المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التوضيح
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟
يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
هوالعلیم
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة التاسعة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد
وآله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
عدم إمكان المعرفة بالمرتبة الأعلى
«بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْت»۱
إنّ العرفان يقتضي الاتحاد في المرتبة. فإن لم يقع شيئان في مرتبة واحدة، فمن المحال أن يحصلا على معرفة وإدراك ببعضهما. فالإنسان، من أجل معرفة خصوصيّات شيء ما، إما أن يكون في رتبة ذلك الشيء، أو في مرتبة ما فوقه؛ أما إذا كان في رتبة مادون وأدنى من تلك المرتبة، فلا اطلاع له. المعلم مطّلع على مُدركات تلميذ الصفّ الأوّل أو الثاني لأنه في رتبة ما فوقه؛ بمعنى أنه يمتلك رتبته وزيادة عليها مرتبة أعلى وما فوق. أما التلميذ، فمعرفته بهذا الأستاذ والمعلم تكون فقط بمقدار تفكيره وفي حدود فكره الخاص، لا أكثر؛ أي يدرك هذا المعلم في حدود "الضرب والقسمة"، ولا اطلاع له على المراتب العالية لهذا المعلم، و لديه معرفة بهذا المعلّم في حدود علمه هو وأفكاره الخاصّة. وهذا المعلم إذا أراد بيان مطالب تفوق فهم التلميذ، فإن التلميذ لن يفهمها أصلاً ولا يمكنه إدراكها.
علة لزوم كتمان الأسرار الإلهية عن سائر الأفراد
«إنّا مَعاشِرَ الأنبیاءِ أُمِرنا أنْ نُکَلِّمَ النّاسَ علیٰ قَدرِ عُقولهِم»٢. نحن جماعة الأنبياء، مكلفون بأن نكلّم الناس بمقدار فهمهم لا أكثر؛ نكلّمهم بمقدار عقولهم لا أكثر؛ نسير معهم بمقدار مدركاتهم لا أكثر لأنّهم لا يملكون السعة ولا يطيقون التحمّل.
ومن هنا نفهم أنّ "كشف السرّ" هو أعظم ذنب للسالك! إنّ كشف السرّ يعني بعثرة كلّ موازين السلوك، وبعثرة موازين الحركة، وبعثرة أفكار الأفراد، وبعثرة تديّن الأفراد وسلوكهم، وإيجاد التشويش والاضطراب في نفوسهم وقطع الطريق وسدّه أمام استمرار المسير لديهم. عندما يُقال: «إذا وصلتم إلى حقيقة معيّنة فلا تخبروا بها غيركم»، فإن إخبار الآخرين بهذا الأمر إن لم يكن حقًّا، فقد نقلت أمرًا باطلاً للآخرين؛ وإن كان حقًّا، فقد كشفت سرًّا، وبما أنّ الطرف الآخر لا يطيق التحمّل، فستضطرّب وضعيته ويُخلق له التشكيك.
ويمكن القول بجدّ إن الكثير من الابتلاءات التي أصابت العظماء كانت بسبب كشف السرّ الذي قام به البعض؛ ومهما قال العظماء لهؤلاء: «لا تقولوا! إذا وصلتم إلى أمر فاحتفظوا به لأنفسكم؛ إن الله قد عناكم به وهذا المطلب خاصّ بكم! فهل أنتم قيّمون على الناس؟! هل أنتم وكلاء على الناس؟! من أعطاكم هذه القيوميّة والوكالة والولاية؟!» لكنّهم لم يكونوا يقبلون. أحد الذين كانت حركتهم سريعة في زمن "المرحوم العلاّمة وكانت لديه مشاهدات، انحرف طريقه بالكامل بسبب كشف السرّ هذا وخرج عن المسير. وكان هناك آخرون من تلامذة العظماء والأولياء ابتلوا بهذه الابتلاءات بسبب كشف السرّ.
إن "السر" هو أمانة يعطيها الله لإنسان ما؛ فإن استطاع حفظها زادها الله، وإن لم يستطع حفظها سلبها منه أيضاً؛ وهذه قاعدة كليّة۱ فالناس لا يطيقون. نحن نتصوّر أن طريق الله عبارة عن معادلة مغلقة ومغلّفة لا بدّ للجميع أن يسيروا على أساسها. ولكنّ الحقيقة أنّ هناك من المسائل والأسرار والمطالب الدقيقة هنا ما "لا يعلمه إلا هو"! لكن نحن نتصور أنّنا جميعًا في موقع جيّد! والحقّ أنّ لعلّ هناك أفراد في الظاهر ليسوا في هذا المسير، لكنّهم يسبقون الكثيرين منّا.
لزوم العمل وفق مستوى الإدراك والمعرفة تجاه التكاليف الإلهية
الأولياء يأتون ويتحدّثون معنا بمقدار سعتنا الوجوديّة وبمقدار تحمّلنا ولا يتكلّمون بما هو زائد على ذلك. كلّ إنسان مكلّف بمقدار معرفته. نعم، إذا قصّر في التكليف الذي أُعطي له بناءً على مقدار معرفته، فإنّ الله يؤاخذه. لكن عندما يعطي الله مقداراً معيناً من المعرفة لإنسان، فإنّه لا يؤاخذه أبداً بأكثر من ذلك التكليف. فإذا قلد مجتهداً، فإنّ الله يقول: بما أنّك أدركت أنّه مجتهد وأعلم، وجب عليك تقليده. وهذا المقلّد يدرك هذا المقدار، وبناءً عليه يجب أن يقلّده ويعمل بفتاواه؛ فإن لم يعمل، يؤاخذه الله يوم القيامة: أنت الذي عرفت أنّه الأعلم وقلّدته، لماذا عصيت في بعض المسائل فتاواه؟! أو إذا أدرك إنسان أن المجتهد الفلانيّ هو الأعلم لكنّه لم يقلّده، فإنه يُؤاخذ أيضاً: إذا عرفت أنّه الأعلم كان عليك تقليده؛ فلماذا قلّدت آخر؟! الله يبطل أعمال هذا لأن الفرض هو أنّه الأعلم. أما لو لم يرَ إنسان ما هذا المجتهد أعلم، أي بحث وحقّق وسأل واختبره ووجد أنه ليس الأعلم بل هناك آخر هو الأعلم؛ فإذا قلد غير الأعلم، فالله يؤاخذه ويقول: أنت إذ علمت أنه ليس الأعلم، لماذا قلّدته؟!
فإن قال: رأيت فلاناً وفلاناً قلّدوه، يقول الله: فليقلّدوا، وما شأنك أنت؟! هل شخّصت أنت أنه ليس الأعلم؟!
يقول: نعم، شخّصت ذلك.
فهنا يؤاخذه الله ويقول: عندما شخّصت أنه ليس الأعلم، فبأيّ معيار شرعيّ وعرفيّ وعقليّ ووجدانيّ جعلت زمام أمورك وتقليدك بيده؟!
ملاكات المجتهد جامع الشرائط للتقليد وفق مدرسة العرفاء الإلهيين
نفرض الآن أنّ هذا الذي نعتبره الأعلم وهو مجتهد، هو "وليّ" وقد وصل إلى مقام الولاية وتجاوز مراحل الأسماء والصفات ولديه القابليّة للهداية والإرشاد. فعندما يعلم الإنسان بذلك، يجب عليه متابعته؛ لأنه يعلم أنه إذا وصل إنسان إلى مراحل الهداية والإرشاد وتجاوز الأسماء والصفات وحصل له الفناء في الذات، فإنه يملك القابليّة للهداية وتجب إطاعته. فإن لم يطعه، يقول الله له يوم القيامة: أنت إذ وصلت إلى مثل هذا الوليّ، فلماذا لم تطعه؟! لماذا لم تسلّم له؟! لماذا لم تنقد له؟! والآن بما أنك لم تسلّم، فجزاؤك أنّ هذه المراتب التي تراها الآن لا نعطيك إيّاها؛ لا نضربك ولا نعاقبك، لكنّنا لا نمنحك هذه المراتب أيضاً. أما لو جاء آخر واعتبر هذا الفرد أعلم، لكنه لا يراه ولياً وصل إلى تلك المراتب، فلا يمكنه شرعاً إطاعته كولي؛ لأنه لا يعلم ذلك. فإن جاء أحد وقال له: «أنت إذ تقلّده، فيجب أن تسلّم زمام أمرك كلّه له كأستاذ!»، فإنّه يخطئ بقوله هذا ولا حقّ له فيه! لأنّ الفرض هو أنّه لا يعلم. فمن قال مثل هذا الكلام؟! الله تعالى يطلب التكليف من الإنسان وفق علمه، ويطلب الوظيفة والتعهّد بمقدار العلم. أنت إذ تعلم أنّه ليس وليّاً، كيف يكلّفك الله بأن تسمع منه بعنوان الولاية؟! هذا أمر مضحك جدّاً! وبنفس هذا البيان الذي سرنا عليه، فإن هذا العمل خاطئ.
أما إذا انعكست القضيّة؛ فكان الإنسان وليّاً ووصل إلى مقام الولاية، مثل السيّد الحداد رضوان الله عليه، فهل يمكن شرعاً تقليده كوليّ؟ لا يمكن التقليد؛ يجب على الإنسان تقليد المجتهد جامع الشرائط المحيط بالعلوم الإسلاميّة والشرع. نعم، النكتة هنا هي أنّ الولي قد يرشد الإنسان ويهديه قائلاً: «قلّد ذلك المجتهد»، وعندها يجب على الإنسان تقليده. لكنه لا يمكنه تقليد السيّد الحداد مباشرة؛ لأنّ السيّد الحداد بحسب الظاهر لا يملك العلم الظاهر وعلم الشرع، وهو نفسه يقلّد مجتهداً. يجب أن نحافظ على هذه المراتب ولا نخلط بينها؛ فكلّ منها محفوظ في مكانه. لذلك، فإنّ ما نسمعه من قولهم: «أي وليّ سلّمت له، فيجب أن تقلّده »، هو من ترّهات التاريخ! يقولون: «هل يمكن للإنسان أن يسلّم لأستاذ ويقلّد غيره؟!» هذا كلام تافه جدّاً! ما معنى هذا؟! كلّ شيء له حساب؛ يجب أن يُحرز للإنسان في مقام العمل أنّ هذا الأستاذ يملك أهليّة التقليد أم لا. فدين الله ليس هزلاً ولا أضحوكة.
القضية تشبه قضيّة الطبابة. هل رأيتم أولئك النسوة المسنّات اللاتي يملكن حقيبة، وكلّ من يؤلمه رأسه يعطينه قرصين ويقلن له: «خذه يا بنيّ واشربه».
فيُقال لهن: «ليس معلوماً ما سبب صداعه؛ لعل هذا القرص يقتله!»
فتقول: «لا، خذه واشربه! »
يُحكى أنه أصيب أحدهم بوجع في عينه، فوصفت له عجوز دخان روث الحمار قائلة: «بخّره وقرّبه من عينك لتبرأ». ففعل ذلك المسكين وعمي! ولدينا رواية: «مَن طبَّبَ بغیرِ علمٍ و أصابَه شَیءٌ فدَمُه علیه»۱ أي: من مارس الطبّ بغير علم وأصاب المريض بمكروه، فدمه عليه. لقد رأيت هذه الرواية في مكان ما ولم أرَ سندها، لكن المضمون صحيح ومطابق للبراهين الأصوليّة والفقهيّة. طبعاً هذا في بعض الصور؛ فربما يُقال له: «كان عليك ألا تسمع كلامه، هو قال كلمة فلماذا شربت الدواء؟! الله أعطاك عقلاً!» لكن بالنسبة للطفل الذي لم تتهيّأ له المصالح والمفاسد، أو المريض الذي وصل للاضطرار وسُلب منه التفكير، إذا طُبّب ومات، فدمه في رقبة من عالجه. في الواقع هنا يمكن القول إنّ "السبب أقوى من المباشر". مثلاً يقول: «يا فلان، أصابني كذا في قلبي أو بطني!» فيقول: «خذ الزيت الفلاني وادهن به بطنك وستشفى». لعل الزائدة الدوديّة لديه ملتهبة أو انفجرت، فيدخل القيح للدم ويموت بعد ساعات! فهل يمكن للإنسان أن يفعل ذلك دون اطلاع؟! اليوم أصبح كلّ شيء تخصّصيّاً؛ ويجب العمل وفق التخصّص. انظروا، العين اليوم لها تخصّصات متعددة ومن النادر جدّاً أن يتخصّص طبيب واحد في كلّ هذه الأمراض.
لذا، الدين ليس مزاحاً؛ الدين يجب أن يُلحظ وفق الضوابط والموازين. إن قولهم: «تعال يا فلان وسترى الخير؛ تعال وقلّد هذا وأنا سأجيب عنك يوم القيامة»، هو كلام فارغ. يوم القيامة ستكون أنت غارقاً في مشاكلك، فكيف ستجيب عنه؟! ما هذه الترّهات؟! قولك: «تعال وهذا في عهدتي!» من أنت لتأخذ الأمر في عهدتك؟! كلّ هذه شعارات! ومدرسة العرفان ومدرسة أولياء الله هي مدرسة الإتقان والإحكام. أنتم تذكرون زمن المرحوم العلاّمة؛ فهل رأيتم في عمركم أحداً أشدّ إحكاماً منه بحيث لا ينطق بكلمة إلا على أساس الاستدلال؟! لم يكن يتحدث من فراغ ويقول: «لنذهب ونرى ماذا سيحدث وسنجد له مخرجاً!» الأمر الذي كان يفرضه كان مؤسّساً على قاعدة خرسانية وسد الإسكندر؛ حتّى لو فرضنا أن الأمر خلاف رأينا، لكنّه كان محكماً في وروده وخروجه. كان يقول في شأن الطبيب: «يجب أن يُعالَج عند الطبيب الأكثر تخصّصاً». وفي شأن الأستاذ كان يقول: «يجب الرجوع للأستاذ الأكثر تخصّصاً والأبلغ بياناً والأعلم». وفي شأن الخطّ كان يقول: «يجب الرجوع للكاتب الأكثر تخصّصاً في الخطّ». وكان يقول هذا الكلام في كلّ مورد. والذين عاشروه وجدوا هذا في حياته ومنهجه. وعندما جئت إلى قم، قال لي جملة واحدة: «يا فلان، اذهب وادرس عند أستاذ بحيث إذا انتهى الكتاب لا تتحسّر وتقول ليتني بحثت أكثر!» وكان هذا الكلام دائماً في أذني. لم يقل: اذهب وادرس عند من هو أكثر تقوى. ما علاقة الدرس بالتقوى؟! يجب أن يذهب المرء ليدرس عند من يفهم المطلب بشكل أفضل. هل من يصلّي صلاة الليل يمكنه حلّ مسألة "وحدة الوجود" لي؟! هو أهل صلاة الليل، جيّد جدّاً ونحن مخلصون له. القضيّة تشبه ما إذا أردت بناء عمارة من ١٢٠طابقاً، فهل تذهب لبنّاءٍ يصلّي في اليوم مائة مرّة أو يذكر الله ألفي مرّة؟ أو تذهب لمن يحسن الصلاة ويخرج الغين من مخرجها و"ولا الضالين" لديه أفضل وتقول له: ارسم خريطة لهذه البناية! سيقول: «أنا لا أجيد إلا رصف الآجرّ». هذا العمل يحتاج لمهندس وخبير. فما علاقة هذا بذاك؟! حتّى لو فرضنا أنّه لا يصلّي. فهذه مسائل وردتنا وهي تفصّل القضايا بهذا النحو.
وللأسف نحن اليوم نواجه حفنة من الشعارات: «فلان مرجع، فارفعوا أصواتكم بالصلوات؛ فلان هو كذا!» فبالصلوات لا يُصنع المرجع. أنا بنفسي رأيت في مكان ما خطيباً يقول: «أيّها الناس، نحن لا نقبل أن نقلّد غير هذا الرجل! صلّوا على محمّد وآل محمّد!» قسماً لو وضعت رواية عربية فصيحة أمام هذا الخطيب لما استطاع ترجمتها؛ أنا لا أغالي! ومع ذلك كان يصنع مرجعاً لآلاف الناس. يا عزيزي، هذا ليس تقليداً؛ دين الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والعلامة الحلي لم يكن هكذا؛ دين المرحوم الملا حسين قلي والمرحوم القاضي لم يكن هكذا. السيّد الحداد قال لوالدي: «يا سيد محمد حسين، أنا قبل هذا كنت أقلّد آية الله الحاج الشيخ هادي الغروي؛ لكن بعد ذلك رأيت أنّك أعلم منه، فرجعت إليك!» والشيخ هادي الغروي كان رجلاً عظيماً جداً وصاحب صفاء ونفس وتقوى. كان ابن المرحوم الشيخ عابدين الغروي المعروف الذي كان مرجعاً بعد السيد محمد كاظم اليزدي.. ويُحكى عنه الكثير. يقولون: كان لديه أربعة أبناء وعباءة واحدة لهم، وكان يقول: من يريد الخروج فليلبسها ويخرج!. هذا الكلام من العظماء هو قدوة لنا. فمن ترفعون شأنه فوق السيّد الحداد وهؤلاء العظماء؟! إن كان لديكم أحد، فقدّموه وعرّفوه! إذا حصلت شبهة للإنسان في المسائل، يجب أولاً أن يحلّها بنفسه؛ فإن لم تُحلّ، فهذا كلام العظماء وهم فاتحو الطريق. لكنّنا نرى الناس الآن يذهبون من هذا لهذا ويقولون: «نحن نقلّده!» يا عزيزي، لا رجوع لأهل الخبرة ولا اختبار ولا امتحان! أنت الذي تقلّد هذا هل امتحنته؟! هل يمكنه الفتوى أصلاً؟! لماذا تقلّده؟!
يقول: «لأنه يملك عين الباطن وصفاء الباطن!».
ـ هل رأيت عين باطنه؟! من أين تقول إنّ عين باطنه ترى بشكل صحيح؟! هل اختبرته؟!
هذا الدين هو "دين قيّم" و"دين قويم"؛ والدين القيّم والقويم هو الدين المستند للمنطق. البعض ينقل عن المرحوم العلاّمة أنّه قال: «إن كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم والآخر أكثر تقوى، وجب تقليد الأكثر تقوى». كلا يا عزيزي، فهذا ليس كلامه؛ ولو قال مثل هذا الكلام فأنا لا أقبله. والدي لا يقول مثل هذا الكلام أبداً! هذا الكلام لا ينسجم مع منهجه. من قال هذا؟! بل كان يقول دائماً: «يجب اتباع الأعلم». منتهى الأمر أيّها الأحمق:
أولاً الكلام في من هو الأعلم واعرف من هو الأعلم، وليس من هو أكثر تقوى!
ثانياً: ما هي التقوى؟! هل التقوى بكثرة الصلاة؟! هل التقوى بحمل السبحة؟! هل التقوى بلبس نعل أصفر والمشي متراً أمام الناس؟! هل التقوى بأن ينكس الإنسان رأسه ومن يمشي مستقيماً في الشارع ليس متقياً؟! هل هذه ملاكات التقوى؟! هذه كلمات والدي وأنا أنقلها لكم الآن؛ ولا أقولها من عندي. لقد سمعتها بأذني منه؛ أنا لا أنطق بالهراء! هذه مسائل مهمّة يجب أن يدقّق حولها الإنسان، لئلا يحصل ضلال لنفسه وإضلال للآخرين. التديّن يعني التعهّد. التقليد يعني تفويض الأمور. التقليد في الدين يعني تسليم الاختيار والإرادة وتفويض الأمور لفرد ما. «خذ دينك منه» يعني سلّم له اختيارك وتعلّم منه الطريق والمسير. هذا هو معنى التقليد في الدين۱.
تناسب التكاليف الإلهيّة مع فهم كل مكلّف وإدراكه وسعته
هنا يجب أن يتّضح لنا أنّ الطريق الحقّ هو الذي يكون حقّاً وصحيحاً في كلّ مرتبة. فإذا وجد إنسان في مرتبة من الحق، فحقيّة تلك المرتبة ممدوحة وليست مذمومة. لا يُذمّ طفل في الصفّ الأول لأنّه لا يفهم دروس الصفّ الخامس! يُقال له: ماء، بابا، رمّان، سلّة، تفّاح، حصان؛ هذه للصفّ الأول. ويقال له: «بارك الله بك!» ويُشجّع بهذا المقدار. لا يُضرب على رأسه لأنّه لا يحلّ معادلة من الدرجة الثانية! والصفّ الثاني والثالث كذلك. لكن إذا رأيتم في مكان ما أنّهم قالوا لطفل الصفّ الأول: «لماذا لا تحلّ مسائل الصف الخامس»، فاعلموا أنّ الطريق منحرف؛ لأنّه فهم هذا المقدار الآن، فماذا يفعل؟! هو لا يعرف أكثر من ذلك. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾٢. أي أنّ الله يكلّف كلّ إنسان بمقدار علمه وإدراكه وطاقته. فتارة يعلم ويعاند ولا يفعل، فهذا شيء آخر؛ لكن عندما لا يعلم، ماذا يفعل؟! أتريدون ضربه لأنه لا يعلم؟! يجب أن نُفهمه؛ ما معنى الضرب؟! مثلاً يقول: «لماذا لا تحلّ دروس الصفّ الخامس؟!»
فيقول: «أنا لا أفهم، أنا طفل، أنا في الصفّ الأول! إما أن تطوّلوا قامتي لأصبح في الصفّ الخامس أو اعطوني حقنة واحقنوا هذه المسائل فيّ لأفهمها! أما الآن فلا قامتي تطول ولا تلهمونني لأفهم، ثمّ تضربونني وتقولون لماذا لا تفهم!» يتضح أنّك أنت الأحمق ولم تفهم! من كان طريقه ومنهجه هذا، يتّضح أنّه هو نفسه لم يفهم.
لماذا لا يجوز تقليد السيّد الحداد؟
تحدّثت مرّة مع أحدهم، فقال: «برأيي، يجب على الجميع أن يقلّدوا فلاناً مثلاً زيد بن أرقم!»
فقلت له: هل أنت طالب علم أصلاً؟! قولك «يجب على الجميع..»، من أين جاء هذا "الوجوب"؟! هل هذا الوجوب في مبانينا الأصوليّة، أم في رواياتنا؟! يجب أن يأتي من مكان ما؛ من السماء، من الأرض، من المشرق، من المغرب. هذا "الوجوب" خرج من دماغك! أن تقول: «يجب على الجميع تقليد فلان» جزء من أيّ مبنى من مبانينا الأصوليّة والفقهيّة والروائيّة والرجاليّة والسنديّة والدرائيّة؟!
قال: «كلّ من يذهب لأخذ ذكر ودستور من أستاذ، فيجب أن يقلّده أيضاً!»
قلت: سأطرح عليك سؤالاً: لو فرضنا أنّنا أحضرنا السيّد الحداد في هذا الزمان وعاد للحياة وجلس أمامنا؛ فهل يمكن تقليده أم لا؟! لا يمكن تقليده؛ حرام. نعم، تارة هو نفسه يقول: «تعالوا واعملوا بهذا الكلام»، فهذا مطلب آخر. نحن لدينا مبنى لهذه القضيّة وهو أنّه هو ولي، وصل إلى مقام الولاية، عالم بالغيب، عالم بالسرائر، عالم بالملكوت، عالم بالملاكات، عالم بتمام الأحكام الكليّة؛ ذلك الولي يأتي ويقول: «يا عزيزي، أنا أقول لك هذا، ويجب أن تفعل ذلك، ولو وصلتَ شرعاً لفتوى أخرى». هنا ليس لدينا كلام. كما أنّ "المرحوم العلاّمة الوالد، رفع الكأس أمام عينيّ وقال للسيّد الحدّاد: «لو قلت لي اشرب كأس الدم هذا، لشربته دفعة واحدة!» مع فرض أنّه دم واقعاً، وليس عصير كرز؛ ماهيّته لم تتغيّر ولم يتصرّف فيها ولم تنقلب لشراب، وإذا فحصوها وجدوا فيها كريات بيضاء وحمراء وبلازما۱ هذا الكلام قاله مجتهد لا يوجد أعلم منه. لم يقله طالب يدرس "صرف مير٢"؛ قاله من كان الأعلم في النجف بالمقارنة مع الجميع! ودرس دروسه جيّداً؛ في الأصول، الفقه، الدراية، اللغة، الفلسفة والعرفان، كان الأوّل في كلّ المسائل. كلامه ليس مزاحاً، هو صادق. ووفق القاعدة التي يملكها هذا الرجل تجاه السيّد الحداد، هو صادق. يقول: هو الآن عالم بكلّ الأمور وبكلّ المسائل ويعلم أنّ رأيي وفتواي هي نجاسة هذا الدم، وهذا يعرفه الجميع وحتّى الطفل الصغير، ولا يحتاج لتأمّل وهو من ضروريّات الدين؛ ومع ذلك يقول: «اشرب!» هذا يعني حساب "اثنين في اثنين يساوي أربعة" ولا يحتاج لشيء. ألسنا نملك الأحكام الثانوية؟! نحن نحكم في الأحكام الثانوية أنه إذا اضطررنا لشرب الدم لكي لا نموت، وجب شربه؛ وإذا اضطررنا لأكل الميتة، وجب أكلها؛ وإن لم نأكل، أثمنا!
يُحكى أن قطّة أكلت لحمًا كان عند أحدهم فقال: «أنا لا أخدع! اشتريت كيلو لحم وأكلتِهِ؛ فانتظري سأحاسبك!» فكّر وقال: «هكذا لا ينفع، أكلت اللحم الذي اشتريته، فيجب أن آكل من هذه القطّة بمقدار كيلو!» فوضعها في كيس وذهب إلى الصحراء، مشى حتّى شارف على الموت، وبما أنّ أكل الميتة حال الاضطرار جائز بل واجب۱، قال: «الآن صرتِ حلالاً! الآن وأنا أموت وحفظ النفس من الواجبات، ولا يقوم إلا بأكله! وحتماً بهذه القطة يتمّ حفظ النفس». فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم!» وذبحها وأكلها!
فإذا جعلنا البناء على أنّ طريق الله وسعادة الدنيا والآخرة بيد مطّلع على تمام شراشر وجود الإنسان وخصوصيّاته وما سبق وما يأتي، الماضي والمستقبل، الأعلى والأسفل، وهذا الطرف وذاك، والنفس وكلّ عوالم الملك والملكوت يراها في وجود الإنسان بالعلم الحضوري، أي هي في يده؛ بهذا الفرض ـ لا أن نطلق الشعارات جزافاً ـ فإذا قال مثل هذا: «اشرب هذا الدم» فهذا يعني أنّه أحسّ بضرورة للإنسان؛ فيجب أن يشرب. هو يختلف عن أيّ بائع لبن يأتي ويقول: افعل كذا وكذا! ما علاقة هذا بذاك؟!
لكنّ الكلام في أنّ السيّد الحداد لم يقل: «قلّدوني!» لم يقل ذلك حتّى لواحد، وكان هو نفسه يقلّد مجتهداً؛ وقلّد أمام عيني وأنا أشهد أنّه عندما قال المرحوم العلاّمة: «استعمال الماء الذي سُخّن بأشعّة الشمس مكروه ولا ينبغي استخدامه»، قال السيد الحداد لأبنائه: «لا تستعملوا هذا الماء؛ فتوى السيّد محمّد حسين أن هذا الماء مكروه!» عندما يكون السيّد الحداد هكذا، فهل يمكنني أنا تقليده؟! هذا التقليد حرام! هذا حساب "اثنين في اثنين يساوي أربعة". قلت لذلك المدّعي: يا عزيزي، هذا لا يحتاج للانفعال؛ يجلس المرء ويتحدّث بهدوء. فإذا جاء قائل وقال: أنا اعتبر زيد بن أسامة بمستوى السيّد الحداد، لكنّني لا أعتبره مجتهداً؛ فهل تجدون أعلى من السيّد الحداد؟! ليس أعلى منه؛ فهل يمكن تقليده أم لا؟! يجب أن يجد الإنسان مجتهداً لكي يقلّده. فإذا جئت لأحد السادة وتحدّثت معه وأدركت أنّه ليس مجتهداً، فلا يمكنني تقليده؛ إما لأنّني من أهل الخبرة وأحدّثه، أو يأتي أهل الخبرة ويشهدون أنّ هذا الرجل ليس لديه اجتهاد، أو هو قريب من الاجتهاد درس لأربع أو خمس سنوات، لكن لديه معرفة بمستوى السيّد الحداد؛ لا يمكنني تقليده وتقليده حرام. هذا يصبح "مبنى وأساس"؛ المبنى يعني إذا عرضت هذا الكلام على أهل الخبرة، أهل العلم الحياديّين، أهل العلم البعيدين عن الهوى والذين يتحدّثون وفق الشرع، فلن يضحكوا بسبب كلامك هذا، لن يسخرو منك ولن يقولوا إنّك أتيت بدين جديد، لن يقولوا إنّك صنعت لعبة جديدة في الدين، لن يقولوا إنّهم أتوا من وراء الجبل ويبيّنون ديناً مزيّفاً للنّاس. مدرسة العلاّمة كانت مدرسة لا يستطيع أحد السخرية منها؛ لكنّ الجميع يسخرون من مدرسة الدراويش والصوفيّة، ويجب أن يسخروا منها وهو تستحقّ السخرية. والسبب في عدم السخرية من مدرسة العلاّمة هو :
أولاً: أن المرحوم العلاّمة نفسه كان مجتهداً؛
وثانياً: كان يسوق رفقاءه وتلامذته نحو هذا المنحى؛ نحو الإتقان، الإحكام، الصدق، العلم والتقو. وقد سألته يومًا: سيّدنا لماذا طلبت أن يقرأوا في الجلسات "أنوار الملكوت" بدلاً من الذكر ودعاء الجوشن وغيره؟
فقال: «ما يهمنا في السلوك هو الفهم لا الذكر؛ يمكنك الجلوس في بيتك وقراءة الجوشن، والجلوس في بيتك وقراءة دعاء السمات. ما يهمّ هو الفهم؛ أن يفهم الإنسان ماذا يفعل وكيف يسير وما هو طريق الله؟ طريق الله ليس هباءً؛ هي مسائل يجب أن يطبّقها الإنسان في وجوده». هذه الأمور موجودة في كتب المرحوم العلاّمة؛ لذا طلب أن يجلسوا معاً ويتحدّثوا ويتباحثوا في هذه الأمور. أمّا أن يأتي إنسان فيقال له: من أنت؟ فيقول: أنا فلان، ثم لا يكون لديه خبر عن شيء ومع ذلك نرفع شعاراً باسمه فوق رؤوسنا ونمضي. فهذا ليس عملاً؛ هذا ليس ديناً؛ هذا الدين ينفع من يعيشون في الصحراء ويبنون جداراً حولهم ولا يتواصلون مع أحد؛ ومع ذلك هم مسؤولون! أما الدين الذي يجب أن يُطرح ويهدي المجتمع نحو الله ونحو التوحيد ويكون على تماس مع الآخرين ويتجلّى كدين حقّ، فهو الدين الذي لا يُسخر منه ولا يُقال: هؤلاء ابتدعوا، ولا يُقال: هؤلاء جعلوا ديناً من عندهم. هذا ليس ديناً. الدين هو الدين المحكم والثابت؛ الطريق هو الطريق المحكم والواضح. لا يجب أن يخاف الإنسان من شيء؛ لنفرض أنّ فلانًا جاء وقال: أنا لا أقلّدك! فهو لا يجب أن يفعل ذلك؛ فلماذا أحزن أنا؟! جاءني أحدهم وقال لي: سيّدنا، أنا كنت أقلّدك حتّى الآن، لكنّني الآن أدركت أنّ فلانًا هو الأعلم، فحولّت تقليدي إليه. فقلت له: لو فعلت غير ذلك لآخذك الله يوم القيامة! فلماذا أحزن أنا؟! هو من يجب أن يقدّم الحساب. كما أنّني أقول للذين يأتون ويقولون: «نريد أن نسألك في مسألة»: يوم القيامة أنتم المسؤولون، لا علاقة لي! إذا سألني أحد أجيبه، أما أن ألتزم بتقليدكم، فلن أفعل ذلك أبدًا! أنت أجب يوم القيامة؛ ما شأني أنا؟! أنا حتى الآن لم ألتزم بتقليد أحد لي؛ لكنّني أقول أيضاً: الذي يريد تقليد غيره، يجب أن يحرز أنّه الأعلم. أقول هذا وقلته وسأقوله حتّى القيامة وهو قول الأولياء وقول إمام الزمان. أنا أتحدث هنا بالنيابة عن إمام الزمان؛ إمام الزمان يقول أيضاً: يجب تقليد الأعلم! فهل أحزن أنا لأن البعض لا يريدون تقليدي؟! هذا لا يستدعي الحزن؛ بل هذا أفضل، فالمسؤولية أقل ونحن أصلاً نبحث عن هذا؛ نبحث عن مسؤولية أقلّ. ويجب أن أطلب من الله أن يقول فلان: سيّدنا أنا لا أقلّدك.
شرح رواية: «النّاسُ فی سَعَةٍ ما لم یَعلَموا»
بناءً على ذلك، استفدنا من هذا المجلس أنّ الله يجعل التكليف وفق مقدار معرفة الإنسان بالشيء؛ فإذا كان لديّ معرفة ببعض المسائل، كلّفني الله بذلك المقدار. «النّاسُ فی سَعَةٍ ما لم یَعلَموا» ۱ أي: «الناس في سعة ـ أي يمكنهم الفعل ـ تجاه ما لا يعلمون. فمثلاً أنت لا تعلم أنّ هذا الماء نجس أم لا، يمكنك شربه؛ أما إذا علمت أنّه نجس، فلا يمكنك شربه بعد ذلك. أو مثلاً لا تعلم أن هذه المعاملة صحيحة أم لا، يمكنك إجراؤها. أو لا تعلم هذا اللباس نجس أم طاهر، أي هل تصحّ الصلاة فيه أم لا، يمكنك الصلاة فيه. وهلمّ جرًّا. عندما يعلم الإنسان، يأتي التكليف. والآن بما أنّك علمت، يجب أن تعمل وفق التكليف؛ فإن كان نجساً طهّرته، وإن كان طاهراً أجريت عليه حكم الطهارة. كلّ أدلتنا تحكي عن هذه المسألة، وهي أنّ الإنسان مكلّف بمقدار علمه؛ فإن لم يكن علم، فلا تكليف. أما مسائل الاحتياط وأمثال ذلك، فهي تتعلّق بموارد أخرى وليست بهذه الموارد.
إذن، العرفان والمعرفة بشيء ما عبارة عن: كون هذا الشيء في نفس رتبة ذلك الشيء الآخر. الآن كيف يمكن للإنسان أن يكون في رتبة الأشياء الأخرى؟ وبماذا يتحقّق كون الإنسان في رتبة الأشياء الأخرى وكيف يحصل؟ كيف يمكن للإنسان أن يكون في رتبة العالِم وكيف يكون في رتبة الله وكيف يكون في رتبة الملائكة؟ إن شاء الله إذا وفقنا الله، في الليالي القادم.
اللهمّ صل على محمّد وآل محمّد