المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التاريخ 1418/06/09
التوضيح
كيف يخترق الشيطان حصون القلب؟ وهل يمكن لعدوّ خفيّ أن يمتلك استراتيجيّة عسكريّة أدقّ من الجيوش النظاميّة؟ في هذه المحاضرة، يشرح سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه آليّة المسّ الشيطانيّ، وكيف يتحوّل الطائف إلى اختراقٍ مُدمّر إذا غفل السالك لحظةً واحدة؛ مستعينًا بتشبيهات عسكريّة وقصص واقعيّة، ويُبيّن أنّ الشيطان عالمٌ بكلّ الفنون من الفقه إلى الطبّ، ويُحذّر بشدّة من تبرير الغيبة والتفرقة بين الإخوان تحت ستار الإرشاد والنصيحة.
هوالعلیم
الأسلوب الأمثل لطرد الخواطر الشيطانيّة
الشيطان "أستاذٌ" في التخريب والتفرقة
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة السادسة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ باللَه من الشّيطان الرّجيم
بسم اللَه الرّحمٰن الرّحيم
وصلّى اللَه علىٰ سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ
وعلى آله الطيّبين الطّاهرين
واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعين
ما هو العرفان؟
«بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك ودَعوتَني إلَيكَ، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنت».۱
العرفان عبارة عن: الاتّحاد في الأفق، والوحدة في المرتبة، والإلحاق بين شيئين في مرحلة مُعيّنة.
أنا أجلس هنا الآن، و"زيد" يقع على مسافة منّي؛ هنا، لا معنى للإلحاق والمرتبة. [الاتّحاد في] المرتبة يعني أن يحلّ شخص آخر في نفس النقطة التي أجلس أنا فيها. وليس مرادي من [الاتّحاد في] المرتبة هنا التساوي في السطح، بل أعني أن يأتي شخص آخر، ويجلس في نفس الحيّز المكانيّ والتعيّن والمكان الذي أجلس فيه أنا الآن، حيث يُطلق على هذا الأمر اسم "اللّحوق والوحدة في المرتبة".
هناك "وحدة في المرتبة" بناءً على اصطلاح الفلاسفة، وهي عبارة عن: أن تكون لدينا حيثيّتان وجوديّتان وأمران موجودان يقعان في نقطة واحدة من السلسلة الطوليّة الوجوديّة.
نحن لدينا عوالم متفاوتة ومختلفة؛ فلو تنزّلنا من مقام المشيئة الإلهيّة إلى الأسماء والصفات الكلّية، وهكذا، كلّما نزلنا للأسفل، فإنّ هذه الأسماء والصفات الكلّية الإلهيّة تُشكّل في كلّ مرتبة من عالم الوجود ـ بحسب افتراقها وابتعادها عن المبدأ الفيّاض ـ مرتبةً واحدة، وتُوجِد مظهرًا واحدًا من جهة المظهريّة.
على سبيل المثال، يمتلك عالم الملائكة مراتب متفاوتة؛ فمما لا شكّ فيه أنّ ذلك المقام القُربيّ الموجود في منزلة جبرائيل وعزرائيل وإسرافيل عليهم السلام، لا تمتلكه الملائكة ممّن هم دونهم! فتجلّي الأسماء الكلّية الإلهيّة في الملائكة المقرّبين أقوى من [تجلّي] الأسماء الجزئيّة في الملائكة ممّن هم دونهم؛ وهكذا أيضًا، كلّما تنزّلنا للأسفل، حتّى نصل إلى "أدنى العوالم" و"أظلم العوالم" الذي هو عالم الطبع وعالم المادّة، حيث إنّ تجلّي الأسماء الإلهيّة يُصاب بالضعف بسبب الابتعاد عن ذلك المبدأ، بحيث يُشكّل ضُعفُه هذا المراتب الطوليّة الوجوديّة. هذا المعنى للمرتبة موجود في اصطلاح أهل الحكمة وبعض العرفاء.
ولكن، ليس هذا هو المراد من المرتبة التي نتحدّث عنها هنا. فالمرتبة (هنا) عبارة عن نفس الخصوصيّة الوجوديّة التي يمتلكها الشيء، ولو كان هذا الشيء يقع في السلسلة العرضيّة [للوجود]، حيث لن يوجد هنا أيّ فارق.
لو وُضع السكّر بجانب الماء، فمهما كان قريبًا من هذا الماء، لا يقال إنّه مُلحق به؛ ولكن، حينما تصُبّ السكّر في الماء، وتخلطه، ويتشكّل شيء "واحد"؛ حينئذٍ، يُقال إنّ السكّر التحق بالماء. وما دام بجانبه، فمهما قرّبتهما من بعضهما البعض، فلن يكون مُلحقًا به. وفي الأساس، لو وضعتَ كوب الماء هذا داخل كيس من السكّر، وكان بين هذا الماء والسكّر جدار رقيق وغطاء فقط، فلن يكون لهذا شأن بذاك، ولا لذاك شأن بهذا. أمّا لو صببتَ هذا الماء في السكّر، أو صببتَ السكّر في الماء؛ فحينئذٍ، سيتشكّل أمر واحد، حيث يُطلق على هذا الواحد اسم "العرفان".
ولا يخفى أنّنا ما زلنا في أوّل البحث، لنرى لاحقًا إلى أين نريد الوصول فيه. فنحن نريد الدخول من طريق آخر لترجمة كلام الإمام السجّاد عليه السلام؛ لهذا، سنفصّل في القضيّة قليلاً؛ وإلاّ، فطبقًا لما هو متعارف وكيفيّة ترجمة هذه الفقرة، فإنّنا لا نحتاج لهذه التفصيلات التي سأعرضها أيضًا. ولابدّ أنّ السادة قد التفتوا "قليلاً أو كثيرًا" لما أريد قوله؛ وهذا بسبب نفس "وحدة المرتبة" الموجودة [بيننا]، حيث تُفهم المسائل بنحو سريع جدًّا!!
لدينا أمثلة كثيرة في الأمور الظاهريّة حول هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، قد يكون هناك شابّ في هذا الطرف من الكرة الأرضيّة، وشابّة مصونة مجلّلة في ذلك الطرف من الكرة الأرضيّة، ولا يوجد أيّ ارتباط بينهما؛ فلا هو يعلم بأخبارها ولا هي تعلم بأخباره. أحدهما من هذا الجانب، والآخر يأتي من ذاك الجانب. وفي نهاية المطاف، تأتي يد القضاء، وتضعه في مدينة تشرّفت الأخرى بالحضور فيها، ولكن لا يعلمان ببعضهما ولا يعرفان شيئًا عن بعضهما. فيأتي القضاء الإلهيّ مرّة أخرى، فيعيش هو في حيّ، وتكون هي تبحث عن منزل للإيجار، فيأتي بها صاحب مكتب عقاريّ "صدفةً" إلى ذلك الحيّ نفسه ـ لاحظوا كيف تقلّ المسافات باستمرار ـ إلى أن يأتيا هنا في الأخير، فيتعرّفان على بعضهما البعض. الآن، افترضوا لو أنّه بقي داخل بيته إلى الأبد وهي بقيت في منزلها، لما حدثت أيّة مسألة. هذا القضاء الإلهيّ الذي نتحدّث عنه، كلّه عين الحقيقة وعين الواقع. ثمّ يأتي القضاء الإلهيّ ويدور، ويدور، ويضعه في طريق هذه.
الأسلوب الماكر لعمل الشيطان
أو لنأخذ الشيطان كمثال؛ فهو لا ينفذ إلى قلب الإنسان دفعةً واحدة، بل يُطلق سهامه واحدًا تلو الآخر، ويستمرّ في الرمي، حتّى يقضي على الإنسان، حيث ورد في الحديث: «النَّظرَةُ سَهمٌ مِن سِهامِ إبليسَ».۱ طبعًا، هذا، في حال كانت تلك النظرة نظرةً شيطانيّة. فيأتي إبليس، وبهذه الأشكال المختلفة والخصوصيّات المختلفة الموجودة، فيُطلق سهامه واحدًا تلو الآخر، حيث يرمي سهمًا، فيذهب هذا السهم، ويُصيب الهدف، فيصرخ إبليس من الفرح؛ والسهم الثاني كذلك، حتّى يُنجز عمله.
توجد آية في القرآن تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾.٢ من هم المؤمنون، والسلاّك، والسالكون لطريق الله المتعال، والأفراد الذين يريدون الحركة في طريق الإيمان؟ كيف يعيشون؟ وكيف يتعاملون مع الحوادث والمجريات؟
هؤلاء هكذا: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: حينما تُريد جماعة من الشياطين أن تأتي وتطوف حول هؤلاء، يتذكّرون. (طاف يطوف): تعني الدوران، والتجوال؛ ولأنّ الإنسان يدور حول الكعبة، يُسمّى ذلك "طوافًا".
﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾؛ أي: يأتي [الشيطان]، ويضرب هؤلاء بجناحه. مثلاً "سماحة زيد بن كذا" يمشي في طريقه؛ فجأةً، يخطر بذهنه خاطر؛ فبمجرّد أن يأتي لذهنه خاطر ليس فيه صبغة الله، فهذا هو ﴿مَسَّهُمْ﴾ هنا! أي أنّ هؤلاء الشياطين يأتون، وفي الطواف الذي يطوفونه حوله، يبحثون ويبحثون، حتّى يجدوا ثقبًا ليدخلوا إلى قلبه منه.
حينما يريد جيشٌ الهجوم على مكانٍ ما، فإنّه لا يهجم على الوسط دفعةً واحدة هكذا! بل يأتي ويبحث باستمرار، ليرى أين توجد قوّة أقلّ، وأين يوجد طريق للنفوذ؛ فتأتي مراصده وطائراته وتلتقط صورًا من نقاط المنطقة المختلفة هكذا، ثمّ يذهبون، ويُحمّضون هذه الصور، فيرون أنّ القوّات تتمركز بشكل أقلّ في النقطة الفلانيّة، فيرسلون تقريرًا فورًا، ويجمعون في ليلة واحدة سريّة أو كتيبة، ويُغيرون ليلاً من ذلك المكان نفسه.
في الحرب بين مصر والعرب وإسرائيل التي حدثت قبل حوالي نيف وعشرين سنة في سنة ۱٩۷٣ ميلاديّة، تحرّكت مصر وتقدّمت قليلاً. فجاءت الأقمار الصناعيّة الأمريكيّة، والتقطت صورًا، ورأت أنّه لا يوجد جيش في جزء من نهر النيل وقناة السويس، فأرسلوا صورهم فورًا إلى الأرض وإلى مراكزهم، وأولئك وضعوها في متناول اليهود.
وهؤلاء أيضًا وعن طريق الخدعة والمكر، أخذوا معدّات من الدبّابات والعربات والأدوات المدرّعة المصريّة التي كانت غنيمة بيد الإسرائيليّين من السنوات السابقة ومن الحروب السابقة، وارتدوا زيًّا عسكريًّا مصريًّا؛ وبما أنّهم يعرفون اللغة العربيّة أيضًا، فلم ينقصهم أيّ شيء آخر! أصبحوا جيشًا وفرقةً وفوجًا مصريًّا، وتقدّموا بكلّ راحة، وكانوا يتحدّثون باللغة العربيّة مع جميع الأفراد الذين يُصادفونهم من دون أن يشعر أيّ أحد.
عبروا من نهر النيل، وجاؤوا للطرف الآخر، وقطعوا الارتباط بين صحراء سيناء ومنطقة مصر نفسها، وضغطوا بشدّة بالغة لدرجة أنّ مصر وبقيّة العرب اضطرّوا لتوقيع معاهدة وقف إطلاق النار، وانتهت الحرب بينهم.. هذا لأنّه كانت توجد ثغرة في هذه النقطة.
الشيطان وجماعته أيضًا مثل طائرات التجسّس هذه التي تأتي، وتُحدّد النقاط العمياء في المنطقة؛ فيأتي، ويبدأ بالدوران حول قلب الإنسان، ويبحث باستمرار؛ أي: وأنا أتحدّث الآن وأنتم تسمعون، فإنّهم يدورون حولنا، بحيث لو كانت لديكم عين الباطن، لرأيتم أنّهم يدورون مثل "المغزل" ولا يتعبون أبدًا.. ما شاء الله!
يا سماحة الدكتور، جماعة الشيطان هذه لا تحتاج لـ "فيتامين بي كومبلكس"، ولا تحتاج لـ "مولتي فيتامين"، ولا تحتاج للأدوية العشبيّة، هؤلاء لا يحتاجون لأيّ شيء. لقد أمّن الله لهم الماء والخبز والحبّ و ...، وقد أعطاهم الله قدرة كبيرة جدًّا بحيث يجب أن نستعيذ بالله [منهم].
كنتُ أقول في وقتٍ ما: بحقّ، لو كنّا نحن السالكون ـ على فرض أنّنا سالكين! ـ نمتلك في طريقنا جزءًا من عشرين أو جزءًا من خمسين من الإرادة والهمّة التي يمتلكها هؤلاء الشياطين لإغوائنا، لوصلنا إلى الله عشر مرّات حتّى الآن، وليس مرّة واحدة، بل لذهبنا ورجعنا ودُرنا عشر مرّات! هل يتعبون؟! إنّهم يبحثون باستمرار، غاية الأمر أنّ هذا المسكين البائس لا يلتفت. هذه المسائل التي أتلوها على مسامعكم، استفدتها من كلمات المرحوم العلاّمة الطهرانيّ، وليست من عندي.
الشيطان بين الطواف والمسّ
فتارةً، تأتي هذه الأفكار وتدور وتدور و ...، حيث يُطلق على هذا الدوران والمجيء والذهاب اسم ﴿طَائِفٌ﴾. وتارةً أخرى، يكون هذا المجيء والذهاب موجودًا، لكنّ الشيطان يتقدّم، ويرمي سهمًا، ويُلقي خاطرًا مخالفًا في الذهن، حيث يُطلق على مجيئه ورميه للسهم اسم "المسّ"، ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾.
فالمسّ: يعني اللمس. فتارةً، تكون أمامك بطّيخة، فتلمسها بالسكّين، هذا يسمّى مسًّا؛ ولكن، تارةً أخرى، تغرز السكّين في البطّيخة؛ فهذا لا يسمّى مسًّا، بل يُسمّى تمزيقًا (شقًّا).
حينما يأتي الشيطان، يكون باب قلب الإنسان مُغلقًا، فيجب عليه أن يضع المفتاح ويفتح الباب؛ فالشيطان ليس لصًّا، ولا يأتي بطريقة غير شرعيّة، بل يُراعي تلك الحدود، ويأتي طبقًا للموازين والآداب تمامًا، ومع "الاستئذان"، فيًسلّم ويقول: «السلام عليكم ورحمة الله! أتأذنون لي بالدخول في قلبكم؟». فيقول ذاك: «عليكم السلام، تفضّل، المنزل منزلك! ليس هناك شخص غريب!».
فيأتي، ويمسّ هذا القلب. ولكن، إن كان هؤلاء مؤمنين؛ ففي اللحظة التي يأتي الشيطان ليمسّهم ويسعى لإيجاد طريق ومنفذ، ﴿تَذَكَّرُوا﴾.
يُقال: حينما يصطدم الحيوان المنويّ بالبويضة، وتريد النطفة أن تنعقد، فمن بين ملايين الحيوانات المنويّة الموجودة، ينجح واحد منها فقط في اختراق البويضة المطروحة للمرأة. هذه الحيوانات المنويّة لا تذهب للمكان الصلب منها، بل تدور حولها، لكي تجد بعض النقاط في هذه البويضة التي تُعاني من ضعف في الجدار وتكون ليّنة؛ وحينئذٍ، تخترقها. فإذا دخلت، سُمّي هذا "انعقادًا".
الشيطان أيضًا يأتي، ويبحث، ويقول: من أيّ طريق أدخل؟ ما هي خصوصيّات هذا الشخص؟ هذا الفرد إنسان مُعجب بنفسه ويُحبّ نفسه كثيرًا، ويتخيّل أنّ السماء قد خُرقت، وسقط منها هذا "السيد زيد" فقط؛ فيقول الشيطان: لقد وجدتُ لقمة دسمة ومنفذًا جيّدًا للدخول إليه! أو أنّ هذا الإنسان شخصٌ محكوم بغرائزه.. أنعم به وأكرم! هذا ثقبٌ ثانٍ، وكبير جدًّا أيضًا! أو أنّ هذا الإنسان يسعى خلف المال وأمثال ذلك، هذا ثقب ثالث أيضًا! ما شاء الله، فلدينا ثقوب كثيرة لدرجة أنّ قضيّتنا تُشبه "الغربال"! بل قُل: "المصفاة"! فهذا ليس وعاءً، بل إنّك تصبّ الماء فيخرج من كلّ جوانبه! وذلك كحبّ المال، وحبّ المرأة، وحبّ الولد ـ طبعًا لو كانت هذه في سبيل الله فهي صحيحة ـ، وحبّ الرئاسة، والعُجب بالنفس، والغرائز، والشهوات وأمثال ذلك. فالحمد لله تعالى، المنافذ موجودة بكثرة، بحيث لا حاجة للطواف، بل إنّه يدخل قبل أن يأتي!
هذا، مع أنّ قوله: ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ مرتبط بأفراد الإنسان الذين فيهم خير ويُرجى منهم [الخير] قليلاً، بحيث ما إن يرغب بالمجيء، ويبدأ في البحث، ﴿تَذَكَّرُوا﴾! أي: يرنّ الجرس فورًا، ويقطعون عليه الطريق هناك، ولا يدعونه يبحث بعدُ!
كيفيّة التذكّر ومواجهة السالك لوساوس الشيطان
كان المرحوم السيّد هاشم الحدّاد يقول: ماذا يعني الشيطان للسالك؟! يجب أن يقف السالك بخنجرٍ على باب قلبه، ويغرزه في الشيطان بقوّة حتّى المقبض!
يجب أن نقول له: سيّدنا الحدّاد، نحن خُدّامك! صحيح أنّ المرء يجب أن يكون هكذا، جزاكم الله خيرًا، أنتم تقولون هذا الكلام؛ ولكن، لا بدّ أن ترسلوا أنتم مددًا وعونًا أيضًا! فالأمر لا يتمّ هكذا! هذا الكلام لأمثالكم، بينما أنا المسكين لا أستطيع!
﴿مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾؛ هو يأتي، ويرمي سهمًا، فيأتي خاطر؛ وحينئذ، لو حصل ﴿تَذَكَّرُوا﴾، لمنعتَه من هناك، ولم تدع هذه الكدورة وهذه الآثار أن تأتي، وتدخل قلبك، لكي تسعى لطردها لاحقًا. حينما تدخل مجلسًا، وترى أنّهم يغتابون أخاك السلوكيّ؛ ففي نفس المكان، وقبل أن يُغتاب، قُل: «يا سيّد، توقّف!». اذهب، وتحدّث عن غلاء البنزين و ...، اذهب، وتحدّث عن كرة القدم و ...! التحدّث عن هذه الأمور أفضل؛ لأنّها لهو ولعب، أمّا غيبة الأخ السلوكيّ فحرام شرعًا! وليس مكروهًا، بل حرام، ولا يمكن فعل شيء!
حينما تذهب لمكان، وترى أنّهم يفعلون حرامًا، تذكّر في نفس ذلك الحين، وتوقّف في الآن ذاته، ولا تدعه يتقدّم. إذا قيلت كلمة واحدة، فقد رمى الشيطان سهمًا واحدًا، وإذا قيلت الكلمة الثانية، فالسهم الثاني، والكلمة الثالثة و ...؛ وبعد ساعة، حينما يُسحق قلبك جيّدًا، وتتحكّم الكدورة في تمام وجودك، وتستولي الظلمة على جميع قلبك، أتريد حينئذٍ أن تتصدّى للجواب؟!
لا يا عزيزي! لماذا نذهب بعيدًا هكذا؟! لماذا نلقي بأنفسنا في الأذى والمشقّة هكذا؟! هل يأتي عاقلٌ في الأساس، ويرمي نفسه بين المجذومين والمصابين بالكوليرا، ويقول: «سأصاب بالكوليرا أوّلاً ثمّ أذهب لآخذ اللقاح ضدّها»؟! هل يدع ابنه يُصاب بالديفتيريا (الخُناق)، وحينما يُصاب بها، ويكاد أن يختنق، يُعطيه الترياق حينها؟!
لا يا عزيزي! اذهب، وخذ اللقاح من البداية، لكيلا تُصاب بالديفتيريا، واذهب، وخذ اللقاح من البداية لكيلا تأتي الكوليرا، واذهب، وخذ اللقاح من البداية لكيلا تُصاب بالسلّ، لا أن تُصاب بالسلّ، ثمّ تقول: «سأذهب الآن وأرقد في المستشفى لأتعافى». كلّ من يفعل هذا فهو أحمق جدًّا! لماذا لسنا هكذا في مسائلنا الخاصّة؟!
إذن، لمن أُنزلت هذه الآيات القرآنيّة؟! هل أُنزلت لأبي سفيان، أم لي ولحضرتك؟! هل لأنّنا أصبحنا سالكين، صرنا منزّهين عن آيات القرآن، أم لا، نحن من نحتاج لهذه الآيات والروايات الآن؟! لم يكن الإمام الصادق عليه السلام عاطلاً عن العمل ليُدير لسانه، ويُبيّن لنا هذه الروايات؛ وعلى حدّ قوله عليه السلام نفسه حيث كان يقول: «إنّ لي وِردًا وذِكرًا، (أنا لديّ ورد وذكر)، قم واذهب لشأنك!».۱ هو لم يكن عاطلاً، ولم يأتِ ليقول لنا هذه الروايات عن فراغ، كما لم يكن الإمام السجّاد عاطلاً! كلّ لحظة من حياة هؤلاء أعلى من دنيانا وآخرتنا وهي فوق هذا الكلام! هؤلاء جاؤوا وبيّنوا آيات القرآن والروايات هذه لنا نحن السالكين.
فحينما يسعى ذلك اللصّ للسرقة، ﴿مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾، يأتي الشيطان، ويُوضّح له طرق السرقة واحدًا تلو الآخر، فيقول لنفسه: هل أتسلّق الجدار؟ لا، ربّما لو تسلّقت الجدار، كان "الإفريز" في الأعلى مرتخيًا فسقطتُ على رأسي! فماذا أفعل؟ هل أذهب وأصنع مفتاحًا مطابقًا لمفتاحه؟ والآن كيف آتي وأسرق؟ مع من أذهب وأتحدّث؟ من أختار شريكًا لي؟ في أيّ ساعة من الليل أذهب؟ لاحظوا كيف تأتي الأفكار هكذا، وتهجم، وتهجم، وتهجم؛ وحينما تثبت، ويصل [ذلك اللصّ] لطريق مطمئنّ للسرقة، ينتهي أمره هناك، ولا يُقال بعد ذلك: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾؛ لأنّك تجاوزت المسّ يا عزيزي، ووصلت إلى قعر القضيّة! مثل السكّين التي تدخل في البطّيخة، وتشطرها من الوسط، حيث تكون القضيّة قد انتهت، ويكون التذكّر هنا صعبًا جدًّا، بل لا يعود هنا مكان للتذكّر! هنا، يُصبح الإنسان محكومًا للشيطان!
التذكّر كان في ذلك الموضع الأوّل حينما [جاء على باله]: «بما أنّي لا أملك مالاً الآن، وأريد شراء الشيء الفلاني، فهل آتي وأسرق؟»، حيث كان عليه أن يقول هناك: «إلى الجحيم أنّي لا أملك مالاً! لا أملك مالاً، فليكن ذلك، لماذا آتي وأسرق؟! لماذا آتي وأتسلّق جدار الناس؟! لماذا أفتح باب بيتهم؟!».
قصّة الدَّيْن الماليّ والوسوسة الشيطانيّة
جاء أحد الأصدقاء مرّةً، وتحدّث عن وضعه و ... فقلتُ: «إن شاء الله، يرزقك الله!»، ووعدته من تلقاء نفسي [بمساعدته] بعد خمسة عشر أو عشرين يومًا. فمضى خمسة عشر وعشرون يومًا، ولم يتيسّر الأمر، وبقيتُ حائرًا لا أدري ماذا أفعل! فقد وعدته، واعتمد ذلك المسكين عليّ، وربّما أعطى بدوره وعدًا لكثيرين و ...!
قلت في نفسي: أخطأتَ حينما وعدت! يُقال: «من يُريد سرقة مئذنة، يحفر لها بئرًا أوّلاً، ثمّ يسرق»، لكنّني حملتُ المئذنة هكذا من دون أن أدري أين أضعها! وبالمناسبة، كان بيدي مالٌ لم يكن لي حقّ التصرّف فيه، فقلتُ في نفسي تلك الليلة: «غدًا حينما يريد ذلك الشخص أن يأتي ويأخذ هذا المبلغ، أعطيه هذا المال، وإن شاء الله تعالى، سيُدبّر الأمور، وسأضعه مكانه لاحقًا».
ثمّ قلتُ لنفسي: «ربّما مُتَّ، وصاحب المال ليس حاضرًا، وأنت ليس لديك إذنٌ بصرف هذا المال، ويجب أن تستأذنه، فبأيّ لحاظ تُعطيه لهذا الشخص؟!». يئستُ من كلّ مكان! هنا، يأتي الشيطان في الأثناء، ويدور، ويبدأ بالقول: «حسنًا، قد وثق بك هذا الشخص، وليس جيّدًا أن تُخلف وعدك له الآن، إنّه يعتمد على كلامك، ولم يعتمد عليك عبثًا، وسيُقال عنك سيّء الوعد، و ـ لا أدري ـ ستصبح كذا وكذا؛ فلو تمّ ذلك الآن بدون إذن، فلا بأس».
فقلت في نفسي: «لا دخل لي في هذا الأمر بتاتًا، فهذا عبد من عباد الله، وأنا أيضًا عبد من عباد الله. غدًا، إذا جاء، سأقول له: يا سيّد، لم أحصل عليه، افعل ما شئت، تريد أن تشتمني فاشتم، تريد أن تدعو لي فادعُ، ولكنّني لا أستطيع التصرّف في هذا المال!». خلاصة القول، نمتُ على هذا الكلام؛ أي: حسمتُ الأمر دفعة واحدة، ولم أدع تلك الأفكار تأتي لذهني، وتستقرّ أبدًا.
وبحقّ، حينما يريد الشيطان الدخول، فهو "أستاذ"! ولو أعطوا منصب "الأستاذيّة" لحضرة الشيطان هذا، لكان سالكًا لا يبلغ مستواه أحدٌ من هؤلاء الأساتذة؛ فهو خبير إلى هذا الحدّ! عجيب جدًّا! هو يعرف كلّ الطرق! أي أنّ الله تعالى أعطاه القدرة لكي يكون خبيرًا بكلّ طريق، فيدخل من ذلك الطريق، ويدخل من هذا الطريق، وكلُّنا مثل الشمع في قبضته، ويستطيع تقليبنا وتحريكنا بأيّة كيفيّة شاء.
قلت: «في النهاية، سيُراق ماء وجهي غدًا أمام هذا السيّد». وكنت أعلم أنّني لو قلت له هذا الكلام، فمن المحتمل أن يقرأ لي خطبةً، بأنّه: «يا سيّد، فعلتَ هناك كذا، ولماذا كنتَ تُجيد هناك كذا، ولماذا أنت هنا كذا»، ومن هذا الكلام الكثير و ...! وكان هذا الفعل متوقّعًا منه؛ ولكن مع ذلك، قلت: «حسنٌ جدًا، ليفعل ما يشاء وليكن ما يكون! فمثل هذه المسائل نُبتلى بها جميعًا "إلى ما شاء الله"».
حينما استيقظت من النوم صباحًا، وجئت للغرفة الخارجيّة، اتّصل به أحدهم فجأةً من إحدى المحافظات: «يا سيّد فلان، سلام عليكم. لديّ عمل معك، في أيّة ساعة آتي؟». وقد ذكر حاجته أيضًا، وهي أنّه يريد أن يأتي، ويُقدّم مبلغًا من المال. فقلت له: «تفضّل بالمجيء في الساعة الفلانيّة».
جاء، ووضع أمامي نفس المبلغ الذي وعدت به ذلك الشخص بدقّة، لا فلسًا أقلّ ولا فلسًا أكثر. فخرج هو، وجاء ذلك الشخص الطالب، فقلت: «تفضّل يا عزيزي، خذ واذهب!».
أترون ماذا يجب أن يفعل الإنسان؟! يجب أن يتخلّى عن نفسه! هذا، مع أنّ المبلغ الذي أراده كان مرتفعًا، حيث كان يريد حوالي مليون لعمل خيريّ، وكنتُ أستطيع إعطاءه إيّاه من الطريق غير المشروع، وأشتري ماء وجهي، وأفعل كذا؛ ولكنّ العمل كان حرامًا! أي أنّه عمل حرام لأجل الله! وهذا عجيب جدًّا، حيث يخال المرء أنّه لله تعالى، ولكنّه حرام بسبب أنّه تصرّفٌ بدون إذن صاحبه، وهو لا يجوز!
وحينئذ، يأتي هذا الشيطان، ويدور هكذا، ليُطلق سهامه، فتوجِد هذه السهام وهذه الخيالات كدورةً، فوق كدورةً، فوق كدورةً، حتّى النقطة التي يتّخذ الإنسان قرارَه بناءً عليها؛ هناك، يخرج الشيطان من هذه المعركة ظافرًا ومنتصرًا.
ولكنّ الله المتعال يقول هنا: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: حينما يريد الشيطان أن يأتي ويدور، وحينما يرمي السهم الأوّل، أوقفوه هناك، وتوقّفوا هناك! لا تقولوا: «المصلحة تقتضي، فيجب أن نسمع هذا الكلام»، ولا تقولوا: «المصلحة تقتضي، فيجب أن نغتاب»، ولا تقولوا: «المصلحة تقتضي، فيجب أن نتّهم الرفيق السلوكيّ بأيّ نحو، ولنفعل أيّ شيء بحجّة الإرشاد والهداية»!
خطر التستّر بـ "الإرشاد" لتبرير الغيبة والتفرقة
الحمد لله تعالى، لقد أصبح دين النبيّ ممتازًا جدًّا، بحيث يطرحون كلّ غيبة وبهتان بحجّة الإرشاد والهداية! يا عزيزي، الغيبة غيبة والبهتان بهتان أيضًا! ما هذا الإرشاد والهداية؟! هل حقًّا يجعل الله الهداية والإرشاد في أمر حرام؟!
ذهبت إحدى نساء طهران إلى مشهد، ورأت في مجلسٍ أنّ النساء يتعاطين للبهتان والغيبة، فقالت للمسؤولة هناك: «لماذا تقولون هذا الكلام؟!». فقالت تلك المرأة: «نحن نقوم بالإرشاد». ما معنى الإرشاد؟! لقد تسبّب إرشادكم هذا في أن تترك هذه المرأة طريقها السلوكيّ!
لماذا لم يكن هذا الكلام وهذه الأفعال دأب الآخرين؟! لماذا لم يذكر العظماء هذه المسائل في الماضي؟! لماذا ظهرت هذه المسائل بعد حياة المرحوم العلاّمة الطهرانيّ؟! هل كان المرحوم العلاّمة يقول هذا الكلام بنفسه؟! هل كان المرحوم العلاّمة يفعل هذه الأفعال بنفسه؟! المسألة هي هذه.
لا قدّر الله أن نُبتلى بهوى النفس؛ فحينئذٍ، ستكون القضيّة مشكلة جدًّا! فتنقلب المسألة، وتنعكس، وتتغيّر، وتُطرح بشكل آخر؛ وتكون نتيجتها هي الاختلاف والتشتّت! كلّ هذا لأنّنا من البداية، وحينما كنّا نمضي لمكان، وأراد أحدهم أن يطرح كلامًا، لم نوقفه في نفس المكان قائلين: «يا سيّدي، لا تقل هذا الكلام! تحدّث عن الأعلى والأسفل، وعن هذا الطرف وعن ذاك (عن أيّ شيء آخر)!».
رفيقنا الحاجّ السيّد مرتضى المُقدّسي ـ حفظه الله وسلّمه الله، وزاد في مراتبه ـ هو حقًّا وواقعًا من رفقائنا منقطعي النظير، وكان المرحوم العلاّمة يعتني به كثيرًا! ففي نهاية المطاف، أنا ابنه (أي ابن العلاّمة)، وقد سمعتُ منه مسائل بخصوص السيّد مرتضى لم أقلها لأحدٍ بعدُ! حيث يوجد بيننا مثل هذه "التحف" وهذه الدرر الثمينة، ويجب أن نستفيد منها؛ فهؤلاء هم الذين سمعوا كلمات المرحوم العلاّمة كثيرًا، ويستطيعون نقلها دون تحريف!
هذا السيّد المُقدّسي يمزح أحيانًا. وفي ذلك الوقت، كان يأتي بعض الرفقاء، ويتحدّثون في المجالس عن السياسة، [ويقولون مثلاً]: «في تلك الأزمنة، صار كذا وكذا، وفعلت أمريكا كذا، وفعلت إنجلترا كذا، ويُريد الشاه أن يفعل كذا و ...»، فكان يقول كلامًا جميلاً جدًّا، وكنتُ أُعجب به كثيرًا؛ إذ كان يقول: «يا سادة، اجلسوا واشتموا بعضكم البعض بكذا وكذا، ولكن لا تتحدّثوا في السياسة!». والحقّ معه؛ لأنّ الشتيمة لا توجِد تأثيرًا سيّئًا في القلب، ولكنّ هذه المسائل توجِدها، حيث تأتي السياسة، وتأخذ هذا الفكر وتلقيه بعيدًا في "جزر الخالدات"!
يا عزيزي، ما علاقتي بأمريكا؟! ما علاقتي بإنجلترا؟! أنا لديّ ألف بؤس ومسكنة، فما علاقتي بأنّ أمريكا فعلت كذا، وإنجلترا فعلت هكذا، والصين فعلت هكذا، والشاه فعل هكذا؟! ذلك المقدار المفيد واللازم نسمعه في السوق والزقاق. هل مكان هذا الكلام في جلسة ذكر الله والتفكّر فيه؟!
يا "سماحة فلان" بلحيتك البيضاء تلك، هل يجب أن تأتي أنت، وتتحدّث في السياسة؟! اترك هذه لأهلها، ولأولئك العاطلين الذين يأتون، ويجلسون أربع ساعات في الليل، ويتحدّثون عن هذا الطرف وذاك، ويكون مقصدهم ومرادهم الوحيد هو تمضية الوقت.
يوجد بعض الأفراد الذين يُخرجون الإنسان عن طوره! لم يجدوا أحدًا، وبسبب بطالتهم، يُريدون أن يأتوا، ويجلسوا، ليُفضفضوا للإنسان؛ وحينئذٍ، وبمجرّد أن يجدوا رفيقًا، يتركوا القضيّة في الوسط، ويذهبوا لذلك الرفيق. وهنا، ما إن يُريد أمثال هؤلاء المجيء، حتّى يتوجّب على الإنسان أن يُدير رأسه ويقول: «يا عزيزي، رأسي يُؤلمني وليس لديّ حال ومزاج!». فليقولوا: سيّء الخلق! تعالوا واجلسوا واشتموا بعضكم، امزحوا، قولوا طرائف! إنّ الحديث عن السياسة وأمثال ذلك يقلب الاستعداد، ويُغيّر الفكر، ويجلب التشتّت، ويزيد الخيالات!
طبعًا، ليس مراده أن: «تعال واشتم»، بل مراده أنّه لو شتمتَ، لكان أفضل من أن تأتي، وتقول هذا الكلام!
ولكن للأسف، نحن لسنا هكذا. وكما قُلت لكم، فإنّ هذا العظيم، حضرة الشيطان ـ أعلى الله مقامه!! ـ أستاذٌ في الفلسفة والعرفان، وأستاذٌ في الفقه والأصول، وأستاذٌ في الرياضيّات والجبر والمقابلة والهندسة والعلوم الفضائيّة والأرضيّة والجغرافيا وطبقات الأرض والفيزياء والكيمياء؛ ومهما أردتم أن تقولوا، فهو يملك المرتبة العليا! يخترع الشخص اختراعًا، ولكنّه يبحث في اختراعه هذا عمّا يسحق به الناس، "صاحب السموّ الشيطان" هو من يُعلّمه ويقول له: «افعل هذا لتزيد القوة التدميريّة لهذه القنبلة! افعل هذا لتستطيع أخذ المال من الناس بشكل أفضل! اذهب وضع "ملقطًا" على تلك الزائدة الدوديّة التي ليست تالفة، واقطع مجرى الدم لعشر دقائق حتّى تسودّ، ثمّ أَجرِ العمليّة وقُل: "كانت الزائدة تالفة!"»؛ وهم يفعلون هذا، فأنا بنفسي أعرف الشخص الذي يفعل هذا! والشيطان هو الذي يعلّمه ذلك، حيث يقول: «اذهب وافعل هذا». إذن، الشيطان يعرف الطبّ أيضًا! وهو بنفسه كان أستاذه.
لقد وضع الله تعالى مادّة عالم الإمكان ـ بأيّة كيفيّة كانت ـ تحت تصرّف الشيطان، فوضع الفقه والأصول تحت تصرّف هذا العظيم، ووضع الحكمة والعرفان والفلسفة تحت تصرّفه، ووضع علوم اللغة تحت تصرّفه؛ ومهما أردتم القول، فهو تحت تصرّفه. فيأتي لكلّ شخص من الأعلى والأسفل واليسار واليمين، ويُصيبه بالدوار، بحيث يرى فجأةً أنّه أتى من مكان [غير متوقّع]!
يُغيّرون دين الله باسم الإرشاد والهداية، ويغتابون ألف غيبة بأيّ مبرّر، ويُحدثون التشتّت، ويوجدون الاختلاف بين الرفيق والرفقاء، ونحن لا نعلم لماذا يفعلون هذا!
هذه آيات قرآنيّة وكلمات تعلّمناها من العظماء، ولم نختلقها من عند أنفسنا. فما نقوله ويكون صائبًا، فهي مسائل سمعناها منهم؛ وأمّا تلك المسائل التي نقولها خطأً، فهي من عندنا، ولا تحسبوها عليهم.
ولكن، لو أردنا العمل بهذه الآية الشريفة: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾، فعلينا: ما إن يريد الشيطان التقدّم وإيجاد فكرة، حتّى نُغلق الطريق دفعة واحدة؛ وحينئذ، لن تأتي الكدورة بتاتًا! فالكدورة تأتي حينما يجيء الشيطان، ويشتغل على هذا القلب، ويرمي سهامه واحدًا تلو الآخر، ثمّ آتي أنا العبد غير الفاهم، وأُصدّقه، وأقبل منه، وأرتّب الأثر بناءً على ذلك!
حينئذٍ، يجلس هو، ويُقهقه، ويضحك: انظر، لقد فصلتُ البنت عن أبيها! انظر، فصلتُ الصهر عن والد زوجته! انظر، فصلتُ الولد عن أبيه! فهذه ضحكات الشيطان؛ وهنا، نكون نحن سُذّجًا! ولكنّ الشخص الفطن ليس هكذا، بل بالاتّكاء وبحول الله وقوّته، ما إن يُقال كلام، حتّى يقول: هل كلامك هذا موجب للاختلاف أم موجب للائتلاف؟! لا يمكن أن يكون موجبًا للائتلاف، إذن لا تقل هذا الكلام!
لزوم اجتناب التخيّلات والأوهام الشيطانيّة
فكما أنّ هذا المصباح المتلألئ أمامي واضح بالنسبة لي، فإنّه واضحٌ بالنسبة لي أيضًا أنّ ٩٩،٥% من المسائل والاختلافات الموجودة حاليًّا بين الرفقاء، كلّها تخيّلات ولا واقعيّة لها! هذا بناءً على خيال، وذاك أيضًا بناءً على خيال، هذا بناءً على خيال، وذاك أيضًا بناءً على خيال! فجميع القضايا هي قضيّة "عنب وأنغور۱ وأوزوم٢" (أسماء العنب بلغات مختلفة)!
فكلّ هذا التجييش، وكلّ هذه التردّدات، وكلّ هذ والصعود والنزول والإفساد بين الاثنين هو بناءً على خيالات. فيجلسون بعنوان الإرشاد والهداية والسلوك و ...، ويقول هذا الشخص لذلك الشخص، ويقول ذاك لآخر و ...، ثمّ يقولون: «يا فلان، لا تُخبر بذلك أحدًا! سأذكر لك كلامًا، وإن قلته لأحد، فإنّني سأُشهد عليك الملائكة والله تعالى يوم القيامة وستحلّ عليك لعنة الله! ولكن القضيّة هي كذا!». أيّها الخسيس، تعال وقُل ذلك علنًا! ماذا يعطونك؟! ماذا تجني من كلّ ذلك؟! إذا كان هذا الكلام واقعيًّا، فتعال وقُله، وإن لم يكن واقعيًّا، فلا تقله! لماذا تُفسد ظنّ أخ مؤمن تجاه آخر؟! إن كانوا يُعطونك مالاً، فتعال، أنا سأُخرج هذا المال من جيبي وأعطيك إيّاه، لكن، أغلق فمك! اذهبوا وقولوا للجميع نيابةً عنّي: كلّ من يريد إيجاد اختلاف لأجل المال، فالسيّد محسن يتكفّل بمصروف معيشته، ولكن ليُغلق فمه!
ما هذا الداء الذي حلّ بنا؟! ما هذه القضيّة التي وقعت بين الأفراد؟! يتألّم قلب الإنسان: أين ذهبت تلك الألفة، تلك المحبّة، ذلك الأنس وتلك التعاليم؟!
في زمن المرحوم العلاّمة ، أجرى أحد الرفقاء عمليّة لعينه في المستشفى، والظاهر أنّه حينما أجرى العمليّة، لم يكن بعض الرفقاء موجودين لمساعدته في ذلك المستشفى. حينما اطّلع المرحوم العلاّمة على ذلك، غضب لدرجة أنّني أحسست أنّه سيُصاب آنذاك بسكتة قلبيّة! حيث انتفخت أوداجه، وقال: «ستُعطّل الجلسة لفترة!». لا أتذكّر هل تعطّلت الجلسة أربعين يومًا، أم أسبوعين، أم ثلاثة أسابيع! إلى هذا الحدّ كان يهتمّ بالرفيق وبمحبّة الرفيق و ...! أي: هل نحن لا نفهم واقعًا، أم أنّه آخر الزمان، وقد تغيّر السلوك وتبدّل إلى "دلوك"؟! ما القضيّة؟! هذه المسألة تستحقّ التأمّل!
على أيّ حال، ما يتيسّر للإنسان هو الاعتصام والتمسّك بهذه الآية الشريفة: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. هذه مسألة.
المسألة الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾۱؛ أي: راقبوا أنفسكم أوّلاً، ثمّ اذهبوا للآخرين! فلو عملنا بهذه الآية، وراقبنا أنفسنا وأهلنا ونساءنا وأبناءنا أوّلاً، لما صارت المسألة بهذا النحو.
نطلب من الله المتعال أن ُيثبّتنا، ويجعلنا مستقيمين في صراطه دائمًا، ولا يجعلنا في معرض سهام إبليس! وإن وقعنا، فليصرف عنّا جميع البلايا وجميع الابتلاءات بنفسه وعنايته! وأن يُرضي عنّا قلوب أوليائه والعظماء الذين صرفوا رأسمال حياتهم وعمرهم لتنويرنا وهدايتنا!
في تلك الليلة التي أُصيب فيها المرحوم العلاّمة بـ "انفصال الشبكيّة"،٢ وتمزّقت شبكيّة عينه، كنتُ آتيًا معه من مشهد إلى طهران، ليفحصه الدكتور "سجّادي". ونحن قادمون في الطائرة، قال لي: سيّد محسن، يقولون لي: «لقد أُصبت بهذا المرض بسبب المطالعة الكثيرة وتأليف هذه الكتب». (وكنتُ أقول له هذه المسألة بنفسي أيضًا، وطبعًا كنتُ قد سمعتها من الأطبّاء و ...) اعلم أنّه إذا تقرّر أن أتوقّف عن تدوين هذه الكتب حفاظًا على سلامة عيني، فإنّني لن أكون مستعدًّا لغضّ النظر عن سطر واحد من هذه التأليفات.
هو ليس بالرجل الذي يكذب، وليس بالرجل الذي يمزح، بل إنّ كلامه حقّ! فهؤلاء بذلوا أعمارهم لأجلنا، ثمّ جئنا نحن، وبدأنا نتلاعب بكنزٍ وتراثٍ كهذا؛ فنقول ما تشتهيه أنفسنا، ونتّهم أيّ شخص كما يحلو لنا! وكأنّ الجميع هنا أصبحوا أساتذة، والجميع هنا أصبحوا أصحاب سلطة وقرار! لقد أصبح الأمر "سائبًا" لدرجة أنّ أحدهم لا يستطيع حتّى تدبير أموره الشخصيّة، لكنّه يأتي هنا، ويُعطي تعليمات: يا فلان، يجب عليك فعل هذا، ويجب عليك فعل ذاك!!
اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّد