المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التاريخ 1418/09/04
التوضيح
هل خُلق الإنسان للشهوة أم للمعرفة؟ وما الفرق الجوهريّ بينه وبين العجماوات؟ وكيف تتحوّل الوسائل في حياتنا ـ كالطعام والزواج والرياضة ـ إلى أهداف تُعمي البصيرة؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن محوريّة العقل في حركة الإنسان التكامليّة، وتنتقد بشدّة غلبة الإحساسات والمظاهر على المجتمعات البشريّة، مستشهدةً بقصص واقعيّة وآراء العرفاء الشامخين.
هوالعلیم
فطرة الإنسان تقتضي طلب العلم والمعرفة
الإنسان موجود عقلانيّ لا شهوانيّ
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱۸ هـ ـ الجلسة الثالثة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ باللَه مِن الشيطان الرحيم
بسم اللَه الرحمٰن الرحيم
الحمد لِلّهِ ربِّ العالَمين
والصَّلاةُ علىٰ محمّدٍ وآلهِ الطاهرين
واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعين
فطرة الإنسان قائمة على أساس اتّباع العلم والمعرفة
»بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنت».۱
ذكرتُ سابقًا أنّ إنسانيّة الإنسان تقتضي العرفان والمعرفة، بخلاف سائر الموجودات التي لا تقتضي ذلك. ومعنى ذلك أنّ فطرة الإنسان وشاكلته من حيث إنسانيّته التي يمتلكها، وبمقتضى تلبّسه بهذا العنوان، وبواسطة تلك الحقيقة التي أودعها اللهُ تعالى في وجوده ـ والمتمثّلة في القوّة العاقلة والمُدركة للكلّيات ـ تقتضي أن يسعى خلف العلم والمعرفة.
مراتب فعليّة العقل وإدراكات الإنسان
طبعًا، هذه القوّة ليست في مرحلة الفعليّة من جميع الجهات، بل إنّ مراتب استعداد هذه القوّة تصل إلى مقام الظهور ـ الواحدة تلو الأخرى ـ بواسطة التزكية والعلم؛ ومع كلّ فعليّة تحصل، يتمهّد الطريق للفعليّة التالية.
وهذا يُشبه النطفة تمامًا، فهي لا تتحوّل دفعة واحدةً إلى ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾،٢ بل يجب أن تتبدّل النطفة من حيث الفعليّة إلى علقة؛ وبعد أن تتحقّق فعليّة العلقة فيها، يحصل لها استعداد فعليّة المُضغة؛ وبعد أن تجد فعليّة المضغة، يحصل لها استعداد العظام، وهكذا... إلى أن تصل إلى تلك المرحلة التي تكون فيها ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.٣
وكذلك عقل الإنسان يمتلك مراتب، حيث لا شكّ في أنّ عقل الطفل ـ من حيث إدراك الكلّيات وتشخيص المصالح والمفاسد ـ ليس كعقل شابّ في العشرين من عمره، وعقل الشابّ ابن العشرين ـ من حيث تشخيص المصالح ـ ليس كعقل رجل متوسّط في الأربعين؛ وهكذا، فإنّ عقل الشخص الجاهل ـ من حيث الاستعداد ـ ليس بمقدار عقل الشخص العالِم. وقطعًا، إنّ عقل الشخص الذي لا يملك تجربةً ليس بمقدار عقل الشخص الذي يمتلك تجربة خمسين سنةً في أمرٍ ما؛ وكذلك عقل الفرد الذي هو في المرحلة الابتدائيّة ـ من حيث المعرفة والعلم بحقائق الأمور ـ ليس بمقدار الشخص الذي طوى مراحلَ متعدّدة، إلى أن يصل ذلك الأمر إلى مرحلة الفعليّة التامّة التي هي "العقل المستفاد". هذه هي مراتب استعداد العقل وفعليّته.٤
طلب المعرفة واتّباع العرفان مقتضى الفطرة العقلانيّة
وعليه، فإنّ مقتضى الغريزة والفطرة وإنسانيّة الإنسان هو طلب المعرفة، والسعي خلف هذه المعرفة، ورفع الجهل. فإنسانيّة الإنسان تقتضي طلب المعارف؛ أي: بما أنّ الإنسان إنسانٌ، فهو يبحث عن المعرفة. هل رأيتم يومًا حيوانًا يكفّ عن طلب الرزق والبحث عن العلف والقمح؟! وهل رأيتم حتّى الآن أنّكم لو تركتم شاةً أو عنزةً في مرعىً، فإنّها تقف في مكانها هكذا؟! إنّها لا تفعل ذلك أبدًا، بل هي تنتظر أساسًا أن تجد مرعىً لتذهب خلف العلف؛ لأنّ خلقة الحيوان هي لأجل العلف وهذه المسائل، والحركة نحو العلف هي مقتضى طبعه.
إنّ الله لا يسأله أبدًا: لِمَ جئت وأكلت العلف؟ ولِمَ جئت وأكلت علف الجيران؟ ولِمَ أكلت علف الأرمنيّ؟ ولِمَ أكلت علف اليهوديّ؟! ذلك الحيوان لا يفهم هذا الكلام ولا يُدركه بتاتًا. إنّ مقتضى الطبع الأوّلي للحيوان هو السعي وراء إطفاء الشهوة، والسعي وراء التوالد والتناسل؛ أي أنّ الله تعالى قد خلق الحيوان على هذه الوتيرة لينشغل فقط ببطنه وبالمسائل الأخرى؛ ولهذا، لا يلومه أحدٌ قائلًا: لِمَ تفعل هذا ولِمَ تفعل ذاك؟ فالحيوان مخلوقٌ في الأساس لهذا، ولو فعل خلاف ذلك، لتعجّبتم أنتم.
انظروا إلى هذا الماء الآن، فإنّه يمتلك خاصيّة السيلان والميعان؛ وحينما تسكبون هذا الماء على الأرض، فإنّه يدخل في أيّ شقوق وفُرج يجدها؛ فإن كانت الأرض رخوةً دخل فيها، وإن كانت صلبةً تحرّك وذهب، وعبر من هذا الثقب ومن ذاك الثقب؛ وهكذا، يستمرّ ويعود إلى مسيره. ولأنّ طبع الماء فيه ميعان وسيلان، فإنّه يتحرّك ويمضي، ولا يعترض عليه أحد: لِمَ جئت هنا؟ ولِمَ لم تذهب هناك؟ ولِمَ لم تذهب هنا؟ لأنّه سيقول بلسان حاله: طبعي هو هذا، واللهُ قد صنعني هكذا، لقد خلقني اللهُ مائعًا، وأنا أتحرّك بمقتضى فطرتي، ولا يستطيع أحدٌ أن يعترض عليّ.
الإنسان مخلوق عقلانيّ لا شهوانيّ
كان للمرحوم السيّد الحدّاد عبارة بيّنها المرحوم العلاّمة في أحد كتبه،۱ وسمعتها أنا منه بنفسي أيضًا، حيث كان يقول: لم يخلق اللهُ تعالى الإنسان شهوانيًّا، بل خلقه عقلانيًّا.
فالإنسان عقلانيّ لا شهوانيّ، أمّا الحيوان فهو شهوانيّ. بمعنى أنّ المبدأ الأساسيّ في خلقة الإنسان وفي المسائل التي بداخل نفسه والتي خلقه اللهُ تعالى عليها، هو بُعده العقلانيّ، لا إطفاء الشهوة والأكل والنوم.
إذن، هؤلاء الذين نراهم هم حيوانات، غاية الأمر أنّ الحيوانَ أنواعٌ وأصنافٌ؛ فلدينا حيوان بأربع أقدام، وبثلاث، وباثنتين! ولدينا حيوان بلا يد ولا قَدَم.. كلّ هؤلاء من الحيوانات. وقد ذكرتُ في المحاضرة السابقة أنّ الله تعالى يقول: ﴿أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛۱ فالله تعالى يُطلق على هؤلاء اسم "حيوان". وهذا يعني أنّ الله تعالى جعل المبدأ الأساسيّ في الإنسان كونه عقلانيًّا. وبناءً على قاعدة: «حقيقةُ الشيءِ بصورتِهِ لا بمادَّتِهِ»،٢ فإنّ حقيقة كلّ شيء هي ذلك البُعد المُميّز بينه وبين سائر الأنواع، والذي هو صورته النفسيّة والذاتيّة، لا ذلك الأمر المشترَك٣ بينه وبين البقيّة؛ فإذن، الإنسان يمتلك العقل، والبُعد الأساسيّ لديه هو هذا العقل.
الغاية من جعل الغرائز والشهوات في نفس الإنسان العقلانيّة
أمّا أنّ الله قد وضع الشهوة في الإنسان، فذلك لأنّه لولا هذه الحالة، لما كان هناك ازدياد في النسل. افترضوا أنّ شخصًا قد خُصي، فإنّه لن يميل أبدًا للجنس المخالف وسينقطع النسل منه؛ ولهذا، فإنّ بقاء النسل مشروط بهذه القوّة وهذه الغريزة. وكذلك، خلق اللهُ الإنسانَ بشكلٍ يميل فيه إلى الطعام؛ لأنّه لو لم يأكل، لمات، ولكنّ الكلام في أنّ الطعام هل هو واسطة للإنسان أم أصل؟ فرعٌ أم أصل؟ ذريعة أم له موضوعيّة؟
لماذا نأكل الطعام؟ هل لأجل الطعام نفسه، أم لأجل طعمه، أم لأجل المُتعة التي نجنيها من هذا الطعام؟ إن كان الأمر كذلك، فنحن لا نفرق عن الحيوانات؛ لأنّ الحيوان المفترس يبحث أيضًا عن الفريسة الألذّ. انظروا لقطّة المنزل، لو كان أمامها عدّة نماذج من الطعام، فإنّها تذهب وتأكل ما هو ألذّ لها. والحيوان حينما يصطاد حيوانًا آخر، يذهب أوّلاً لأمعائه وأحشائه، ثمّ حينما يفرغ منها، يذهب للحم وغيره؛ لأنّه يبحث عن الألذّ، حيث إنّ خلقة الحيوان هي للأكل ولإطفاء الشهوة.
أمّا خلقة الإنسان فليست لهذه الأمور، وما أُودع في الإنسان هو وسيلة وذريعة لاستمرار الحياة. إنّ المرء ليُفكّر أحيانًا: كم هو جيّد لو صُنعت أقراص يتناول الإنسان واحدةً منها كلّ أربع وعشرين ساعة، ولا يعود فمُه يتحرّك بهذا القدر ليأكل ظهرًا وليلًا وصباحًا، فيستبدل ساعة الغداء وساعة العشاء ونصف ساعة الإفطار بساعتين ونصف من المطالعة والدراسة.
لُوحظ أنّ بعض الأفراد حينما يتركون بعض أنواع الأطعمة لمدّة، يحصل لهم اشمئزاز منها أصلاً وتكرهها أنفسُهم. فنجد أنّ الذين يتركون اللحوم، ويعتمدون النظام الغذائيّ القائم على الأطعمة غير المطبوخة يكرهون ـ بعد مدّة ـ اللحم واقعًا، ويشمئزّون منه. والحقّ معهم، ويجب أن يكرهونه؛ لأنّ أنفسهم لم تُخلق لأكل اللحم وأمثال اللحم بحيث يكون عدم الأكل مخالفًا لفطرة النفس وشاكلتها؛ لأنّ نفس الإنسان خُلقت لكسب المعارف.
لقد بيّنتُ في المحاضرة السابقة أنّنا كلّما رأينا أنّنا نشعر بالكسل تجاه كسب المعارف، فنحن حينئذٍ مرضى؛ ولكن، لو شعرنا بالكسل تجاه الغذاء والطعام فلسنا مرضى؛ لأنّ الغذاء وسيلة.
إنّ الأمر يُشبه الحذاء تمامًا؛ فأنت حينما تريد المشي في فناء منزلك، لا تنتعل حذاءً تضطرّ لربط أشرطته، بل تضع خُفًّا ۱في الممرّ وتخرج به إلى الفناء؛ ولكن، حينما يهطل المطر لا تخرج بالخُفّ، بل يجب أن تخرج بالحذاء ونحوه، أو حينما ينزل الثلج، يجب أن تنتعل حذاءً دافئًا، أو لو كان الوقت صيفًا، لارتديت نعلًا مفتوحًا. إذن، هذه وسيلة لمعيشتك ولحركتك ومشيك في النقاط المختلفة والمراحل المتفاوتة.
الطعام نفسه وسيلة أيضًا، فالإنسان اليوم يُعجبه هذا الطعام، ولا يُعجبه ذاك، وغدًا كذلك وهلمّ جرّا... هذا، لأنّ الله لم يخلق الإنسان مادّيًا، بل خلقه ملكوتيًّا، وغذاء الملكوت هو العلم والعرفان. ولكن، لمّا خُلق الحيوان مادّيًا، فقد أُخذ غذاؤه بنظر الاعتبار متناسبًا مع خلقته، فيجب أن يأكل العلف والماء؛ ولأنّه في عالم الحيوانيّة، فيجب أن يُطفئ شهوته. لكنّ الإنسان ليس كذلك.
لهذا، كان المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه يقول: «لم تُجعل الشهوة والميل للدنيا في خلقة الإنسان». لكن، لا ينبغي أن تُؤدّي هذه المسألة للقول خطأً بأنّه لا شهوة في الإنسان، بل الشهوة موجودة فيه، والميل للطعام والغذاء موجود، والميل للجليس والصاحب موجود، والميل للرفيق موجود، والميل للاجتماع موجود؛ فالإنسان مدنيّ بالطبع، ويُحبّ أن يكون في المجتمع؛ ولكنّ كلّ هذه الأمور هي لأجل وصوله إلى كماله.
أمّا تلك الشاة ـ على سبيل المثال ـ التي تريد أن تأكل من هذا العلف دائمًا ليصل وزنها لثمانين، فذلك لأنّها تريد أن تسمن وتكبر، ليذبحوها بعد ذلك ويتناولها الإنسان؛ ولكن هل تُصبح "حضرة الشاة" هذه حكيمةً وفيلسوفةً وفقيهةً في الثمانين من عمرها بسبب أكل هذا العلف؟! كلاّ! إنّها لا تختلف شيئًا عن ذلك المستوى الذي خرجت به من بطن أمّها؛ وطبقًا للغريزة التي أودعها اللهُ فيها، تأتي، وترضع من ثدي أمّها؛ وبعد ذلك، وطبقًا لنفس هذه الغريزة، تأكل العلف المفيد لها ولا تأكل العلف المضرّ. هذه غريزة، إلى أن تكبر وتكبر، ثمّ يأتون بها، وبسم الله... يذبحونها.
نظرة أهل المعرفة بخصوص مسألة المتعة وتعدّد الزوجات
بناءً على هذا، لو رأينا أنّ للإنسان ميلاً للطعام وتوجّهًا إليه، فيجب أن نعلم أنّ هذا التوجّه للطعام محلّ إشكال! أنا لا أريد القول: يجب أن يكون الإنسان جافًّا وجامدًا جدًّا، ويأكل الخبز والخلّ ونحوهما، بل العمدة والهدف من أكل الطعام هو إيصال الموادّ اللازمة للبدن لاستمرار الحياة والبقاء؛ ولكن، قد لا يشتهي الإنسان الطعام في بعض الأوقات بتاتًا؛ ولهذا السبب، يقولون: فليأكل طعامًا لذيذًا.
ولكنّ الكلام في أنّه: ما هو الهدف من ذلك؟ هذا هو المهمّ. هل الهدف إيصال المواد اللازمة للبدن أم أنّ نفس الطعام هو الهدف؟ هل رفع الحاجة الشهويّة هو الهدف، أم أنّ نفس الشهوة هدف؟ لم يخلق اللهُ الإنسانَ شهوانيًّا ليقوم كلّ لحظة بقضم "تفاحة"، ثمّ يرميها جانبًا، بل إنّ ما يلزم الوصول لمراتب الكمال هو أن يختار الإنسان زوجة في هذه الدنيا. ولكنّ الكلام في أنّه: تارةً، يكون اختيار الزوجة موضوعًا وهدفًا بحدّ ذاته، أي أنّ الشخص يضع كلّ اهتمامه في هذه القضيّة. ما معنى هذا؟ وكيف يُعقل أن يكون شخصٌ سالكًا، ولكنّ كلّ فكره وذكره هو هذه القضيّة فقط وفقط؟!
وتارةً، تكون هذه القضيّة لرفع الحاجة؛ تمامًا مثل تناول الإنسان للدواء. فتناول الدواء هو لرفع حاجة الإنسان لكي يخرج من حالة المرض، وتعود له صحّته. فلو تعافى من المرض، هل يتناول الدواء أيضًا؟! إنّ ذلك الدواء سيُمرضه آنذاك! فقرص "الأسيتامينوفين" هو لرفع الزكام، ومَن لديه حُمّى يقال له: تناول هذا القرص لتتعافى. فلو تناولتَ عشرين حبّة من هذه الأقراص، سيتوقّف كبدك عن العمل، وتدخل في غيبوبة ويُغشى عليك، ثمّ تموت! أحد أنواع التسمّم هو التسمّم بالأسيتامينوفين. كلّ شيء له حدّ، فإذا تُجووز هذا الحدّ، تنافى مع أصل ذلك الطريق وشاكلة الإنسانيّة.
لهذا، على السالك في مسألة الزواج، أن يفكّر دائمًا في "الضرورة والحاجة"، هل هناك حاجة وضرورة له، أم لا؟ فإن كانت هناك حاجة، فالأمر ضروريّ. وطبعًا، لا للمرء ينبغي أن يخدع نفسه، فهو يستطيع أن يحتال على نفسه! لهذا، فإنّ الدخول في هذه المسائل للسالك الذي يبحث عن العلم والمعرفة والكمال هو دخولٌ في الحيوانيّة، ودخولٌ في البهيميّة، وسقوط من مرتبة الرفعة إلى حضيض الذلّة.
نعم، في حال كانت لديه حاجة، فيجب أن يختار الزواج ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾۱ اثنتان، ثلاث، أربع، عشر، عشرون، مائة، أيّ مقدار. الكلام في "الحاجة"، ولا يوجد حدّ تقف عنده هذه الحاجة؛ ولكن، لا ينبغي أن يخدع نفسه ويقول: «أنا أحتاج إلى هذا الأمر دائمًا»، ويذهب باستمرار ليعقد زواج المتعة!
العلّة في أنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه كان قد منع هذه القضيّة في زمان حياته، هي أنّه لم يكُن يريد للسالكين أن يقعوا في هذه المسائل، ويقضموها كلّ لحظة كتفاحة، ثمّ يرمونها. إنّ جميع أحكام الشرع قائمة على أساس المصلحة والمنافع. لقد قلت هذه القضيّة مرارًا: إنّ الحاجة لا تعود لنفس الإنسان دائمًا، فأحيانًا تكون المرأة نفسها محتاجة؛ فهؤلاء النسوة اللواتي يتوفّى أزواجهنّ ويموتون، أو يتطلّقن، أو يفقدن أزواجهنّ لأيّ سبب، أو لا يُوجد لهنّ زوج، هل يجب حقًّا أن يبقين هكذا؟!
فكما أنّ الإنسان لو رأى فقيرًا وجب عليه المبادرة لرفع احتياجاته الماديّة ـ وهو واجب في بعض الموارد ـ، فكذلك الشخص الذي يكون الأمر مقدورًا له، ولا تحدث له مشكلة، وليس لديه مانع من أيّة جهة، وهو نفسه يشعر بالحاجة أيضًا، فيجب أن يكون له اهتمام بهذه القضيّة أيضًا.
ولكنّ هذا في صورة "الحاجة"؛ لا أن يأتي الإنسان ويجعل الهدفَ بشكلٍ كلّي هو الدخول في هذه المسائل وعالم الشهوات، ويختلق لنفسه الحاجة باستمرار قائلاً: «أنا محتاج!». من أين أتتك هذه الحاجة؟! أنت لا تملك أيّة حاجة! لديك زوجة بهذا الصلاح، فما بالك؟! ما معنى الحاجة؟! ولهذا، كان المرحوم العلاّمة يقول: «لا ينبغي السعي وراء هذه المسائل!»، ولم يكن يسمح بذلك؛ لأنّ الإنسان يجب أن يرتقي.
طبعًا، الكثير من الناس يذهبون ويفعلون هذه الأمور، والناس العاديّون الذين ليس لديهم هذه المسائل ولا هذا الابتلاء الذي لدينا وهم منشغلون بشؤونهم، فليذهبوا وليفعلوا. أمّا المشكلة والمسألة، فهي لمن يريد الخروج من عالم الحيوانيّة.. هنا تظهر المشكلة. المشكلة لمن يُريد إخراج فكره من هذه المسائل، هنا تبرز المشكلة. فذلك السالك الذي يجب أن يكون فكره متّجهًا نحو الهدف، كيف يُمكن له أن يختلق لنفسه ولذهنه مشكلة؟!
أمّا الناس العاديّون، فهم يسعون خلف هذا الكلام؛ حسنًا، فليفعلوا، والشرع لا يعترض عليهم ويعدّه جائزًا. ومن ناحية أخرى، نعلم أنّ نفس الإنسان هي نفسٌ إذا عوّدتها على شيء وذاقت طعمه، اعتادت عليه، ولم يعد يخرج طعمه من تحت لسانها؛ وبعدها، يُصبح هذا الأمر نفسه حاجةً بالنسبة إليها.
جاءني شخص، وقال: «سيّدي، أنا محتاج لأن أذهب، وأتزوّج امرأةً ثانية». قلت: لو كنتَ مع زوجتك في صحراء مِلحيّة، وكنتَ تنظر لكلّ طرف، فلا ترى غير القفار والعلف والحجارة، هل كانت فكرة الزوجة الثانية ستخطر ببالك أيضًا؟! ما هذا الكلام؟! لو كان أحدٌ محتاجًا واقعًا، فالأمر شيء آخر، ونحن لا ننكره؛ ولكن، أن يجلس المرء، ويختلق لنفسه حاجةً واحتياجًا، فما هذا الكلام؟! يا عزيزي، كلّ هذا من "الفراغ". الإنسان الفارغ يبدأ بصنع الحاجة لنفسه.
يجب على السالك أن يُفكّر في الرقيّ والترقّي ورفع الشقاء عن نفسه؛ وهذه المسائل يجب أن تتّخذ طابع الوساطة وتكون واسطة. الزواج لازم لتدبير أمور الحياة ولا كلام في هذا، والأكل والشرب لازم لتدبير أمور الحياة ولا كلام في هذا، وممارسة الرياضة لازمة لتدبير أمور الحياة، ويجب على الإنسان أن يمارس الرياضة؛ ولكن، لو أصبحت هذه الرياضة "موضوعًا" (هدفًا)، فهذا خطأ!
حكومة الجهل وتبدّل الفضائل في العالم بسبب غلبة المشاعر على العقل
انظروا الآن إلى هذا العالم، وأيّة ضجّة قد أثيرت حول مسائل الرياضة وكرة القدم ونحوها! هل نحن عقلاء حقًّا؟! هل نحن بشرٌ حقًّا لكي تركض جماعةٌ خلف كرة، وحيثما ذهبت الكرة ركضوا خلفها؟! والأحمق من هؤلاء شعبٌ يتفرّج، أي أنّ شعبًا صار حيرانَ بسبب كرة، فتذهب هذه الكرة من هذا الطرف ومن ذاك الطرف. لقد أمر الشرعُ الإنسانَ بالرياضة، ويأمر العقلُ الإنسانَ بالرياضة، ويأمر الطبّ الإنسانَ بالرياضة.. كلّ هذا محفوظ في محلّه؛ ولكن، لا أن تُصبح للرياضة بنفسها موضوعيّة، وتصير الرياضة نفسها قضيّة، فهذا أمر خارج عن التعاليم. المهمّ للإنسان هو إنجاز تلك القضايا والمسائل التي هي بصلاحه على أيّة حال.
كم كان جيّدًا لو تمّ استبدال كرة القدم ـ التي شغلت كلّ مكانٍ الآن ـ بمسابقات الرماية. فالرماية لازمة لكل أمّة؛ لأنّها ترفع قواهم، وترفع قوّة جيشهم. كما أنّ المسابقات بالأدوات الحربيّة ـ على سبيل المثال ـ جيّدة جدًّا للناس؛ لأنّها ترفع قدراتهم، وتجعل الشعب دائمًا مستعدًّا للحرب والجهاد، خصوصًا في هذه الظروف حيث يهجم الكفّار على البلدان الإسلاميّة من كلّ جانب؛ ولهذا، فإنّ استعداد الشعب هو الشرط الأساسيّ لبقاء هذا الشعب.
هذا ما يُسمّى بالتعرّف على القيم والاهتمام بها. لقد تبدّلت القيم السلبيّة إلى قيم إيجابيّة، وتبدّل القبيح إلى مستحسن. يعلم الله أيّ أموال تُصرف في هذه البلدان على مسألة القيم السلبيّة! أموالٌ لو أرادوا صرفها على الفقراء والمساكين، لأمكن بها شراء منازل لكلّ المساكين، ولأرسلوا أبناءهم للمدارس، ولأطعموهم، ولأمّنوا صحّتهم، ولرفعوا المستوى العلميّ للأفراد، ولكنّها تُصرف على شخص يلبس "نصف سروال"، ويركض خلف كرة، ويذهب من هذا الجانب وذاك الجانب؛ وحينئذٍ، يُصبح هذا ذا قيمة! ولأنّ الدنيا تطلب هذا، يقولون: «هذه سُمعتنا، وهذا بلد مسلم، ويجب للبلد المسلم أن يرفع رأسه أمام العالم؟!».
ما الإشكال في أن نأتي، ونُغيّر هذه القيم السلبيّة بأطروحتنا الجديدة وبمبانينا الخاصّة؟! هل تسير الدنيا على أساس العقل لكي نُريد أن نطرح أنفسنا تبعًا لها؟!
سيطرة المظهر على الجوهر في السياسة العالميّة
إنّ الدنيا تأتي بالفتيات العاريات أيضًا ليُجرين مسابقات السباحة، إنّهم يفعلون هذه الأفعال أيضًا! الدنيا لا عقل لها، الدنيا جهالة محضة، مذهب الدنيا ومذهب أهل الدنيا هو مذهب الحيوانيّة، لا مذهب العقل! انظروا الآن لهؤلاء الرؤساء والوزراء وهذه المقامات الموجودة في العالم، حيث يُنتخب الرئيس الأمريكيّ لأنّه ـ على سبيل المثال ـ عضو في النادي الفلانيّ، ولأنّ النساء يُعجبن به فينتخبنه.
لقد قرأتُ في دراساتي أنّ الرئيس الأمريكيّ "كينيدي" فاز في الانتخابات لهذا السبب، وهو أنّه كان أجمل من منافسه؛ أي أنّ النساء صوّتن له! انظروا لأمريكا التي تحكم العالم بأسره؛ فالنساء هنّ من يُحدّدن هذه السياسة، وطول الشخص وقوامه هو من يحدّد هذه السياسة، لا العقل والفكر! الجهل هو من يُدير العالم لا العقل. الدنيا قائمة على أساس الجهل في الأساس!
أنا أقول لكم هذا هنا بجدّية: على سبيل المثال، لو أُجريت انتخابات رئاسيّة في إيران الآن بعد هذه الانتصارات التي حقّقتها رياضتنا، وترشّح هؤلاء اللاعبون للرئاسة، ألن يحصلوا على الأصوات؟! سيحصلون جميعًا على الأصوات! هل تعلمون ماذا تفعل الإحساسات؟ تأتي الإحساسات، وتحكم على العقول. وهناك مسائل كثيرة هنا، لو أردنا الدخول فيها، لأدركنا أنّنا نحن أيضًا محكومون لإحساساتنا، غاية الأمر أنّ ذلك له مراتب.
في ليالي الثلاثاء، كانت تُقام جلسة قرآن في "مسجد القائم" بطهران؛ وبعدها، كان المرحوم العلاّمة يُلقي كلمةً؛ فإمّا يُفسّر [القرآن]، أو يتطرّق لبيان تلك الأحاديث القدسيّة: «يا عيسى...» ۱و٢ كم نحن متأسّفون لأنّه لم يبقَ من هذه المسائل أشرطة وكتابات حاليًا؛ وإن بقي شيء، فقد بقي في القلوب، وإلاّ فلا يوجد شيء منها مكتوب. أتذكّر بدقّة وكأنّي أرى الرفقاء الليلة، وهذه القضيّة ماثلة أمام عيني، حيث كانت ليلة ثلاثاء، وكان يتحدّث حول هذه الإحساسات، وكيف أنّ حكومة الإحساسات على البشر أقوى من العقل.
قصّة تأثير المظاهر والزيّ على نظرة الناس
كان يقول: أيّها الرفقاء، أنتم ترون هيأتي: هذه العمامة، وهذه اللحية، وهذه العصا السوداء من الأبنوس (خشبها هنديّ وأسود ومتين جدًّا)، وهذا النعل الأصفر، ووضعي هذا... حسنًا، حينما أدخل المسجد يقولون: «سيّدنا، سلام عليكم، سلام عليكم!»؛ وقبل أن أدخل، يقولون: «ارفعوا أصواتكم بالصلوات من أجل سلامة العلماء!»، واحد من هذا الطرف وواحد من ذاك الطرف، وتعال، واذهب، وانهض، وافسح الطريق، وافتح الممرّ...! حسنٌ جدًّا، هذه قضيّة.
والآن، لو أردتُ غدًا أن أغيّر شكل المسألة؛ فأضع هذه العمامة في البيت، وأخلع هذا القَباء والعباءة ونحوهما، وأضع العصا جانبًا، وآتي إلى المسجد بنعل خفيف وقميص وسروال؛ بل حتّى ليس بهذا اللباس العربيّ الطويل الذي أرتديه، بل هكذا آتي للمسجد وأصلّي، سينظر الناس إليّ ويقولون: «لقد فقد هذا السيّد عقله!». سيختفي ذلك الذهاب والإياب والصلوات وكلّ هذا الكلام. فيُصلّي أحدهم وحده فرادى، ويقول الآخر: «لماذا جاء السيّد هكذا؟! ولماذا هو هكذا؟!».
هذا، مع أنّ علمي لم يذهب، بل علمي في مكانه؛ والعلم لا يحطّ فوق رأس الإنسان بواسطة العمامة والقَباء، بل العلم في نفسي، ومعرفتي في مكانها، وانتسابي لأبي وأمّي في مكانه، والشيء الوحيد الذي حدث هو أنّني خلعتُ لباسي!
أو افترضوا مثلاً أنّني أقول: «لأحلق ذلك المقدار الزائد من لحيتي، وأقصّ ذلك المقدار المستحبّ منها وهو القبضة وأقصّرها»؛ حسنًا، فالعلم في مكانه، والانتساب في مكانه، والعقل ـ إن وُجد ـ في مكانه، وفقط الشكل والملامح قد تغيّرت. ولكنّ كلّ هؤلاء الناس سيرجعون، وقد رأيتم أنّهم رجعوا. حتّى نحن أنفسنا غارقون في الإحساسات. هذا، لأنّ الإنسان لا يُشغّل ذلك العقل الذي أعطاه اللهُ إيّاه ولا يستفيد منه.
وجوب اتّباع العقل لا اتّباع الأكثريّة
تقول الآية القرآنيّة الشريفة: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛۱ أي: لو أردت أن تتّبع أكثر الناس، فأكثرهم في ضلالة، وسيوقعونك في الضلالة أيضًا. لأنّ الناس غارقون في الإحساسات.
ذات مرّة، نصحني المرحوم العلاّمة قائلاً: يا فلان، اعمل بعلمك وعقلك. لو أردت أن تُسلّم عقلك بيد الناس، فيجب عليك أن تخلع سروالك من رجلك، وتمشي عاريًا في الشارع!
الناس هم هكذا! طوبى لمن لا ينظر للحشود، طوبى لمن يعمل بعقله؛ إذ يجب العمل بالعقل، ولا ينبغي النظر للحشود وللأفراد. فهؤلاء الناس يأتون يومًا ويذهبون يومًا، فما معنى النظر للأفراد؟!
حينما جاء مسلم بن عقيل للكوفة، كان يُصلّي خلفه ثلاثون ألف شخص!٢ ليس أمرًا هيّنًا! لم يكن هناك بعدُ جيش شاميّ، ولا جيش يزيديّ.. لم يكن هناك شيء. جاء عبيد الله إلى دار الإمارة، واشترى شخصين أو ثلاثة، فأذاعوا إشاعة بأنّ الجيش قادم. وهؤلاء الناس لم يخرجوا خارج الكوفة أبدًا ليروا هل جاء أحد أم لا؛ أي: لم يعطوا لأنفسهم مجالاً، لكي يمشوا خطوتين بالخيل خارج الكوفة! ثمّ نظر مسلم بن عقيل خلفه، فلم يرَ ولا شخصًا واحدًا!٣ نفس أهل الكوفة هؤلاء حينما يأتون ويقتلون الإمام الحسين، يضربون على رؤوسهم: «يا ويلنا، أيّة غلطة ارتكبنا، أيّ فعل فعلنا، قتلنا ابن بنت النبيّ!».٤ هؤلاء هم الناس؛ ومرّة أخرى كذلك، ومرّة أخرى كذلك...
قصّة ترك الناس عالمَ الدين بسبب موقفه الحقّ
أحد أساتذتنا الذي توفّي الآن ـ رحمه الله ـ كان رجلاً نزيهًا جدًّا ورجلاً طاهرًا جدًّا ومن أهل الله والمجاهدة والرياضة وذا حالات.. كان يقول: كان والدي يُعدّ في إحدى هذه المحافظات من علماء الدرجة الأولى لتلك المدينة. وكان حينما يقف لصلاة الجماعة، يُغلق شارع ذلك المسجد من كثرة الجمع؛ ويا له من مسجد، ويا له من صحن كان! إلى أن حدثت قضيّة ووقائع مفصّلة (واقعة انتخابات المجلس النيابيّ في زمن مُصدّق)، وكان والدي قد تدخّل في هذه القضايا في سبيل رضا الله، ولأجل أداء التكليف الشرعيّ. ثمّ اتّفق أنّهم خدعوهم؛ وخلاصة الأمر، وانقلبت مجريات الأمور.
فقال بعض أولئك الأفراد والمشايخ ـ الذين كانوا يُعارضونه هناك ـ للناس: «أرأيتم؟ هذا أيضًا ظهر على حقيقته بهذا النحو!». فتحوّلت تلك الجموع التي كانت تُغلق الشارع إلى ثمانية أفراد! أي أنّه كان يأتي، ويُصلّي في ذلك المسجد ومعه ثمانية مأمومين. والمُثير هنا أنّ الأمر استمرّ هكذا لسنوات!
حينئذٍ، يجب أن تكون هذه القضايا عبرةً للإنسان: بِيَد مَن يُسلّم الإنسان عقله؟! هل يُسلّم عقله بيد المجتمع، أم يسلّمه بيد الشخص الفلانيّ والشخص العلاّني؟!
بناء مدرسة العرفان على أساس اتّباع العقل
لقد ذكّرت بهذه المسألة كثيرًا في وقتٍ ما، وقلت: بحقّ، لو أراد أحدٌ أن يعيش عاقلاً في هذه الدنيا، أي أن يُشغّل عقله، فيجب أن يسلك طريق العرفان؛ أي أنّ طريق العرفان هو طريق العقل. لو أراد شخص أن يعيش في هذه الدنيا بشكل عقلانيّ ـ حتّى لو لم يكن له دين ولم يملك أيّ شيء آخر ـ وأراد أن يُعامل زوجته على أساس العقل، ويُعامل ولده على أساس العقل، وكذلك رفيقه وشريكه، وكذلك المجتمع، وجاره، فلا مناص لهذا الشخص إلاّ أن يسلك طريق العرفان؛ لأنّ طريق العرفان هو طريق الحقّ، وليس غير الحقّ شيء آخر.
لهذا، فإنّ من يعمل بالعقل، ويُريد أن يتقدّم على أساس الحقّ وعلى أساس العقل، هو أقرب إلى الله ممّن يتعبّد ويعمل بدون عقل، ولو لم يكن له دين. لقد خلق اللهُ الإنسانَ ـ من حيث هو إنسان ـ عقلانيًّا، وخلقه باحثًا عن العلم وطالبًا له. فكلّما رأينا أنّ هذا العلم في الإنسان في ازدياد، فيجب أن نعلم أنّنا اقتربنا من مرحلة الاعتدال؛ وكلّما رأينا أنّه نقُص، وأنّنا لا نريد السعي خلف الله، ولا نريد السعي وراء المعارف، بل نذهب يمينًا وشمالاً، فيجب أن نعلم أنّنا نهبط للأسفل، وأنّ هذه القضيّة قد نقُصت.
العلم الحقيقيّ والمعرفة النافعة
إنّ مسألة السعي خلف العرفان والمعرفة مسألة مهمّة، ولكن السؤال الآن: في أيّ المجالات يجب أن تكون حالة العرفان هذه، وهذا العثور على الضالّة والسعي لطلب هذه الضالّة؟ وفي أيّ مجال يبحث الإنسان عن ضالّته؟ بعبارة أخرى: كيف ينبغي أن تكون ضالّة الإنسان؟
في الوهلة الأولى، يجب أن تكون ضالّة الإنسان "نفسُه"؛ أي يجب أن يذهب أوّلاً ليعثر على نفسه؛ وحينئذٍ، نصل من هنا، إلى المسألة التالية، وهي أنّ الانشغال بالمسائل الأخرى والوصول للعلوم الأخرى له حكم "الواسطة"؛ كما قلنا في مورد الطعام والشراب والغذاء وإطفاء الغرائز أنّ لها حكم الواسطة ولا أصالة لها ولا موضوعيّة.
إذن، لماذا يذهب الإنسان خلف علم الطبّ؟ لصحّة البدن. ولماذا يحصّل صحّة البدن؟ ليصل لكماله؛ وإلاّ، فإنّ هذا البدن سيموت يومًا ما. لماذا يذهب الإنسان خلف الهندسة، ويتعلّم هذه العلوم الهندسيّة ـ وطبعًا الهندسة ليست مسألة رياضيّة فقط؛ بل ترتبط بالعلوم التي تكون فيها هذه الجهات الرياضيّة بأيّ نحوٍ كان، ولو البناء وأمثال ذلك ـ؟ ليتمكّن من مواصلة حياته. ولماذا يُواصل حياته؟ لكي يصل للكمال. إذن، هذه العلوم هي علوم وسيطة.
ولهذا، فإنّ ذلك المجهول الذي يُطلب هذا العلم لأجله هو مجهول الإنسان الحقيقيّ، وهو خفاء نفس الإنسان ومجهوليّتها، وهو ذلك الفراغ الموجود في وجود الإنسان نفسه، وأنّ الإنسان لم يصل لوجود نفسه. فذلك الفراغ وتلك الحقيقة هي حقيقةٌ موجودة مع وجود الإنسان في جميع الأحوال، وهو يسعى خلفها. ذلك العلم هو العلم الأصليّ، وذلك الفراغ هو الفراغ الأصليّ، وذلك المجهول هو المجهول الحقيقيّ والمجهول الأصليّ.
هنا، يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: اللهمّ إنّي أعوذُ بك مِن عِلمٍ لا يَنفَع.۱
والآن: أيّة علوم لا تنفع الإنسان وأيّة علوم تنفعه؟ نترك الحديث عن هذا الموضوع للجلسة القادمة إن شاء الله تعالى.
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد