6

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها

طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

140
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةتوصيات الحج وأحكامه

جلسات المجموعة(6 جلسة)

التوضيح

ما هي حقيقة الحجّ وآثاره الروحيّة العميقة؟ كيف تُعدّ هذه الفريضة طريقًا لمعرفة إمام الزمان؟ وما هي ضرورة المراقبة المعنويّة المستمرّة بعد العودة من ضيافة الرحمن؟ وما هي ضوابط ووظيفة الحاكم في الإسلام تجاه إبقاء طريق الحجّ مفتوحًا دائمًا؟ تجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها

  • الحجّ؛ طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

  •  

  • مباني الإسلام - أحكام وأسرار الحجّ - المحاضرة السادسة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرّحمٰن الرّحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • أثر الحج الروحي وضرورة المراقبة المعنوية لحفظ الآثار

  • ... ليحذروا، وليراقبوا، ليراقبوا حالهم. هذا الأمر له تجلّيات كثيرة جدًا، وبشكل عام فإنّ مكة هي المكان الذي لا يردّ الله تعالى فيه أحدًا، وهذا أمر مشهود وواضح تمامًا.

  • قصة تباين أحوال الداخلين إلى الكعبة المشرفة وتفاوت مقاصدهم

  • ذكرتُ هذا الأمر مرّة - ولا أدري إن كان ذلك في جلسة الرفقاء في قم أو في طهران – وهو أنّ أحد أصدقاء المرحوم العلّامة نقل عن سفر حجٍّ قام به مع الشاه السابق إلى مكة. والأمور التي حدثت هناك كانت عجيبة جدًا؛ لا سيّما عندما فتحوا باب الكعبة، ودخل أناس - ومن جملتهم هؤلاء الإيرانيون والشاه نفسه - في ذلك اليوم المحدّد لتنظيف داخل الكعبة. كانوا يغسلونها بماء الورد وما شابه، وكانت مشاهد وأمورًا عجيبة جدًا. فتذكّرتُ حدثًا يناقض هذا الأمر تمامًا. فقد نقل أحدهم لأحد رفقائنا أنّه في أحد أيّام العشر الأوائل من ذي الحجّة، في اليوم الثامن أو التاسع حيث يُسمح بالدخول إلى الكعبة نفسها، فُتح الباب ودخل أناس؛ وكنتُ من جملتهم برفقة أحد المعمّمين المعروفين. وقال: «عندما دخلنا الكعبة، ناداني ذلك الشخص المعروف وقال: "يا فلان! بخصوص تلك المعاملة التي تكلّمنا حولها في إيران، احرص متى ما عُدنا أن تأتي إلى مكتبي أو منزلي في اليوم الفلاني لنتابع هذا الموضوع". وهذا أمر موجود [على أرض الواقع]، وهو على هذه الشاكلة. 

  • قصة الانقلاب الروحي لأحد الزائرين وأهمية المراقبة لحفظ مكاسب الحج

  • أمّا الآن، فإنّ توفيق الله تعالى يشمل أناسًا آخرين، وحساب هؤلاء يختلف، وموضوعهم متمايز؛ فالذين تترسّخ في نفوسهم حقيقة أعمال الحجّ وسرّها بذهابهم إلى ضيافة الله تعالى وأدائهم لتلك الأعمال، ويعودون بهذه الهديّة إلى أوطانهم، يلمسون بوضوح أنّ حالهم بعد العودة من الحجّ يختلف عن غيرهم.

  • كان أحد الرفقاء يقول: «عندما عُدتُ من مكة، وبمجرّد وصولي إلى مطار طهران وخروجي من الطائرة، اعتراني انقلاب في الحال، ولازمني هذا الحال حتى وصلتُ إلى المنزل. ولكنّني شعرتُ أنّ هذا الانقلاب الروحيّ قد زال في المنزل. وعندما كنتُ أخرج من المنزل، كان يعاودني ذلك الانقلاب. وإذا ذهبتُ إلى المسجد أو إلى منزل أحد الأصدقاء – وبالطبع لا أقصد أيّ صديق، بل أصدقاء السلوك - كان حال السكينة ذلك يعود إليّ. ولكن بمجرّد عودتي إلى المحيط الخارجيّ مجدّدًا، يظهر ذلك الانقلاب». فما سبب ذلك؟ سببه أنّ تلك النفس قد رقّت واكتسبت حالة من القرب واللطافة، فلم تَعُد قادرة على تحمّل الأجواء الخارجيّة غير المناسبة. وحينها يترك هذا الحال آثارًا ماديّة على البدن أيضًا. ولكن بعد مدّة، ذكر هذا الشخص نفسه أنّ ذلك الحال قد زال. الأمر هناك في مكة يسير على هذا النحو: كلّ إنسان، وبقدر ما كسب هناك، يجب عليه أن يسعى لحفظ ذلك المكسب، وألّا يدعه يزول سريعًا على أقلّ تقدير. المراقبة أمر مهمّ جدًا من شأنه أن يحفظ ذلك الحال في الإنسان، ويُبقيه متأثّرًا بتلك الآثار بشكل أكبر.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

3
  • حقيقة الحج وغايته: معرفة إمام الزمان والترابط مع مقام الولاية

  • على الرفقاء الذين عادوا من الحجّ ألّا يسمحوا لذكريات الحجّ بالتلاشي من أذهانهم تدريجيًا؛ بل عليهم استذكارها باستمرار. فهذا التذكّر لتلك المواقف والذكريات يوجب ميل النفس إلى تلك العوالم. 

  • قصة الرسالة المكتوبة من المدينة المنورة وبيان حقيقة الولاية في الحج

  • أتذكّر في زمن المرحوم العلّامة، قبل وفاته بنحو سنتين، كتب جمع من الرفقاء رسالة من المدينة المنوّرة، وتقرّر أن أكتب أنا أيضًا بضعة أسطر في ختامها، فكتبتُ حينها ما يلي: إنّنا بعد مجيئنا إلى مكة والمدينة، والمرور بهذه المواقف، وأداء هذه الأعمال، وصلنا للتوّ إلى نتيجةٍ مفادها أنّ قطع كلّ هذه الصحاري، والحركة، والإحرام، والوقوف، والطواف، والصلاة، والأعمال، كلّها كانت من أجل الوصول إلى الولاية ومعرفتها، ولم يكن للمكان والمواقف وما شابهها أيّ قيمة استقلاليّة أو موضوعيّة أصلًا. بمعنى أنّ الله تعالى يأتي بالناس من أماكن مختلفة وبعيدة ومن أقاصي الدنيا، ويأخذهم إلى هذه الأماكن، ويُمِرُّ عليهم هذه الأحداث، ويُلزمهم بهذه التكاليف؛ من الذهاب إلى عرفات، ومِنى، وأعمالها، والذبح، وأداء القربان، والرمي، والطواف، والسعي؛ يُري الله تعالى الحاجّ كلّ هذه الأمور عمليًا ليُخرج نفسه شيئًا فشيئًا من هذه التعلّقات، ويوجِّهَهم نحو ذلك المبدأ، لكي يتمكّن الحاجّ من تقييم نفسه في مقامه ومكانته تجاه مسألة الولاية، ويصحّح كيفيّة ارتباطه بالله عبر طريق الولاية، وليعلم أنّ كلّ ما هو موجود محصور في هذا المكان وهذه المكانة والخصوصيّة. إنّ كلّ حركات الحجّ هذه من ذهابٍ وإياب تهدف إلى أن نعرف إمام زماننا عليه السلام؛ هذا فقط. أي أن تتّضح لنا تلك الوسيلة والرابط بين الكثرة والوحدة. وهذا الأمر خفيّ بطبيعة الحال، ولا يبرز في أيّ عمل من أعمال الحجّ. إلّا أنّ الذين يمتلكون الوعي والانتباه، وببركة ذلك النور الذي يُشرقه مقام الولاية على قلوبهم، ينجذبون شيئًا فشيئًا منذ بداية الأعمال دون أن يلتفتوا لذلك، ويتحرّكون نحو ذلك الاتّجاه، ويخطون في ذلك المسار. فكلّ هذا من أجل هذه المسألة. أذكر عندما وصلت تلك الرسالة إلى مشهد، أصبحت تلك العبارة على لسان الرفقاء، وكانوا يتكلّمون مع بعضهم البعض حولها.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

4
  • قصة الحوار مع العلامة الطهراني حول استحضار إمام الزمان بعد العودة

  • عندما عُدت من سفر الحجّ، ذهبت في الليلة الأولى نفسها إلى منزل المرحوم العلّامة. كنتُ أسكن في قم حينها؛ وكانت تلك السنة الأولى التي انتقلت فيها إلى قم بأمر منه في السنوات الثلاث الأخيرة من عمره. إلّا أنّ انطلاقي إلى مكة كان من مشهد، وعُدت برفقة الرفقاء. كان المرحوم العلّامة جالسًا في الإيوان، وكان الجوّ حارًا تقريبًا، فابتسم لي وقال: «حسنًا يا فلان! هل أدركتَ الآن العبارة التي كتبتها بنفسك أم لا؟» فقلت: «إلى حدّ ما نعم! ادعُ لي أن يكتمل الباقي». ثمّ أكّد رحمه الله أنّ الأمر هو عينه الذي اتّضح هناك.

