7

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان

خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1418

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

لماذا أحبّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله خصال الأطفال الخمس؟ وكيف تتحوّل قلوب البشر من مسحوق الإسمنت الليّن إلى خرسانة صلبة لا تؤثّر فيها المواعظ؟ تشرح هذه المحاضرة مفهوم الوحدة في المرتبة كشرط للمعرفة الحقيقيّة بالله، وتستعرض قصصًا عميقة حول الحجّ وتواضع العظماء، وكيف تتلاشى التيجان والمقامات الدنيويّة أمام عظمة الكعبة، مستشهدةً برواية الدكتور السيد حسين نصر عن زيارة الملوك لداخل الكعبة.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان

  • خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱۸ هـ ـ الجلسة السابعة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

2
  •  

  •  

  • أعوذ باللَه من الشّيطان الرّجيم

  • بسم اللَه الرّحمٰن الرّحيم

  • وصلّى اللَه علىٰ سيّدنا محمّد

  • و على آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين

  •  

  •  

  • «بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ»

  • خلاصة ما سبق

  • ذُكر في المجلس السابق أنّ لازم الوحدة هو التجانس في المرتبة والتماثل، وما لم تكن المرتبة واحدةً من جميع الجهات، فلا تتحقّق الوحدة. والمقصود من "المرتبة" هنا يختلف عن تلك "المرتبة التشكيكيّة" التي يعتقد بها القائلون بالتشكيك في الوجود، بل المرتبة هنا هي جانب العليّة والمعلوليّة، ودائرتها ـ بمعنىً ما ـ أوسع من مباني التشكيك في مسألة المرتبة في الوجود.

  • حينما يقع شيئان في رتبتين مختلفتين، لا تتحقّق الوحدة بين هذين الشيئين. فنحن الآن نضع هذا الكتاب في مرتبة، ونضع كتابًا آخر في درجة ومستوىً أعلى منه، فهذان ليسا في مرتبة واحدة، ومرتبتهما تتفاوت بتفاوت الأين والمكان، ولذا لا تتحقّق الوحدة فيهما. وكذلك لا تتحقّق الوحدة في نفس وجودهما الجسميّ والماديّ، لأنّ المادّتين وجودان مستقلاّن، وهذان الوجودان المستقلاّن يقعان في مرتبتين متفاوتتين من الوجود. لذا لا معنى للاتّحاد بينهما، بل هما مشتركان.

  • عدم إمكان معرفة الشيء دون الاتّحاد معه في رتبته

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام هنا: يا ربّ، متى يحصل عرفاننا بك والحال أنّنا في رتبتين متفاوتتين؟! أنت في مقام العليّة، أنت في الرتبة العليا، أنت في الرتبة الأرقى من الوجود، أنت في رتبة التجرّد التامّ والمحض والإطلاق، ونحن في المراتب الدنيا، في مراتب الظلمة، في أظلم العوالم. نحن لدينا مادّة، وأنت بريء ومنزّه عن المادّة، نحن لدينا نفس، وأنت منزّه عن النفس، نحن لدينا هوى وهوس، ولا طريق للهوى والهوس إليك.

  • إذن، ما هي مكانة عرفاننا بك هذا؟! وهل يُطلق "العرفان" حقًّا على معرفتنا بك أم أنّ المطلب شيء آخر؟ لو أردنا إقامة معرفة بين شيئين، يجب أوّلاً أن نبتغي ونجد "الاتّحاد في العرفان" بينهما، وما لم يتحقّق الاتّحاد في العرفان، لا تمكن المعرفة بينهما.

  • أنت تلتقي بشخص ولا تعرفه أصلاً. فلو سألوك عن أحواله، لا تستطيع الإجابة، لأنّك لم تخالطه حتّى الآن. فإذا أمضيتَ معه وقتًا، اطّلعتَ على اسمه ولقبه وكنيته، وعلمتَ بمدينته ودياره، واقتربتَ منه إلى حدّ ما، وبواسطة هذا الاقتراب تتغيّر معرفتك به. ثمّ تصادقه، وبواسطة الاستمرار في الصداقة تطّلع على بعض خصوصيّاته الروحيّة، فترى أنّ معرفتك به قد تغيّرت، لأنّك تقلّل المسافة.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

3
  • في البداية، كانت المسافة بينك وبينه كبيرة، كان هناك "سور الصين" أمامكما، وسور الصين هذا جلب لكما الغربة والبعد وأبعدكما عن بعضكما وألقى الانفصال بينك وبينه ورفع الوحدة من بينكما، وجلب بدلاً منها الثنويّة والأنا، وجلب التمحور حول الذات والتكاثر، فإذا رُفع هذا الجدار، اقترب هذان من بعضهما ورأيا بعضهما والتقيا وتحدّثا وتعاملا، وحصلا على معرفة أكبر تجاه بعضهما.

