المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التاريخ 1418/09/06
التوضيح
: لماذا استعاذ النبيّ الأكرم من علمٍ لا ينفع؟ وهل يمكن للعلم أن يكون وبالاً على صاحبه وعلى البشريّة؟ تتناول هذه المحاضرة العلاقة الدقيقة بين العلم وتزكية النفس، وتُناقش موضوعًا شائكًا حول الموسيقى كعلمٍ رياضيّ وتأثيرها على النفس الإنسانيّة مستشهدةً بآراء السيّد محمد حسن إلهي (شقيق العلامة الطباطبائي). كما تتعرّض المحاضرة لنقد الأنظمة العالميّة الجائرة كحقّ النقض (الفيتو)، وكيف تتلاعب المصالح الشخصيّة بالفتاوى الشرعيّة أحيانًا.
هوالعلیم
العلم النافع
الموسيقى وتأثيرها الروحيّ بين الحِلّ والحرمة
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة الخامسة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ باللَه مِن الشّيطان الرّجيم
بسم اللَه الرّحمٰن الرّحيم
الحمدُ للّه ربِّ العالمين
والصّلاة والسّلام علىٰ سيّد المُرسلين
وعلى خاتَمِ النبيّين محمّدٍ وآلهِ الطيّبينَ الطّاهرين
واللّعنُ علىٰ أعدائِهِم أجمَعين
هل ينبغي الاهتمام بكلّ علم؟
«بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك ودَعوتَني إلَيك، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ».۱
أشرتُ سابقًا إلى أنّ العلم لازم للكمال الإنسانيّ، والعلم ممّا لا يستغني عنه الإنسان أبدًا. والعلم يعني انكشاف الواقع وكلّ ما يوصل الإنسان إلى الواقع. والآن، ما هي مكانة هذه العلوم بأنحائها وأقسامها وتفاوت أساليبها؟
كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يقول: «اللهمّ إنّي أَعوذُ بكَ مِن علمٍ لا يَنفَع».٢
ما معنى هذه الاستعاذة وهذا اللجوء من النبيّ؟ وما الإشكال في أن يسعى الإنسان خلف علمٍ لا نفع فيه؟! أليست هذه العلوم التي يكتسبها الناس في هذه الدنيا مفيدة؟! ففي النهاية، يصرف الإنسان عمره، ويُحصّل علمًا؛ فليكن ذلك العلم غير مفيد جدًّا، ما الضير؟!
يمكن أن يكون لكلام النبيّ هنا تفسيران:
التفسير الأوّل: هو أنّ الله المتعال قد أعطانا رأسمالٍ عبارة عن "العمر"، وهذا العمر له حدّ، وينتهي بعده ذلك، فيُقال: «تفضّلوا!»؛ فلو صرف الإنسان هذا العمر في علمٍ غير نافع، فما الذي يُمكنه أن يستبدله بهذا العمر الضائع؟ لا شيء يمكن أن يكون بديلاً، وسيبقى الإنسان يتحسّر يوم القيامة بأنّني كنت موجودًا [في الدنيا] لمدّة، وصرفت هذا الوقت والعمر ـ الذي كان يجب أن يُصرف في الأمور المفيدة ـ في أمور غير مفيدة؛ وهي عبارة عن العلم الذي لا ينفع.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾؛٣ فيوم إظهار الغبن والخسران هو يوم القيامة، حيث يُظهَر للإنسان غبنه. ومثل ذلك كمثل متجرٍ في الشارع أعلن عن تخفيضات بنصف السعر أو ٣۰%، وتمرّ أنتَ، وترى أنّ الأشياء التي تحتاجها موجودة في هذه التخفيضات بخصم ٣۰%، فتقول: «سأذهب للمنزل الآن، وآتي لآخذها لاحقًا»؛ وحينما تعود، ترى أنّهم قد اشتروها وأخذوها، وانتهت التخفيضات، ولم تعُد نقودك تكفي لسعر السوق، ولن تحصل عليها.
يُطلق على هذا اسم: "الغبن". ويوم القيامة هو ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ أي: ينظرُ الناس، فيرون أنّهم قد اُبتلوا بالغبن، وأنّ هذا اليوم الذي كان يجب أن يستفيدوا منه لم يستفيدوا منه، وهذا الرأسمال الذي كان يجب أن يستخدموه لم يستخدموه؛ وهناك، ترتفع الصرخة من كيان الإنسان؛ ولكن، لا فائدة حينئذٍ. وهذا الغبن حاصلٌ لجميع الناس، حيث ينظر الصديق لصديقه، ويرى أين يقف ذاك وأين هو؛ وتنظر الزوجة للرجل، وترى أين هو وأين هي؛ وينظر الرجل لزوجته، ويرى في أيّ مقام هي وفي أيّ مقام هو؛ وهلمّ جرّا.
قصّة "دبلوم اللغة": العلم للمباهاة والمناصب الدنيويّة
إذن، هذا أحد أنواع الغبن الذي يقول عنه النبيّ: «أعوذُ بِكَ مِن علمٍ لا يَنفَع!». وهو ذلك العلم الذي لا ينفع الإنسان، وذلك العلم الذي يكون فقط سببًا للمباهاة في عالم الكثرة وأن يُقال: هذا السيّد لديه شهادة!
أراد شخص أن يتزوّج، ولم يكن يملك أيّة شهادة علميّة، وكان ـ بالمناسبة ـ قد رسب عدّة سنوات. وحينما أراد الذهاب للخطبة، قال: «لو قلتُ أنّي حاصل على شهادة الثانوية، سيقولون: "أحضر شهادتك وأرِنا إيّاها"، فماذا سأقول حينئذ؟!». قال: «سأقول لهم: أنا لديّ ديبلوم في اللغة». فقال له أحد أقاربه: «لو أراد أحد أن يتحدّث معك باللغة الإنجليزيّة، فماذا ستفعل؟!». قال: سأقول: «لقد نسيت».