  • وصايا العلامة الطهراني للحفاظ على حضور الإمام وتجنب مكدّرات النفس

  • هنا يجب أن نكون على دراية تامة بهذه النكتة، وأن نرى الإمام عليه السلام حاضرًا وناظرًا؛ أي أنّ الحاجّ عندما يعود من مكة، فإنّه يصطحب إمام الزمان عليه السلام معه إلى منزله. فيجب الحفاظ على إمام الزمان عليه السلام هذا؛ يجب الحفاظ على الإمام الذي أسكنّاه في قلوبنا وأتينا به معنا إلى المنزل. هذا الموضوع في غاية الأهميّة؛ بل هو أثمن وأهمّ موضوع في حياتنا، لأنّ هذا التوفيق لا يُتاح للكثيرين بأن يحلّوا ضيوفًا على الله تعالى لأيّام معدودة، وأن يُكرمهم الله تعالى بهذه الطريقة، ثمّ يجعل هذا الأمر هديّة وعطيّة في كيان الإنسان. هنا كان المرحوم العلّامة يقول: «عندما تعودون، حافظوا على حالكم. لا تنشغلوا بالأمور الزائدة. لا ينبغي أن تنشغلوا بالأشياء التي تُدخلنا في عالم التخيّلات والتصوّرات. يجب أن تُقلّلوا من اختلاطكم بالذين يتركون آثارًا سيّئة على النفس؛ لأنّ ذلك الأثر وتلك الحالة تبهت شيئًا فشيئًا في وجود الإنسان بسبب هذه الارتباطات، وتفقد جاذبيّته». نأمل إن شاء الله أن يمنّ الله تعالى علينا بمزيد من التوفيق، ورغم أنّ الأعمال التي يقوم بها الرفقاء تصل إلى البقيّة بفعل قانون الأواني المستطرقة، وتصلهم قطعًا وكأنّ الإنسان نفسه قد تشرّف وأدّى هذه الأعمال، إلّا أننا نأمل أن يرزق الله تعالى توفيق التشرّف الظاهريّ لبقيّة الرفقاء وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وأن يُديم آثار هذا الحجّ في استمرار حياتنا. ففي النهاية، تختلف الحياة، ويختلف حال الإنسان، وتتباين مكانة الإنسان هنا عن مكانته هناك. وعلى كلّ حال، الأفضل للإنسان أن يحافظ على حاله هذا إن شاء الله.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

5
  • لزوم تجاوز التفكير في قبول العمل وتفويض الأمر إلى الله تعالى

  • التلميذ: عفوًا، هل تأذنون لي أن أطرح عليكم [السؤال]ا؟ 

  • الأستاذ: تفضّلوا. 

  • التلميذ: أرى أنّني أدّيت بعض الأعمال هناك بحسب ظنّي؛ وأريد أن أعرف رؤيتكم حول كيف سيكون الحجّ الذي أديّته إن شاء الله؟ 

  • الأستاذ: انظروا، مهما عملنا، فلا يمكننا أن نُبرز أعمالنا في مقابل ألطاف الله وعناياته. مهما كان عملكم أفضل ونيّتكم أخلص، فهو لا يستحقّ العرض أيضًا؛ فمن أين أتيتم بخلوص النيّة هذا؟ أليس صفاء الباطن هذا وتوفيق العمل إلّا من عناية الله ولطفه؟! فكيف لنا إذن أن نقول هنا: «إلهي، هل هذا العمل الذي قمنا به مقبول عندك أم لا؟» أي أنّه لا مجال للعبد أن يسأل هذا ال[السؤال] بعد أن يؤدّي عملًا ليراقب هل قَبِله الله أم لم يَقبله! يجب على السالك في مقام العبوديّة أن يؤدّي ما عليه وحسب! أمّا التفكير فيما إذا كان العمل قد قُبل أم لم يُقبل، فهو بعيد عن شرط العبوديّة وشرط الأدب؛ فهذا يشبه إنسانًا يأخذ رأس ماله من شخص آخر، ثمّ يأتي ليتباهى به أمامه. أو كشخص يحلّ ضيفًا على آخر، ويكون المضيف قد أخذ منه تكاليف الضيافة مسبقًا، ثمّ يمنّ عليه قائلًا: «انظر كم تعبنا! وماذا فعلنا!» فعندما يكون المال والتكاليف من شخص آخر، فإنّ عرض هذه البضاعة أمامه يُعدّ جفاءً. أيّ عمل خالص نؤدّيه، وأيّ نيّة طاهرة نحملها هنا، يجب أن ننسبها إليه؛ لا أن نجعل لأنفسنا نصيبًا فيها. أمّا قولنا: «إلهي، هل أوجب عملي هذا التقرّب إليك أم لا؟ كم كان عملي جيّدًا؟» فهذا يشبه قولنا: «إلهي، كم شملني من لطفك؟» عندما يتفضّل الله، لا ينبغي للإنسان أن يسأل؛ بل الأفضل أن ينسب هذه الأمور إليه ويُرجعها إليه ويقول: «إلهي، نحن لم نفعل شيئًا، ولم يصدر منّا أيّ عمل. أتينا وكُنّا ضيوفك؛ فإن أحسنّا فمنك، وإن قصّرنا فمنّا، ولا يوجد في أذهاننا أيّ شيء سوى هذا». 

  • التلميذ: هذا هو مقصدي أيضًا؛ وهو أنّني أشعر حقًا أنّني لم أفعل شيئًا هناك! أنا خائف من تقصيري؛ لأنّني أشعر واقعًا وكأنّني ذهبتُ وعُدتُ فقط، ولا أجد في نفسي الآن الأثر الذي كان يُفترض بي تحقيقه هناك! أظنّ دائمًا أنّ هناك تقصيرًا قد حصل. خوفي فقط هو أن أكون قد ذهبتُ وعُدت، لا من حيث إنّني قدّمتُ شيئًا.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

6
  • الأستاذ: يجب على الإنسان أن يفوّض الأمر إلى الله تعالى بحسب مقدار التكليف ومستوى الشعور والإدراك الذي يمتلكه، وأن يستمدّ العون من كرمه لعمله وحاله. ففي النهاية، قد قدّر الله تعالى الحجّ وزيارة بيت الله والتشرّف بالأعمال وزيارة قبور أوليائه؛ فإذا أدّى الإنسان هناك ما تقتضيه سَعَته الوجوديّة وتكليفه، وبذل وُسعه، فلا ينبغي له التفكير في باقي الأمور: «هل قُبلت أم لا؟ وهل قصّرت أم لا؟!» بل يجب على الإنسان في كلّ الأحوال أن يرى نفسه مقصّرًا وقاصرًا، وأن يتوجّه ويتّكل على كرمه تعالى فحسب.

  • قصة السائل في الشام عن قبول الزيارة والتنبه لمقام العبودية

  • في سفرٍ تشرفت فيه بزيارة كربلاء قبل عدّة سنوات عبر الشام برفقة بعض الرفقاء، وأثناء العودة في مطار الشام، سألني أحد هؤلاء الرفقاء - والذي تشرّفت زوجته أيضًا بالحجّ في هذا العام - قائلًا: «يا سيّد، كيف نعرف إن كانت زيارتنا هذه قد قُبلت أم لا؟» فضحكتُ وقلت: «ومن أين لك أنّها قُبلت؟! ومن قال أساسًا إنّ زيارتكم قد قُبلت؟!» فتفاجأ، وكان هذا الردّ عجيبًا جدًا بالنسبة له. وقال: «يا سيّد، هل تقصد أنّها لم تُقبل؟!» فقلت: «وإذا لم تُقبل، فماذا ستفعل؟ لو قال الإمام الحسين أو أمير المؤمنين عليهما السلام: "لا، لم نقبل زيارتك"!؟» فقال: «حسنًا، لا شيء!» فقلت: «والآن أيضًا لا شيء! لماذا يجب أن تفكّر أساسًا إن كانت الزيارة قد قُبلت أم لا، فما الذي فعلناه نحن أصلًا؟! وما الذي قدّمناه في مقابلهم عليهم السلام؟!» 

  • أنا أسألكم الآن: لقد تم نقلكم بالطائرة من هنا إلى هناك في غضون ساعتين - وقد ذكرتُ هذا الأمر في جلسة مشهد - وأسكنوكم في أفضل الأماكن، وقدّموا لكم أفضل ضيافة، ثمّ عُدتم؛ هل تعلمون أنّ الناس الذين كانوا يقصدون الحجّ في الماضي، وحتّى قبل مئة عام، كانوا يكتبون وصاياهم؟! ونصف الذين كانوا يذهبون لم يكونوا ليعودوا! فقد كانوا يُصابون بمختلف الأمراض، كالسلّ والكوليرا والأمراض المستعصية؛ وكان قطّاع الطرق يضربون أعناقهم وينهبون أموالهم؛ ولذلك، لم يكن يُوجد حاجٌّ واحد في الحيّ بأكمله. كان الذهاب والإياب في الحجّ يستغرق ستّة أشهر. هكذا كانوا يؤدّون الحجّ. لقد حجّ الإمام المجتبى عليه السلام خمسًا وعشرين مرّة، وكانت أغلب أسفاره هذه من المدينة إلى مكة سيرًا على الأقدام؛ مع أنّ نياقه ومراكبه عليه السلام كانت تسير أمامه؛ ولم يكن ذلك عن عجز ماليّ! المسافة بين المدينة ومكة تبلغ تسعين فرسخًا، وتلك الصحاري ليست كالأراضي الخضراء والمروج الموجودة هنا في شمال إيران. فكم من محطّات وعرة وظروف قاهرة كانت تواجههم. هكذا كانوا يؤدّون الحجّ، لا كما نفعل نحن! أليس كذلك؟! لذا، إن كان لا بُدّ من [السؤال] عمّا فعلناه، فهُم مَن يجب أن يسألوا؛ أين نحن من هذا الأمر ومن هذه الأحداث لكي تخطر هذه الفكرة على أذهاننا أصلًا؟! يجب علينا دائمًا الانتباه إلى قصورنا. يجب على الإنسان دائمًا أن يرى نفسه لا شيء؛ وليس في الحجّ فحسب، بل هنا أيضًا! يجب أن يرى نفسه دائمًا حقيرًا كالتراب، وألّا يجعل لنفسه اعتبارًا في تعامله مع الآخرين؛ بل يجب حقًا أن يرى نفسه خادمًا للجميع؛ يجب أن يوقن بذلك واقعًا. إذا شعرنا في نفوسنا بالاستعلاء على الآخرين بمقدار رأس إبرة، فإنّنا نكون قد هوينا على رؤوسنا إلى الأرض في تلك اللحظة؛ وإذا شعرنا بمقدار رأس إبرة أنّنا محطّ اهتمام، فتلك هي نقطة سقوطنا، وهناك تكمن أنانيّتنا وفرعونيّتنا. إنّ أفضل السالكين والعبّاد هو العبد الذي يرى نفسه واقعًا أقلّ من الجميع، ويُظهر نفسه عمليًّا أقلّ من الجميع.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

7
  • قصة إيثار السالكين وتواضعهم في سفر زيارة كربلاء

  • في سفري هذا الذي تشرّفت فيه بزيارة كربلاء، يختلف حال رفقائنا عن البقيّة بطبيعة الحال. انظروا إلى الناس، يأتون ويقولون: «نحن ذاهبون لزيارة كربلاء»! وعند الانطلاق، يقيمون مجالس اللطم وقراءة النواحي، ويردّدون باستمرار: «يا حسين، نحن قادمون وسنفعل كذا وكذا»؛ ولكن عندما يصلون هناك، يشتمون بعضهم بعضًا من أجل الجلوس على كرسي! فقلت في نفسي: «لا قيمة للطمكم ولا لعملكم هذا!» أمّا الرفقاء وأمّا أنا، فلا أُعدُّ شيئًا مقارنة بهم -؛ فقد كان عباد الله هؤلاء يقفون في الشارع، وعندما يركب جميع الناس حتّى آخر شخص منهم، يحين دورنا. كانوا ينتظرون حتّى يذهب الجميع ويركبوا الحافلة ليحين دورهم. كنتُ قد قلت للرفقاء: «لا يتحدّثنّ أحد مطلقًا عن الكراسي؛ وكلّما رأيتم شخصًا جالسًا على كرسيّكم، قوموا وارجعوا إلى الخلف. وإن أمكن فقوموا من أماكنكم»؛ أو عندما كان يحين وقت الطعام، كان عباد الله هؤلاء آخر مَن يدخلون المطعم ومكان تناول الطعام، وأوّل مَن يخرجون. وكذلك كان حالهم في باقي الأمور، لدرجة أنّ أفراد الأمن العراقيين أنفسهم كانوا يهتمّون بهم أكثر من غيرهم ويقولون: «إنّ ما نراه منكم يختلف تمامًا عمّا نراه من الآخرين». بمعنى أنّ عباد الله هؤلاء عندما كانوا يقولون: «نحن جئنا للزيارة»؛ فقد كانوا صادقين. أينما أُعطوا غرفة لم يكونوا ليعترضوا، ومهما كان وضع الغرف أو الطعام أو الحافلة، لم يكونوا ليتذمّروا قطّ. أليس كذلك؟! هكذا يجب أن يكون الإنسان، وأن يرى نفسه متواضعًا بهذه الطريقة؛ يجب أن يرى ذلك واقعًا. وإذا كان كذلك، فإنّ هذا الأمر سينفذ في جميع شؤون النفس، وسيُظهر نفسه في كلّ أفعال الإنسان وتصرّفاته، وسيصبح الإنسان واقعًا كما يريد هو تعالى. أمّا إن لم يكن كذلك، وجئنا لنُحاسب أنفسنا قائلين: «لقد كان عملي ذلك جيّدًا وأنا معجب به!» أو «لقد أدّيتُ هذا العمل بشكل جيّد، ولله الحمد!» أو «لقد حظينا بزيارة روحانيّة في النهاية، ولله الحمد!»؛ فتلك أمور تستحسنها النفس، وتغترّ بتلك الفرحة. في حين مَن ذا الذي يجرؤ على القول إنّنا أصحاب أهليّة؟! ومن ذا الذي يستطيع القول إنّنا هكذا؟!

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

8
  • قصة العابد المستغرق بعبادته والتنبه لرؤية التوفيق الإلهي

  • في سفري للحجّ قبل نحو ثلاث سنوات، التقيتُ يومًا بأحد أساتذتنا وعظمائنا - وهو رجل كثير التهجّد ومن أهل المراقبة - بالقرب من المقبرة. فأخذني إلى منزله. ودار حديث هناك، وكان ممّا قاله: «أنا لم أقم في حياتي سوى بعمل واحد». كان هذا العبد لله يريد أن يمدح نفسه من جهة، ومن جهة أخرى كان يريد القول إنّني لم أفعل شيئًا، وإنّ جميع أعمالي هذه لا يُعلم إن كانت خالصة لله أم لا؛ ولكن في موضع المدح هذا بالذات كان هناك إشكال وموضع تأمّل. قال: «عندما ذهبتُ إلى مكة، قلت: "إلهي، أنا لم أقم طوال عمري إلّا بعمل واحد لأجلك؛ وهو أنّني بقيتُ مستيقظًا من الليل إلى الصباح لمدّة ستّة أشهر متتالية، وصمتُ من الصباح إلى الليل طوال هذه المدّة. هذا هو العمل الوحيد الذي أدّيته لأجلك في حياتي"». فضحكتُ وقلت: «يا سيّد فلان، أنا لم أقم حتّى بهذا العمل! لذا فملفّي وخيالي صافيان تمامًا، ولا يوجد فيه أيّ عمل لأعرضه!» ولم يلتفت إلى ما كنتُ أقوله وما هو مقصدي؛ فما كنتُ أريد أن أبيّن له وأقول هو: من أين جاء توفيق عملك هذا لتعرضه على الله؟ فلو جعلك الله تنام ليلة واحدة، هل كنتَ لتستطيع قول هذا الكلام الآن؟! ولو مرضتَ خلال هذه الأشهر الستّة، فهل كنتَ لتأتي إلى هنا لتفتخر وتتباهى قائلًا: "إلهي، لقد فعلتُ كذا وكذا خلال ستّة أشهر"؟ إذن، هو الذي أعطاك القدرة، وهو الذي أزال الموانع، وهو الذي منحك التوفيق. فهل نأتي بعد ذلك لنعرض هذا أمام الله قائلين: «إلهي، لقد سهرنا الليالي حتّى الصباح لمدّة ستّة أشهر، وصُمنا النهار حتّى الليل؛ نحن من قمنا بهذا العمل»؟ كلّا؛ حتّى لو أدّيتَ هذا العمل، فلا ينبغي أن يخطر ببالك وذهنك أنّك قمتَ به أساسًا. هذا هو الفرق في الطريق الذي بيّنه الموحّدون والأولياء وأهل التوحيد؛ ميزة هذا الطريق عن سائر الطرق تكمن في أنّ أهل التوحيد يفوّضون جميع أمورهم إلى الله ولا يحتفظون بشيء لأنفسهم.

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

9
  • المسائل والأحكام الفقهية المتعلقة بمناسك الحج والزيارة

  •  

  • لا إشكال في أداء المرضى للأعمال في الليلة التي تسبق الوقوف بعرفات

  • [السؤال:] أحرمنا في مكة قبل يوم واحد من ذهابنا إلى مِنى وعرفات. كنتُ أعاني من ألم في الأسنان؛ فقالوا: «إنّ الذين يعانون من مشاكل لا يمكنهم أداء الطواف والأعمال في طريق العودة، لأنّ المكان سيكون مزدحمًا؛ الطواف والسعي بين الصفا والمروة سيكونان مزدحمين؛ لذا تعالوا وأدّوا أعمالكم الآن». هل ما قمنا به كان صحيحًا؟ 

  • [الجواب:] في أيّ ليلة كان ذلك؟ 

  • [السؤال:] في الليلة التي تسبق ذهابنا إلى عرفات. 

  • [الجواب:] لا إشكال في ذلك؛ لا بأس بذلك للمرضى والذين يخافون الزحام.

  • كسر الظفر للمُحرِم في حال عدم نزف الدم لا يوجب الكفّارة 

  • [السؤال:] سماحة السيّد، كنتُ مُحرمًا لأداء الأعمال الواجبة وكُنّا في مِنى وعرفات. كنتُ جالسًا أقرأ القرآن. وكان جزء من زاوية ظفر إصبع قدمي الصغير مكسورًا، ولكنّني لم أكن منتبهًا. فجأة عَلِق بالسجّادة؛ ولم أكن منتبهًا أصلًا! فسحبتُ الظفر واقتلعته، وفي تلك اللحظة تذكّرتُ فجأة أنّني مُحرم! شعرتُ بحرقة طفيفة في مكانه ولكنّه لم ينزف دمًا أصلًا. لم أسأل أحدًا هناك؛ وقلتُ سأسألكم: هل يوجب هذا العمل الكفّارة؟ وماذا يجب أن أفعل؟ 

  • [الجواب:] لا، ليس في ذمّتكم شيء؛ يكفي أن تتصدّقوا بمَنّ من التمر (ما يعادل ثلاثة كيلوغرامات) على الفقراء، ويُدفع عنكم البلاء إن شاء الله. 

  • [السؤال:] يعني ذلك أنّه لا حاجة لذبح شاة وما شابه؟ 

  • [الجواب:] لا، لا حاجة لشاة وما شابه ذلك.

  • لا إشكال في استخدام السواك للمُحرِم

  • [السؤال:] تقول إحدى الأخوات: «لم أكن أعلم أنّ استخدام السواك ومعجون الأسنان فيه إشكال أثناء الإحرام؛ فما هو تكليفها؟ 

  • [الجواب:] لا، لا إشكال في استخدام السواك ومعجون الأسنان؛ الشرط الوحيد هو ألّا يخرج دم. حسنًا، إن لم يكن لدى الرفقاء أسئلة أخرى، فنستأذنكم بالانصراف إن شاء الله! فقد زاحمناكم بما فيه الكفاية. تفضّلوا؛ هل لديكم [السؤال]؟

  • لا وجود لحكم المَحرَميّة وعدمها في الحجّ

  • [السؤال:] عفوًا لديّ سؤال؛ بعد أن أدّيت أعمال حجّ التمتّع، قمت ببعض أطواف الاستحباب؛ ولكنّني كُنت تحت ضغط شديد! ولا أدري إن كانت هذه الأعمال المستحبّة التي أدّيتها في تلك الحالة فيها إشكال عليّ؟ 

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

10
  • [الجواب:] لا، ليس فيها إشكال، الأمر فقط أنّكم تعرّضتم لبعض المشقّة. 

  • [السؤال:] أقصد التدافع بين الرجال والنساء؟ 

  • [الجواب:] لا، لا إشكال في هذه الأمور هناك.

  • [السؤال:] أنا أسأل بخصوص الأعمال المستحبّة؟!

  • [الجواب:] الواجب والمستحبّ سيّان، لا فرق بينهما. 

  • [السؤال:] كان رجل الدين المرافق لحملتنا يقول: «طالما كانت أعمالكم واجبة، فلا بأس إن صادفتم أشخاصًا أجانب (غير مَحارم)؛ ولكن لا يصحّ أن تذهبوا للأعمال المستحبّة، ولا ينبغي لكم ذلكً». 

  • [الجواب:] قولوا لذلك الشيخ نقلًا عنّي: فليُدقّق قليلًا في المسائل الشرعيّة؛ ما هذا الكلام الذي يقوله؟! لا وجود لهذه القضايا والمسائل في مكة أصلًا؛ فمسألة المَحرميّة وعدمها يجب ألّا تمنع أيّ شخص يذهب إلى هناك من أداء العبادة؛ سواء كان يذهب لأداء عمل مستحبّ أو واجب. نعم، يجب على الإنسان في ذلك المكان والزمان ألّا يلتفت إلى الأجنبيّ، هذا أمر مفروغ منه؛ أمّا إن لامس جسده جسدًا آخر صدفةً فلا إشكال في ذلك. وهكذا الحال بالنسبة لقبور الأئمّة عليهم السلام. فهذا التقسيم الذي فعلوه الآن لنصفين حول قبر الإمام الرضا عليه السلام أمر خاطئ. يجب على الزائر أن يطوف حول قبر الإمام الرضا عليه السلام؛ هذه هي المسألة، والآن سُدّ هذا المسار. نعم، يجب على الإنسان ألّا يلتفت إلى الأجنبيّ أثناء الزيارة؛ فلا ينبغي للمرأة أن تلتفت إلى الرجل، ولا ينبغي للرجل أن تلتفت إلى المرأة. أمّا أن يمنعوا الطواف بسبب هذا الأمر، فهذا غير صحيح. الأمر ذاته ينطبق على مسألة المَحرَميّة وعدمها أثناء الحجّ؛ ففي وقت الطواف هناك، شاء الله تعالى أن تُطوى هذه المسائل أصلًا؛ بمعنى أنّ مجرّد حضور الزائر في ذلك المكان يجعله لا يلتفت أصلًا إلى الأمور النفسانيّة - ولنقل هنا التكاليف النفسانيّة المتمثّلة في غضّ البصر، والتحفّظ من الأجانب، وتجنّب التلامس، والمراقبة، والتحدّث وما شابه؛ يجب ألّا يكون هناك التفات إلى هذه المسائل - ولا يعني ذلك أن يتصرّف بخلافها، بأن يذهب الإنسان إلى هناك ويتحدّث مع رجل أجنبيّ أو ينظر إليه؛ أو أن يتلامس مع الأجنبيّ فرضًا. كلّا، فعدم الالتفات مسألة، والالتفات إلى ارتكاب المخالفة مسألة أخرى. يمكنكم هناك حتّى الوقوف أمام الرجل والصلاة؛ في حين أنّه لا وجود لمثل هذه المسألة في أيّ مكان آخر. لذا، لا فرق بين الطواف المستحبّ والطواف الواجب. فلو كان هناك إشكال في الطواف المستحبّ، لكان هناك إشكال في الطواف الواجب أيضًا؛ الإشكال يسري على كليهما. وقد سمعتُ أنّ البعض قال: «يجوز لكم ألّا تكونوا على وضوء في الطواف المستحبّ!» إن لم يكن على وضوء فهو باطل! لا فرق في ذلك؛ كأن تُصلّي صلاة مستحبّة بغير وضوء، فهي باطلة بطبيعة الحال. صحيح أنّها مستحبّة، ولكن الطهارة شرط في صحّة الصلاة في النهاية. 

رابطة الحجّ والولاية وأهمّيّة حفظ آثارها - طريقٌ لمعرفة إمام الزمان والمراقبة المعنويّة بعد العودة

11
  • [السؤال:] ...

  • [الجواب:] كلّا، لا يوجد إشكال. حتّى لو كنتم قد درتم حول أنفسكم عدّة دورات فلا إشكال في ذلك. 

  • [السؤال:] وماذا عن النظر إلى الكعبة؟ 

  • [الجواب:] النظر إليها لا إشكال فيه أيضًا.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد