9

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ

السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

7
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.

/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ

  • السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

  •  

  • سلسلة دروس شرح الأسفار الأربعة، مقدّمة المؤلّف، الّدرس التّاسع

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • النبيّ الأكرم أوّل تعيّن لذات الباري تعالى

  • المسألة التي بقي علينا بحثها هي كيفيّة الأسفار الأربعة. فعبارة «الأسفار الأربعة» لم تَرِد كـ «أربعة» قبل صدر المتألهين؛ أجل، ذُكرت قبله، وكانت موجودة في عبارات محيي الدين والملاّ عبد الرزاق [الكاشانيّ] وغيرهما،۱ غاية الأمر أنّها لم تَرِد كـ «أسفار أربعة» مرتّبة بهذه الطريقة وهذا النحو.

  • فكما بيّنا سابقًا، ورد في عبارة محيي الدين أنّه قال في حقّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: 

  • اللهمّ أفِض صِلَةَ صَلوَاتِكَ وسَلامَةَ تسليماتِكَ على أوّلِ التعينّاتِ المُفاضَةِ منَ العَماءِ الربانيّ، وآخِرِ التنزّلاتِ المُضافةِ إلى النوعِ الإنسانيّ.٢ 

  • فيُبيّن هنا معالم الوجهين الربّي والخلقيّ لهذه النشأة في وجود النبيّ الأكرم؛ إذ يمثّل وجودُه صلّى الله عليه وآله ـ بلحاظ الوجه الربّي ـ التعيّن الأوّل؛ أي مقام الواحديّة.

  • تجلّي سائر ظهورات الوجود من وجود النبيّ الأكرم النورانيّ

  • وبعد ذلك، يأتي بعبارة قائلاً: 

  • نقطةُ الوحدةِ بينَ قَوسَي الأحديّةِ والواحديّةِ.٣ 

  • نحن نعلم أنّ الخطّ يُرسم بواسطة النقطة؛ وبعد الخطّ، يُرسم السطح؛ وبعده الجسم التعليميّ؛ ولهذا، اختاروا النقطة ـ كتمثيل اعتباريّ حسّيّ بموازاة الحقيقة التكوينيّة للأشياء ـ لبيان الجهة الرابطة بين الخلق والخالق، وبين الربّ والمربوب، حيث إنّ هذه الجهة الرابطة هي عبارة عن النقطة التي ترسم الخطّ والسطح، ويُمكنها كذلك أن ترسم الجسم التعليميّ.

  • إذن، تلك الحقيقة التي تتكوّن بها جميع العوالم ـ من عالم الذات فما دونه ـ هي الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم، حيث تخرج جميع الأشياء بواسطة هذا الوجود من مقام الإجمال إلى مقام التفصيل؛ أي: تخرج من مقام الهوهويّة الذاتيّة التي لا اسم لها ولا رسم، وتُصبح ذات تعيّنات وحدود؛ فبعضها يتجرّد، ويُصبح ملائكة، وبعضها يتجرّد، ويُصبح عقولاً، وبعضها يُصبح ملائكة ذات مراتب أدنى، ثمّ تُوجَد حقائق الأشياء وثبوتها في عالم الملكوت، ثمّ تتشكّل الجهة المثاليّة لها في عالم البرزخ، ثمّ تأتي إلى هنا؛ وهي النشأة الدنيويّة للأشياء. فالوجود والحقيقة التي توجب خروج جميع الأشياء من مرحلة الإجمال، وتكوّنها في مرحلة التفصيل ـ وآخر مراتبها في الإنسان هو التعلّق بالبدن ـ إنّما هو الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم.

    1. مجموعة رسائل ابن ‌عربي، الإسفار عن نتايج الأسفار، ص ٣؛ المقدّمات من كتاب نصّ النصوص، السيّد حيدر الآمليّ، ص ٢٦٨؛ اصطلاحات الصوفيّة، الملاّ عبدالرزّاق الكاشانيّ، ص ٣٦؛ شرح منازل السائرين، الكاشانيّ، ص ٢٢ ـ ٣٢.
    2. الصلوات الكبيرة (نسخة خطّية)، ابن عربي، ص ۱٦۱؛ مجموعة رسائل ابن عربي، توجّهات الحروف، ج ۱، ص ٦٥٤.
    3. الصلوات الكبيرة (نسخة خطّية)، ابن عربي، ص ۱٦۱.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

3
  • ومن هنا، فإنّ النبيّ الأكرم هو الموجب ـ بوجوده النورانيّ، لا بوجوده الجسمانيّ ـ لتنزّل فيض الوجود من مرتبة الأحديّة إلى مرتبة الواحديّة. فالمقام بين الأحديّة والواحديّة هو مقام الإجمال، ومرحلة الواحديّة هي مقام التفصيل، والوجود الرابط والواسطة في الإثبات ـ أو الواسطة في الثبوت.. لا فرق ـ بين هاتين المرحلتين، والذي يُخرج جميع الأشياء من مرحلة الإجمال تلك، هو وجود النبيّ الأكرم؛ فلولاه، لكنّا لا نزال هناك في خزانة الغيب، ولم نخرج من تلك العوالم، حيث إنّ حقيقته ووجوده هو الذي جاء، وسُمّي بالفيض الأوّل، فأوجب هذا الفيضُ الأوّل الفيضَ الثاني، ثمّ أوجب الفيضَ الثالث والرابع، وهكذا دواليك، حتّى أوجب وصولَ جميع الأشياء من ذلك الكنز المكنون والكنز المخفيّ إلى مرحلة الظهور والبروز؛ فتنزّلت جميعها ـ في مرحلة النزول ـ إلى آخر حدّ كماليّ لهذ النزول.

  • بناءً على هذا، عندما يقول [الشيخ الأكبر]: «أوّل التعيّنات المفاضة من العماء الربانيّ»، فهذا يعني أنّ وجود النبيّ الأكرم هو أوّل واسطة في تجلّي الحقّ في المظاهر المختلفة، حيث تُبرز هذه الواسطةُ جميعَ ما كان مخفيًّا ومنطويًا في حقيقة الأحديّة إلى منصّة الظهور. 

  • وحينئذ، هل تأخذ هذه الواسطة شيئًا من مقام الأحديّة، وتضعه هنا؟! هل تأخذ صورة من هناك، على سبيل المثال، وتُظهرها بعدما كانت مخفيّة؟! أي: هل الأمرُ أشبه بالتصوير الفوتوغرافيّ حيث يضعون الفيلم في سائلٍ لتظهر الصورة؟! فهذا هو عمل المصوّر؛ إذ يكون هناك سائل، فيأخذ الفيلم، ويضعه فيه لكي يظهر، ثمّ يضعه خلف الجهاز ليُظهر صورًا منه على الورق. فهذا يكون واسطة في الإثبات؛ أي إنّه يُخرج تلك الأشياء إلى ساحة الظهور، من دون أن يكون له هنا بنفسه أيّ دور، بل يكون عبارة عن موجود منفصل، ويكون هذا الفيلم وهذه الصورة منفصلين أيضًا؛ وهو يُظهرها واحدةً تلو الأخرى.

  • فهل هذه الواسطة كإنسان بيده كيسٌ لا نعلم ما فيه؛ فيفتح الكيس، ويُدخل يده، ويُخرج حفنة من الأرز، ويضعها هنا، ويُخرج حفنة أخرى، ويضعها هناك؟! هذه تكون واسطة في الإثبات؛ فهل النبيّ كذلك؟ لو كان كذلك، لمَا كان واسطة [في الثبوت]، ولمَا أُطلق عليه الفيض الأوّل، ولمَا سُمّي بالنقطة الربّانية! فكون النبيّ واسطة معناه أنّ الله تعالى عندما يُريد أن يُخرج ذاته من مرحلة الأحديّة إلى مرحلة الواحديّة، فإنّ أوّل حركة۱ يقوم بها، وأوّل فعل يصدر منه هو إيجاد مقام الربط بين الأحديّة والواحديّة؛ أي إنّه يُظهر ذلك الوجود النازل له بظهور الواسطة بين الأحديّة والواحديّة. ثمّ يقوم مرّة أخرى بإخراج بقيّة ما في "نيّته" إلى مرحلة البروز والظهور عن طريق هذه الواسطة. بالطبع، كلّ هذه التعبيرات التي نوردها هي من أجل أن تتّضح المسألة لنا، وإلاّ فإنّ تعبيرنا بـ: «ما في نيّته» وما شابه ذلك، ليس موجودًا هناك في الأساس؛ لأنّ ذلك المقام ليس مقام النيّة، بل هو مقام المشيئة المحضة، غير أنّنا نعبّر عنه الآن بهذا الشكل.

    1. للحركة معنى أعمّ من الحركة الجسمانيّة. المترجم

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

4
  • بيان كيفيّة ظهور الحقّ في المراتب المتكثّرة

  • إذا أردنا أن نأتي هنا بتعبيرٍ ليُقرّب المسألة، فسيكون على هذا النحو: يكون لديك عمل في نيّتك، وتريد إنجازه، وتريد لهذا العمل أن يبرز، ويظهر من مقام الذات ـ وهو مقام نفسك ـ في العالم الخارجيّ. فأوّل شيء يصدر منك هو الإرادة لتحقيق نفس ذلك العمل الخارجيّ، فتكون هذه الإرادة واسطة في الإثبات أو واسطة في الثبوت التفصيليّ، لا الثبوت الإجماليّ. فلولا إرادتك هذه، لمَا كان العمل موجودًا في الخارج. فهل كان سيوجد أم لا؟ قطعًا لم يكن ليوجد! إذًا، إرادتك تلك هي أوّل حركة للنفس نحو بروزها وظهورها، حينما تريد هذه النفس أن تُعمل أمرًا من نفسها.

  • قد يُريد الخطّاط أن ينقل ما في نفسه إلى الورق، ويُريد الرسّام أن يرسم تلك المناظر الطبيعيّة والطيور والوحوش والسماء والأرض والبحر والأنهار التي في نفسه على الورق. فكلّ تلك الصور تكون موجودةً في ذهنه؛ لكن، في مقام الإجمال، لا في مقام التفصيل. فكلّها موجودة في ذهنه، ويقول: «يجب أن أضع بحرًا هنا، ونهرًا بجانبه هنا، وجبلاً هنا، وبضعَ أشجارٍ هنا، وبضعةَ طيورٍ في السماء، وأرتّب السماء والأرض»؛ ولكنّ ذلك لم يخرج إلى مرحلة الظهور بعدُ. فأوّل شيء يصدر هو الإرادة؛ إذ يُريد، فتمتدّ يدُه نحو القلم، فيأخذه، ويختار اللون المناسب لذلك المشهد؛ وبعد أن يختاره، يبدأ بنقله على الورق شيئًا فشيئًا عن طريق الألوان المائيّة وتلك الألوان التي بجانبه. ومعنى ذلك أنّه: بواسطة تلك الإرادة، جاء ما في ذهنه إلى هذه الإرادة، ومنها إلى اليد، ومن اليد إلى الورق.

  • يجب أن نُدقّق كثيرًا؛ فهنا جوهر القضيّة! فإذا اتّضح هذا المعنى، سيتّضح كلام محيي الدين. عندما يرتسم في النفس معنىً ذهنيّ، فإنّ أوّل مرتبةٍ في سلسلة المراتب التي تنقل هذا المعنى إلى الخارج هي الإرادة، تليها اليد، ثمّ لِنفترض أنّ الإصبع مزوّدةٌ بريشةٍ ـ وهذه المقاربة أدقّ من التمثيل بالقلم ـ؛ فحينها، سيشرع [بالرسم] بواسطة إصبعه، ويُظهر [ذلك المعنى الذهنيّ] على الورق. وفجأة، يرى أنّه بدأ في الصباح، واستمرّ بالرسم حتّى العصر؛ وفي العصر، يرى منظرًا طبيعيًّا رائعًا جدًّا أمامه يحتوي على سماء وأنهار وبحار وجبال وأشجار. فمن أين وُجد هذا المنظر؟ لقد وُجد منه هو! أي إنّ هذا المنظر الذي في نفسه قد وُجد الآن في الخارج. فإذا كان ما في نفسه يختلف عمّا في الخارج، فسيكون هذا غير ذلك، ولا يُمكن أن يحكي عمّا في النفس. بناءً على ذلك، لا ينبغي أن يكون هناك تفاوت أو اختلاف بين ما في الخارج وما في النفس، بل يجب أن يكون هو عينه تمامًا دون أدنى اختلاف بمقدار رأس إبرة. وعليه، فإنّ جميع ما في هذه المناظر وجميع تلك الألوان والأشكال والصور التي وُجدت فيها، قد وُجدت كلّها من مقام إرادته، ثمّ يحصل انبعاث القوّة في العضلات، ثمّ يظهر ما في النفس على ذلك القرطاس والورق.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

5
  • أقول هذا لتتّضح المسألة، وإلاّ فبالنسبة إلينا، فإنّنا نتصوّر ذلك المنظر قبل الإرادة، حيث يحصل لدينا هذا التصوّر ـ مثلاً ـ بواسطة الرؤية؛ أي إنّنا نكون قد رأينا الجبال والبحار، ثمّ نقوم بتركيبها في ذهننا. ألم تروا أنّ مصنع السيّارات يأتي بالإطارات من مكان، والمصابيح من مكان، والعدّادات من مكان، والأسلاك من مكان، ثمّ يُركّبها جميعًا مع بعضها؛ فترون سيّارة جميلة تسير. ونحن كذلك، نُركّب تصوّرًا في ذهننا من المناظر المختلفة التي رأيناها، كالجبال والبحار والأشجار؛ وربّما لا يكون المنظر الذي نرسمه على الورق موجودًا في أيّ مكان في العالم بتاتًا. فلنفرض أنّ رسّامًا يضع ذئبًا بجوار خروف؛ فلا يوجد في أيّ مكان في العالم ذئب يمشي بجوار خروف! بل هو مَن قام بتركيب ذلك وتصويره. نعم، هذا التصوّر موجود قبل الإرادة، ولا ضير فيه؛ ولكن، لا علاقة لنا هنا بهذا التصوّر، لأنّ الله تعالى لا يتصوّر.

  • إذن، فالإرادة هي نقطة الوحدة الراسمة للتعيّن بين مقامي إجمال النفس والظهور الخارجيّ، وهي النقطة الراسمة للظهور والبروز الخارجيّ لما في نفس الإنسان، وهي التي تُمثّل ذلك الارتباط بين النفس والخارج، وتمثّل حلقة الوصل والواسطة بين النفس والخارج ـ سواء كانت واسطة في الثبوت أو الإثبات ـ، حيث إنّ مرجع كلّ ذلك إلى إرادة الإنسان.

  • كيفيّة اندماج جميع ظهورات الحقّ في وجود النبيّ الأكرم

  • ففيما يتعلّق بحقيقة النبيّ الأكرم، يقول محيي الدين [ابن عربي]: إنّ الحقيقة النورانيّة للنبيّ هي الفيض الأوّل؛ وكلّ ما سواه موجود داخل هذا الفيض الأوّل، لا أنّه منفصل عنه؛ إذ لو كان منفصلاً عنه، لما كان هو الفيض الأوّل، ولكانت لله تعالى فيوضات أخرى بجانبه.

  • إذا ما تَناوَلَ إنسانٌ كِيسًا فَمَلأَهُ بالأَرُزَّ، فَهاهُنا يَتجلّى لَنا وُجودُ أَمرَين، حيث يكون هذا الإنسان مجرّد واسطة في الإثبات، لا واسطة في الثبوت، فيأخذ هذا، ويضعه هنا فقط. بَيدَ أنّ هذا الأرُزَّ وذلك الرجلَ حقيقتانِ مُختلفتان؛ فهذا ـ لا قدَّرَ الله ـ حيوانٌ ناطقٌ، والأرُزُّ من مَقولةِ النبات. وإنّما أقولُ «لا قدَّرَ الله» لِانتفاءِ وجودِ النطقِ في هذا الزمان! نعم، الحيوانُ باقٍ، غير أنّ فَصلَهُ قد تغيّر، فَأَطلِق عليهِ الآنَ ما شئتَ من أسماء. حتّى إنّهُ لو ظَهَرَ ناطقٌ الآنَ، لَأَخَذَكَ العَجَبُ: من أينَ جاء؟! ولَهرَعنا نلتفُّ حولَهُ، لِنَستكشفَ من أين جاء؟! وكيف حصل هذا الأمر؟! أقولُها حقًّا ومُجِدًّا!

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

6
  • كانَ لي أستاذٌ دَرَست على يديهِ (الجوهرَ النضيد) ورسالةَ (التصوّر والتصديق) لصدر المتألهين وغيرها. فكانَ يقول:

  • لَمّا قَدِمتُ من تبريز، اصطحبتُ ديكًا كانَ يصيحُ لي في مواقيتِه؛ فيصيحُ في جوفِ الليلِ وقبلَ الأذانِ بساعةٍ إيذانًا بصلاةِ الليل، ويصيحُ عندَ أذانِ الفجر، وعندَ الظهر و… ومُجملُ القولِ أنّهُ كانَ يُوقظُني لِصلاةِ الليل، ويُؤذّنُ للظهر و… فجئتُ بهِ إلى قُمّ. وبعدَ مُضيِّ شَطرٍ من الزمن، وإطعامِي إيّاهُ من طعامِ طَلَبةِ الحوزةِ وخُبزِ المشايخ، واقتياتِهِ من حِنطةِ الخُمسِ وسَهمِ الإمام ـ ولا يَخفى من أينَ وكيفَ تُجمَعُ هذهِ الأموال! ـ إذا بي أراهُ يَصيحُ في الرابعةِ عَصرًا! ويصيحُ في العاشرةِ ضُحىً! وفي يومٍ رأيتُهُ يصيحُ فيه، خاطبتُهُ قائلاً: لا تَثريبَ عليك! فأنا مَن سَيُحاسَبُ أمامَ اللهِ يومَ القيامة! إذ لو احتجَّ هذا الديكُ قائلاً: «لقد كنتُ مؤمنًا وَرِعًا، ومُتديِّنًا خبيرًا بمواقيتِ الصلاةِ والمناجاة! فأطعموني من خُبزِ المشايخِ هذا حتّى آلَ بيَ المآلُ إلى هذا الأمر!»، فحينها، يجبُ عليَّ أنا أن أُقدِّمَ للهِ تعالى الجواب!

  • فنفس النبيّ الأكرم هنا هي الواسطة الأولى لتجلّي الله تعالى، بحيث إنّ سائر التجلّيات تكمن داخل هذا التجلّي؛ وهو الواسطة لإخراج ما في ذلك الكنز المخفيّ والغيب المكنون والمستور إلى مرحلة التعيّن والظهور. ولولا هذه الواسطة، لمَا كان هناك خبرٌ عن الجبال والأرض والسماء، ولا عن الشجر والمدر، ولا عن الحيوان والإنسان والملائكة والمجرّدات والعقول! لم يكن ليكون هناك أيّ شيء! فتلك الواسطة هي التي جعلت تلك الحقائق تخرج من العالم المكنون إلى ساحة الظهور.

  • بناءً على ذلك، فإنّ جميع ما وُجد في هذه الدنيا في سلسلة مراتب العقول، والملائكة، وملائكة المراتب الدنيا، وعالم الملكوت، والملكوت السفليّ، والبرزخ والمثال، ثمّ عالم المادّة الذي هو أظلم العوالم وأدنى العوالم، هو بروزات وظهورات لتلك الواسطة؛ أي إنّ تلك الواسطة تأتي، وتُخرج من نفسها ما هو بروز وظهور لذلك الغيب المكنون، على حسب مراتبه وعلى حسب مراتب الاستعداد ومراتب الشدّة والضعف في النورانيّة. فتأتي بذلك جميعًا من ذلك العلوّ الذي هو مرتبة العقول والملائكة، نزولاً إلى الأسفل، وحتّى الوصول إلى النهاية ـ حيث تكون آخر مرحلة هي مرتبة المادّة ـ، وتتوقّف هناك.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

7
  • وبالتالي، يُمكننا القول إنّ النبيّ الأكرم ـ من جهةٍ ـ هو أوّل تعيّن من التعيّنات الإلهيّة التي تجلّت، وأوجدت حقيقة الولاية المحمّدية، والتي هي عين الارتباط بين الله وسائر الظهورات؛ أي إنّ تلك الواسطة تأتي، وتُخرج كلّ ما كان الله تعالى قد حفظه داخل ذاته بصفته يُمثّل مقام الإجمال ـ مع أنّنا نستخدم هذا التعبير موافقةً للاصطلاح العامّي ـ، فتُخرجه، وتُبرزه معها. فالنبيّ الأكرم هو أوّل تعيّن من جهة الوجه الربّي ومن حيث انتسابه لله تعالى وارتباطه به؛ أي: أوّل مخلوق وأوّل معلول.

  • آخر تنزّل لذات الحقّ تعالى

  • ومن جهة أخرى، وبسبب ارتباط النبيّ الأكرم بتلك الصور التي وُجدت في هذا العالم، فهو آخر التنزّلات؛ أي إنّه تنزّل من أوّل التعيّنات إلى آخر تنزّلات النوع الإنسانيّ، واشتمل عليها جميعًا؛ أجل، يبقى أنّ هذا الأمر مرتبط بحقيقته النورانيّة، لا حقيقته الجسمانيّة التي وُجدت قبل ۱٤۰۰ عام. فتلك الحقيقة النورانيّة عبارة عن الارتباط بين المبدأ والمعاد، والارتباط بين المبدأ وآخر نقطة لنزول فيض الله تعالى. ومن هنا، فإنّ وجود النبيّ الأكرم هو الذي تتعيّن وتظهر فيه جميع الموجودات. فموجوداتٌ كالملائكة المقرّبين والروح الأمين وجبرائيل تتّعين من وجود النبيّ؛ كما أنّ موجودات أظلم العوالم۱ ـ كالإنسان الذي تعلّقت نفسه بهذه النشأة المادّية ـ تتّعين أيضًا من وجوده صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وبالتالي، فإنّ عالم الممكنات يقع بأجمعه تحت ظلّ الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم، بحيث تكون هذه الممكنات عبارة عن تفصيلٍ لوجوده صلّى الله عليه وآله على حسب مراتبهم.

  • تلك الحقيقة النورانيّة للنبيّ الأكرم لها مراتب؛ أي: عندما تريد تلك الولاية وذلك الوجود النورانيّ للنبيّ أن يتحوّل ليُصبح وجودًا ماديًّا، يجب أن تكون هناك سنخيّة ومماثلة؛ ولهذا، يوجِد النبيُّ واسطةً، وهذه الواسطة توجد واسطة، وهكذا دواليك.

  • الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم هو التعيّن الوحيد لذات الحقّ

  • التلميذ: إذا كان حذف الوسائط جائزًا هنا، ونسبنا جميع الوسائط للنبيّ، فلماذا لا نحذف النبيّ نفسه، وننسب الأمر لله تعالى؟

  • الأستاذ: لا فرق في البين، ولا إشكال في ذلك؛ غاية الأمر أنّ الحديث هو عن التعيّن؛ أي أنّه لا يوجد تعيّن سوى النبيّ الأكرم؛ وإلاّ، فهناك مقام الذات، ولا معنى للواسطة فيه بتاتًا.

    1. يُطلَق مصطلح «أظلم العوالم» في عبارات الفلاسفة والعرفاء على عالم المادّة، والذي يقع من حيث السعة الوجوديّة في مرتبةٍ دنيا قياسًا بالعوالم الربوبيّة. ولَمّا كانت الحيثيّة الإمكانيّة والماهويّة تطغى أكثر على عالم المادّة بالمقارنة مع سائر العوالم المجرّدة، وكانت الماهيّة مثارًا للكثرة والظلمة ـ في مقابل الوجود الذي توجد فيه فعليّة جهة الوحدة والنور ـ فإنّه كلّما ابتعدت قوالب الموجودات العينيّة في العوالم المترتّبة عن مبدأ الوجود، اشتدّت جهتُها الإمكانيّة والماهويّة، وتقوّت فيها الظلمة الإمكانيّة؛ ولهذا السبب، يُطلَق على عالم المادة «أظلم العوالم».
      ولكن، بالنظر إلى المسائل المذكورة في النصّ، ورغم أنّ عالم المادّة يخضع في جوهره إلى محدوديّة وجوديّة أكبر قياسًا بالعوالم العُلويّة، إلّا أنّه ـ على أيّ حالٍ ـ يحظى بنور الوجود؛ مع أنّ تقابل النور والظلمة هو تقابل تضادّ، بل أشبه بالتناقض؛ وبالتالي، فإنّ إطلاق هذا الاصطلاح لا يبدو موجّهًا من الناحية العلميّة. نعم، لَمّا كان ارتباط عالم المادّة بالملأ الأعلى ومبدأ الوجود ـ من جهة الحيثيّة الماديّة ـ يكتنفه إبهامٌ أكبر قياسًا بسائر العوالم، أمكن توجيه هذا الإطلاق إلى حدّ ما؛ مثلما يُطلِق العرب على الأمر المشتبه وغير الواضح مصطلح «مُظلَم».
      لمزيدٍ من الاطّلاع، راجع: الدرس ۱٥.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

8
  • التلميذ: أي أنّك تقول: إنّ تعيّن النبيّ له إطلاق أكبر، وهذه التعيّنات ـ التي لها حكم الواسطة ـ يقلّ إطلاقُها تدريجيًّا، حتّى تصل إلى تعيّنٍ محدود جدًّا؟

  • الأستاذ: هذا صحيح؛ ولكنّ حديثنا هو في أنّه: لا معنى بتاتًا ـ في مقام الذات ـ للخلق والربّ وما شابه ذلك. فذلك المقام هو مقام الهوهويّة، وبحثنا هو في عالم الكثرة؛ أي: حينما تُريد الكثرةُ أن تُوجد، وتتبلور معاني العليّة والمعلوليّة والخالقيّة والمخلوقيّة، فإنّ جميع هذه الكثرات تندرج تحت لواء النبيّ الأكرم؛ أي إنّ أوّل تعيّن وأوّل معلول وأوّل مخلوق وأوّل علّة لبقيّة الموجودات، هو ولاية النبيّ الأكرم ووجوده النورانيّ الذي يُعدّ واسطةً؛ وهو يوجد واسطة، ويتنزّل للمرحلة الدنيا؛ وهذه الواسطة توجد واسطة أخرى؛ [وهكذا] حتّى يصل إلى هنا. وبالتالي، فإنّ الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم موجود في جميع سلسلة المراتب هذه، لا أنّه منفصل عنها. وقد بيّنا سابقًا أنّ مرتبة العلّة موجودة في المعلول نفسه، غاية الأمر بنحو أضعف؛ أي إنّ العلّة تكون ـ في مقام ذاتها ـ أقوى من تجلّيها الذي يقع في مرتبة دونها؛ كما بيّنا هذا الأمر في نفس الإنسان. فالمسألة هي بهذا النحو، لا أنّ العلّة تنفصل ثمّ تقول: «لقد قُمت بعمليّة الخلق؛ ففي أمان الله تعالى! دبّروا شؤونكم بأنفسكم!»؛ كلاّ! فالنبيّ عندما يخلق،۱ يكون مع ما خلقه.

  • لهذا، فإنّ وجود النبيّ الأكرم هو عين وجود جميع الخلائق في المرحلة الأدنى. وبناءً على ذلك، فإنّ أصل الوجود هو وجود ولاية النبيّ. وعوارض الوجود، وجماله، وعلمه، وقدرته، وحياته، وما يرتبط به من عوارض ذاتيّة وماديّة ومجرّدة، وجميع ما تُدركونه من لحاظ الذات أو عوارضها؛ ما هي إلاّ آثار وجوديّة للنبيّ الأكرم في هذا الكون؛ سواء في ذلك عالم المادّة أو المجرّدات. وهذا هو معنى كلام محيي الدين حيث يقول: «وآخر التنزّلات».

  • تعيّن جميع أسماء الله وصفاته من وجود النبيّ الأكرم

  • فالنبيّ الأكرم يمتلك من السعة الوجوديّة ما يجعله يكون هو الرابط بين الأحديّة والواحديّة. فهو الذي يُمثّل مقام ظهور الأحديّة في الواحديّة، بحيث يتحقّق الربط بين هذين المقامين بواسطة وجوده؛ مع أنّ الواحديّة عبارة عن أسماء الله تعالى وصفاته. فالنبيّ الأكرم هو الواسطة التي توجب تعيّن أسماء الله وصفاته، وتُخرجها إلى مرحلة التعيّن؛ أي: توجب الخلق والأثر.

    1. يقول الله تعالى في حقّ نبيّه عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (سورة المائدة، الآية ۱۱۰). المترجم

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

9
  • مقام الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم

  • التلميذ: حينئذ؛ كيف تُفسَّر ـ في مقام الخلق ـ هذه الإفاضات التي تبدو بحسب الظاهر أنّها للرسول الأكرم نفسه؟ فمثلاً، جبرائيل ـ مِن جهةٍ ـ هو نفسُه مخلوقٌ يُمثّل تفصيلاً للوجود النبوِيّ، كما هو الشأن بالنسبة الجنّة والفردوس وكلّ هذه العوالم؛ ومِن جهةٍ أُخرى، كان يأتِي بالوحي إلى النبِيّ، ويغدو واسطةً بينه وبين الله تعالى.

  • الأستاذ: لقد مرّت معنا هذه المسائل إجمالاً، وبيّنا سابقًا أنّ وجود النبيّ الأكرم نفسه له مراتب ومراحل، مثل وجودنا الذي له مراتب ومراحل؛ أي: قد تكون مسألةٌ ما في زمان معيّن بنحوٍ لا يحتاج فيه الإنسانُ بتاتًا إلى وسائطَ لكي يحصل له الارتباطُ والاتّصالُ بحقائق الأشياء؛ بمعنى: قد يصل الإنسان في زمان ما بسبب ارتباطه وتوجّهه ـ وبالطبع نتحدّث عن الذين عبروا ـ إلى حقيقة الأشياء وحاقّها دون الحاجة إلى شيء آخر؛ ولكن، قد يحتاج هذا الإنسانُ نفسُه في زمان آخر لتلك الوسائط ولمرور الزمان وللانتقال المكانيّ؛ لأنّ هذه الأمور وسائط للعلم الحصوليّ بحقائق الأشياء التي [يُريد أن ] يعلم بها. فترون هنا أنّ الحالات التي تطرأ على الإنسان تختلف؛ فتارة، يكون في مقام الإجمال، وتارة، في مقام التفصيل.

  • بشكل عامّ، إذا اعتبرنا أنّ هذا النحو من التغيّر والتبدّل في نفس الإنسان هو بإرادة الله تعالى، فيُمكننا القول في حقّ النبيّ الأكرم ما يلي:

  • في الزمان الذي كان فيه جبرائيل يأتي، ويُنزل القرآنَ على النبيّ أو يوحي إليه غير القرآن، كالمسائل والأحداث التي كان ستقع ـ مثل الرواية التي جاء فيها أنّ النبيّ الأكرم كان جالسًا، فجاء جبرائيل، وأراه حادثة كربلاء۱ ـ كان النبيّ في مقام يتلقّى فيه هذه الأمور بواسطة. وبالطبع، تحديد نوع هذه الواسطة خاضعٌ لإرادة الله؛ فهو تعالى يعلم أيّة أرضيّة يُوجدها الآن لهذا التعيّن والحقيقة، بحيث يختلف نحو الإدراك بسبب تلك الأرضيّة.

  • وتوجد موارد أخرى لا يستطيع فيها جبرائيل نفسه أن يفعل شيئًا هناك! وذلك حينما يتلقّى النبيُّ من الذات بلا واسطة؛ وهو مقام الاتّصال الذي يقول فيه جبرائيل: «لو دَنَوتُ أنمُلةً لاحترَقتُ!».٢ فتلك عوالم تتلقّى وتستفيد وتنتفع فيها هذه الذات من تلك الذات، ولا يستطيع جبرائيل نفسه أن يجد طريقًا إلى هناك! و«يجد طريقًا» تعني أنّه لا يُمكن لأيّ تعيّنٍ أن يكون واسطة هناك، لا أنّ جبرائيل منفصل عن وجود النبيّ ولا يستطيع إقحام نفسه؛ فالمراد أنّ النبيّ لا يُمكنه أن يضع تعيّنًا أدنى منه في مقام ذاته تلك.

    1. راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ۱٣۰.
    2. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱۷٩. ولمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ٩٢.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

10
  • على سبيل المثال، فإنّ العمل الذي تُنجزونه في الخارج هو عبارة عن وجودٍ متنزّلٍ لكم؛ ومع ذلك، فإنّه لا يُمكنكم استيعاب هذا العمل في داخلكم! هل تستطيعون فعل ذلك؟! كأن تأخذوا الآن هذا الكتاب، فتتعلّق إرادتكم بأخذه من هنا. فرفع الكتاب هو عمل خارجيّ، وإرادتكم لذلك هي عمل نفسانيّ؛ ولكن، هل يُمكن لهذا العمل الخارجيّ أن يدخل في نفسكم؟! لا يُمكنه ذلك! لأنّه مادّة. ولذلك؛ تقتضي رعايةُ مراتب التعيّن الحفاظَ على هذه المرتبة. أمّا إذا تمكّنتم من السيطرة والإحاطة بالمادّة نفسها، ووصلتم لمرحلة من القدرة تستطيعون فيها تبديل المادّة إلى مجرّد، فيُمكنكم حينئذ إدخالُ هذه المادّة عينها في نفسكم؛ ولكنّكم الآن لا تستطيعون ذلك لعدم امتلاككم السيطرة على المادّة.

  • العلاقة بين المجرّد والمادّي

  • التلميذ: يجب أن تتبدّل المادّة إلى مجرّد؛ ولكن، ليس من شأنها أن تتبدّل مع الحفاظ على الوجود الماديّ.

  • الأستاذ: كلاّ، فمحورُ البحثِ يدور حول ما نعنيه بالمادّة. هل تظنّون أنّ المادّة شيء منفصل عن المجرّد؟! أي إنّ المادّة شيء، وفي قلبها وطيّاتها، توجد أشياء مجرّدة؟! لا، ليس الأمر كذلك. وبالمناسبة، لقد تحدّثتُ قبل فترة بخصوص نحوِ تعيّنِ المادّة وتعيّنِ المجرّد، وكيف أنّ المادّة لا يُمكنها في الأساس أن تكون حقيقة منفصلة عن المجرّد، ولا يُمكن أن يكون المجرّد حقيقة منفصلة؛ بل الاختلاف بينهما هو اختلاف في الشدّة والضعف فقط؛ وهو ما يُسمّى بالظهورات المتعدّدة. فالاختلاف الماهويّ بين المادّي والمجرّد لا معنى له بتاتًا؛ وإلاّ، لانعدمت السنخيّة بين العلّة والمعلول.

  • هل تذكرون أنّني كنت أتحدّث في مكان ما، وذكرت مسألة أنّني كنت أفكّر كثيرًا في مسألة الحادث والقديم، وحقيقة الحادث والقديم، ونوع الارتباط بينهما، وكيف يتحوّل أمر مجرّد إلى أمر ماديّ؛ والحال أنّ الأمر الماديّ يحتاج لزمان ومكان. وقبل فترة طويلة، ربّما اثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، كنت أفكّر في هذا الأمر، ثمّ قال لي أحدهم: 

  • كنا ندرس مسألة ربط الحادث بالقديم في كتاب الأسفار عند مدرّس معروف توفّي رحمه الله؛ ومهما جادلناه لنفهم هذه المسألة، لم نفلح! حتّى توفّي، وبقيت المسألة غير ناضجة بالنسبة لنا، ولم نفهمها في الأخير!

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

11
  • فذكرت هذه القضيّة مرّة للمرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، وأنّ فلانًا قال: «مهما فعلنا لم نفهم!»، فقال: «وأستاذه لم يفهمها أيضًا!».

  • وبقيت هذه المسألة في ذهني هكذا. وقبل حوالي عشرة إلى اثني عشر عامًا، كنت في القطار ليلاً أُفكّر فيها. كنت قادمًا من مشهد إلى طهران. كان الوقت منتصف الليل والجميع نيام. وكنت مستيقظًا أمشي في العربة وأتأمّل في الخارج؛ ثمّ وقفت في زاوية، وبدأت أفكّر مرّة أخرى في مسألة ربط الحادث بالقديم. وفجأةً، أدركت أنّ هذه القضيّة سهلة ويسيرة جدًّا! تخيّلوا سحابة. ترون أنّ السحب متناثرة في السماء، ولا ترون لها تشكّلاً. وفجأة، ترون أنّ سحابة قد تشكّلت في مكان ما؛ خاصّة في الصيف عندما يكون الجوّ حارًّا، وتنظرون للسماء، فترون سحابة قد تشكّلت، مع أنّه لم يكن هناك شيء في الأساس! ولكن، لأنّها كانت متناثرة، لم تكن واضحة. ثمّ تنظرون فجأة، فماذا حدث للسحابة؟! لقد اختفى أثرُها! تشتّتت، ولم يعُد لها أثر. في حين أنّ هذه السحابة المتشكّلة هي عين تلك السحابة المتناثرة والمنتشرة، وتلك السحابة المنتشرة هي عينها التي تجمّعت وتراكمت؛ ولا فرق بينهما إلاّ في الانتشار والتراكم، حيث حصلتا هنا على ظهورات مختلفة.

  • ومسألة المادّة والمجرّد هي كذلك أيضًا؛ فالمادّة ليست سوى المجرّد، والمجرّد ليس سوى المادّة. أي إنّ المجرّد يتحوّل إلى مادّة، وإن اختلفت هويّته، ولكن، لا يعني ذلك أنّه يمتلك ماهيّة منفصلة تمامًا عن المجرّد، وأنّهما منفصلان؛ بل هذا المجرّد نفسه يُحوّل نفسه إلى مادّة، ويتصلّب؛ أي: يُوجِد في نفسه تغيّرًا، ويُصبح مادّةً. وعندما يُصبح مادّة، تُحمل عليه عوارض المادّة: فيحتاج إلى زمان، ومكان، ولون، ورائحة، وشكل.۱

  • التلميذ: فكيف يكونان إذن في وجود واحد؟ مع أنّ اللازم هو ألاّ يكونا في وجود واحد.

  • الأستاذ: ذُكرت تلك المسألة كتشبيه. وكونهما في وجود واحد هو بسبب أصل الوجود، أي إنّه لازم الوجود نفسه؛ لأنّ حقيقة الوجود مجرّدة وخالية عن الزمان والمكان. وحقيقة الوجود هذه من شأنها أن تتعيّن ـ بمرتبتها المجرّدة ـ على هيئةِ مادّةٍ، وتكون في الوقت نفسه حاضرةً في صميم تلك المادّة. أي إنّ المجرّد نفسه هو الذي أظهر نفسه بهذا الشكل الآن؛ وبمجرّد أن يُظهر نفسه بهذا الشكل، ينفتح، ويُصبح مجرّدًا؛ لا أنّه يصير منفصلاً عنه، ويفقد وجوده البدويّ ليُصبح مجرّدًا، بل المجرّد يكمن في باطن هذه المادّة. وهذه المسألة ليست تبديلاً؛ لأنّ التبديل شيء مختلف، ويكون في موردٍ يحصل فيه تمايزٌ.

    1. لمزيد من الاطّلاع على بحث ربط الحادث بالقديم، راجع: أفق وحي (فارسيّ)، ص ۷٣ ـ ۷٦.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

12
  • وأحد أدلّة تجرّد الوجود الذهنيّ هي هذه المسألة في الأساس، حيث سندرسها لاحقًا. حتّى الدليل على المجرّد نفسه هو هذه المسألة؛ لأنّ المجرّد لا يحتاج إلى ظرف أساسًا، والظرف مرتبط بالمادّة، فكيف يكون المجرّد في هذا الظرف إذن؟ وحينئذ، كيف يكون تعلّق النفس والروح بالبدن؟ كلّ هذه المسائل تندرج في هذا الإطار. وهذا إجمال لما ذُكر سابقًا.

  • لم نتمكّن من التطرّق إلى الأسفار الأربعة مرّة أخرى؛ أجل، يبقى أنّ هذه المسألة هي مقدّمة لتلك القضيّة.

  • التلميذ: في إحدى المرّات، ضربتم مثالاً بأنّ الوجود كالبخار الذي يتحوّل في ظرف ما إلى بَرَد، وفي ظرف إلى مطر، وفي ظرف إلى ثلج؛ ولكنّه شيء واحد. وحينئذ، نُلاحظ أنّ هذه الظروف متعدّدة؛ أي: حينما يكون الشيء بَرَدًا، لا يُمكنه أن يكون مطرًا؛ وحينما يكون مطرًا، لا يُمكن أن يكون بَرَدًا. ما أودّ قوله هو أنّ المادّة في ظرف مادّيتها ـ الذي هو ظرف للحدود ـ لا يجتمع التجرّد معها.

  • الأستاذ: كلاّ، يجتمع التجرّد معها هناك أيضًا. انظروا، نحن نُمثّل للمجرّد بمادّةِ جميعِ الأشكالِ المختلفة: البخار، البَرَد، الثلج، المطر، والضباب. نحن نُطلق على هذه كلّها صورًا مختلفة لمادّة واحدة. فتلك المادّة موجودة فيها جميعًا: في البَرَد، والبخار، والثلج، والمطر، وغيرها. ونُسمّي تلك المادّة بالمجرّد، والذي هو الوجود بعينه.

  • فقضيّة ربط الحادث بالقديم من أدقّ مسائل الفلسفة وأصعبها.۱ وإذا أدرك الإنسان هذه القضيّة، ستزول جميع الخلافات التي كانت بين المرحوم الكمباني والسيّد أحمد الكربلائيّ، وستتّضح له قاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء»، وتتبيّن مسألة وحدة الوجود، وأصالة الوجود، وستبدو أصالة الماهيّة ـ في الأساس ـ كأسخف مسألة في نظر الإنسان.

  • التلميذ: إذن، بمقتضى كلامكم بخصوص الوحي، يكون توجّه النبيّ ـ في الواقع ـ إلى باطنه هو، وليس هناك شيء خارجيّ منفصل بوصفه موردًا للوحي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾.٢

  • الأستاذ: نعم، هو كذلك.

  • التلميذ: وحينئذ، هل وجه تسمية كتاب العلاّمة الطباطبائي بـ«الوحي أو الشعور الخفيّ»، هو هذا؟

  • الأستاذ: كلاّ، لم يُلتفت في كتاب «الوحي أو الشعور الخفيّ» إلى هذا المفهوم بهذه الدقّة. فالوحي عبارة عن حالة تُحدِث تغييرًا في الإنسان، وربّما لا يلتفت إلى هذا التغيّر، ويُصبح خفيًّا بالنسبة له. فقد تميل نفسكم نحو شيء ما، ولكنّكم لا تعلمون أنّ شخصًا آخر قد ألقى هذا الميل فيكم؛ بل تعلمون فقط أنّكم تميلون اليوم مثلاً لأكل كذا، أو تميلون اليوم لفعل كذا. وحقيقةُ هذا كلِّه يكمنُ في كيفيّةِ توجُّهِ الذهنِ والنفسِ صَوبَ الوجهةِ التي يبتغيها المُوحِي (أي الذي يُرسل الوحي).

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: شرح دعاء الصباح، الملاّ هادي السبزواريّ، ص ٦٢.
    2. سورة النساء، الآية ۱٦٣.

الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ - السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد

13
  • فتارة، يرى الإنسان فجأة في باطنه مسألةً قد طرأت، ويُدرك هو نفسه أنّها كانت قضيّة دفعيّة. ولكن، تارة أخرى، لا يُدرك حتّى هذا الأمر؛ أي أنّه يكون أكثر غموضًا من ذلك، وغموضه يكون من ناحية أنّه لا يكون لديه علم بالعلم؛ أي: لا يعلم من أين نشأ هذا الميل الذي ظهر فيه الآن؛ ومن ثمّ، ترد هنا أيضًا جُملةٌ من المسائل التربويّة.۱

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: أفق وحي (فارسيّ)، ص ٢۰۷ ـ ٢۸٤.