  • يقول مولانا هنا بشكل جميل جدًّا: 

  • متحد۱بودیم و یک گوهر همه***بی‌سر و بی‌پا بُدیم آن سر همه٢
  • يقول: 

  • كنّا متّحدين وكلّنا جوهرة واحدة *** كنّا بلا رأس ولا قَدَم 

  • كنّا متّحدين حينما كنّا في عالم التجرّد أو بعبارة أخرى في "عالم الذرّ"، كنّا جميعًا متّحدين هناك، لم يبنوا بيننا جدارًا من التخيّلات، ولم يصنعوا بيننا سدًّا من الأوهام، حينما كنّا في ذلك العالم، كنّا جميعًا على مائدة واحدة ولم يوجب هذا الاختلاف في الشاكلة اختلافًا في الذوق والطريق، ورغم أنّ التعيّنات كانت تعيّنات متفاوتة، ولكن كان "جانب الظهور" حاكمًا هناك لا "المَظهَر"، فحينما يحكم جانب المَظهَر، تبرز كلّ هذه الاختلافات، ولكن لو كان النظر إلى الظهور في المظهر وإلى الجانب الربطيّ، فلا يعود هناك اختلاف، ولو مع تعدّد المظاهر واختلافها.

  • شدّة جانب الوحدة عند الأطفال لقربهم من الفطرة

  • فالأطفال في الرابعة أو الخامسة والذين يلعبون مع بعضهم، يمتلك كلّ واحد منهم هيئةً ما، طفلٌ جميل وطفلٌ ليس بجميل، طفلٌ والده ثريّ وطفلٌ والده ليس بثريّ، ولكن حينما يلعبون مع بعضهم، لا ينظرون إلى هذه المسائل أبدًا: هل ستدخلني في لُعبتك لأنّ والدي ثريّ؟! أو يأتي طفل ويدلّل عليه: أنا جميل الوجه وأنت نصيبك من الجمال أقلّ! أو: أبي عالِم وأبوك كاسب! هذه المسائل ليست مطروحة، لأنّهم مع بعضهم في "جهة الوحدة"، لا في "جهة الكثرة"، أي أنّ هؤلاء الأطفال اجتمعوا في إناء واحد من وجهة نظر "الظهور"، لا من وجهة نظر "المَظهَر".

  • أمّا لو أرادوا لحاظ جانب المَظهر والكثرة هنا، لذهب كلّ واحد وشأنه. يقول: هل آتي وألعب معك؟! ويقول ذاك: هل آتي وألعب معك؟! هذا لا يمكن!

    1. خ ل: منبسط.
    2. مثنوی معنوی (میرخانی)، دفتر اول، ص ١٩.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

4
  • إذن الطفل أقرب للفطرة منّا، لذا ينظر دائمًا إلى جانب الوحدة ولا شأن له بالكثرة، ولكن كلّما كبر وعاش في هذه الدنيا أكثر وازداد تعامله مع هذه الأشياء التي صنعها الله له من المكسّرات والحلوى والسكاكر وأمثالها، نسي جانب الظهور ذاك باستمرار ونظر فقط للمظهر والتعيّنات والاختلافات. ومن هنا تخرج أصوات "الرنين والطنين" هذه، هذا يقول: أنا! وذاك يقول: أنا! وحلّها بعد ذلك إن استطعت!

  • هذا الإنسان الذي جاء لخمسين سنة وتصلّب جيّدًا مثل "الخرسانة" (الباطون) ووضع جانب الظهور جانبًا بشكل كلّيّ وانتهى أمره و"الفاتحة"، وصار بحمد الله كثرة محضة مهما كان ولم يترك مكانًا بمقدار رأس إبرة لذلك الجانب الوحدويّ، الآن يريد الأنبياء إعادته إلى هناك مرّة أخرى! يا للهول!

  • هل يمكنكم إعادة الخرسانة التي مضى على عمرها ثلاثمائة سنة إلى وضعها السابق؟! يقولون: حينما يُصنع "الباطون"، يجب رشّه بالماء لـ ٢۸ يومًا ووضعه في مكان رطب ليزداد صلابة باستمرار، وفي اليوم الثامن والعشرين يصل إلى منتهى صلابته. وبعد ذلك مهما فعلتَ لا يفسد هذا الباطون ويجب أن تستخدم "مثقابًا ماسيًّا" لتستطيع ثقبه، وحتّى ذلك المثقاب الذي تستخدمه، يتلف رأسه باستمرار ويجب تغييره.

  • لماذا لا ينفذ هذا المثقاب؟ يقول "جناب الباطون": لقد جئتُ إلى هذه الدنيا ونسيتُ جانب ظهوري، حيث كنتُ وقتًا ما مسحوقًا (بودرة)، كنتُ أنعم من السكّر، وألين من الماء، كانوا يضعونني في الوعاء والكيس والعلبة، ويبيعونني مغلّفًا بكيس واحد أو مفرّقًا بالكيلوّات، كنتُ ناعمًا جدًّا لدرجة أنّهم حينما يفرغونني من الشاحنة، كنتُ أصبح غبارًا وأطير في الهواء وأملأ الفضاء كلّه!

  • ـ يا عديم المروءة، ما الذي حدث حتّى أنّك تكسر المثقاب الآن؟! 

  • يقول: أنتم خلطتموني بالماء، ثمّ اشتغلتم عليّ وسقيتموني الماء بـ "الخرطوم" باستمرار، وأنا كنتُ أقول لكم دائمًا: أنتم الذين تفعلون هذه الأفعال، هل تعلمون ماذا تجلبون لأنفسكم؟! أنتم تزيدون العمل على أنفسكم! دعوني أبقى هكذا بكرًا، لا تصبّوا عليّ الماء بهذا القدر، لا تصلّبوني هكذا، هذه الصلابة ستضرب رؤوسكم يومًا ما، ستكسر أدمغتكم يومًا ما! ولكنّكم لم تقبلوا.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

5
  • لقد وصل هذا "الجناب" الآن إلى وضع لم يعد يؤثّر فيه المثقاب أيضًا، لأنّه توغّل في الكثرة وتصلّب في الكثرة. فانظروا الآن كيف يجب إعادة هذا؟! هنا يحتاج الأمر لـ "الديناميت"، وفي بعض الأوقات لا ينفع الديناميت، فيضعون "TNT" بحيث يطير حيّ بأكمله في الهواء ولكنّ هذا الباطون لا يخرّب!

  • يقولون: حينما يبنون هذه الثكنات والقواعد العسكريّة على الحدود، يضعون فيها نوعًا من الخليط (Slab) والباطون الذي يستطيع المقاومة قبال أشدّ أنواع القصف. في السابق، كانت العادة أن يأتي رئيس الدولة ويقف، ثمّ تأتي الطائرات وتقصف هذه القاعدة بأشدّ نحو ولا ينبغي أن تخرّب! أي يجب على المهندس المنفّذ أن يسلّم العمل بنحوٍ تعجز فيه أقوى القنابل الموجودة عن إحداث خلل في هذا البناء وهذا الباطون، وإلّا فلا فائدة من كلّ هذا التعب وتخزين الأسلحة والموادّ المهمّة فيه، ليأتي وينهدم بقنبلة واحدة!

  • هذا الإسمنت يقول هذا الكلام باستمرار، ولكنّنا لا نلتفت! هذا الباطون كان إسمنتًا في البداية، إسمنتًا مسحوقًا، إسمنتًا كنتم تستطيعون تشكيله بأيّ شكل أردتموه، وقد وضع نفسه تحت تصرّفك مستعدًّا تمامًا لتصنع ما تشاء: تريد أن تصنع منّي مكعّبًا، فأنا حاضر، تريد أن تصنع منّي سقفًا، فأنا حاضر، تريد أن تصنع منّي جدارًا، فأنا حاضر، تريد أن تصنع منّي دمية، فأنا حاضر، أنا حاضر، أنا ناعم، أنا شمع، أتشكّل بأيّة كيفيّة، ولكنّي أقول لك: إذا صنعتَني وتصلّبتُ، فلن تعود قادرًا على تغييري وتبديلي.

  • هؤلاء الأطفال هكذا أيضًا، هؤلاء الأطفال قريبون من الفطرة ويتعاملون مع بعضهم بجانب الوحدة. ذلك الجانب الوحدويّ الذي بينهم هو الملتئم والجامع والمدير والمدبّر لهم. تلك الجهة الوحدويّة هي نفس النورانيّة التي يشعر بها في نفسه وفي الطرف المقابل، وتلك البساطة التي يشعر بها في نفسه وفي الطرف المقابل، وذلك الخلوّ من الغلّ والغشّ الذي يشعر به في نفسه وفي الطرف المقابل، نفس هذه الجهة تجذبهم لبعضهم. ويا ليتنا كنّا نمتلك حالات الطفولة هذه معنا دائمًا!

  • شرح خصلة «يَبنون ويُخرِّبون» من الحديث النبوي

  • يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أُحِبُّ مِنَ الصّبيانِ خَمسَ خصالٍ، الأوّل: يَبنُون ويُخرِّبون»۱ هؤلاء لا قلب لهم يتعلّق بالدنيا. ترون أنّهم يقلبون حديقتكم رأسًا على عقب من الصباح إلى الظهر، يصنعون وردًا، يصنعون جسرًا، يصنعون ناطحات سحاب من عدّة طوابق في تلك الحديقة، وكم يستمتعون ويفرحون حينما يلعبون مع بعضهم، وحينما يريدون الذهاب، يضربون كلّ ذلك بركلة واحدة ويهدمونه ويستمتعون هناك أيضًا. أي يستمتعون في البناء ويستمتعون في التخريب، لأنّهم يرون كليهما ظهورين للّه ولا فرق بالنسبة لهم، لذا فالبناء والتخريب سيّان.

    1. مواعظ العددية، ص ٢٥٩.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

6
  • كنّا نمرّ من مكانٍ مرّةً، فاحترق دكّان لبيع البلاستيك في السوق وكان فيه بضاعة كثيرة جدًّا. سرت النار إلى الدكّان كلّه، وكانت المواد البلاستيكيّة المذابة تتدفّق كالسيل من فتحات هذا الدكّان إلى الشارع. واتّفاقًا كنتُ أعرف صاحب هذا الدكّان، فما إن جاء ووقعت عينه على هذا المشهد، حتّى أُغمي عليه! فرفعوه، ولكنّ كلّ شيء كان قد ذهب.

  • كان لديه طفل في الرابعة أو الخامسة كان قد أحضره معه، كان ابنه هذا يصفّق هناك ويستمتع ويطلق صيحات الفرح، وكأنّهم أعطوه الدنيا! أبوه أُغمي عليه وسقط، لكنّه كان يصفّق. والحقّ كان مع ابنه هذا، يا أيّها الأحمق المسكين، هل تريد الدنيا لنفسك أم تريد نفسك للدنيا؟! إغماؤك وسقوطك يعني أنّك تريد نفسك للدنيا! ذلك الطفل يستمتع بأنّ رزقه لا ينقطع، سواء ذهب دكّان الأب أم لم يذهب، فالرزق باقٍ. إذن «يَبنون ويُخرِّبون»، لا فرق لديهم أبدًا.

  • شرح خصلة «وبالتراب يَلعبون» والتواضع الذي يرفع "الطين" إلى "الورد"

  • وخصلة أخرى هي: «وبالتّراب يَلعَبون» لأنّ التراب هو المادّة الوحيدة في العالم التي هي أحقر من الجميع وأكثر خلوًّا من التقيّد والتعيّن من الجميع وموطئًا لركلة أيّ شخص. كلّ من يمشي على هذا التراب يركله، حينما نمشي نضرب ركلة، ونضرب الركلة الثانية، ونضرب الركلة الثالثة و...، أي لا قيمة له أصلاً.

  • حتّى الماء، ينظر إليه الإنسان دائمًا بنظرة إعجاب، وينظر للشجرة بنظرة إعجاب، ولكن هل رأيتم يومًا إنسانًا ينظر للتراب بنظرة إعجاب؟! كونُ التراب محترمًا بهذا القدر فقط سببه أنّ تقيّده أقلّ من كلّ شيء، لا يوجد فيه تعيّن، ليس فيه تقيّد، هو أذلّ وأحقر من كلّ شيء.

  • كنتُ جالسًا يومًا مع المرحوم الوالد العلامة وكنتُ غارقًا في أفكار، والأولياء والعظماء خبيرون وبصيرون بجميع شراشر وجود الإنسان ولا يحتاجون لهذا التصريح، فما إن دخلتُ في ذلك الفكر، قال فجأةً: سيّد محسن، ما معنى بيت سعدي هذا؟

  • مضمون الشعر هو: بين الطين (گِل) والورد (گُل)، فارق واختلاف بحركة واحدة فقط، هذا مكسور وذاك مضموم. فهل تعلم لماذا تبدّل الطين وردًا؟ لأنّه صيّر نفسه طينًا (وحلاً) أوّلاً، وجعل نفسه حقيرًا وضيعًا أوّلاً وجعل نفسه موطئًا لركل الجميع وجاء الجميع وبصقوا عليه وعدّوه حقيرًا، وحينئذٍ وبهذه الحقارة التي شعر بها في نفسه وذلك التغيير الماهويّ الذي أوجده في نفسه وبواسطة هويّته التي كانت عبارة عن الضعة والهوان والذلّة والتواضع، يُبدّله الله المتعال "وردًا" (زهرة) يجب أن يوضع في أشرف الأماكن وأفضلها وفي المواقع الأكثر طلبًا، وينظر إليه الجميع بنظرة إعجاب!

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

7
  • ولحافظ عليه الرحمة غزل عجيب أيضًا يقول فيه: 

  • غمناک نباید بود از طعن حسود ای دل***باشد که چو وا بینی خیر تو در این باشد
  • در کار گلاب و گُل حکم ازلی این بود***کاین شاهد بازاری وآن پرده‌نشین باشد۱
  • يقول: 

  • لا تغتمّ من طعن الحسود يا قلب *** فربّما لو نظرتَ، كان خيرك في هذا 

  • كان الحكم الأزليّ في شأن ماء الورد والورد هو ذا *** أن تكون تلك "شاهدة السوق" مشهورة ويكون ذاك جليس الخدر مستورًا 

  • فالوردة "شاهدة السوق" ظاهرة للعلن، يأخذونها في كلّ مكان وتنتقل من يد ليد ويشمّونها، ويشبّه هؤلاء الشعراء محبوبتهم بالوردة أو بالقمر، مثلاً: وجهها كالورد، ورأسها يفوح برائحة الورد، وخدّها كالورد. وأمّا ماء الورد فيجب أن يكون "جليس الخدر" مستورًا، يضعونه داخل الزجاجة ويضعونه في الرفّ والخزانة، وصبّوا مقدارًا منه على وجوههم وتعطّروا به.

  • يريد حافظ أن يقول: لقد وضع الله المتعال كلّ شيء في موقعه بتقديره وحكمته. سأل المرحوم الوالد عن شعر سعدي: «لماذا صار الطين هكذا؟» لأنّه تواضع أوّلاً، جاء وقال تعالوا واضربوا على رأسي، ضعوا أقدامكم عليّ. ولكن لا يضع أحدٌ قدمه على الوردة، يحترمون الوردة، يقلّمونها، يضعون السماد عند ساقها، يزيلون عنها الآفات، وكلّما اعتنوا بها أكثر، أعطت رائحة أفضل وعطرًا أفضل وجمالاً أفضل. ولكن الطين ليس كذلك، فلا شأن لأحد بالطين، الطين طين، والتراب تراب، هذا حقّر نفسه حتّى وصل إلى ذلك المقام المنيع.

  • فهل تلتفتون لما أريد قوله؟! لأنّ في التراب "جانب الوحدة" وليس في التراب تعيّنًا، فهو أخلى من جميع التعيّنات. ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾٢ كلّ شيء من التراب.

  • هذا هو جانب الوحدة، ولهذا السبب يحبّ الأطفال التراب. طبع الطفل وبوصلته تتوجّه نحو الوحدة، لذا توجد رابطة وارتباط بين الطفل وبين التراب، وهو يحبّ التراب أصلاً. ولأنّ الطفل يتوجّه للوحدة، يأتي ويصارع التراب. يختلف التراب عن الحجر، وعن تربة السجدة أيضًا، فالتراب بلا تعيّن أعلى من التربة المصنوعة. يجب أن يكون التراب موضع سجود الإنسان، ولكن نرى أنّه لو أردنا إحضار التراب لحدث اتّساخ، فنحوّله إلى قرص من الطين. ولأنّ تربة سيّد الشهداء هي تراب محض ولها انتساب إلى ذلك الوجود المقدّس، فيجب أن تقع موضعًا لسجودنا.

    1. ابیاتی از دیوان حافظ (قزوینی)، غزل ١٦١.
    2. سورة طه، الآية ٥٥.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

8
  • حاكميّة الوحدة وتجلّي العظمة الإلهيّة في الحجّ

  • هذه المسألة موجودة في كلّ مكان، انظروا في موقع الإحرام، حينما يريد الحاجّ أن يُحرم، يقولون: اذهب وضع قطعة قماش بيضاء. يجوز القماش غير الأبيض أيضًا، ولكنّه مكروه. طبعًا الأبيض أفضل، وقد أثار البعض شبهة الوجوب، وأفتى الكثيرون بوجوب أن يكون أبيض حتمًا. والأقرب هو أنّ للبياض وجوبًا، إلّا أن لا يكون متوفّرًا، فحينئذٍ يمكن للإنسان الاستفادة من الأقمشة الأخرى.

  • لأنّ الأبيض ليس له أيّ تعيّن، الأقمشة الأخرى لها تعيّن، يغرق الإنسان في التفكير مع القماش الأحمر، ومع الأسود يفكّر، ومع الأخضر يفكّر و... والله يقول: حينما تريد المجيء إليّ، ضع تعيّناتك جانبًا! حينما تريد المجيء إليّ، ضع علمك جانبًا!

  • أيّها الأرعن، ذلك العلم الذي تملكه لم تحضره من جيبك! أيّها الأرعن، ذلك المال الذي تملكه، من أعطاك إيّاه؟! كيف حدث أنّه حينما حبسوا هذا المال، لم تصل إليه مهما ركضت؟! من ألقى في رأس ذلك القاضي أن يأتي ويرحمك ويشفق عليك؟! هل فكّرت حتّى الآن؟!

  • إذن انظروا، بما أنّ المجرى هكذا، فلماذا نخدع أنفسنا بعد؟! إلى متى نخدع أنفسنا وإلى متى ننخدع بالكثرة؟! الله يُرينا نفسه هكذا، هل هناك أعلى من هذا وأهمّ من هذا؟! هذا سببه أنّنا انفصلنا عن الوحدة، ولو لم ننفصل لما وقعنا في هذا الحال!

  • عند الحج، يجب أن يكون الإنسان بلا بهرجة، إن كان لديه خاتم للزينة، وجب عليه إبعاده، إن كانت لديه ساعة للزينة، وجب عليه إبعادها. الله يقول: غيرتي لا تسمح بمقدار مثقال ذرّة أن يسري هنا شيء غير "جانب الوحدة" الذي هو نفس مقام الذلّة والتذلّل والعبوديّة! بأيّ وجه! حينما تأتي إلى الحج يجب أن تأتي وحيدًا، لا أن يحيط بك خمسون مرافقًا وتدخل بالصلوات والسلام بعنوان "المرجع الدينيّ الأعظم"!

  • هذا ليس حجًّا، هذه شيطنة! كلّ هذه تخيّلات، هذا دخول في الهوى والهوس ودخول في الجحيم، جحيم التخيّلات وجحيم الأنانيّات! يجب أن تأتي إلى الحجّ وحيدًا، حتّى لو جاء رفيق معك فليأتِ، ولكن يجب أن تكون وحيدًا في هذا الحج ولا ينبغي أن تحضر آخر معك. أي لا ينبغي أن تحضر آخر في قلبك، المقام هنا مقام العزّة، المقام هنا مقام الغيرة، المقام هنا مقام الكبرياء، المقام هنا مقام لا يقبل الغير ولا يختار الغير، يجب أن يبقى "هو" فقط!

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

9
  • قصّة السفر إلى الحج: درس في تساقط التدبير

  • قبل سنتين تقريبًا وفّقنا الله وتشرّفنا بالحجّ مع الأهل. وطبعًا كانت هناك مسائل ومشكلات تصدّى الكثير من الرفقاء ـ حفظهم الله إن شاء الله ـ لحلّها. حينما ركبنا وكنّا ذاهبين إلى سوريا لنذهب من هناك إلى جدّة، التفتُّ للأهل وقلتُ: انظري، إبراهيم يأتي مع إسماعيل ويقوم بحجّ، ونحن نقوم بحجّ أيضًا، ومع أنّ هذه المسائل التي قلناها كانت مسائل حقّة وواقعيّة وأنّ كلّ شيء بيد الله وليس بيد الإنسان، ولكنّ الله أراد أن يرينا وتستقرّ هذه المسائل في أرواحنا.

  • خطر بذهني في نفس ذلك المكان أنّه ستكون هناك مسائل ومطالب أمامنا في هذا الطريق والمسير الذي نمضيه نحو حرم المقصود والمعبود، أقول لكم باختصار وإجمالاً إنّ أمرنا وقع بنحوٍ لم نكن نعلم فيه ما سيحدث بعد دقيقة واحدة من وقتنا!

  • في تلك الليلة التي كنّا نمرّ فيها من فوق المدينة المنوّرة ونتّجه صوب جدّة ـ مسار الشام إلى جدة يمرّ من فوق المدينة ـ وصلتُ لهذا الكلام للإمام سيّد الشهداء عليه السلام «إلَهي إنّ اختلافَ تَدبيرِكَ وسُرعَة طواءِ مَقاديرِكَ مَنَعا عبادَكَ العارِفينَ بِكَ عن السُّكُون إلى عَطاءٍ واليَأسِ مِنكَ في بَلاءٍ» ۱ إلهي، إنّ اختلاف تدبيرك، والوحدة في التدبير المختصّة بذاتك، وسرعة طيّ مقام قضائك وقدرك ومقاديرك لنزول حكمك المبرم في عالم الكثرات، أي من جهة: الاختلاف في التدبير حيث ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾٢، اليوم هذا وغدًا ذاك، ومن جهة أخرى: كثرة تلك المقادير وعالم التصادمات والتصادفات وعالم الصراعات في القضاء الكلّيّ ونزوله في التقديرات المتضادّة والمتشابهة للتأثير في عالم الكثرات، كثيرة جدًّا إلى درجة توجب من جهة: أنّ أولئك العارفين بك لا يطمئنّون ولا يركنون لذلك العطاء والموهبة التي منحتهم إيّاها، ومن جهة أخرى: إذا صرفتَ عنهم نظر لطفك، لا ييأسون منك.

  • در این درگه که گَهگه کَه کُه و کُه کَه شود ناگه***مشو نومید اگر هستی ز لطف و قهر او آگه
  • يقول:

  • في هذا البلاط حيث يصبح القشّ جبلاً والجبل قشًّا فجأة *** لا تيأس إن كنتَ عالمًا بلطفه وقهره

    1. إقبال الأعمال، ج ١، ص ٣٤٨، فرازی از دعای امام حسین علیه السّلام در روز عرفه.
    2. سورة الرّحمن (٥٥) الآیة ٢٩.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

10
  • هنا يجب أن ترتعد أبداننا جميعًا واقعًا، ويجب أن نصل واقعًا لموقعنا بحيث لا نشعر بأيّ أمل في أنفسنا بقدراتنا، ومن جهة أخرى، أن لا نيأس من رحمة الله. لا قدّر الله لو نظرنا إلى أحد بازدراء، فربّما جاء هو نفسه غدًا وصار كالطين الذي جعل نفسه ذليلاً ومتواضعًا، فتبدّل إلى "وردة" هي شاهدة السوق، وسقط ذلك الخاطئ في قعر الجحيم ووادي الهلاك! يجب أن يمتلك السالك هذا الحال دائمًا.

  • هذه حقيقة، وليست مزحة! وقد رأيتُ بعيني أفرادًا كانوا يعيبون الآخرين وكانوا محقّين في ذلك التعييب، لا أنّهم كانوا على باطل، ولكنّ النقطة التي نسوها هي أنّ ذاك لو كان فيه عيب فأنت لستَ بلا عيب أيضًا! نعم، كان يعيب بشكل صحيح، وينقد بشكل صحيح ـ طبعًا بعضه كان خطًا أيضًا ـ ولكن من يلتفت لهذه الحالة، يخطو بحذر! فليس الصواب بأن يحمل سيفًا ويمرّر الجميع على حدّ سيف الانتقاد والتعييب، فسيأتي يوم يبتلينا الله تعالى فيه بنفس البليّة التي كنّا نهاجم الآخرين بها، سيبتلينا بتلك الصفة المذمومة! وقد حدث من هذه القضايا الكثير. هنا يجب على الإنسان أن يلتفت دائمًا لهذه النقطة وهي أن لا ننسى جانب الوحدة أبدًا.

  • في سفر مكّة تكون الوحدة حاكمة دائمًا. لقد انتبهتُ هناك أنّ العلم ليس له مشترٍ هناك، ولا الشخصيّة، ولا المقام، ولا السلوك، ولا الطريق، ولا أيّ شيء آخر، "التذلّل" هو البضاعة الوحيدة التي يشترونها في هذا السوق، ويشترونها بسعر جيّد أيضًا!

  • لقد أرانا الله بشكل ممتاز جدًا! وانتبهتُ هناك أنّ أيّ عمل أريد القيام به لنفسي، يضع الله أمامه مانعًا وحاجبًا ويقيم سدًّا، والآن اذهب وافعل إن استطعت! كنّا نرى فجأةً أنّ العمل يتوقّف تمامًا بسبب قضيّة تافهة وعبثيّة بحيث لا نستطيع التحرّك بأيّ وجه من الوجوه، وما إن نتجاوز هذا المطلب كنّا نرى أنّ نفس الشيء الذي أوجب إيقافنا، هو نفسه موجب جوازنا! أي بنفس السبب الذي أوقفونا به، بنفسه يسمحون لنا بالحركة!

  • هذا عجيب حيث لم يزله أمر آخر، بل أزاله السبب نفسه، أي قُل إنّ كلّ ما يأتي هنا يأتي "منه" هو، لماذا تعطّل نفسك؟! لماذا تتوقّف؟! وكنت كلّما افتقدت هذه الجهة وتوجّهت إلى جهة أخرى لا أسمّيها الآن، كنتُ أرى المسائل واضحة جدًّا وجاهزة جدًّا، ولكنّها لم تكن تمشي أبدًا وبأيّ وجه! هذا لأنّ ذلك المكان مكانٌ لا ينبغي أن يجد أيّ تعيّن طريقًا إليه!

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

11
  • قصّة الملوك داخل الكعبة: حينما يصرخ الشاه ويبكي الملك

  • كان المرحوم الوالد العلامة ـ رضوان الله عليه ـ ينقل قضيّة مثيرة جدًّا عن الدكتور السيّد حسين نصر. وهو موجود في أمريكا حاليًّا، وهو من العلماء الذين اشتغلوا كثيرًا وبذلوا جهدًا في العلوم الإسلاميّة والحكمة، ولكنّه ليس من أهل العلم الحوزوي بل هو غير معمّم، وكان أستاذًا للجامعة في العهد السابق وكانت له مناصب مهمّة هنا ثمّ ذهب إلى خارج البلاد.

  • كان يقول: في السفر الذي تشرّفنا فيه بمكّة في العهد السابق مع عدد من رؤساء الدولة بصحبة شخص محمد رضا شاه بهلوي نفسه ـ والظاهر أنّ الشاه ذهب إلى الحجّ مرّتين في حياته، كنّا ضيوفًا عند الملك فيصل هناك وكان يحتفي بنا كثيرًا. وفي اليوم الثامن أو التاسع من ذي الحجة، دخلنا "البيت" الكعبة بصحبة ملك السعوديّة وعدد من مقامات السعوديّة ورؤساء جمهوريّات دول أخرى وعدد ممّن ذهبوا مع شاه إيران.

  • وأحضروا ماء الورد للغسل، والظاهر أنّهم كانوا يأخذون ماء الورد من إيران نفسها. في السفر الذي تشرّفتُ فيه مع المرحوم الوالد العلامة في سنّ السادسة أو السابعة عشرة والذي ذكره الوالد في كتاب "الروح المجرّد"، رأيتُ بنفسي أنّ هؤلاء الشرطة جاؤوا وأبعدوا الحجّاج، وجاء ملك السعوديّة الذي كان "الملك فيصل" آنذاك، ودخل الكعبة. ولديهم مراسم هناك حيث يأتي الكثير من الرجال بمعيّتهم ويغسلون البيت بماء الورد هذا ويكنسونه. وكلّ من يذهب هناك، يقوم بالعمل بنفسه، أي يخلع الجميع الملابس الرسميّة وينشغلون بغسل البيت ثمّ يوزّعون من ذلك الماء و... على الأفراد للتبرّك.

  • ثمّ قال الدكتور نصر: انشغل هؤلاء بغسل البيت. لم نفهم ما حدث، رأينا أنّه حصلت حالة انقلاب (روحيّ) شيئًا فشيئًا وتغيّر وضعنا أصلاً وصرنا بنحوٍ آخر، وكأنّنا وُضعنا في عالم آخر ولم نفهم! ورأينا أنّ كلّ الأفراد الموجودين هناك بدأوا بالبكاء، حتّى أنّ حال فيصل نفسه قد انقلب بشكل عجيب جدًا! والظاهر أنّ التفاتي لنفسي كان أكثر من الجميع وكنتُ أنظر لحالي وأحوال الآخرين. والمثير هنا أنّي رأيتُ شاه إيران نفسه، محمد رضا بهلوي، كان أكثر انقلابًا من جميع أولئك الأفراد وكان يصرخ هكذا بلا اختيار ويضرب رأسه بجدار البيت هذا!

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

12
  • استمرّ الأمر بهذه الكيفيّة لمدّة إلى أن تبدّل الحال تدريجيًّا وخرجوا. هذه القضيّة تعني أنّه حينما يأتي مقام العزّة والجلال ذاك، لا يعود يعرف زيدًا وعمرًا، أي أنّ كلّ هذه التعيّنات هي تعيّنات "لنا"، أمّا هناك فلا معنى لهذه التعيّنات ويأتي "هو" ويجعل الجميع في إناء واحد!

  • غاية الأمر أنّ المشيئة جرت على أن تكون مراتب الثواب والعقاب هنا وهناك طبقًا لمقتضى العمل والشاكلة، ولكنّ الكلام في أنّ كلّ هذا بيد قدرته وإرادته ومشيئته. الإنسان ما دام هناك، فهو أحقر وأبأس من الجميع، وبكاؤه وابتهاله أكثر من الجميع، وحينما يخرج: شاه المملكة وأمر ونهي وفوق وتحت و...

  • يا عزيزي، أنت ذاهب غدًا لمكان ليس فيه أمر ونهي وليس فيه "إلى اليسار دُر وإلى اليمين دُر"، ولا وزير أعظم ولا رئيس وزراء ولا وزير بلاط، لماذا لا تفكّر في جانب الوحدة والغربة الخاصّ بك؟! تفكّر في يومي الدنيا هذين، والحال أنّ كلّ هذه تعيّنات؟! لذا كان هدف الأنبياء والأولياء والعظماء كلّه هو أن يعيدونا لتلك الوحدة وأن نصل نحن لجانب الوحدة ذاك.

  • أنس أمير المؤمنين بالتراب ولقب "أبو تراب"

  • كانوا يطلقون على أمير المؤمنين عليه السلام اسم "أبي تراب" لأنّه كان يسجد على التراب هكذا، ثمّ يجمع قليلاً من التراب ويضع رأسه عليه وينام. (أبو تراب): تعني الترابيّ. حينما نقول فلان "ترابيّ"، يعني ليس لديه تعيّن أصلاً وكأنّه محشور مع التراب ومأنوس به، ولذا نرى أنّ الأطفال يأنسون بالتراب كثيرًا أيضًا.

  • كنّا مرّة في خدمة المرحوم الوالد العلامة مع المرحوم السيّد الحدّاد ـ رضوان الله عليهما ـ في تلك السفرة التي شرّف فيها إلى إيران، فذهبنا لقبر "جناب بابا طاهر" في همدان. لم يكن قبره بتلك الكيفيّة الحاليّة آنذاك، كان غرفة صغيرة من الطين واللّبِن تقع على تلة، وحسبما في ذهني لم يكن لها باب حتّى. كنتُ صغيرًا آنذاك. فبجّله السيّد الحدّاد رضوان الله عليه كثيرًا وقال: «يا له من مقام يملكه! يا له من مقام يملكه! وأيّ نورانيّة لديه!». بابا طاهر كان عجيبًا جدًّا أصلاً!

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

13
  • جاؤوا الآن وأصلحوه وجعلوه بهذه الكيفيّة التي هو عليها الآن، هذه الأحجار وهذه النقوش والزخارف وهذا الورد والنبات وهذه الخضرة و... طبعًا هذا العمل يعود لزمن الشاه السابق. هل تلك الكيفيّة لا تزال موجودة هنا حقًّا؟! لم تعد تلك الكيفيّة! هذا لأنّ أعمال الزينة وأمثالها تُبعد الإنسان عن الواقع، هو (صاحب القبر) في مكانه ونورانيّته لم تتغيّر، ولكنّ ارتباط الإنسان به ينخدش بسبب هذا الظاهر. الإشكال فينا نحن، يجب أن نصلح أنفسنا. يجب أن يكون موقعنا موقعًا يوفّق لذلك الجانب النوراني، ولكنّه ليس كذلك الآن.

  • شرح خصلة «يَختصِمون مِن غيرِ حِقدٍ» من الحديث النبوي

  • خصلة أخرى: «يَختصِمون مِن غيرِ حِقدٍ»، يتخاصمون من دون أن يحقدوا على بعضهم. وبعد ذلك يتصالحون، لأنّ خصامهم خصام صوريّ أيضًا. حينما يكون الخصام صوريًّا ولا مخّ له ولا باطن وليس فيه حقد وضغينة، فذلك الخصام ليس خصامًا. يتخاصمون الآن، وبعد ذلك يأتون ويضحكون مع بعضهم ويلاحقون بعضهم، يهاجمون بعضهم مجدّدًا حول قضيّة، وبعد مدّة ودقائق يقول: تعال لنتصالح! وكأنّه لم يحدث شيء أصلاً، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا!

  • ولكن كيف نحن؟ العياذ بالله! نقول: قال لي أحدهم كلمة قبل خمس عشرة سنة، لا أنساها ما حييت! يا عزيزي، لو أردتَ إسقاط تفّاحة، لدارت عشر دورات في الثانيتين هاتين، لقد مضت خمس عشرة سنة الآن! ولكنّي أقول: لا، يجب أن يأتي ويفعل كذا و...! أنتم تعرفون الباقي، لن ندخل في السياسة هنا.

  • شرح خصلة «إنّهم الباكون» من الحديث النبوي

  • خصلة أخرى: «إنّهم الباكون»، يبكون أي لديهم حال رقّة. الضحك يأخذ الإنسان لجانب التكاثر والدنيا.

  • كلّ هذه المطالب التي يذكرها النبيّ تدور حول "الوحدة". طبعًا أنا لم أراعِ ترتيب الخصال طبقًا لما في متن الحديث. لماذا يقول النبيّ: «إنّي أُحبُّ مِنَ الصّبيان...، أنا أحبّ هذه الخصوصيّات من الأطفال»؟ يعني أنّ هذه "قِيَم"، وهذه واقعيّة، أمّا البقيّة فعبث وتخيّل وخيال وأنا!

  • سيتّضح ذلك للإنسان حينما يلبسونه كفنًا أبيض كالإحرام ويخلعون عنه كلّ ما يملك! يخلعون الخاتم من يده، يخلعون الساعة، لو علّقت المرأة على نفسها عشرة مليارات من الذهب، يخلعونها جميعًا ولا يبقون شيئًا. سمعتُ أنّهم كانوا يقلعون أسنان (الميّت) المسكين البائس ويخرجون ما كان فيها من ذهب ولا يتجاوزون عنه! الخلاصة، هذه الأشياء التي هي تعيّن يخلعونها لأنفسهم، وتلك الأشياء التي هي له، مثل السنّ والعظم و... يبقونها.

أهمّيّة حاكميّة الحالات التوحيديّة في الإنسان - خصائص الأطفال: مرآةُ الفطرة والتوحيد

14
  • لو أعطوه الكثير، يعطونه كفنًا مثل الإحرام ويقولون: هذا كثير أيضًا! حينئذٍ تنتبه أنّ كلّ ذلك كان حلمًا، حينئذٍ تنتبه أنّ كلّ ذلك كان خيالات! لذا فالفطن هو من يمتلك ذلك الحال "الآن"، هو من فاز. رزقنا الله إن شاء الله!

  • نسأل الله أن يعتني بنا ويأخذ بأيدينا بنفسه، ويحفظنا ويصوننا بنفسه من اللهو والزلل في هذه الدنيا وزلازلها!

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد