المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
التوضيح
هل كانت واقعة عاشوراء مجرّد صدفة تاريخيّة أم برنامجاً إلهيّاً دقيقاً؟ لماذا رفض مسلم بن عقيل قتل ابن زياد غيلةً في بيت هاني بن عروة رغم قدرته على حسم المعركة وتجنّب الفاجعة؟ وهل تبرّر الغايات النبيلة استخدام الوسائل غير المشروعة في مدرسة أهل البيت؟ تجيبك هذه المقالة عن هذه الأسئلة، مبيّنةً كيف انتصرت القيم النبويّة على الحسابات العسكريّة المجرّدة.
هو العليم
لماذا امتنع مسلم بن عقيل عن اغتيال ابن زياد؟
بحث منتخب من آثار الأعاظم
إعداد: الهيئة العلمية في موقع مدرسة الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين
واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين
واقعة عاشوراء استثنائيّة بكلّ مواقفها
إنّ واقعة عاشوراء هي واقعة فريدة من نوعها، ولا نظير لها في التاريخ، فهي قضيّة مميّزة لا يمكن لأحد والحال هذه أن ينظر إليها على أنَّها قد حصلت هكذا صدفةً و اتفاقاً...۱ فلو نظر أحدنا إلى واقعة عاشوراء، فسيجد أنّها ليست مجرّد واقعةٍ وقفت فيها مجموعة من المقاتلين في قبال مجموعة أخرى، فغُلبوا واستشهدوا وسُبي أهل بيتهم وذراريهم وحصل لهم ما قد حصل لهم بعد ذلك؛ بل توجد هنالك إشارات تدلّ على أنَّ ما حصل كان يجب أن يحصل، وأنَّه كان قد خُطّط لحصول مثل هذه الواقعة، وأنّ الأحداث التي وقعت كانت نتيجة برنامج دقيق؛ فكلّ خطوة من خطواتها كان محسوباً بدقة!
وذلك بدءً بما حصل في المدينة والذي أدَّى إلى خروج سيِّد الشهداء منها إلى مكّة، وما كان يحصل من مراجعة بعض الأفراد للإمام والاستشكال عليه، وكانوا يعتقدون بصحّة إشكالهم؛ فعندما كان البعض منهم يسأل الإمام عن سبب خروجه، كان الإمام يقول له: (وما الذي أفعله غير هذا؟! فليس أمامي طريقٌ غيره)، فكانوا يقولون له: (لو ذهبت إلى المكان الفلاني)، فكان يجيبهم ببيان ما في الذهاب إليه من محاذير؛ هذا في الوقت الذي كان الإمام يقول فيه للبعض الآخر منهم: إنّ هذا هو الطريق الذي عليَّ أن أطويه، إنَّ الله شاء أن يراني قتيلاً، وعندما سئل عن أخذ عياله وأهل بيته معه، قال: إنّ الله شاء أن يراهنَّ سبايا.
إنّ هذا الجواب يعني بأنَّه لا بدّ من أن يُطوى هذا الطريق وأن يقع ما كان قد وقع؛ وهذا في نفس الوقت الذي لم يكن هنالك من طريق آخر غير هذا الطريق؛ أي إنَّه كان على الأفراد أن يُنفّذوا هذا البرنامج ويسيروا في هذا الطريق الذي تمّ تعيينه ورسمه.
ضرورة الارتقاء في نظرتنا إلى عاشوراء
إنّ هذا الأمر يدعو الإنسان إلى التفكير بشأن الموضوع والنظر إليه بنظرة أسمى من كون ما حصل هو مجرّد مصيبة حصلت فيها الكثير من الأمور العجيبة والغريبة والمؤلمة وأن يرتقي برؤيته أكثر، فلا ينبغي النظر إليها من جهة كونها مصيبة فقط.
قضية مسلم بن عقيل نموذجاً
خذ قضيّة مسلم بن عقيل على سبيل المثال؛ فقد أرسله الإمام الحسين إلى الكوفة، وعند خروج مسلم من مكّة رأى في طريقه صيّاداً قد اصطاد صيداً وقتله، فأحدث هذا الأمر في ذهنه ونفسه شيئًا، واعتبره نذير شؤمٍ بالنسبة إلى عاقبة الأمر الذي يقصده، فعاد إلى مكّة وقال لسيِّد الشهداء: لقد رأيت هذا الأمر بعد خروجي من مكّة وخطر في بالي من جرّائه ما خطر، فقال له الإمام: الأمر كما ذكرتُ لك، وهذا لا يغير شيئاً. يعني ما الذي تريد أن تقوله؟! فحتى لو أنك قد رأيت صيّادًا، [وأحسست بأنّ نهاية هذا الأمر هو القتل] فالأمر الذي أصدرته باقٍ على ما هو عليه، وهذا هو الطريق، [فإن شئت سلكته، وإن شئت فاتركه!] فعاد مسلم إلى الكوفة مجدّداً وهو يحمل في ذهنه هذه النيّة۱، وتعامل مع الأمر على هذا الأساس وواجه ما واجهه هناك.. لقد كان كلّ شيء واضحاً بالنسبة إليهم.٢
فعندما ندرس هذه الواقعة ونلاحظ ما جرى له في بيت هاني بن عروة حين جاء ابن زياد إلى بيت هاني؛ فسنجد أنّ من الواضح أنّ أمر بن زياد كان سينتهي بضربة واحدة من مسلم لو أقدم مسلم على اغتياله في ذلك المجلس، وحينئذٍ ما كان لقضية كربلاء ولا واقعة عاشوراء أن تحصل؛ ولو كان ذلك قد حصل لجاء سيِّد الشهداء وقام بتأسيس حكومته واستتبّ له الأمر، ولما حصلت الحرب ولما وقعت جميع تلك المصائب التي وقعت، ولما كان هنالك وجود لمواكب اللطم على الرؤوس والصدور والضرب بالسلاسل ومراسم الحزن ومجالس العزاء؛ إذ علامَ يقيم الناس مراسم العزاء إن لم تقع واقعة عاشوراء وقضية كربلاء؟ ولوحصل ذلك، لما كان هنالك وجود لهذا البكاء وهذا الحزن والجزع. هل التفتّم إلى ما أريد أن أقوله هنا؟ فأنا أسوق الحديث باتجاه آخر، وألفت النظر إلى زاوية أخرى منه.
إنَّ واقعة عاشوراء واقعةٌ مؤلمةٌ، وهذا هو أمرٌ واضحٌ، ونحن إنّما نقيم مراسم العزاء لأنّها واقعة فجيعة ومؤلمة؛ وإلاّ فلو فرضنا أن ما حصل في عاشوراء كان عاديًا وكان مثل ما يحصل في بقية القضايا العادية الأخرى، فلن يكون لها ذلك الوقع في نفوس الناس؛ فما يعمله الناس من لطم الصدور وبقية الأفعال التي يقومون بها، إنَّما هو بسبب أنّ هذه الواقعة في غاية الألم والفجاعة، وأنّها في الواقع حادثةٌ لا تضاهيها حادثة فيما ارتكب فيها من جنايات وما فيها من قسوة؛ فهي واقعة لم يُرحم فيها حتّى الطفل ذو الستة أشهر؛ فمن يستطيع أن يفعل مثل هذا الفعل؟! فإن حصل نزاع بين رجلين، فتراهم يقتتلان ساعة ويضرب أحدهما الآخر، ولا شأن لهم بالطفل ذي الستة أشهر أو ذي العشر سنوات أو السبع سنوات.
لماذا لم يقتل مسلمٌ بن عقيل عدوّه ابن زياد في بيت هاني؟
حسناً، [إذا كان الأمر كذلك،] فلماذا لم يقتل حضرة مسلمٌ عبيدَ الله بن زياد في بيت هاني في ذلك اليوم؟ فلو كان قد فعل ذلك، لانتهى كلّ شيء! وهو قطعاً كان يدرك ذلك؛ إذ هل يمكن أن يكون مسلم مع ما له من المكانة ومع ما له من العمر والإدراك والتقييم الصحيح للأمور، هل يمكن ألا يكون قد عرف هذا الأمر؟! إنَّ هذا الأمر لا يخفى حتّى على الصبي ذي الخمسة عشر سنة، فكيف يخفى على مسلم بن عقيل؟! فالكلّ يعرف بأنَّ عبيد الله بن زياد هو مصدر جميع الفتن؛ فإن قُتل، فسوف ينتهي كلّ شيء، وها هو سيِّد الشهداء في طريقه إلى الكوفة حيث سيصل إليها سالماً معافى ويتخّذ منها مقرّاً له وسيُطوى البساط من تحت قدمي يزيد... لقد استذكر حضرة مسلمٌ جميع هذه الأمور التي أذكرها لكم الآن وهو مختبئ وراء الستار، واستعرضها عليها في ذهنه الواحدة تلو الأخرى، وكان يمدّ يده إلى قبضة سيفه ثمّ يتراجع ــ طبعاً أنا أقول إنّه فعل هذا استنتاجاً من عندي، فالمسألة لا بدّ أنها قد حصلت بهذا الشكل ــ وهكذا ظلّ متردداً ، و لم يقدم على قتل عبيد الله، لقد صبر كثيراً بالشكل الذي جعل هاني يفقد صبره ويصيح: لقد قلت لكم بأنَّني عطشان، فاجلبوا لي الماء، حيث كانت تلك هي كلمة السرّ بينهما لكي يظهر مسلم من وراء الستار ويقتل بن زياد.
[إنّ الأمر الوحيد] الذي منع مسلم من القيام بذلك في ذلك الوقت هو أنّه قال في نفسه: إنَّني رسول مولاي الحسين، فمن هو مولاي؟ وما هو الهدف الذي يريد تحقيقه؟ ولماذا أرسلني؟ ولأيّ هدف كان قد أرسلني؟ وماذا الذي يبتغيه من وراء إرسالي؟ فهل هدفه أن أضرب وأحطّم وأفتح الكوفة وأستولي عليها وأُقيم الخلافة فيها وما شابه ذلك؟ فإن كان ذلك هو الهدف من إرسالي، فهذه هي أفضل فرصةٍ لي، حيث سأتمكّن من تحقيق هدفي من دون الحاجة إلى أيّة مؤونة إضافية.
أم أنَّ هدف مولاي شيء آخر؟ ذلك المولى الذي أنا نائبه وسفيره وممثّله، ويتوجّب عليَّ القيام بالعمل الذي يعكس سيرته ويتماشى مع نهجه، فما هو هدفه؟ إنّ هدفه هو إحياء القيم الإنسانية العليا، والقيم الربوبية والإلهية، وإراءة تلك الحقائق الإلهية إلى أولئك الذين لا يعلمون عنها شيئاً، حيث لم تصل إلى مسامعهم، وهدفه والغرض الذي يسعى إليه هو إعداد النفوس وتربيتها، وتكميلها، والسير بها نحو ذلك المبدأ الأعلى، والعبور بها عن عوالم النفس والتعلّقات الدنيوية، وإخراجها من أوهامها وتخيّلاتها الحيوانية والشيطانيّة؛ هذا هو الهدف والمقصد الذي يبتغيه مولاي.
ومن هنا، فإن قمتُ الآن بقتل هذا الرجل الذي جاء إلى هذا البيت لأجل عيادة مريض ـ وكائناً من يكون هذا الرجل ـ والذي ليس لديه أيّ علم مسبق بما قد خُطّط له، سيتعارض هذا العمل بحدّ ذاته مع تلك الأهداف السامية التي يبتغيها مولاي، وأنا لا أستطيع أن أتحمّل مسؤولية مثل هذا الأمر!
يعني عندما كان حضرة مسلم يستعرض جميع هذه المواضيع في ذهنه ويراجعها في ضميره، فقد كان يمرّ في ذهنه على القضايا التي ستحصل في كربلاء، ويمرّ على شهادة سيِّد الشهداء وغيرها من الأمور الفجيعة التي ستحصل إن لم يقدم على قتل ابن زياد فيضعها جميعاً في كفّة ميزان، ثمّ يضع في الكفّة الأخرى قتل رجلٍ غيلةً بدون علم مسبق منه، ويزيح هذا المانع من طريقه، فهو عندما يوازن بين الأمرين، يرى بأنَّ هذه الكفّة لا يمكن لها أن ترجح على الكفّة الأخرى، ويرى عدم قدرته على القيام بذلك العمل.
إنَّ هذه هي واحدة من تلك القضايا التي حصلت في الواقعة، وهنا نرى أنّه ينبغي لنا أن نرفع من مستوى تفكيرنا بشأن ما حصل في واقعة عاشوراء ونتوجّه إلى ما هو أعلى من مجرد التفكير في أمر المصائب التي وقعت في يوم عاشوراء؛ يعني ينبغي لتلك المصائب التي حصلت أن تعمل على تحريكنا وتدفعنا للسير نحو تلك الأهداف التي كان سيِّد الشهداء يسعى لتحقيقها، وأن تكون حركتنا على أساس تلك الأهداف السامية.۱