال له ساتر.

    1. إنما يتعرّض سماحته لذلك لأنّه في اللغة الفارسية يعبّر عن العظمة بكلمة "بزرگی" وعن الشهامة والمروّة بكلمة "بزرگواری" فهما في الفارسية مشتقان من لفظ واحد مما دعا إلى المقارنة بينهما، وأما في العربية فلكلّ منهما اشتقاقه الخاص ولكن نقل الكلام كما ورد في الفارسية للأمانة العلميّة، وللتقارب المعنويّ بينهما. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

4
  • تتبّع عيوب الناس من أهمّ عوائق السلوك ويحتاج إلى المراقبة للقضاء عليه

  • أما من يريد أن يملأ ملفًّا فإنّه يحدّق جيّدًا، ليرى من في تلك الزاوية البعيدة، وليدرك من حركة شفاهه ما يقول لأنّه لا يسمعه. فهذا كلّه مخالف للصواب. وبعض الناس مصابون بهذا المرض، فلو كان هناك اثنان يجلسان في زاوية من زوايا المجلس يتحادثان، فما علاقتك أنت بالأمر لكي يشرئبّ عنقك، وتركّز نظرك لتعرف ما يقولان؟! فليقولا ما شاءا فما علاقتك أنت بذلك؟! فهذه من أسوأ آفات النفس في السلوك، ومن كانت فيه هذه الآفة فإنّه لا يتقدّم خطوة، فلو قال لمائة سنة أربعة آلاف مرّة ذكر اليونسيّة بدلًا من أربعمائة مرّة لن يتقدّم خطوة واحدة، نعم هذه حال من عنده هذه الآفة، ومن ينظر ماذا يقول هذا؟ وماذا يفعل ذاك؟ ومن يقصد من كلامه؟ لقد كان الواجب السلوكيّ الدائم لنا أن نطأطئ رؤوسنا ولا نلتفت إلى هذا وذاك، فلو كنتَ جالسًا في مجلس من مجالس الإمام الحسين أو سائر الأئمة أو مجالس الذكر، أو أيّ مجلس آخر من المجالس المتعارفة فعليك أن تتطأطئ رأسك، نعم أحيانًا يتكلّم أحدهم بصوت مرتفع فحينها سيصل إلى أذنك، فحتّى في المجالس العاديّة قد يكون هناك مجموعة يتحدّثون فيأتي آخر ويصغي إلى كلامهم. 

  • علينا أن نزيل هذه الحالة من أنفسنا وأن نقتلها ونعدمها، وعلينا أن نتمرّن على ذلك، وإلا فما هي المراقبة؟! المراقبة التي يأمر بها الأولياء هي هذه، ليست المراقبة كائنًا عجيبًا له قرون وذنَب، بل هي القيام بهذه الأعمال. ولكن نحن نقول: لا لا بدّ أن نعلم هل ما يقوله هو في ضررنا أم لا؟ 

  • نتيجة ترك مراقبة النفس السقوط في عالم الكثرة 

  • فهل في النهاية سنحصل على فائدة من ذلك؟ لا لن نحصل على فائدة، وهذا العمل خاطئ، وهو يسقط النفس من الحركة نحو التجرّد ويجعلها تقع على رأسها في عالم الكثرة والأنانيّة والغرق في الجزئيّات، فبدلًا من الحركة من الجزئيّات نحو الكليّات، ومن الكثرة نحو الوحدة، فإنّنا سنقع في المسير المعاكس لذلك، ولو بقينا كذلك لعشر سنوات فلا فائدة، ولعشرين سنة فلا فائدة، سواء كنّا نتتلمذ عند أحد أو عند الأولياء أو عند إمام الزمان أو حتّى لو كنّا عند النبيّ نفسه، فمن هم الذين كانوا عند النبيّ؟ هؤلاء أهل هذه الأعمال، وقد رأيتم ما صنعوا من بعده، فماذا أثّر فيهم الحضور بين يدي النبيّ؟ هؤلاء الذين ضربوا ابنته وقطّعوها إربًا إربًا ألم يكونا من أهل الصلاة وكانوا يفترشون السجّادات خلفه متسابقين؟ 

المراتب الأرقى لستر العيوب

5
  • قيمة الحضور في مجالس الأعاظم أن تكون عن تسليم للقلب والفراغ من الأوهام

  • فالحضور عند النبيّ لا يفيد إلا مع تسليم القلب، لا أن يحتفظ الإنسان بقلبه أمام النبيّ، لا، بل لا بدّ من إعطائه القلب، ما معنى إعطاء القلب؟ يعني أن يستسلم، وعندما يأتي إلى النبيّ لا يترك في قلبه شيئًا. 

  • جاءت إحدى النساء المؤمنات إلى المرحوم العلامة وكنت جالسًا عنده، وكانت تلك المرأة من أهل التوفيق الذين التفتوا إلى بعض الأمور في شخصيّة المرحوم العلامة، فلمّا جاءت وجلست قال لها العلامة: لماذا جئتِ؟ ما هي نيّتك وما هدفك وما قصدك؟ أخبرينا؟

  • قالت: أنا جئت إلى هذا المكان ـ وكانت ذات شأن ـ جئت وأحضرت قلبي لتصبّ فيه ما شئت، فأنا لا أدرك شيئًا ولا أفهم، وكانت صادقة ومن أهل الصدق والصفاء فقالت: أنا جئت بقلبي إلى هذا المكان لتضع فيه ما شئت. 

  • فضحك المرحوم العلامة وقال: جيّد جدًّا، جيّد جدًّا. بعدها أنا قمت من المجلس ومضيت.

  • لا يحسب حساب للنفس في مجالس الأعاظم (عِبرٌ من مواقف سعد بن أبي وقاص والزبير) 

  • فالإنسان عليه أن يكون هكذا، عندما يأتي إلى النبيّ عليه أن لا يحسب لنفسه حسابًا، وأنّي سأبقى عند النبيّ ما دام يراعي أمري في تلك القضيّة المعيّنة. فهذه الأمور في قلوبنا: ما دام يراعيني في ذلك الموضوع فأنا في خدمته، وما دام يحسب لي حسابًا ويقول: تفضّل وصلّ صلاة الجماعة أنت اليوم يا سعد بن الوقّاص مثلًا. فلو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لسعد بن الوقّاص بعد أن استلم الخلافة: تفضّل أنت إمارة المدينة ـ وهذا البحث هذه الأيام يطرح كثيرًا، حول الخلافة وأمثال ذلك، فالدنيا دنيا عبرة ـ وكان سعد يحسب لنفسه حسابًا؛ فهو من الفاتحين، فاتح إيران، فلو قال له تفضّل وصلّ في مسجد المدينة، فحينئذ سيقبل بأمير المؤمنين، أما لو لم يلتفت إليه أمير المؤمنين ودخل المجلس ولم ينظر إليه أصلًا حينها سيقول: ماذا حدث؟! لم ينظر إلى أحد وراح يصلّي هو بنفسه! فما دورنا نحن إذن؟! لقد كان سعد يعدّ نفسه في مستوى أمير المؤمنين، وزميلًا له وقرينًا، وأنا أقول هذا من باب الفرض والمثال، فقد كانت مثل هذه الأمور موجودة. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

6
  • وإن شئتم فلنتحدّث عن الزبير، فقد كانت له مجالس خاصّة مع أمير المؤمنين في زمان النبيّ، وكان من الذين لم يبايعوا، وبايع بالقوّة، وفي يوم من الأيام جاء في منتصف الليل (وما أقوله مسائل أساسيّة كان الأعاظم يهتمّون بها ويؤكّدون عليها) فيجد أمير المؤمنين في منتصف الليل أنّ اثنين جاءاه والوقت وقت النوم، جاءا في نصف الليل ودخلا، وبمجرّد أن دخلا قام أمير المؤمنين ـ وهو العالم بكلّ شيء ـ بإطفاء نور السراج، وجاء بسراج آخر، وقال ذاك سراج بيت المال، وأنتما جئتما لأمر شخصيّ، فصار أحدهما ينظر إلى الآخر أن: كأننا جئنا إلى المكان غير المناسب، فقد كانا يعِيَان حقيقة الأمر حتّى العمق، كانا ذكيّين ويدركان جيّدًا، ويعرفان أمير المؤمنين، قالا: فلنذهب ليس هذا المكان مكاننا. ومن تلك اللحظة توقّف سلوكهما. أمطمئنّ أنت بأنّك تريد عليًّا؟!

  • كلّ واحد منّا هو الزبير

  • أيّها الرفقاء أقول لكم أيضًا بصراحة: إنّ هذه الأمور موجودة في قلوبنا، نحن نقول "الزبير!!"، وكلّ واحد منّا هو الزبير. إن شاء الله لا نكون الزبير، ولكن علينا أن نلتفت، فالزبير لم يكن مخلوقًا عجيبًا ذا قرون وذنب، فطلحة والزبير كانا في خصوصيّاتهما الماديّة والمعنويّة مثلنا، ونحن مثلهما ولا فرق بيننا وبينهما، فكلّنا نسير في اتجاه واحد، غاية الأمر أنّ هذه الصفات ـ كما ذكرت الليلة الماضية ـ هي عبارة عن جذور من التعلّقات والأنانيّات والخصوصيّات والخصال النفسيّة التي توجد في أعماقنا وزوايا أعماقنا وتخفي نفسها، أمّا متى تبرز؟ عندما يقول المرحوم العلامة مثلًا لأحد ما اذهب وقم بعمل معيّن، فمن كانت هذه الجذور في نفسه يقول فجأة: لقد كنت أنا الأولى بالقيام بهذا العمل، أنا الأليق بهذه المهمّة. انتهى الأمر! ما معنى أنا الأليق؟! هل يوجد هنا من هو أليق؟! هل هنا من هو لائق؟! من أين جاءت اللياقة؟! من أين جاءت الأليقيّة؟! من أين جئنا بكلّ ذلك ووضعناه أمامنا وسط المائدة؟!

  • علينا أن نكون ملتفتين جيّدًا، وهذه هي المراقبة! المراقبة تعني أن يلتفت الإنسان إلى مسألة "لماذا لم يكلّفني أنا مع أنّي كنت الأولى بالتكليف؟! لماذا كلّف فلانًا دوني؟!"

المراتب الأرقى لستر العيوب

7
  • ذات يوم، تشرّف رجل من أهل طهران بزيارة مشهد ولم يكن قد انتقل ليسكن فيها بعد، وعند عودته قال له المرحومَ العلامة (ونحن لا ندرك حقائق أفعال الأولياء): إذا وصلت إلى طهران ـ وقد كنتُ أسكن طهران آنذاك ـ فقل لفلان [يقصد السيد نفسه] أن يعلن في مجلس الرفقاء والإخوان أمرًا معيّنًا. وقد كان هذا الرجل يرى لنفسه موقعًا ومكانة إذا ما قارن نفسه بي، فقد كان كبير الرأس ضخم الرقبة، وكان أكبر منّي سنًّا وأكثر طولًا وأعظم هيئة، حتّى أنّه يفوقني بثلاثة أضعاف، والحاصل أنّه من حيث الظاهر كان هو الأليق من كلّ جهة بالقيام بإعلان هذا الأمر، أما أنا فلم أكن شيئًا.

  • ثمّ جاء إلى منزلي وكنّا نتحدّث فقال: 

  • لقد طلب سماحته أن يُعلَن هذا الأمر!

  • ـ جيد فليعلَن، ممتاز (ولم أكن أعلم أنّه عليّ أنا أن أقوم بإعلانه).

  • ـ لكن لا يخفى أنّه قال: أعلنوه أنتم مثلًا، أنتم من باب المثال...

  • ـ لا بأس يا عزيزي تفضّل وقل، ولينطلق لسانك؟ فماذا تقول؟ 

  • ـ الآن أنتم، على أيّ حال و...

  • فلمّا قال كذا وكذا، التفتّ أنّه هو يريد أن يعلن ذلك، فأطرقت برأسي أن: افعل ما شئت. ولم أقل شيئًا. فقال: 

  • في النهاية لا بدّ أن يعلن هذا الموضوع!

  • ـ نعم في النهاية لا بدّ أن يعلن.

  • ـ جيّد، أنتم ماذا ستصنعون؟ هل ستعلنونه أنتم؟ أم أنا أعلنه؟

  • ـ الخيار عندكم، فلست أنا من أبلغ الرسالة، أنتم أبلغتموها. 

  • وفي النهاية أعلن هو ذلك، ولم يسمح لنا به! ولم يكن أمرًا مهمًّا، فمثلًا يجب على الرفقاء أن يقوموا بكذا، فقد كانت مثل هذه الأمور متعارفة آنذاك.

  • وفي النهاية ذهب وأعلن. جيّد انتهى الأمر. لقد خسرت يا مسكين! وماذا ستكون النتيجة حينئذ؟ النتيجة أنّه الآن في حال لا يحمد عقباه، نسأل الله أن يهدي الجميع، فنحن لا نلعن أحدًا.

  • هنا يجب أن ترتجف أبداننا، علينا أن نلتفت، علينا أن نرى أنّ هذه الأمور هي لنا أيضًا، فهي للجميع، وربّما لم يراع المرحوم العلامة خصوصيّة في تحديد من هو المعلن للأمر سواء كان فلانًا أم فلانًا، وربما كان يقوم بأعمال أخرى بواسطة ذلك، فلماذا أنت غافل أيّها المسكين؟ لماذا لم تحصل على درجة جيّدة في الامتحان؟ هل كان ينبغي أن يطلعك على الخطّة؟ أتظنّ أنّه بمجرّد أن يقول على فلان أن يعلن فهو يعرّض بك؟! فمن الآن فصاعدًا التفت جيّدًا فأنت تخسر فرصة الامتحان، احذر أن ترسب فيه! وإلا فلا فرق بين أن يعلن فلان أو فلان، فالرفقاء قاموا بهذا العمل في النهاية. وقد كان المرحوم العلامة كثيرًا ما يطلب مثل هذه الأمور، مثلًا على الرفقاء أن يقوموا بهذا العمل في هذا المجلس، عليهم أن يقوموا بهذا العمل بالنسبة لموضوع آخر وهكذا. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

8
  • وحقيقة حال هؤلاء أنّهم يتصنّعون أمام الأعاظم، يقول الزبير أنا أريد عليًّا ضمن هذه الحدود، فعليّ إنسان مميّز، والزبير يضرب بالسيف أيضًا ويجاهد، ويخاطر بنفسه، ويتقدّم، وحتى يمكن أن يقتل، ولكنّ قتله هذا لا فائدة منه، ولا قيمة له، حتّى لو كان في ركاب أمير المؤمنين لا فائدة منه، لماذا؟ لأنّه جاء مصحوبًا بالنفس، وشارك في هذه المعركة وقتل، فلو أنّ أمير المؤمنين جعلني قائدًا لجنوده فأنا حاضر لأن أكون معه وحتّى لأستشهد بين يديه. لكنّ هذا لا فائدة منه، فأنت لا ينبغي أن تكون قائدًا من الأساس! لماذا تحبّ أن تأمر وتنهى بين الجنود؟! إنّ القتل الذي ينفع في ركاب أمير المؤمنين هو من نوع آخر.

  • لم يكن كلّ من قتل في ركاب الأولياء شهيدًا، الشهيد من سلّم أمره ولم يعتدّ بنفسه

  • لا تظنّوا أنّ كلّ من قتل في معركة صفّين كان شهيدًا، ولا تظنّوا أنّ كلّ من قتل في معركة الجمل وأمثالها كان شهيدًا، لا! فبعضهم قتل مع رسول الله فقال رسول الله: هذا قتيل الحمار۱، فقد كان هناك حمار جميل لا أدري على أيّ لون كان، فوقعت عينه عليه، الناس تحبّ الخيل ولكنّ هذا الرجل وقعت عينه على الحمار فأعجب به، فقال عليَّ أن أقتل الراكب وآخذ المركوب لنفسي كغنيمة حرب، ولكن كان من القضاء أنّ هذا الراكب ضرب رأسه قائلًا: بما أنّك تريد أن تأخذ حماري فخذ! فبيّن رسول الله أنّ هذا لم يكن شهيدًا، لقد كان يريد الحمار، ولكنه لم يوفّق وكان خصمه أقوى منه فضربه. لقد كان في ركاب النبيّ ولم يكن شهيدًا.

  • إن كنت التحقت بركاب عليّ عليه السلام، وإن كنت التحقت بركاب الإمام الحسين عليه السلام ووضعت نفسك جانبًا، ومهما طلبوا منك قلت: نعم حاضر. ولم تطرح نفسك، إن قالوا اذهب وقاتل: قلت حاضر، أو قالوا: لا، أنت لا تذهب، وهذا العمل ممنوع عنك مطلقًا، قلت: حاضر. إن قالوا: قم بهذا العمل. قلت: حاضر. فلو كنت كذلك فاستشهدت فأنت معدود من أصحاب سيّد الشهداء وتعطى درجة جيّدة ومكانة رفيعة، ويبلغون بك إلى مقام الفناء والمحو، ويتقنون أمرك في ذاك العالم، وإلا فلا. فنحن في طريقنا أمور شبيهة بتلك الأمور أيضًا، فنحن نسير حتّى نصل إلى حدّ ما، فإذا وصلنا إليه ترتفع منّا أصوات الاستغراب: "عجيب!" "لماذا؟!" "لأيّ شيء؟!" "لماذا هنا الأمر كذلك، ولماذا هناك بنحو آخر؟ والحال أنّه ليس هناك أيّ دليل يبرّر ذلك". 

    1. جامع السعادات، ج٣، ص ۸٩. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

9
  • لقد ذهبنا إلى الأعاظم ـ وما أنقله هو ما كنت أراه في زمان المرحوم العلامة ـ وعندما نذهب إلى الأعاظم فبأيّ شيء نعتدّ بعد ذلك؟! لا شيء، لا شيء بعد ذلك، لا شيء. 

  • عندما تجد أنّك أقلّ من الآخرين فقد ارتفعت مشكلتك

  • جاء أحدهم يومًا إلى المرحوم العلامة وقال له: أين هي مشكلتي؟ فقال له: عندما تجد أنّك أقلّ من الآخرين ـ ولم يقل له "مساوٍ للآخرين" وليس على نحو الكلام والقول تقول نعم أنا موجود والآخرون أيضًا موجودون فهذا مجرّد كلام، فإذا أحسست بذلك واقعًا فقد ارتفعت مشكلتك. إنّ مشكلتك هي أنّك ترى نفسك أرفع من الآخرين، عليك أن تنزل إلى الأدنى وأن ترى نفسك أدنى من الآخرين واقعًا، وهذه هي المسألة التي أقوم بالحديث عنها الآن.

  • فما دام الإنسان قد أتى إلى محضر أحد الأعاظم، وما دام الإنسان قد دخل في مجموعة من الأفكار والمبادئ، وما دام يعيش في فضاء معيّن، فإنّ مقتضى هذا الفضاء وهذه الأفكار وهذه المدرسة هو أن لا يرى لنفسه أكثر من صرف الوجود الذي هو لله وأن لا يحسب لنفسه حساب شيء آخر، فسواء كان عندك شيء أم لم يكن عندك، فلا تلتفت. 

  • وكما يقول المرحوم الشيخ الأنصاري في تلك الرسالة التي كتبها إلى المرحوم العلامة: أنت ليس لك علينا فضل لتطالبنا بشيء، فأنت مَن جئت بنفسك إلى هذا المكان! ولم تتلقّ دعوة من أحد. والذي جاؤوا إلى المرحوم العلامة هل تلقّوا دعوة من أحد؟! هل أرسل إليهم رسالة أن تفضّلوا؟ تفضّلوا وشرّفوا فإنّ عددنا قليل فإذا جئتم زاد قليلًا، وقولوا للناس أن يأتوا و... من هو الذي أرسلوا إليه رسالة؟ ومن هو الذي قدّموا له دعوة؟ أنا لا أعرف أحدًا قدّموا له دعوة، وكلّ من كان قد ذهب إليه كان قد ذهب بنفسه.

  • الأولياء يبيّنون الحقائق فمن شاء التحق بهم ومن لم يشأ تركوه على ما يريد

  • لقد كان يبيّن الحقائق وبعضهم يلتفت إليها وبعضهم لا يلتفت، بعضهم كان يفهمها وبعضهم لم يكن يفهمها، بعضهم كان يدرك وبعضهم لم يكن يدرك، كلّ حسب أفُقِهِ. وكان هناك من صلّى خلف المرحوم العلامة لعشرين سنة في المسجد واستمع إلى كلامه، لكنّه كان على حاله الذي كان عليه أول يوم، ولم يتغيّر أبدًا، عشرون سنة!! ولم يكن المرحوم العلامة ليقول لهم شيئًا أو يعترض عليهم، فقد كانوا مسلمين ومؤمنين، كانوا يؤدّون الصلاة ويصومون ويدعون الله، فقد كانوا من أهل المسجد، ويبتعدون عن المحرّمات، ولكنّهم كانوا يقتصرون على هذا المستوى ولا يتجاوزونه، وتمرّ سنة، ثمّ سنتان وأفقه في هذا المستوى، هذا هو مستوى تكامله، ولم يكن يتجاوزه. وفي المقابل كان هناك من يحصل على أمور أخرى وراء ذلك، وكان يهتمّ بتحصيل هذه الأمور الأخرى، وهنا بالطبع سيقول له المرحوم العلامة: أحسنت! ما دمت تهتمّ بهذه الأمور فتعال وخذ، فهناك أمور أخرى وهناك معارف وهناك مسائل أخرى، فهذه لك لأنّك تريد شيئًا وراء هذا الدعاء والصلاة ومجلس العزاء وأمثال ذلك، فخذ هذا الأمر من هنا، وهذا الأمر بهذا النحو، وذاك الأمر بذاك النحو. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

10
  • فالناس مختلفون في مستوياتهم، والأولياء في المقابل يعاملون كلّ إنسان وفق ما يناسب مستواه وقدرته وما يطلبه، وكان المرحوم العلامة يتعامل وفق هذه القاعدة حتّى مع مريديه وأصدقائه، ولم يكن ليعامل الجميع بطريقة واحدة، لقد كان هناك الكثير من المسائل التي يقولها لبعض منهم ولا يقولها لبعض آخر، فليست الأسرار بالتي تقال للجميع. نعم فالناس مختلفون.

  • مشكلتنا أنّا نأتي إلى الأولياء مع أفكار وتوقّعات وأمان دنيويّة ونبحث عن إمام يناسبنا

  • أمّا نحن فالأمر مختلف بالنسبة لنا، نحن والجميع لا فرق بيننا في ذلك، عندما نأتي إلى الأعاظم، عندما نأتي إلى النبيّ، فهناك أشياء تنشأ في القلب بشكل خفيّ سواء التفتّ إليها أم لم تلتفت، وهذه الأشياء هي أجراس تنبئ بالخطر! عندما نأتي إلى رسول الله وإلى أمير المؤمنين وإلى الإمام المجتبى، فإنّ ما ينبغي أن يزول وينعدم من نفوسنا يشرع بالتزايد فتنشأ أفكار وتوقّعات وأمنيات وآمال ومطالب، حتّى إذا ما واجه الإنسان أمرًا يخالفها يأخذ قلبه بالارتجاف! لماذا الإمام الحسين صنع معنا هذا؟ لقد كان ينبغي للإمام أن يتعاطى معي بنحو آخر! لماذا لم يعطني الإمام المجتبى تلك المسؤوليّة في ذلك المشروع والحال أنّ ما يقتضيه السنّ والمكانة والمنزلة في أعين الناس هو أن يعطيني تلك المسؤوليّة؟ ماذا نصنع بهذا الرجل، المكانة التي له بين الناس إنّه رئيس، إنّه قائد، إنّه ذو شأن، ولكن الإمام لم يعتن به مع أنّه جالس في ناحية من المجلس ، لقد قال الإمام لآخر: يا فلان اذهب أنت غدًا إلى ذاك المكان وحلّ تلك المشلكة! وفجأة صار الجميع ينظر بعضهم إلى بعض وينظرون إليه نظرة تجعله يطأطئ رأسه خجلًا. لا داعي للخجل، لماذا تخجل؟! عليك أن تنظر إلى الناس نظرة طبيعيّة، لماذا الخجل؟ لقد أصابك هذا الموقف في المكان المناسب، في المكان الذي يختفي فيه التعلّق وتختبئ فيه الأنانيّة والنفس.

  • تأتي وتقول: السلام عليكم يا ابن رسول الله، أنا مطيع لكم، أنا مخلص لكم، أنا خادمكم، وأمثال هذه الكلمات التي نتقنها جميعًا، فلنترك هذه المجاملات جانبًا، فلا "خادم" ولا "مخلص" ولا شيء من هذا القبيل. وحقيقة الأمر، أنّ كلّ هذه المجاملات وأنّا "مخلصون" و "خدّام" هي لأجل الوصول إلى المسؤوليّة، كلّها ترجع إلى هذا الأمر. فالنتيجة أنّنا في علاقتنا مع إمام زماننا ومع نبيّنا نبحث عن إمام زمان يناسبنا نحن لا إمام الزمان الحقيقيّ، نبحث عن النبيّ الذي يتماشى معنا، أمّا النبيّ الحقيقيّ فهو جالس هنا. وإلا لماذا حصل بك كلّ ذلك؟ إنّه النبيّ الحقيقيّ، ما هو السبب في الهزّة النفسيّة التي أصابتنا؟ ما هو السبب في التغيّر والتبدّل الذي أصابنا [عند حرماننا ممّا نريد]؟ السبب هو أنّنا نبحث عن أستاذ يناسبنا نحن، وعن نبيّ يناسبنا نحن، وعن مولى يناسبنا نحن، نبحث عن تلك الشخصيّة التي صنعناها نحن في أذهاننا لهؤلاء والتي رسمنا لها الخطط والبرامج، أولًا يقوم بهذا العمل، ويترك ذاك العمل، نعم هذه هي الخطط التي رسمناها، ونحن نبحث عنها. وليس هذا إمام الزمان، ليس هذا إمام الزمان. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

11
  • عندما كان المرحوم السيّد الحدّاد يقول: يا سيدي العزيز الناس من أتباع المذهب البهائي... فهو يريد أن يقول: يا سيّد إن لم تقم بهذا العمل فإنّ الناس سيصبحون بهائيّين! كان يقول: يا سيّد محمّد حسين الناس بهائيّون، فلا تنظر إلى إسلامهم. فما معنى ذلك؟ معناه أنّهم دائمًا في الأوهام، ودائمًا في الاعتبارات، أين هو المسلم الحقيقيّ، والذي يتّبع أهل البيت حقًّا؟ فنحن نرى الآن، ما شاء الله! ما شاء الله! قانون الغاب هو السائد! هذا هو الموجود.

  • البئر الحقيقيّ هو الممتلئ بنفسه ولا يحتاج إلى ملء من أحد

  • لا بدّ أن يكون للبئر ماء من نفسه لا أن نملأه نحن، فإذا كان البئر بلا ماء فلماذا يحفر؟ هذا البئر لا ماء فيه، فمهما حفرت ونزلت في عمق الأرض فليس لك إلا التعب ورفع التراب، فالإنسان يحفر بئرًا عندما يكون هناك أمل في الحصول على الماء، فهذا ما يقوم المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه بتنبيه المرحوم العلامة عليه، لا بدّ أن يصل الناس بأنفسهم ووجدانهم وعقولهم ونفوسهم وكامل وجودهم، بحيث يشعرون بأنّ الحاجة الحقيقيّة لا يمكن تحقيقها إلا بالوصول إلى هذه النقطة وطيّ طريق الولاية والتسليم لطريق العرفان وأولياء الله. وإلا فسيبقى الجميع يدورون حول بعضهم: هذا يقول شيئًا، وذاك يقول شيئًا آخر. هذا يهاجم ذاك، وذاك يهاجم هذا. فهذا هو الحال الذي نشاهده. لا بدّ من الوصول إلى تلك المرتبة حتّى يتخلّوا عن هذه الأنانيّات والشخصانيّات، عن "الأنا" و"الأنت" وعن محاولة جعل الله والنبيّ والشريعة إلى صفّ النفس. 

  • فهذا يتحدّث عن الله، وذاك يتحدّث عن الشريعة. هذا يتحدّث عن هذا الموضوع، وذاك يتحدّث عن ذاك التكليف. وهذا يستدلّ بدليل، وذاك يردّه. ثمّ يُعلم بعد ذلك أنّ كلّ هذه الكلمات كانت تقوم على الأنانيّات والأهواء والنفسانيّات، ولذا هم يستفيدون من هذه الأدوات والوسائل لتحقيق ذلك. ينبغي للناس أن يدركوا هذه الحقائق ويلتفتوا إليها، حينها ستبدأ حقيقة الولاية بالظهور شيئًا فشيئًا. 

  • المرتبة الثانية من مراتب ستر العيوب: محو الذنب من وجود الإنسان مع تذكّر القيام بذنب ما

المراتب الأرقى لستر العيوب

12
  • يقول الإمام عليه السلام يا إلهي أنت خير الساترين، والساتر هو الذي يغطّي ويتغاضى عن العيوب. حسنًا، ما معنى كلمة "خير" هنا؟ الساتر هو الذي يغطّي ويتغاضى، ولكن من المعلوم أنّ هناك مسائل أخرى غير الستر والتغطية، هناك أشياء أخرى هي التي تعطي صفة الخيريّة. من الممكن أن تقولوا أنّ من يستر فلستره مراتب، فتارة يستر عن عمل بسيط، وتارة عن عمل فيه مشكلة كبيرة وهو أصعب، وتارة يكون العمل أقبح بكثير ورغم ذلك يغضّ نظره، فهذه جميعها مراتب لنفس الفعل المستور، أي أنّ هذا الفعل نفسه له مراتب مختلفة من القبح والفظاعة ومع ذلك يقوم بسترها. 

  • ولكن هناك حالات أخرى يكون للستر نفسه مراتب، وبالأمس تحدّثنا عن مرتبة الستر وأنّ أعلاها أن يفرض الساتر العمل كأنّه لم يكن، وكأن مرتكبه لم يتركبه، وإذا لم يرتكبه فهو لم يرتكبه في النهاية. وقد ذكرت في تلك الجلسات التي كانت في مشهد المقدّسة تلك البقعة المباركة، أنّه كان هناك بعض الأصدقاء وهم الآن موجودون، وبعضهم انتقلوا إلى رحمة الله، وكثير منهم لا يزال على قيد الحياة، عندما كانوا يأتون إلى المرحوم العلامة أو بعض الأعاظم قبله، ويأخذون البرنامج السلوكيّ ويتوبون ويقلعون عن أعمالهم السابقة، فإنّهم كانوا يشعرون بحال لا يرون معه أيّ ذنب في وجودهم، كانوا يقولون ـ حتّى أخبروني بذلك شخصيًّا ـ إنّنا عندما قمنا بهذا البرنامج أحسسنا فجأة أنّنا لم نرتكب ذنبًا، والحال أنّه ارتكب الكثير من الذنوب، ففي النهاية هناك زلّات وأخطاء، ولكنّهم يقولون أصلاً نحن لم نرتكب شيئًا، ومهما رجعنا إلى أنفسنا كنّا نقول أين هي تلك الذاكرة؟ ماذا حصل؟ لقد أصبنا فجأة بمرض "الزهيامر" بالنسبة إلى السيّئات، لا بالنسبة إلى الحسنات، فهو "زهيامر" خاصّ بشيء واحد!! لقد رأينا أنّنا لم نرتكب ذنبًا، نعم أعمال الخير والحسنات التي قمنا بها نذكرها جميعًا، فقد كنّا ننفق، وكنا نقوم بكذا وكذا...

  • حسنًا ولكن لا يزال في ذهنهم شيء وهو أنّهم ارتكبوا ذنبًا في النهاية، وإلا لنسوا حتّى هذا من أساسه، وهذا هو الذي يدفعهم إلى البحث عن تلك الذنوب وعدم العثور عليها. لم يكونوا يقولون: لم نرتكب ذنبًا، فهم في النهاية كانوا يعتقدون أنّهم ارتكبوا ذنبًا ولكنّهم مهما فتّشوا في نفوسهم وتعمّقوا فيها وبحثوا لا يجدون أثرًا، فنحن الآن إذا نظرنا إلى الأعمال التي قمنا بها اليوم: جئنا صعدنا إلى الأعلى، لا أدري ماذا صنعنا، جلسنا خلف الطاولة مثلًا، ثمّ كتبنا شيئًا، فهذه الأعمال التي قمنا بها اليوم، وكلّ إنسان يستحضر الأعمال التي قام بها حسب ما قام، افرضوا أنّي أنسى فجأة نصف الأعمال التي قمت بها، ومهما بحثت عنها لا أجدها، أين هي؟ أين ذهبت؟! وطبعًا هذا الأمر يحتاج إلى بحث، وإن شاء الله إن وفّقنا لذلك نبحثه. فهذا هو معنى خير الساترين. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

13
  • المرتبة الأرقى لـستر العيوب وقصّة شعور أحد التائبين بحقيقة الخروج من الذنوب "كيوم ولدته أمّه"

  • ولا يخفى عليكم أنّ هناك معنى أرقى من هذا، هناك معنى أرقى من هذا بدرجات. فعندما يناجي الإمام السجّاد عليه السلام أن يا إلهي أنت "خير الساترين" فماذا يدرك؟ ما هو الشعور الذي سيطر عليه بحيث صار يقول: أنا لأجل هذا لا أبالي، مثلًا لا أخاف ذلك الخوف الذي ينبغي من الزلّات والأخطاء. أنا أعلم أنّني أمام كريم، ولست أمام فرد عاديّ، أمام كريم، أمام من لا يكتفي في مقام الستر بالإغماض عن الذنوب، بل يقوم بما يجعلني إذا رجعت إلى نفسي لا أرى الذنب، ولا أرى الخطأ، ولا أرى الزلّة.

  • كان هناك صديق آخر، نعم كان يخبرني ويقول: يا سيّد ـ والتفتوا إلى أنّ هذا الأمر كان في العهد السابق، وكانت الأوضاع على حال يعرفها الذين عاصروها، وكان هذا الرجل واحدًا من الناس، فقد كان يتّفق للناس أمور مثل هذا الذي سأحدّثكم عنه، ولم تكن بالأمر المستبعد، فقد كان هناك مجالس للهو واللعب وأمثال ذلك ـ يا سيّد أنا الآن لا أشعر أنّ ما شربته في تلك المجالس التي كنت أذهب إليها كان مسكرًا واقعًا ـ لقد كان في تلك المجالس مسكرات مثلًا، ووسائل لهو ولعب وأمثال ذلك، والظاهر أنّه كان قد شرب المسكر مثلًا ـ كان يقول: الآن أشعر أنّ ما شربته كان ماءً كان شرابًا. أي لم يكن يشعر بتلك الحالة من الاشمئزاز التي يشعر بها من يرتكب محرّمًا، فالذنب ذنب في النهاية، ولكنّه كان يقول: عندما تنسّمت علينا أنفَاسُ المرحوم العلامة السحريّة تغيّرت الأحوال، كان يقول: بعد أن خرجت من اللقاء معه رأيت أنّ كلّ عمل كنت قد قمت به لم يعد له كدورة، ولم يعد له أثر، وكان نصّ عبارته: وكأنّي الآن ولدت من بطن أمّي.

  • ونحن لدينا في الروايات والأحاديث أنّ من يقوم بهذا العمل، كمن يكون في عرفة، أو من يقوم بالتوسّل، ومن يزور سيّد الشهداء أو مثلًا تشمله الرحمة الإلهيّة في ليلة القدر، "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه".۱

    1. انظر وسائل الشيعة، ج٢، ص ٤٢۷؛ ج٣، ص ٣٣٤؛ ج٦، ص ۱٣٩. 

المراتب الأرقى لستر العيوب

14
  • وقد كان هذا الرجل يبيّن لي هذا المعنى بدقّة ويقول: أنا أشعر أنّي الآن خرجت من بطن أمّي، فماذا على الطفل الخارج من بطن أمّه من الذنوب؟ لا ذنب عليه، فهو معصوم معصوم. لقد كان يقول أنا أشعر بذلك، ومن المعلوم أنّ هذا أمر حقيقي، فعندما تأتي الأحاديث بأمر ما فهو ليس لتسلية قلوبنا، هؤلاء الأئمة جاؤوا ليبيّنوا الحقائق، غاية الأمر أنّ علينا أن نكون محقّين لنأخذها كما هو حقّها، علينا أن لا نتخذها هزوًا، علينا أن لا نكون هازلين في هذا الأمر حتّى نصل إلى متن الواقع. 

  • هناك موضوعات أخرى لا يمكننا بطبيعة الحال أن نصل إلى منتهاها، نتركها إلى فرصة أخرى إن شاء الله ووفّقَنا لها.

  •  

  • الّلهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد.