50

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

2989
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالملكية الحقيقية والاعتبارية

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

تتحدّث هذه المحاضرة عن رتبة مقام العبوديّة بين سائر المراتب، وكونه خيرًا من مقام الرسالة والولاية التكوينيّة وسببًا لهما، كما تتحدّث عن أمرين لا بدّ من مراعاتهما في موضوع المال من أجل تحصيل تلك العبوديّة، ألا وهما:
ـ عدم التعلّق بالمال.
ـ كيفيّة التصرّف فيه.
وفي بيان مرتبة العبوديّة تحدّثت عن وصف الله لنبيّه بالعبد في آية الإسراء وفي التشهّد، رغم سيطرته على كافّة العوالم وولايته التكوينيّة عليها، موضحة المعنى الدقيق للولاية التكوينيّة والإمامة وعدم فائدة مختلف العلوم وخوارق العادات في نفسها، منتقدة الذين يقضون أعمارهم في معرفة علامات الظهور أو في تحصيل مادّة الإكسير لتحويل النحاس إلى ذهب أو تحصيل المال الوفير. كلّ ذلك من خلال قصص ومواقف للعلماء.
وفي بيان عدم التعلّق بالمال تحدّثت عن الموت وضرورة التعامل معه بجدّ.
وفي بيان كيفيّة التصرّف تحدّثت عن سيرة الأئمّة عليهم السلام في مراعاة شأن من يعطون وعن سيرتهم في مستوى المعيشة والملبس والمسكن وعن الموارد المستثناة من ذلك، ومنها موقف النبيّ مع عمّه العبّاس حين أسر وعدم رضاه بفكّه وحده، ومنها عدم رفع المهور عن مهر السنّة إلا في موارد خاصّة.
/۲۲
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

1
  •  

  •  

  • هو العليم 

  •  

  • رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٥۰

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا 

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • حقيقة العبوديّة 

  • قال إمامنا الصادق عليه السلام: [العبوديّة] ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله. 

  • يسأل عنوان البصريّ الإمام الصادق عليه السلام أن ما هي حقيقة العبوديّة؟ وكيف يمكن لإنسان أن يصبح عبدًا؟ وكيف يمكن أن تتحقّق العبوديّة بشكل واقعيّ لا ادّعائيّ وبالكلام؟

  • يقول الإمام: هناك ثلاثة أشياء هي دليل على تحقّق معنى العبوديّة وصيرورة الإنسان في مرتبة العبوديّة ومرتبة الإيمان. 

  • العبوديّة أفضل صفات النبيّ

  • فمرتبة العبوديّة هي تلك المرتبة التي وصف بها الله تعالى رسوله ومختاره من الخلائق قبل وصفه الرسالة، (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام)۱، منزّه ذلك الإله الذي سار بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وبالطبع فإنّ هذا الإسراء قد تحقّق في الجانبين الظاهريّ والباطنيّ. فمن جهة الظاهر والجسم والمادة تحرّك بدن رسول الله هذا من مكّة إلى المسجد الأقصى في طرفة عين، ومن حيث الروح سار في السماوات السبع: السماء الدنيا، وسماء البرزخ، والملكوت والجبروت وهكذا سائر العلوالم حيث كان السير الآفاقيّ والأنفسيّ توأمًا عند رسول الله. فالله هنا يخاطب النبيّ بالعبد. فلو أنّ الله تعالى وجد وصفًا أفضل من العبوديّة لرسول الله...، فلو أنّه قال: سبحان الذي أسرى بمن يتصرّف في السماء والأرض، سبحان الذي استطاع أن يسري بمن هو ثمرة الدهر في جميع العلوم، سبحان الله الذي أسرى بمن له اطّلاع على ما كان وما يكون. فكلّ هذه كانت صفات للنبيّ في النهاية، كانت من صفاته. فعندما يقول أمير المؤمنين والإمام الباقر عليهما السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري: أعطاني الله علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، أفلا يتصرّف النبيّ؟ لقد قسم القمر نصفين، أعاد الشمس، جعل الشجرة تتكلّم، جعل الحصى في الصحراء تنطق بالشهادة أمام الناس، لم يكن هناك خدعة بصريّة، فهذه هي الأفعال التي قام بها. والأئمّة كان لديهم القليل أو الكثير في هذا المضمار، ولكن لم يأت الله بواحد من هذه الصفات كصفة للنبيّ، الوصف الوحيد الذي وجده واستطاع أن ينسبه إلى نبيّه، فقد بحث بين هذه الأوصاف التي عددتها لكم، فاختار وصف العبوديّة وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده) نقل عبده من مكّة إلى المسجد الأقصى في طرفة عين. فانظروا إذن، مسألة العبوديّة ليست مسألة يسيرة. 

    1. سورة الإسراء (۱۷)، صدر الآية ۱. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

3
  • وفي التشهّد أيضًا عندما نقرأ أشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، أشهد أنّ محمّدًا عبدٌ، محمّد اسم لم يوصف حتّى بالرسالة. هذا الرجل الذي له هذا الاسم هو عبده ثمّ هو رسوله، أي بالعبوديّة تتحقّق كافّة القيم في الإنسان، وبدون العبوديّة لا قيمة للإنسان ولو عدّه الناس ذا قيمة. فلو أنّ إنسانًا حاز جميع العلوم ولكنّه لم يكن عبدًا فلا فائدة، لو كان لدى الإنسان كافّة القوى واستطاع أن يتصرّف، أن يتصرّف في العالم وأن يقوم ببعض الأعمال الخارقة للعادة ولكن لم يكن عبدًا فلا فائدة؟ لماذا لا فائدة؟ لماذا؟ سببه واضح جدًّا، وهو أنّ هذه التصرّفات هي كلّها لهذه الدنيا، فما يفيد في ذلك العالم ليس هذه الأشياء. 

  • قصّة الرجل الذي عرض الإكسير على المرحوم العلاّمة فرفضه

  • ربّما كنت قد ذكرت هذه المسألة، فقد تعامل المرحوم العلاّمة مع رجل في حياته، وكان من العلماء من أهل أصفهان، ومن أهل المنبر، كان من العلماء وله باع في التاريخ، وله اطّلاع على الأمور ذات الصلة بظهور الحجّة والقضايا التي تتناول الظهورات والبروزات الخارجيّة له، وكان يخطب في مسجد المرحوم العلاّمة، كان يخطب في ليالي الجمعة وكذلك في أوقات أخرى. كان رجلاً عالمًا، ثمّ توفّيَ في أصفهان رحمة الله عليه، وبالطبع كان له اطّلاع على بعض العلوم، وكان يبيّن بعض الأمور، إلى درجة أنّ بعض مطالبه كانت صحيحة على ما أذكر، وبعضها الآخر لم يكن صحيحًا. ذات يوم بعد أن أنهى محاضرته جلس قرب المرحوم العلاّمة وقال: سيّدنا أريد أن أقول لكم أمرًا. فقال له: تفضّل. قال: لا يمكن هكذا لا بدّ أن تدعوني على وليمة أولاً ثمّ أقول لك. فقال العلاّمة: أنت قل لي الآن الأمر، والوليمة لك، سندعوك عليها. ثمّ لم يصرّ كثيرًا، وهو رأى أنّ المرحوم العلاّمة لم يصرّ فقال بنفسه قال: سيّدنا! طبق ما لديّ ـ كان على علم إلى حدّ ما بعلوم الأعداد والجفر والرمل وأمثال ذلك، ولكنّي سمعت منه بعض الأمور الخاطئة، ولكن بعضها كان صحيحًا بلا شكّ ـ قال: سيّدنا! أنا استفدت من هذه العلوم الآن أنّ الرجل الوحيد على الأرض الآن له ارتباط بالإمام الحجّة هو أنتم. فقال العلاّمة: الحمد لله، وهل هناك توفيق أعلى من هذا؟ وبالطبع هذه المسألة ترجع إلى حوالي ثلاثين سنة مضت إن لم أكن مخطئًا، ثلاثون سنة، حينها كان عمري أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة، وكنت محبًّا كثيرًا لمحاضراته، كنت صغيرًا وكانت محاضراته مفيدة، والحقّ أنّها محاضرات مفيدة وكان يقول من هذه الأمور فكنت آنس بها وخصوصًا ليالي الجمعة كنت آتي إلى المسجد برفقة المرحوم العلاّمة لأستفيد من محاضراته. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

4
  • ذات يوم دعا المرحوم العلاّمة إلى منزله، فذهب، وكان منزله في شارع أميريّة في طهران، ولا أدري الآن ماذا يسمّى، كان يقول ـ كان منزله هناك ـ وأنا لم أكن معه ذلك اليوم، وإن كنت أذهب أحيانًا معه، ولكنّي لم أذهب ذلك اليوم، بل هو نفسه أخبرني لاحقًا بعد سبع أو ثمان أو عشر سنوات قال: هو دعاني ثمّ قال لي: سيّدنا! أنا أريد أن أعطيك شيئًا هو نتيجة عمري، نتيجة سبعين سنة من تحقيقي وبحثي وأتعابي، ولم يكن يقول ذلك عبثًا، وواقعًا بذل مجهودًا وتعِب. ثمّ قال المرحوم العلاّمة: ماذا تريد أن تعطيني؟ وضع يده وأخرج من خزانة في الجدار زجاجة، وقال: سيّد هذا الكيمياء، هذا الإكسير، أريد أنا أن أقدّمه إليك. ولم أجد أحدًا أهلاً وملتزمًا أن يصرفه في موضعه وموارده. وكيفيّة استعماله هي هذه: تأخذ مقدارًا من النحاس، وذهب بنفسه وأحضر صحنًا صغيرًا من النحاس ممّا يوضع تحت الشاي، فنظر فرآه ذهبًا، فقال: تغمس قطنة فيه ولا يلزم أن تضعه على جميع المواضع بل يكفي أن تضعه في بعض المواضع، فإنّه يتحوّل كلّه إلى ذهب، فقال المرحوم العلاّمة: أنا رأيت أنّها ذهب، حتّى أخذناها إلى السوق وعرضناها على أهل الخبرة فقالوا: ذهبها من عيار ثمانية عشر أو تسعة عشر، وهي بهذه الكيفيّة، والله أعلم كم يمكن لهذه الزجاجة أن تصنع من هذه الأشياء!

  • نظر إليه المرحوم العلاّمة نظرة وقال: فلتبق عندك حتّى أخبرك. فتعجّب كثيرًا وقال له: يا سيّد! لقد أعطانا الله بطنًا واحدة، وهذه البطن تشبع أيضًا بالخبز والجبن، ومن هذه الأرض جعل لنا الله مترين من المكان، أينما كنّا فإنّ الله يتعهّد لنا بهذين المترين، سواء نمنا في المنزل أم ذهبنا إلى المسجد ونمنا فيه، أو إن لم نجد منزلاً ولا مسجدًا ففي الشارع، فزاوية الشارع يمكن أيضًا أن نستعيرها من الله لننام فيها، لذلك لا حاجة إلى هذا الإكسير في عملنا؛ فليأخذها جنابكم واصرفوها حيث شئتم. 

  • فدهش وكان يقول: إنّه بهت. بقي ربع ساعة أو عشرين دقيقة مطرقًا ثمّ رفع رأسه وقال: سيّدنا لقد بذلت جهدًا لسبعين سنة حتّى حصلت على ذلك، فماذا تقول أنت؟! قال المرحوم العلاّمة: لا تنفعنا فأعطها لمن تنفعه. ثمّ قال له المرحوم العلاّمة: بالطبع فلتبق هذه عندك فإنّها ستسبّب لك أمرًا. قال له ذلك وانتهت الجلسة وخرج. بعد مدّة اتّصل ذلك الرجل بالمرحوم العلاّمة وأبدى انزعاجًا كبيرًا وقال: يا سيّد لقد اتّفق لابني أمر ما، لولدي. فقال له: ما هو هذا الأمر؟ قال: لقد جاء واستفاد منها، والتفت إلى ذلك بعض أصدقائه وأخبروا الدولة. ولا شكّ أنّ المخابرات في ذلك الزمان هم من اطلّع على الأمر، وهم يلاحقون هذا الرجل أن إمّا أن تعطينا هذه المادّة وإمّا أن نقتلك. وهذا لا يمكنه أن يتخلّى عنها ولا [أن يتركها عنده] فسبّبت له مشكلة. فقال له: أنت أتلفها وليتب هو. إن شاء الله يحلّ الله المسألة. فاضطرّ أن يتلف الثمرة التي سعى إليها لسبعين سنة من العذاب والبحث وإعداد بعض الأمور من هنا وهناك. وبالطبع انتفت المسألة حسب الظاهر ولم يعودوا يتعقّبون الرجل.

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

5
  • والآن انظروا ما حقيقة المسألة، فهل يمكن أن تجدوا أمرًا أكثر جاذبيّة من ذلك بحسب الظاهر؟ يعني ثروة الدنيا هي في يده في النهاية، ولكن عندما تكون عين إنسان ما قد فتحت، فإنّه ينظر إلى الأمور بنظرة عقلائيّة، وأنا كثيرًا ما أقول للأصدقاء والأصحاب: نحن لا نحتاج إلى النظرة العرفانيّة والتوحيديّة، فلننظر نظرة عقلائيّة، فنجد أنّ ما زاد على الحاجة ليس أمرًا مفيدًا، فالإنسان يلقي بنفسه في الضغوط، وواقعًا ما هي النتيجة من أن تتلف حياة الإنسان في هذا الطريق والمسير؟ 

  • قصّة الصدر الأصفهاني وطلبه ثروة بغير حساب 

  • يُنقل أنّه كان في الزمان السابق رجل يدعى الصدر، كان الصدر الأصفهاني من النافذين والأعيان، وكان من المعروفين، وقد بقيت له آثار كثيرة في أماكن مختلفة، وخصوصًا في أصفهان، فمدرسة الصدر المعروفة في أصفهان هي من آثاره. ويقال إنّه عندما تشرّف بالذهاب إلى مكّة أمسك بأستار الكعبة وصار يقول: إلهي! أعطني ثروة بغير حساب. 

  • سألوه: وماذا تريد أن تصنع بهذه الثروة التي لا حدّ لها؟ 

  • فكان يقول: أنتم لا تعلمون، أنا أريد أن أصرف هذه الثرورة في سبيل الله. 

  • وبالطبع هذا النحو من التفكير جيّد جدًّا، وهو أنّ الإنسان إذا كان صاحب ثروة أو حصل على ثروة فإنّه ينفقها في سبيل الله وخدمة الناس والأيتام والفقراء ، ولكنّ الكلام هو أنّه ليس التقرّب إلى الله منحصرًا في تحصيل الثروة؛ فمَنْ مِن أولئك الأعاظم كان صاحب ثروة، تلك الثروة الخارقة للعادة؟ كانت لهم حياة معتادة. نعم، إن أعطى الله الإنسان ثروة ومكّنه من مال الدنيا فلا بدّ أن يصرفه في مكانه، كما تحدّثنا في الجلسات السابقة حول هذه المسألة، وإلاّ فهل الإنسان مضروب على رأسه لكي يطلب من الله أن يعطيه المال لينفقه. فهناك الكثير من عباد الله، فإن لم يرد الله أن يعطي المال للإنسان فلا بأس، المهمّ أن يكون الإنسان في مقام التسليم، وكما تقدّم، فإنّهم يرون المال مال الله يرون الملك ملكًا لله، ويقطع تعلّقه بهذا المال وهذا الملك ويقلّل هذا التعلّق، فهذا هو مراد الإمام الصادق عليه السلام سواء حصل على مال أم لم يحصل. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

6
  • الناس الذي يقضون أعمارهم في تحصيل العلم بزمان الظهور وعلاماته

  • تمامًا مثل الروايات التي لدينا والناس الذين يجعلون كلّ حياتهم وعمرهم في سبيل تحصيل العلوم والأمور والآثار لإمام الزمان والظهور وخصوصيّات الظهور، ومتى يظهر؟ وما هي آثار الظهور؟ ومتى يظهر الإمام؟ وما هي القرائن التي ينبغي أن تحدث وما هي الشواهد؟ كلّ حياتهم ووقتهم يصرفونه في ذلك. لا أحد يقول لهم: هل ستبقون إلى ذلك الزمان أم ستموتون؟ فما معنى أن يصرف الإنسان حياته في معرفة متى يظهر الإمام؟ ماذا يرتبط بي متى يظهر؟ إن كان من المقرّر أن يظهر الإمام بعد عشر سنوات وأنا أموت بعد سنة فما علاقة ظهوره بي؟ هذا الأسلوب ليس عقلائيًّا، هذا النحو من الدراسات والجهود والبحوث هو إتلاف للعمر. فالإنسان العاقل يبحث عمّا يفيده في عمره للتكامل والتعالي. وما هي الفائدة من البحث عن زمان ظهور الإمام؟ ومن البحث عن طبيعة العلامات التي يجب أن تحصل.

  • السرّ في عدم بيان زمان ظهور الإمام الحجّة عليه السلام 

  • لذلك نجد أنّ الأئمّة عليهم السلام لم يكونوا أبدًا في صدد بيان الوقت الدقيق للظهور، وذلك ليس لأنّهم لا يعلمون، كلاّ فهم يعلمون. وحتمًا هم كانوا يعلمون والآن هم يعلمون، ولديهم اطّلاع على دقيقته ولحظته، غاية الأمر أنّ مدرسة الإمام الصادق ومدرسة التشيّع لا ترتكز إلى أساس إيقاف الناس في اللحظات الظاهريّة النفسيّة، وتوقف حركتهم نحو الكمال، وتمنع من تطوّرهم نحو الكمال. فلو فرضنا أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: في سنة كذا وشهر كذا ويوم كذا سيظهر مهديّنا حتمًا، فإنّ الناس الذين كانوا قبل ثمانين أو سبعين سنة بأيّ أمل سيحيون؟ سيقولون: نحن لن ندرك ذلك الزمان، افترضوا الآن أنّ الرسول، الرسول الخاتم لم يكن هو آخر رسول، وبعد ألفي عام مثلاً سيأتي رسول آخر على رأسي ألفي عام يكون هو النبيّ الخاتم، والآن حيث إنّنا بين هذا النبيّ وذاك وليس لدينا أمل في رؤية ولقاء ذلك النبيّ فماذا علينا أن نصنع؟ إمّا أن نقضي حياتنا في حال من اليأس، فنحن لسنا قادرين، ونحن لا قابليّة لنا، ونحن لا نعلم كيف سيكون زمان النبيّ، نحن لن ندركه، نحن محرومون من فيض حضوره، فإذن ما هي فائدة عباداتنا، فلنكتف بهذا الوجوب والحرمة الظاهريّة، وسنصبح آيسين من التكامل ومن مستقبلنا. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

7
  • وبالطبع فإنّ طبيعة البشر هي هذه، هذا هو طبع الإنسان، يقال إنّ الإنسان يحيا بالأمل، أفهل تجاوز الناس الذين تحدّثنا عنهم عن مرتبة الظاهر ولم يعد الظهور الظاهريّ يختلف عندهم، وأوصلهم ذلك الظهور الحقيقيّ والمعنويّ لهم إلى نقطة الإشباع والإقناع؟ هؤلاء أفراد معدودون. فما حال هؤلاء؟ هل لهم حال من اليأس؟ فتسعون بالمائة من الناس تسع وتسعون بالمائة يصابون باليأس لهذا الكلام، فالناس لا يكتفون بحالتهم التي هم عليها، هم الآن لم يقوموا بما تقتضيه حالتهم الفعليّة، ويتركون التكاليف التي يشعرون نحوها بالعلم واليقين، يتركونها رجاء المستقبل، في المستقبل سيأتي أحد ما، في المستقبل سيأتي الرجل الأعظم. 

  • قصّة تحسّر أحد تلامذة مولانا على عدم إدراك شمس التبريزي وتأديب مولانا له

  • يحكى أنّ مولانا كان جالسًا يومًا ما مع مريديه إلى جانب ساقية يتحدّث إليهم، وجرى الحديث حول أستاذه شمس التبريزي، فشرع ببيان فضائله وأخلاقه: ذلك الأستاذ، ذلك نادرة الدهر، ذلك كذا ذلك كذا، ذلك مولانا، ذلك كذا بالنسبة إلينا. بدأ بالحديث عن أستاذه والبحث حوله، وأنّه كيف كان وأنّ كلّ ما لدينا فهو منه. فتأوّه أحد تلامذته تأوّه حسرة. فقال مولانا: ماذا حصل؟ فقال: أتأوّه حسرة على أنّ عمري انقضى ولم أصل إلى عظيم كهذا وقد خسرته. 

  • طأطأ مولانا رأسه وبعد مدّة ـ كان أحيانًا يقول شيئًا من هذه الأمور ـ رفع رأسه وقال: قسمًا بروح هذا العظيم وروح هذا العزيز ـ وبالطبع ربّما كان هناك مبالغة في نقل الحادثة ولكنّ أصل الحادثة هو كذلك، وربّما كان هناك زيادة أو نقصان في الأرقام ـ لئن لم تصل يدك إلى ذلك العزيز والعظيم، فلقد وصلت إلى رجل على كلّ شعرة منه ألف شمس تبريزيّ ـ وقد قلت أنّه يمكن أن يكون هناك زيادة أو نقصان في الأرقام ولكن أصل القضيّة [صحيح] ـ أي لماذا تتأوّه أنت؟ فأنت الآن جالس قربي، أيّها المسكين! إن شئت أن أتكلّم فإنّي أعطيتك أكثر ممّا تستحقّ، وأنت تتحسّر في هذه اللحظة! هذه هي طبيعة الناس. وقد أراد هنا أن يؤدّبه، ويلفت نظره إلى أنّ على الإنسان أن يحيا بطريقة عقلائيّة، وأن يفكّر بطريقة عقلائيّة، وأن يفكّر بطريقة منطقيّة، الآن تتحسّر أن لم تصل إليه! 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

8
  • توفّر إمكانات التكامل في زمان الغيبة وضرورة إعداد النفس واهتمامها بالتكامل فيه 

  • والآن هنا مسألة: ألم يقل أمير المؤمنين عليه السلام: ما الفرق بينكم وبين الناس الذين كانوا في زمان رسول الله؟ فأولئك كان لديهم عقل وعين وأذن وبصيرة وفطرة، وأنتم أيضًا لديكم عقل وعين وأذن وإحساس وإدراك. فأنتم لديكم هذه الأمور أيضًا، وكلّ ما كان سببًا لهدايتهم في ذلك الزمان فهو في هذا الزمان أيضًا بدون زيادة ونقصان عندكم، والكلام هو في أنّك أنت عليك أن تعدّ نفسك، وحينها ترى أنّك تصل أو لا تصل. أنت سلّم نفسك وحينها تعرف أنّك في حضور أم في غيبة؟ لا بدّ أن تعدّ نفسك وإلا فإنّ خلق الله لنا في هذا الزمان وعدم خلقه لنا في ذاك الزمان ليس في أيدينا وليس في اختيارنا، وعلى هذا الأساس فإنّ الوضع الذي كان لدى الناس هو بعينه لنا، وعلينا نحن أن نقيّم وضعنا، وأن نقيس حالنا بالقياس إلى تلك المدركات، ونعرف مقدار استعدادنا وتعهّدنا بالنسبة إلى تلك الأمور الرفيعة، فلو جعلوا الدنيا كلّها ذهبًا وقدّموها للإنسان فما فائدة ذلك، كلّ ذلك يفيد ما لم يأت جناب عزرائيل إليّ وإليك، وما إن يأت فإنّه يقول: إنّ كلّ هذه الأرض ذهب، هذا صحيح، ولكنّ لن تستفيد منها مقدار رأس إبرة. يغطّونك بقطعتين من الكفن وذلك بعزّة واحترام، وإن أرادوا أن يكرّموك كثيرًا فإنّهم يقيمون لك ذكرى أسبوع وذكرى أربعين، ثمّ ينتهي الأمر ويذهبون إلى أعمالهم. وإن أرادوا أن يكرموك أكثر وأكثر... لو استطعت أن تتصرّف في جميع الكواكب، ولو استطعت أن تسير في جميع العوالم والسماوات وتدور وتصعد وتهبط فإنّ جميع ذلك ينفع في هذا الجانب، أمّا في ذاك الجانب فليس له نتيجة، فإذن الكلام في هذا المجال كثير والمطالب كثيرة. 

  • قصّة المرتاض الهندي المنغمس في النجاسة والمطّلع على الضمائر

  • لقد ذكرت بالأمس هذا الأمر لبعض الأفراد، فقد جاء بعد الأصدقاء فذكرت لهم هذه المسألة: كان أحد أصدقائنا وآقاربنا في أحد الأسفار يقول: ذهبت إلى الهند ـ وقد بقي هناك بضع سنوات وكان على ارتباط وعلاقة مع المرتاضين ويتردّد عليهم ـ كان يقول: ذهبت يومًا إلى مرتاض مشهور ومعروف، كان يقوم بأعمال غير مألوفة وخارقة للعادة. وهو بنفسه أخبرني بهذا الأمر فكان يقول: قبل أن أذهب كان هناك مال لبعض الأيتام عندي، وكان من المقرّر أن أوصله إليهم إذا رجعت إلى إيران، فقلت: بما أنّي مسافر ومن غير المعلوم ما سيحدث، فإنّي سأتصرّف به، وإذا وصلت إلى إيران سأدفعه إليهم بالطبع، أهيّئه وأعطيه إليهم. وعندما ذهبت إلى هذا الرجل وجدت أنّه رجل عجيب، فالمحيط الذي يعيش فيه لم يكن صحيًّا أبدًا، لم يكن مناسبًا أبدًا، حيث كان يعيش في مكان غير مناسب وقذر ووسخ، وكانت تصدر عن الأبواب والجدران رائحة عفنة، وقد كان في هذا المحيط قد طأطأ رأسه وكان هكذا، على ما يعتقد أنّه في حالة خلسة وتفكّر، كان يقول: جئت وما إن نظرت إليه حتّى ظهرت عندي حالة من الاشمئزاز والنفور بحيث لم أتمكّن من تحمّل رائحة ذلك المكان ـ هل تلتفتون؟ ـ أصلاً لم أستطع وما إن دخلت ورأيته حتّى خرجت، قلت: فلنُكفَ شرّه ولا نريد منه شيئًا، دعنا نذهب، وما إن أردت الخروج رفع رأسه وقال: أنت تنظر إلى وضعي؟ اذهب وأصلح نفسك إذ أكلت مال اليتيم بأمل أن تعيده إليه إذا رجعت إلى إيران. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

9
  • فهل هذه الحالة التي عليها هذا الرجل هي حالة جيّدة؟ بسبب بعض الرياضات والأمور، فكما أنّه إذا أراد إنسان أن يقوم ببعض الأعمال يستعين بالرياضات الظاهريّة، هناك رياضات نفسيّة وروحيّة ولو غير شرعيّة، يصل الإنسان إلى بعض الأمور بواسطتها، فهي موجودة وكانت في زمان الأئمّة وستكون أيضًا، ولكن هل لهذه الأمور قيمة؟ هذا ليس عبدًا، هذا ليس في مرتبة العبوديّة. كلّ تلك الحالات والملكات التي حازها ترتبط بهذا العالم، لقد أعطاه الله حظّه ونصيبه هنا، لقد تعبتَ وجاهدتَ وعارضتَ النفس وواجهتَ فهذا هو السبب. لقد أطلعناك على بعض أمورنا لذلك السبب، فنحن نعطيك بعض الأمور غير المعتادة، ولكن انتهى الأمر. وفي الجانب الآخر إلى جهنّم والعقاب والعذاب والبعد والحرمان والإقصاء عن الرحمة، لماذا؟ لأنّ القيمة هي في التقرّب إلى الله لا في تقوية النفس وتقوية الأنا والأنانيّة، فلا قيمة هنا، لا قيمة. إذا صار الإنسان عبدًا ولم يكن عنده شيء من نفسه فهذا ما له قيمة، وواقعًا يصبح عبدًا. 

  • تقدّم مقام العبوديّة على مقام الولاية التكوينيّة

  • لذلك الإمام الصادق عليه السلام هنا [يتحدّث عن العبوديّة دون غيرها]، حتى لو درسنا الأمور الباطنيّة فهل هناك أعلى من مرتبة الرسالة؟ ليس هناك أعلى من ذلك. فالنبيّ الأكرم كان رسولاً كما كان إمامًا.

  • مفهوم الإمامة والولاية التكوينيّة

  • والمقصود من الإمام الإنسان الذي وصل إلى مرتبة الولاية التكوينيّة المطلقة، لأنّ للولاية شعبًا، لها مراتب، يمكن للإنسان أن يقوم ببعض الأعمال والتصرّفات الخارقة في بعض المراتب وأن تكون له إحاطة بالنسبة إلى بعض الأمور، ولكن ليس في جميع الأمور. كلاّ، فالولاية التكوينيّة المطلقة تعني أنّ كلّ ما تحقّق من الآثار الوجوديّة لله في عالم الكون من مراتب القدرة ومراتب الحياة ومراتب العلم، هذه الأسماء الكليّة الثلاث، فإنّ شخص الوليّ يمكنه أن يحيط ويشرف على كلّ الآثار الخارجيّة لعالم الكون سواء عالم المادّة أو عالم الباطن، فهذا ما يسمّى بالولاية المطلقة. هذه الولاية المطلقة التي نسمعها هل الإمام يمتلكها أم لا؟ هل له ولاية تكوينيّة أم لا؟ هذا هو المراد، كلّ أثر خارجيّ من ذات الله، وليس المراد من الأثر الخارجيّ الأثر المنفصل عن ذات الله، يعني كلّ أثر من مرتبة الهوهويّة التي هي مرتبة العماء ومرتبة عدم الظهور ومرتبة عدم الإظهار في مراتب التعيّنات العليّة والمعلوليّة، كلّ أثر يترشّح من ذات الله فإنّ الأئمة عليهم السلام وفي رأسهم الرسول الخاتم صلّى الله عليه وآله لهم إحاطة به. لذلك يقول: سلوني قبل أن تفقدوني.۱ ولذلك يقول: إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن.٢ كلّ ما كان لا في عالم المادّة فحسب، فعالم المادّة ليس بشيء، وكما قال الإمام الصادق عليه السلام: مثل عالم المادّة ـ أي الأرض والمنظومة والمجرّات وكافّة الكواكب التي هي في عالم المادّة والأجسام هي متحقّقة ولا يمكن للبشر أن يصلوا إليها، ولن يمكنهم ذلك. فكلّ يوم يمضي هناك اكتشاف جديد وظهور لنجم جديد أو مجرّة جديدة، كانوا قبل مائة عام يقولون ذلك والآن هم يقولون وسيقولون إلى يوم القيامة ـ كلّ ذلك عالم الأرض وعالم السماء وعالم المادّة إلى عالم المثال وعالم البرزخ ـ حسب قول الإمام الصادق لا قولي أنا ـ هو كحجر في صحراء. انظروا ما حقيقة الأمر! وعالم المثال إلى عالم المكلوت هو كقطرة بالنسبة إلى البحر. فالإمام الصادق عليه السلام يقول أنتم خذوا هذا وقيسوا عليه ما هو أعلى.٣ فالإمام يقول إنّ عالم المثال بالنسبة إلى الجبروت هو كذلك، وهو بالنسبة إلى اللاهوت أيضًا كذلك، وأمّا بالنسبة إلى ذات الله وأسمائه الكليّة فماذا؟ إنّه سيكون كذلك ولا يمكن تصوّره بالنسبة إلينا أصلاً، لا يمكن تصوّره. الإمام الذي ولايته تكوينيّة مطلقة له إحاطة بهذه المجموعة، فلننظر الآن إلى حقيقة الأمر، أنت الآن ترى إنسانًا جالسًا مطأطئ الرأس، أما ماذا يجري في باطنه فنحن لا علم لنا، هذا ما يسمّى بالولاية التكوينيّة، فهل أدركتم ما هو الفرق بين الإمام الحقيقيّ وغير الحقيقيّ؟ الفرق بين من وصل إلى الولاية التكوينيّة مثلاً ومن وصل إلى أقصى ما يمكن من المراتب العلميّة؟ فكم له من المحدوديّة؟ هل التفتّم الآن كم هو الفارق؟ فإمام الزمان الآن ليس فقط له حكومة على الكرة الأرضيّة، فالكرة الأرضيّة لا يُحسب لها حساب أصلاً، أرأيتم عندما تطلع الشمس تبدو ذرّاتٌ معلّقة في الهواء تتحرّك، فهذه الكرة الأرضيّة هي واحدة من ذرّات إمام الزمان، فإمام الزمان عليه السلام ليس فقط له إشراف على الكرة الأرضيّة بل له إحاطة بهذه المجموعة التي ذكرتها، الفيض الذي يأتي من ناحية ذاك الوجود المطلق إنّما يأتي بواسطة إمام الزمان، هذا ما نسمّيه الولاية التكوينيّة نحن، ولا نقبل بمعنى آخر لها. فلو كان لدينا إمام لم تكن له هذه الولاية التكوينيّة فنحن لا نعدّه جزءًا من الأئمّة الاثني عشر، أئمّتنا الاثنا عشر لهم هذه الخصوصيّة، المعصومون الأربعة عشر الذين نعتقد بهم يتميّزون بهذه الخصوصيّة، وهذه المرتبة وهذا المقام هو أيضًا أدنى من مرتبة العبوديّة، أعني أنّ العبوديّة التي يخاطب بها الله تعالى نبيّه هي أعلى من هذا الذي قلته، من الإشراف على هذا الأمر، لماذا؟ لأنّه ما لم يكن هناك عبوديّة فإنّ هذه الخصوصيّة لن تتحقّق، فإمام الزمان لأنّه عبد وصل إلى هذه المرتبة، لو لم يكن عبدًا لما أمكن أن يصل إلى هذه المرتبة. رسول الله لأنّه كان عبدًا وصل إلى هذه المرتبة، ويصل إلى هذه المرتبة غير الأئمّة أيضًا، حيث يمكن للآخرين أن يصلوا أيضًا تحت ظلّ الأئمّة والمعصومين وتحت ولاية إمام الزمان عليه السلام. وهذا هو موضع ما يقال من أنّ علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل٤، أو ما يقال حول سلمان من الأمور العجيبة سلمان بحر لا ينزف٥، أو حول بعض أصحاب الأئمّة حيث يوجد عبارات كهذه أيضًا حولهم، فهؤلاء وصلوا إلى هذه المرتبة. غاية الأمر أنّهم لا يقومون بعمل، لا يقومون بشيء، حتّى نحن لدينا روايات في بعض المسائل الفقهيّة عن سلمان أو عن بعض الأصحاب لم نسمعها عن المعصومين عليهم السلام.٦ فكيفيّة إدراك سلمان للأحكام والروايات وإن كان من الممكن أنّه سمعها من الإمام، ويمكن أنّه سمعها من النبيّ، ولكن لا مانع أبدًا أن يكون قد استفادها من خلال النفس القدسيّة للإمام وأخذها من هناك وقالها. سلمان الذي لديه اطّلاع على كلّ شيء أيعجز عن أن يبيّن حكمًا شرعيًّا هو من أمير المؤمنين ومن نفس أمير المؤمنين؟ لا معنى لذلك هكذا. ولذلك هنا يجد البيان العرشيّ لمحي الدين في الفتوحات مصداقًا له من أنّ الإنسان بواسطة الاتّصال بروح القدس وبنفس الوليّ المدير والمدبّر ـ أي إمام الزمان عليه السلام ـ المدير والمدبّر والمبيّن للأحكام الشرعيّة، يمكن أن يدرك الأحكام بشكل مباشر من ذات نفس الوليّ ويأخذ عنها.۷ ولكن لمن هذا؟ لمن حصل على اتّصال، لا كلّ من يقول رأيت إمام الزمان، لا كلّ من يقول إنّني التقيت. وكما يقول المرحوم الأنصاري رضوان الله عليه فإنّ كتاب النجم الثاقب الذي كتبه المرحوم النوري من حكايات عن الذين التقوا بإمام الزمان ٩۸% منه كان مكاشفة، ولم تكن له حقيقة خارجيّة، وفقط ثلاث أو أربع قصص منه حقيقيّة، ونحن الآن نسمع بأنفسنا ونرى أنّ كثيرًا من الناس يدّعون زيارة بعض الناس لإمام الزمان، فمن كيفيّة نقل القصّة واضح بشكل كامل أنّها كانت في المكاشفات، وهنا تأتي تلك المسألة التي جرى التأكيد عليها مرارًا من أنّ في مثل هذه المواضع يحدث ـ بسبب عدم صفاء الروح وعدم صفاء النفس ـ أن لا يكون إمام الزمان الذي يراه الإنسان في المكاشفة هو إمام الزمان الحقيقيّ. لماذا؟ لأنّ النفس لم تصل بعد إلى مرتبة الخلوص ومرتبة الصفاء.

    1. نهج البلاغة (عبده)، ج٢، ص ۱٣۰. 
    2. بحار الأنوار، ج٢٦، ص ٣٩. عن الإمام الصادق عليه السلام. ومعرفة الإمام ج۱٤ ص ۱٩۰. 
    3. الكافي، ج ٨، الشيخ الكليني، ص ١٧٨: وسماء الدنيا بمن عليها ومن فيها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قي* وهاتان السماءان ومن فيهما ومن عليهما عند التي فوقهما كحلقة في فلاة قي وهذه الثلاث بمن فيهن ومن عليهن عند الرابعة كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة...
      *القي - بالكسر والتشديد - فعل من القواء وهي الأرض القفر الخالية.
    4. قال المرحوم العلامة الطهراني في أحد هوامش الروح المجرّد ص ٦۷٤ في تحقيقه لسند حديث علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل: لم نعثر أبداً مع كثرة تتبّعنا في هذا المجال على سند لهذه الرواية المتداولة و الشائعة على الألسن. و قد أورد المحدِّث و العالم المتضلِّع الخبير: السيّد عبد الله شبّر في كتاب «مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار» ج ۱، ص ٤٣٤، طبعة مطبعة الزهراء، بغداد، حديث رقم ۸٣، قوله:
      ما روي عن النبيّ صلّى الله عليه و آله أنّه قال: عُلَمَاءُ امَّتِي أنْبِيَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ، أو: كَأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ، أو: أفْضَلُ مِنْ أنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ؛ و هذا الحديث لم نقف عليه في اصولنا و أخبارنا بعد الفحص و التتبّع، و الظاهر أنّه من موضوعات العامّة. و ممّن صرّح بوضعه من علمائنا: المحدِّث الشيخ الحرّ العامليّ في «الفوائد الطوسيّة»، و المحدِّث الشريف الجزائريّ. و كيف كان فيمكن توجيهه بوجهين- إلى آخر ما ذكره السيّد شبّر هنا.
      و قد راجع الحقير كتاب «الجامع الصغير» للسيوطيّ، و «كنوز الحقائق» للمناويّ، و «نهج الفصاحة» لپاينده، و «وهج الفصاحة» للأعلميّ التي دُوّنت فيها الأحاديث القصار لسيّد البشر، فلم يكن هناك شيئاً من هذا القبيل عن طريق العامّة أيضاً.
      و قد أورد الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في كتاب «جنّة المأوى» ص ۱٩۷، الطبعة الأولى، مكتبة الحقيقة، تبريز، سنة ۱٣۸۰ ه-، ضمن ردّه على سؤال قدّم إليه كتباً عن معنى هذا الحديث، احتمالات خمساً في تفسير هذا الحديث و معناه.
      و قد صرّح المرحوم آية الله الحاجّ السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائيّ في هامش الكتاب بما قلناه و ذكر أنّ هذا الحديث من موضوعات العامّة. و يقول آية الله القاضي في كتاب «تحقيق دربارة أول أربعين سيد الشهداء عليه السلام» (=بحث حول الأربعين الأولى لسيّد الشهداء عليه السلام) ص ٤٦۸، الطبعة الثالثة، تبريز، تحت عنوان «مَن المراد من آل محمّد» يقول الفيروزآباديّ (صاحب كتاب اللغة): و قَولُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: عُلَمَاءُ امَّتِي كَأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ. و في لفظٍ: عُلَمَاءُ هَذِهِ الامَّةِ أنْبِيَاءُ سَائِرِ الامَمِ؛ وَ إنْ كَانَ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَ لَكِنْ يُسْتَأنَسُ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. انتهى
      هذا وقد رواه في عوالي اللآلي ج٤، ص ۷۷ ومنية المريد ص ۸۸ والبحار ج٢ ص ٢٢ بلفط كأنبياء. وورد في حديث آخر بلفظ خير من أوصياء بني إسرائيل كما في جامع الشتات للخواجوئي.
    5. الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٣٤۱؛ بحار الأنوار، ج٢٢، ص٣٤۸؛ نور ملكوت القرآن، ص ٦۱.
    6. لعلّ مراد سماحته ما روي في كتاب السلافة في أمر الخلافة من شهادة سلمان في الأذان والإقامة بالشهادة الثالثة (انظر: السيّد علي الشهرستاني، أشهد أن عليًّا وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع، ص ٢۰۷).
    7. انظر: الفتوحات المكيّة، ج٤، ص ۱٥۱. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

10
  • والحكايات هنا عجيبة، والعبر غريبة، أن كيف لا يمكن للإنسان أن يكتفي بكلّ ما يرى وبكلّ ما يسمع، فكثيرًا ما يكون بين هذه الأمور أمور مخالفة للشرع تلقي الإنسان في الانحراف والاعوجاج. وقد رأينا الكثير من هذه الأمور في زمان المرحوم العلاّمة، وشاهدنا الكثير من هذه الأحداث. 

  • طريقة النظر إلى المال والتعامل معه للوصول إلى العبوديّة 

  • وعلى كلّ حال فهذه المسألة هي مسألة عبوديّة. يقول الإمام الصادق عليه السلام إن شئت أن تكون عبدًا فلا بدّ أن تراعي أمورًا ثلاثة: الأمر الأوّل هو أن تعدّ كلّ ما تناله يدك ملكًا لله. فمن أين جاء؟ لم يأت هكذا من السماء. فنحن نستيقظ في الصباح، نقوم من النوم، لا نجد تحت تختنا مليونًا. بل نذهب إن كنّا من أهل العلم إلى دراستنا، وإن كان لنا مصنع إلى مصنعنا، وإن كانت لنا عيادة إلى عيادتنا، وإن كان لنا مستشفى إلى مستشفانا، إلى متجرنا، إلى مكتبنا، إلى مركزنا، ففي النهاية لا بدّ من مراعاة هذه الأمور الظاهريّة. هؤلاء المراجعون الذين يأتون إلينا من أين يأتون؟ أنحن أخرجناهم من بيوتهم أم هم جاؤوا بأنفسهم؟ لقد جاؤوا بأنفسهم. فمن الذي أرسلهم؟ لماذا لم يذهبوا إلى مكان آخر؟ لهذا حساب دقيق وكنّا قد تحدّثنا سابقًا عن ذلك. فما هذا الأمر؟ عليه أن يعدّه من الله، إذا عدّه من الله وعدّ مجيئه وذهابه من الله كليهما من الله، ولم يعُد يرى تفاوتًا في الأمر، إذا رأيناه من الله فماذا نصنع؟ يقول: يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله. أين أمرَ اللهُ أن نضع هذا المال؟ نضعه حيث أمر. جعل قوانين، وضع قواعد، قدّم للإنسان معايير يعرف الإنسان بواسطتها تكليفه في صرف المال. 

  • رواية أبان عن الإمام الصادق عليه السلام في كيفيّة صرف المال

  • هناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير العيّاشي عن أبان بن تغلب: قال أبو عبد الله عليه السلام: أ ترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه أو منع من منع من هوان به عليه؟ لا...

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

11
  • فالإمام يريد أن يقول: هل لأنّ هذا الإنسان لديه قابليّة ويرى قابليّته من نفسه فهو يرى أنّه مستحقّ لأن يعطيه الله؟! فهذا الإنسان كبقيّة الناس، بماذا يختلف عنهم؟ كلاّ فليس الأمر كذلك.

  • ولكنّ المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصدًا، و يشربوا قصدًا، و يلبسوا قصدًا، و ينكحوا قصدًا، و يركبوا قصدًا، و يعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين و يلمّوا به شعثهم، فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالاً و يشرب حلالاً و يركب حلالاً، و ينكح حلالاً، ومن عدا ذلك كان عليه حراماً.۱ 

  • يقول الإمام: على الإنسان أن يراعي في المال الذي يرزقه الله الاقتصاد في صرفه في مركبه ومنزله وطعامه وفق شؤونه الخاصّة، وما يبقى لا بدّ من صرفه في الأمور التي عيّنها من الفقراء والأيتام والأمور الخيريّة والأمور ذات المنفعة العامّة، والأمور المفيدة للمجتمع، والأمور التي هي لتحصيل رضا الله. إذا فعل ذلك فقد استفاد منه فائدة محلّلة، وإلا فعليه أن يدفع الحساب هناك. 

  • أمران لا بدّ من الاهتمام بهما: عدم التعلّق بالمال وكيفيّة صرفه

  • لا بدّ من الاهتمام بأمرين بالالتفات إلى الروايات والمصادر الإسلاميّة والفقهيّة والسلوكيّة، فإذا ما اهتُمّ بهذين الأمرين فسيكون هناك تطابق بين الظاهر والباطن وانطباق للأمور الظاهريّة على المنهج الباطني والقلبي والنفسي، وسيغدو الظاهر والباطن منسجمين هنا:

  • الأمر الأوّل: عدم التعلّق بالمال

  • فالأمر الأوّل ـ كما قال الإمام الصادق عليه السلام ـ هو أنّ على الإنسان لتحقيق معنى العبوديّة أن لا يكون لديه أيّ نوع من التعلّق بماله وملكه، ولو كان فقيرًا، فما الفرق؟ فالتعلّق بأيّ نحو كان وبأيّ هيئة فيه إشكال، سواء كان تعلّقًا بعباءة قيمتها بضعة آلاف تومان، أو كان تعلّقًا بسيّارة قيمتها مرتفعة جدًّا، أو تعلّقًا بمنزل وبغرفة. فالتعلّق ما معناه؟ يعني أن يخرج الإنسان من المنزل وفكره في أن لا يخرب في وقت من الأوقات. أن يخرج من المنزل وهو يفكّر في كيفيّة حفظه. أن يخرج الإنسان من المنزل وفكره في أنّ الجار الذي يبني يضرّ بهذا أم لا. يصلّي وهو يفكّر في مصير هذا المنزل، وكلّ المنزل غرفة واحدة افترضوا أنّه سبعون أو ثمانون مترًا. 

    1. تفسير العيّاشي، ج٢، ص ۱٣: وتتمّة الرواية: ثم قال: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- أترى الله ائتمن رجلاً على مال خول له أن يشتري فرسًا بعشرة آلاف درهم و يجزيه فرسًا بعشرين درهمًا؟ ويشتري جارية بألف دينارو يجزيه جارية بعشرين دينارًا وقال: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ؟

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

12
  • هذه الحالة، هذا التعلّق ولو بهذه الأمتار السبعين أو الثمانين تسبّب البعد عن الله، وتوجب انصرافه عن التوجّه إلى الباطن وإلى المبدأ والمالك الحقيقيّ، وهذا وحده أزمة بالنسبة إليه، وهذا وحده مشكلة، مسألة التعلّق هذه. التعلّق بأنّ هذا العمل الذي لديّ هل يمكن في وقت من الأوقات أن يخضع للتحوّلات والأحداث فيؤخذ منّي؟ يؤخذ منّي هذا العمل أو لا يؤخذ، افترضوا أنّ كلّ المسألة كم هي؟ دكّان لإصلاح الأحذية، متران في متر، دكّان متران في متر. فهل سيؤدّي هذا الشارع الذي سيوسّع إلى صيرورة دكّاننا هذا جزءًا من الشارع؟ فحينها ماذا سنصنع؟ هو يصلح الأحذية ولكنّ فكره مشغول في أنّهم قالوا أنّهم سيوسّعون الشارع، يصلّي ولكنّ فكره في أنّه ماذا سيحصل في هذا المترين في متر. متران في متر، فكلّ المسألة لا تتجاوز ثلاثين أو أربعين تومانًا، ولكنّها تصبح بالنسبة إليه صنمًا، تصبح بالنسبة إليه حجابًا، تصبح مانعًا يقيّده، ولو فارق الدنيا فإنّه يفارقه بهذا المانع وما له في الآخرة من نصيب.۱ هذا هو التعلّق، وهلمّوا جرًّا حتّى تصلوا إلى مسائل أعلى وأمور أكثر جاذبيّة وأوسع في الدنيا مهما كانت، له رياسة، فيا ويلنا يريدون أن يخلعونا بعد أربع سنوات، فهل سينتخبنا الناس حينها أم لا؟! هذا الوزير سيغادر، وذلك الوزير الآخر سيأتي، افترض أنّك مدير عام، مساعد. أما نحن فمرخّصون، لقد قلت يومًا للمرحوم العلاّمة: إنّا من عباد الله المرخصين. فقال: متى نزلت هذه الآية؟ قلت: هذه الآية نزلت عليّ الآن!! (مزاح) وإلا فهي المخلصين لا المرخصين. نعم فعندما يأتي واحد فإنّ الآخر يتنحّى مرخّصًا. فهذا يجلس خلف المكتب من البداية وكلّ همّه في أنه يا ويلنا فهذا المجلس يريد... وعلينا أن لا نوضّح أكثر من ذلك فأنتم تعلمون خيرًا منّي. فما هذا؟ هذا كلّه تعلّق، فالتعلّق هو هذا. التعلّق يعني التعلّق النفسيّ، فنفسك هذه حرّة لماذا قيّدتها؟ 

  • عدم التعلّق يعني التحرّر من كلّ ما سوى الله

  • يا بنيّ ـ وانظروا كلام من؟ كلام سيّد الشهداء عليه السلام. لمن يتوجّه؟ إلى الإمام السجّاد ـ يا بنيّ لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا ٢ يا بنيّ لا تجعل نفسك عبدًا لغيرك ولا تبع نفسك بسهولة، لقد جعل الله فيك جوهرًا لو بعته بكلّ ما ذكرنا من الإشراف على عالم الملك والملكوت كنت خاسرًا، ومراد سيّد الشهداء عليه السلام في هذه المسألة هذا الأمر. هل التفتّم الآن؟ ما ذكرته لكم... لو أعطاك الله علم ما كان وما يكون، فمراد سيّد الشهداء هو هذا، لو أعطاك قدرة على ما كان وما يكون، تعيد الماضي، وتحضر الآتي، وكانت لك قدرة على جميع الأمور، وحكمت جبرائيل وميكائيل وعزرائيل، لو أردت أن تبيع كلّ ذلك بجوهرة الحريّة التي لم تُبْقِ في الرقبة سوى قلادة العبوديّة وحدها دون سواها، فإنّك تكون قد خسرت. فهذا هو الكلام الذي استفدناه من كلام سيّد الشهداء يا بنيّ لا تكن عبد غيرك. لا تجعل نفسك في أيّ وقت مرتبطًا بغيرك، لا تكن عبد غيرك، لا تكن عبدًا لإنسان مثلك، عبدًا لمقام، عبدًا لمكانة، عبدًا لمال. لماذا؟ لأنّك أيّها المسكين لا تعلم ما هو الجوهر الذي تخسره، لا تدري ما هو الشيء الذي تفقده. لقد جعل فيك الله إكسيرًا وكيمياء لا يمكن مقايضته بأيّ شيء سوى لقائه.

    1. سورة الشورى (٤٢) ذيل الآية ٢۰. 
    2. وردت في المصادر عن أمير المؤمنين عليه السلام: نهج البلاغة، ج٣، ص ٥۱؛ تحف العقول، ص ۷۷. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

13
  • ذات يوم جاء أحد الأصدقاء لزيارة المرحوم العلاّمة، وكان يريد منه توضيحات حول الأعمال التي يقوم بها والأمور والمشكلات التي لديه. فكان يقول: لقد قمنا بهذا العمل، وبهذا العمل، وبالنسبة لنشر الكتب والترجمة والأمور... فقال المرحوم العلاّمة له جملة واحدة. قال ذلك الرجل: هذه الجملة الواحدة هي التي حفظتني رغم كلّ الابتلاءات، وكانت تلك الجملة هكذا: سيّد فلان! لا تستبدل ذلك بشيء سوى لقائه، بغير لقائه تكون قد خسرت. يعني لو قال الله: أعطيك في مقابل ذلك الدنيا، تكون خاسرًا. لو قال: أعطيك في مقابل ذلك خوارق العادة مثلًا، فقد خسرت من الناحية الروحيّة. كلّ ما أعطيك سوى لقائي إن رضيت به فأنت خاسر، هكذا كان يقول. وهذا أمر من الواضح أنّ هذا الرجل كان قد أدركه، كان قد فهم الأمر حين تحدّث به. لا بدّ أن يرى المال مال الله، لا بدّ أن يقطع تعلّقه بهذا المال. هذه هي المسألة الأولى. ففي المسألة الأولى على السالك أن يلتفت إلى هذه النقطة، وهي أن يقطع تعلّقه ابتداء من القلم إلى ما لا نهاية، لا بدّ أن يقطع تعلّقه، إن لم يستطع أن يقطع فليقلّل، ولا يسمح له بالتضاعف قدر المستطاع. ليحمل معه هذا الأمر، وليجعله حديث نفسه، وليتذكّره دائمًا، ولير هذه الأمور الواقعيّة واقعيّة.

  • التعامل مع الموت بجدّ قاطع التعلّقات

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ما خلق الله عز وجل يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت۱ الناس كلّهم يعلمون أنّهم يموتون، ولكنّهم يتعاملون معه معاملة الشك. واقعًا لو أنّنا نتعامل مع الموت بشكل جادّ، فهل كان وضعنا هكذا؟ واقعًا لو تعاملنا بشكل جادّ. لقد ذكرت لكم في تلك الليلة قصّة ذلك الصديق حين التفت في الليل إلى أنّه ربّما صار مريضًا وهو يقرأ أشعار الوداع. جلس يوصي والخلاصة أنّ أوضاعه... لقد كنّا معًا في مكان، فرأيت أنّه من الصباح حتّى الظهر... جئت إليه وقلت له: أين كنت؟ قال: كنت قد ذهبت إلى الحرم. قلت: تعال يا عزيزي! قلت لن يحدث شيء من هذه الأمور، أنت لن تسلم روحك لعزرائيل بهذه السرعة، تعال. كان قد ذهب من الصباح حتّى الظهر إلى الحرم وشرع... فما الأمر؟ لقد أخذ الأمر بجدّ. رأى أنّ هذه المسألة حقيقيّة. فلنتعامل نحن مع الأمر بجدّية. لذلك يقول الإمام: لا يقين أشبه بالشك من الموت، أنا لم أر بين الناس. فنحن الآن الذين جلسنا في هذا المجلس في كم مجلس فاتحة شاركنا وقرأنا الفاتحة وترحّمنا على الميّت ودعونا له في كم مجلس؟ ربّما بلغت ألف مجلس. وفي يوم من الأيّام هؤلاس الجالسون هنا إن شاء الله سيشاركون في مجلس فاتحتي، نعم هؤلاء. يقولون: رحمه الله إن شاء الله، ففي النهاية كان يوجع رؤوسنا. فهذا اليقين يقين وجميعنا نعلم، ولكن الكلام هو في أنّا نؤجّله بالإمهال والإهمال، نمهل ونقصّر، ما إن يأتي إلى ذهننا حتّى نتجاوز، ما إن يأتي يريد أن يشغل فكرنا بنفسه نصرف أنفسنا، لا نتابع، لا ندخل، إذا جاءت الفكرة فإذا سمح لها الإنسان فإنّها ترسخ، تذهب تلك الفكرة وتفتح لنفسها مكانًا، تسيطر على منافذ القلب. نحن لا نسمح ونمضي. 

    1. من لا يحضره الفقيه، ج۱، ص ۱٩٤. عن الإمام الصادق عليه السلام 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

14
  • كلاّ علينا أن نتعامل بيقين! هذا هو الأمر الأوّل وأنّ على الإنسان والسالك، سالك طريق الله أن لا يكون له تعلّق بالمال مهما كان، سواء جعل الله له قليلاً أم كثيرًا لا فرق. المال مال الله. فأنتم إذا ذهبتم إلى مصرف فرعيّ عند الزقاق كم تجدون في ذخيرته وصندوقه؟ افترضوا مليونين، ثلاثة، خمسة، عشرة ملايين. أمّا لو قمتم وذهبتم إلى المصرف المركزيّ فكم تجدون في خزانته؟ كم مليارًا؟ فهل هذان الأمران يغيّران في نفوسكم شيئًا؟ كلاّ، فلا هذا لكم ولا ذاك، فهناك مكان أوسع وفيه أموال أكثر ولا علاقة له بك، وهذا على رأس زقاقك في خزانته مثلاً بضعة ملايين يرفع حاجة هؤلاء المراجعين من المستوى العاديّ. فهذا لا علاقة له بك. وعلى الإنسان أن يكون حاله بالنسبة إلى المال الذي جعله الله عنده هكذا. هذا هو الأمر الأوّل.

  • الأمر الثاني: كيفيّة صرف المال (مراعاة مكانة الإنسان)

  • أمّا الأمر الثاني فهو أنّه كيف يصرفه؟ فهذا الأمر مهمّ. كيف يصرفه؟ كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: لا بدّ أن يصرفها بالطريقة التي يرضاها الله. بتلك الطريقة التي يرضاها الله. 

  • نحن نرى أنّ هناك أمرين في الشرع لهما أهميّة: 

  • الأول: الحاجة. 

  • والثاني: موقعيّة الناس وشخصيّتهم. فهناك بعض الناس لهم مكانة من الناحية الاجتماعيّة، غاية الأمر أنّها ليست مكانة كاذبة وشخصيّة سفّاكة وظالمة، فقد كان منها في هذه الأزمان حيث كان يصل بعضهم إلى مكانة كاذبة من خلال الظلم وبإحياء الظلم وبالقضاء على المظلوم. كلاّ فليس المراد هو ذلك، بل أصحاب الثقافة والمكانة الاجتماعيّة، الذين لهم خصوصيّة وثقافة وأخلاق وهم ملجأ الناس في المجتمع، نجد أنّ الشرع والإسلام تعاطى معهم بطريقة خاصّة تختلف عن الذين هم جيّدون ولكنّهم من الطبقات العاديّة. 

  • كيفيّة تعاطي أمير المؤمنين مع ابنتي يزدجرد

  • عندما فتح جيش الإسلام إيران وأسر ابنتَي يزدجرد ـ يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيّين ـ جاؤوا بهما إلى المدينة وأراد عمر أن يعاملهم كما يعامل الآخرين ويعرضهما للبيع وكلّ من دفع أكثر أخذهما، ولكنّ أمير المؤمنين رفض ذلك وقال إنّ هذا خطأ لأنّ رسول الله قال: أكرموا كرام قوم ولو كانوا كفّارًا۱، لا بدّ من إكرام كبار كلّ قوم واحترامهم، فهؤلاء كان أبوهم ظالمًا ولكنّهما كانتا في محيطهما وفي ثقافتهما صاحبتي مكانة، وصاحبتي ثقافة خاصّة وخصوصيّات أخلاقيّة، فقد نشأتا في ظلّ تلك الثقافة وليس من الضروريّ أن تكون تلك الثقافة فاسدة، فمثلاً والدهما ملك من الملوك الساسانيّين، ولكنّ المحيط الذي نشأتا فيه ربّما تكون قد تعلّمتا فيه وصارت لهما نفس، صارت لهما نفس عزيزة، صارت لهما شخصيّة في نفسهما وبين أقرانهما، وصارت لهما مكانة خاصّة، وعلى الإسلام أن لا يجعلهما كغيرهما، وهذه هي حقيقة المسألة، فلو أنّ إنسانًا ذا قدرة ووضع، ابتلي ببعض الأمور، ألا تختلف نظرتنا إليه عن نظرتنا إلى سائر الناس؟ نحترمه احترامًا خاصًّا. وهذا من دقائق المنهج والنظام التربويّ الإسلاميّ. فالإسلام يريد أن يقول هذا: نحن نهتمّ أيضًا في الزوايا الروحيّة والنفسيّة للناس، فالمسألة ليست مسألة ظاهر فحسب، فحتّى من هذه النقطة نقوم بجذبهم وترغيبهم بالمعارف، عندما يشعر إنسان أنّه محترم في مكان ما... 

    1. بحار الأنوار، ج٣۱، ص ۱٣٣: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيدا . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أكرموا كريم كل قوم . فقال عمر : قد سمعته يقول : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وإن خالفكم .

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

15
  • بعض الموارد التي يلزم فيها عدم مراعاة المكانة (قصّة العبّاس عمّ النبيّ)

  • وبالطبع ليس هذا الأمر في جميع الموارد، وتحديد ذلك يرجع إلى الإنسان نفسه، فنحن في بعض الموارد نلاحظ أنّه جرت المعاملة بنحو آخر وبشكل آخر، لأنّ الملاك تغيّر هناك، وتغيّرت الظروف، فمثلاً في معركة بدر أسر المسلمون عددًا كبيرًا من الكفّار كان منهم العبّاس عمّ النبيّ، فقد كان العبّاس عمّ النبيّ في النهاية، وكانوا قد أوثقوا الجميع في مكان واحد كيلا يفرّوا، فلم يقل النبيّ: العبّاس عمّي وصاحب قبيلة وعشيرة ففكّوه وأريحوه.كلاّ فهذا المعيار لا يجري هنا، وهنا لا بدّ من تطبيق مبدأ المساواة كيلا يقال إنّ الإسلام طرح هنا الطبقات والقبيلة والأقارب وأدّى إلى اختلاف الناس. كلاّ، فقد رأى الناس النبيّ منزعجًا لا ينام الليل. فقالوا: يا رسول الله لماذا لا تنام؟! في اليوم التالي قال النبيّ: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه۱ فسألوا النبيّ أتأذن لنا أن نطلقه. فقال النبيّ إن أطلقتموه فعليكم أن تطلقوا الجميع. انظروا فالمسألة هنا مسألة راحة وطلب الراحة، المسألة هنا تختلف. فالإسلام ليس دينًا جافًّا، ليس دين تعصّب وعناد وبدون قانون وبدون مراعاة، إنّه دين ذو ثقافة، دينٌ مرهف حكيم، يراعي الأمور في كلّ مكان بحسبه. إن أردتم أن تفكّوا وثاق العبّاس فعليكم أن تفكّوا وثاق جميع الأسرى. ثمّ قالوا: لا بأس، سنفكّ الجميع غاية الأمر أنّا نحيطهم بعدد من الحرّاس كيلا يفرّوا. ففكّوا الجميع، فناموا ونام رسول الله. 

  • أمّا هنا فلا، هنا مكان تزول فيه خصوصيّة اللطف النفسيّ لهاتين الشابّتين، ذلك الحياء والخجل والعزّة الشخصيّة لهما في حال الزوال من فعل عمر هذا الآن، لذلك فالأمر يصبح بشكل آخر، بحيث تُحفظ شخصيّتهما وتبقى مصانة. أمّا الآخرون من الأسرى فليس لهم في أنفسهم هذا الحال الذي عند هاتين، بل هم من الناس العاديّين، فمثلاً هنّ إماء عاديّات أخذن من الشارع والزقاق. أمّا هاتان الاثنتان اللتان أخذتا من قصر يزدجرد الملك الساسانيّ الملك الإيراني، هؤلاء اللواتي بقين عُمْرًا في هذه الحالة، كانتا محتجبتين، كانتا في حالة تجعلانهما يشعران بنوع من العزّة والمنعة في نفسيهما، فيأتي أمير المؤمنين ويدرسها من وجهة نظر نفسيّة واجتماعيّة، ويقول لا شكّ أنّهما أمتان، ولا بدّ أن تباعا كسائر الإماء، فمن حيث ضرورة أن تباعا لا بدّ أن تباعا ولا يمكن أن يبدّل الحكم، ولكن من ناحية ثانية لا بدّ من احترامهما. ما هو هذا الاحترام؟ لا بدّ أن نجعل اختيار الزوج إليهما. اختارا أنتما من تريدان. جعل خيارهما بأيديهما. وطبق أصحّ الأقوال اختارت إحداهما ـ وهي شهربانويه أمّ الإمام السجّاد عليه السلام ـ سيّد الشهداء، واختارت الأخرى محمّد بن أبي بكر وأصبحت زوجة له. فأعطاهما أمير المؤمنين لهذين. وطبعًا في بعض الأخبار الأخرى أنّ الآخر هو الإمام الحسن عليه السلام، ولكن الأوّل يبدو أقوى. 

    1. بحار الأنوار، ج۱٩، ص ٢٤۰. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

16
  • اختلاف أساليب عيش الأئمة حسب أحوال المجتمع

  • هذه المسألة مهمّة، ولذلك نرى أنّ الأئمّة عليهم السلام كانت طريقة معاشرتهم مع الناس تختلف، ففي زمان أمير المؤمنين كانوا يعيشون بطريقة، بحياة بسيطة، ولكن في زمان سيّد الشهداء عليه السلام حيث ترقّى مستوى معيشة عموم الناس، وكان جميع الناس يتمتّعون بحياة جيّدة نسبيًّا، فكانت حياة سيّد الشهداء تختلف أيضًا. ونرى هذه المسألة في حياة الإمام الصادق عليه السلام. يأتي ذلك الرجلُ سفيانُ الثوريّ الصوفيّ إلى الإمام الصادق ويرى أنّ الإمام يلبس ثوبًا ثمينًا فيقول: يا ابن رسول الله! هل كان أجدادك يعيشون هكذا، هل كان لديهم مثل هذا اللباس؟ فيقول له الإمام: لقد لبست هذا اللباس للناس، ولأجل وضعي الفعليّ. انظروا! الوضع الاجتماعيّ.۱ فالإمام الصادق يريد أن يقول: أنا الآن في مقابل المنصور، وعقل الناس في عيونهم. فلو أنّي كنت في حالة بحيث إذا رآني الإنسان لرجع من النظرة الأولى. لا بدّ أن أكون في حالة [في حالة أخرى] أنا لا أقول مثل المنصور الدوانيقيّ ديباج وذهب وألبسة مذهّبة وأمثال ذلك من الجبّة والعمامة والتاج المكلّل والمحلّى بكافّة أنواع الجواهر ونحوها، كلاّ بل في حالة لا تجعلني سببًا لنفور الناس على الأقلّ. ففي النهاية في زمان أمير المؤمنين كان لباسه مرقّعًا، وكان حذاؤه مرقّعًا، حتّى قال هو نفسه: لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها.٢ لقد كانت الظروف حينها صعبة جدًّا، كان أكثر من نصف الكوفة فقيرًا، وكان أمير المؤمنين يذهب إلى هذا وإلى ذاك، إلى هذا المنزل وإلى ذاك، أمّا في زمان الإمام الصادق فقد كانت الأحوال قد تغيّرت، فلو فرضنا أنّ هناك خمسة بالمائة من الناس فقراء، فإنّهم كانوا يعيشون حياة متوسّطة نسبيًّا ولم يعد هنا معنى لأن يلبس الإمام الصادق عباءة مرقّعة، خصوصًا في تلك الظروف التي يشاهد فيها الناس مظاهر العظمة و الجلال، فما هؤلاء الناس؟ ينظرون إلى هذه الأبّهة والجلال فيقولون من هؤلاء؟ وبالنظر إلى هذه الأوضاع ربّما بلغ الأمر إلى أن يحصل عند هؤلاء سوء ظنّ أن هؤلاء يحاولون لفت أنظار الناس بذلك، فهنا هو الموضع الذي نهى فيه الإسلام أن يكون الإنسان أدنى من سائر الناس، فهذا مضرّ، فلو كانت الأحوال قد بلغت نحوًا بحيث صار الوضع المعيشي للجميع بغير ضيق فلو أراد الإنسان أن يعيش خلاف العرف بحيث يشار إليه بالبنان ويقال له: انظروا! كم هو زاهد فلان! فإنّ هذا ليس صحيحًا، على الإنسان أن يكون على النحو المتعارف.٣ 

    1. تحف العقول، ص ٣۸٤: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السلام فرأى عليه ثيابًا بيضًا كأنّها غرقئ البياض فقال له: إنّ هذا ليس من لباسك. فقال عليه السلام له: اسمع مني وع ما أقول لك فإنّه خير لك عاجلاً وآجلاً إن كنت أنت متّ على السنة والحقّ ولم تمت على بدعة. أخبرك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان في زمان مقفر جشب فإذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها. ومؤمنوها لا منافقوها. ومسلموها لا كفّارها. فما أنكرت يا ثوريّ، فوالله - إني لمع ما ترى - ما أتى عليّ مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعًا إلا وضعته.
      وفي بحار الأنوار ج۷٦، ص ٣۰۷: عن سفيان الثوري قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أنت تروي أن علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، وأنت تلبس القوهي والمروي*، قال: ويحك إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان في زمان ضيق، فإذا اتسع الزمان فأبرار الزمان أولى به.
      وفيه ص ٣۰٢: عن غيبة الشيخ الطوسي... وجه قوم من المفوضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال كامل : فقلت في نفسي : أسأله : " لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي ، وقال بمقالتي " قال : فلما دخلت على سيدي أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه ، فقلت في نفسي : ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان ! وينهانا عن لبس مثله ! فقال متبسما " : يا كامل وحسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده ، فقال : هذا لله ، وهذا لكم.
      *القوهي والمروي نوعان من اللباس الفاخر ينسبان إلى قوه ومرو من بلاد فارس. 
    2. نهج البلاغة، ج٢، ص ٦۰. 
    3. بحار الأنوار، ج ۷٦، ص٣۰۷ و٣۱۱: عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينا أنا في الطواف إذا رجل يجذب ثوبي، فالتفتّ فإذا عباد البصري، فقال: يا جعفر بن محمّد! تلبس مثل هذا الثوب وأنت في الموضع الذي أنت فيه من عليّ؟ قال: فقلت له: ويلك هذا الثوب قوهي اشتريته بدينار وكسر، وكان عليّ عليه السلام في زمان يستقيم له ما لبس فيه، ولو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا هذا، لقال الناس: هذا مراء مثل عباد.
      عن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليًّا كان عندكم فأتى بني ديوار فاشترى ثلاثة أثواب بدينار: القميص إلى فوق الكعب، والإزار إلى نصف الساق، والرداء من قدامه إلى ثدييه، ومن خلفه إلى أليتيه، فلبسها ثمّ رفع يده إلى السماء فلم يزل يحمد الله على ما كساه حتّى دخل منزله. ثمّ قال: هذا اللباس الذي ينبغي أن تلبسوه، ولكن لا نقدر أن نلبس هذا اليوم، لو فعلنا لقالوا مجنون، أو لقالوا مراء، فإذا قام قائمنا كان هذا اللباس.

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

17
  • مراعاة الأئمة عليهم السلام لشأن الناس في تحديد مقدار عطائهم

  • فإضافة إلى الأمر والحفاظ عليه، إضافة إلى موضوع عدم التعلّق والحفاظ عليه، فإنّ الأمر الثاني هو الكيفيّة، لذلك نجد أنّ كيفيّة إنفاق الأئمة على الناس تختلف، فقد يأتي رجل فقير فيعطيه الإمام مقداراً لرفع حاجته، في حين يأتي رجل آخر، أو دون أن يأتي يرسل إليه الإمام مبالغ كبيرة. فالإمام ينظر إلى موقعيّته، ينظر إلى شأنه، ينظر إلى ذهابه وإيابه بين الناس، وما هي الوضعيّة التي هو عليها بينهم، فلذلك على الإنسان أن يختار الكيفيّة المناسبة للوضع الذي هو فيه، والتي يعلم أنّها لا تبعده عن الله، يمكن أن يكون منزل قيمته عشرون مليونًا۱ كثيرًا بالنسبة لإنسان، ويجعله غافلاً، ويأسر تفكيره، ولكن يمكن أن يكون إنسانٌ في موضع معيّن في نظر الناس ومن حيث علاقاته الاجتماعيّة مع الناس في حال تجعله شاء أم أبى لا يؤثّر فيهم إن لم يكن له إمكانات مادّية أكثر، فيجب على هذا أن لا يعيش في منزل قيمته عشرون مليونًا، بل عليه أن يهيّء منزلاً أفضل ومكانة أفضل، مع المحافظة على مسألة عدم التعلّق. فإضافة إلى الأمر الأوّل لا بدّ من مراعاة الأمر الثاني أيضًا. 

  • لا مراعاة للشأنيّة في موضوع المهر بسبب دليل خاصّ

  • من الموضوعات التي أكّد عليه الإسلام وذكرناها مرارًا هذا الموضوع:

  • افترضوا مثلاً أنّ المسألة هي مسألة مهر السنّة، فقد جاء رسول الله وجعل مهر ابنته التي هي أفضل ابنة على الأرض خمسمائة درهم، حيث جعل الصداق من أمير المؤمنين ثمن الدرع. ولكن هناك من يقول: خمسمائة درهم في ذلك الزمان كان يمكن أن يشترى فيها منزل! 

  • يا أهل الإنصاف هل تعلمون ماذا صنع النبيّ بهذه الخمسمائة درهم؟! لقد أعطى منها مقدارًا إلى سلمان وقال له: اشتر للزهراء عطرًا، وأعطى مقدارًا آخر لأبي بكر وعمّار وجماعة آخرين وأرسلهم إلى السوق ليشتروا أثاث المنزل. ماذا كانت لوازم المنزل تلك؟ إبريقًا، فراشًا، أربعة وسائد، جرّة فخّار، إناءً للحليب، رحى لطحن الحبوب، وستارة وقماشًا وشيئين أو ثلاثة أشياء أخرى.٢ فهل هذه قيمة منزل؟ أهكذا يتكلّم الإنسان؟! إنّها خمسمائة درهم ثمن درع أمير المؤمنين. 

    1. وهي قيمة قليلة جدًّا بالنسبة إلى قيمة المنازل في تاريخ إلقاء المحاضرة. 
    2. بحار الأنوار ج۱، ص ٣٦٩: فأقبل رسول الله ( ص ) فقال: يا أبا الحسن انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنه حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما.
      قال علي: فانطلقت وبعته بأربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان. 
      فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع منى قال: يا أبا الحسن ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم منى؟ فقلت: بلى، قال: فإنّ الدرع هدية منّى إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله ( ص )، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له بخير وقبض رسول الله ( ص ) قبضة من الدراهم ودعا بأبي بكر فدفعها إليه وقال: يا أبا بكر اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها وبعث معه سلمان الفارسي وبلالاً ليعيناه على حمل ما يشتريه. قال أبو بكر: وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهما، فانطلقت واشتريت فراشا من خيش مصر محشوا بالصوف، ونطعًا من أدم ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء، وكيزانا وجرارًا ومطهرة للماء، وستر صوف رقيقًا، وحملناه جميعًا حتّى وضعناه بين يدي رسول الله ( ص )، فلما نظر إليه بكى وجرت دموعه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف. 
      قال علي : ودفع رسول الله ( ص ) باقي ثمن الدرع إلى أم سلمة، وقال: اتركي هذه الدراهم عندك... وأمر صلى الله عليه وآله : أزواجه أن يزين فاطمة عليها السلام ويطيبنها ويفرشن لها بيتا ليدخلنها على بعلها ففعلن ذلك، وأخذ رسول الله ( ص ) من الدراهم التي سلمها إلى أم سلمة عشرة دراهم فدفعها إلى عليّ ( ع ) وقال : اشتر سمنًا وتمرًا وأقطًا...
      وفي رواية أخرى كما في روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن لأبي الفتح الرازي ج۱٤ ص٢۷٣: إن عليًّا ( عليه السلام ) لمّا أخذ الدرع إلى السوق ليبيعها على ما أمر به النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لقيه شخص أعرابي، فقال: يا عليّ تبيع الدرع؟
      فقال: نعم. 
      قال: هذه درع ثمينة؟ 
      فقال: نعم.
      قال: بكم؟ 
      قال: بخمسمائة درهم، فأخرج الأعرابيّ من كمّه خمسمائة درهم وأعطاها عليًّا ( عليه السلام ) وأخذ الدرع وذهب. فلمّا جاء عليّ بالدراهم وطرحها بين يدي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فقال: يا عليّ ممّن بعت الدرع؟ 
      قال: لأعرابي لم أعرفه.
      قال ( صلى الله عليه وآله ): لم يكن هو أعرابيًّا وإنما كان هو جبرئيل، وقد أتى بالدرع إليّ قبلك فها هي درعك، وهذا من فضل الله عليك. 
      وبالجمة فلما سبك الدراهم بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) - وعلى الرواية الأخرى : في حجره - قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منها قبضة وأعطاها بلالاً وقال: إبتع بها لفاطمة طيبًا، وروي أنه ( صلى الله عليه وآله ) أعطى هذه القبضة لأمّ أيمن أو لأسماء بنت عميس، وأعطى قبضة أخرى لأم سلمة لتشتري بعض ما يصلح للمرأة، وقبض قبضتين أعطاهما أبا بكر وقال: إبتع لفاطمة ما يصلحها من الثياب وأثاث البيت وغيرها، وأردفه بسلمان وعمار بن ياسر...

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

18
  • معنى حديث خير نساء أمّتي أصبحهنّ وجهًا وأقلهنّ مهرًا

  • ثمّ قال النبيّ وهو يريد أن يجعلها سنّة فبدأ بابنته: أفضل نساء أمّتي أصبحهنّ وجهًا وأقلهنّ مهرًا.۱ من هنّ أفضل نساء أمّتي؟ من كانت أصبح وجهًا وأصبح هنا ليست بمعنى الأجمل، بل بمعنى الأكثر بشاشة، أي التي تلقى زوجها بوجه منبسط، لا عبوس، وأنتم تعلمون خيرًا منّي، تلقي كافّة المصائب دفعة واحدة على رأس زوجها المسكين من اللحظة الأولى لاستقباله، لا بوجه منبسط بحيث إن كان لديه مشكلة خارج المنزل أيضًا، وكان منزعجًا، فالزوج له عمل خارج المنزل مع الناس، وهو مبتلى ببعض المشكلات، وببعض المؤلمات، فإذا جاء إلى المنزل على المرأة أن تأتي لاستقباله، تأخذ عنه ثوبه ـ تعلّموا هذا واذهبوا وقولوا إنّ السيّد قال هذا الكلام حتّى يقلن اذهبوا وقولوا للسيّد أن يقول لصالحنا شيئًا أيضًا، وأن لا يكون الكلام من جهة واحدة ـ ثمّ تأتي بكوب من العصير، الأمر الذي لم يحصل لنا، تأتي تستقبله، تستقبل زوجها، تنزع عنه أتعاب الخارج، أنا أضمن وهذا في عهدتي، ثواب هذا أكثر من ثواب صلاة الليل مدّة شهر. إن لم يكن الأمر كذلك فلتأت إليّ هناك، ففي يوم القيامة أحيل الأمر على جدّنا، لأنّي مطمئنّ من أنّ الأمر هو كذلك. أصبحهنّ يعني بوجه منبسط، هؤلاء أفضل نساء أمّتي، وطبعًا في المقابل هناك وصايا تتعلّق بالرجال سنذكرها لاحقًا عند الحديث عن الفقرات الأخرى من حديث عنوان. أصبحهنّ وجهًا: وجهها بشوش أمام زوجها. أقلهنّ مهرًا: مهرها هو الأقلّ. هؤلاء أفضل نساء أمّتي. ومن الذي يقول هذه الكلام؟ رسول الله. عمّن؟ عن جبرائيل. فهذه رواية. 

  • ثبوت مهر المثل في صورة سوء الاستفادة

  • والمسألة الأخرى في المقابل أنّ من الأحكام التي لدينا في الفقه حكم مهر المثل. فما هو مهر المثل؟ يعني المهر الذي في يجعله العرف وبين الناس لكلّ إنسان حسب مكانته الاجتماعيّة، فالآن بين الناس مثلاً كم هو المهر؟ كذا. هذه الفتاة تتمتّع بهذه المزايا، ولها حياة من هذا النوع، فمهرها كذا. هذا ما يسمّى بمهر المثل. لذا فإنّ الشارع حكم بحكمين وقال اختر أيّهما شئت: إن شئت فاختر التأسّي بابنتي وبسيّدة نساء العالمين وشفيعة يوم الجزاء، إنّ اتّباع السيّدة الزهراء هو اتّباع سنّتي، فالمسألة مسألة ماذا؟ أقلهنّ مهرًا لابدّ أن يكون مهرها أقلّ، وما معنى أقلهنّ مهرًا؟ المسألة مسألة مهر السنّة. لذلك فإنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه جعل مسألة مهر السنّة عنوانًا وفتح بابها، فما ترونه الآن من مهر السنّة لا أذكر أنّه قبل المرحوم العلاّمة كان له شياع، لا أذكر حتّى موردًا واحدًا أخذت فيه المرأة مهر السنّة. هذا المهر خمسمائة درهم شرعيّ، خمسمائة مثقال شرعيّ من الفضّة، فقد جاء هو وفتح هذا الباب. 

    1. وسائل الشیعة، ج٢۰، ص ٣۱. 

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

19
  • المسألة الأخرى هي أنّ من لم يرد ذلك فلا بأس ما المشكلة في ذلك؟ بعضهم لا يريد، بعضهم خاضع لظروف وحالات، بعضهم له أخلاق خاصّة وخصوصيّات ويلاحظ مصالح معيّنة، فهذا لم يسدّ الإسلام أمامه الطريق. لا بأس يمكنك أن تجعله ألف ليرة ذهبيّة، عشرين ألف ليرة أيضًا يمكنك، مائتي ألف ليرة أيضًا يمكنك، لا إشكال في ذلك...

  • ضرورة دفع المهر في بداية الزواج

  • ولكن لا بدّ أن تدفع، فالنقطة المهمّة هي هنا: هذه المسألة مسألة شرعيّة، ولا بدّ من الاهتمام بها، وأنا أظنّ أنّ هناك غفلة عنها، وهي أنّ مسألة المهر هي هديّة تعطى في الإسلام من جانب الرجل إلى المرأة. فإذا أراد الرجل أن يخطب المرأة ويأتي بها إلى المنزل، فإنّه يعطي هديّة قائلاً: بما أنّك كنت حتّى الآن في منزل أبيك، وتريدين أن تأتي لنكوّن معًا حياة مستقلّة، فإنّي أقدّم لك هديّة. فكم لدينا في الإسلام اهتمام بالهديّة، إذا جاء الرجل من السفر من المستحبّ المؤكّد أن يأتي ولو بحجر هديّة۱. لدينا الكثير في الروايات عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإنسان إذا رجع من السفر عليه أن يحمل هديّة، تدخل السرور عليهم٢، وهذا الأمر في نفسه يوجب التودّد، وبالطبع ليس بحيث أنّه إذا أراد أن يذهب إلى مكّة فإنّه من اليوم الأوّل وحتّى اليوم الأخير يبقى في الأسواق، كلاّ بل يجعل الأيّام الأخيرة بعد أن يكون قد أنهى أعماله، فيقوم ويشتري الهدايا رزقنا الله. أو إذا أراد أن يذهب لزيارة الأخ المؤمن يحمل معه هديّة، علبة من الحلوى، مقدارًا من الفاكهة، يأخذ شيئًا كهديّة. يريد أن يعود مريضًا لدينا في الرواية أن يأخذ الإنسان هديّة للمريض.٣ وكذا إذا أراد أن يصل الرحم، ففي كلّ هذه الموارد هناك هديّة. والمسألة بعينها في موضوع الخطبة والإتيان بالزوجة إلى المنزل. فإذن المهر في الإسلام هو هديّة، وليس بيعًا وشراء ومعاملة، وهذه المسألة تدور مدار استمرار العقد، فالرجل يعطي هذه الهديّة للمرأة على أساس أنّك معي حتّى النهاية، لا على أساس أنّك بعد سنة تنفصلين وتستقلّين بحياتك. فعندما يعطي الرجل هذه الهديّة ويعطي هذا المهر، فهو على أساس أنّنا نستمر في حياتنا هذه حتّى النهاية، إلا إذا فرّق الموت بيننا. على هذا الأساس. لذلك فإنّ المهر في الإسلام ـ بناء على ما تقدّم ـ وضع لأنّ الطرفين يريدان أن يكوّنا حياة دائمة ومستمرّة. أمّا إذا أراد أحدهما أن يسيء الاستفادة من ذلك، أي إذا أراد الرجل والزوج أن يسيء الاستفادة من ذلك قائلاً: نجعل مهر السنّة، مهر قليل في النهاية، ثمّ إنّ الإسلام جعل الطلاق في يد الرجل، فبعد سنة نطلّقها، بعد سنتين نطلّقها، ليس هناك مهر. كلاّ هنا ليس الأمر كذلك، على المحكمة أن تحاكم الرجل بواسطة مهر السنّة. ففي المحكمة الإسلاميّة ـ وقد قلت أنّ هذا الأمر لم يطرح إلى الآن ـ في المحكمة الإسلاميّة إذا أراد رجل أن يسيء الاستفادة من قلّة المهر، فلا بدّ أن يكلّف بدفع غرامة، وما هي الغرامة؟ إنّها مهر المثل. لا بأس تريد أن تطلّق طلّق، لا أحد يمنعك، وبالطبع ليس بهذه البساطة، بل يتكلّمون معه، ينصحونه، ولكن لو جاء الرجل وعاند وأراد أن يطلّق هكذا بدون سبب وقال: أريد أن أطلّق. يقولون: تريد أن تطلّق طلّق، لا بأس، ولكن عليك أن لا تسيء الاستفادة فهذا ممنوع، أعطها مهرها بمقدار مهر المثل ثمّ طلّقها لتمضي في سبيلها. 

    1. كنز العمّال ج٦، ص ۷۰۸: إذا قدم أحدكم من سفر فلا يدخل ليلا وليضع في خرجه ولو حجرًا.
    2. وسائل الشیعة، ج۱۱، ص ٤٥٩.
    3. وسائل الشيعة، ج٢، ص ٤٢۷.

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

20
  • وكذا لو أساءت المرأة الاستفادة فقالت: بما أنّه كتب لي ألفي ليرة ذهبيّة فهذا جيّد، بعد سنتين آخذها وأمضي في سبيلي. كلاّ، لا يعطونه حتّى واحدة. يقولون: تريدين أن تذهبي تفضّلي، اذهبي بعباءتك هذه التي على رأسك. 

  • فهنا أساس الحياة في الإسلام على الاستمرار. أنتما عندما تزوّجتما هل قلتما بعد سنتين سنفترق؟ لو كنت تريدين ذلك كان عليك أن تقولي من البداية حتّى لا يكتب لك هذا المسكين ألفي ليرة ذهبيّة، فليكتب لك ليرتين بدلاً من الألفين. فليست القضيّة هكذا. 

  • دفع الأئمّة ما يزيد على مهر السنّة في بعض الموارد (خطبة مروان بن الحكم لواحدة من بنات بني هاشم ورفض الإمام الحسن)

  • ولكنّنا نرى أنّ أئمّتنا هؤلاء عليهم السلام لم يعملوا بمهر السنّة. لماذا؟ لأنّ الظروف تختلف. يأتي مروان بن الحكم ـ حاكم المدينة ـ ويخطب لنفسه واحدة من بنات بني هاشم ويجعل مبلغًا كبيرًا مهرًا لها. بعد أن نكث معاوية العهد وجعله تحت قدميه وخرج، وصار مروان حاكم المدينة، وجاء الإمام الحسن إلى المدينة في النهاية، فقد هزِم بحسب الظاهر، وسلّم لصلح معاوية وحكومته. فجاء مروان ليسيء الاستفادة من ذلك، ويتزوّج واحدة من بنات بني هاشم بمهر عظيم. فرأى الإمام المجتبى عليه السلام أنّ هذه المسألة وهذا الزواج هزيمة لبني هاشم، فهذا الآن من موقع القوّة صاحب إمكانات وصاحب ثروة يقول: لقد تغلّبنا عليكم، ثمّ أخذنا ابنتكم. فقام الإمام الحسن عليه السلام في ذلك المجلس الذي كان فيه مروان وقد جعل أكياس الذهب في جانب يريد أن يدفعها في المجلس نفسه، ويعقد على تلك الفتاة، فقام الإمام الحسن وعقد لتلك الفتاة على واحد من أبناء عمّها بعين ذلك المبلغ الذي كان يريد مروان أن يدفعه، ودفع كامل ذلك المبلغ من جيبه. فما هو هذا؟ هذا صفعة على وجهه. فانظروا إذن، لكلّ مورد حسابه الخاصّ، في المواقع التي ينبغي أن يصفع فلا بدّ أن تكون يدك هي العليا، حتّى إنّه حسب الظاهر أعطى أكثر من المبلغ الذي كان يريد مروان أن يدفعه، هكذا يبدو لي، أو [مساو]، وحتمًا لم يكن أقل. دفع الإمام أكثر وقال: لا تظنّ أنّك إذ أخذت الحكومة... لماذا؟ لأنّ الناس ينظرون إلى هذا فقط، انظروا! لقد هزموه فاعتزل مسكين لا مال لديه وأخذوا ابنته وصنعوا ما صنعوا. فما هذا؟ إنّ هذا قبيح بالنسبة للإمام، لا يليق به أن يكون منكوبًا من هذا اللحاظ، وأن يتسرّبوا من هذه الناحية.

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

21
  • فلهذا نجد أنّ الإسلام قد راعى في الموارد المختلفة وأحكام الإنفاق والهبات دقائق وملاحظات نفسيّة شخصيّة واجتماعيّة للنّاس. وما يؤدّي إلى حلّ المشكلات بحيث لا يبقى منها أثر هو أنّ لا يكون هناك تعلّق للإنسان في كافّة هذه الموارد. هذه المسألة مسألة مهمّة، فإن كان يمتلك في يوم من الأيّام فبها، وإن لم يكن يمتلك في آخر فلا بأس، وإن كان رزقه في يوم كثيرًا فبها، وإن كان قليلاً فلا بأس، كلّ ما يعطيه الله للإنسان لا بدّ أن يخضع لهذه الضابطة. 

  • موقف الشيخ الأنصاريّ من ابنة ناصر الدين شاه عند اغتيابها الشيخ علي الكني في مجلسه

  • سأنقل لكم هذه القصّة، ولا شكّ أنّكم تقولون في بواطنكم: يا سيّد ارتقيت المنبر وأنت منغمس في الكلام بحماس ولا تفكّر بحالنا. بخدمتكم سأنقل هذه القضيّة وأنهي الكلام.

  • في زمان ناصر الدين شاه، كان أحد الأعاظم في طهران ويدعى الحاج علي الكني۱، كان ذا نفوذ ومقتدرًا وحاكم شرع مبسوط اليد، يجري الحدود ويقف في مقابل ناصر الدين شاه، ويعترض على بعض الأوامر الحكوميّة ويلغيها، فمثلاً اعترض على مسألة تمديد البلجيكيين للسكّة الحديديّة، ورغم أنّ ناصر الدين شاه كان يريد أن يقوم بذلك، فلمّا رأى فيها يد الاستعمار امتنع وانتفى الأمر. لقد كان الميرزا علي الكني قبل قضيّة التنباك وقبل موقف الميرزا الشيرازي، فهذ الموقف يرجع إلى ما قبل ذلك، وكان رجلاً مقتدرًا، وكان له منزل ذو قسم برّاني وقسم داخليّ، وكان منزلاً كبيرًا، يأتيه الرجال والناس، وينقل أنّه في يوم من الأيّام خرج ناصر الدين شاه من طهران طلبًا للصيد، خرج إلى منطقة شميرانات وأطرافها. وفجأة قال عند العصر: ارجعوا! قالوا: لماذا الآن يا عالي المقاملدينا متّسع من الوقت إلى الليل؟ قال: الآن خطر في بالي أنّه لو أمر الحاجّ ملاّ علي الكني بإغلاق المداخل أمامي لما تجرّأ أحد أن يفتحها ـ لقد كان يخاف منه إلى درجة كبيرة ـ ارجعوا فورًا. وقد ذهبت ابنته إلى النجف وزارت الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه. كان الشيخ الأنصاري العالم الأوّل في النجف وكان زاهدًا وعابدًا ومعروفًا في النجف بزهده وتقواه. جاءت ابنة ناصر الدين شاه واستأذنت من الشيخ ودخلت منزله فرأت أنّه بضعة غرف متواضعة وفيها سجّاد وقد جلس وحوله بضعة كتب ورسائل وهو يجيب على تلك الرسائل مطأطئ الرأس. قال: هل لك مسألة؟ ماذا لديك؟ قالت: أريد أن أقول لك أمرًا وهو أنّه إن كانت هذه الحياة التي تعيشها أنت هي ما أمر به الإسلام والنبيّ فماذا يفعل ذلك الذي في طهران إذن، الحاج الملا علي ـ وكأنّ قلبها كان ممتلئًا ـ ماذا يصنع؟ ذلك القصر، تلك الأوامر والنواهي وهذه الأمور. ما إن سمع الشيخ الأنصاريّ بذلك حتّى قال: قومي واخرجي! اخرجي! اخرجي! طردها من منزله فذهبت. فتابع عمله. وفي اليوم التالي أتت تلك الفتاة من جديد وتوسّطت لديه واعتذرت أنّي أسأت الأدب وكنت أريد أن أبدي بذلك الاحترام فأخذت موعدًا ودخلت. تقول: أنا بالأمس لم أتجاوز على كرامتكم. فقال لها: أيّها إهانة أعظم؟! لقد تجاوزت على كرامة رجل دين وأهنته، عليك أن تتوبي، فاذهبي واغتسلي، قال عليك أن تغتسلي غسل التوبة، قال: عزيزتي! إنّ الحاج الملاّ علي الذي بنى ذلك القصر في طهران وتلك الأبّهة إنّما فعل ذلك لكي يقف أمام أبيك، فلو أنّه بنى منزلاً كمنزلي لما اعتنى به أحد، ولو أنّ الحاجّ الملاّ علي جاء إلى النجف لعاش في هذا المنزل، وإذا ذهبت أنا إلى طهران فإنّي أعيش في عين ذلك القصر، لحصل تبادل. فلكي يتعامل أحدهم مع أبيك لا بدّ أن يكون له مثل ذلك، وإلاّ لما اعتنوا به ولقالوا: من هو هذا؟ افترضوا أنّه من رأسه إلى قدميه يلبس الخيش الذي لا قيمة له. افترضوا أنّه يريد أن يلتقي بعالي المقام، فإنّ الناس من حيث الظاهر ليسوا في مستوى ثقافيّ يمكّنهم من إدراك جميع الحقائق بواسطة قواهم المدركة والمفكّرة، يمزجون الظاهر بالباطن، لذلك ما لم يصل الإنسان إلى تلك الثقافة فلا حلّ سوى ملاحظة بعض الجوانب في بعض الأمور وفق مسير تلك المدرسة، نعم لو فرض أنّ الناس بلغوا درجة بحيث أنّهم لو نظروا إلى منزل الشيخ الأنصاري ثمّ في المقابل إلى قصر ناصر الدين شاه، قصر صاحب قرانيه٢ وأمثاله، لم يرجّحوا أحدهما على الآخر، فإنّ الحاج ملا علي الكني كان سيختار هذا المنزل، ولكن حيث إنّ الواقع على هذه الحال، فلا بدّ من رعاية كافّة الجوانب. هذه المسألة مهمّة، وبالطبع تناولها يحتاج إلى شرح كثير وشرح أكثر من من هذا، إن شاء الله... ولكن من حيث مستوى هذه المجالس أرى من البعيد أن نتمكّن من الخوض فيها أكثر من ذلك.وإن شاء الله سنعرض هذه المطالب بشكل موسّع في الكتابة، مع الالتفات إلى القرائن والحكايات والخصوصيّات.

    1. ولد عام ۱٢٢۰ﻫ بقرية كن من قرى طهران وتُوفّي في السابع والعشرين من المحرّم ۱٣۰٦ﻫ
      من أساتذته
      الشيخ محمّد حسن النجفي المعروف بالشيخ صاحب الجواهر، الشيخ حسن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الشيخ مشكور الحولاوي النجفي، السيّد محمّد إبراهيم القزويني الحائري.
      من تلامذته
      الشهيد الميرزا محمّد باقر الإصطهباناتي، الشيخ محمود اللواساني، الميرزا حسين النوري، الشيخ موسى شرارة.
      من مؤلّفاته
      تحقيق الدلائل في شرح تلخيص المسائل في القضاء والشهادات (٤ مجلّدات)، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب البيع، توضيح المقال في علم الرجال.
      قال الشيخ آقا بزرك الطهراني(قدس سره) في طبقات أعلام الشيعة: "عالم عظيم، وزعيم كبير… وبرع في الفقه وأُصوله براعة تامّة، ونبغ في العلوم الإسلامية الأُخرى نبوغاً باهراً، وعُرف بسداد الفكر ونفاذ الرأي، وخصوبة الذهن، والتحقيق وبُعد الغور، وسعة الاطّلاع، والإحاطة بالآراء والأقوال"
      انظر: طرائف المقال ٢/ ٣۷٤، معارف الرجال ٢/ ۱۱۱ رقم٢٥٦، أعيان الشيعة ۸/ ٣۰٢، طبقات أعلام الشيعة ۱٦/ ۱٥۰٤ رقم٢۰٢٢.
    2. قصر نيافاران (صاحب قرانيه ) أو ( کاخ نياوران ) بالفارسية يقع هذا القصر في شمال طهران، في حديقة كبيرة تبلغ مساحتها حوالي ۱۱ هكتارًا. وهو قصر تاريخي أمر الملك القاجاري ناصرالدين شاه عام ۱٢٦۷ هـ.ق ببنائه .

رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها

22
  • نرجو من الله تعالى إن شاء أن يحفظنا تحت ظلّ إمام الزمان عليه السلام من كافّة الأخطاء والضلالات، وأن يهيء لنا موجبات رضاه وموجبات التكامل، وأن لا ننقطع عن أهل البيت عليهم السلام في الدنيا والآخرة. وأن لا يحرمنا في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم. 

  • اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.