/ ۱۳
  • fullscreen

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤٣۸ هـ ق - المحاضرة ۱۷

  •  

  • ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

2
  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى أهل بيته الطاهرين والّلعنة على أعدائِهم أجمعين

  •  

  • «وَلَو خِفتُ تَعجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ، لا لِأَنَّکَ أَهوَنُ النَّاظِرِينَ وَأَخَفُّ المُطَّلِعِينَ؛ بَل لِأَنَّکَ يا رَبِّ خَيرُ السَّاتِرِينَ وَأَحکَمُ الحاکِمِينَ وَأَکرَمُ الأَکرَمِينَ»

  •  

  • لو كنت خائفًا من تعجيل العقوبة، لما ارتكبت الذنوب؛ كما أنَّ عدم خوفي هذا ليس بسبب قصور إشرافك ونقص اطلاعك على أعمالنا؛ فلا مجال للكلام عن هكذا أمر أصلًا، وهو ألا يكون عندك اطلاع وإشراف، أو أن يكون اطلاعك قاصر وإشرافك ناقص؛ { لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ }۱ فلا يأخذ الله نومٌ ولا خَفْقَة؛ هو حاضر وشاهد دائمًا علينا في جميع الأحوال فـ { ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ }٢ فما من ثلاثةٍ يتناجون بأمرٍ ما في أيّة زاوية من زوايا العالم، إلّا وهو رابعهم، وهو بالنسبة إلى الإنسان {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ}٣. إنَّ حبل الوريد هو ذلك العِرق الذي يوصل الدم إلى الدماغ، فإن انقطع هذا العرق وانقطع وصول الدم إلى الدماغ لثانية واحدة، لسقط الإنسان على الأرض مغشيّـًا عليه على الفور؛ فالله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.

  • إذن فعدم خوفي هذا ليس بسبب عدم اطلاع الله، وليس ناشئًا عن اعتقادي بأنّ الله مشغولٌ بأمور أخرى؛ مما يجعله لا يطّلع على أعمالي، وبالتالي سيتركني وحالي لا شغل له بي؛ كلا بل لأنَّك وفي عين امتلاكك لأعلى درجة من درجات المراقبة والاطلاع، إلا أنك خير الساترين في مقام الستر، وأحكم الحاكمين والمحاسبين في مقام المحاسبة، فأنت هو الأكثر دقّة وواقعيّة، وأنت هو عين الحقيقة؛ وفي مقام الكرم والشهامة والنبل، تعامل عبادك بأعلى درجات الكرم والشهامة. فهذه الصفات الثلاث هي التي جعلتني لا أهتم بارتكاب المعاصي كما ينبغي، ولا أخاف الخوف الازم، ولا أراقب المراقبة المطلوبة؛ فهذه هي الصفات التي أعرفك بها يا رب.

  • تحدّثت إلى الإخوة والأصدقاء عن موضوع ستّارية الله، وقلت: إن الله يغطّي الذنب ويستره، وأنّ هذه المرحلة هي المرتبة الأولى من مراتب الستر، أي أنَّه يتغاضى عن الذنب ـ بحسب ما نصطلح عليه في كلامنا ـ ويغضّ طرفه عما يصدر من أعمال عباده.

    1. سورة البقرة (٢)، جزء من الآية ٢٥٥.
    2. سورة المجادلة (٥۸)، جزء من الآية ۷.
    3. سورة ق (٥۰)، جزء من الآية ۱٦.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

3
  • وقلت حينها: إنَّ هذا الموضوع يُعَدّ ركنًا أساسيّـًا في حركة السالك وفي سيره إلى الله؛ وإلّا فلولا هذه الستّارية لما تمكّن الإنسان من أن يتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام. فلو أنَّ أحدهم قد عمّر نوح عليه السلام ألف سنةٍ، ساهرًا ليله إلى الصباح، وصائمًا نهاره؛ متحمّلًا الجوع والعطش الشديد وأنواع المشقّات، غير أنَّه يتصف بصفة التجسّس على ما يقوم به الآخرون من أعمال، ويحاول أن يعرف ما الذي قام به فلان وما الذي قام به فلان؛ ويقوم بتثبيت ما يلاحظه عنهم، ويحفظه في ملف أو في مفكّرة؛ فيكتب فيه: فعل فلان الفعل الفلاني، ويعزّزه بذكر تأريخ الحادثة، ثمّ يحتفظ به لكي يقوم بكشفه في الوقت المناسب.. نعم، إنَّ من يدأب على تتبّع ما يقوم به الآخرون، ويحتفظ لنفسه بملفٍ يتضمّن ما يقوله هذا وذاك لكي يقوم باستغلاله في مناسبةٍ ما، فهكذا رجل سيبقى متوقّفًا في نفس الدرجة وفي نفس الأفق الذي هو فيه إلى الأبد، ولن يتكامل ولو بمقدار شعرة، فهو يصلّي ويصوم ويحجّ ويقوم بأعمال أخرى إلا أنه لا يتقدّم، ولا يبرح المكان الذي هو فيه. لماذا لا يتحرّك ولا يتقدّم؟ لأنَّه في وضع يتناقض مع الحركة والتقدّم، فمَثَله في ذلك كمَثَلِ سيّارة تمّ ربط مؤخرتها بسلسلة إلى عمودٍ، وها هو صاحبها يضغط على دوّاسة الوقود ويريد أن يتقدّم بها إلى الأمام؛ فلو أنَّه استمرّ بما يقوم به من عملٍ لمدّة مئة سنة، لما تحرّكت السيّارة من مكانها، ولما استفاد غير أنّ وقود السيارة سينفد، وذلك لأنَّ العمود وذلك المانع من الحركة موجود وهو يناقض التحرّك تمامًا؛ فلابدّ من أن تتوفر مستلزمات الحركة لكي تتمكّن السيّارة من السير، ومن هذه المستلزمات: أن تكون السيّارة صالحة للعمل، وأن يكون الطريق الذي تسير عليه مستويًا، وأن لا يكون في طريقها ما يعيق حركتها، فأهمّ ما يحصل لهذه السيّارة الآن هو وجود ها المانع خلفها وهو يمنع حركتها.