وذهب للخطبة، فسألوه: «ما هي شهادتك؟»، فأجابهم بذلك الجواب، وفرحوا كثيرًا بأنّ لديه ديبلوم لغة، ومن لديه ديبلوم لغة فمعلوماته كذا وكذا! وبعد ذلك، فهموا أنّه لا يُحسن شدّ "برغي" واحد. يُطلق على هذا العلم "علم للمباهاة"؛ وذلك بأن يحصل الإنسان على شهادة وورقة، ويضعها هناك، ولا فائدة منها أيضًا!
الآن، الكثير من الإجازات الجامعيّة التي يأخذونها هي إجازات "دولاريّة"، حيث يرسلون مقدارًا من الدولارات للخارج، ويأخذون الشهادة هكذا! إن كنتم لا تعلمون، فأنا أعلم أنّهم يعطونهم إجازة جامعة كذا، بل يعطون شهادة الدكتوراه أيضًا! هل رأيتم أنّه مكتوب في بعض العيادات أنّ فلانًا عضو في الكليّة الفلانيّة، وحاصل على البورد التخصّصي۱ من المكان الفلانيّ؟ تدفع ۱٥۰ دولارًا، فيرسلون لك عضويّة واحدة في كليّة الجرّاحين بلندن أو بوردًا تخصّصيًّا من الجامعة الفلانيّة. كلّ هذه علوم اعتباريّة ومباهاة، ونتيجتها انقضاء العمر والدخول في عالم الكثرات؛ وبعد ذلك، الرحيل عن هذه الدنيا وانتهاء [العمر].
خطر العلم بلا تزكية: مِن قتل الأبرياء إلى قتل ابن بنت النبيّ
التفسير الثاني: إنّ المقصود من «اللهمّ إنّي أعوذُ بكَ مِن علمٍ لا يَنفَع» هو: يا ربّ، أعوذ بك من أن أُحصّل علمًا لا أستطيع الاستفادة الصحيحة منه؛ وحينئذٍ، يقع (ذلك العلم) في مسار الشيطنة والإغواء والانحراف عن طريق الاختلاط بالأهواء والآراء والنفس الأمّارة.
هناك، يعلم الله تعالى وحده ما الذي سيحدث! لأنّ العلم إن لم يكن مقترنًا بالتزكية، يعلم الله تعالى وحده ما الذي سيحدث! العلم إن لم يكن مقترنًا بالضمير، يعلم الله تعالى وحده ما الخبر! وهنا، توجد نماذج كثيرة "إلى ما شاء الله"! فإلى أيّ فرع من الفروع العمليّة نظرتم، سترون أنّ عدم نفع هذا العلم ـ في حالة اختلاطه بالأمور النفسانيّة ـ يُساوق ويساوي الضرر.
إذا لم يكن علمُ الطبيب مقترنًا بالتزكية، كان موجبًا لهلاك المريض. وإذا كان علم المهندس مقترنًا بالأهواء والآراء النفسانيّة، فقد يوجب فجأةً قتل أفراد عديدين في مكان واحد؛ لأنّ النفس تكون دخيلة هنا. وقد حدثت مثل هذه القضايا؛ وذلك بأنّه كان ينبغي ـ مثلاً ـ أن يُجعل العمود بقطر كذا، فتتمّ صياغته بشكل أجوف؛ وبعد ذلك، لا يستطيع هذا العمود تحمّل ذلك الوزن. وفجأةً، ترون أنّه عند حدوث هزّة أو قضيّة غير عاديّة، يسقط على رؤوس ثلاثمائة شخص؛ وبعد ذلك، يتبيّن أنّ ذلك المهندس قد خان في بناء هذا العمود أو في "الخرسانة" التي أراد صبّها؛ وهذا أوجب هلاك جماعة من الناس.
وهكذا، لو كان علمُ العالِم [الدينيّ] مقترنًا بهوى النفس، فإنّه سيتسبّب في هلاك أمّة؛ وهنا، لا يعود الأمر متعلّقًا بفرد واحد أو فردين. فلو كان العلم مقترنًا بهوى النفس، لأفتى الإنسان بقتل ابن رسول الله أيضًا! فيأتي بكلّ راحة، ويُرتّب مقدّمة صُغرى ومقدّمة كبرى، ويضع الأدلّة الأصوليّة والفقهيّة بجانب بعضها، ثمّ يستنتج أنّ قتل ابن رسول الله ومحاربته واجب شرعًا! وتسير خلفه جماعة كبيرة من المساكين أيضًا.
الموسيقى بين العلم الرياضيّ والتأثير الروحيّ
في السابق، كان الطلاّب ـ في الحوزات العلميّة أو في غير الحوزات والأماكن المختلفة ـ يدرسون بعض الفنون الأخرى من العلوم، وكان أحدها ـ على سبيل المثال ـ علم الموسيقى. فالموسيقى علم رياضيّ، وتدخل في علم الرياضيّات، وهي تابعة لقواعده. ففي تصنيف العلوم والفلسفة، كانوا يدرجون الموسيقى كجزء من علم الرياضيّات؛ طبعًا، لقد نُسخت هذه الأمور الآن بسبب كثرة العلوم المتعارفة والدينيّة، وكذلك عدم الاستفادة منها بسبب حرمتها. وأولئك الأفراد الذين كانوا يتعلّمونها، كان ذلك لأجل بُعدها العلميّ فقط، لا لأجل الاستفادة منها (عمليًّا).
أنا نفسي كنتُ أتعلّم قواعدها وقتًا ما عند أستاذ دون أن أستفيد من آلاتها وأستخدمها. وكنّا مرّةً في محضر المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ ، وكان يتحدّث لجماعة حول هذه المسألة؛ وضمن حديثه، ذكر هذه المسألة: «إنّ شقيقي أستاذٌ في هذه المسألة وله كتابات في هذا المجال أيضًا». لقد سمعتُ هذا الكلام منه شخصيًّا، وقد أورد المرحوم الوالد العلاّمة الطهرانيّ هذه المسألة في كتاب "الشمس الساطعة".۱
إنّ هذا الكلام الذي أريد بيانه لكم، هو لأجل شرح المسائل التي نقلها المرحوم الوالد في كتابه. وكما فهمنا، فإنّ المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ نفسه لم يكن عديم الاطّلاع أيضًا. وكان يقول بعد ذلك:
كان [شقيقي] يدّعي: إنّ هذا العلم علمٌ صحيح وعلمٌ واقعيّ؛ وربّما لو استُفيد منه الاستفادة الصحيحة المطلوبة، لأوجب تلطيف النفس وتجليتها، ولَسرّع حركة السالك نحو الله، ولكنّ الخوف والقلق هو من أن يقع بيد بعض الأفراد، فيُؤدّي إلى استفادتهم من كيفيّة "النوتات" وتنظيم الآلات إفادات غير مشروعة.
كان الأستاذ ـ الذي كنتُ أتلقّى عنده الدروس "الكلاسيكيّة" ويُعلّمني [هذه المسائل] ـ يعتقد قائلاً: أنا أستطيع أن أعزف بآلة "التار"،٢ بنحوٍ أسلب فيه اختيار الفرد وأجعله مسلوب الاختيار!
إحدى النوتات التي علّمنا إيّاها وبقيت غير تامّة، كانت نوتة على "السيتار"٣، بحيث لو عُزفت هذه النوتة، لوقعت منها محبّة عجيبة في قلب الطرف الآخر تدريجيًّا بحيث لا تزول بتاتًا. فانظروا أنتم، لو قُدّر لهذا العلم أن يقع بيد أفراد ليسوا أهلاً له، وتعلّموا هذه الطُرق، فما المفاسد التي يمكن أن يُسبّبوها، وما المسائل التي ستترتّب على هذه القضيّة؟!
ولا يخفى أنّه كان شخصًا متديّنًا، ولم يكن من أهل هذا الكلام وهذه المسائل بتاتًا، وكان له ذوق عرفانيّ وصوفيّ، وكان له تخصّص وتبحّر كبير جدًا في هذا الفنّ. أحد الأمور التي كان يمتلكها هذا الشخص وكانت عاديّة جدًا بالنسبة له، أنّه كان يقول:
أستطيع أن أعزف بنحوٍ أوجِد فيه عدم الرغبة في الدنيا وأموالها لدى الإنسان؛ وبالتالي، أفعل به ما أريد؛ كأن أقول له: «أعطني مالك هذا، أو افعل الفعل الفلاني»، وهو يُنفذّ ذلك بكلّ راحة. وهذا أسهل شيء يُمكنني فعله!
وهكذا، كان ينقل أشياء عجيبة؛ وطبعًا، كان يقول: «ومع ذلك، فأنا لا أعرف الكثير منها، وكان أستاذي يعرفها ولم يُعلّمني إيّاها حتّى». ولكنّ الكلام في أنّ هذه الطرق التي يمتلكونها هي طرقٌ واقعيّة.
إنّ كيفيّة الارتباط بين الموسيقى ونفس الإنسان بحث مفصّل جدًّا. فنفس كلّ واحد تقع على مدارٍ خاصّ، بحيث إذا أرادت هذه النفس أن تتطابق مع ذلك الجانب الرياضيّ للموسيقى والنوتات، فإنّ انطباقها يوجِد حالة خفّة وتجرّد وميل شديد فيها؛ وهذا الميل يوجب أن تفقد النفس علائقها؛ وهنا، يأتي بحث آخر.
وهكذا الحال في قضيّة الصوت أيضًا؛ أي أنّ هناك أصواتًا تمتلك كيفيّةً لها تأثيرات عجيبة. ترى فجأةً صوتًا له تأثير مثير جدًّا في نفسٍ ما، ولكنّ هذا الصوت ليس له ذلك التأثير في نفس أخرى؛ لأنّ هذه النفس تكون ذات ميزات ورموزًا خاصّة، ويكون هذا الصوت بهذه "النبرة" (Tone) متطابقًا مع تلك الميزات والرموز؛ وحينما يُغنّي [المنشد]، تنجذب تلك النفس نحو هذا الصوت. وربّما شوهد أفراد أحدثوا بصوتهم الحسن تحوّلاً كليًّا في شخص آخر.
قضيّة الصوت هذه قضيّة عجيبة جدًا! كان هناك شخص من أصدقائنا ـ ليس من رفقاء السلوك ـ كان يألفنا ويأنس بنا لمدّة. ذهبنا مرّةً إلى خارج "قمّ"، فقرأ غزلاً لحافظ، وأستطيع القول بكلّ تأكيد أنّه لو استمرّ قليلاً، لصرنا مسلوبي الاختيار، ولفقدنا السيطرة على أنفسنا! هذا، مع أنّه كان يخجل منّا قليلاً، فلم يرفع صوته إلى تلك النبرة العالية تمامًا.
قصّة المنشد والسيجارة
كان أحد الخطباء المعروفين في طهران يقول: حينما كنتُ في مشهد، كنتُ أدرّس "حاشية الملاّ عبد الله".۱ وفي يوم عطلة، ذهبنا مع جمع من التلامذة إلى "كوهسنكي"٢ خارج مشهد، ووضع كلّ واحد منّا رحله ومتاعه، حيث جرت العادة أن نبقى إلى الظهر، وندرس درسًا، ونتناول الغداء ظهرًا، ونأخذ قيلولة، ثمّ نعود إلى مشهد عصرًا.
