المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1411/02/23
هو العليم
تحليل وقائع وأسرار ولادة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله
طرح مباني الإسلام – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة الثانية
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى)
إلقاء:
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا
وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا المصطفى المؤيّد أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
﴿بِسۡمِ ٱللَهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ * وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ * أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فََٔاوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ * فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ * وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾۱
أحوال الناس في زمن الجاهليّة
وصف أمير المؤمنين عليه السلام ـ في عدّة مواضع في نهج البلاغة ـ النّاس في زمن الجاهلية، ذلك الزمن الذي سبق رسالة وبعثة النبيّ الأكرم، بأوصافهم الجاهليّة. يقول عليه السلام في أحد المواضع:
«بَعَثَه و النّاسُ ضُلّالٌ فی حَیرةٍ و خابِطون فی فِتنةٍ، قد استَهوَتهُم الأهواءُ و استَزَلَّتهُم الکِبریاءُ و استَخَفَّتهم الجاهِلیّةُ الجَهْلاءُ حَیاریٰ فی زَلزالٍ من الأمرِ و بَلاءٍ منَ الجَهلِ؛ فبالغَ صلّی الله علیه و آله و سلّم فی النَّصیحَة و مَضیٰ علی الطَّریقةِ و دعا إلی الحِکمةِ و الموعظةِ الحَسنةِ».٢
فيما يخص بعثة النبي الأكرم، لم يكن الأمر كما يعتقد البعض من أن رسالة الأنبياء وظهور الرسل كانا بحكم الضرورة التاريخية وحتمية الزمان. وإذا وفّقنا الله، سنتحدث حول هذه المسألة عند تناول أحواله الشريفة إبّان البعثة.
إن شاء الله بمشيئة الله، كنّا ننوي في هذه الأيّام أن نتمكّن من استعراض تاريخه استعراضًا إجماليًّا، ولكن يبدو من برنامج العمل أنّ هذا يحتاج إلى دروس عديدة؛ لأنّ مجرّد دراسة تاريخه ليس مجرّد نقل للوقائع والحوادث التي وقعت في زمن عمره المليء بالبركة؛ بل إنّ جمع المواضيع ودراستها هو أمر آخر، وإن شاء الله بمشيئة الله سنحاول في هذه الأيّام أن نصل إلى هذا الهدف إلى حدّ ما.
السنّة الجاهليّة في وأد البنات
ذات يوم جاء قيس بن عاصم إلى النبيّ الأكرم وقال: «يا رسول الله! لقد ارتكبت ذنبًا يثقل كاهلي!». فقال صلّى الله عليه وآله: «وما كان ذنبك؟». قال: «لقد وأدتُ بيديّ سبعًا من بناتي!». يعني كما يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام، في الزمن الذي كان للناس فيه مثل هذا السلوك والعادة، ظهر نبيّنا، وأوصل هؤلاء الناس بهذه الكيفيّة إلى مكانة تجعلهم عبرة وموضع غبطة للآخرين.
عندما جاء قيس بن عاصم إلى النبيّ وكان يشرح كيف كان يئد بناته، قال من جملة ما قال:
«كانت لي بنتٌ، وعندما وُلدت (ويبدو أنّها كانت آخر بناته) لم أكن أميل إلى التخلّص منها عند ولادتها، ولكن بسبب ذلك الشعور بالخزي الذي كان عادة ورسمًا عند أعراب الجاهليّة، تأثّرت بهذا الموضوع كثيرًا. حتّى بلغت هذه البنت الثالثة من عمرها، وبدأت تتكلّم وتتعلّم المشي. أخذت البنت وأتيت بها إلى الصحراء، وحفرت حفرة. وبينما كنت مشغولًا بحفر هذه الحفرة، كانت هذه البنت عندما ترى منّي حالة التعب والعناء والمشقّة، تمسح بذيالها عن وجهي ورأسي العرق الذي كنت أتصبّب به؛ حتّى انتهيت من الحفرة. رأيت أنّ هذا الأمر مزعج جدًّا بالنسبة لي؛ كانت تواسيني باستمرار بلسانها الطفوليّ، وتتأثّر لأنّني كنت في حالة من الانزعاج».
كان ينقل هذه الأمور للنبيّ، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يذرف الدموع! ثمّ يقول: «عندما انتهيت من الحفرة، أحضرت هذه البنت وألقيتها فيها، وهلت عليها التراب!».۱
انظروا حقًّا أيّ أناس كانوا في ذلك الزمان! هذا كان وضع الناس في ذلك الزمان! وبالطبع أشباههم موجودون في هذا الزمان أيضًا! جاء في الأخبار والتاريخ أنّه: كلّ امرأة كان يقترب موعد ولادة طفلها، كانوا يضعونها بالقرب من حفرة؛ فإذا كان مولودها ذكرًا قبلوه، وإلّا رموا طفلها في تلك الحفرة عينها! هذا عجيب جدًّا بالنسبة لنا ومثير للتعجّب!
والآن يجب على النبيّ أن يتحدّث مع مثل هؤلاء الأشخاص وأن يعاشرهم! تُنقل حكايات حول تفاخرهم وأنانيّتهم، والمواضيع المتعلّقة بهذا المجال كثيرة. لأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، في شرح وتفسير السورة المباركة ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾، خطبة عجيبة جدًّا، وقد شرح ابن أبي الحديد تلك الخطبة أيضًا،٢ ولأنّ عادته هي أن يتمكّن في كلّ مورد وفي كلّ موقع من تثبيت مذهبه ومعتقده، فقد بدأ في هذا المجال بذكر مواضيع عن عمر أيضًا.٣ وحقًّا يذكر أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الخطبة أمورًا عجيبة عن الناس في ذلك الزمان، وعن أخذ العبرة من الموتى، وهي موضع للاعتبار بحقّ!
توحيد حضرة عبد المطّلب وحضرة أبي طالب
كان جدّ النبيّ الأكرم حضرة عبد المطّلب من الموحّدين؛ خلافًا لما كُتب في بعض كتب اليوم: «إنّه وحضرة أبي طالب كانا يعبدان الأصنام»۱، وهو بالطبع غير صحيح.٢ كان حضرة عبد المطّلب موحّدًا تامًّا، وكانت أخلاقه وسلوكه مضربًا للمثل بين الناس في ذلك الزمان، ولم يعبد صنمًا قطّ! والمواضيع الكثيرة والحكايات ومكارم الأخلاق التي تُنقل عنه متوفّرة، وإذا أردنا الخوض فيها، فسنبتعد عن الموضوع الأساسيّ الذي هو حياة النبيّ الأكرم؛ ولكن بخصوص مسألة واحدة يجب التذكير بها، ينبغي ذكر بضع جمل.
ورد في التاريخ أنّ حضرة عبد المطّلب نذر يومًا أنّه إذا أوصل الله تعالى أبناءه إلى عشرة، فسيذبح أحدهم في المسجد الحرام وعند الكعبة قربة إلى الله، وشكرًا لله، ومن أجل رضا الباري عزّ وجلّ، ولتجاوز المراتب النفسيّة والوصول إلى مقامات القرب. والموضوع موضوع موثّق، وقد ورد في كتاب مناقب ابن شهر آشوب.٣
نسخ بعض أحكام الأمم السابقة ببركة وجود النبيّ الأكرم
قد يكون هذا الأمر مدعاة للشبهة والتأمّل بالنسبة للإنسان. لتوضيح هذه المسألة، يجب أن أبيّن أنّ الأحكام التي جاء بها نبيّ الإسلام في شريعتنا قد تختلف عن أحكام الشرائع السابقة؛ فالكثير من الأحكام الموجودة في شريعة حضرة موسى وحضرة عيسى على نبيّنا وآله وعليهما السلام، قد نُسخت في شريعة النبيّ الأكرم.
نسخ صوم الصمت في الإسلام
على سبيل المثال، في الشريعة السابقة، كان لدينا صوم الصمت. كان الشخص يصوم، وكان من شروط وقيود ذلك الصوم ألّا يتحدّث مع أحد في ذلك اليوم؛ وأن ينطوي على نفسه، ويتفكّر في ذاته، وينشغل بذكر الله، وكان التحدّث مع شخص آخر ممنوعًا. وهو يشبه الاعتكاف الذي لدينا في شريعتنا، حيث إنّ المسلم عندما يعتكف في المسجد لثلاثة أيّام، لا ينبغي له أن يختلط بأحد إلّا بمقدار الضرورة، ولا يخرج من المسجد، ويصوم لثلاثة أيّام وفقًا لشروط معيّنة؛٤ إلّا أنّها لا تشمل الامتناع عن الكلام، ولكن في صوم الصمت، لا ينبغي له أن يتحدّث بأيّ شكل من الأشكال.
في الآية الشريفة حول حضرة مريم سلام الله عليها نقرأ قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا﴾۱.
(يخاطب الله تعالى حضرة مريم): كلي من هذه الشجرة، واشربي؛ وإذا عدتِ إلى قومك وسألوكِ عن هذا الأمر، فقولي: إنّي نذرت أن أصوم ولا يجوز لي أن أكلّم أحدًا!». ولكن في شريعة النبيّ الأكرم، نُسخ هذا الصوم وأصبح حرامًا؛٢ وإذا صام شخص بهذا الشكل، فلن ينعقد صومه. وهذا من الأحكام التي نُسخت.
حكم المرتدّ في الإسلام ونسخ حكم الارتداد في شريعة حضرة موسى
أو في قوله تعالى حول قوم حضرة موسى في آيات القرآن: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ﴾ ٣؛ «قال حضرة موسى لقومه: إنّكم بسبب غيابي وعبادتكم للعجل، قد ظلمتم أنفسكم، وارتددتم عن دين الله، وأصبحتم مرتدّين!». ﴿فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾٤.
جاء في الرواية أنّ بني إسرائيل تقاتلوا في يوم واحد من الصباح إلى العصر وكان يقتل بعضهم بعضًا؛ فالأخ يقتل أخاه، والأب يقتل ابنه، والابن يقتل أباه، حتّى وقت الغروب حين أُبلغ حضرة موسى بنسخ هذا الحكم وإتمامه من جانب الباري عزّ وجلّ.٥
إنّ كون حكم المرتدّ في شريعة الإسلام هو القتل، أمر صحيح، ولكن ليس بهذا النوع من الارتداد. الشخص يصبح مرتدًّا عندما ينكر إحدى ضروريّات الدين؛ بالطبع بشرط إحراز ارتداده وفقًا لظروفه، وألّا يكون هذا الارتداد ناتجًا عن اشتباه واستنتاج من مقدّمات خاطئة، أو أن يكون هذا الشخص قد التبس عليه الأمر ولم يخطئ عن غير قصد، بل يجب أن يكون متعمّدًا.
إذا أنكر شخص عن عمد وعناد إحدى ضروريّات الدين، فهو مرتدّ. كأن ينكر الحجاب مثلًا ويقول إنّه لا حجاب في الإسلام أصلًا، أو ينكر الصلاة. الأمر على وجهين: تارةً يصلّي الشخص أحيانًا ولا يصلّي أحيانًا أخرى، أو لا يلتفت إلى الصلاة ويتجاهلها؛ وتارةً ينكر شخص الصلاة ويقول إنّه لا صلاة لدينا أصلًا!
في هذه الحالة، يكون الأمر على حالتين: إمّا أن يكون هذا الشخص مسلمًا، أي إنّ انعقاد نطفته كان في الوقت الذي كان فيه أبوه أو أمّه مسلمين، ويولد هذا الشخص على فطرة الإسلام ويولد مسلمًا، ويُسمّى بالمرتدّ الفطريّ، وحكم هذا الشخص هو الإعدام، إلّا أنّ هذا مستثنى بالنسبة للمرأة. وإمّا لا، فقد كان هذا الشخص سابقًا على دين آخر، ثمّ تشرّف بدين الإسلام لاحقًا، ويُسمّى بالمرتدّ الملّيّ، وحكم المرتدّ الملّيّ ليس الإعدام، بل يجب استتابته وتوضيح الأمر له؛ فإن تخلّى عن عناده فبها ونعمت، وإلّا وجب قتله.۱
هذا هو حكم شريعة الإسلام؛ أمّا أن يكون جزاء من يرتدّ هو أن يتقاتلوا ويقتل بعضهم بعضًا، وربّما ينجو الكثير ممّن ارتدّوا، فهذا الحكم ليس موجودًا بهذا النحو في شريعة الإسلام. هذا الحكم كان في شريعة حضرة موسى، وهو من الأحكام التي كانت متعلّقة بشريعة حضرة موسى.
نسخ حكم الطهارة المخصوصة في أمّة حضرة موسى
أو على سبيل المثال، كان في شريعة حضرة موسى أنّه: إذا تنجّس موضع من البدن، فيجب قطع ذلك الموضع! أمّا هذا فليس في شريعة نبيّنا، وبغسل الموضع مرّتين بالماء، تُحلّ المسألة وتحصل الطهارة. الكثير من الأحكام التي كانت في الشرائع السابقة، قد تغيّرت في شريعتنا.٢
ذبح الولد لتجاوز المراتب النفسيّة في شريعة حضرة إبراهيم
بالنسبة لحضرة إبراهيم عليه السلام، ورد أنّ الله تعالى جعل ذبح الولد لحضرة إبراهيم قربة إلى الله ووصولًا للمقامات العالية؛ وهذا الأمر يمثّل اليوم بالنسبة لنا مدعاة للتعجّب، فمع كلّ هذه المسائل الموجودة، وكلّ هذه الموارد والطرق والسبل المتاحة لتجاوز المراتب النفسيّة، كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟! أمّا هذه الكيفيّة والخصوصيّة فليست موجودة في شريعة الإسلام وفي شريعة النبيّ الأكرم.
يحكي الله تعالى على لسان حضرة إبراهيم أنّه قال لإسماعيل: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾٣. لقد أوحى الله تعالى لحضرة إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل. كان هذا حكمًا من الأحكام الإلهيّة التي شرّعها الله تعالى في ذلك الوقت لا محالة، ولم يُبدِ حضرة إسماعيل أيّ امتناع عن هذا الأمر، بل قال: ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُ﴾؛ ﴿سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾. وقد أتى حضرة إبراهيم بحضرة إسماعيل، ووضع السكّين فعلًا على حنجرته، وكان قاصدًا ذبحه حقًّا، وكان يريد حقًّا أن يقدّمه قربانًا قربة إلى الله؛ إلّا أنّ أمر الباري عزّ وجلّ قد تغيّر، ولم تقطع السكّين حنجرة حضرة إسماعيل، وانتهت القصّة إلى ما تعلمون.٤
نذر حضرة عبد المطّلب بذبح أحد أبنائه
الحديث يدور حول ما ورد في التاريخ: لقد تشكّلت هذه المسألة في ذهن حضرة عبد المطّلب بهذا الشكل، وتصوّر القضيّة على نحو أن يذبح أحد أبنائه لرضا الباري عزّ وجلّ. الفكرة هي أنّ حضرة عبد المطّلب لم يكن يقوم بعمل عبثيّ! حضرة عبد المطّلب كان الموحّد الأوّل! حضرة عبد المطّلب كان جدّ النبيّ الأكرم، ولم يكن أحد في مكّة يعبد الله مثله!
حضرة عبد المطّلب هو نفس الشخص الذي عندما جاء أبرهة لتدمير الكعبة وهدمها، في الوقت الذي نُهبت فيه إبله وسُلبت، ذهب ليستردّ إبله من أبرهة؛ فقال له أبرهة:
«ظننت أنّك جئت لتشفع كي أكفّ عن قتل الناس وهدم الكعبة! أمّا أنت فقد جئت تطلب منّي إبلك؟!».
فأجابه:
«أنا صاحب إبلي، ولهذا البيت ربّ؛ أي أنّ للبيت نفسه صاحبًا يحفظه!».۱
يعني الحساب هنا حساب آخر. لم يكن حضرة عبد المطّلب رجلًا عاديًّا حتّى نعدّ هذا الفعل منه فعلًا عاديًّا!
جاء في التاريخ أنّه نذر أن يذبح أحد أبنائه، وعندما بلغ عدد أبناء حضرة عبد المطّلب عشرة وكبروا، أتى بهم إلى جانب الكعبة، وأمسك بأستارها وقال: «يا ربّ، أنت صاحب هذا البيت الكريم! يا ربّ، أنت صاحب المشاعر العظام! يا ربّ، أنت صاحب الملائكة الكرام! اللّهمّ أنت خلقت الخلق لطاعتك، وأمرتهم بعبادتك، لا حاجةً منك!»٢. (هذه القصص المتعلّقة بحضرة عبد المطّلب وكلامه ومناجاته للبارئ، ليست مناجاة شخص يعبد الأصنام أو إنسان عاديّ؛ بل الأمر أسمى من ذلك بكثير!).
بعد ذلك، أخرجهم من المسجد الحرام، وكتب أسماءهم على قداح لكلّ واحد من هؤلاء الأولاد، وأجرى القرعة. فوقعت قرعة تلك القداح على اسم حضرة عبد الله، أي أن يذبح حضرة عبد الله. إنّ هذه القضيّة هي حقًّا قضيّة عجيبة، فكما أنّ النبيّ الأكرم كان أبوه عبد الله وكان ينبغي أن يُذبح ولم يُذبح، فإنّ جدّ النبيّ، حضرة إسماعيل، قد مرّ بنفس هذه الحالة وهذه المرتبة؛ إلى أن وقعت القرعة باسم سيّد الشهداء! هذا ليس مسارًا عاديًّا لنتجاوزه بشكل عابر.
يأخذ حضرة عبد المطّلب السكّين ليذبح حضرة عبد الله، وفي هذه اللحظة يتقدّم شقيق عبد الله، حضرة أبو طالب، ويمسك بيد أبيه ويقول: «اذبحني مكانه!». يعني من بين جميع إخوة عبد الله وأبناء عبد المطّلب، يفعل أبو طالب هذا الفعل! ما هي العلاقة بين حضرة أبي طالب وعبد الله؟!
بعد ذلك، يأتي سائر أقارب عبد المطّلب وأبي طالب وينهون حضرة عبد المطّلب، ويتّفقون على إحالة الأمر إلى امرأة كاهنة۱ والرجوع إليها في هذا الشأن٢. يخرج حضرة عبد المطّلب برفقة ثمانمائة رجل من قريش إلى خارج مكّة، ويذهب إلى تلك المرأة ويقول: «إلهي، امضِ فيّ حكمك، وقدّر في هذا العمل ما يحظى برضاك!». تقول تلك المرأة: «كم دية الرجل عندكم من الإبل؟». فيجيبون: «عشر من الإبل». فتقول: «حسنًا جدًّا! ضعوا عبد الله في كفّة وعشرًا من الإبل في كفّة أخرى، واضربوا القرعة؛ فإذا وقعت القرعة على الإبل العشر، فبها ونعمت، وإلّا فإذا وقعت القرعة على عبد الله، فزيدوا عشرًا أخرى من الإبل لتصبح عشرين، واضربوا القرعة مرّة أخرى؛ فإن وقعت على عبد الله مجدّدًا، فزيدوا عشرًا أخرى؛ وهكذا زيدوا حتّى تقع القرعة على الإبل».
فعلوا ذلك إلى أن بلغ عدد الإبل مائة إبل نتيجة الزيادة والإضافة. في هذه اللحظة وقعت القرعة على الإبل، فارتفعت أصوات التكبير من ذلك الجمع، وسقط حضرة عبد المطّلب مغشيًّا عليه على الأرض. وعندما أفاق، كبّر الله؛ فجاء نداء من السماء سمعه جميع الحاضرين، وكان النداء: «قُبل الفداء ونفذ القضاء، وآن ظهور محمّد المصطفى!».٣
ومنذ ذلك الحين أصبحت دية الفرد والرجل مائة إبل. هذه كانت منزلة حضرة عبد المطّلب وخصوصيّة حضرة عبد الله، لكي نعرف أيّ أجداد كانوا أجداد النبيّ، وأيّ أب كان أبوه!
عظمة حضرة عبد الله والد رسول الله
جاء في التاريخ: «عندما كان حضرة عبد الله يسير بين الناس، كان ينبعث من جبينه نور يبهر الأبصار».٤
لا ينبغي لنا أن نتعجّب؛ فقد يشعر الإنسان في بعض الأحيان وفي بعض الأشخاص بحالة نورانيّة في وجه الشخص، حيث تخلق غلبة النور واللطافة والصفاء في وجه ذلك الشخص هالة من النور؛ وهذا الأمر قد يحدث.
ورد في التاريخ أنّه: «ما كان حضرة عبد الله يمرّ بشجرة أو حجر، إلّا وسجدا له. وظلّ هذا النور في جبينه حتّى استقرّ النبيّ الأكرم في رحم أمّه، حضرة آمنة، فانتقل النور إلى آمنة».۱ ذات يوم كان حضرة عبد الله يمرّ من مكان، فرأته امرأة تُدعى فاطمة بنت مرّة؛ وكانت امرأة من أهل الكتاب قرأت الكتب القديمة وكتب العهدين وكانت مطّلعة على المسائل والمواضيع. بمجرّد أن وقع نظر فاطمة بنت مرّة على حضرة عبد الله طلبت منه الزواج، ورجته أن يتّخذها زوجة.
لم يعرها حضرة عبد الله اهتمامًا ولم يجب طلبها، وأخبر والده حضرة عبد المطّلب بالقضيّة. في ذلك الوقت، زوّج حضرة عبد المطّلب آمنة بنت وهب لعبد الله. بعد قران آمنة وحضرة عبد الله وزواجهما، مرّ عبد الله يومًا في شوارع مكّة فوقع بصره على فاطمة بنت مرّة نفسها؛ فتقدّم نحوها من باب الامتحان والاختبار وقال لها: «لقد طلبتِ منّي طلبًا سابقًا وأردتِ شيئًا، هل تتذكّرين؟!». فقالت فاطمة: «في ذلك الوقت كنت أطلب منك، أمّا الآن فقد فات الأوان! كنت قد قرأت في الكتب أنّه من صلبك سيستقرّ طفل في رحم امرأة، يُسخّر شرق العالم وغربه لدينه وشريعته؛ وكنت أتمنّى أن أكون أنا تلك المرأة!».٢
علامات وحوادث وأسرار زمن ولادة النبيّ الأكرم
كما ذُكر سابقًا، توفّي حضرة عبد الله في المدينة المنوّرة أثناء سفره عائدًا من الشام إلى مكّة، ففقد النبيّ الأكرم والده وهو في بطن أمّه.٣
لدينا في التاريخ علامات وأخبار تتعلّق بولادته صلّى الله عليه وآله؛ على سبيل المثال، ورد في التاريخ أنّه في الليلة التي وُلد فيها النبيّ الأكرم، انطفأت نار فارس بعد أن ظلّت مشتعلة لألف عام وكانت مَعبدًا للزرادشتيّة؛ وتساقطت جميع أصنام الكعبة؛ وبطلت علوم الكهنة وسحر السحرة؛ وتصدّع إيوان المدائن؛ وفي تلك الليلة خرّ جميع ملوك الأرض صرعى على وجوههم؛ وجفّت بحيرة ساوة.
إنّ هذه الآثار التي ظهرت في تلك الليلة ببركة وجوده صلّى الله عليه وآله، هي بأجمعها تجلّيات لوجوده التي برزت وظهرت في هذا العالم بشكل مجمل ومختصر. لماذا ينبغي أن تتساقط أصنام الكعبة؟! ولماذا يتصدّع إيوان المدائن؟! ولماذا يزول الملوك؟! ولماذا تبطل علوم الكهنة وسحر السحرة؟!
ظهور التوحيد بولادة النبيّ الأكرم
إنّ كلّ هذه الأمور ترشدنا إلى فكرة واحدة، وهي أنّ وجوده صلّى الله عليه وآله وظهوره يمثّلان زوال الشرك وعبادة الأصنام، والثنويّة والوثنيّة، والكفر والنفاق، والظلم، وجميع الأمور والتعيّنات والتفرعنات التي تُبعد الإنسان عن الله. من المؤكّد أنّه في قضيّة جفاف بحيرة ساوة توجد مسألة ولها دلالة؛۱ من حيث إنّ هذه المسألة وُضعت إلى جانب المسائل الأخرى، على سبيل المثال: تساقط الأصنام على الأرض، بطلان علوم الكهنة وزوالها وبطلان أعمالهم أيضًا، سقوط الملوك صرعى على وجوههم، تصدّع إيوان المدائن الذي كان يمثّل إيوان الظلم وقصر الطغيان والجور، وأمثال هذه الأمور.
ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «(في تلك الليلة) كانت الشهب والنجوم تتصادم وتتحرّك، وتدفع الشياطين!».٢
﴿وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِ﴾٣، أي إنّ الأثر النفسيّ للنبيّ الأكرم، وظهوره وولادته، الذي يوجب طرد الشياطين في الملكوت وفي العوالم العليا والسموات السبع، قد تجلّى وبرز بهذا النوع في هذا العالم المادّيّ وعالم الدنيا الذي ﴿وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ﴾. ولا بدّ أن يكون هناك سرّ خفيّ في هذه القضيّة أيضًا!
تأثير الوجود الولائيّ للنبيّ الأكرم في طرد الشيطان بالكليّة من جميع العوالم العليا
كان الشيطان قبل ذلك يصل إلى السماوات السبع؛ فكان له نفوذ إلى سماء الدنيا، وإحاطة بعالم المُلك، والسموات الستّ الأخرى التي تمثّل عوالم الملكوت والجبروت واللاهوت والعوالم المنطوية في هذه العوالم الثلاثة، وكان بإمكانه أن يمتلك تسلّطًا على نفوس بني آدم من خلال رسوخه في هذه العوالم. وكلّ هذا من الأسرار!
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «عندما وُلد حضرة عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، طُرد الشيطان من ثلاثة عوالم عليا، وكان يتردّد في أربعة عوالم وأربع سماوات. وعندما وُلد النبيّ الأكرم، طُرد من بقيّة العوالم أيضًا».٤
يعني أنّ شريعة النبيّ ونفسه المباركة عند ولادته، كانت سببًا في طرد الشيطان بالكليّة من العوالم العليا والعوالم اللاهوتيّة والناسوتيّة؛ وهذه هي الخاصيّة الوجوديّة والولائيّة للنبيّ الأكرم.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: «في ليلة ولادة النبيّ، يرى الشيطان أنّ أوضاع العالم مضطربة ولم يعد بإمكانه الذهاب إلى تلك الأماكن، ولم يعودوا يسمحون له بالدخول، لذلك يجمع جميع أعوانه وأنصاره ويقول لهم: ماذا حدث هذه الليلة؟! يبحثون ولا يصلون إلى شيء ولا يُمسكون بطائل. فيقول هو نفسه: يجب أن أنطلق بنفسي!». (يبدو أنّ بقيّة أعوانه وأنصاره وأولاده لم يكونوا يمتلكون قوّته واقتداره لكي يتمكّنوا من التفقّد ورؤية ما يجري في الأعلى، ولم يكونوا قادرين على الذهاب).
يتحرّك هو بنفسه ويأتي ويسير في جميع العالم حتّى يصل إلى مكّة وإلى الحرم. وعندما يصل إلى هناك (وهو يعرف الملائكة وكان يأنس بهم ويشاطرهم مجالسهم وكانا يتعبّدان معًا) يرى جبرئيل وميكائيل، ويزور سائر الملائكة هناك، ويرى أنّهم قد أحاطوا بالحرم من كلّ جانب. يريد الدخول إلى الحرم، فتمنعه الملائكة وتقول له: «كنت تستطيع المجيء حتّى هذه الليلة، ولكن من هذه الليلة فصاعدًا لن تستطيع!».
يتوجّه إلى جبرئيل ويقول له: «أسألك سؤالًا!». فيقول جبرئيل: «اسأل». فيسأل: «ما الذي حدث هذه الليلة حتّى لم يعودوا يسمحون لي بالتجوّل هنا وهناك ولم يعد لي مكان؟!». يقول جبرئيل: «في هذه الليلة وُلد نبيّ آخر الزمان، محمّد المصطفى، ولهذا السبب لم يعد بإمكانك الوصول إلى تلك العوالم التي كان لك وصول إليها في السابق!».
يقول الشيطان: «هل لي من نصيب في هذا المولود الحديث الولادة، وهل يمكنني أن أرسخ فيه؟». يقول جبرئيل: «لا!».۱
وهذا أمر عجيب جدًّا! وهو سرّ من الأسرار، حيث يسأل الشيطان: «هل يمكنني أن يكون لي نصيب في هذا المولود؟!». لقد ورد عن حضرة آدم أنّ الشيطان قد أغواه؛ وإذا أردنا أن نبحث في هذا الموضوع، فسنبتعد عن موضوعنا. وبشكل مختصر ومجمل يجب أن أبيّن أنّه: الوجود المقدّس الوحيد الذي لم يتمكّن الشيطان، ولو بأيّ وجه من الوجوه أو بمقدار ضئيل جدًّا، من النفاذ إليه، هو شخص النبيّ الأكرم والمعصومون الثلاثة عشر الآخرون فقط؛ وهذا الأمر يختصّ به صلّى الله عليه وآله. وقلنا في تلك الرواية إنّه قبل ظهور النبيّ، كان للشيطان وصول إلى السماوات.
بعد ذلك، يطرح الشيطان هنا سؤالًا آخر يبعث على سروره، يسأل: «هل يمكن أن يكون لي نصيب في أمّته؟». يقول جبرئيل: «نعم». فيقول: «يكفي، لقد أخذت حصّتي!».٢
والآن يجب أن نعلم حقيقة الأمر! لم يتمكّن من النفاذ إلى النبيّ، ولكن يمكنه النفاذ إلى أمّته! ولكن بحول الله وقوّته، مع هذا النبيّ الذي نملكه، ومع هذه الولاية التي لرسولنا، فضلاً عن الشيطان، حتّى لو أراد جدّ الشيطان الأكبر أن يأتي، فإن شاء الله ستكون أيدينا متمسّكة بأذيال النبيّ صلّى الله عليه وآله!
مكاشفة حضرة آمنة في ليلة ولادة النبيّ الأكرم
في الليلة التي وُلد فيها النبيّ الأكرم، أُريت آمنة أمّ النبيّ في عالم المكاشفة جميع أراضي فارس وإيران وجميع قصور الشام؛ وهذا دليل على أنّ هذا المولود الذي وُلد، سيشمل شرق العالم وغربه! نقلت آمنة هذه القصّة لفاطمة بنت أسد. وفاطمة بنت أسد، أمّ أمير المؤمنين عليه السلام —وهي من أولئك النسوة العظيمات اللاتي حقًّا لم يأت الإسلام بمثلهنّ، وكان النبيّ الأكرم يخاطبها بأمّه— تأتي فرحة ومستبشرة إلى زوجها حضرة أبي طالب وتبشّره بأنّ آمنة قد نقلت مثل هذا الأمر، وأنّ الله تعالى بسبب هذا المولود قد أراها وأظهر لها جميع قصور الشام والبلاد.
فقال حضرة أبو طالب ـ الذي بيّنا أنّ وضعه يختلف عن بقيّة أبناء عبد المطّلب، وكان من هذه الناحية مثل حضرة عبد الله ـ لفاطمة: «أحسنتِ، لقد بشّرتِ بوجود هكذا مولود، ولكن اعلمي أنّه سيولد لك ولد يكون وصيّه ووزيره!».۱
نداء جبرئيل في الليلة التالية لولادة النبيّ
عندما وُلد النبيّ الأكرم، أطلق جبرئيل في الليلة التي تلت الولادة نداءً سمعه جميع أهل مكّة قائلاً: ﴿جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾٢و٣
حليمة السعديّة، المرضعة الوحيدة للنبيّ الأكرم
ولدينا في الأخبار: «عندما وُلد صلّى الله عليه وآله، لم يقبل ثدي أمّه ولا ثدي أيّ امرأة لعدّة أيّام». في ذلك الزمان كان من المعتاد أن تأتي مجموعة من النساء من أطراف مكّة إليها، ويأخذن الأطفال الرضّع لإرضاعهم وتنشئتهم. بعد بضعة أيّام من ولادته صلّى الله عليه وآله، وصلت مجموعة من النساء، من بينهنّ حليمة السعديّة، إلى مكّة؛ فأرشدوها إلى منزل حضرة عبد المطّلب. عندما وضعوا النبيّ الأكرم في حضن حليمة السعديّة، بدأ بالرضاعة، وكان يرضع من الثدي الأيمن لحليمة، وترك الثدي الأيسر للابن الآخر لحليمة؛ وكانت هذه هي عادته صلّى الله عليه وآله حتّى فُطم عن الرضاعة.٤
كيفيّة قضاء طفولة النبيّ الأكرم عند حليمة السعديّة في قبيلة بني سعد
تحكي حليمة السعديّة وتنقل هذه الأمور قائلة: «عندما أرجعتُه إلى القبيلة، لم أرَه يلوّث ثيابه قطّ! وفي جميع الأوقات، كنت أرى شابًّا يأتي إلى فراشه، ويغيّر ملابسه، وينظّفها».٥
ينمو صلّى الله عليه وآله ويكبر قليلًا، وفي هذا الوقت يخرج مع بعض الأطفال إلى الصحراء، وينشغل مع بعضهم برعي الماشية والأغنام... فإذا به يغاب عن الأنظار فجأة. عندما يأتي الأطفال ويخبرون حليمة قائلين: «لقد أضعنا محمّدًا!»، تخرج حليمة من الخيمة مذعورة، وتنطلق بحثًا عنه؛ في هذه الأثناء ترى شخصين قد أحاطا به، أحدهما مشغول بغسله والآخر مشغول بتنظيفه،۱ أحدهما يسكب الماء والآخر يغسله ويلبسه ثيابًا نظيفة. هذه كانت فترة طفولته، وكانت خصوصيّات طفولته تمرّ بهذه الكيفيّة.
ولدينا في قضيّة أخرى أنّه عندما أحضرته حليمة إلى مكّة لزيارة أقاربه وحضرة عبد المطّلب وأمّه، غاب فجأة عن العيون والأعيان؛ وعندما أوصلت هذا الخبر إلى حضرة عبد المطّلب، ركب دابّته بنفسه، وكلّف جميع أعوانه بالبحث عنه. وعندما بحثوا، رأى حضرة عبد المطّلب أنّ النبيّ الأكرم جالس بجوار شجرة غير شجرة النخيل، وهو يتناول التمر من تلك الشجرة، وكان يقف على جانبيه شابان جميلان، أحدهما جبرئيل والآخر ميكائيل. ثمّ ضمّه إلى صدره وأحضره إلى المنزل. وعندما وقع نظره على أمّه، ارتمى في حضنها ولم يلتفت أو ينتبه إلى أحد.٢
وقائع وخصوصيّات فترة طفولة النبيّ الأكرم
مضت خصوصيّات طفولته صلّى الله عليه وآله بهذه الكيفيّة حتّى توفّي حضرة عبد المطّلب وهو في الثامنة من عمره، وانتقلت حضانة النبيّ الأكرم وتربيته وكفالته إلى عمّه حضرة أبي طالب.٣
فداء إبراهيم بن النبيّ الأكرم عوضًا عن حضرة سيّد الشهداء
تحدّثنا سابقًا عن الفدية والفداء، وأنّ حضرة إسماعيل على نبيّنا وآله وعليه السلام كان مقرّرًا أن يُقدّم قربانًا، فغيّر الباري عزّ وجلّ هذا الحكم؛ وكان حضرة عبد الله أيضًا مقرّرًا أن يُقدّم قربانًا على يد والده حضرة عبد المطّلب، فغيّر الله تعالى الحكم. نفس هذه القصّة ونفس هذه المسألة حدثت للنبيّ الأكرم نفسه!
ينقل ابن عبّاس قائلاً: «كنّا نجلس في خدمة النبيّ الأكرم، وكان إبراهيم ابن النبيّ يجلس على فخذه الأيسر، وسيّد الشهداء يجلس على فخذه الأيمن. في هذه الأثناء هبط جبرئيل وخاطب النبيّ الأكرم قائلاً: إنّ الله يقرئك السلام ويقول: لستُ أجمعهما! يا نبيّنا، لا يمكنني أن أجمع بين هذين الولدين؛ فإمّا أن تختار إبراهيم وتفدي حسيناً، وإمّا أن تختار حسيناً وتفدي إبراهيم بحسين!».
يقول النبيّ الأكرم: «قلت: يا ربّ! أمّ إبراهيم أَمَةٌ من الإماء، وإذا فُدي إبراهيم فلن تحزن سواه وأنا؛ ولكنّ أمّ حسين هي فاطمة، وأبوه عليّ، وهو ابن عمّي، ولحمه لحمي ودمه دمي، وإذا فديت حسيناً حزنت فاطمة وابن عمّي!».۱
إخبار رسول الله بواقعة كربلاء لأمّ سلمة
فيا عجبًا من هذه الأمّة، ماذا فعلت في حقّ ولده! ورد في بعض الروايات أنّه بعد شهادة سيّد الشهداء عليه السلام، تقول أمّ سلمة: «رأيت النبيّ الأكرم في المنام قد أقبل، وكان رأسه ووجهه مغبّرين، وكان قد حثا التراب على رأسه. فقلت: يا رسول الله! أيّة واقعة حدثت؟! فقال صلّى الله عليه وآله: أعود الآن من دفن ولدي الحسين!».٢
دخول الأسرى إلى الكوفة وكلام حضرة السجّاد عليه السلام
في الكوفة سِيق أهل البيت من كربلاء على نياق عجاف نحو الكوفة. وكان عليّ بن الحسين مغلولًا بالقيود والسلاسل، بتلك الجامعة التي جمعت يديه وعنقه معًا. يقول الراوي، مسلم الجصّاص: «عندما جيء بأهل البيت إلى الكوفة كنت مشغولًا بالجصّ في دار الإمارة؛ في هذه الأثناء سمعت جلبة وصيحات. خرجت فرأيت عددًا من الأسرى أُركبوا على نياق عجاف، ورأيت بينهم شابًّا قد قُيّدت يداه وعنقه معًا بالسلاسل. فسألت: من أيّ طائفة هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء أولاد النبيّ وذرّيّته، يُدخلونهم إلى الكوفة بهذه الصورة وهذه الكيفيّة!».
جئت وكنت أنظر من دار الإمارة. في هذه الأثناء رأيت النسوة يأتين بالخبز والتمر لأطفال ذرّيّة النبيّ؛ فكانت حضرة أمّ كلثوم تأخذها وترمي بها نحوهم قائلة: «إنّ الصدقة علينا أهل بيت النبيّ لا تجوز!». في هذه الأثناء رأيت صوت أمّ كلثوم يعلو مخاطبة إيّاهنّ: «أيّتها النسوة! رجالكم يقتلوننا، وأنتنّ تبكين علينا!».
وخاطبهنَّ عليّ بن الحسين عليه السلام بمضامين كهذه: «بئس القوم أنتم! ألا تعلمون أنّنا أولاد النبيّ؟! ألم يكن لجدّنا حقّ عليكم، حتّى تُدخلوا ذرّيّته وأهل بيته بهذه الكيفيّة وهذا الحال وهذه الصورة؟! وتتصرّفون معنا تصرّفكم مع الأسرى؟! بأيّ جواب ستجيبون بين يدي الله يوم القيامة؟!».
مناجاة حضرة زينب سلام الله عليها مع الرأس المقطوع لحضرة سيّد الشهداء
أمر ابن زياد، لزيادة حزن وأسى أهل البيت، ولجعلهم مطأطي الرؤوس ومنكسرين بين الناس، بأن يُؤتى بالرؤوس وتُوزّع بين الأسرى! عندما فتحت حضرة زينب سلام الله عليها عينيها ورأت رأس أخيها أمامها، ضربت برأسها مقدّم المحمل بلا إرادة حتّى سال الدم من جبينها؛ وناجت رأسه الشريف قائلة:
| «يا هِلالًا لمّا اسْتَتَمَّ کَمالًا | *** | غالَهُ خَسفُهُ فَأَبدا غُروبًا |
| ما تَوَهَّمتُ يا شَقیقَ فُؤَادی | *** | کانَ هذا مُقَـدَّرًا مَکتـوبًا».۱ |
| *** |
| بیا بلبل که تا با هم بنالیم | *** | که ما هجرانکش و شوریدهحالیم |
| ز تو گل رفت، وز ما گلعذاری | *** | تو را فریاد و ما را آه و زاری |
| تو را وصل گل دیگر امید است | *** | بهار دیگر از بهر تو عید است |
| ولیکن گلعذارم را بدل نیست | *** | بهار دیگری ما را امل نیست |
| گلی از گلشن من رفت بر باد | *** | که تا محشر نخواهد رفت از یاد |
| ز من باد خزان برگ گلی ریخت | *** | که خاک غم سر هر بلبلی ریخت |
| کبابم کرده داغ لالهرویی | *** | که برد از لالۀ حمرا نکویی |
| اگر گرگ اجل خونین دهن نیست | *** | چرا پس یوسفِ گلپیرهن نیست |
| بیا ای عندلیب گلشن من | *** | ببین تاریک، چشم روشن من |
| اگر خو کرده باشی با جدایی | *** | مکن قطع رسوم آشنایی |
| سؤال از حال غمناکان ثواب است | *** | خصوصاً آن دلی کز غم کباب است٢ |
[يقول:
تعال أيّها البلبل لكي نئنّ معًا، فإنّنا نقاسي الهجران ومضطربو الحال
لقد ذهبت منك زهرة، وذهب منّا ذو الوجه المورّد؛ فلك الصراخ، ولنا الآه والأنّة.
لك الأمل في وصال زهرة أخرى، وربيع آخر سيكون لك عيدًا.
ولكن ليس لذي وجهي المورّد من بديل، وليس لنا أمل في ربيع آخر.
لقد ذهبت زهرة من روضتي أدراج الرياح، ولن تُمحى من الذاكرة حتّى يوم المحشر.
لقد أسقطت ريح الخريف منّي ورقة زهرة، نثرت تراب الغمّ على رأس كلّ بلبل.
لقد أحرقت كبدي لوعة ذي الوجه الذي كشقائق النعمان، والذي فاق شقائق النعمان الحمراء حسنًا وجمالًا.
إن لم يكن ذئب الأجل ملطّخ الفم بالدم، فلماذا إذن يوسف الممزّق القميص ليس موجودًا.
تعال أيّها العندليب في روضتي، وانظر إلى عينيّ المضيئتين كيف أظلمتا.
إن كنت قد اعتدت على الفراق، فلا تقطع رسوم المعرفة والصداقة.
فإنّ السؤال عن حال المحزونين ثواب، وخصوصًا ذلك القلب الذي احترق من الغمّ].
وسيعلم الّذين ظلموا آل محمّد أيّ منقلب ينقلبون، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾
باسمك اللّهمّ وندعوك ونقسم عليك ونرجوك،
بحقّ محمّد وأهل بيته الأطهار، يا الله يا الله يا الله... .