  • إنَّ هذه الحالة هي واحدة من أسوء الحالات التي تحصل للإنسان في حياته، فهي تجعل الإنسان يتوقّف في نفس المرتبة التي هو عليها، وقلت لكم بأنَّه حتى وإن عمّر عمر النبي نوحٍ، لما تمكّن من الحركة إلى الأمام ولو بمقدار سنتيمتر واحد، ولما تمكّن من أن يبرح مكانه.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

4
  • هناك بعض الأمور التي على المرء أن يراعيها في حياته! وإنَّ العظماء يؤكِّدون باستمرار على ضرورة مراعاة بعض الأمور، وستر العيوب أحدها؛ فقد سمعتهم يؤكّدون في أحاديثهم تأكيدًا شديدًا على ضرورة أن يغمض السالك عينيه، ويكون عنده حالة من الستر دائمًا، عليه من الأساس ألا يتتبّع العورات، فإن اتفق ورأى شيئًا فعليه أن يدير وجهه عنه وكأنه لم يرَ شيئًا.

  • كان العظماء يؤكّدون تأكيدًا شديدًا على بعض الأمور؛ منها: أمر قضاء حوائج المؤمنين، فقد كانوا يؤكِّدون على هذا الأمر تأكيدًا شديدًا، سأل المرحوم العلاّمة المرحوم الشيخ الأنصاري ـ رضوان الله عليهما ـ يومًا عن أفضل ما يمكن أن يساعد السالك في التسريع في سيره، فقال الشيخ الأنصاري: لا يوجد عمل ـ بعد قيام الإنسان بأداء الواجبات وترك المحرمات ـ يفي بهذا الغرض مثل كسب قلب المؤمن وقضاء حاجته، فما من عملٍ يصل إلى ما يصل إليه هذا العمل في تأثيره. وفي المقابل فما من شيءٍ يعمل على قصم ظهر السالك، وسدّ الطريق بوجهه، مثل كسر قلب شخص وإيذاء خاطره بدون وجه حقّ ـ فإنَّ موضوع التكليف هو شيء آخر لا علاقة له بهذا الأمر ـ نعم، إنَّ كسر قلب المؤمن وإيذاؤه يكون بمثابة وضع قطعة كبيرة من الخرسانة في طريق الشخص، فمهما يقوم به من الضغط على دوّاسة الوقود، فلن يستطيع الحركة؛ وذلك لأنَّ الطريق قد سُدَّ أمامه تمامًا.

  • وأمّا الأمر الآخر الذي كان العظماء يؤكّدون عليه أشدَّ التأكيد أيضًا، وقد لاحظت ذلك خلال مرافقتي للمرحوم العلاّمة، رضوان الله عليه، وحديثي معه، وكذلك لاحظته في حضوري لمجالس المرحوم السيِّد الحدّاد، فكنت أشاهد كيف كانوا يؤكّدون على هذا الموضوع أشدّ التأكيد عندما تحصل مثل هذه الأشياء أمامهم ـ ذلك الأمر هو: ضرورة عدم التدخّل في شؤون الآخرين ومتابعتهم، بأن يرى ما الذي فعله فلان وما الذي فعله فلان، فكانوا يقولون: إنَّ هذا العمل وفي حدّ نفسه ـ وبغضّ النظر عما يترتب عليه من عواقب وتبعات ومفاسد ـ يُعدّ عملًا شيطانيّـًا.

  • فإن كنت تسير في طريقك، ورأيت أحد إخوتك يقف إلى جنب الطريق منتظرًا لأحدٍ ما، فلماذا تقوم بإيقاف دراجتك لترى من ينتظر؟ فما هي علاقتك بهذا الموضوع؟ فلينتظر من أراد أن ينتظر، فما هي علاقتك بذلك؟ هذا فيما إن لم يكن وقوفه عن أمر يحتاج فيه إلى مساعدةٍ أو تكون قد حصلت له مشكلة معيّنة، فذلك أمر آخر، أمّا أن يكون توقفك لمجرّد أن تعرف من ينتظر، وأن تقول في نفسك: من ينتظر هذا الشخص هنا؟ وهل يعد هذا المكان صالحًا للوقوف أصلًا؟! فما من أمرٍ يستحق أن يجعل أحدهم يقف فيه، فلأتوقف لأعرف سرّ هذا الوقوف! نعم يوجد هكذا أناس؛ بل ويوجد الكثير منهم. ما هي حقيقة هذا العمل؟ إنَّ هذا العمل بحدّ ذاته عملاً شيطانيّـًا.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

5
  • فيقف منتظراً ليرى ما الذي سيجري. هذا مع أنَّ الرجل لربما كان ينتظر صديقًا له، أو لعلّه كان ينتظر من لا يريد أن يعرفه أحد، فاطلاعك هذا سيكون على خلاف رغبته وميله [فهذا أحد مساوئ الفضول والتدخل في ما لا يعني] كما أن هناك تبعات غير هذه إلى ما شاء الله. إنَّ العظماء يصفون هذا العمل وما شابهه من أعمال على أنَّه عمل شيطانيّ؛ وذلك لأنَّه يمنع النفس من التحرّر [من القيود]؛ وذلك لإن الإنسان عندما يريد أن يسير إلى الله، فهو يسير باتّجاه التجرّد أي بالاتّجاه الذي لا يحدّه قيد، فيجب عليه أن يتخلّص من جميع القيود ومن جميع الأمور الاعتباريّة، والأوهام، والتخيلات، و السير إلى الله مع وجود هذه الأشياء غير ممكن، إذ لا وجود للوهم والقيد والتعيّن والكثرة في الله، بل إنَّ ذلك العالم هو عالم الإطلاق، والمحبّة، والعشق، والرحمة، والتوحيد، والوحدة، وتكون جميع الأشياء هناك شيئًا واحدًا ولها نفس الشكل، وهي فانية في ذلك الوجود البحت والبسيط وذلك الوجود الصرف والمطلق. وها نحن نريد أن نذهب هناك ونحن مقيّدون بألف قيدٍ ـ لا فائدة تُرجى من مثل هذه الحركة يا هذا ـ نريد أن نذهب آخذين معنا شهواتنا، وكثراتنا، وبخلنا، والحقد الذي نحمله في قلوبنا، وما أدراك ما الحقد! حقدنا على فلان وحقدنا على علتان، نريد أن نذهب وفي قلوبنا كدورة على إخوتنا في الإيمان!! ما معنى أن يكون في قلب السالك ظلمة تجاه أخٍ له في الإيمان؟! عندما يتوجّه الإنسان للصلاة ويكبّر تكبيرة الإحرام وهو على مثل ذلك الحال، فسيقول له الله: كيف تتوجّه إليَّ وبالك مشغول بألف فكرٍ، وألف مشكلةٍ؟ لو أنَّ أحدهم قد اتّصل مسبقًا بك وطلب منك موعدًا للمقابلة، ثمّ جاء إلى بيتك وجلس إلى جنبك، فرأيت بأنَّه يجلس إلى جنبك وباله مشغول بأمرٍ آخر، ألا يعمل مثل هذا التصرّف على إثارتك وانزعاجك؟ ألن تقول في نفسك: ها أنا مقبل عليك وأتكلّم معك، وأنت تفكّر بأمرٍ آخر! فلماذا استأذنت في الحضور والحال هذه؟ لقد كان عليك أن تحضر وقد فرّغت بالك من أيّ شيءٍ آخر، وبدون أن تكون لديك أيّة مشكلة تشغلك.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

6
  • يأتي البعض ليسأل عن موضوعٍ ما، وهو يحمل تلفونه المحمول في جيبه، وما أن يبدأ المقابل في الإجابة على أسئلته، حتّى يأخذ تلفونه بالرنين، فيستأذن في الإجابة على الاتصال، ويُخرج الجهاز من جيبه ويبدأ في الحديث مع الطرف المتّصل، تبّـًا لمثل هكذا استئذان! فما دمت قد حضرت للسؤال، فما هو معنى جلبك للتلفون معك؟! ألا يُعدُّ مثل هذا التصرّف بمثابة إهانة للمقابل؟! ألا تلاحظون كيف أنَّ الأماكن العاديّة لا تسمح لمراجعيها بحمل التلفون معهم، بل هم يطلبون منهم أن يضعوه [في قسم الاستعلامات] فكيف بمن يأتي لزيارة أحد العظماء وهو يحمل التلفون معه، حتّى إذا ما رنَّ جرسه، تراه يستأذن متعلّلًا بكون هذه المكالمة مكالمة ضروريّة، فسيقول له ذلك العظيم: حسنًا تفضّل [ويأذن له بالمكالمة].

  • إنَّ المتكلّم سوف ينسى ونتيجة لذلك [رنين التلفون] ما كان قد شرع في بيانه، وما أن يبدأ في الحديث مجدّدًا، حتّى يرنّ جرس التلفون من جديد، فيستأذن في الرّد عليه للمرّة الثانية. أيّ استئذانٍ هذا؟! وأيّة طريقة للتصرّف تلك؟! بل إنَّ ذلك التصرّف يعتبر إهانة للطرف المقابل، وهو على خلاف ما تقتضيه الآداب والثقافة. يبدو وكأنَّنا قد نسينا تلك الأصول، وأنَّ الأفكار قد تبدّلت. إنَّ مثل هكذا تصرّف يؤذي المقابل؛ فلسان حاله يقول: كنتَ قد اتصلت تلفونيّـًا واستأذنت في الحضور لديّ، فقمتُ بإلغاء ما كنتُ قد خطّطت للقيام به من أعمال من أجلك، ومنحتك الفرصة للحضور من أجل النظر في الموضوع الذي جئت من أجله، فما إن حضرتَ إلّا وبدأت في الحديث مع هذا وذاك؛ نعم، لابدَّ وأن يتأثّر المقابل والحال هذه.

  • فإن وقف أحدهم بين يدي الله للصلاة وهو يحمل في قلبه ضغينة على أخيه، ألن يعمل ذلك على تأثّر الله؟ ألن يقول له: ما دمت قد حضرت بين يديّ، فلماذا لم تأت بقلبٍ نقيٍّ؟ بل جئت بقلبٍ يحمل ضغينة تجاه أحد عبادي، فإن كنت عبدًا من عبادي، فهو من عبادي أيضًا، وهو يتوجّه نحوي في هذا الوقت. فإن كانت هنالك مشكلة قد حصلت فيما بينك وبينه، فلماذا تعمل على إدامتها؟ بل كان عليك أن تضع حدّاً لها، وأن يقوم كلّ منكما بتقبيل صاحبه، وينهي المسألة، فما معنى الإصرار على إدامة هذه الخصومة؟ إنَّ الإصرار عليها يضع حاجزًا في طريقك.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

7
  • إنَّك عندما تقف إلى الصلاة وتكبّر قائلًا: الله أكبر، فيجب أن يكون هذا التكبير من نوع التكبير الذي يقطع النفس عن تعلّقاتها ويجعلها تتجاوز الكثرات، لا التكبير والتحميد والتسبيح الذي تردّده بهذه الألفاظ: سبحان ربِّي العظيم أو سبحان ربِّي الأعلى، فهكذا صلاة ليس له دور غير أداء التكليف الظاهري، وإسقاط قضاء الصلاة عنك فقط؛ ولكن هل يصلّي الإنسان لأجل أن يسقط وجوب القضاء؟! فمثل هذه الصلاة لن يكون لها أثر، ولن تتجاوز هذا السقف، فهل يصلي هكذا صلاة أم ينبغي عليه أن يصلّي صلاة حقيقتها الاتصال بالحبيب، ولا علاقة لها بالقضاء، فأيّ الصلاتين أفضل؟ وأيّهما تعمل على ترقّي الإنسان وحركته؟

  • هذا فيما يتعلّق بالصلاة، وكذلك الأمر في غيرها من التكاليف، كالصيام وبقيّة العبادات، بل ونفس شهود شهر رمضان، ألم نقرأ في الروايات: «أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة»۱ نعم، إنَّ هذا الكلام هو كلام رسول الله التفتو!، "أنفاسكم فيه" أي في شهر رمضان "تسبيح"، وهذا يعني أن شهر رمضان شهر بمجرّد أن تكون فيه فأنت تسير وتتقدّم شئت أم أبيت؛ نعم، هذا ما يترتب على وجودك في مثل هكذا جو وفضاء، فهذه النتيجة تحصل حتى من دون الاتيان بصلاةٍ [أو غيرها من العبادات]؛ فمجرد التنفّس هو عبادة، ومن المعلوم بأنَّ التنفّس لا يتضمّن أيّ نوع ذكر.

  • "ونَومُکم فيهِ عِبادَة" أ تعتقدون بأنَّ العبادة ليست إلا الركوع أو القيام؟ أو أنَّها ليس إلا السجود والاتيان بالأذكار والأوراد، أو أنها الجلوس والإتيان بالذكر؟! كلّا، إنَّ العبادة هي: ذلك العمل الذي يقوم بإخراج الإنسان من عالم الكثرة، وإدخاله في عالم الوحدة والتجرّد، مهما كان ذلك العمل؛ سواء كان ذلك العمل هو الدرس فهو عبادة، أو كان مساعدة من كان تحته، أو مساعدة الوالدين فكلّ ذلك عبادة، وكذا فيما يتعلّق بإرضاء ذوي الحقوق وإصلاح ذات البين، فجميع هذه الأعمال هي من العبادات؛ بل وهي أعلى بكثير من تلك الأعمال التي نؤدِّيها على أنَّها من العبادات، نعم، إنَّها أعلى بكثيرٍ منها.

  • يقول رسول الله: "أنفاسكم فيه تسبيح" فذلك النَفَس الذي تسحبه في شهر رمضان هو بمثابة تسبيح لله. ولكن تحت أيّة ظروفٍ يكون ذلك [التسبيح أو النوم له هذا الأثر]؟ إنَّ ذلك يحصل عندمما يترك الصيام هذا الأثر عليك، وهو أن يقوم الصيام بإخراجك من عالم الكثرة وإدخالك في جوّ الصيام. ألا يحصل لنا مثل هذا الشيء في شهر رمضان؟! ألا تشعرون بالانبساط والسرور فيه؟ ألا تحسّون في الفرق بينه وبين غيره من الأشهر؟! ها قد انتهى شهر رمضان، فهنيئًا لمن شملهم التوفيق واستطاعوا أن يستفيدوا الفائدة الواقعيّة منه. أمّا أنا فلم يشملني هذا التوفيق وقد حُرمت منه، وذلك إلى أن يشاء الله أمرًا، فها هي حسرة انقضاء هذا الشهر وعدم توفّقي لصيامه تكتنفني.

    1. أنوار الملكوت، ج۱ ، ص٣٢.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

8
  • فهذا الشهر هو الشهر الذي يأخذ الصيام صاحبه معه إلى جوّه الخاصّ به، فإن دخلت ذلك الجّو، فستصبح أنفاسك فيه تسبيح.

  • إنَّ هذه الحالة مما يجب علينا الاهتمام الشديد بها، وهي مما كان العظماء يولونه من الأهميّة أكثر مما كانوا يولون غيره من الأمور، ألا وهو: موضوع الإغماض وعدم التحقيق في أعمال الآخرين وشؤونهم، فعلى كلّ واحدٍ منَّا أن يشتغل بأمور نفسه ما لم يُطلب منه العون. فما هو شأنك بما يجري هنا أو هناك؟ لا عليك من ذلك بشيء، بل عليك أن تهتمّ بأمر نفسك.

  • أمّا الأمر الثاني الذي سبق وأن تحدّثنا عنه، والذي كان يتعلّق بموضوع ستّارية الله، فهو: إنَّ الله ماحي السيئات، وهذا المقام هو أعلى من المقام السابق له، فهنا يتجلّى مقام الستّارية أيضًا، غير أنَّ ستّارية هذا المقام تعتبر أعمق من ستّارية المقام السابق، فهي لا تتضمّن إغماض الله عن السيئات فحسب، بل ويأمر تعالى ملائكته هنا بالإغماض أيضاً ـ توجد لدينا روايات في هذا المجال ـ فيقوم الله هنا بمحو السيئة التي أتى بها عبده المؤمن وبالشكل الذي كأنَّه لم يكن قد أتى بها.

  • إن كان الأمر كذلك، فما هو مصير ذلك العمل الذي حصل منه بالفعل؟ إنَّ نفس العمل هو باقٍ في محلّه، وسوف لن يُمحى، فكلّ ما يحصل في عالم الوجود، فسوف ينسلخ عنه العدم. إنَّ لهذه الليلة التي نحن فيها والتي هي ليلة السبت وجودها الخاصّ بها، نعم، إنَّ لها حصّة وجودية مختصّة بها، ولها حقيقة، تلك الحقيقة التي نشعر بها الآن، فها نحن نشعر بوجودنا في هذا المكان، وكذا الحال بالنسبة إلى بقيّة الإخوة، فهم يشعرون بوجودهم ووجود من يجلس إلى جنبهم. وماذا عمّا يجري من حديث الآن؟ إنَّ لهذا الحديث وجوده المتعيّن والخاصّ به أيضاً، والذي يختلف بطبيعته عن الحديث الذي جرى في الليلة الماضية، وهو يختلف عن الحديث الذي سيجري في الليلة القادمة، إن منحنا الله التوفيق لذلك. نعم، إنَّ لحديث هذه الليلة الذي يحصل في هذا الوقت وفي هذا المكان، حصته الوجودية الخاصّة به، تلك الحصّة التي لا يُمكن لها أن تُفنى أبدًا، فهي تشبه ما يحصل من تسجيلٍ للصوت [أو الصورة] بواسطة هذه الأجهزة الحديثة. فسيبقى هذا الموقف على ما هو عليه دائمًا.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

9
  • ولهذا السبب يستطيع من تُفتح عينه الباطنيّة ـ وسواء كان ذلك عن طريق المكاشفة أو في عالم الرؤيا ـ من رؤية ما كان قد حصل أو ما سيحصل، وإلّا فكيف يمكن لأحدهم من أن يطّلع على أمرٍ عدمي، كلّا لا يمكن ذلك، فحتّى الله لا يمكنه أن يطّلع على ذلك، فكيف بعباده؟! وذلك لأنَّ العدم عدم، والعدم يعني اللا وجود.

  • كيف يمكن لأحدهم أن يرى في المنام بأنَّ قضيّة ما ستحصل في الأسبوع القادم، ثمّ تحصل تلك القضيّة كما كان قد رآها بالضبط؟ كيف يمكن له أن يرى مثل هذا الشيء؟ لا بدّ وأن يكون هنالك شيء موجود بالفعل لكي يراه، فما هو ذلك الشيء؟ إنَّه تلك الحقيقة المثاليّة التي يمكن أن تُرى بواسطة العين الباطنية التي تُفتح بطريقة أو بأخرى، فقد يجري ذلك من خلال المكاشفات ـ والتي هي على أنواع مختلفة ـ أو من خلال الرؤيا الصادقة. [مثل ما حصل لنبي الله يوسف عليه السلام عندما قال:] { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لي ساجِدينَ }۱ فكان يوسف قد رأى هذه الرؤيا عندما كان صبيّـًا، ثمّ وبعدما كبر وبلغ مرحلة من العمر جاء أبوه وإخوته ووقفوا أمام عرشه، وقاموا بما قاموا به. إنَّ نبي الله يوسف كان قد رأى كلّ ذلك في منامه، فكيف تمكّن من رؤيته؟ نعم، لو لم يكن هنالك من شيءٍ موجود بالفعل، لما كان بالإمكان أن تتمّ رؤيته. فكيف يكون قد رآه؟ [إنَّ هذا يدلّ على] أنَّه موجود بالفعل. ولكن وجوده هذا غير محسوسٍ لنا، فمن يستطيع أن يشعر به؟ يستطيع أن يرى ذلك من تكون عينه الباطنيّة قد فُتحت له بأحد الطرق، فيستطيع أولئك أن يروا، فهم يطلعون على المستقبل وعلى الماضي.

  • كان رسول الله جالسًا في بيت أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة ـ إنَّ هذه القصّة معروفة۱ ـ فلاحظ المتواجدون في البيت اختفاء النبيّ، ثمّ وبعد مضيّ فترة من الزمان، عاد رسول الله وقد غطّى التراب وجهه وملابسه، وكان الحزن ظاهرًا عليه، فقال: أخذني جبرائيل في هذه الساعة إلى أرض كربلاء، فرأيت كلّ ما حصل فيها. فما الذي حصل هناك؟ إنَّ غياب النبي يعني بأنَّه قد ذهب بجسده إلى كربلاء، وإلا فإنه كان بإمكانه أن يرى جميع ما كان قد رآه وهو في مكانه، وذلك مثل ما يحصل لمن يرى منامًا، أو مثل ما حصل لأمير المؤمنين عندما كان عائدًا من صفّين، فكان نفس هذا الأمر قد حصل له عندما مرّ بأرض كربلاء وحصلت له غفوة، فانتبه منها وهو يقول: "صبرًا صبرًا لك يا بني" وعندما سُأل عن ذلك قال: "هنا مناخ ركابٍ ومصارع عشّاقٍ لم يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق"٢ ـ إنَّ أمير المؤمنين كان قد قال هذه العبارة في ذلك الموقف ـ أي إنَّ هذا المكان هو المكان الذي سينزل به ويسقط على أرضه عشّاق لا يعرفون محلّ رؤوسهم من أرجلهم من أولئك الذين لم تأتِ الأزمنة السابقة بمثلهم ولا سيأتي المستقبل بمن يكون على شاكلتهم. إنَّ هذا ما كان قد حصل لأمير المؤمنين في الرؤيا، فما الأمر الذي حصل للنبيّ؟ كان النبي قد شهد الواقعة في صحراء كربلاء ببدنه العنصري قبل أن تحصل تلك الواقعة بستين عامًا وذلك بانكشاف حقيقتها المثاليّة للنبي في أرض كربلاء قبل وقوعها، أي أنَّ نفس وجود تلك الواقعة التي ستحصل بعد ستين عامًا، كانت قد حضرت في ذلك الوقت، وارتفع الزمان من الوسط، فعندما ارتفع الزمان حضر نفس ذلك الوجود، وعندما عاد الزمان إلى ما كان عليه، غابت عنه واختفت تلك الواقعة مرة أخرى. فهذا يعني بأنَّ نفس تلك الحقيقة ونفس ذلك الوجود ونفس ذلك التعيّن موجود ولا يمكن له أن يزول، نعم، إنَّه لا يمكن أن يفنى أبدًا.

    1. سورة يوسف (۱٢)، جزء من الآية ٤.
    2. بحار الأنوار، ج٤٤ ، ص٢٣٩.
    3. معرفة الله، ج۱، ص٢٣٥. مع اختلاف في العبارة [المترجم]

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

10
  • فلما كان الأمر كذلك، ولما كانت الأعمال باقيةً في حدّ ذاتها ولا يمكن لها أن تفنى، فكيف يقوم الله بمحوها والحال هذه؟ نعم، لا يمكن إزالة تلك الأعمال من الوجود، فهل يستطيع الله أن يمحو هذا المجلس المنعقد في هذه الليلة من الوجود؟! نعم إنَّ الله يستطيع أن يتعامل مع الأشياء التي ستحصل بعد هذه اللحظة، فيجعلها تظهر بشكلٍ آخرٍ، أمّا فيما يتعلّق بنفس ما حصل لحدّ الآن، فهو موجود وهو غير قابل للمحو. إنَّ الأمر يعود هنا إلى هذا الموضوع وهو: إنَّ كلّ ما يحصل في هذا العالم فهو لا يتعدّى كونه آثار الله الوجودية، وبما أنَّ هذه الآثار لا يمكن أن تكون ظلمانيّة بحدّ ذاتها، لذا فإنَّ ما يمكن أن يجعلها نورانيّـةً أو ظلمانيّةً، فهو لا يكون سوى تلك النيّة والإرادة التي أوجبت تحقّقها في الخارج، فتلك النيّة هي التي تجعل تلك الأعمال ظلمانيّة أو نورانيّة.

  • لدينا آية في سورة الإسراء أو سورة الفرقان۱ تُبيّن هذا الموضوع؛ وهي تلك الآية الشريفة التي تتحدّث عن أوصاف المؤمنين والتي تقول: {وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً}٢ حيث تُعدّد الآيات بعض صفات المؤمنين، من قبيل أنَّهم يمتنعون عن ارتكاب الذنوب وعن شهادة الزور، ثمّ تقول الآية: {كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً}٣٤ أي إنَّ الله لا يحبّ سيّء وظلمة تلك الأعمال التي مرّ ذكرها، لا نفس تلك الأعمال؛ فنفس العمل الذي يقوم به الإنسان ليس إلا عمل لا أكثر، فنفس هذا العمل [الذي بحسب الظاهر ذنب] قد لا يختلف عن غيره من الأعمال العبادية من حيث الظاهر. إنَّ الطعامَ طعامٌ، فإن أكله الإنسان بنيّة الغصب، فسيكون هذا الطعام حرامًا، وإن أكله بإذنٍ من صاحب البيت، فلن يترتّب على أكله أيّ إشكالٍ، ليس هذا فقط، بل وقد يكون أكله مستحبّـًا، فالطعام هو نفس الطعام على سبيل المثال صحن من الأرز، والأكل هو نفس الأكل، غير أنَّه يكون محرّمًا ويوجب الظلمة ويجلب السخط الإلهي في الحالة الأولى، بينما يوجب رضاه في الحالة الثانية.

    1. يشير سماحته إلى قوله تعالى : {وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ٦٣ وَ الَّذينَ يَبيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً ٦٤ وَ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ٦٥ إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً ٦٦ وَ الَّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ٦۷ وَ الَّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ٦۸ يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فيهِ مُهاناً ٦٩ إِلاَّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحيماً ۷۰ وَ مَنْ تابَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ۷۱ وَ الَّذينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ۷٢ وَ الَّذينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً ۷٣ وَ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً ۷٤ أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً ۷٥ خالِدينَ فيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً ۷٦ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ۷۷} آيات سورة الفرقان (٢٥)
    2. سورة الفرقان (٢٥)، الآية ٦٣.
    3. سورة الإسراء (۱۷)، الآية ٣۸.
    4. الآيات التي وردت عندنا في سورة الإسراء هي هذه: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ٢٢ وَ قَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلاً كَريماً ٢٣ وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغيراً ٢٤ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابينَ غَفُوراً ٢٥ وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكينَ وَ ابْنَ السَّبيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذيراً ٢٦ إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطينِ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ٢۷ وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ٢۸ وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيراً بَصيراً ٣۰ وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبيراً ٣۱ وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبيلاً ٣٢ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ٣٣ وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتيمِ إِلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ٣٤ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْويلاً ٣٥ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ٣٦ وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ٣۷ كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ٣۸} سورة الإسراء (۱۷).
      مع أن سماحة السيّد محمّد محسن الطهراني "حفظه الله" قد مزج بين آيات سورة الفرقان وآيات سورة الإسراء، إلا أنّ استدلاله بقوله تعالى: "كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً" يبقى صحيحًا ولا إشكال عليه؛ وذلك لإن العمدة في الاستدلال هو الآية المذكورة. [المترجم]


أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

11
  • قد يدخل عليك أحدهم، فتقوم بتعظيمه واحترامه، وهو ممن يستحق التعظيم حقّـًا؛ كأن يكون والدك أو والدتك أو أحد الرجال العظام؛ أو أستاذك أو معلمك أو واحد ممن لهم حقّ عليك، فستكون قد قمت بعملٍ جيّدٍ ومستحبٍّ في هذه الحالة، وقد يحصل نفس قيامك هذا بنيّة الاستهزاء بهم والتمثيل عليهم، فتكون قد قمت بعملٍ باطلٍ هنا. إنَّ القيام هو نفس القيام، غير أنَّه يوجب رضا الله في حالة وسخطه في الأخرى.

  • إنَّ الله لا يقوم بمحو العمل الذي يقوم به المرء، بل يقوم بمحو سوء ذلك العمل وظلمته والكدورة الحاصلة منه، ذلك السوء الكدورة والظلمة التي تبعّد عن الله وتوجد حجابًا بين الإنسان وبين الله، فذلك الحجاب هو الذي سيُرفع من الوسط، لا نفس العمل؛ وذلك لأنَّ العمل بحدّ ذاته غير قابل للمحو. نعم هناك مرتبة أعلى من هذه وأرقى.. إنَّ كل مما نتكلّم عنه هنا يمثّل مقام ستّارية الله تعالى، فكم هو من إله عجيبٍ إلهنا! كنت قد قلت هذا الكلام مرّة، فقلت: يا له من إله عجيبٍ إلهنا، فما الذي كان سيحصل لو كان إلهنا يمتلك صفاتٍ أخرى؟!

  • ما هو مصدر تلك النظرة السلبيّة وذلك التصوّر الغير مناسب الذي يرتسم في أذهان الناس عن الله ونبيّه وعن الدين؟ إنَّ كلّ ذلك ينشأ عن تلك الصورة السلبيّة التي قدّمناها للناس عن الله، فلم نقم بوصفه للناس كما وصفه الإمام السجّاد عليه السلام، بل قمنا بتقديمه لهم بشكلٍ مغايرٍ؛ ولهذا السبب ترى الناس يقولون: إن كان الله كما تصفون، فنحن لا نريد مثل هكذا إله! وهم محقّون في ذلك. لو أنَّنا قمنا بتعريف الله للناس كما يعرّفه لنا الإمام السجّاد في دعاء أبي حمزة الثمالي الآن، فمن سيستنكره من الناس؟ ومن منهم سيقول: لا أقبل به إلهًا؟ ومن سيرفض الدين؟ ومن سيرفض الإسلام؟ ومن سينحرف عنه ذات اليمين وذات الشمال، مثل ما نسمع عن حصوله الآن في هذا المكان أو ذاك من انسلاخٍ عن الدين والتحوّل إلى أديانٍ أخرى. إنَّ جميع ذلك ناشئ ـ وللأسف الشديد ـ عن الفهم الخاطئ والتصوير الخاطئ، وإراءة الله والعوالم الربوبية بما لا يناسبها ولا يشبهها.

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

12
  • إن كان الله قاصم الجبّارين، فهو خير الساترين أيضاً، فهو لا يتصف بواحدة دون الثانية، وإن كان الله قاهرًا فهو رؤوف في نفس الوقت، وإن كان مبيد الظالمين، فهو الرحمن الرحيم أيضاً، فلا ينبغي لنا أن ننتخب صفة دون أخرى لنقوم بوصف الله بها، ولا ينبغي أن نقوم بتوصيفه للناس وفقًا لميولنا الشخصيّة، فما يتمّ تعريفه للناس في هذه الحالة هو الله الذي يتلاءم مع ميولنا الشخصيّة لا الله الواقعي، والنبي المتلائم مع ميولنا، والشريعة التي تتلاءم مع ميولنا، لا تلك الشريعة الواقعيّة، ولا ذللك الدين الواقعي والحقيقي.

  • إن جلستم تشرحون لهؤلاء الشباب وعامة الناس الذين لم تصلهم المعارف والحقائق كما ينبغي، عبارة الإمام السجاد هذه لساعة من الزمن فما الذي سيقولونه؟ ما الذي كانوا سيقولونه حقّـًا؟ أما كانوا سيقولون: إن كان الله كما تصفون، فسنكون خدمةً وعبيدًا له، وسنكون من المحبين والطائعين له؟! وها نحن نقول لهم: نقسم بذات الله بأنَّه هكذا، فالله ساتر الذنوب، وهو ليس بساتر فقط، بل ويمحي أعمالك وذنوبك وبالشكل الذي لا يمكنك حتّى أنت من أن تطّلع عليها بعد ذلك. فلهذا الحد إلهنا جيّد، ولهذا الحد إلهنا عجيب، فهو واقعًا عجيب!.

  • ما الذي أفعله، فلقد تعبت، إني أحب أن أبين المطالب أكثر ولكني أشعر بأنني قد تعبت، وعليَّ الّا أتجاوز الخطّ الأحمر المرسوم لي. إنَّ الأمر لعجيبٌ حقّـًا، على أنَّنا سنطّلع على مقدار منه في هذه الدنيا، وسنطّلع على ما تبقّى منه عندما نعبر إلى الجانب الآخر، حيث سنرى عندها أيّ نظام سيكون الحاكم هناك.

  • نقل لي أحد أصدقائي الذي لا يزال على قيد الحياة، والذي هو شخص متّقٍ، أسال الله أن يحفظه، نقل هذه الحكاية فقال: التقيت أحد أصدقائي عندما كنت مسافرًا إلى أحد البلدان الأجنبيّة لأداء مهمّةٍ ما، فقال لي: جاء إلى هذا البلد أحد المواطنين الإيرانيّين فخرج عن الإسلام، واعتنق الدين المسيحي، فهل تسمح بأن أقوم بدعوته لكي تتحدّث إليه. فجاء الرجل، وقلت له: ما الذي جعلك تخرج عن الدين الإسلامي وتعتنق غيره؟ على أنَّ اعتناقه للمسيحية جاء لمجرّد سدّ الفراغ الحاصل، فبدأ الرجل بسرد الأسباب، تلك الأسباب التي لا بدّ وأن يكون الجميع قد سمع عنها شيئًا، فكان يقول: بما أنَّ الإسلام بهذا الشكل، فأنا لا أريده، فما الذي سأفعله إن كنت لا أرغب فيه، فقلت له: لا شأن لي بهذه الأمور التي تُطرح، وبما يقوله هذا وذاك وبالصورة التي يكون الآخرون قد رسموها لك عن الإسلام، فلا شأن لي بكلّ ذلك، بل دعنا نتحرّى عن أصل الموضوع ونتحدّث عن الله نفسه، فدعني أنقل إليك جملة واحدة فقط والتي هي عبارة عن حديث قدسيّ والذي هو كلام الله نفسه. فما ينزل على قلب الرسول من ناحية الله يكون إمّا على هيئة وحيٍ قرآنيٍّ أو حديثٍ قدسيٍّ، فهذا الحديث هو عبارة عن حديث قدسيّ، يقول فيه الله ـ إن استطعت أن أقرأه كما هو عليه ـ لَو عَلِمَ المُدبِرونَ عَنّي، كيف اشتياقي بِهِم وشَوقي إلى رُؤيَتِهِم لَماتوا شَوقًا۱، أي: لو علم أولئك الذين يديرون ظهورهم لي وينصرفون عنِّي، مقدار اشتياقي للقائهم، لذابوا وماتوا من شدة الشوق، ولكنهم لا يعلمون ذلك. يقول الرجل: ما إن قرأت عليه هذا الحديث، إلّا وأطرق رأسه إلى الأرض، ثمّ قال: أهذا هو كلام الله حقّـًا؟ قلت له: نعم، وهو موجود في مصادرنا، فقال: إن كان الله على هذا النحو، فها قد عدت إلى الإسلام، وها أنا أعترف بما ارتكبته من خطأ وأتوب عنه، فعاد الرجل إلى الإسلام من جديد. لو كان ذلك قد حصل أمامنا، لقلنا بارتداده و لأوجبنا إعدامه على الفور، مع أنَّ الأمر لم يصل بالرجل إلى الحدّ الذي يوجب تعليقه بحبل المشنقة. نعم، لقد عاد الرجل واعترف بخطئه وتاب عنه، وهو يقول: لقد أخطأت يا ربِّ، فإن كنتَ هكذا فسأكون عبدًا من عبيدك وسأحبك.

    1. جاء في كتاب المراقبات (أعمال السنة) للشيخ الميرزا جواد الملكي التبريزي: لو علم المدبرون عنّي كيف انتظاري بهم، وشوقي إلى توبتهم، لماتوا شوقا إليّ، [و] لتفرّقت أوصالهم. [المترجم]

أعلى مراتب الستارية هي إزالة كدورة العمل - وشرح (أنفاسُکم‏ فيهِ ‏تَسبيحٌ‏ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)

13
  • کجایی تا شوم من چاکرت***چارقت دوزم کنم شانه سرت ۱

  • (يقول: أين أجدك لأكون لك خادمًا، ولكي أقوم برقع نعليك وتمشيط شعر رأسك)

  • إنَّ [ذلك الراعي] كان قد قالها وهو في ذلك الحال الذي كان يعيشه. أتلاحظون كيف أنَّنا لم نعمل على وصف الله للناس بنفس الشكل الله الذي يصفه لنا الإمام السجّاد عليه السلام هنا؟ ولهذا السبب تحصل مثل تلك الأمور. فبناءً على هذا، فلا بدَّ لنا من أن نعود إلى مذهب أهل البيت وإلى ما أوصونا به، نعم، يجب أن نرجع إلى ما صدر عن أهل البيت لكونهم هم أهل ذلك البيت، أمّا غيرهم فلا نصيب لهم في ذلك؟ فلمّا كنتم أنتم أهل البيت، ولمّا كنتم أدرى بما يجري في البيت من غيركم، فأنتم الذين تخبروننا بما يجب علينا أن نقوم به. وها هم أهل البيت يقولون لنا: ها نحن نبيّن لكم جميع ذلك.

  • نسأل الله وببركة هذا الشهر أن يفتح أعيننا، وأن يجعل طريقنا طريقًا مستقيمًا، وأن يجعله نفس الطريق الذي سار عليه أولياؤه وأهل بيت نبيّه المعصومون. آمين

  • الّلهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد

    1. بيت شعر من الجزء الثاني من المثنوي المعنوي لمولانا الرومي، يروي فيه حكاية أحد الرعاة الذي وجده نبي الله موسى وهو ينادي الله بذلك الشكل. [المترجم]