المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحاضرات متفرقة
التاريخ 1432/10/29
التوضيح
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
هو العليم
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
مباني الإسلام، محاضرات متفرّقة، عالم المُثُل وتجلّيات القدر
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الرقابةُ الإلهيّةُ الدقيقةُ وخفايا النوايا
إنّ أفكارنا وخيالاتنا وخواطرنا تُسجّل جميعها مثل آلات التسجيل هذه؛ وبشكلٍ دقيقٍ أيضًا!
ذهبت مرّةً لزيارة المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ (وكنت برفقة المرحوم الوالد)؛ وكان لديّ مسجّلٌ أردتُ أن أُسجّل به صوته، فوضعته جانبًا. وكان هناك رجلٌ أو رجلان آخران معهما مُسجّلاتٌ أيضًا، فوضعاها في الجانب الآخر. وفجأةً، قال: ﴿إِذ يَتَلَقَّى ٱلمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱليَمِينِ وَعَنِ ٱلشِمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.۱ أي: انظروا إلى كيف ينتبه الإنسان إلى كلامه وسلوكه من أجل سلكين وبضعة غراماتٍ من البلاستيك! فهي مجرّد أسلاكٍ وقطعٍ بلاستيكيّة! فيُحاول أثناء التسجيل ألاّ يتفوّه بباطلٍ، ويُرتّب نفسه، ويضع العباءة على القباء بشكلٍ مُرتّبٍ وجميل، ويجلس بأدبٍ؛ ولكن، بمجرّد أن تُرفع هذه الأسلاك والبلاستيك وتُجمع، فلا يأبى أن يقول أيّ شيءٍ، أو يفعل أيّ شيءٍ، أو تحدث أيّة مسألةٍ، قائلاً في نفسه: «إنّ هذا لا يُسجّل!».
وهناك فرقٌ كبيرٌ بين إنسانٍ يتحدّث وهو في ظروف معيّنة، وبين حديثه وهو ليس فيها. فكيفيّة التحدّث والخطاب تختلف كثيرًا!
الرؤيةُ الإلهيّةُ العميقةُ في مقابلِ النظرةِ الدنيويّةِ القاصرةِ
ففي حرب الجمل، كان ابن عبّاس يقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام؛ وعندما أرادت الحرب تبدأ، جاء رجلٌ، وسأل الإمام عن مسألةٍ في الصلاة؛ حيث أخطأ فيها وقال: «فعلتُ كذا عندما أردتُ أن أُصلّي الصبح، فماذا أفعل الآن؟»، فأجابه عليه السلام، وقال له مثلاً: «افعل كذا»، أو «لا بأس»، أو «اسجد سجدتي السهو». فقال ابن عبّاس: «هل هذا وقت السؤال؟!».
انظروا كم هو الاختلاف! فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاسٍ، وقال: «فمتى يسأل عن الصلاة إذن؟!».
أي: ضعوا هاتين الجملتين إلى جانب بعضهما، ثمّ فكّروا فيهما لأشهر! فيومٌ أو أسبوعٌ قليلٌ جدًّا! قليلٌ جدًّا!
ففي إحدى المرّات، كان المرحوم العلاّمة يتحدّث عن عبارة «الصلاة خير من النوم»٢ التي اختلقها ذلك الرجل. وكان يُبيّن التفاوت والاختلاف بين رؤية رجلٍ إلهيّ ورؤية رجلٍ سياسيّ، فقال:
الرجل الإلهيّ ـ والنبيّ صلّى الله عليه وآله هو أسمى رجلٍ إلهيّ ـ يقول عن الصلاة: «حيّ على خير العمل!»؛٣ ففي هذه العبارة يكمن كلّ شيءٍ؛ فهي خير عملٍ من الصوم، وخير عملٍ من الحجّ، وخير عملٍ من الجهاد في سبيل الله ـ أمّا الجهاد في غير سبيل الله فهو خارجٌ عن الموضوع تخصّصًا ـ، وهي خير عملٍ من الإنفاق، وخير عملٍ من الصدقة. فأيّ شيءٍ يُمكنكم اعتباره، فالصلاة هي أرقى منه! فحلّلوا هذه الرؤية: لماذا يقول النبيّ إنّ الصلاة هي أسمى الأعمال؟! ولماذا لا يقول ذلك عن الصوم أو الحجّ أو الجهاد؟! ففي الجهاد، تُراق الدماء، ولا تُوزّع فيه الحلوى! ولكن في الصلاة، لا تُراق الدماء، ولا يُصاب الإنسان بمكروهٍ، ولا يلحقه أذًى أو تعبٌ. فلماذا يجب أن تكون الصلاة هي الأفضل والأسمى وخير العمل؟!
الارتباطُ باللهِ روحُ الأعمالِ وقِوامُها
لا يُمكن لأحدٍ أن يقول هذا الكلام إلاّ من كان واسطةً لفيض الله ومجلًى ومجرًى له. فهو وحده من يفهم لماذا الصلاة هي خير العمل! وهو وحده من يُدرك أنّ كلّ حقيقة وجود الإنسان تكمن في الارتباط؛ وهذا الارتباط يحصل في هذه الصلاة. فإن لم يوجد ذلك الارتباط، أصبح الجهاد هباءً! والإنفاق هباءً! وكلّ شيءٍ هباءً في هباء! فإن فُقد ذلك الارتباط، أصبح كلّ شيءٍ باطلاً، وإن وُجد أصبح كلّ شيءٍ صحيحًا. وهذا ما لا يفهمه الآخرون؛ ولهذا، يأتون ويقولون: «الصلاة خير من النوم!»؛ فهم لا يفهمون! استيقظوا الآن، وصلّوا بدلاً من النوم! حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فلماذا تقولون: الصلاة خير من النوم؟ بل قولوا: الرياضة خير من النوم! أو اليقظة خير من النوم! أو المشي خير من النوم! لأنّ الرؤية تُصبح قائمةً على المقارنة مع النوم. فالنوم استلقاءٌ، والصلاة وقوفٌ! هذا هو الفرق! وحينئذٍ تُزاح تلك الشخصيّة، وتأتي هذه الشخصيّة لتجلس مكانها! ويا للأسف! فذلك الذي يسير في تلك الأجواء وتلك المراحل يُزاح، ويموت وينتقل إلى رحمة الله، ويأتي مكانه من تكون رؤيتُه هكذا، ويكون هذا هو أفق إدراكه وفهمه! فماذا سيحدث؟!
ثمّ كان يقول: «يُمكنكم أن تجعلوا هذا معيارًا».
معيارُ التقييمِ الحقِّ ومحطّاتُ الاختبارِ الإلهيّ
في إحدى المرّات، كان معاوية يمدح أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «رحم الله أبا تراب! فقد كان الذهب والتبن عنده سواء!». فهذه المدائح كلّها بعد الوفاة، وإلاّ، فلا نجد لها أثرًا في أيّام حياته عليه السلام! فعندما يُستشهد أمير المؤمنين عليه السلام وينتهي الأمر، يبدأ بالمدح والثناء؛ لأنّه لم يعُد مُنافسًا له! والآن حتّى لو مدحه، فسيحسبون ذلك من تواضعه؛ ولكن، هل كنت تقول هذا الكلام وعليٌّ عليه السلام على قيد الحياة؟! كلاّ، لم تكن تقوله! على كلّ حال، كان يقول: «رحم الله أبا تراب! فقد كان الذهب والتبن عنده سواء؛ فلو كان له جبلٌ من ذهبٍ وجبلٌ من تبنٍ، لأنفق الذهب قبل التبن».۱
وكان المرحوم العلاّمة يذكر عباراتٍ رائعةً هنا؛ أي أنّه كان يستنبط مسائل دقيقة من هذه العبارات، فيقول: «لأنّ رؤية معاوية ماديّةٌ، فهو يدرس عليًّا عليه السلام من رؤيةٍ ماديّةٍ أيضًا!». فبما أنّ فهم معاوية فهمٌ ماديٌّ، فهو يُفضّل الذهب على التبن يقينًا، ولا يأخذ التبن، ويترك الذهب. فهذا المسكين لا يعلم أنّ الذهب والتبن عند عليٍّ عليه السلام سواءٌ حقًّا؛ أي: لا فرق بينهما. فهما سواءٌ؛ لكن، لا بمعنى أنّهما متساويان في القيمة، بل لأنّه عليه السلام في أفقٍ لا تختلف فيه أيّة أمورٍ دنيويّةٍ عنده سوى الله؛ سواءٌ كانت ذهبًا أو حجرًا أو ألماسًا! فلا فرق لديه سواءٌ وُضعت في معيار القياس أم لا!
في بعض الأحيان، قد يتّبع إنسانٌ مع ذاته نهجًا معيّنًا في نفسه ليُوجد هذه الحالة في نفسه، وتُصبح المسألة عنده بهذه الكيفيّة؛ حسناً، ربّما ينجح في ذلك؛ وليس ببعيدٍ أن ينجح؛ أي أن يُواصل نهجَه، ويصل إلى مرحلةٍ يستوي فيها الذهب والتبن في عينه. ولكن، على أيّ حال، فإنّه سيكون بذلك قد عوّد نفسه على عدم الاكتراث بالقيمة؛ وهذا أمرٌ حسنٌ، لا أنّه سيّئٌ. ولكنّ طريق الله تعالى يرتقي بالإنسان إلى ما هو أسمى من ذلك! فطريق الله يأخذ الإنسان إلى تلك الحقيقة والمبدأ، وما سوى ذلك المبدأ يفقد قيمته تلقائيًّا، لا أنّ هذا الإنسان يُرغم نفسه على تبنّي هذه الرؤية!
وكان يقول: «لو كان معاوية يعرف عليًّا، لقال: إنّ الذهب والتبن لا فرق بينهما عند عليٍّ، وهما في مرتبةٍ واحدة؛ ولكن، لأنّ رؤيته ماديّةٌ، فهو يقول: إنّ قيمة الذهب أعلى من التبن، ومقامه أرفع!».
حقيقةُ التواضعِ المزيّفِ والتسليمِ لأقدارِ اللهِ
هذه الأمور يُمكن أن تكون معيارًا لنا، وميزانًا لتقييم أفكارنا. فالإنسان يرى بعض الناس حينما يُريدون المدح والثناء، يقولون مثلاً: «انظروا كم عدد الناس الذين حضروا في القضيّة الفلانيّة!». حسنًا، ماذا سيكون هذا؟ هذا سيُصبح معيارًا! أو ألاّ يكون لدى الإنسان فرق في عدد الحضور بتاتًا، فيُلقي كلمته التي يجب أن يقولها! لكن، من الذي يكون بهذا النحو؟! أَرُوني رجلاً واحدًا، وقولوا إنّه هكذا! نعم! جميعنا نمتلك تلك الابتسامة والضحكة المتصنّعة! والويل من هذا التواضع المتصنّع! فهؤلاء عندما يُواجهون قضيّةً ما ويهتزّون، ترى فجأةً أنّ ما في قلوبهم قد ظهر، وما في نفوسهم قد طفا على السطح! أي: ما كان مخفيًّا إلى الآن؛ لا أنّه لم يكن موجودًا، بل كان موجودًا ولكنّه مخفيٌّ، وقد غطّته الحُجب. وحتّى حديثُنا عن الله تعالى هو بسبب تلك الحُجب. فقولنا: «إنّ الله تعالى قد وفّقنا!»، أو «إنّ الله قد تفضّل علينا!» هو كذبٌ أيضًا! بل إلهُ نفسِك هو الذي يقول: «لقد أعانني الله!»، وليس الإله الحقيقيّ. فلو كان هو الإله الحقيقيّ، فلماذا يغيب عند اهتزاز الأمور، ويحلّ محلّه السبّ والشتم لهذا وذاك؟! فالله هو الله دائمًا، وهو تعالى لم يلتزم بأن تكون الأمور هكذا دائمًا، بل يقول: «كلاّ! نريد أن نقلب الأمور! فالأمر بيدنا!». فيقول: «في معركة بدر، نُظفر المسلمين، وفي معركة أُحدٍ، نُلحق بهم الهزيمة». فالمسلمون قد هُزموا في أُحد. وبالطبع، فرّوا، ثمّ عادوا في النهاية؛ ولكنّها كانت هزيمةً على أيّ حال. وماذا حلّ بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والآخرين! فجسد أمير المؤمنين عليه السلام قد مُزّق تمزيقًا!۱ فماذا كانت تلك الحرب؟ يقول الله تعالى: «هكذا أنا! فأنا إله، إمّا أن أنصر أو أهزم.٢ وعليك أن تقوم بعملك، ولا ينبغي أن تذهب آملاً في النصر. ففي معركة الجمل، نصرتُهم، وفي معركة النهروان نصرتُهم، أمّا في معركة صفين فهزمتُهم!». فلصالح من انتهت معركة صفّين؟! لصالح معاوية. فقد أدّت خديعة ذلك الرجل المسمّى عمرو بن العاص، ومكره بالأغبياء إلى الهزيمة، حيث رفعوا المصاحف على الرماح وانتهى الأمر، ثمّ جاء التحكيم، وذهب النصر أدراج الرياح! وذهبت كلّ جهود ثمانية عشر شهرًا من الحرب هباءً! ولكن، بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام، لم يكُن هناك أيّ فرقٍ! فهو ينظر هكذا، ويقول: «شاهدوا! شاهدوا الله تعالى!».
غير أنّ هذه المسألة ليست بسيطة! فكم يُقاسي الإنسان حتّى يصل إلى هذا الإدراك والمقام! ولكن، إن وصل، ففيه لذّةٌ عظيمة. ولكنّ هذا ليس بالأمر الهيّن! فيجب أن يُقاسي الإنسان ليُدرك ذرّةً من أحوالهم! هذا إن أدرك ذلك، ووصل بنفسه إليه! لكن، عليه أن يُعاني كثيرًا حتّى يصل؛ هذا إن وصل أصلاً! أما ما سيحدث بعد ذلك وما إلى هنالك، فهذا حديثٌ آخر!
نعم، عندما يُصبح الأمر هكذا، فإنّ ما يحصل عليه الإنسان لاحقًا يكون عذبًا جدًّا. ولهذا، لا يُمكن لأمير المؤمنين عليه السلام أن يقف على المنبر ويقول: «ما شاء الله، كم هو جيّدٌ أنّكم جئتم وأفسدتم خُططهم!»؛ فهو لا يُمكنه قول ذلك! فإن أراد قوله، فسد كلّ شيءٍ، واختلّ أمرُ الحكومة والخلافة والأمر والنهي! بل كان يحتفظ بذلك في قلبه، ولا يُمكنه كشف الستر أو نقله إلاّ لعددٍ قليلٍ من الذين يتحدّثون معه بصراحة. وإلاّ فلا يُمكنه ذلك مع الآخرين؛ إذ سيقولون: «لماذا فعلت كذا؟»، و«لماذا صنعت كذا؟»، و«لقد أخطأت!» وما إلى ذلك.
يجب على من يتصدّى للمسائل العقائديّة للناس أن يأخذ هذه المسائل بعين الاعتبار. فيجب الانتباه كثيرًا للمسائل العقائديّة والمسؤوليّات؛ ليس المسؤوليّات العامّة فحسب، بل حتّى مسؤوليّة الأسرة، ومسؤوليّة الفرد الواحد، ومسؤوليّة الجماعة، وحتّى في هذه الحدود؛ فكيف بمن يُريد تحمّل مسؤوليّة الفتوى؟! فهنا، وا ويلتاه! وا ويلتاه! نعم، ليُعِنّا الله تعالى!
فاصلٌ طريفٌ: ذاكرةُ النساء ومفارقاتُ النسيانِ
حسنًا، تفضّلوا لنرى في يوم شروع الدرس ماذا يقول المرحوم الآخوند [صدر المتألّهين الشيرازيّ] بخصوص هذا الأمر!
على حدّ ما أذكر، كان كلام الميرداماد حول القضاء والقدر. إذن، فقد كان تخميني صحيحًا. فأثناء الطريق، قلت للسيّد... إنّ القضيّة الفلانيّة كانت كذا. فقال: «يا سيّدي، كان مقرّرًا أن يتمّ هذا البارحة!». فقلت: «عجبًا! يا للأسف! تبيّن إذن أنّني قد كبرتُ في السنّ! تبيّن أنّني قد كبرت، وأحتاج إلى مُذكِّرٍ أو مُذكِّرة!».
فقال أحدهم: «هذه السكرتيرة تنفعك». فقلت: «لا بأس، حتّى لو كانت سكرتيرة! فبالمناسبة، ذاكرتهنّ أفضل!». وكان أحدهم يقول: «إنّ الميزة التي تتفوّق بها جماعة النساء على الرجال هي أنّ ذاكرتهنّ قويّةٌ جدًّا!». فلديهنّ ذاكرةٌ بسعة مائة جيجابايت! وحتّى أنّهنّ يتذكّرن التفاصيل! فمثلاً، قد تكون ذهبت لتناول الغداء في مكانٍ ما قبل خمسة عشر عامًا، ونحن ننسى الذهاب إلى هناك في الأساس، ناهيك عمّا أكلناه، ولكنّهنّ يتذكّرن طعم الطعام إضافةً إلى نوعه! واليوم، عندما يطبخن طعامًا، يقلن: «انظر يا فلان! هل الطعام الذي أكلناه قبل خمسة عشر عامًا ألذّ أم هذا؟!».
لقد قيل لي مثل هذا الكلام مرّةً، فقلت: يا عزيزي، إنّني عندما أتناول الإفطار أنسى ما أكلته؛ هل كان خبزًا حلوًا أم خبزًا وجبنًا أم لا أدري ماذا. والآن، تُريد أن تخبرني بما أكلناه قبل أسبوعين! أسبوعان! وما أدراني أنا! فهؤلاء يتذكّرن ما حدث قبل خمسة عشر وثلاثين عامًا! فأيّ دماغٍ هذا؟! فهذه القضيّة من العجائب حقًّا!
المُثُلُ الأفلاطونيّةُ والإدراكاتُ القلبيّةُ لكبار الحُكَماء
أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
«وقال شيخُنا وَسَيّدُنا ومَنْ إلَيهِ سَنَدُنا في العُلومِ أدامَ الله عُلوَّه وَمَجْدَه في بَعضِ كُتُبِه العَقليّة».
كما يتذكّر الرفقاء، فقد تحدّثنا في العام الماضي إلى حدٍّ ما حول مسألة المُثُل الأفلاطونيّة؛ وبيّنّا سابقًا أنّ مسائل هؤلاء العظماء ليست في مستوىً يقبل الطعن والإشكال كما قاله الشارحون. فهؤلاء العظماء كانوا يُدركون بصفاء قلوبهم ونقاء سريرتهم مسائل خفيّةً عن أنظار الآخرين! وأُريد أن أقول إنّه حتّى أولئك الذين هم من أهل التتبّع والتحقيق في مثل هذه المسائل وقد كتبوا فيها كتبًا ومقالاتٍ، عندما أطالع ما كتبوه، أرى أنّه مجرّد نقلٍ من هذا الكتاب وذاك، وليست مسائل نابعةً من أعماق القلب والاتّصال بالغيب. أمّا هؤلاء العظماء الذين طرحوا هذه المسائل، فإنّ كلامهم لم يكن بمجرّد الاستمداد من القوى العقليّة والتفكير والتتبّع والتعلّم وما شابه ذلك؛ بل يُمكن القول إنّها كانت ممزوجةً بنفحاتٍ وبوارق كانت تتنزّل على قلوبهم، فكانوا ينقلون هذه المسائل من ذلك الأفق. هذا، وإن كنّا نستطيع الادّعاء ـ إضافةً إلى ذلك ـ بأنّه قد توجد مسائل أخرى أعلى من مسألة المُثُل هذه.
على كلّ حالٍ، كان العظماء يتحدّثون في مسائلهم كلٌّ من أفق رؤيته ومنظر شهوده. وجميعها قابلٌ للتأمّل والتحقيق في محلّه. والعجيب هنا أنّ الإنسان يرى الكثير من المسائل الفلسفيّة العاديّة تتعرّض للنقد والإشكال من قِبل أناسٍ هم أنفسهم من أهل الفلسفة!
فعندما أقرأ بعض المقالات، أرى في سيرة كاتبها أنّه يُقال: «إنّه من الذين تتلمذوا لسنواتٍ عند عظماء الفلاسفة والحكماء»، فأتعجّب! فمن درس كتاب «المنظومة» فقط لا يقول هذا الكلام؛ فكيف تكون لأحدهم كلّ هذه السابقة، ثمّ أراه يطرح هكذا مسألة؟!
وقد ذكرتُ بعض هذه الرؤى في كتاب «أفق الوحي» إن كنتم تذكرون. فمن المثير للتعجّب حقًّا كيف لم يستطع الإنسان أن يصل إلى هذه المسائل التي يُمكن القول إنّها من بديهيّات الفلسفة والحكمة؟! ولا يسعنا القول سوى أنّ هؤلاء قد تصفّحوا هذه المسائل وتتبّعوها، ولكنّهم لم يُريدوا أو لم يستطيعوا أن يغوصوا بقلوبهم وعقولهم وأفكارهم فيها، ليصلوا إلى تلك النتائج الحقيقيّة.
والأمر كذلك في مسألة المُثُل الأفلاطونيّة. وهذه هي المسألة التي انبرى عظماء الحكماء والفلاسفة ـ كالمرحوم الميرداماد، أو الشيخ [ابن سينا]، أو حتّى المرحوم الآخوند [صدر المتألّهين]، أو المحقّق الدوانيّ ـ لتوجيهها، ولم يعمدوا إلى ردّها كالمتكلّمين ليقولوا:
ما هي المُثُل؟! فلو فرضنا أنّ لكلّ شيءٍ ربّ نوعٍ، وأنّ تلك الأفراد المتكوّنة من المادّة في الأعيان الخارجيّة تابعةٌ لذلك الربّ النوعيّ الكلّي، فلا دليل على أنّه إذا كان لحقيقةٍ ما تعيّنٌ خارجيٌّ، فإنّها ستُصبح حقيقةً جزئيّةً ومُشخّصةً؛ وإن لم يكن لها تعيّنٌ، فستبقى في ماهيّتها كلّيةً. فالحقائق الوجوديّة لا يُمكن أن تتعلّق بماهيّة ما بلا تعيّنٍ خارجيٍّ، سواءٌ كان هذا التعيّن ماديًّا أو غير ماديٍّ. ففي غير الماديّ، هناك تعيّنٌ على أيّ حالٍ؛ وكلّ شيءٍ تلحقه حيثيّةٌ ماهويّةٌ، ستكون له محدوديّةٌ وجوديّةٌ نُطلق عليها اسم الماهيّة؛ سواءٌ كانت ماهيّته كالماهيّات الماديّة، أو كانت الماهيّة هي ذلك البُعد من المحدوديّة الوجوديّة؛ فهو مُتعيّنٌ في النهاية، وخارجٌ عن الإطلاق، وهو أمرٌ خارجيٌّ على كلّ حالٍ؛ والتعيّن لا معنى له في الماهيّة. ففي مبحث الماهيّة، ما يُوجب التعيّن والتشخّص هو حقيقة الوجود؛ أمّا الماهيّة، فهي «لا أيسٌ ولا ليسٌ». وعليه، فهذه المسألة قابلةٌ للنقض.
وقد قرأنا الإجابات التي قُدّمت هنا، حتّى وصلنا إلى مسألة المرحوم السيّد [الميرداماد] وتوجيهه، حيث قدّم تفسيرًا وجيهًا نسبيًّا، ورفع المسألة في باب القضاء الكلّي والقدر الجزئيّ؛ ومن هناك، أُعطيت المسألة جانبًا نقليًّا ببيانه هو (وهذه المسألة موجودةٌ في كتاب الأفق المبين)، حيث بيّن هذه المسألة هناك بهذه الكيفيّة. ولا أدري إن كنتُ قد ذكرتُ هذا الأمر أم لا؟ الظاهر أنّني بيّنته سابقًا في العام الماضي ـ على ما أذكر ـ في باب القضاء والقدر؛ وسأذكر الآن باختصارٍ ما هو وجه الاختلاف والالتقاء بين القضاء الكلّي والقدر الجزئيّ.
فهم عندما يطرحون هذا الأمر هناك، يقولون: إنّ المُثُل هي كذلك أيضًا؛ فالمُثُل هي ذات المسائل التي ذكرناها في باب القضاء والقدر. وفي باب القضاء والقدر، يجب القول أيضًا إنّ هذا القضاء هو قضاءٌ كلّي، وعبارةٌ عن حقائق غير قابلةٍ للتبدّل والتغيّر والتحوّل، ويُعبّر عنها بالحقائق الكلّية؛ إذ توجد ـ بالنسبة للأعيان والموجودات الخارجيّة، وكذلك بالنسبة للتصوّرات والأطوار والصفات والأفعال والحركات والتغيّرات والتبدّلات الخارجيّة ـ حقيقةٌ كلّيةٌ يُعبّر عنها بالقضاء الكلّي.
تجلّي الحقائقِ الكلّيةِ في التنوّعِ البشريّ ومزالقِ الانحرافِ
ففي القضاء الكلّي الإلهيّ، يجب أن يحصل الإنسان على تعيّن وعينيّة خارجيّين بهذه الكيفيّة والخصوصيّة، حيث يعود ذلك إلى هذا القضاء الكلّي. وعندما يتنزّل الأمر... لقد ذكرتُ هذه المسائل مرّةً في ضمن كلامي هنا، حيث أشرت إلى كيفيّة تصنيف هذه المسائل. ففي تلك الطبقات العُليا، نرى أنّها ترتكز على حقيقةٍ كلّيةٍ.
سأضرب الآن مثالاً، ويُمكننا استنتاج الباقي بأنفسنا. إنّنا نشاهد في الخارج مصداقين لهذه النوعيّة الإنسانيّة: أحدهما الذكر والآخر الأنثى؛ ولكلٍّ منهما أفكاره الخاصّة، وسلوكه الخاصّ، وخصائصه الجسمانيّة المختلفة؛ سواءٌ الرجل أو المرأة؛ ولكلٍّ منهما أذواقه المختلفة، وأفكاره وخصائصه المتنوّعة؛ سواءٌ في القدرات والاستعدادات الظاهريّة، أو القدرات والاستعدادات الباطنيّة. وهذا أمرٌ محسوسٌ يراه الجميع ولا مجال لإنكاره. فهو محسوسٌ ولا يُمكن إنكاره، ومن يُنكره فكأنّما يُكابر. فلا شكّ في هذه القضيّة.
وفي هذا المجال، نجد اليوم أنّ بعض غير التابعين للثقافة الإسلاميّة يعترفون بهذا الأمر، وتحدّثوا عنه، وألّفوا كتبًا عن الاختلاف بين الرجل والمرأة والتكليف الذي يقع على عاتق كلٍّ منهما بناءً على هذا الاختلاف؛ بل كتبوا كتبًا قيّمةً، وذكروا أمورًا جيّدةً ومقالاتٍ قيّمةً.
فمن الطبيعيّ أن يعود الإنسان إلى فطرته، فيُدرك ما يخالف ما هو مطروحٌ في الظاهر. أي أنّه يرى ويعترف بتلك الحقائق الموجودة في هذا العالَم، بمعزلٍ عمّا يطرحه بعضهم تبعًا لمصالحهم الخاصّة. وفي هذا المجال، ألّف الغربيّون أيضًا كتبًا وقدّموا اعترافاتٍ. وحتّى الكِتاب الذي أُلّف مؤخّرًا ـ ومن المفترض أن يكون قد تُرجم ومؤلّفته قاضيةٌ في نيويورك ـ هو كتابٌ قيّمٌ جدًّا يتناول الاختلافات القائمة بين الرجل والمرأة وتكليف كلٍّ منهما، حيث انتقدت فيه الثقافة الغربيّة بشدّةٍ، وقالت إنّهم وضعوا المرأة في غير مقامها الذي وهبتها إيّاه الطبيعة ـ حسب تعبيرها ـ ويجب أن يعودوا إليه، وينبغي أن نصل إلى تلك النقطة التي تُمثّل الواقع. وإلاّ فإنّ آثار ذلك هي ما نُشاهده الآن، ولم يتغيّر شيءٌ؛ فلم يُؤثّر التقدّم التكنولوجيّ والتقنيّ والارتقاء العلميّ في القضايا الأساسيّة ورؤى الناس بتاتًا؛ نعم، كان كلّ هذا مفيدًا لمن يبحث عن الحقيقة ويُريد فهم الأمور. فلا شكّ في هذا، ولكن بالنسبة لعامّة الناس، فالأمر ليس كذلك؛ بل إنّ الأفكار التي تحكم المجتمعات اليوم، إن لم نقل إنّها أكثر انحطاطًا وبعدًا عن الأفق الإنسانيّ والقيم الإنسانيّة لأهل الألف والألفين والثلاثة آلاف سنةٍ الماضية، فهي على الأقلّ في مستواهم وليست بأرقى!
إنّ ما يشهده الإنسان ويسمعه، وما يراه من أفكار أصحاب هذه التوجّهات ورؤاهم، مُقزّزٌ حقًّا ومُثيرٌ للغثيان. فعندما يرى المرء إنسانًا في هذا العصر ـ عصر الازدهار العلميّ ـ كيف يطرح أفكاره في الخارج، ويُمارس أعماله، وما هي القيم التي يقبلها وتلك التي يرفضها، فإنّه يتألّم ويتأسّف حقًّا! فمن المؤسف جدًّا أن يأتي إنسانٌ في هذا العصر، ليطرح مسائل تدلّ على استغنائه، وعدم حاجته للرابط بين عالَم المادّة وعالَم الملكوت. فهذا البُعد عن الواقع يتطلّب من المرء أن يغضّ الطرف عن كلّ الوقائع ويدوس على كلّ شيءٍ.
لقد كان الإشكال على عرب الجاهليّة هو: كيف يدفنون ابنة الرابعة أو الخامسة حيّةً بأيديهم؟! هل هذا واضح؟! فكيف بِمَن يُطلق صاروخًا على طائرةٍ تُقلّ أبرياء من مكانٍ إلى آخر ـ وفيها الشيخ الطاعن في السنّ، والرضيع، والمرأة، وكلّهم لا علاقة لهم بالسياسة ـ ليُقطّعهم أشلاءً؟! فأيُّهما أسوأ؟! فإذا أردنا تجريده من الإنسانيّة، فيجب حتمًا أن نُطلق عليه اسم الحيوان؛ لأنّه يرى بعينيه أنّهم مدنيّون، ومع ذلك يُطلق النار. فذلك الذي يقود طائرةً، ويرى الأطفال يلعبون في ساحة المدرسة، ثمّ يُلقي عليهم القنابل، هل هو أكثر حيوانيّةً، أم ذلك العربيّ الذي يدفن ابنته حيّةً؟! فهذا يُشاهد احتراقهم من الأعلى، ويُلقي القنبلة! فأيّهما أكثر حيوانيّةً؟! وأيّهما أبعد عن الإنسانيّة؟! وقِسْ على هذا؛ أيًّا كان هذا الفرد؛ مسلمًا كان أم مسيحيًّا؛ شيعيًّا أم سنّيًّا؛ عالِمًا أم غير عالِمٍ؛ لا فرق أبدًا. فالمقصود هو الوقوع في أسر النفس الأمّارة، والابتعاد عن ثقافة التوحيد وأولياء الله تعالى. فمن ابتعد عن تلك الثقافة، سيقترف أيّ شيءٍ. وفي أيّ زيٍّ ومقامٍ كان، سيفعل ذلك. وإن لم يفعل، فمن الواضح أنّ مصلحته لم تقتضِ ذلك، أو لم يكن قادرًا عليه؛ فتراه يفعل أيّ شيءٍ لتحقيق مآربه وأموره النفسانيّة.
ولا يُمكن للزيّ أن يمنع الإنسان من التخلّي عن أموره النفسانيّة وثقافته! فهذه النفسانيّات تأسر العقل في النفس، وتأسر الفطرة، ثمّ يكون ظهورها في الخارج ما نشاهده! فلا فرق أبدًا! فبمجرّد أن يقتضي الأمر حِفظ ماء وجهه، ترى الإنسان يفعل أيّ شيءٍ، ويُسمّي فعله هذا بأيّ اسمٍ.. بأيّ اسمٍ يليق به، ولا تهمّ التسمية! فهو يضع هذه التسمية لخداع العوامّ، ويمضي في عمله.
مقامُ الخلافةِ الإلهيّةِ للإنسانِ ومجلَى تجلّياتِ الأسماءِ
وفي القضاء الكلّي الإلهيّ، المسألة هي أنّ الإنسان حقيقةٌ واحدةٌ، ولها هذه الخصائص: فهي تمتلك مقام الخلافة الإلهيّة، وحائزة على الأسماء الكلّية وجامعيّة الأسماء والصفات الكلّية؛ ولذلك، خُلعت عليها خلعة الخلافة الإلهيّة والنيابة؛ أي: هي ذلك الوجود النازل والمُتجسّد لله تعالى في عالَم الأعيان والخارج، وهذا ما يُسمّى بخليفة الله.۱
إنّ آثار الله تعالى موجودةٌ في كلّ مكانٍ، وآياته موجودةٌ في كلّ مكانٍ: ﴿سَنُرِيهِم ءَايَٰتِنَا فِي ٱلأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِم حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ ٱلحَقُّ﴾.٢ فالآيات موجودةٌ في كلّ مكانٍ، والعلامات موجودةٌ في كلّ مكانٍ، ولكنّ الله تعالى لم يُطلق مقام الخلافة الإلهيّة على أيّ موجود [غير الإنسان]؛ لأنّ بقيّة الموجودات تمتلك حصّةً من مراتب الوجود التي هي الأسماء، لكنّها لا تمتلك جميع الأسماء، ولا جميع الصفات؛ في حين أنّ الإنسان حائزٌ على جميع تلك الأسماء والصفات؛ ٣ولهذا، يُمكنه أن يكون خليفةً.. خليفةً إلهيًّا في الاسم الفلانيّ، وخليفةً إلهيًّا في الاسم الفلانيّ، وخليفةً إلهيًّا في الصفة الفلانيّة، وخليفةً إلهيًّا في المسألة الفلانيّة؛ فماذا يُصبح هذا؟ هذا هو مقام الخلافة الإلهيّة. وهذه المسألة عجيبةٌ وعظيمةٌ جدًّا؛ فهي قضيّةٌ ساميةٌ جدًّا. وكما بيّنتُ سابقًا قبل فترةٍ، فإنّ المسألة عظيمةٌ لدرجة أنّ الإنسان لا يجرؤ حتّى على طرحها؛ وهي أنّه: عندما يصل مقام الخلافة الإلهيّة هذا إلى الفعليّة، فماذا سيحدث؟ وأيّة مسائل ستقع؟ وأنا لم أجرؤ حتّى الآن على بيان ذلك! فبمَ يرتبط هذا؟ يرتبط هذا بمسألة الخلافة الإلهيّة، حينما يُريد الإنسان أن يصل إلى ذلك المقام المُتمثّل في استجماع الصفات والأسماء الكلّية؛ وهذا يفوق تصوّرنا، ولا يُمكننا حتّى تصوّره!
وعندما يبرز مقام الخلافة الإلهيّة هذا، ويظهر في عالَم الأعيان، فإنّه سيأخذ هذا الشكل وهذه الكيفيّة. وهذا يرتبط بالأعيان الخارجيّة، ويرتبط بالعينيّة الخارجيّة، حيث يُصبح أحدهم رجلاً، وتُصبح الأخرى امرأةً؛ ويحوز أحدهما على هذه الخصيصة، ويحوز الآخر على خصيصةٍ أخرى؛ وهكذا تختلف الأفكار والأوصاف. وكما تختلف المسائل والحالات الظاهريّة، فإنّ الحالات الباطنيّة تختلف أيضًا. وهذا يرتبط بالأعيان الخارجيّة. ولكنّ حقيقة مقام الخلافة الإلهيّة ـ التي هي حقيقة الإنسان ـ تعود إلى حقيقةٍ واحدةٍ لا ذكورة فيها ولا أنوثة. ففي الأساس، لا معنى للمذكّر هناك؛ فلا مذكّر فيها ولا مؤنّث! فتلك هي حقيقة الإنسانيّة. وتلك هي مسألة ﴿وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾.٤
ولعلّ رأي أفلاطون يُشير ـ في قضيّة المُثُل النوريّة المرتبطة بالإنسان ـ إلى هذه الحقيقة الواحدة التي تنشأ منها تلك الحقائق المختلفة. وبالطبع، فإنّ لمحيي الدين [ابن عربي] أيضًا كلام في هذا المجال في «فصوص الحكم»، وقد وسّع المسألة كثيرًا في «الفتوحات المكيّة». فتلك المسألة المتعلّقة بالمُثُل تظهر هناك بصورة الحقيقة النوريّة الإنسانيّة الموجودة في نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله. ويُمكننا طرح المسألة هنا بهذه الكيفيّة. وعلى كلّ حالٍ، فإنّ تلك الحقيقة النوريّة ـ التي بوسعكم تسميتها مجلَى الولاية أو مجرَاها أو ظهورها: «نَحْنُ صَنائِعُ اللهِ وَالْخَلْقُ بَعْدُ صَنائِعُ لَنا»؛۱ أو تسميتها واسطة الفيض، و «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ...»،٢ وجميع هذه الروايات الواردة في هذا المجال ـ يُمكن أن تجد مكانتها.٣
وهذه القضيّة ترتبط بتلك الحقيقة الواحدة التي تُمثّل حلقة الوصل الأولى بين الحقائق الخارجيّة وبين نزول ذلك الاسم والصفة الإلهيّين الخاصّين بتكوّن هذه الحقائق الخارجيّة. فماذا تُصبح تلك الحلقة الأولى؟! تُصبح هي المُثُل الأفلاطونيّة. لقد ذكرتُ هذا في مورد الإنسان، ويُمكنكم تطبيقه على الأسد أيضًا؛ وعلى الفيل، والحصان، والكلب، والغراب، والحمار، والحيّة، والحيوانات، والجمادات وما شابه ذلك. أي أنّ جميع هذه الموجودات، ورغم الاختلافات فيما بينها، عندما تصل إلى تلك النقطة، فإنّ جميع هذه الاختلافات تتنحّى جانبًا، وتتحوّل إلى حيوانٍ خاصٍّ يمتلك نافذةً خاصّةً لظهور الاسم الفلانيّ؛ وعندما يتنزّل في هذا العالَم، فإنّكم ترونه بهذا الشكل. ولكن، يجب أن تعلموا أنّه لم يتحوّل إلى هذا الشكل عبثًا وبلا حسابٍ، ولم تستقرّ هذه الحالة فيه بلا سببٍ أو عن طريق الصدفة؛ بل إنّ هذا التحوّل قد حصل له في هذا العالَم بواسطة النزول من تلك المرتبة التجرّدية وتلك النوعيّة الكلّية التي يمتلكها هناك. وهذا هو خلاصة كلام أفلاطون؛ أي أنّ القضيّة هي هذه؛ فتوجيه كلام أفلاطون هنا يكون بهذه الطريقة، ويعود إلى هذه المسألة.
ويُبيّن المرحوم السيّد الميرداماد هذه المسألة بأسلوبٍ آخر. وبالطبع، توجد بعض النقاط الدقيقة في كيفيّة تقريره سأعرضها الآن. ولكنّ لبّ كلامه يعود إلى هذه المسألة نفسها؛ أي: إن لم نُرد التدقيق المُفرط في التعبيرات التي أوردها ـ لأنّ هناك مسائل تستحقّ التأمّل أيضًا ـ نقول: إنّه يُريد بيان هذا الأمر هنا أيضًا؛ غاية الأمر أنّه يستخدم تعبيراتٍ وأمثلةً خاصّةً به يُبيّن بها هذه المسائل.
ففي التقسيم الذي فرّق فيه بين الأعيان الخارجيّة والمُلكيّة، وبين الحقائق المجرّدة، وضع تلك الحقائق المُلكيّة في رتبةٍ متأخّرةٍ عن مرتبة القضاء؛ ولنا هنا رأيٌ! فهو يتصوّر أنّ حقيقة الأمر في العلم العنائيّ للحقّ تعالى تعود إلى القضاء الكلّي واللوح المحفوظ؛ وهذا اللوح المحفوظ يختلف عن لوح المحو والإثبات الذي يُمثّل مرتبة القدر حيث يتمّ التقدير هناك. وهو يرى هذه المسألة في ذلك اللوح المحفوظ بنحوٍ كلّي؛ رغم أنّه لا يُنكر الارتباط بين اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات، ولا يرفض الاتّصال بين المُلك ـ الذي هو غير مجرّدٍ ـ وتلك الحقيقة المجرّدة الخاصّة به. وتبرز هنا شبهةٌ سنتطرّق إليها إن شاء الله تعالى في اليوم التالي.
أسرارُ المقاماتِ "البقائيّةِ" لسيّدِ الشهداءِ في كربلاء
التلميذ: لقد ذكرتم هذه المسألة بالنسبة للإمام الحسين عليه السلام،۱ وأنّه فيما يتعلّق بفلسفة قيام الإمام الحسين والأحداث التي وقعت في كربلاء، فإنّها تفوق الإمامة: «وَإِنَّ لَكَ فِي الْجِنَانِ لَدَرَجَاتٍ لَنْ تَنَالَهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ».٢ وقد بيّنتم سابقًا مسألةً وهي أنّ المقام كان مقام رسول الله. فإذا كان مقام رسول الله هو مقام الإنسان الكامل، ألم يصل الإمام عليه السلام نفسه إلى تلك المرحلة؟
الأستاذ: انظروا، لقد بيّنتُ هناك أيضًا أنّ مسألة الوصول إلى مرتبة الكشف الكلّي هي من لوازم الإمامة؛ لأنّه لا ينبغي أن يوجد أيّ أمرٍ مجهولٍ عند الإمام، ونفسُ الإمام مُنزَّهةٌ عن أيّة نقطة ضعفٍ أو مرتبةٍ استعداديّةٍ لم تصل إلى الفعليّة. فنفس الإمام واصلة إلى مرتبة ذلك الشهود الكلّي؛ وبواسطة ذلك، يمتلك الإمام تلك القدرة والولاية والاقتدار على جميع زوايا الوجود في العالَم المجرّد وعالَم المادّة، وبسبب ذلك، يُشرف على جميع زوايا الوجود.. هذا هو الإمام! ومسألة الانجذاب، ومسألة الترقي والنموّ والتكامل والتربية، كلّها مسائل تندرج في هذا الإطار. هذه مرتبةٌ؛ وهي مرتبة يحوز عليها جميع الأئمّة. فبمجرّد أن يكون إمامًا، فهو يحوز على هذه المرتبة.
ولكن، هناك خصائص ترتبط بمراتب البقاء، ولا علاقة لها بمرتبة الفناء. وتلك الخصائص "البقائيّة" تختلف في كلّ إمامٍ؛ فهي بنحوٍ عند الإمام السجّاد، وبنحوٍ آخر عند الإمام الجواد، وبنحوٍ آخر عند الإمام الهادي، وبنحوٍ آخر عند إمام الزمان. وتلك الخصائص البقائيّة التي ترتبط بوضعهم وسعتهم الوجوديّة، تتعلّق بكيفيّة الوجود؛ أي: بنحو السعة الوجوديّة لكلّ واحدٍ منهم. وتلك السعة الوجوديّة هي في الوقت نفسه عبارةٌ مجملةٌ ومطلقةٌ. فنحن نتصوّر أنّ هذا الفنجان مثلاً سيتحوّل الآن إلى وعاءٍ! ولكنّ السعة الوجوديّة ليست كذلك؛ فالسعة الوجوديّة تعني انكشاف أسماء الله تعالى وصفاته في أطوارٍ مختلفةٍ وفي تبدّلاتٍ وتحوّلاتٍ متنوّعةٍ. فالمسألة تتعلّق بظهور هذا الاسم الكلّي؛ لأنّ نفس الذات، وتجلّي هذه الذات في حدّ نفسه، يَبرُز ويَظهَر بواسطة هذا الاسم؛ أي أنّ كلّ ما يُريد الإنسان الحصول عليه من شهودات الذات وانكشافاتها، يقع في مرتبة الاسم. ويعتمد ذلك على كيفيّة ظهور هذه الذات وتجلّيها في هذا الاسم؛ وبذلك المقدار، يستفيد الإنسان من مصداقيّة الذات والاتّصاف بتلك الصفة. فالمراد من: «إِنَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ لَدَرَجَةً لا تَنَالَهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ» أنّ هناك تجلّياتٍ من تجلّي الذات في مرتبة الاسم؛ وهذه التجلّيات لا تتحقّق إلاّ في هذه الظروف، وإلاّ، فلن تكون تلك التجلّيات موجودةً! ولدينا رواياتٌ حول غير سيّد الشهداء أيضًا. غاية الأمر، ما هي المسألة المتعلّقة بسيّد الشهداء؟ حسنًا، لم يُبيَّن لنا ما هي تلك التجلّيات، وهي غير قابلةٍ للفهم للناس العاديّين! فهذه الأمور لا يعرفها سوى أولياء الله تعالى.
الرضا المحضُ للإمامِ بالبلاءِ والفرقُ بين مراتب الأئمّة
أ لم يرِد في غزوة أُحد بشأن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّ جبرئيل قال له: «يا رسول الله! ادعُ الله على هؤلاء»، ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بدلاً من الدعاء عليهم، كان يدعو لهم قائلاً: «اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»؛۱ في حين أنّ جبرئيل كان يقول له: إنّ هذا لن يُنقص من مرتبة رسالتك. وهذا عجيبٌ! فمرتبة الرسالة تعني مرتبة الاتّصال بنا. وتلك المرتبة محفوظةٌ؛ والوحي محفوظٌ؛ والإلقاءات محفوظةٌ؛ وشهودك محفوظٌ. فما الذي يحصل في البين إذن؟ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يختار هذا الجانب في النهاية: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي». فما الذي يُعطى للنبيّ في اختياره لهذا الجانب؟ إنّها تلك التجلّيات الذاتيّة التي يجب على الإنسان العبور منها؛ فيجب أن يعبر من هذه المرتبة. وقد تكون هذه المرتبة بواسطة الآلام الظاهريّة؛ وقد تكون بواسطة الآلام الباطنيّة، بل قد تكون أسوأ من الآلام الظاهريّة. فقد يقول قائلٌ: «أن أُقتل ألف مرّةٍ أهون عليّ من هذا الوضع!»، وهو ثابتٌ على موقفه!
لقد كان لسيّد الشهداء نوعٌ من التجلّي الخاصّ الذي استوجب وقوع قضيّة كربلاء؛ وإلاّ، فإنّ إمامة الإمام عليه السلام ثابتةٌ في مكانها، وهدايتُه لجميع النفوس ثابتةٌ، وولايته ثابتةٌ، وحكومته على المُلك والملكوت ثابتةٌ. فكلّ شيءٍ ثابتٌ في مكانه، ولكنّ ذلك التجلّي ليس موجودًا! وتلك الخصيصة ليست موجودةً! فهذا شيءٌ آخر؛ وتلك تُصبح مرتبة البقاء.
التلميذ: ألا يمتلك الإمام الحسين ما يمتلكه رسول الله؟
الأستاذ: كلاّ! كلاّ! فلكلٍّ منهما نحوه الخاصّ؛ غاية الأمر أنّه كان يجب أن يتحقّق لسيّد الشهداء ذلك النحو من تجلّي الذات، وذلك التجلّي الخاصّ، إضافةً إلى مسألة الإمامة؛ هذه هي المسألة. والآن، هل يُمكننا القول إنّ الإمام الحسين يمتلك تلك الخصيصة بينما لا يمتلكها الإمام السجّاد؟ لا يُمكننا قول ذلك؛ فهذا لا يُثبت شيئًا. فربّما كان للإمام السجّاد شيءٌ آخر، وربّما كان للإمام الباقر شيءٌ آخر. ولكن، بالنسبة لسيّد الشهداء، فإنّ الوصول إلى هذه المرتبة كان يتطلّب كربلاء! هل اتّضح ما أقوله أم لا؟!
التلميذ: هل من لوازم هذه المرتبة لسيّد الشهداء عليه السلام أن يأخذ معه النساء والأطفال؟
الأستاذ: نعم، جميع ذلك! جميع ذلك! فمن يثبت على ذلك، فهذا يعني: «إِنَّ اللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»؛۱ أي هذا هو الأمر. فالمشيئة والتقدير هما أن يكنّ سبايا، وأن يكون هناك غلٌّ وقيدٌ، وأن يكون مجلس يزيد بهذا الشكل، ومجلس ابن زياد بذلك الشكل؛ فقد كان يرى جميع هذه الأمور بدقّةٍ، واحدةً تلو الأخرى، ولحظةً بلحظةٍ! ألم يكن الإمام الحسين يرى مجلس يزيد قبل شهادته؟! دع عنك الإمام الحسين، فإنّه حتّى تلميذ تلميذ تلميذ تلميذ تلميذ تلميذ تلميذ الإمام الحسين عليه السلام كان يرى ذلك! وحتّى التلامذة الصغار للمدرسة كانوا يرون ذلك، فكيف بالإمام الحسين؟! هل تظنّون أنّ الإمام الحسين لم يكن يرى أحداث الكوفة؟! هل قال: «إلهي، رِضًا بِقَضَائِكَ»٢ وهو مُغمَض العينين؟! لقد كان يرى كلّ شيءٍ! كان يرى كلام السيّدة زينب، وكان يرى وضع السيّدة أمّ كلثوم، وكان يرى الذهاب إلى مجلس ابن زياد، وكان يرى يزيد؛ كان يرى كلّ هذا؛ وكان يتقبّل كلّ ذلك بفهمٍ وتعقّلٍ وقبولٍ ورضًا وبهجةٍ كاملةٍ وابتهاجٍ تامٍّ وانبساط خاطرٍ، قضيّةً تلو أخرى؛ ولم يكن ذلك بعبوسٍ وضغطٍ، بل برضًا كاملٍ! ولكن، ماذا عنّا نحن؟! قد نتقبّل نحن مسألةً ما، ولكنّنا نُطلق ألف شتيمةٍ لله تعالى، قائلين: يا إلهي، لماذا حدث هذا؟! ولماذا حدث ذاك؟! كلاّ! فقضيّة الإمام الحسين والسيّدة زينب هي: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً!»؛٣ وهذا الاستثناء «إِلَّا جَمِيلاً» يعني أنّه لا عبوس في الأمر! ولا انزعاج فيه! بل فيه استقبالٌ وترحيبٌ! بل هي تستقبل هذه المسألة! ولكنّ بكاءها كان في محلّه، وتألّمها في محلّه، وكلّ هذه المسائل في محلّها. فأنتم لا ترون أيّ تذبذبٍ أو شكٍّ في الإمام الحسين في قضيّة عاشوراء. ولا ترون فيه حتّى خطور فكرة: «ماذا لو لم يحدث هذا...»، أو «ماذا كان سيحدث لو...»! أنتم لا ترون هذا في الإمام الحسين! بل ترون أنّه يتّخذ مسارًا واحدًا في أعماله؛ طريقةً واحدةً في الكلام، وطريقةً واحدةً في التفكير، ومسارًا واحدًا يبدأ من الأوّل ويستمرّ ويستمرّ حتّى عندما يسقط صريعًا ويُستشهد، فهو هو؛ طريقٌ واحدٌ، وتفكيرٌ واحدٌ، ومسارٌ واحدٌ، ورضًا وتسليمٌ واحدٌ، وانبساطٌ وابتهاجٌ واحدٌ. ويُقال إنّه: كلّما اقترب من الشهادة، «كان وجهه يزداد إشراقًا وانفتاحًا».٤ فهذه القضيّة بالنسبة للإمام الحسين هي بهذه الكيفيّة؛ أمّا كيف كان الأمر بالنسبة لبقيّة الأئمّة، وهل كان موجودًا أم لا، فنحن لا نعلم، ولا خبر لدينا عن ذلك!
التلميذ: ألا توجد لدينا روايةٌ۱ تُفيد بأنّ إمام الزمان أفضل من جميع الأئمّة باستثناء أمير المؤمنين؟٢
الأستاذ: أجل!
التلميذ: ألا يدلّ هذا على هذه المسألة؟
الأستاذ: كلاّ! ذلك أمرٌ آخر، ولا علاقة له بهذا.
التلميذ: التجلّيات...
الأستاذ: كلاّ!
التلميذ: فبمَ يرتبط إذن؟
الأستاذ: تلك القضيّة ترتبط بالسعة الوجوديّة المتعلقّة بنحوِ ارتباط الإمام، والمسائل التي يجب أن تتحقّق؛ والقابليّة، والتحمّل، والصبر؛ وخلاصة القول: الخصائص التي هي من لوازم إدارة الإمام وتدبيره بواسطة جهة ارتباطه تلك. هكذا يبدو الأمر؛ وهكذا أتصوّره أنا؛ وإن كان هناك شيءٌ آخر، فلا علم لي به.
فمسألة الظهور هذه هي قضيّةٌ تتطلّب مثل هذه القابليّة، وهذه المسألة تقتضي مثل هذه السعة. ولعلّ مثل هذه المكانة والسعة والقابليّة والخصيصة تعود إلى مسألة إدارة الارتباطات والمسائل نفسها؛ وهذه المسألة لعلّها ليست بهذا النحو والكيفيّة في سائر الأئمّة، بل هي تتطلّب قدرةً أخرى، سواءٌ من الناحية الظاهريّة الجسميّة، أو من ناحية تلك السعة النفسانيّة.
التلميذ: أي أنّ الظهور يتأخّر لدرجة أنّه يجب أن تكون نفس الإمام في ظروفٍ تُمكّنه من تنفيذ قضيّة تدبير العالَم؟
الأستاذ: أجل! يجب أن تكون الظروف...
التلميذ: أي أنّ الأئمّة الآخرين قد لا يمتلكون هذه القدرة؟
الأستاذ: انظروا! نحن لا نُريد القول إنّهم لا يمتلكون القدرة. فالإمام إمامٌ في النهاية، والإمام مسلّطٌ وحاكمٌ على كلّ المُلك والملكوت؛ ولكن، ما الذي يجري في نفس الإمام نفسه، فنحن لا نعلم ذلك، ولا نعلم ما الذي يجري في ذاته. فما نراه نحن هو الآثار؛ كأن نرى الإمام يفعل كذا، ويُخبر بكذا، ويطرح هذه المسألة؛ أمّا ما هي المسائل الموجودة في الإمام نفسه وفي نفسه وذاته، فلا علم لنا بها!
التلميذ: هل يُطلق عليه «بقيّة الله» بسبب هذه الجهة... حيث إنّ الأنبياء والأئمّة الآخرين لم يكن لديهم قضاءٌ إلهيٌّ.
الأستاذ: ليس الأمر أنّهم لم يكونوا يمتلكون ذلك؛ أجل، بالنسبة للأنبياء، لم يكونوا يمتلكون هذه الأمور.
التلميذ: أليس المقصود هو ما ورد في قضيّة شعيب: ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيرٌ لَّكُم إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ﴾٣؟
الأستاذ: كلاّ! كلاّ! ففي مسألة الظهور، ليس الأمرُ مجرّدَ ظهورٍ لشيءٍ خارجيٍّ خاصٍّ كتعيين حاكمٍ أو والٍ أو محافظٍ وإدارة الأمور؛ بل في قضيّة الظهور، وبشكلٍ عامٍّ، فإنّ هذا الظهور يقع في كلّ المُلك والملكوت. وحتّى في الملكوت توجد قضيّة الظهور! فالمسألة ليست مجرّد إدارةٍ عاديّةٍ للأمور.
التلميذ: لقد أورد المرحوم العلاّمة هذا التعبير باختصارٍ ومرورٍ عابرٍ في كتاب «معرفة المعاد»؛۱ ويبدو أنّه كان يطرح هناك بحث الرجعة. فبحث الرجعة بالنسبة لمرتبة القيامة التي يجب أن تقع أصلاً، وهو يظهر قبلها؛ فبحث الظهور يتحقّق تكوينيًّا في الواقع.
الأستاذ: يجب أن يتحقّق.
التلميذ: ثمّ بحث الرجعة، وبعده القيامة.
التلميذ: هو في المجلّد الرابع. وقد أوضح ذلك باختصارٍ شديدٍ في سطرين أو ثلاثة.
التمايزُ المصيريّ لأصحابِ الحسينِ ليلةَ عاشوراء
التلميذ: سيّدي، بالنسبة للرواية التي نقلها أحد الرفقاء بخصوص أصحاب سيّد الشهداء، وقلتم إنّ وجه الإمام كان يزداد إشراقًا، فإنّ تتمّتها تقول إنّ بعض الذين كانوا معه كانوا مضطربين.
الأستاذ: أجل.
التلميذ: أي أنّ جميع الأصحاب لم يكونوا هكذا؟
الأستاذ: «كَانَ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ...».
التلميذ: أي أنّ جميع الأصحاب لم يكونوا هكذا؟ أي أنّهم كانوا مضطربين؟ فماذا كان الأمر؟
الأستاذ: لم يكونوا مضطربين؛ كلاّ! فهم يقولون مثلاً: انظر إلى فلان...! فأحدهم ينقل القضيّة للآخر. وفي مقام النقل، كان أحدهم يقول هذا للآخر. والآن، الباقون يرون ذلك أيضًا. فلم يكونوا مضطربين. ولماذا يضطربون؟! «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ لَا يُبَالِي بِمَوْتِهِ، وَكُلَّمَا اشْتَدَّ...».٢
التلميذ: عبارة «مَنْ مَعَهُ» لا تعود إلى «قَالَ»! أي أنّكم تُرجعون «وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُ» إلى «قَالَ»؟!
الأستاذ: أجل أجل أجل! لقد كان تصوّري أنّها تعود إلى هذا... أقول في قضيّة «بَعْضُ مَنْ مَعَهُ»، قد يكونون هم أصحاب الإمام الخاصّين، كإخوته أو أبنائه أو الذين كانوا في كربلاء يوم عاشوراء؛ فهؤلاء كانت لهم مراتب مختلفةٌ؛ ولم يكونوا جميعًا في رتبةٍ واحدةٍ.
التلميذ: أليس هذا الشوق إلى الموت هو أدنى الدرجات؟ الشوق إلى الموت، الشوق إلى الشهادة و ...
الأستاذ: أجل، الشوق إلى الموت والشهادة هو كذلك، ولكنّ هذه ليست مسألةً مهمّةً جدًّا بالنسبة لهم؛ بل هي مهمّةٌ بالنسبة لنا! أمّا بالنسبة لهم، فلا! بالطبع، هذا بعد أن هيّأوا أنفسهم للشهادة! لا قبل ذلك! ففي البداية، لم يفعل الإمام ذلك؛ ففي ليلة عاشوراء، قال لهم: «انصرفوا!». فقد تقدّم الإمام أوّلاً من هذه الجوانب الظاهريّة والعاديّة؛ وقال: «غدًا من يبقى، فلا حياة له!». حسنًا، هذا هو الخبر الذي وصلهم. والإمام صادقٌ؛ الإمام صادقٌ. فلم يكن هناك حتّى ذلك الحين أيّ شيءٍ من المقامات والدرجات وما شابه ذلك ليُظهره لهم. ولو أظهرها، فلا فائدة من ذلك. فلو أراد أن يُظهرها للذين انصرفوا، لربّما لم ينصرفوا أيضًا؛ لأنّهم سيرون أنّ لهم مثل هذه المكانة إن بقوا واستُشهدوا. أي: لو أراد الإمام أن يخلق وعيًا لشخصٍ ما قائلاً له: إن بقيت، فستصل غدًا إلى هنا [أي مقام الشهادة الرفيع]، فربّما لن يذهب هذا الشخص. فعالَم الامتحان يجب أن يبقى في محلّه! ويجب أن يكون خاليًا من هذه المسائل، وخاليًا من هذه الكشوفات النفسانيّة واللذائذ النفسانيّة؛ فينبغي أن يكون عالَم الامتحان والاختبار والإيثار هذا موجودًا.
المراتبُ العرفانيّةُ المتفاوتةُ لشهداءِ كربلاء واتّصالُ السرّ
وعندما أدركوا أنّ المسألة هي هذه؛ أي أنّهم سيُقتلون إن بقوا، قالوا: «ولماذا نبقى إذن؟!». فتبين أنّ جميعهم كانوا ـ في مجيئهم مع سيّد الشهداء ـ من أهل الدنيا؛ ولم يكونوا من أهل العقبى. فقد كان ذلك من أجل المسائل والرئاسات وما شابه ذلك! لقد جاؤوا ليصلوا إلى شيءٍ! لأنّه لو كان من أهل العقبى، لقال: «بسم الله إذن! لقد مُدّت المائدة، فلماذا تذهب إذن؟ لقد انتظرتَ عمرًا كاملاً من أجل هذه اللحظة! فكيف تتركها الآن وتذهب؟! تنهض وتذهب من وسط المائدة في اللحظة الحاسمة!». إذن، يتبيّن أنّهم لم يكونوا من أهل العقبى، بل من أهل الدنيا. وعندما ذهب هؤلاء، تمايز الذين كانوا من أهل العقبى، وهم لم يروا أيّ شيءٍ بعدُ.. انتبهوا! لم يُشاهدوا أيّ شيءٍ. ولكن الآن وقد تمايزوا، قال الإمام: «حسنًا، بما أنّ الأمر قد حُسم، فسنُعطيكم شيئًا! سنُذيقكم حلاوته من هذه الليلة لتروا كيف هي الأوضاع! سنُريكم جزءًا يسيرًا الآن، ونترك الباقي لوقته، وإلاّ، لقطّعتم أنفسكم إربًا إربًا الآن! فاصبروا حتّى الغد، ولا تتعجّلوا!».
ولهذا، كان أصحاب سيّد الشهداء يُلقون بأنفسهم في جيش العدوّ ليُقطَّعوا إربًا إربًا، خوفًا من أن يضيع منهم ما رأوه! فماذا رأوا يا سيّد...؟!
يُقال إنّ مسلم بن عوسجة كان يمزح! فقد كانوا يتنازعون على الحوريّات! كانوا يتشاجرون! وكان يقول: «سآخذ خاصّتك!».. كانت هناك مثل هذه الأمور! كانوا يُمازحون بعضهم بعضًا!۱
هم يقولون مثل هذه الأشياء، ويجب علينا أن نُحقّق لنرى كيف كانت القضيّة. فبعضهم عندما رأوا هذه المسائل، تولّد لديهم الشوق لتلك المرتبة؛ ولكن، كان هناك بعضهم الآخر ممّن لم يكن كذلك، بل كانوا قد رأوا هذه الرؤى مسبقًا! وكانوا قد طووا هذه المسائل سابقًا. فحبيبٌ وعابسٌ وأمثالهم كانوا ممّن يمتلكون هذه المراتب مسبقًا. وكلّ واحدٍ منهم كانت له خصائصه. فالشوق إلى المراتب التي شاهدها أحدهم هو ما يدفعه للأمام. وبالطبع، جميعهم كانوا مجتمعين في وحدةٍ ولائيّةٍ للإمام! ولا ينبغي لنا ـ لا سمح الله ـ أن نستخدم تعبيرًا يوجب وَهنَهم.. كلاّ! فقد كانوا جميعًا سكارى من ذلك الشراب الطهور لسيّد الشهداء؛ ولكنّهم أنفسهم كانوا متفاوتين في أفق رؤيتهم. فما كان يراه حبيب بن مظاهر ويُريد الاستشهاد للوصول إليه، لم يكن الحُرُّ يراه قطعًا، ولم يكن يخطر على بال أجداده حتّى! أو مثلاً ما كان يُشاهده أبو الفضل العبّاس عليه السلام وكان يُريد أن يخلع لباس البدن [لأجله] بسرعةٍ، فأنّى يُمكن للأشخاص العاديّين الآخرين الموجودين هناك أن يروه؟!
أو مثلاً عليّ الأكبر عليه السلام، والذي يُعدّ تالي تلو الإمام في الأساس. لقد كان تالي تلو الإمام! فلو لم تصل الإمامة إلى الإمام السجّاد، لكانت الإمامة قد وصلت في تقدير الله إلى عليّ الأكبر عليه السلام. فقد كانا يتقدّمان معًا في الأساس؛ غاية الأمر أنّ تقدير الله وقع على الإمام السجّاد. فأنّى للأشخاص العاديّين أن يروا مثل هذا الأمر؟! فنحن نرى الأمر ببساطةٍ أنّه كان ابن الإمام الحسين، وكان يبلغ من العمر نيفًا وثلاثين عامًا، وقد استُشهد! وهذا مثل ذلك الرجل الذي كان يقول: «يا حسين! إن قدّمتَ أنت عليًّا الأكبر واحدًا، فقد قدّمنا نحن آلافًا من عليّ الأكبر! وإن قدّمتَ أنت حبيب بن مظاهر واحدًا، فقد قدّمنا نحن آلافًا من حبيب بن مظاهر!»؛ وهذا لا يسعنا إلاّ أن نقول له: «إنّنا نأسف لحالك كثيرًا! نأسف حقًّا!».
فكم هو متدنٍّ مستوى تفكيرهم! كم هو متدنٍّ! فهم لا يرون حبيب بن مظاهر إلاّ في اللحية البيضاء والشعر الأبيض! هذا هو الأمر فحسب! وحينئذ، لو جاء حبيب بن مظاهر، وصبغ شعره بالأسود ـ فهناك أدويةٌ تُدهن على الرأس واللحية فتجعلهما أسودين ـ وأجرى عمليّتي تجميلٍ في وجهه، وصبغ شعرَه، وهذّب رأسَه ووجهه قليلاً ليُصبح في الثلاثين من عمره مثلاً، لأصبح مثل بقيّة الشباب!
هناك بعض عمليّات التجميل؛ ولا أدري، مثل حقن الجلّ وما شابه! فبعضهم قد فعل هذه الأشياء، وكما سمعتُ مؤخّرًا فإنّهم يُزيلون التجاعيد والخطوط وما إلى ذلك! فلعلّهم يُريدون الزواج مرّةً أخرى! أو تجديد الفراش! أو أيًّا كان! لا أدري والله! ولكن، ما معنى التفكير في عمليّات التجميل في هذا السنّ؟! على كلّ حالٍ، التمنّي ليس عيبًا على الشباب! والآن، ليأتِ حبيب بن مظاهر هذا ليصبغ شعره الأبيض بالأسود! فحسنًا، سيُصبح شابًّا إذن، ولن يعود شيخًا! فقد خرج من الشيخوخة، وأصبح مثل الباقين! أصبح مثل الشباب الآخرين! أصبح مثل الجميع! هل هذا صحيح؟ فمعيار تفكيرنا هو بياض الشعر! بياض الشعر! هذا هو معيار معرفتنا بالمعارف الإلهيّة! بياض الشعر، وسواد الشعر، والنشاط و ....
لقد كان لحبيب بن مظاهر اتّصال سرٍّ مع سيّد الشهداء؛ لكن، لا أحد يفهم قضيّة اتّصال السرّ. فسرّه كان متّصلاً، لا قلبه، ولا ضميره، ولا فكره، ولا عقله، ولا نفسه؛ بل سرّه هو الذي كان متّصلاً. وهذا ليس تعبيري، بل تعبير العظماء. فلقد كان لحبيب بن مظاهر اتّصال سرٍّ مع الإمام الحسين! وحينئذ، يأتي ذاك، ليقول: «إن قدّمت أنت حبيبًا واحدًا، فقد قدّمنا نحن آلافًا من حبيب! آلافًا من حبيب!».
هذه كانت القضيّة؛ فلم يكونوا جميعًا على حدٍّ سواء؛ فعابسٌ كان في مرتبةٍ، وأولئك كانوا في مرتبةٍ؛ وكلّ واحدٍ منهم كان في أفقه الخاصّ؛ وكلّ واحدٍ منهم كان نشوانًا في أفقه الخاصّ. كانوا يتحرّكون في أجوائهم الخاصّة، وكان الإمام الحسين عليه السلام يسكب لهم، ويدفعهم للأمام بناءً على كؤوسهم! أجل! رزقنا الله ذلك! رزقنا الله ذلك! فهو مقامٌ حسنٌ! هل تقبل يا سيّدي...؟ فهو مقامٌ حسنٌ!
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