المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
هو العليم
لزوم التبعيّة لسيرة رسول الله
طرح مباني الإسلام – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة العاشرة
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)
إلقاء:
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على أشرف رسله وخاتم سفرائه محمّد وآله الغرّ الميامين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ﴾۱
وظيفة المؤرّخ تجاه بيان الحقائق والوقائع التاريخيّة
من المسائل المهمّة جدًّا، ولعلّها المسألة الأهمّ والموضوع الأكثر حيويّة في تدوين التاريخ، إيصال تجارب الماضين وأفكارهم إلى الأجيال القادمة. إنّ وظيفة المؤرّخ هي بيان الواقع والمواضيع بحقيقتها وواقعيّتها للجيل القادم؛ وإلّا فإنّه يكون قد خان في كتابة التاريخ. إنّ دائرة معلوماتنا مبنيّة على تلك المواضيع المدوّنة في هذه الكتب، وليس لدينا أيّ وصول آخر إلى المواضيع غير هذا. فباستثناء الأفراد الذين كانوا ولا يزالون في صلب الحدث وفي قلب الواقعة ويدرسون المسائل عن كثب، فإنّ الأفراد الآخرين الذين يعيشون في جهات أخرى، حتّى لو كانوا في زمن حدوث الواقعة، أو الأفراد الذين سيأتون لاحقًا، تقصر أيديهم عن الوصول إلى تلك الواقعة؛ فمن إذن يجب أن يوصل إليهم المواضيع ويُطلعهم على مجريات الأمور؟ هذا العمل هو وظيفة المؤرّخ.
ضرورة الاطّلاع على تاريخ النبيّ الأكرم والأئمّة المعصومين
إنّ معرفة تاريخ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وتاريخ الأئمّة عليهم السلام، هي من أكثر المسائل ضرورةً التي يجب على المسلم الاطّلاع عليها. كيف كانت سنّة النبيّ؟ وكيف كان نهج النبيّ وأسلوبه؟ كيف كان يتصرّف النبيّ في معاشرته؟ كيف كان أسلوب لباسه صلّى الله عليه وآله؟ وكيف كانت شمائله وملامح وجهه ورأسه وهيئة جسده صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام؟
وبشكل عامّ، من خلال إدراك هذه القضيّة، ينشأ معيار وميزان كلّيّ لترتيب مسار الإنسان في الحياة. ولعلّنا نتطرّق إلى هذه المسألة بشكل أكبر في الأيّام القادمة. وإذا وفّقنا الله، فقد نتمكّن يومًا ما من تبيان خيانة بعض المؤرّخين في كتابة تاريخ النبيّ الأكرم.
والحديث الآن على وجه الإجمال والإشارة يتمحور حول أنّ: المؤرّخين عمومًا ليسوا بمنأًى عن اتّباع الأهواء والأغراض النفسيّة، وهم يحرّفون التاريخ وفقًا لما تقتضيه مصلحتهم وبما يناسب موقعيّتهم، أو يتغاضون عن المسائل الواقعيّة التي حدثت في التاريخ. وهذا ما يحول دون إدراك المرء كنهَ الأمر كما ينبغي، ويحجبه عن معرفة حقيقة الشخص، فيضلّ جادّة الصواب
ولـمّا كان النبيّ الأكرم خاتمَ النبيّين، ونهجه خاتمةَ المناهج وطُرُقِ الأنبياء والأولياء؛ فقد بات تاريخُه وسيرتُه من هذا المُنطلَق أكثرَ عُرضةً لهذه المحنة وتلك الفاجعة من غيره.
يكلّفنا الله في هذه الآية الشريفة [التي ذُكرت] بأن نستخلص ذلك المعيار الكلّيّ، وأن نبتعد عن الاعتماد على الظاهر. إنّ الموضوع الذي أحرص عادةً على التدقيق فيه خلال أحاديثي وأضعه نصب عيني كنتيجة للأحاديث، هو: الاستنتاج العمليّ في سلوكنا الذاتيّ. فالغاية من عقد هذه المجالس ليست مجرّد تكرار قضيّة ما أو تبيان مسألة وفكرة، على الرغم من أنّ إقامة ذكر الأئمّة عليهم السلام وإحياء مجالسهم له موضوعيّة ومفيد۱؛ ولكنّ الغاية من إحياء الذكر وإقامة هذه المجالس هي أن يطابق الإنسان مساره وأسلوبه مع نهجهم ونواياهم؛ ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَهِ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾٢.
لزوم التوجّه إلى جنبة الرسالة والحقيقة الإلهيّة للنبيّ الأكرم وتجنّب التمحور حول الشخصيّة
يقول الله في هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ﴾٣؛ إنّ تعبيرات القرآن عجيبة جدًّا! فإذا أردنا التدقيق في كلّ لفظ من هذه الألفاظ، فسنتخلّف عن المواضيع التي نضعها نصب أعيننا؛ ولكن في الجملة يجب القول: يقول الله في هذه الآية: إنّه لا توجد أيّ شائبة في وجود النبيّ الأكرم، والأمر يقتصر على الرسالة فقط، ولا يملك لنفسه شيئًا، ولا يشعر بأيّ كيان أو تشخّص لنفسه، والمسألة هي مسألة الرسالة فحسب. ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ﴾.
يقول الله في هذه الآية: يجب عليكم ألّا تعتمدوا على النبيّ كشخص، فالاعتماد على النبيّ كشخص يؤدّي إلى أنّه برحيله عن الدنيا، يزول ذلك السند وتسقطون أنتم أيضًا. يجب أن تقفوا على أقدامكم، ويجب أن تتزوّدوا من نهج النبيّ وسلوكه طوال هذه السنوات الثلاث والعشرين، لتستخلصوا لأنفسكم معيارًا وميزانًا، حتّى إذا رحل النبيّ عن الدنيا تمكّنتم من الوقوف على أقدامكم.
وكما تقدم القول: إنَّ الوصول إلى الحقيقة هو الميزان والمعيار لعمل الإنسان، ويجب على الإنسان من خلال تهذيب النفس والتأمّل والتدقيق في الأقوال والأفعال والسلوك المنبثق من عالَم الواقع، أن يجد الحقيقة ويلمس الواقعيّة. أمّا الشخص نفسه الذي يتوجّه إليه الإنسان، فشخصه ليس هو المِلاك، بل يجب أن يتشكّل للإنسان ميزان ومعيار كلّيّ؛ لأنّ ذلك الشخص سيرحل يومًا عن الدنيا، كائنًا من كان. إنّ الأفراد الذين يتّخذون من الفرد في ذاته معيارًا، ويضعون الصورة والشخصيّة دائمًا نصب أعينهم، قد وقعوا في فخّ الصورة والظاهر.
[نبيّن] كجملة معترضة: عندما يرحل وليّ من أولياء الله عن الدنيا، يُطوى سِجلّه ولا يعود ينبغي للإنسان أن يتوجّه إليه؛ فالتفكير فيه وتذكّره والبحث الدائم عنه، يمنع الإنسان من الوصول إلى الواقعيّة. يجب وضع نهجه ومساره نصب العين، لا شخصه. وهذه مسألة دقيقة وحسّاسة جدًّا، ويُحتمل أن نعود لتوضيحها في الأيّام القادمة.
كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وفقًا لنصّ الآيات القرآنيّة، يتّبع النبي إبراهيم والأنبياء السلف عليهم السلام۱؛ ولم يكن تتّبع النبيّ الأكرم نابعًا من ضعف ونقصان فيه صلّى الله عليه وآله، بل قائمًا على أساس أنّ عمل الأنبياء السابقين كان مبنيًّا على الحقّ، ويجب اتّباع الحقّ. وبناءً على ذلك، لم يقتصر الأمر على اتّباع النبيّ الأكرم للأنبياء السابقين وملّة إبراهيم في أفعاله وأقواله وشريعته فحسب، بل من الممكن أن يتّخذ النبيّ الأكرم لنفسه من عمل طفل في السابعة من عمره معيارًا لعمله وعمل أمّته.
ليس الميزان هو طفل السابعة أو العاشرة، بل إنما العبرة هي في ماهيّة عمله! فكما أنّ الله يُلقن الأنبياء السابقين والأولياء المسائل الواقعيّة والقضايا الحقيقيّة ويُلهمهم إيّاها في نزول الوحي بواسطة ملائكته المقرّبين، فمن الممكن أن تستقرّ مسألة واقعيّة وقضيّة حقيقيّة في نفس طفل بعناية الباري عزّ وجلّ فيتّبعه الآخرون؛ بيد أنّ تبيُّنَ مطابقة هذا الفعل للواقع من عدمها، ليس بالأمر الذي يُتاح لكلّ أحد.
وإذا ما أدركنا هذه المسألة واستوعبناها بالكامل، فستُحلّ الكثير من الإشكالات وتتّضح المسائل. فالميزان يكمن في وجوب تأسيس عملنا على قضيّة نابعة من صميم الواقع، كائنًا من كان مَن تحقّقت على يديه!
فلسفة التبعيّة لحضرة هاجر في السعي بين الصفا والمروة
في هذا العام نفسه الذي وفّقنا الله فيه لزيارة بيت الله، وبينما كنت أسعى وأتحرّك بين الصفا والمروة، تنبّهت إلى هذه النكتة، وهي أنّ السيدة هاجر كانت امرأة، ولم يكن السعي بين الصفا والمروة موجودًا قبلها؛ فلماذا يجب علينا أن نسعى بين الصفا والمروة اقتفاءً لأثرها؟ ولماذا ينبغي للنبيّ أن يسعى؟
وبالطبع، فقد وردت رواية أيضًا حول علّة هذه المسألة،٢ ولم يكن الأمر مجرّد خطور فكرة في الذهن. ثمّ انتقل ذهني هناك إلى هذه الفكرة وهي: إنّ حضرة هاجر كانت في ذلك الوقت قد وُضعت في موقعيّة كان عملها فيها ينبثق بدقّة من حقيقة وواقعيّة.
لقد أحضر النبي إبراهيم عليه السلام امرأة مع طفلها الوحيد، مثل هذا الطفل إسماعيل، من فلسطين إلى صحراء يصفها هو نفسه قائلًا: ﴿إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ﴾۱، أحضرها إلى مكان لا يطير فيه طير، فلا ماء فيه، ولا خضرة أو عشب، ولا شجر، بل أحضرها إلى أكثر بقاع الأرض حرارة وحرقًا. وكلّ هذا كان مبنيًّا على الإلهامات التي كان ينبغي أن تُوحی للنبي إبراهيم وتخطر له لتتوالى وتتتالى حتّى يضع هذه المرأة والطفل في هذا المكان، في مكان لا يوجد فيه أيّ أمل بالحياة، ومع ذلك لم تنبس حضرة هاجر ببنت شفة ولم تبدِ أيّ اعتراض على زوجها أبدًا.
(يقرأ الإنسان أحيانًا هذه المواضيع فيتساءل في نفسه: إذا كانوا هم هكذا، فأين نحن إذن؟!).
يقول النبي إبراهيم لهاجر: يجب عليّ أن آخذك وأمضي بك. أوّلًا، بأمر مَن يأخذ هاجر؟ بأمر سارة؛ لأنّها شعرت بالغيرة، والآن إذ ترى أنّ هاجر قد رُزقت بطفل، تقول: يجب أن تأخذها وتُبعدها عن ناظريّ! وكانت هاجر تعلم أيضًا أنّ حضرة إبراهيم قد فعل ذلك لأجل سارة، كانت تفهم هذا كلّه ولكنّها لم تعترض. فيُحضر النبي إبراهيم هاجر إلى هذا المكان.٢
والآن مع هذه المقدّمات سنبيّن لماذا يجب علينا أن نقتفي أثر السيدة هاجر. وهذا ما يُسمّى بـ «التحليل التاريخيّ»؛ أي أن يدرك الإنسان ماهيّة السرّ والباطن الكامن وراء هذه القضيّة التي حدثت.
يأخذ السيدة هاجر مع طفلها ويُحضرها إلى ذلك المكان. يقطع كلّ هذه المسافات ويُحضرهما إلى مكان لا توجد فيه حتّى قطرة ماء واحدة. ترى السيدة هاجر أنّ موتها وموت طفلها أمرٌ حتميّ؛ أي إنّها لم يعد يخامرها الشكّ في هذه المسألة، ولكن لكونها ترى أنّ عمل النبي إبراهيم هذا مبنيّ على أمر الباري، لا تنبس بحرف واحد، وتقول: دعنا وامضِ! حتّى إنّه ورد لدينا في الرواية أنّه يُخاطَب: «عندما تترك ولدك، فلا تلتفت إلى الوراء بعد ذلك!»٣ لا أن تلتفت وتنظر ماذا حلّ بهما، أو تمضي خطوة وتتراجع خطوتين، أو تمضي نصف نهار ثمّ تعود؛ كلّا، لا تلتفت بعد ذلك ولا ترجع!
وهذا الاختبار هو للنبي إبراهيم نفسه أوّلًا، ولهاجر ثانيًا. إنّ المسألة هي مسألة السيدة هاجر. فلماذا لا تكون أمّنا سارة، بل ينبغي أن تكون هاجر؟ ثمّة حساب في هذه المسألة. وحينئذٍ توضع السيدة هاجر بكلّ هذه الخصوصيّات في موقعيّة يتّصل فيها كلّ ذهنها وفكرها بعالَم الغيب والملأ الأعلى، وتغدو موقعيّة السيدة هاجر مثل هذه الموقعيّة. ومن أجل إنقاذ حضرة إسماعيل، تريد أن تؤمّن له الماء؛ فتنظر إلى الأمام وترى ماءً، وتتوجّه إلى هناك ولكنّها لا تجد شيئًا، فتعود أدراجها مرّة أخرى، وتظلّ تذهب وتجيء باستمرار. ويؤدّي عمل السيدة هاجر هذا إلى فوران وانبثاق ماء زمزم.۱ وكان هذا الأمر بسبب أنفاس السيدة هاجر هذه نفسها، ونحن أيضًا يجب علينا سعيًا وراء ماء الحياة والماء المعنويّ أن نقتفي أثر السيدة هاجر عينها، فنذهب ونجيء ونمضي ونعود! فيجب على النبيّ أن يسعى، وعلى أمّته أن تسعى، وعلى البقيّة أن يسعوا أيضًا. فلا فرق إذن، وليس من الضروريّ حتمًا أن يكون الشخص نبيًّا [حتّى يُتّخذ عمله سنّة].
كلام الشيخ محيي الدين في باب تلقّي الحقائق من عالَم الغيب
للشيخ محيي الدين بن عربي ـ أعلى الله مقامه ـ في «الفتوحات المكّيّة» أفكار حول الوحي، وحول كيفيّة إمكان تلقّي الإنسان للأمور من عالَم الغيب؛ فهو يقول هناك:
«إذا وُفّق شخص بواسطة تزكية النفس وتجاوز عوالم الخيال والحجب النفسيّة لأن يتّصل بنفس تلك الشريعة، ويُوصل نفسه إلى حيثُ تُنشأ منه الشريعة، فيمكنه أن يتلقّى الحقائق من نفس ذلك النبيّ». «وتلقّي الحقائق من نفس ذلك النبيّ، يكون إمّا بتجلّي ذلك الرسول نفسه عليه بصورته، وإمّا أن يبيّن له الفكرةَ ملَكٌ من الملائكة المطّلعين على شريعة ذلك النبيّ»٢.
وبالطبع، فإنّ لهذه الفكرة متمّمًا أيضًا؛ فمجيء الملائكة وبيانهم المسألة للإنسان هو جانب من القضيّة، [أمّا الأمر الأسمى فهو أنّه] من الممكن أن يُلقي ملَكٌ تلك الفكرة للإنسان دون أن يتّخذ صورته الملائكيّة، فيدرك الإنسان ذلك المعنى في ضميره وباطنه. وهذه المسألة دقيقة وحسّاسة جدًّا، وتحتاج إلى تأمّل كبير؛ لأنّ الشبهة والخطأ يعتريان الإنسان في كثير من الموارد والمواقف. فكي يفهم الإنسان ما إذا كانت هذه الفكرة التي تبادرت إلى ذهنه الآن وأُلقيت إليه، هي من الجنبة الرحمانيّة أم من الجنبة الشيطانيّة، فإنّ ذلك يتطلّب حاجة ماسّة إلى علوّ المقام والوصول إلى صميم الفكرة والحقيقة.
ثمّ يقول محييّ الدين:
«لقد شعرت بنفسي بأمور من هذا القبيل في ذهني، واستخلصت مسائل شرعيّة دون أن أراها في كتاب، وعرضت هذه المسائل لاحقًا على بعض علماء الحديث من علماء أهل التسنّن، الذين ينقلون في الكتب روايات عن النبيّ الأكرم، فرأيت أنّهم جميعًا قد أيّدوا ما توصّلت إليه، وذكروا روايات تؤكّد مضمون أفكاري».
ومن جملة ما يقوله:
«في بلادنا، لا أحد ينطق بتكبيرات الانتقال في الصلاة، بل يكتفون بتكبيرة إحرام واحدة في بداية الصلاة ويشرعون فيها، ولا يكبّرون قبل الركوع ولا بعده، ولا بين السجدتين، ولا عند النهوض من السجود والقيام للركعة التالية». «وقد انكشفت لي هذه المسألة وهي أنّ النبيّ الأكرم كان يكبّر أيضًا بين أجزاء الصلاة». «ولذا ذهبت إلى ذلك الصديق المتبحّر والمطّلع جدًّا على كتب الأحاديث؛ فتعجّب كثيرًا وقال: «نعم، اتّفق أنّ لدينا حول هذا الموضوع بالذات عدّة روايات نقلها مسلم في صحيحه»؛ وقرأ لي الروايات، ووقفت أنا بنفسي أيضًا بعد فترة على روايات أخرى مرويّة عن مالك بن أنس عن النبيّ الأكرم، تفيد بوجوب التكبير بين أجزاء الصلاة».۱
وبالطبع، فإنّ تكبيرات الانتقال في الصلاة مستحبّة وليست واجبة.
وهذا الموضوع يخصّ الأفراد الذين يتّصلون بعالَم الغيب وبنفس شريعة ذلك النبيّ في أيّ زمان، ويتمكّنون من تلقّي الأحكام والشرائع من هناك. ولا يقتصر هذا الأمر على العلماء وأهل الكتب، بل إنّهم غرباء عن هذه المسألة بشكل عامّ.
وظيفة الأفراد تجاه أفكار العلماء بالله والمتّصلين بحقائق عالَم الغيب
إنّ العلماء الذين يبلغون هذا المقام ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأوّل: عالم بالله وبأحكام الله. وفي هذه الحالة:
إمّا أن يتمكّنوا من بيان تلك الحقائق بما يمتلكونه من كلّيّات على النحو المطلوب، ومطابقتها مع مدارك الشرع ومصادره، ومن وجهة نظر الحكم الظاهريّ، فلن تواجه المسألة أيّ مشكلة.
وإمّا أن يبيّنوا تلك الحقائق ويجب على الإنسان أن يقبلها متعبّدًا، أو نرى أنّهم ينقلون بعض الأفكار الأخرى التي لا يمكن أن تكون علّة حقيقيّة للمسألة، وتكون وظيفة الإنسان هنا هي اتّباع هذه المسائل حتّى وإن لم يُدرك هو نفسه السرّ الكامن وراء هذا الأمر؛ لأنّ ذلك العالِم لا يمكنه بيان ذلك، فماذا يقول؟ هل يقول إنّه قد أُوحي إليّ؟! لا يجوز له أن يقول ذلك؛ وهل يقول: لقد رأيت في الكتاب؟! سيقولون له: في أيّ كتاب رأيت؟ تعال وبيّن لنا! فما العمل هنا؟ هنا يجب الطاعة والامتثال!
أو أنّه من الممكن أن يبيّنوا الأمر بنحو لا يكون مقبولًا لدينا؛ فنقول: يا أستاذ، إنّ هذه الفكرة التي تتفضّلون بها لا تتوافق مع هذا الدليل الذي تطرحونه! وهو أيضًا لا يمكنه الإفصاح عن حقيقة الأمر، ولذا فهو يوكله هنا إلى عقلي وعقلك، فإن قبلنا وعملنا فبها ونعمت، وإلّا فإن توقّفنا عند دليله فسنظلّ عالقين في دليله إلى يوم القيامة! هذا هو سرّ الموضوع الذي كنت أرغب في بيانه!
إنّ الأفراد الذين يقولون: «إنّ مسارنا هو مسار لا نخطو فيه خطوة ما لم نفهم!»، هم مبتلون بهذه المصيبة، وسيظلون عالقين إلى يوم القيامة.
القسم الثاني: أن يكون هؤلاء الأفراد علماء بالله، لا بأحكام الله؛ كالأولياء الذين اطّلعوا على الحقائق ببلوغهم مقام الغيب، ولكنّهم من الناحية الظاهريّة لا يمتلكون علمًا بالكتب. فماذا يجب أن يفعل هؤلاء الأولياء وما هي وظيفتهم؟ وما هي وظيفة الآخرين؟
من الناحية الثبوتيّة وتحقّق المعاني والحقائق في نفوس هؤلاء أنفسهم، لا مجال للنقاش والإشكال؛ بل يدور الحديث في مقام الإثبات، يدور الحديث حول ما إذا كانوا قادرين على بيان ما يجول في ضمائرهم أم لا؟
يبيّن هؤلاء الأولياء هذه المسائل للخواصّ وللأفراد الذين تربطهم بهم علاقة دقيقة ومباشرة؛ ولكن إذا أرادوا أن يخطوا خطوة واحدة أبعد من هذا المقدار، فإنّ نظام العالَم بأسره سيختلّ، ولذا فإنّهم يلوذون بالصمت. يبيّن هذا القسم من الأولياء بالله الأفكار لأولئك الذين يرتبطون بهم ويفهمون كلامهم، ومطّلعون على أسرارهم وسويداء قلوبهم، ويتحمّلون أفكارهم؛ ولكنّهم لا يبيّنونها للآخرين أبدًا، لأنّهم سيصابون بالاضطراب والتشوّش.
كيف يمكن لشخص لا يمتلك من الناحية الإثباتيّة موقعيّة في المجتمع ولا يعرفه الناس، ولا يتقبّلونه كمرجعيّة علميّة وقد ظلّ مغمورًا، وتتوفّر فيه الدواعي لبقائه مجهولًا، كيف يمكنه أن يبيّن للناس مسائل دقيقة وحسّاسة كهذه؟ ولذا فهو لا يبيّنها.
والآن يجب أن نقول: «گر گدا کاهل بود، تقصير صاحبخانه چيست؟!»۱ [يقول: إذا كان المتسوّل متقاعسًا، فما ذنب صاحب الدار؟!] فإذا ذهبتم ووصلتم إليه واتّصلتم به، واطّلعتم على أسراره وكان لديكم القدرة على تحمّل أفكاره، فإنّه سيسقيكم من نفسه المتّصلة بالغيب والحقيقة؛ ولكن إذا سعيتم لطلب الدليل، ونظرتم إلى أفكاره بعين الشكّ والريبة، وأخضعتم أحاديثه لميزان العقل الناقص، بل والخيال والقوّة الواهمة، فإنّه بدوره لن يبيّن لكم المسائل.
كلّ من خطا في هذا الوادي متعبّدًا، وصل إلى المقصد؛ وكلّ من اعتمد على نفسه، وأخضع الأفكار لمقياس رؤيته وفهمه، بخلوا عليه وحرموه. والسبب في ذلك يعود إليه هو، لأنّ [ذلك الوليّ المجهول] لا يمكنه الإفصاح، [ولو أفصح، لشكّكوا في أفكاره]، فهم يشكّكون في الأوامر المنصوصة، فما بالكم إن قال إنّ الأمر غير موجود في الكتب! حينئذٍ سيثيرون زوبعة في فنجان!۱
عدم إمكانيّة إحراز مقام الإثبات لمعرفة العلماء بالله
أتذكّر يومًا أنّنا كنّا في خدمة أستاذنا سماحة آية الله المرحوم الشيخ مرتضى الحائريّ ـ رحمة الله عليه ـ وكنّا نتوجّه بسيّارة خاصّة من قم إلى طهران، وكنت برفقته ولم يكن هناك أحد آخر في السيّارة، وكنّا طُلّاب علم وقد احتدم النقاش بيننا؛ علمًا أنّه كان يعاني من مرض في القلب، وكنّا نأخذه إلى الطبيب بسبب وعكته القلبيّة! فقلت له: يا أستاذ، ما هو النطاق المحدّد للتبعيّة لولاية الفقيه؟ وإلى أيّ حدّ يمكن للإنسان أن يتّبع ولاية الفقيه؟ وبالطبع، فإنّ هذا البحث يُعدّ من الأبحاث الشائكة جدًّا التي لا حدّ لها ولا حصر! فقال: «يا بنيّ! ما هذا الكلام؟ إنّ ذلك يقتصر إلى حدٍّ يتيقّن الإنسان فيها من انطباق المسألة على الشرع، إلى حدود معيّنة!».
ثمّ تباحثنا معه بشكل أوسع فقلنا: إذا طرأ إشكال في الموضوع أو الحكم، أو في التشابه بين الموضوع والاختلاف في المصاديق، أو ساورنا شكّ وما شابه ذلك، فكيف تكون المسألة إذن؟ فرأيناه لا يتقبّل أيًّا من هذه الأفكار على الإطلاق، ويقول: «ما هذا الكلام؟! لا يمكن التبعيّة إلّا في نطاق خاصّ!».
ذهبت يومًا لزيارة أحد السادة الذي جاء إلى مشهد، وكان يرافقه شخص آخر، وكان ذلك الشخص أيضًا من السادة ومن أهل العلم. وكان الحديث يدور حول التبعيّة للفقيه وكيفيّة تنفيذ الولاية المطلقة للفقيه؟ هل هي مطلقة أم أنّها مقيّدة بحدود وتختصّ ببعض الموارد دون غيرها؟ فاستدلّ هو ـ بما كان يمتلكه من اطّلاع على المسائل الفلسفيّة والحِكَميّة، وبما كان يُعرف عنه بأنّه ذو باع في هذا المضمار ـ قائلًا:
«إنّ الروايات والأدلّة الدالّة على التبعيّة لولاية الفقيه، تقصد قطعًا الوليّ الفقيه الذي استنبط الأحكام من الكتب والأصول الظاهريّة؛ وإلّا فإنّ الوليّ الذي بلغ مقام الولاية، كحضرة الخضر عليه السلام، لا شكّ في أنّه قادر على القيام بأيّ عمل، ولا مجال للنقاش والإشكال في ذلك. إنّ الوليّ الذي انفتحت عينه على الغيب وأصبح يمتلك إشرافًا غيبيًّا على القضايا، ولا يفتقر إلى الإثبات، لا يُساورنا أدنى شكّ في إمكانيّة قيامه بالأعمال، فبإمكانه أداء أيّ عمل كان. فيمكن لحضرة الخضر عليه السلام أن يقتل ذلك الغلام، ويمكنه أن يخرق تلك السفينة، ويمكنه أن يهدم ذلك الجدار ويبنيه؛ إنّه قادر على القيام بهذه الأعمال!
أمّا الحديث فيدور حول الحالة التي يساورنا فيها الشكّ حول ما إذا كان يجب اتّباع هذا الشخص مطلقًا في كلّ أمر ونهي يصدره أم لا؟ فهناك يجب اتّباعه. وهذا يختصّ بالعلماء الذين بلغوا مقام الاجتهاد والولاية عبر الطريق الظاهريّ؛ ولذا يجب اتّباعهم بشكل مطلق وكامل، ولو بلغ ما بلغ، وليصل الأمر إلى حيث يصل!».
فقلت له هناك: إنّ القول بأنّ الوليّ الذي يبلغ ذلك المقام قادر على القيام بأيّ عمل، هو قول صحيح ولا شكّ في هذه المسألة؛ ولكنّ الحديث يدور حول كيف يمكن للإمام عليه السلام أن يعرّف الناس بذلك الوليّ؟ وبعبارة أخرى: إنّ مقام الإثبات لا يتحقّق هنا!
ذلك الوليّ الغائب الذي لا يعرفه حتّى جاره الملاصق لجداره، كيف يمكن للإمام الصادق عليه السلام أن يعرّفه ويبيّن حاله لجميع الناس؟! هل هذا ممكن؟! ذلك الوليّ الذي لا يعلم حتّى زوجته وأبناؤه إلى أين وإلى أيّ مقامات قد بلغ، وإلى أيّ آفاق قد نفذت بصيرته واهتدت، يستحيل على الإمام الصادق والنبيّ عليهما السلام أن يقولا: أيّها الناس، تعالوا واتّبعوا هذا الوليّ! في حين أنّ هذا الوليّ يتعمّد إخفاء نفسه والتستّر وراء الستار. فمقام الإثبات لا يتحقّق هنا أصلًا.
على افتراض أنّ حضرة الخضر عليه السلام يمتلك مقام الولاية، فهل يمكن لأحد أن يصل إليه؟ نعم، إذا بلغ شخص مقام الولاية، وجبت التبعيّة له في كلّ حال، ويجب الامتثال لجميع أوامره دون قيد أو شرط؛ ولكن من الذي يمكنه الوصول إلى الوليّ؟ إنّ الإمام الصادق الذي يقول لأربعمائة تلميذ: «إذا بلغ شخص مقام ولاية الفقيه، فَلِلعوامِ أَن يُقَلِّدُوهُ»۱ ـ حيث اعتبروا التقليد هنا تقليدًا مطلقًا، في حين أنّه هنا مجمل وليس مطلقًا ـ وما شابه ذلك، فإنّ طريقة التحدّث هذه مع أربعمائة تلميذ ترتبط بمقام الإثبات، وهذا المقام هو مقام الظاهر وليس مقام الباطن. فما علاقة هذه المسألة بتلك المسألة؟!
جهل العوام بمقامات الأولياء بالله وعدم التبعيّة لأوامرهم
والآن على فرض أنّ الإمام الصادق قال ذلك أيضًا، فهل سيقبل أحد؟! على سبيل المثال، لقد أدركتم أنّ جاركم، أو هذا الشخص الذي يقطن في حيّكم، قد بلغ مقام الولاية وأصبح من أولياء الله وغدا حكمه مطاعًا؛ فهل يمكنكم أن تبيّنوا ذلك للناس؟! سيقولون: يا هذا، امضِ لشأنك! إنّه مجرّد حدّاد ولا يفقه شيئًا! فإذا جئتم الآن وقلتم: يا هذا، لقد قال الإمام الصادق: يجب عليكم أن تتّبعوا أولياء الله! سيقول: إذن فاذهب وابحث عن أولياء الله ثمّ ضع يدي في أيديهم! ومن يقول إنّ هذا الشخص هو من أولياء الله؟!
كم عدد الأشخاص الذين كانوا يعرفون السيّد الحدّاد في كربلاء وأدركوا مقامات السيّد الحدّاد؟ نحن الآن لا شأن لنا بتلك المعرفة الواقعيّة التي تنتهي إلى أنّه: يبقى عليّ وحوضه! بل إنّنا نتحدّث عن هذه المعرفة الظاهريّة فحسب؛ كم شخصًا عرفه؟ إنّ القصّاب المقابل لمنزله لم يكن يعرفه. لقد تحدّثت معه مرّة، فرأيت أنّه لا يعرف من هو! والبائع المقابل لمنزله لم يكن يعرفه، بل كان يتحدث عنه في غيابه أيضًا.
فلو جاء الإمام الصادق الآن وقال: يا أهل الدنيا، تعالوا واتّبعوا السيّد الحدّاد! هل هذا ممكن؟! إنّ ذلك الشخص العالِم الذي تجاوز الهوى وله إلمام بالكتب، والذي يعرفه الجميع أيضًا بالفضل والعلم، عندما ينطق بكلمة، يُتّهم بالغوص في الهوى وبخلط الحقائق بالأمور الباطلة؛ فما بالكم إذا قلتم: إنّ هذه الفكرة قد قالها ذلك الشخص الوليّ الفلانيّ، فحينئذٍ انظروا كيف يثيرون زوبعة في فنجان! هل سيقبل أحد؟!
بناءً على ذلك، فإنّ التبعيّة المطلقة لولاية الفقيه تختصّ قطعًا بذلك الفقيه الجامع بين الظاهر والباطن. هذا هو المقصود، وإلّا لَلَزم المحال، ولاستحال على الإمام أن يعرّف شخصًا وليًّا؛ «أَولِيَائِي تَحتَ قِبَابِي، لَا يَعرِفُهُم غَيرِي»۱.
[فلا أحد] يقبل [كلام الأولياء المعروفين]، لأنّ ذلك يتعارض مع مصالحهم الخاصّة! يقولون: يا هذا، إنّ الكلام الذي تفضّل به، قد نطق به عن هوًى؛ وهذا الكتاب الذي ألّفه، قد ألّفه لأجل نفسه وكي يطرح اسمه! من الذين يتفوّهون بهذا الكلام؟ أولئك الذين يعرفونه طوال عمرهم. أفيأتي الإمام بعد ذلك ليعرّف بالوليّ؟!
ويبدو أنّ ذلك الشخص قد اقتنع بفكرتنا، ولم ينبس ببنت شفة بعد ذلك.
رجوع بعض الفقهاء إلى العظماء والأولياء بالله لاستنباط الأحكام الشرعيّة
ولذا نرى أنّ الكثير من العظماء والأولياء الذين هم علماء بالله، على الرغم من كونهم مجتهدين مسلّمين، كانوا يلجؤون في بعض الأحيان لاستنباط الأحكام الشرعيّة إلى أستاذهم الذي لم يقرأ كتابًا قطّ؛ وكان هؤلاء بدورهم يبيّنون لهم هذه المسألة. كما هو الحال في سيرة الأستاذ الزجّاج، حيث كان تلامذته، الذين كان بعضهم مجتهدين مسلّمين، يأتونه عندما يواجهون إشكالًا مستعصيًا في مسألة ما، فكان يبيّن لهم المسألة؛ ولكنّهم لم يكونوا يخبرون أحدًا آخر، لأنّهم لا يستطيعون بيان الفكرة للآخرين.
حكاية في كيفيّة الاستنباط والتبحّر العلميّ للعلماء بالله والمتّصلين بعالَم الغيب
كان المرحوم الحاج الملّا قربان عليّ الزنجانيّ من كبار العلماء وأصحاب الأنفاس القدسيّة، وكان تلميذًا للشيخ الأنصاريّ ويحمل إجازة اجتهاد منه. لقد قدم إلى زنجان وتصدّى للفتوى، وكانت مكانته العلميّة من الناحية الظاهريّة عجيبة، بحيث إنّه أوقع سائر العلماء تحت تأثير نفوذه، وفي وقت قصير انحصرت به المرجعيّة في زنجان بأكملها وتوابعها والمدن الأخرى. إنّ دأب الأفراد وديدنهم هو أنّه بمجرّد أن يروا شخصًا في طور الارتقاء من حيث الموقعيّة الاجتماعيّة، يسارعون إلى وضع العراقيل في طريقه، ويبدؤون بتأليب الأفراد ونشر الشائعات ضدّه هنا وهناك؛ وهذه المسألة كانت ولا تزال وستبقى دائمًا! فبدأوا بالتحريض وبثّ الشائعات حول أنّه لا يمتلك العلم والمعرفة، وأنّ هناك علماء آخرين أكثر أهليّة للمرجعيّة، وما شابه ذلك.
ولذا قَدِمَ [المنتقدون والمخالفون] إلى طهران وحضروا عند المرحوم الحاج الميرزا حسن النجم آباديّ، الذي كانت المرجعيّة المطلقة في طهران محصورة به، وكان أحد التلامذة الثلاثة المبرّزين للشيخ الأنصاريّ، إلى جانب الحاج الميرزا حبيب الله الرشتيّ والحاج الميرزا حسن الشيرازيّ. يقول البعض: «إنّ الحاج الميرزا حسن الآشتيانيّ كان أيضًا ضمن هؤلاء الأربعة». ولكنّ الشيخ كان يقول: «أنا ألقي درسي لهؤلاء الثلاثة فقط!»؛ أي: الميرزا حسن النجم آباديّ، والحاج الميرزا حبيب الله الرشتيّ، والحاج الميرزا حسن الشيرازيّ.۱ فقال الميرزا حسن النجم آباديّ: «سأختبره، ثمّ أجيبكم لاحقًا». وطرح لاختباره مسائل لا يقوى على الإجابة عليها سواه. حسنًا، إنّ الملمّين والمتبحّرين في الفقه يمتلكون القدرة العلميّة على طرح مثل هذه المسائل من باب الاختبار والامتحان، ليروا مدى قوّة الطرف المقابل! فطرح بعض الأفكار وسلّمها لذلك الشخص الذي جاء من هناك، وقال له: «خذها وائتني بالجواب!». كانت حوالي عشر مسائل أو اثنتي عشرة مسألة من أعقد المسائل الفقهيّة، وكان يظنّ في قرارة نفسه أنّ الأمر سيستغرق حوالي ستّة أشهر حتّى يتمكّن ذلك الشخص من النظر في هذه الأفكار ثمّ مراجعة مصادره وكتبه.
يأتي ذلك الشخص ويجلب الرسالة معه. يطرق الباب، فيسأل الخادم: من الطارق؟ يفتح الباب، فيدخل ويقول: لقد أحضرت رسالة وأرغب في الحصول على استفتاء منه حول عشر مسائل أو اثنتي عشرة مسألة. وكان دأب المرحوم الحاج الملّا قربان عليّ الزنجانيّ أنّه: عندما كانت ترده ورقة تُطرح فيها عليه بعض المسائل، وقبل أن ينظر إلى المسألة، كان يغمس القلم في الحبر ثمّ ينظر إلى المسألة، وبمجرّد أن ينظر إلى المسألة، كان يكتب الجواب في إثرها بنفس القلم. ثمّ يغمس القلم في الدواة مجدّدًا وينظر إلى المسألة التالية و...؛ أي إنّه كان يتزامن غمسه للقلم في الدواة مع نظره إلى المسألة وكتابته للجواب؛ إلى هذا الحدّ كان حاضر الذهن. كان هذا دأبه؛ لقد كان حقًّا شخصيّة عجيبة!
يأتي ذلك الشخص ويجلس بين يديه ويسلّمه هذه الورقة. فيغمس هو بدوره، جريًا على عادته، القلم في الدواة وينظر، فيتعجّب قائلًا في نفسه: يا للعجب، إنّها ليست كباقي الأسئلة العاديّة! ثمّ يُلقي نظرة أخرى ويغمس القلم ويكتب الجواب. يغمس القلم في الدواة للمرّة الثانية وينظر إلى السؤال الثاني ويقول: لابدّ أنّ هذا أيضًا من تلك الأسئلة العاديّة، ولكنّه يراه كسؤال السابق؛ ولذا يتأمّل مجدّدًا لمدّة ثانية واحدة، ثمّ يغمس القلم في الدواة مرّة أخرى ويكتب الجواب. ويكتب جواب هذه المسائل العشر أو الاثنتي عشرة في المجلس نفسه ويسلّمها لذلك الشخص قائلًا: تفضّل! فيأخذها هو الآخر وينهض وينصرف.
وبعد بضعة أيّام، يرى الميرزا حسن النجم آباديّ من يطرق باب الدار. يفتح الباب، فيرى أنّه الشخص نفسه. فيقول: «لماذا لم تذهب؟!». فيجيب الشخص: «لقد ذهبت وعدت!». فيقول: «نعم! هل أخذت الأسئلة واستفتيته؟!». فيجيب: «نعم، لقد كتب أجوبتها جميعًا؛ تفضّل!». لقد كان قد خصّص فترة خمسة أو ستّة أشهر للإجابة على الأسئلة، ولذا قال قبل أن يرى تلك الرسالة: «هذا الرجل إمّا أنّه عبقريّ أو مجنون؛ لا يخلو الأمر من إحدى هاتين الحالتين!». وعندما نظر فيها، رأى أنّ جميع الإجابات صحيحة. حينئذٍ كتب لأهالي زنجان: «إنّه أعلى منّي منزلةً، ناهيك عن ثبوت مرجعيّته التي لا نقاش فيها». لقد كان شخصيّة فذّة إلى هذا الحدّ!۱
يُنقل عن اتّصاله وتهذيبه لنفسه قصّة عجيبة. يقول خادمه: طُرق باب الدار يومًا. ذهبت لفتح الباب، فرأيت عند الباب بضعة من وجهاء المدينة، ومن التجّار المعروفين، ومن الزهّاد والعبّاد، ومن ذوي اللحى المصبوغة بالحنّاء، ومن أولئك الذين يُعتبرون معتمدي السوق والأمّة. فقلت لهم: تفضّلوا إن كانت لكم حاجة مع السيّد! دخلوا على السيّد. فأخرج أحدهم وثيقة من جيبه ووضعها أمامه وقال: «بموجب هذه الوثيقة، يجب إنفاق أموال فلان الذي توفّي في هذه المصارف، وليس له مال آخر؛ وأولئك الذين جاؤوا وادّعوا، فهم محكومون بموجب هذه الوثيقة، ولا سبيل لهم لشيء». ألقى السيّد نظرة على هذه الوثيقة وقال: «هل تشهدون بصدق هذه الوثيقة؟». فشهدوا جميعًا قائلين: «نعم، لقد سمعناه مرارًا وتكرارًا في حياته يعترف ويقرّ بمحتويات هذه الوثيقة». فأصدر السيّد بدوره الحكم وسلّمهم الوثيقة وانصرف أولئك الأفراد.
لندع هذه القضيّة ونكتة هذا الحكم جانبًا في الوقت الحالي، حتّى نصل لاحقًا إلى ماهيّة السرّ الكامن وراء هذه المسألة.
وفي صباح اليوم التالي، طُرق باب الدار مرّة أخرى. ذهب الخادم وفتح الباب، فرأى امرأة تحمل طفلًا رضيعًا بين ذراعيها وتقول: «لي حاجة مع السيّد!». فدخلت. يقول الخادم: كنت أقف في الغرفة المجاورة وأستمع إلى حديثهما. التفت السيّد إلى هذه المرأة وقال: «أيّتها المخدّرة، ماذا تأمرين وما هي حاجتك؟». فقالت المرأة: «لقد جئت إلى هنا لأقيم الحجّة عليك بأنّني سأتعلّق يوم القيامة بأذيال النبيّ وأرفع شكواي ضدّك!». فقال السيّد، الذي كان حادّ الطباع قليلًا: «وما الذي فعلته أنا؟». فأجابت المرأة: «لقد قضيت قضاءً جائرًا!».
ـ: وأيّ قضاء قضيت؟
ـ: «جاءك أمس بضعة أفراد وأدلوا بشهادة فأصدرت حكمك. ولكن هذا المال يعود لهذا الطفل، وسأتعلّق يوم القيامة بأذيال النبيّ وأشكي أمرك! لقد جئت فقط لأقول لك هذا وأمضي!».
ـ: «لقد كانوا من عدول المؤمنين ومعتمدي الناس!».
ـ: «لقد قلت ما عندي؛ في أمان الله!».
فقال لها السيّد: «توقّفي!». ثمّ قال لها: «اخرجي من الغرفة!». فخرجت المرأة من الغرفة أيضًا.
يقول ذلك الخادم: جئت ونظرت من خلف الباب، فرأيته قد نهض وصلّى ركعتين، وبعد ذلك وضع الطفل موجّهًا نحو القبلة وجلس هو وقرأ دعاءً، ثمّ قال للطفل بلغته التركيّة عينها: «بيّن لي ما هو الحقّ والواقعيّة!». ومسح بيده على جبهة الطفل الرضيع، فأنطق الله الطفل فجأة وقال: «نعم، لقد شهد هؤلاء الأفراد الذين جاؤوا أمس شهادة زور! إنّ وصيّة والدي موجودة في المنزل الفلانيّ، وقد قام أحد هؤلاء الأفراد بدفنها وإخفائها في المخزن، والمسألة مكتوبة في تلك الوصيّة».
ثمّ التفت إلى تلك المرأة وقال: «يا أختي، تعالي وخذي هذا الطفل وامضِ؛ وسأرسل إليكِ خبرًا وأُطلعكِ على الأمر!».
وفي صباح اليوم التالي، انطلق برفقة شخصين أو ثلاثة من المقرّبين منه، وتوجّه إلى منزل ذلك الشخص الذي كان أحد أولئك الأفراد الذين جاؤوا للإدلاء بالشهادة، وطرق الباب. فتح ذلك الشخص الباب وتعجّب كثيرًا، ولأنّ الوصيّة كانت في منزله، فقد تملّكه الرعب من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه. فقال له السيّد: «أين مخزنك؟». فارتبك ذلك الشخص وقال في نفسه: ويلي! ماذا حدث؟ لم يكن أحد يعلم بهذه القضيّة! هل أفشى زملائي السرّ؟ لقد اتّفقنا على ألّا يفعلوا ذلك، وهذه القضيّة كانت تصبّ في مصلحتهم! فيقول: «تفضّل يا أستاذ!». فيدخلون؛ فيقول له السيّد: «افتح باب ذلك الصندوق الفلانيّ!». فحينئذٍ يُدرك حقيقة الأمر ويقول في نفسه: لم يعد هناك جدوى من الإنكار! ويفتح الصندوق.۱
وظيفة الأفراد تجاه أوامر الأولياء الإلهيّين الكُمَّل في الأفكار المخالفة للظاهر
إنّ هؤلاء الأفراد الذين تفتّحت بصائرهم واطّلعوا على الحقائق وحدهم، قد يتصرّفون في الظاهر بطريقة معيّنة في مسألة ما، ولكن قبل أن ينقضي ذلك الأمر، يعودون أدراجهم بأنفسهم ويصلون إلى تلك الواقعة والنتيجة المرجوّة؛ وهذه المسألة تختصّ بهؤلاء الأفراد حصرًا.
بناءً على ذلك، إذا رأينا في مسألة ما أنّ الأمر يسير بطريقة أخرى، فإنّ هذه المسألة تدور وتدور وتدور، وهو بنفسه يوجّهها أيضًا؛ ويظلّ يوجّهها حتّى ينفتح طريق، ومن خلال ذلك الطريق، يتجلّى الواقع وتظهر الحقيقة.
يقتصر هذا الأمر على أولئك الذين بلغوا مقام الباطن، وليس كلّ مُعمّم ذي لحية طويلة بقادر على القيام بذلك؛ فهم لا يستطيعون. إنّه فنّ واختصاص لا يتقنه أيّ شخص! فلا يقوى على هذا العمل إلّا من بلغ مقام الباطن وغدا وليًّا؛ وهنا يجب على الإنسان أن يسلّم أمره ويُذعن لكلّ ما يُملى عليه.
| «إِين نَفسِ بَد أَندِيش بِه فَرمَان شُدَنِي نِيست | *** | إِين كَافِرِ بَد كِيش مُسَلمَان شُدَنِي نِيست» |
| «جُز بَا نَفَسِ پِيرِ طَرِيقَت كِه خَلِيل است | *** | إِين آتَشِ نُمرُود گُلِستَان شُدَنِي نِيست» |
| «جُز بَا قَدَمِ خِضرِ حَقِيقَت كِه دَلِيل است | *** | إِين وَادِي پُر بِيم بِه پَايَان شُدَنِي نِيست»۱ |
[يقول:
هذه النفس الخبيثة لا تقبل الخضوع للأوامر *** وهذا الكافر السيّئ السريرة لا يمكن أن يُسلم
إلّا بأنفاس شيخ الطريقة الذي هو بمثابة الخليل *** لا يمكن أن تصبح نار النمرود هذه روضة
إلّا بخطى خضر الحقيقة الذي هو الدليل *** لا يمكن بلوغ نهاية هذا الوادي المليء بالرعب].
المعرفة الناقصة لبعض العلماء بحقيقة ولاية النبيّ والأئمّة المعصومين والأولياء الإلهيّين
يجب أن ينصبّ كلّ همّ الإنسان وغمّه على ألّا يجادل متى ما وقف على قضيّة أو فكرة ما؛ فهؤلاء العلماء الذين هم علماء بالله، يختلف حسابهم كثيرًا عن العلماء بأحكام الله. شتّان بين من أدرك صميم الواقع، وبين من اكتفى بتقليب صفحات الكتب يمنة ويسرة، ويسعى ببصيرته ورؤيته لاستنباط الأفكار. وحينئذٍ تكون النتيجة أن يأتي أحد أشهر علمائنا، ومن أشهر أعلامنا، ومن أكثر محدّثينا خبرة، والذي يعتبر افتخار العلماء والفقهاء به شرفًا لهم، كالمرحوم المحدّث النوريّ ليقول:
«بعد الأئمّة عليهم السلام، الذين بلغوا مقام العصمة، لا يرقى أيّ شخص إلى عظمة ومقام سلمان الفارسيّ»٢.
فهل سلمان أرفع مقامًا من حضرة أبي الفضل أيضًا؟! إنّه يقول: هو أرفع مقامًا!٣ هل يعني هذا أنّه أرفع مقامًا من حضرة عليّ الأكبر أيضًا؟! إنّه يقول: بعد الأئمّة الذين بلغوا مقام العصمة، لا يرقى أيّ شخص إلى عظمة ومقام سلمان!
أين سلمان وأين حضرة أبو الفضل؟ يجب أن يأتي ألف شخص كَسَلمان ليكنسوا برموش أعينهم تراب أقدام زوّار حضرة أبي الفضل، ويكحّلوا به أعينهم! فلماذا يتفوّهون بهذا الكلام؟ لأنّهم يفتقرون إلى الاختصاص ولا يدركون الحقيقة. ويوجد من أمثاله بين الفقهاء أيضًا، وبالطبع فإنّ الجميع على هذه الشاكلة؛ كلّ شخص بطريقته الخاصّة!
يقول المرحوم صاحب الجواهر في مبحث الماء الكرّ في «جواهر الكلام»:
«لقد أخطأ الإمام عليه السلام في هذه المسألة، وهذا لا غبار عليه؛ ففي النهاية، ليس الإمام متخصّصًا في الرياضيّات، ومن الوارد أن يخطئ أحيانًا في تقدير الكمّيّات! وعلى الرغم من أنّ الأئمّة قد بلغوا مقام الطهارة، إلّا أنّ الله يوحي إليهم بما يشاء متى شاء، ويمسك عنهم متى شاء. وبما أنّ الإمام غير متخصّص في هذه المسألة، فمن الطبيعيّ أن يخطئ ويذكر مقدار الكرّ بشكل خاطئ»٤.
إنّه أيضًا على غرار المرحوم المحدّث النوريّ!
وحينئذٍ أين هؤلاء الأفراد، وأين ذلك الشخص الذي لم يقرأ كتابًا قطّ ولا حظّ له من القراءة والكتابة «وَقَلبُهُ يَزهَرُ كَمَا يَزهَرُ المِصبَاحُ»۱؟! يجب أن يأتي الآلاف من أمثال هؤلاء الأفراد ليغترفوا من معينه، هذا إن فهموا ما يقول أصلًا!
إنّ حضرة أبا الفضل عليه السلام هو كعبة جميع الأولياء ومطافهم! فكلّ من تشتدّ به الخطوب، يلجأ إلى حضرة أبي الفضل عليه السلام!٢ إنّ هذا الأمر معروف جدًّا، ويُقال: إلى هذا الحدّ يُيسّر حضرة أبو الفضل عليه السلام قضاء الحوائج! بينما يُرجئ الإمام الحسين عليه السلام الأمر قليلًا. ومن المعروف أنّ الأفراد يتوجّهون إلى حرم حضرة أبي الفضل عليه السلام لقضاء الحوائج، ويتوجّهون لزيارة الإمام الحسين عليه السلام.
المصيبة العظمى: عطش أهل بيت الإمام الحسين عليه السلام وشهادة ساقي كربلاء
يقول عبد الله الأهوازيّ: كنت أمشي في السوق، فوقع بصري على شخص يرتدي ملابس رثّة للغاية، وكان رأسه ووجهه في حالة مزرية، وقد اكتسى وجهه سوادًا مخيفًا، وكانت تفوح منه رائحة كريهة ومقزّزة جدًّا، وكان يتسوّل ويستجدي. فقلت له: لماذا أصبحت حالتك هكذا؟ فلم يعرني اهتمامًا ومضى. فقلت: ماذا حدث؟ لماذا أنت هكذا؟! لم أرَ أحدًا بهذا الشكل حتّى الآن! فقال: سأسرد لك قصّتي إن أعطيتني طعامًا ومالًا. فأخذته إلى المنزل وقلت له: قصّ عليّ ما حدث معك!
فقال: كنت أحد قادة جيش عمر بن سعد، وكان عمر بن سعد قد وكّلني بحراسة شريعة الفرات. فجاء الأمر بإغلاق الشريعة! فأمرت رجالي بمراقبة الشريعة يقظين حتّى لا يتمكّن أيّ من رجال سيّد الشهداء من جلب الماء. وقد غلبهم العطش. فرأيت يومًا أنّ أبا الفضل قد قدم مع مجموعة، وشقّ جميع الصفوف وشتّت شمل جميع الأفراد وأزاحهم جانبًا حتّى ولج الشريعة وملأ القِرب بالماء ومضى. فأبلغت عمر بن سعد بأنّ عدد رجالنا غير كافٍ لحراسة الشريعة!
إلى أيّ مدى قد تبلغ الشقاوة حقًّا؟ إنّ المرء ليتعجّب! يجب على الإنسان أن يلوذ بالله حتّى آخر عمره ليختم له بالخير في أواخر أيّامه! فهذا الشخص هو نفسه الذي كان يستميت في التضحية في جيش أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفّين.٣ ولكنّ الأمور تنقلب رأسًا على عقب تدريجيًّا.
لقد قرأت في التاريخ أنّ شبث بن ربعيّ هذا كان من الأفراد الذين يلازمون أمير المؤمنين، ولكنّه كان متذبذبًا؛ فقد كان من بين الذين كان لهم دخالة في مقتل عثمان۱، ثمّ غدا لاحقًا من حاشية أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ ارتدّ، وعاد مرّة أخرى لاحقًا. وشارك في حرب الإمام الحسن عليه السلام ضدّ معاوية، ثمّ خان الإمام لاحقًا!٢ لقد كان شخصًا غريب الأطوار حقًّا! وانتهى به المطاف أخيرًا في كربلاء.
كان ذلك الشخص يقول:
ألحق عمر بن سعد أربعة آلاف رجل آخرين برجالي. فرأيت مرّة أخرى أنّ أبا الفضل قد قدم مع مجموعة، فبدأ جميع رجالي الذين تزايد عددهم بإمطارهم بوابل من السهام، بحيث إنّه لم يتمكّن من الوصول إلى الشريعة، فعاد مع أولئك الأفراد إلى المخيّم. ففرحت كثيرًا لأنّهم لم يتمكّنوا من الحصول على الماء هذه المرّة.
ثمّ قال: توجّهت ليلة عاشوراء نحو خيمة الإمام الحسين لأستكشف الأمر؛ فرأيت أنّ أصوات بكاء الأطفال قد تعالت جميعها، والكلّ ينادي: العطش العطش، ففرحت كثيرًا وقلت في قرارة نفسي: إنّ خطّتي تسير على ما يرام. ثمّ اقتربت فرأيت سيّد الشهداء يتحدّث مع حضرة أبي الفضل، وكان حديثهما يدور حول الماء، فيقول الإمام: «يا أخي، ألا تسمع بكاء الأطفال؟». فيجيب حضرة أبو الفضل: «لا يمكنني الذهاب الآن، فالأمر مستحيل تمامًا، إنّه الليل ولا أرى شيئًا أمامي!». فيجهش سيّد الشهداء بالبكاء؛ فيزرع حضرة أبو الفضل بصيص أمل في نفس سيّد الشهداء ويقول: «اصبر حتّى الغد، سأذهب غدًا وأجلب لهم الماء!». فيفرح الإمام.
لقد كانت أحداث كربلاء بأكملها ملقاة على عاتق حضرة أبي الفضل!
يروي هذا الشخص ويقول:
بعد انقضاء الظهيرة، رأيت أنّ أبا الفضل يحمل قربة الماء على كتفه وحيدًا فريدًا ويتقدّم نحو الشريعة. فقلت لرجالي: لا تدعوه يقترب من الشريعة! فمنعوه، فشرع حضرة أبو الفضل في القتال، وتقدّم وأزاح الجميع جانبًا، وأطاح بأولئك الثمانية آلاف رجل جميعًا، ثمّ ولج الشريعة وملأ القربة وخرج.
وعندما خرج، التفتّ إلى من حولي وقلت: لا بأس إن لم تصيبوه هو، ولكن صوّبوا سهامكم نحو القربة حتمًا! فبدأوا برمي السهام! وبلغ الأمر حدًّا تعالَت فيه صرخة أبي الفضل، وذلك عندما هووا بعمود على رأسه الشريف، فنادى: «وا أخاه! يا أبا عبد الله، أدرك أخاك!».
فجاء الإمام ووقف عند رأس أخيه، وكانت أوّل عبارة نطق بها هي: «وَاللَهِ انكَسَرَ ظَهرِي وَقَلَّت حِيلَتِي! وَا أَخَاه! وَا عَبَّاسَاه! وَا مُهجَةَ قَلبَاه! يَعِزُّ عَلَيَّ فِرَاقُكَ؛ لم أعد أطيق فراقك!».
ثُمَّ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيهِ۱.
رثاء حضرة سيّد الشهداء وأمّ البنين في مصيبة حضرة العبّاس عليهما السلام
للإمام أبيات يرثي بها أخاه ويقول:
| أَحَقُّ النَّاسِ أَن يُبكَى عَلَيهِ | *** | فَتًى أَبكَى الحُسَينَ بِكَربَلَاءِ. |
| أَخُوهُ وَابنُ وَالِدِهِ عَلِيٍّ | *** | أَبُو الفَضلِ المُضَرَّجُ بِالدِّمَاءِ. |
| [وَمَن وَاسَاهُ لَا يَثنِيهِ شَيءٌ | *** | وَجَادَ لَهُ عَلَى عَطَشٍ بِمَاءِ]٢. |
يُنقل أنّ أمّه أمّ البنين كانت تبكي في المدينة، وتنشد الأبيات وترثيه، بطريقة تُبكي بها العدوّ والصديق؛ فكانت تقول:
| أُنبِئتُ أَن قَد أُصِيـ | *** | ـبَ بِرَأسِهِ مَقطُوعَ يَدِ. |
| وَيلِي عَلَى شِبلِي أَمَا | *** | لَ بِرَأسِهِ رَأسُ العَمَدِ. |
| لَو كَانَ سَيفُكَ فِي يَدَيـ | *** | ـكَ لَمَا دَنَا مِنكَ أَحَدُ٣. |
تقول: «لم يكن طفلي وابني ممّن يجرؤ شخص على ضرب رأسه بعمود، ولم يكن عبّاسي ممّن يستطيع أحد أن يُسقطه من على ظهر حصانه إلى الأرض؛ لابدّ أنّهم بتروا يديه أوّلًا، ثمّ ضربوا رأسه بالعمود!».
وسيعلم الّذين ظلموا آل محمّد أيّ منقلب ينقلبون،
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾.
باسمك اللّهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك،
بحقّ محمّد وأهل بيته الأطهار،
يا الله يا الله يا الله....