/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

  •  

  • طرح مباني الإسلام – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة السابعة

  •  

  • (ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجم هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)

  •  

  • إلقاء:

  • آية الله الحاج السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

  • قدس الله سرّه

  •  

  •  

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • ثمّ الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا

  • المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين 

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • هجمة التهم والافتراءات على رسول الله صلّى الله عليه وآله من جانب الوليد بن المغيرة وسائر المعاندين

  • قال الله تعالى في محكم كتابه:

  • ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾۱ 

  • هذه الآيات هي في شأن الوليد بن المغيرة المخزوميّ الذي كان من المعاندين، وأطلق على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله لقب الساحر. وقد ذمّه الله المتعال في هذه الآيات الشريفة وقدح فيه.

  • تأثير القرآن وقراءته من قِبل النفس المباركة لرسول الله صلّى الله عليه وآله على قلوب الكفّار

  • عندما أعلن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله رسالته إعلانًا عامًّا، كان القرآن الكريم ينزل على قلبه شيئًا فشيئًا وبالتدريج في تلك المدّة، وكان يقرأ هذه الأفكار والآيات على الناس بأمرٍ من الربّ. إنّ التأثير العجيب لآيات القرآن المجيد من جهة، وتلاوتها وقراءتها من النفس المباركة ولسان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من جهة أخرى، كان يؤدّي إلى أن تترك هذه الآيات تأثيرًا عجيبًا في قلوب المستمعين، بحيث إنّ هؤلاء الكفّار أنفسهم كانوا يقعون تحت تأثير هذه الآيات في كثيرٍ من الأحيان! لأنّ للمتكلّم نفسه تأثيرًا مهمًّا في إلقاء الموضوعات، فقد يُلقى الكلام الواحد بطريقين وبلسانين ومن متكلّمين اثنين، ولكنّ تأثير هذا الكلام من متكلم ما يكون أقوى بمراتب لو كان من متكلم آخر. أي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما كان يتلو آيات القرآن المجيد، كان نفوذ كلامه والقرآن الكريم شديدًا جدًّا إلى درجة أنّه كان يزيح شبهات وحُجُب الجهل عن هؤلاء المعاندين الذين قضوا سنين في العناد والكفر والشرك، وطُبعت قلوبهم على الكدورة والشرك والعناد، فيعودون إلى أصلهم وحقيقتهم إلى حدٍّ ما.

    1. سورة المدثر، الآيات ١١-٢٦.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

3
  • اتهام النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بكونه شاعرًا ومؤامرة دار الندوة ضده

  • أحد الأشخاص الذين أصروا على إنكار النبيّ وكان رئيسًا لقومه هو الوليد بن المغيرة المخزوميّ. يُنقل أنّه: عندما أعلن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله رسالته، توافد الناس من كلّ حدبٍ وصوبٍ إلى مكّة، وأسلموا تحت تأثير كلام النبي، ثمّ عادوا إلى أوطانهم. وكثيرٌ من الشباب والصالحين الذين لم يكونوا محيطين بكبار مكّة وصناديدها، وكانت أذهانهم صافيةً إلى حدٍّ ما في تلقّي الأفكار، مالوا تدريجيًّا إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله. وهذا ما جعل كبار قريش يشعرون بالتشويش والاضطراب، ولذا عقدوا اجتماعًا في دار الندوة.

  • جاء الوليد بن المغيرة إلى ذلك الاجتماع وقال: «نحن كبار قريش أصحاب أصلٍ ونسبٍ وحسب، والناس يرجعون إلينا من كلّ الأطراف، ويستمدّون منّا في تلقّي الأمور، ويجعلوننا مرجعًا وحاكمًا في حلّ خلافاتهم. فإذا كان هناك خلافٌ بيننا حول محمّد، فلن نستطيع إقناعهم، وسيرون فينا التشتّت والاضطراب والتلوّن؛ ولذا ستزول تلك المكانة والمحبوبيّة التي كنّا نحظى بها بين القبائل، وذلك الشرف الذي كان لنا بين الناس تدريجيًّا! يجب أن نجد حلًّا!».

  • فقالوا: «نحن نعلن لدفع هذا المحذور قائلين: إنّ هذا الشخص شاعرٌ، وقد ركّب كلماتٍ متتالية ذات سجع صاغها على هيئة شعر، وكلّ هذه الأفكار مجرّد شعرٍ وخيالات!»۱.

  • الفرق بين القالب الشعريّ والمضمون الشعريّ

  • إنّ الشعر في اللغة والاصطلاح يعني نسج الخيالات؛ فيُطلق الشعر على الأمور التي تحكي عن أمرٍ خياليٍّ ووهميّ؛ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾٢.

  • وكما كان متعارفًا في ذلك الزمان بين الأعراب، فإنّ نطاق تفكيرهم ـ وليس هم فقط، بل جميع العوام والأشخاص الذين لم يشمّوا رائحة المعنويّة والحقيقة والواقعيّة ـ كان محصورًا في الأهواء النفسانيّة والخيالات والأوهام، ولا يتجاوزون هذه المرحلة. إنّ المقتطفات التي يختارها الشخص لنفسه تعبّر عن سعة فكره؛ ويمكننا أن ندرك سعة التفكير والأفق الروحيّ لأيّ شخصٍ من خلال محفوظاته، وما يستحسنه ذهنه ويستطيبه، وما يدوّنه ويحفظه في قواه الذهنيّة. واليوم، انظروا إلى الناس وإلى هؤلاء الشباب، لتروا ما هي الموضوعات التي يتبادلونها ويتحدّثون فيها؟ ما هي الأشعار التي يحفظونها؟ ما هي الأفكار التي تعجبهم؟ ما هي الأمور التي ينمّونها في أذهانهم، وفي أيّ نطاقٍ يسيرون، وما هي الكلمات التي يختارونها لأنفسهم؟ هذا كلّه يعكس أفقهم الفكريّ!

    1. بحار الأنوار، ج ۱۸، ص ۱٦۷.
    2. سورة الشعراء، الآية ٢٢٤.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

4
  • لقد كان كلّ همّ وغمّ الناس في ذلك الزمان، وعرب الجاهليّة، هو السير والسياحة في هذه المواضيع المنحطّة والقضايا الدونيّة التي يخوض فيها من لا يمتلكون وصولًا إلى الواقعيّة؛ مثل: التباهي بشجاعتهم في ساحات القتال، واستعراض قوّتهم، وذكر المفاخر الجاهليّة ـ وهي ذات الأمور الموجودة بيننا الآن أيضًا ـ، وسرد الحكايات والخيالات التي يقضون بها حياتهم وأيّامهم، ووصف ملذّاتهم ولهوهم في قصائد طوال!

  • وبشكلٍ عام، كان جلّ اهتمام الجميع في ذلك الوقت مقتصرًا على شرح وتفصيل الأمور الفكاهيّة، واللذائذ الدنيويّة، والمفاخر الجاهليّة، وذكر الأصل والنسب الجاهليّ لا غير! بحيث إنّنا قلّما نجد في أشعار العرب الجاهليّين شعرًا يحكي عن فكرةٍ دقيقة، في أفقٍ عالٍ، وذات معنى وواقعيّة، أو فكرةٍ في التوحيد والعقائد الأصيلة؛ فهذا نادرٌ جدًّا.

  • كانت الأشعار التي ينظمونها وتحظى باهتمام القبائل، غالبًا من هذا القبيل؛ ولذا كانوا يسمّونها شعرًا. فمثلًا، القصائد الطوال لامرئ القيس أو لبيد وأمثالهما، كانت تتناقلها الألسن والصدور بين الأقوام والقبائل. فكان أحدهم ينظم قصيدةً فقط لوصف أسنان محبوبته، وقصيدةً أخرى لشرح مفاخره الجاهليّة؛ قصائد طويلة وفيها شرحٌ وبسطٌ ونكاتٌ دقيقةٌ وظريفة، بحيث يمكن القول حقًّا إنّ مثل هذا الذهن بهذه السلاسة، وهذا الذوق بهذه الكيفيّة، ربّما كان يبدو في حدّ الإعجاز! إنّه التعبير عن موضوعاتٍ تُظهر أنّ مسارهم كان منحدِرًا؛ وهذا ما كانوا يطلقون عليه: الشعر.

  • ولأنّهم لم يتمكّنوا من إيجاد أيّ وسيلةٍ أو معيارٍ لقياس تأثير القرآن الكريم من حيث عذوبة الكلام وسلاسته ونفوذه في النفوس، فقد شبّهوا القرآن الكريم في سلاسته وبيانه للمطالب، بتأثير الأشعار الجاهليّة ونفوذها!

  • المراد من الشعر المذموم والمكروه في روايات الأئمّة عليهم السلام

  • لذلك، ما نراه في الروايات من أنّ في قول الشعر كراهة۱، فالمراد به هو الخيالات؛ أمّا نظم الأشعار الصحيحة وبيان المبادئ الأخلاقيّة والمكارم، فليس من الشعر [المذموم]. وكما أنّ بيان الفكرة والمعنى يجب أن يُصاغ في قالبٍ لفظيّ، ففي هذا القالب اللفظيّ -الذي يتألّف من تركيب الكلمات- ما الفرق إن كانت تلك الكلمات تُؤدّى على شكل نثرٍ أم نظم؟! فالنظم والنثر قالبان لأداء المعنى. وأفضل المعاني والأفكار هو ما يستقرّ في ذهن المخاطب بشكلٍ أفضل ويتلقّاه بصورةٍ أحسن. وبناءً على ذلك، إذا استطعنا اختيار قالبٍ لإيصال فكرتنا ومعنانا يبدو جميلًا وجذّابًا في ذهن المستمع، فما الإشكال في ذلك؟! فهذا هو الحُسن بعينه، وهو موافقٌ للفطرة والمنطق!

    1. وسائل الشيعة، ج ۷، ص ٤۰٣. 

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

5
  • وعلى هذا الأساس، فإنّ الذين يذمّون الشعر ذمًّا مطلقًا، لم يفهموا المراد والمقصود من الشعر كما ينبغي. فالشعر عبارةٌ عن: طرح أفكارٍ خياليّة، ونسج الخيال، وتوليد الأفكار الذهنيّة بصورةٍ واهية، وبيان ذلك ووقعه في ذهن المستمع والمخاطب؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون طرح الفكرة مسجّعًا، أو مصرّعًا، أو على شكل نثرٍ، أو بصورة رواية، فكلّ هذا يُسمّى شعرًا ويُعدّ مكروهًا. ولكنّ التعبير بالأشعار التي تحكي عن العقائد الأصيلة ومكارم الأخلاق، لن يكون شعرًا [بالمعنى السلبيّ]! فكم لدينا من أشعارٍ عن الأئمّة عليهم السلام تدور كلّها حول مكارم الأخلاق، والمطالب العالية والراقية۱! ولم تكن هذه شعرًا [مذمومًا].

  • فشل مؤامرة دار الندوة واتهام النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بالسحر

  • قال الكفّار: «نحن نقول: إنّ القرآن شعرٌ!».

  • فقال الوليد بن المغيرة: «أيّ آيةٍ من آيات القرآن هذه تنطبق على الشعر؟! الأشعار الجاهليّة بين أيدينا؛ وهذه الآيات القرآنيّة لا تتطابق معها!».

  • ففكّروا وقالوا: «إذن نقول: هذا الشخص مجنونٌ!». ولكنّهم عادوا وقالوا: «حسنًا، الناس يأتون من الخارج ويرونه ويتحدّثون معه؛ وعلاوةً على ذلك، هل رأينا فيه حتّى الآن أيّ أثرٍ من آثار الجنون؟!».

  • ولمّا رأوا أنّ هذا أيضًا غير مجدٍ، قالوا: «نقول إنّه كاهنٌ، ويُخبر عن المغيّبات!».

  • فقال الوليد: «وهذا أيضًا لا يصحّ؛ لأنّهم في هذه الحالة سيأتون ويسمعون كلامه، وسيرون أنّه لا يتطابق ولا يتوافق مع كلام الكهنة!».

  • قالوا: «إذن نقول: ساحرٌ!».

  • فقال الوليد: «من هو الساحر؟».

  • فقالوا: «الساحر هو من يوقع المحبّة والألفة بين شخصين متباغضين، ويفرّق ويبعد بين شخصين متآلفين!».

  • فقال الوليد: «هذا صحيحٌ؛ لأنّ هذا الشخص يفرّق بين الأب وابنه، والابن وأبيه، والزوجة وزوجها، والزوج وقومه وأقربائه، فكلّ شخصٍ يعتنق الإسلام ويميل إلى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، يُطرد بطبيعة الحال من عائلته وينفصل عنهم. هذا القول قولٌ جيّد!».

  • ومنذ ذلك الحين، أطلقوا على النبيّ صلّى الله عليه وآله اسم الساحر! فكان كلّ من يناديه يقول: «يا ساحر!»٢.

  • كيفيّة تأثير آيات القرآن على الوليد بن المغيرة ومواجهة قريش له

    1. من باب المثال، راجع: ديوان أمير المؤمنين عليه السلام.
    2. بحار الأنوار، ۱۸، ص ۱٦۷.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

6
  • يُنقل أنّه: عندما نزلت الآيات الأولى من سورة غافر على النبيّ صلّى الله عليه وآله: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾۱، وهي حقًّا آياتٌ عجيبة!، كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يقرؤها بصوتٍ عالٍ في المسجد الحرام، بحيث يسمعها المحيطون به ليعرفوا ما نزل عليه من الآيات؛ فقد كان هذا سنّة النبيّ الأكرم ودأبه. فجاء الوليد بن المغيرة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسمع هذه الآيات؛ وهي آياتٌ عجيبةٌ جدًّا، والنبيّ صلّى الله عليه وآله يقرأ هذه الآيات هكذا، فأثّرت فيه، ورجع إلى منزله متفكّرًا، ولم يخرج منه لفترة.

  • فأدرك قوم قريش وقبيلتها أنّ سبب عزلة الوليد بن المغيرة هو سماعه لآيات القرآن من النبيّ صلّى الله عليه وآله! فعقدوا اجتماعًا وجاؤوا للتشاور؛ لأنّه إذا مال الوليد بن المغيرة، الذي يُعدّ من أكبر شخصيّات قريش وصناديدها، إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فسينتهي أمر الباقين!

  • فقال أبو لهب ـ الذي كان مشعل الفتن، ولا تقع واقعةٌ إلّا ونرى له فيها بصمة ـ: «أنا أحسم هذا الأمر!». فجاء إلى الوليد بن المغيرة، وتظاهر بالانزعاج وجلس!

  • فقال الوليد: «ما الخطب؟».

  • قال أبو لهب: «لقد أضعت ماء وجهنا، وأرقت ماء وجه قريش! لقد كنت غاية قريش ومحطّ اهتمامها، والجميع يعتمدون عليك، فجئت وعظّمت كلام هذا الشخص وزيّنته للناس وقلت: "إنّ هذا الكلام كلامٌ عجيب، وإنّه كلامٌ يفوق الكلمات، وهو كلامٌ لا يعلوه كلام!". لقد جئت وبرّرت آيات هذا الشخص للناس بهذا الشكل! لم يبقَ لنا ماء وجه!».

  • فأخذ الوليد يفكّر، ثمّ جاء بصحبة أبي لهب إلى اجتماع قريش، وقال لهم: «هل تظنّون أنّ هذا الشخص شاعر؟!».

  • قالوا: «لا!».

  • قال: «هل تظنّون أنّه كاهن؟! هل سمعتم منه كلامًا يصدر من الكهنة؟!».

  • قالوا: «لا!».

  • قال: «هل تظنّون أنّه مجنونٌ، وأنّ هذا الكلام الذي يقوله قد صدر منه في حالة إغماءٍ وجنون؟!».

  • قالوا: «لا، لم نعهد فيه جنونًا من قبل!».

    1. سورة غافر، الآيات ١-٣.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

7
  • فقال الوليد: «إذن، لا سبيل ولا حيلة إلّا أن نقول إنّ هذا الكلام سحر! فكما أنّ الساحر يؤثّر في النفوس، وينفذ ويصل إلى القلوب، فلا مفرّ لنا من القول بأنّ تأثير كلامه هو نفس تأثير السحر!»۱.

  • لذا نزلت هذه الآيات القرآنيّة في شأن الوليد:

  • ﴿ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾٢ 

  • إعجاز القرآن يعني استماع آيات القرآن وتأثيره المعنويّ في القلوب

  • بلغ تأثير القرآن المجيد حدًّا بحيث كان يكفي أن يأتي أعرابيٌّ إلى مكّة، ويسمع بضع آياتٍ من القرآن المجيد من لسان النبيّ صلّى الله عليه وآله المبارك ليسلم على الفور! هذا ما نسمّيه معجزة؛ وهذا ما نطلق عليه الدليل! أي أنّ استماع آيات القرآن وتأثيرها المعنويّ في القلوب هو إعجاز القرآن؛ وليس كما يقول الآخرون: «إنّ تركيب ألفاظ القرآن جاء بنحوٍ يوجب عذوبة الكلام وسلاسة الفكرة».

  • فعذوبة الكلام وسلاسة الأفكار لا تُعدّ من إعجاز القرآن! بالطبع، لم يأتِ أحدٌ بمثل القرآن، ولا يمكن لأحدٍ أن يرتّب كلماتٍ بهذا النحو وهذه الكيفيّة؛ لكنّ الحديث هنا يدور حول أنّ إعجاز القرآن عبارةٌ عن: تأثيره النفسانيّ في القلب، نتيجة ارتباط القلب بالمبدأ والحقيقة.

  • القرآن كتابٌ تشريعيٌّ يحكي عن التكوين

  • كما ورد في كثيرٍ من الروايات أنّ للقرآن الكريم ظاهرًا وباطنًا٣، وذكرت بعض الروايات للقرآن الكريم سبعين بطنًا٤، وفي بعضها سبعة بطون٥؛ ولذا، فالقرآن الكريم عبارةٌ عن: مجموعة نزول نور التوحيد في المرائي المتكثّرة؛ وهو عبارةٌ عن: نزول نور الربّ في السماوات السبع؛ وهو عبارةٌ عن: الكتاب التشريعيّ الحاكي عن الكتاب التكوينيّ. أي أنّ لدينا سبع سماوات، بناءً على الآية الشريفة التي تقول:

  • ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا... * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾٦، وكلّ هذه المجرّات، وأيّ مكانٍ تطأه أقدامنا في سماء الدنيا هذه، يُعدّ السماء الأولى؛ وسائر السماوات (الملكوت، واللاهوت، والجبروت، وما شابه ذلك) هي سماوات المعنى. ونور التوحيد يتكثّر بنزوله في هذه المرائي.

  • فكلّما وصل إلى مرتبةٍ ولدت منه سماء، وكلّما بلغ مكانًا أشرقت منه سماء، ونشأ كتاب التكوين؛ والإنسان لكي يسير إلى السماوات العليا والسماوات السبع، يجب عليه عبور سماء الدنيا ـ التي هي عالم الناسوت وعالم المادّة والطبيعة ـ ليحيط ويصل إلى السماوات التي تليها ـ كالملكوت وما فوقها ـ، وسيكون سير الإنسان لعبورها في كتاب التكوين. وبناءً على ذلك، فالقرآن المجيد ـ باعتباره كتابًا من قِبل الربّ وكتابًا حقًّا مطابقًا للواقع ـ يُعدّ كتابًا تشريعيًّا يحكي عن كتاب التكوين، الذي هو السماوات السبع!

    1. مجمع البيان في تفسير القرآن، ج ۱۰، ص ٥۸٤؛ وكشف الأسرار وعدّة الأبرار، ج ۱۰، ص ٢۸٣.
    2. سورة المدثر، الآيات ٢١-٢٥.
    3. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج ٢،ص ۷۷۱؛ بصائر الدرجات، ج ۱، ص ۱٩٦؛ الكافي، ج ٢، ص ٥٩۸.
    4. الميزان في تفسير القرآن، ج ۱، ص ۷. 
    5. عوالي اللئالي العزيزية، ج ٤، ص ۱۰۷؛ تفسير الصافي، ج ۱، ص ٣۱. 
    6. سورة الملك، الآيتان ٣ و٥.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

8
  • إعجاز القرآن في انطباقه على جميع مراتب النفس

  • إنّ معجزة القرآن في تأثيره على النفس تتجلّى من هذا الباب: إن هذا القرآن يطابق النفس مع واقعيّتها في تلك المرحلة. أي إن كنّا في سماء الدنيا، فالقرآن الكريم في هذه السماء الدنيا ينطبق علينا في الواقعيّة؛ وإن سرنا وصعدنا إلى سماءٍ أعلى وإلى الملكوت، فالقرآن الكريم في السماء الملكوتيّة سينطبق على نفسنا؛ وإن ارتقينا إلى اللاهوت، فإنّ تأثير القرآن الكريم في اللاهوت سينطبق على نفسنا؛ وهكذا حتّى نصل إلى مقام ذات الربّ! وهذا ما يُسمّى: إعجاز القرآن! وليس الإعجاز هو تركيب كلماتٍ تتّسم بالعذوبة والسلاسة وأمثال ذلك؛ فهذه معجزة أيضًا ولا ننفي ذلك، ولا يمكن لأحدٍ أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولكنّ السبب في قول الآية القرآنيّة:

  • ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾۱.

  • ليس هو أنّ القرآن قد جاء وركّب كتابًا، ولا تعني هذه الآية أنّنا أتينا بكتابٍ ذي سجعٍ وقافية، وركّبنا كلماتٍ يعجز النطق البشريّ عن صياغتها! بل علّة هذه الآية هي: أيّها البشر! إنّ هذا الكتاب الذي جئنا به، يحكي عن كتاب التكوين، بينما لا تزال أنت في عالم الناسوت! فإعجاز القرآن الكريم من هذا القبيل، وهو أنّ هذا القرآن كتاب تشريعٍ يحكي عن التكوين؛ ونحن لا نزال في عالم الناسوت! أي أنّ العمل الذي لم أبلغ ظرفه ومحلّه وموقعه، لا أقدر عليه؛ والدرس الذي لم أدرسه لا يمكنني تدريسه؛ والمكان الذي لم أذهب إليه لا أستطيع وصفه! فإذا أردنا أن نبذل غاية جهدنا ونتحمّل المشاقّ لننجز عملًا، فيمكننا الإتيان بكتابٍ ينطبق على نظام هذا العالم وقوانينه؛ ولكن بما أنّنا لا نملك سبيلًا إلى العوالم التي تفوق هذا العالم، فنحن عاجزون عن التعبير عنها! وهذا هو إعجاز القرآن!

  • تحليل علّة نزول القرآن باللغة العربيّة

  • بناءً على ذلك، نرى أنّ الربّ يصف كتاب التشريع هذا، المتوافق مع كتاب التكوين، بقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾٢؛ والنكتة هنا هي: لماذا يفتخر الله في هذا القرآن باللسان العربيّ؟! أليس القرآن للجميع؟! العربيّ، والأعجميّ، والتركيّ، والديلميّ، والأفريقيّ، والغربيّ، والشرقيّ؛ فالقرآن لكلّ هؤلاء الأفراد!

    1. سورة الإسراء، الآية ٨٨.
    2. سورة الشعراء، الآية ١٩٥.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

9
  • ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾۱وهناك آياتٌ في القرآن تدلّ على هذا المعنى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾٢.

  • وقد نبرّر هذه الآيات قائلين:

  • لغة العرب هي العربيّة، ولا يفهمون اللغة الفارسيّة أو غيرها من اللغات؛ ولو كان القرآن باللغة الفارسيّة الأعجميّة أو بأيّ لغةٍ أخرى، لما فهمه العرب! وبما أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قد ظهر بين الأعراب، فيجب أن يكون كتابه عربيًّا أيضًا؛ ولو ظهر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بين الفرس، لكان كتابه فارسيًّا؛ ولو ظهر بين الترك، لكان كتابه تركيًّا!

  • ولكنّ هذا التبرير خاطئٌ؛ لأنّه لا يوجد دليلٌ يجعل الله يقول في القرآن المجيد ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وما صلة التعبير بـ «أنزلنا القرآن عربيًّا!» بالقضيّة، وما هي النكتة والفائدة من ذلك؟! فهذا التبرير ليس بدليلٍ ولا وجه له!

  • أليست الأحكام أحكامًا عامّة؟! أليست شريعة النبيّ صلّى الله عليه وآله شريعةً عامّة؟! ما هو الدليل الذي يجعل الربّ يؤكّد في هذه الآيات على عربيّة القرآن في حين أنّ شريعة النبيّ صلّى الله عليه وآله عامّةٌ ولا تختصّ بالعرب؟! الدين الإسلاميّ ليس مختصًا بالعرب بل هو للجميع! يقول الله في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾٣.

  • ويقول إنّني أنزلت القرآن للجميع أيضًا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾٤.

  • إذن، فالقرآن مبشّرٌ ومنذرٌ لجميع الأمم حتّى يوم القيامة!

  • القرآن أفضل كتاب هدايةٍ في أفضل قالبٍ ولسان

  • فما هي النكتة هنا في وصف الله لهذا القرآن بـ ﴿لِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾؟ النكتة هي: إذا كان مقدّرًا لقرآني هذا أن يكون أفضل كتابٍ للهداية، فيجب أن يكون هذا الكتاب باللسان العربيّ؛ لأنّ القرآن إعجازٌ، واللغة التي تنقل القرآن يجب أن تكون أشرف اللغات وأجلّها وأعلاها! فيجب أن يوضع أفضل المعاني في أفضل القوالب، وأفضل فكرةٍ في أفضل الألفاظ! ولذلك أنزلنا القرآن عربيًّا!

  • ضرورة تعلّم اللغة العربيّة لجميع المسلمين

  • ما ورد في الآيات ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾٥؛ ليس إشارةً إلى القوم العرب فحسب؛ بل هو إشارةٌ للجميع! فخطاب القرآن عامٌّ، ولغة جميع الناس يجب أن تكون اللغة العربيّة فقط. لماذا يجب أن تكون فارسيّة؟! ولماذا يجب أن نمتلك لغةً غير العربيّة أصلًا؟! ولماذا يختلف المسلمون في اللغة وهم المشتركون في جميع الأحكام؟! لماذا غيّر الآخرون لغة أممهم إلى لغة الأجانب للقضاء على الإسلام وثقافته، بينما لا نوحّد نحن المسلمين لغتنا من أجل الاتّحاد والتضامن مع الأمم المسلمة؟! وأي هدية كبرى جلبتها لنا اللغة الفارسية؟! وهل تحتوي اللغة التركيّة على معانٍ دقيقةٍ ولطيفةٍ تستحقّ التفاخر بها وتناقلها هنا وهناك؟! كما يقول المثل المعروف: «تكلّم بالفارسيّة، رغم أنّ العربيّة أحلى!»٦.

    1. سورة الشعراء، الآيات ١٩٣-١٩٥.
    2. سورة الزخرف، الآية ٣.
    3. سورة سبأ، الآية ٢٨.
    4. سورة الأنعام، الآية ١٩.
    5. سورة يوسف، الآية ٢.
    6. مثنوي معنوي، الدفتر الثالث، ص ٥۰٩.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

10
  • إنّ اللغة وسيلةٌ يتبادل بها الإنسان الأفكار، وينقل نواياه للآخرين. فلماذا لا تكون العربيّة؟! هل فكّرتم في هذه القضيّة حتّى الآن؟! لذا، فإنّ من أعظم خسائرنا جميعًا عدم تحويل لغتنا إلى اللغة العربيّة! فإذا أردتُ التعبير عن فكرةٍ ما، فلأعبّر عنها باللغة العربيّة؛ اللغة التي نطقت بها رواياتنا، ونزلت بها أحكامنا! وإنّه لمن العجيب جدًّا أن أذهب لتعلم لغةٍ ما على أكمل وجهٍ وأتمّه بحكم وظيفتي، بينما لا أعرف كلمةً واحدةً من ديني وحياتي وسعادتي وآخرتي وكلّ هدفي ومقصدي الذي تم بيانه بهذه اللغة! حتّى في صلاتي التي أؤدّيها، لا أفهم ما أقول! هذا عجيبٌ حقًّا! كم نخصّص من الوقت من أجل وظيفتنا، أو من أجل عملٍ بسيطٍ، أو أمرٍ إداريّ، أو شؤوننا اليوميّة، ونسعى لتعلم لغةٍ أجنبيّةٍ بسلاسةٍ ورشاقةٍ لتصبح كلغتنا الأمّ؛ وفي المقابل، نجهل ديننا تمامًا، والذي يجب أن تُبنى عليه حياتنا كلّها ويكون هدفنا الأسمى! نقرأ القرآن ولكن لا نفهمه!

  • يأتون ويسألون: «يا سيّدي! نحن نقرأ القرآن، لكنّنا لا نفهم معانيه؛ فهل يمكننا قراءة ترجمته بدلًا منه؟». أقول: لا يمكنكم ذلك! ما هي الترجمة؟! لقد نزل هذا على النبيّ صلّى الله عليه وآله باللغة العربيّة!

  • رأيت في الخبر:

  • «مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى كِتَاباً وَ لاَ وَحْياً إِلاَّ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ اَلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ بِأَلْسِنَةِ قَوْمِهِمْ وَ كَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ نَبِيِّنَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا كَلَّمَ بِهِ قَوْمَهُ كَلَّمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ فَيَقَعُ فِي مَسَامِعِهِمْ بِلِسَانِهِمْ!»۱

  • الموضوع عجيبٌ ودقيقٌ جدًّا!

  • تبيين معنى الوحي

  • الوحي عبارةٌ عن: بيان الموضوعات الكلّيّة في قوالب جزئيّة؛ أي عندما يُبيّن ويُلقى أمرٌ من ناحية الله لأمّةٍ ما، فإنّه يكون أمرًا كلّيًّا، ثمّ يتجزّأ ويُبوّب على هيئة أحكام، ويستقرّ في قلب ذلك النبيّ، ليقوم ذلك النبيّ والرسول ببيانه للناس. وهذا البيان للموضوع الكلّيّ في صورٍ متكثّرةٍ وجزئيّة، يمكن أن يكون على صورتين: إمّا على شكل نقشٍ وتمثّل، حيث يتّضح لنا الأمر بهذا النحو، كما نرى في الرؤيا حيث تتجسّد وتتمثّل لنا صورةٌ عند بيان وإفاضة فكرةٍ ما؛ وإمّا أن يكون على شكل لفظٍ، بحيث يُحكى ويُقال لنا ذلك الموضوع بواسطة التعبير اللفظيّ.

    1. علل الشّرائع، ج ۱، ص ۱٢٦.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

11
  • والآن، فإنّ الوحي الذي يريد جبرائيل أن ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وآله، إمّا أن ينزل بواسطة صورة، وإمّا أن ينزل بواسطة لفظ. فلفظ الوحي هو باللفظ العربيّ؛ وحيث إنّ لغة النبيّ صلّى الله عليه وآله تتطابق مع لغة تلك الأمّة، فإنّ هذه اللغة العربيّة تُترجم بطبيعة الحال إلى لغةٍ مطابقةٍ للسان تلك الأمّة.

  • رواج الثقافة القوميّة عبر تجريد المجتمعات الإسلاميّة من لغتها وثقافتها

  • إذن، لماذا لا يجب أن نتعلّم اللغة العربيّة؟! ومن العجيب جدًّا كيف كان كلّ هدفهم واهتمامهم في العصور الماضية منصبًّا على محو الثقافة الإسلاميّة من خلال القضاء على اللغة العربيّة! فجاؤوا وسلبونا اللغة العربيّة، وأسّسوا مجامع لغويّة، وحذفوا الكلمات والمفردات العربيّة واستبدلوها بكلماتٍ فارسيّة؛ فمثلًا، استبدلوا كلمة (اجتماع) بـ (گردهمایی) [= اجتماع]! وللأسف، ما زالوا يستخدمونها حتّى الآن! ويسمّون وسائل التواصل الاجتماعية (وسایل ارتباط جمعی) بـ (رسانه‌‌های گروهی) [=وسائل التواصل الاجتماعي]! ما معنى (رسانه) وما هذه الصيغة العجيبة (رسانه‌‌های گروهی)؟! لو رجع الإنسان حقًّا إلى فطرته وعقله، أيهما أجمل: اجتماع أم (گردهمایی)؟! لنجلس معًا، فهذا (گردهمایی)؛ فهل يصلح هذا أن يكون اسمًا! حسنًا، لنقل: اجتماع، جمع، ألفة، مؤانسة؛ كلّ هذه النكات والظرائف موجودةٌ في اللغة العربيّة ولا توجد في غيرها! وقد تمادى هذا الأمر إلى أبعادٍ أخرى لا يسع المجال لذكرها! من ترويج الثقافة القوميّة بين الأمم والأقوام وفصلهم عن بعضهم... والقائمة تطول!۱

  • رحمة النبيّ صلّى الله عليه وآله في مقابل أذى الأمّة

  • لذا، عندما كان القرآن ينزل على النبيّ صلّى الله عليه وآله ويأتي الناس ويستمعون، كانوا يرون أنّ هذه الآيات هي حقًّا آياتٌ عجيبةٌ تؤثّر في نفوسهم، فيُسلمون؛ حينها، بدأ الكفّار بإيذاء النبيّ صلّى الله عليه وآله، وبلغ بهم الأمر مبلغًا جعل النبيّ يخاطب جبرائيل قائلًا: «انظر ماذا أُقاسي من هذه الأمّة!».

  • لقد رموا جبهة النبيّ بالحجارة، وسالت الدماء من جبهته، وهرب النبيّ إلى الجبال، فجاءته الملائكة وقالت: «يا رسول الله! ادعنا لكي نعذّبهم!». ولكنّ النبيّ قال: «لَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا؛ إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»٢.

  • إنّه لأمرٌ عجيبٌ حقًّا! أي عندما نريد أن نرجع إلى نفس النبيّ، لنعرف أيّ نفسٍ كانت، نجد جدارًا عجيبًا أمامنا لا نملك أيّ قدرةٍ على النفوذ والرسوخ فيه بأيّ وجهٍ من الوجوه!

    1. لمزيد من الاطلاع حول القول بمحدودية لغة القرآن والوحي والجواب عليه، راجع: نور ملکوت قرآن (فارسي)، ج ٤ ص ۸۷؛ نظرة على مقال قبض وبسط نظرية الشريعة (فارسي)، ص ٣٦٦؛ افق وحی (فارسي)، ص ٥٤٢؛ نوروز در جاهلیّت و اسلام (فارسي)، ص ٢٣٤.
    2. بحار الأنوار، ج ۱۸، ص ٢٤٣.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

12
  • كلمات الإمام السجّاد عليه السلام في الشام وردّ فعل يزيد

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام: «لقد كانت أصعب أيّامنا حين كنّا في الشام»۱. كانت مكانة أهل البيت (عليهم السلام) في الشام بحيث بدلت حال أهل الشام جميعًا! ولم يعقد يزيد أيّ مجلسٍ لكسر معنويّاتهم وتحطيم شؤونهم ومكانتهم، إلّا وانقلب ذلك المجلس عليه وكان وبالًا عليه!

  • وقد ورد في التاريخ أنّه: من جملة تلك المجالس، أنّه في يوم الجمعة الذي كانوا يقرؤون فيه الخطبة، أمر يزيد الإمام السجّاد عليه السلام وجميع كبار أهل الشام بالحضور في المسجد؛ ولأجل تحطيم تلك الهيبة والمكانة والمنزلة التي تكوّنت لأهل البيت عليهم السلام في الشام بفضل بياناتهم وكلماتهم، قال للخطيب:

  • عندما ترتقي المنبر، اشرح وفصّل في مناقب وفضائل آل أبي سفيان؛ وفي المقابل، تجاهل فضائل ومناقب بني هاشم وآل النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأذلّهم وأهنهم بين الناس، وابدأ في ذمّهم!

  • وعندما ارتقى الخطيب المنبر، وبدأ في ذكر صفات آل أبي سفيان وذمّ آل النبيّ صلّى الله عليه وآله، رُفع الأذان في تلك اللحظة. ولمّا ارتفع صوت المؤذّن بالشهادة للرسالة، خاطبه الإمام السجّاد عليه السلامة وقال:

  • هذه الشهادة بالرسالة التي تؤدّيها، لمن هي؟!

  • يا يزيد! هل هذا الشخص هو أبوك أم أبي؟! إن كان أباك فأنت كاذب؛ وإن كان أبي، فلماذا عاملت أهل بيته بهذه الصورة والكيفيّة؟! ولماذا قتلت أبناءه؟!

  • ومن جهةٍ أخرى، ارتقى الإمام السجّاد عليه السلام المنبر قبل هذه الحادثة، وبيّن صفاتهم وشرح نسبه، وسرد تلك الوقائع والحوادث [في كربلاء] للناس:

  • «أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَمِنَى، أَنَا ابْنُ زَمْزَمَ وَالصَّفَا، أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى، أَنَا ابْنُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى، أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ عليها السلام»٢.

  • ورأى الناس أنّ هذا الشخص الذي يتحدّث هو ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله، فانقلبوا؛ وعندما رأى يزيد أنّ الأوضاع قد اضطربت وأنّ المجلس قد انقلب ضده، بدأ يعتذر من الإمام عليه السلام ويسعى لاسترضاء أهل البيت عليهم السلام وتطييب خواطرهم! وفي أحد المجالس، التفت إلى الإمام عليه السلام وقال:

  • والله لم أكن أقصد إيذاءكم! لعن الله ابن زيادٍ الذي أنزل بكم يا أهل البيت هذه المصائب! والآن، ماذا تطلبون منّي؟ هل تريدون أن أبقيكم هنا أم أرسلكم إلى المدينة؟

    1. تذكرة الشّهداء، ج ٢، ص ٣٦٥.
    2. مقتل الحسين عليه السّلام، الخوارزمي، ج ٢، ص ٦٩ ـ ۷۱، مع أدنى تفاوت.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

13
  • فطلب الإمام (عليه السلام) منه ثلاثة مطالب:

  • الطلب الأوّل: يا يزيد، مُرهم أن يردّوا إليّ رأس أبي!

  • الطلب الثاني: يا يزيد، أن يردّوا إلينا كلّ ما سُلب ونُهب من أموال أهل البيت!

  • والثالث: إن كنت تنوي قتلي، فابعث شخصًا أمينًا مع هؤلاء النسوة والأطفال ليوصلهم إلى المدينة!

  • فقال يزيد:

  • أمّا ردّ رأس أبيك فمن المحالات؛ وأمّا الأموال والثياب التي نُهبت من أقربائك، فسأردّها إليك أضعافًا مضاعفة.

  • فقال الإمام (عليه السلام):

  • لا حاجة لنا ولا فاقة في مالك! بل إنّ سبب مطالبتي بردّها هو أنّ فيها مغازل أمّي فاطمة الزهراء عليها السلام؛ فمِقنعة أمّي فاطمة الزهراء عليها السلام والثياب التي خاطتها بيديها كانت من بينها!۱

  • أشعارٌ في رثاء الإمام السجّاد عليه السلام في مدينة الشام

  • ای اهل شام! مظهر لطف خدا منم***مقصود ز آفرینش أرض و سما منم
  • مسجود کائنات بوَد خاک کوی من***زینت‌فزای کعبه، صفای صفا منم
  • بر جمله انبیا منم امروز جانشین***وارث به علم یک‌به‌یک انبیا منم
  • آن آدمی که دم‌به‌دم اندر تمام عمر***از ابتدا گریسته تا انتها منم
  • بر کشتی‌ای که نوح در او نوحه‌گر نشست***ای قومِ بد گهر، به‌خدا ناخدا منم!
  • آن یوسفی که گشت به زندان غم اسیر***بی غمگسار و بیکس و بی آشنا منم
  • آن بی‌کسی که نعش پدر را ز بعد قتل***دید از سُمِ سُتورِ ستمْ توتیا، منم
  • آن سر برهنه‌ای که نگه داشتش به پا***در پای تخت خویش یزید از عِنا منم
  • بر این محمّدی که مؤذّن دهد اذان***ای شامیان، نبیره یزید است یا منم؟!
  • [يقول: 

  • يا أهل الشام، مظهر لطف الإله أنا *** والمقصود من خلق الأرض والسماء أنا

  • مسجود الكائنات هو تراب دربي *** ومزيّن الكعبة، وصفاء الصفا أنا

  • وخليفة جميع الأنبياء اليوم أنا *** ووارث علم الأنبياء واحدًا فواحدًا أنا

  • وذلك الإنسان الذي في كلّ حينٍ طوال عمره *** بكى من الابتداء إلى الانتهاء أنا

  • وفي السفينة التي جلس فيها نوحٌ ينوح *** يا قوم السوء، والله ربّانها أنا

  • وذلك اليوسف الذي أُسر في سجن الغمّ *** بلا مؤنسٍ ولا معينٍ ولا رفيقٍ أنا

    1. اللّهوف، ص ۱٩٤؛ مثير الأحزان، ص ۱۰٦.

إعجاز القرآن في تطبيق نظام التكوين على التشريع

14
  • وذلك الغريب الذي رأى نعش أبيه بعد القتل *** مسحوقًا بحوافر خيل الظلم، أنا

  • وذلك الحاسر الرأس الذي أوقفه *** يزيدُ في ذلّةٍ عند عرشه، أنا

  • ولمحمّد هذا الذي يؤذّن له المؤذّن *** يا أهل الشام، هل حفيدهُ يزيدُ أم أنا؟!]

  • ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

  •  

  • باسمك اللهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك،

  • بحقّ محمّدٍ وأهل بيته الأطهار، يا الله يا الله يا الله... .