في ذلك اليوم، كنّا جالسين هكذا، فبدأ أحدهم بالإنشاد رويدًا رويدًا، ثمّ رفع صوته شيئًا فشيئًا، فلم نعُد نشعر بشيء. فجأةً، رأينا أحد الأفراد صوته يرتفع بالصراخ: «آخ آخ آخ!». تقدّمنا ونظرنا، فرأينا أنّ هذا المسكين كان يُدخّن سيجارة، فسقطت السيجارة من يده على رجله وهو لم ينتبه، وخرقت نار السيجارة قماش سرواله، ونزلت للأسفل، وأحرقت رجله، وتصاعد دخان الاحتراق، وسال الدم وهو لا يشعر! وحينما أنهى ذلك الشخص إنشاده، ارتفع صراخ هذا المسكين للسماء فجأة. ثمّ أخذوه للمستشفى.
الموسيقى هي بهذه الطريقة أيضًا.
هل الموسيقى حرام؟ الحجيّة الذاتيّة للطرق الموصلة إلى الله
كان المرحوم العلاّمة الطباطبائي يقول: كان لأخي المرحوم السيّد محمد حسن إلهي مناهج في الموسيقى يستطيع بها تقريب طريق الإنسان نحو الله، وتتسبّب بتلطيف النفس.
هذا أمر واقعيّ، وشيء كهذا موجود، ولكنّ الكلام في أنّه: هل الاشتغال بهذه الواقعيّة وهذه المسألة حرام، أم ليس بحرام؟
عندما يكون هذا طريقًا يوصل الإنسان للواقع الذي هو الله المتعال، فلماذا يكون حرامًا؟! الطريق إلى الواقع ليس حرامًا.
يقول البعض: إنّ الأحكام الشرعيّة تدور مدار إرادة الشارع ورأيه، بحيث إذا أراد الشارع، فإنّه يُحرّم هذا الطريق؛ وإذا أراد، فإنّه يُحلّل ذاك الطريق؛ ويُغلق هذا الطريق ويفتح ذاك، ويوجب هذا ويحرّم ذاك.
هل طريق الله "مزاجيّ" لكي يرغب الله أن يأخذك من هذا الطريق؟! الشرع ليس عشوائيًّا (جُزافًا)! ذات مرّةً، كنتُ في مكان ما، فسمعتُ شخصًا يقول: إذا أراد الله تعالى، فإنّه يقول: أنا أفتح لكم هذا الطريق، ولا أريد لذلك الطريق أن يكون مفتوحًا!
أ فهل مشيئة الله كمشيئتنا؟! الله ليس لديه "مزاج ورغبة شخصيّة"؛ فإمّا أن يكون المسير الفلانيّ موصِلاً أو غير موصل، وانتهى الأمر! فإذا كان موصِلاً، فالله نفسه ليس من شأنه أن يقول: «لا»، لماذا يقول: «لا»؟!
فكما أنّ الصلاة موصِلة، والإنفاق موصِل، والصوم موصِل، والحجّ موصِل، وكلّ هذه موصِلة وتوصل الإنسان؛ حسنًا، حينما تكون الموسيقى موصِلة أيضًا، وتكون سببًا لتجريد النفس وتصفيتها، وتُقلّل الميل للدنيا في الإنسان، وتقرّب طريقه، فما الإشكال في أن تكون حلالاً أيضًا؟!
تارةً، نقول: إنّ هذا يضرّ بالإنسان ويمنع تكامله ويصدّه عن الوصول للمطلوب ويُريه "المطلوب التخيّليّ" مكان "المطلوب الحقيقيّ"؛ وبعبارة أخرى: يمنح الإنسان تجرّدًا "مزيّفًا"، فهذه مسألة أخرى، وهذا حرام، وهذا دخول في البهيميّة؛ وهو مثل شرب الخمر وأمثال ذلك، ونزولٌ إلى الكثرة البهيميّة وعالم الحيوانيّة، وصدٌّ ومنعٌ عن الوصول إلى مقام الإنسانيّة والعبوديّة.. هذا صحيح.
ولكن، مع فرض الموضوع وفرض أنّ هذا يُسبّب ـ واقعًا وحقيقةً ـ تجريد النفس، ويوجِد حالة انبساط في الإنسان، ويجعله مُعرضًا عن الدنيا، ويُحيي روح الإنفاق في الإنسان، ويُحيي روح صلة الرحم، ويُربّي روح الميل للآخرة في الإنسان، ويُسبّب التجرّد ورفع الكدورة؛ فمع الالتفات لهذه الأمور، لا يعود هناك معنى لأن يغلق الله طريقه! فإذا كان الله تعالى بنفسه يقول: «قُم بالأفعال الفلانيّة لكي تتلطّف روحك»؛ ولكن، حينما نريد الذهاب من هذا الطريق لنتلطّف، يقول: «لا، لا تفعل هذا!»، فما معنى هذا؟! وأيّ معنى له في الأساس؟!
إنّ حجيّة الطريق الموصِل للواقع هي "حجيّة ذاتيّة"، وليس من شأن الله تعالى أيضًا أن يقول عنه أنّه ليس بحجّة. الطريق هو طريق موصِل، وليس المكان هناك مكان "الرغبة والمزاج"، ليقول الله تعالى: «أرغب أن تأتوا من هذا الطريق». الله تعالى ليس له "قلب ومزاج"، لكي يقول: «أرغب في ذلك!». نحن من نملك "قلبًا ومزاجًا"، ونحن الذين نقول: «اليوم تشتهي أنفسُنا التفاح ولا تريد البرتقال»، وغدًا نقول: «تشتهي أنفسنا البرتقال ولا تريد التفاح». أمّا أن يقول الله لعباده: «أنا أشتهي أن تأتوا من هذا الطريق»، فليس هناك هذا الكلام، وليس هناك حبّ وبغض (نفسانيّان)، وليس هناك ميل للنفس وميول شهوانيّة؛ فليس في الله شهوة، وليس في الله غضب، وليس في الله هذه الأهواء والآراء النفسانيّة وأمثال ذلك.
وعليه، فإنّ هذه المسألة (التحريم) سببُها أنّه يتمّ تحريم بعض المسائل لأجل "جوانبها" [آثارها الجانبيّة]، لا لأجل ذاتيّاتها نفسها.
تجاوز حدود الشرع وتأثير المصالح الشخصيّة على الفتوى
لدينا في الفقه نوعان من الدليل: دليل اجتهاديّ ودليل فقاهتيّ. الدليل الاجتهاديّ يُطلق على الدليل الذي يصل إليه المجتهد بالنظر للشرع والأدلّة والعقل والسنّة والآيات والروايات؛ أي أنّه يحصل على مذاق الشارع. وحينئذٍ، يقف هنا على مفترق طريقين: تارةً، يرى أنّ بيان المسألة الفلانيّة للناس في هكذا أرضيّة لا إشكال فيه ولا مانع، فيُبيّن أنّ صلاة الصبح ركعتان مثلاً، والصوم هو كذا، ومفطرات الصوم هي كذا وأمثال ذلك. وتارةً أخرى، وبالنظر لهذه الأدلّة، لو أراد أن يُبيّن لعامّة الناس نفس الواقع والدليل الشرعيّ في الوضع الحاليّ، فقد يستفيدون منه استفادة سيّئة؛ ولهذا، يختار هنا جانب الاحتياط، ولا يُبيّن الحكم صراحةً.
لقد شوهدت هذه القضيّة مرارًا وتكرارًا، وقد حدثت لكم أنتم أيضًا. فمثلاً، قد يوجد خلاف في عائلة، ويكون ربّ الأسرة رجلاً متجبّرًا وغير عقلانيّ ويظلم زوجته وأمثال ذلك. يأتون إليك، فيبدأ الأب بالكلام، ويقول لك: «أليس حقّ الرجل ألاّ تفعل المرأة شيئًا دون إذن زوجها؟ وأليس حقّ الرجل ألاّ تفعل زوجته كذا و ... ؟!». فلو قلتَ: «نعم، حقُّ الرجل أن يفعل هذا»، لتمادى، وجعل تلك المرأة بائسة. أنت هنا تُوبّخه قليلاً وتقول: «ما هذا الكلام و ...؟»؛ فتقول للمرأة شيئًا، وللرجل شيئًا، لتجمع بينهما في الأخير، حتّى لا يتجرّأ ذلك الشخص على عائلته أكثر. فالإنسان لا يطّلع على خفايا ذلك الرجل وبواطنه، وأنّه يظلم زوجته بما يكفي؛ في حين أنّ تلك المرأة تبذل قصارى جهدها له. وحينئذ، حتّى لو فُرض أنّ لذلك الرجل حقًّا، ولكن، لو قلتَ لتلك المرأة لا تفعل هذا أيضًا، فإنّها ـ من الناحية الأخرى ـ ستموت.
وفي الجهة الأخرى للقضيّة، افترضوا عائلة يقوم فيها الرجل بتكليفه، ولكنّكم تُدركون من جهات مختلفة أنّ المرأة هنا هي من تتجبّر؛ مثلاً تقول: «حقّ الحضانة يعود للمرأة نفسها وأنا لا أُرضع هذا الطفل حتّى يدفع الرجل مالاً لإرضاعه! والشرع لم يأمرني هنا بالطبخ، فلن أصنع الطعام! والشرع لم يقل لي اغسلي، وأنا لن أغسل!»؛ وهكذا، جعلت هذا الزوج بائسًا. فلو قلتَ لها هنا أيضًا: «الحقّ معكِ، والشرع قال لا تفعلي هذا»، لانتهى الأمر، ولتوجّب على هذا الرجل إضافةً إلى الخروج من البيت والعمل، أن يأتي ويُشمّر عن ساعديه، ويغسل الثياب، ويغسل الحفّاظات، ثمّ يصنع الطعام ويضعه أمام "السيّدة"؛ وهنا، سيتبيّن مصير هذا الرجل!
إحدى المسائل والمشاكل التي طرأت في هذا الزمان هي هذه، حيث جاؤوا وجعلوا قوانين، بدلاً من أن تُساهم في التعديل، رفعت المرأة، وضربت بها رأس الرجل. فتجدهم يقولون: «نصف هذا الرأسمال الذي حصّله الرجل طوال حياته هو للمرأة». في أيّ موضع من القرآن والشرع يوجد هكذا كلام؟!۱
هؤلاء المساكين لا يفهمون أنّ هذه القوانين تجاوزٌ لحدّ الشرع. هؤلاء يريدون رفع حقّ المرأة، لكنّهم لا يعلمون أنّ عليهم العمل بنفس ما قاله الشرع. هل كان النبيّ يفهم أفضل، أم أنت تفهم أفضل؟! هل الإمام الصادق كان يفهم أفضل، أم أنت تفهم أفضل؟! أين لدينا في الشرع أنّه لو أراد الرجل الطلاق، فعليه أن يعطي نصف رأسماله للمرأة؟!
إنّ صنع القوانين ولفّها وحياكتها هو عمل الجميع؛ ولكن، هل إذا ابتُليتَ أنت بالأمر ذاته، سيكون كذلك أيضًا؟!
قصّة الفقيه وعمليّة زرع القرنيّة: حينما تُغيّر الحاجةُ الفتوى
مؤخّرًا، قصّ عليّ أحد أطبّاء العيون حكاية مفادها:
كان أحد علماء مشهد يعتقد أنّ زراعة العين من الميّت فيها إشكال، وحرام (أي: لو مات شخص الآن إثر حادث، فلا يُمكنكم إخراج قزحيّته من عينه).
والظاهر أنّ العضو الوحيد في البدن الذي يبقى حيًّا بعد الموت لستّ ساعات هو القزحيّة وبؤبؤ العين، حيث يُمكنهم إخراج هذا البؤبؤ وحفظه في سائل، ثمّ زرعه إذا وُجدت حالة تستدعي ذلك. فلا إشكال في حالة غير المسلمين، وفي مورد الموتى (المسلمين) محلّ شبهة، وأمّا في مورد الحيّ، فهو حرام قطعًا.
كان يقول: مهما قلنا له إنّ ذلك سيُؤدّي في نهاية المطاف إلى شفاء أعمى، كان يقول: «ماذا سيحلّ بعائلته؟ إنسان يصبح هكذا [بلا عين]!!». وخلاصة الأمر، لم يكن يقبل، ويقول: «لا يُمكن ذلك بتاتًا!».
إلى أن تعطّل عملُ بؤبؤِ عينِ ابن هذا السيّد نفسه، وتلف إثر حادثة، فجاءنا وقال: «يا فلان، ما القضيّة؟». قلتُ: سيّدنا، أنتم قلتم بنفسكم أنّ هذا حرام. قال: «كلاّ، قُم بذلك هذه المرّة الآن، ولا تفعله بعدها!».
وخلاصة القول، نحن لم نُجرِ العمليّة. فجاء في اليوم التالي وقال: «لقد تبدّل رأيي الفقهيّ ولا إشكال في أن تقوموا بهذا العمل».
هذا تلاعب بالدين! وهذه هي ابتلاءاتنا! تأتي النفس وتُغيّر الأمور: اليوم تفعل هذا، وغدًا تفعل ذلك. فالأدلّة كانت هي نفس الأدلّة، وهو لم يعثر على دليل جديد، ولم يفتح كتابًا جديدًا ليتوصّل إلى دليل، بل إنّ الموضوع والمحيط والحياة والضرورة والاضطرار أوجب تحوّله النفسانيّ؛ وحينما تحوّلت النفس، تحوّلت جميع الأدلّة لأجلها أيضًا.. يجب أن نلوذ بالله تعالى!
كان هناك أحد العلماء الذين قتلهم البهائيّون وهو مدفون الآن في قزوين. فبسبب أنّ عديله (زوج أخت زوجته) كان أحد العلماء السادة، وكان يُقيم صلاة الجمعة في قزوين، فإنّه كان يعتقد بحرمتها منافسةً له ويقول: «صلاة الجمعة حرام». فاتّفق مرّةً أن سافر ذلك السيّد إلى طهران، ومكث فيها لمدّة أسبوع؛ فجاء سماحة العالِم القائل بالحرمة يومَ الجمعة، وصلّى صلاة الجمعة مكانه. وحينما جاء ذلك السيّد ورأى أنّ منصبه ومقامه قد تمّ احتلاله، قال: أنا أتعجّب كيف يتغيّر حكم شرعيّ ۱۸۰ درجة بسبب ذهابي إلى طهران!
الحاجة إلى وليّ إلهيّ من أجل تشخيص مصالح الأحكام ومفاسدها
هذا هو المراد من كلام النبيّ الذي يقول فيه: «اللهمّ إنّي أعوذُ بكَ مِن علمٍ لا يَنفَع». والله وحده يعلم أنّه لو وقع هذا العلم بيد غير أهله، فماذا سيحلّ بالناس وبالزمان!
بناءً على هذا، حينما يكون لشيءٍ ما بنفسه ـ مع فرض تحقّق الموضوع ـ جهة إيصال [للواقع]، ويكون له طابع المقدّمة الموصِلة للتحقّق بالتجرّد، فله "حجيّة ذاتيّة" شرعًا. هذا صحيح، غاية الأمر، لأنّ الإنسان أوّلاً: ليس خبيرًا بالمنعطفات والالتواءات، وغير مطّلع على النفس وأحوالها ليعلم أين يستخدم الشيء وأين لا يستخدمه، وثانيًا: غير مطّلع على أحوال نفسه هو؛ لهذا، توجب هذه الأمور أن يُغلق الله تعالى بابَ مسألةٍ بهذه الأهمّيّة والخطورة، لكيلا يقع الإنسان في الخطر.
ذلك الذي يُمكنه فعل هذا هو السيّد محمد حسن إلهي؛ وهو خبير. ومع ذلك، هل السيّد محمد حسن إلهي مطّلع ـ بنحو الإشراف ـ على النفس وأخطارها والحالات التي يمكن أن تطرأ بواسطتها على هذه النفس؟! نحن لا يُمكننا إحراز ذلك، وحتّى هو لا يمكنه إحراز شيء كهذا.
الأمر جائز فقط لذلك الشخص الذي يكون وليًّا وواصلاً للغيب ومطّلعًا على نفسه وعلى جميع الأحوال، وإلاّ لو وقع الأمر بيد الناس ـ غير هذا الوليّ ـ فستحلّ المصائب؛ ولو وقع بيد غير الناس [أي بيد الخواصّ غير الواصلين]، فلأنّهم غير مطّلعين أيضًا على المسائل النفسانيّة وعلى تفاصيلها، فربّما استعملوه استعمالاً خاطئًا؛ لهذا يُقال من البداية: «السعي خلف هكذا أمور حرام». وهذا الحكم ليس لأنّ الله تعالى يقول: «أنا أريد هذا ولا أريد ذاك!». ما هذا الكلام؟! الشيء الموجب للتجرّد ـ مهما كان ـ لا مانع منه ولا إشكال فيه، والشيء الموجب لصفاء الروح لا إشكال فيه ولا مانع، مهما كان.
لبّ المسألة هو: ما هو الموضع الذي تستخدم فيه هذا الأمر لكيلا يوجب ضررًا آخر؟ فهنا، يحتاج الإنسان إلى أستاذ، وهنا يحتاج إلى مرشد ودليل.
يقول أحدهم: «سيّدنا أنا أقوم بهذا العمل وهذا العمل لله». فيقول الأستاذ: «أنا أعلم أنّ هذا العمل لله وهذا العمل عبادة؛ ولكن، لا ينبغي لك أن تقوم به». ألا تريد تحصيل رضا الله؟! إذا قال الله: «أنت لا تصلِّ صلاة الليل»، حسنًا، لا تُصلِّها! ألا تريد تحصيل رضا الله؟! إذا قال الله تعالى: «أنت لا تقُم بهذا الإنفاق هنا». فيقول الإنسان: «عجيب، هذا إنفاق، وفي سبيل الله!». فيقول الأستاذ: «نعم، أنا أعلم كلّ ذلك، وأعلم ما هو أكثر منه؛ ولكن، أنت لا تفعله!». هذا بسبب أنّك: حَفِظتَ شيئًا وغابَت عنكَ أشياء؛۱ فنحن نعلم شيئًا واحدًا، ويخفى عنّا ألف شيء!
وعليه، فإنّ ذلك العلم الذي يوجب وقوع الإنسان في الانحراف، هو نفس العلم الذي يستعيذ النبيّ الأكرم بالله منه: «اللهمّ إنّي أعوذُ بِكَ مِن علمٍ لا يَنفَع». فأيّ علم يبقى نافعًا هنا؟
العلم النافع هو ذلك العلم الذي يكون الهدف والغاية منه فقط وفقط الانتهاء إلى مقام الحقيقة وذات الربّ.. هذا هو العلم الذي ينفع إنسانيّة الإنسان، لا جسميّته، وهذا هو العلم الذي يكمن كمال الإنسان فيه؛ أي العلم الذي هو انكشاف للواقع؛ وذلك العلم هو علم معرفة الله تعالى.۱
بناءً على ذلك، وصلنا هنا إلى هذه النقطة؛ وهي أنّه: حينما يقول الإمام عليه السلام: «بِكَ عَرَفتُكَ»، فما المراد من هذا العرفان؟ ذكرتُ سابقًا أنّ الإمام عليه السلام يريد بيان عدّة مسائل هنا:
أوّلاً: أنّ غاية كمال الإنسان هي العلم، وكلّ شيء غير العلم هو دون مرتبة الإنسان وشأنه، ويعود للمشتركات بين الإنسان وسائر الموجودات، لا لمختصّاته؛ لأنّ "حقيقة الشيء بصورته لا بمادّته"؛ أي أنّ حقيقة الإنسان تعود لقوّته الناطقة ونفسه الناطقة،٢ وذلك العلم موجب للكمال.
حكومة الجهل في العالم: من ندم آينشتاين إلى ظلم "حقّ النقض"
ثانيًا: أيّ علم من هذه العلوم المتداولة مفيد؟
في بعض الأوقات، حيث لا يغشاني النعاس عند الساعة الثانية عشرة أو الواحدة ليلاً، وأجلس للمطالعة، يخطر بذهني أحيانًا أن أفتح المذياع، وأرى ما هي أخبار اليوم. وما إن يخطر هذا بذهني، حتّى أرى أنّه بسبب سماع هذه الأخبار، يُحذف "ربع ساعة" من وقت مطالعتي؛ أي: يُحذف ربع ساعة من عمري. فهل الأفضل صرف هذا الربع ساعة في الكتاب، أم في سماع الأخبار؟! مثلاً أنّ مجلس الوزراء صادق على كذا وفعل كذا.. حسن جدًّا، شكرًا جزيلاً. الدولة الفلانيّة حاربت الدولة الفلانيّة، حسن جدًّا. الدولة الفلانيّة صالحت.. ألقوا قنبلة هناك، رفعوا القنبلة من الأرض هنا. حسنًا، ما الفائدة التي جنيتها أنا؟! في ذلك الطرف من العالم، احترقت الغابة الفلانيّة ثمّ أطفأوها، حسن جدًّا. والآن، لو أمضيتُ أنا ثلاث دقائق، أو أربع دقائق، أو خمس دقائق من وقتي في هذا الخبر وتفسيره، فماذا سيحدث لي؟ وما النفع والفائدة اللذان سأجنيهما؟!
هنا، نصل لتلك المسألة الواردة في روايات أهل البيت عليهم السلام حيث يقولون [ما معناه]: المؤمنُ أحرصُ على العلمِ والأدبِ مِن الطفْلِ على ثدْيِ أمِّه.٣
أيّ علم هذا؟! هل هو العلم بأنّ الغابة الفلانيّة احترقت؟! هل هو العلم بأنّه إذا خُلطت هذه المادّة بتلك المادّة، ستنتج عن ذلك الخواصّ الفلانيّة؟! هل هو العلم بأنّه لو استخدموا هذه المعادلة، لحدث كذا؟!
احتفلوا في أمريكا بالذكرى الكذائيّة لميلاد "آينشتاين"، ودعوا هذا الأخير إلى الحفل، فكان حاضرًا في ذلك المجلس. وطلبوا منه أن يأتي ويخطب ويتحدّث حول نظريّته النسبيّة. فجاء، وقال جملة واحدة فقط: لو كنتُ أعلم أنّ نظريّتي هذه ستساهم في أن تغرق شعوب العالم في بحار الموت، وتتحوّل إلى رماد، لما كشفتُها أبدًا!۱
أي أنّ نتيجة كلّ هذا الصخب والضجيج صارت أن يلقوا قنبلة على هيروشيما وقنبلة على ناكازاكي، ويتحوّل ٢٢۰ ألف شخص إلى فحم. هذا يصبح «عِلمًا لا يَنفَع». طبعًا، لهذه النسبيّة منافع كثيرة، ويُمكن لهذه النظريّة أن تساعد كثيرًا في طريق السلم، ولها فوائد جمّة.
ولكنّ الكلام في أنّه وكما ذكرتُ قبل عدّة جلسات: إنّ حكومة العالم بيد "الجهل" وليست بيد العقل؛ وحينما تكون الدنيا بيد الجهل ويكون الجهل حاكمًا على الثروات، فإنّه يُسخّر جميع المواد والقوانين في سبيل منافعه ـ التي هي عين الجهل ـ، لا في سبيل العقل. فيموت مئات الآلاف من الناس يوميًّا في أفريقيا من الجوع؛ وأمريكا ترمي قمحها ـ الذي يكفي لتغذية أهل أفريقيا لعام كامل ـ في البحر، وتجعله طعامًا للأسماك لكيلا ينخفض سعره! يُطلق على هذا اسم الجهل. ثمّ يُؤسّسون الأمم المتّحدة واليونسكو ومنظّمة كذا وكذا!
يا عزيزي، نصيحة منّي لكم: اعلموا أنّ كلّ هذا لأجل خداعي أنا وأنتم، غاية الأمر أنّنا ننخدع! لو أرادت أمريكا نفسها إصلاح حال العالم، لتمّ ذلك في يوم واحد؛ فلا تحتاج في ذلك إلى الأمم المتّحدة ولا إلى المنظّمات الأخرى. ولو أرادت إطعام العالم، ولو أرادت رفع مستوى الثقافة، ولو أرادت نشر مسائل الصحّة في العالم، لتمّ ذلك في يوم واحد. كلّ هذا الكلام لأجل نهب الأمم المستضعفة، وكلّ هذه القوانين هي قوانين تُسخّر في سبيل تفوّقهم هم وحسب. القضيّة هي هذه، وللأسف، ما زلنا نائمين!
لماذا يجب أن يكون لـ [من يتزعّم] القتل الجماعيّ حقّ المخالفة وحقّ "النقض" (الفيتو)۱ في الأمم المتّحدة؟! لقد قدّم سماحة آية الله الخامنئيّ في مؤتمر القمّة الإسلاميّ الذي طُرح هنا اقتراحًا جيّدًا، وكان الاقتراح هو: «يجب أن يكون للمؤتمر الإسلاميّ حقّ فيتو أيضًا، لماذا يملكونه هم فقط؟!».٢ ولكن، الأفضل من هذا الاقتراح كان أن يقولوا: «يجب رفع حقّ الفيتو من الأساس»، وكانوا ليُقدّموا هذا الاقتراح: «إمّا أن ترفعوا حقّ الفيتو أو تخرج جميع البلدان الإسلاميّة من الأمم المتّحدة»؛ لأنّه في تلك الحالة (اقتراح فيتو إسلاميّ)، ستعترض علينا دولة ضعيفة غير مسلمة بأنّه: لماذا تملك منظّمة المؤتمر الإسلاميّ حقّ فيتو، ونحن لأنّنا دولة ضعيفة ونصارى ـ مثلاً ـ لا نملك هذا الحقّ؟!
فإذن، قولوا: «لا ينبغي أن يكون هناك حقّ فيتو بتاتًا»؛ وما معنى حقّ الفيتو؟! تُخطئ أمريكا بأن يكون لها حقّ فيتو، ويُخطئ السوفييت بأن يكون لهم حقّ فيتو، وتُخطئ الصين وفرنسا بأن يكون لهما حقّ فيتو! فليأتوا، وليأخذوا الأصوات من جميع الدول، وليجعلوا الصوت ـ على سبيل المثال ـ بناءً على عدد النفوس (السكّان)؛ وحينئذٍ، ستملك الصين أكبر حقّ تصويت! أو ليقولوا في الأساس: فلننشئ منظّمة دوليّة، ويجلس هؤلاء، ويتشاوروا، ويجتمعوا، ويقرّروا بشأن القضايا التي تحدث، أعمّ من الحرب والسلم و ...، ولكن، ما معنى حقّ الفيتو؟!
صدّقوني، لو أنّهم اقترحوا بهذا النحو بأن تُعلن منظّمة المؤتمر الإسلاميّ للعالم: «إمّا أن ترفعوا حقّ الفيتو أو نخرج من الأمم المتّحدة!»، لرفعوا حقّ الفيتو؛ لأنّهم يحتاجون إلينا، ونحن لا نحتاج إليهم. طبعًا، هذا لو كانت المسألة جادّةً؛ لكنّها للأسف ليست كذلك! أكثر هؤلاء الأفراد والدول التي تتردّد على هذا المؤتمر هم عملاء وخدم مطيعون لهؤلاء، ولا يشربون الماء دون إذن أسيادهم، ولا يفعلون شيئًا؛ ولو سألتموني، لقلت لكم: «إنّ هؤلاء جاؤوا لإيران، وشاركوا في هذا المؤتمر بإذن أولئك أنفسهم».
على أيّ حال، الجهل يحكم العالم فعلاً! وهذه مسألة مهمّة وهي أنّنا يجب أن نسعى لمحاربة الجهل، وأن نطلب رفعه؛ ويجب علينا اختيار أفضل طريق وأكثر الطرق عقلانيّة لهذه المسألة.
بناءً على هذا، بقيت مسألة سنسعى لبحثها غدًا ليلاً إن شاء الله، وهي: العرفان، هو الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسانيّة لكمالها. وهنا، فإنّ الكلام يكمن في أنّ: هذا العرفان، وهذه «بِكَ (فقط) عَرَفتُكَ»، بأيّة وسيلة، وبأيّة علّة وبأيّ سبب تحصل للإنسان؟
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد