13

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنة 1438


التوضيح

ألقى سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني رضوان الله عليه هذه المحاضرة في ليلة الحادي و العشرين من شهر رمضان (ليلة القدر الثانية) في مدينة مشهد المقدّسة، و ركّز فيها على أنّ أولياء الله قد سعوا إلى تعريف الله للناس بشكل صحيح وتحبيبه إليهم، و بيّن سماحته كيف أنّ هذه المعرفة الصحيحة تغيّر علاقة الإنسان بربّه، و ختم الكلام ببيان المراتب الثلاث لستّارية الله تعالى.
وأهم مواضيع هذه المحاضرة
1- هذه الفقرات تمثّل مفتاحا للطريق.
2- العلامة الطهراني كتب "معرفة الله" ليربط الناس بالله و يقربه لهم.
3- الإمام السجّاد يريد أن يعلمنا كيف نبني علاقة مع الله.
4- الله يظهر الجميل و يستر القبيح ولا يهتك الستر.
5- أعلى مراتب الستر: تبديل السيئة إلى حسنة.
/۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  •  

  • يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام ۱٤٣۸ هـ ق – المحاضرة ۱٣

  •  

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى أهل بيته الطاهرين 

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • "ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنّك أهون الناظرين وأخفّ المطّلعين، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين وأحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين"

  • لو كنت أخاف العقوبة يا إلهي لابتعدت عن الذنب ولما سعيت إليه، وليس هذا لأن~ك لست مطّلعًا بنحو كافٍ على حالاتي، ولا تمتلك الإحاطة الكاملة بأعمالي؛ بل لأنّك أفضل ساتر لعيوبي، وفي مقام المحاسبة والحكومة لديك حكومة متقنة ومحكمة؛ بل حكومتك هي أفضل الحكومات وأتقنها، والأمر الأخير هو أنّك من ناحية الكرم تمتلك أعلى مرتبة من مراتب الكرم؛ فلأجل هذه الأسباب الثلاث لم أولي مسألة الاجتناب عن الذنب ما يكفي من الانتباه، فصرت أُبتلى أحياناً بزلّة القدم والمعصية.

  • هذه الفقرات تمثّل مفتاحا للطريق

  • إنّ هذه المضامين العالية لكلام الإمام السجّاد عليه السلام، والتي يخاطب بها الله تعالى، تمثّل لنا واقعًا ـ وكما قلنا سابقًا ـ مفتاحًا للطريق، وتبيّن لنا كيف ينبغي علينا أن نمشي، وكيف ينبغي أن تكون طريقة سير السّالك وما هو الطريق الذي ينبغي له اتّخاذه في مقام الخوف والرجاء وما هي النظرة التي عليه أن ينظر بها إلى الله تعالى وكيف يجب أن يكون نظره؟ ؟! ففي النهاية نحن نتعامل مع الله، ونريد أن نرتبط بالله؛ فبأيّ إله نريد أن نرتبط؟ هل هو الإله الذي يقدّمه لنا الآخرون؟! الإله المعذِّب والمحاسِب والمعاقب وصاحب الغضب وأمثالها؟! إذ عندما يرى الإنسان مثل هذا الوضع يرى نفسه دائماً في حالة من الرعب والبلاء، فمثلاً عندما يُخبَر الإنسان بما يجري في السجن وما يحصل فيه من مسائل، فسوف يكون لديه تصوّر سيّء عن السجن قبل الدخول إليه! وذلك بخلاف ما إذا ما دُعي الإنسان إلى حديقةٍ ذات أشجارٍ كذا وكذا وظلالها كذا وأنهارها كذا وثمارها وأزهارها ونباتاتها وأمثال ذلك.

  • عندما أراد المرحوم العلامة أن يكتب كتاب "معرفة الله" ، قلت له: ما هو هدفكم من كتابة كتاب "معرفة الله" ؟ ما هو هدفكم من هذا الكتاب؟

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

3
  • فبالنسبة إلى كتاب "معرفة المعاد" فمرادكم منه واضح، وكذا بالنسبة إلى "معرفة الإمام"؛ فإنّكم قلتم: لقد رأيتُ أنّ الإمام مجهولٌ عند النّاس، وحقيقة الإمام مجهولة، فنحن لدينا اثنا عشر إماماً وأربعة عشر معصوماً، فينبغي أن يفهم النّاس من هم هؤلاء المعصومون، وكيف عليهم أن يرتبطوا بهم، وما هي المكانة التي ينبغي أن يحتلّها الأئمّة في حياتهم ومسيرهم، وقد شاهدنا بأنّ الناس لا اطّلاع لديهم على شيء من ذلك، فبدأتُ بتدوين كتاب "معرفة الإمام" حتى نعرّف الأئمّة عليهم السلام. 

  • العلامة الطهراني كتب "معرفة الله" ليربط الناس بالله و يقربه لهم

  • فأجاب رضوان الله عليه قائلاً: إنّ الله هو مبدأ الوجود والحقيقة الربطيّة، وينبغي أن نبيّن ذلك للناس، فهدفي من كتاب "معرفة الله" أن أعمل مصالحة بين الله والناس، باعتبار أنّ الناس قد عادَوا الله وابتعدوا عنه، وليس لهم من العلاقة به إلا أنّه عند حلول الزوال يقفون للصلاة ويكبّرون مغصوبين عليها، وكذا عندما يحلّ شهر رمضان يقولون متذمّرين: يا إلهي! متى ينتهي هذا الشهر لنعود إلى حياتنا الطبيعيّة؟! وعندما يريدون الذهاب إلى الحج يتأفّفون ألف مرّة ويقولون: ما هذا المكان الذي أتيتم بنا إليه؟! [يعلّق سماحة السيّد: فأين تريدون أن يأخذوكم؟! إلى تلك الأماكن الأخرى؟!].

  • كنّا ذات مرّة في الحجّ فأتى أحد الأشخاص، وكان من معارفنا، وكنّا حينها في المدينة، وبعد مضيّ عدّة أيام جاء إلى غرفتي، وسألته كيف وضعك؟ فقال: الحمد لله، أوشكت هذه الأيّام على الانتهاء لنعود إلى حياتنا! الحمد لله علينا أن نصبر على مضيّ هذه الأيام وهذا الشهر ، ثمّ سنعود إلى حياتنا الطبيعيّة! 

  • ما هذا الحجّ الذي يريد الإنسان أن تنتهي أيامه ويُسقط فيه التكليف فقط، ليعود إلى حياته، ما هذا الذي نتوجّه إليه في هذه الحالة؟! أيّ علاقة هذه بالله! فمع أنه ينبغي أن تكون علاقتنا بتلك الذات على أنه أرفق من أي شخص آخر، وأقرب إلينا من أيّ شيء آخر، وفي مقام الصحبة والرفقة أشدّ الرفقاء والاصحاب رفقًا بنا ـ وهكذا هي علاقة العظماء به ـ والحال أن علاقتنا به بعيدة كلّ البعد عنه، فنقتصر على السلام عليه من بعيد؛ فلكي لا يؤاخذنا يوم القيامة على ترك الحجّ، ويقول لنا: لقد تركتَ الحج لذا تعال لكي نحاسبك.. فلكي لا يكون ذلك نتحمّل الشدّة لشهر واحد!

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

4
  • قال المرحوم العلامة: إنّي شرعت في كتابة "معرفة الله" لكي أقرّب الله تعالى من الناس ثمّ أقرّبه وأقرّبه حتّى كأنّه جالس إلى جانبهم، فأقول لهم: انظروا أيّ إلهٍ حسنٍ لدينا! وكم هو إله أنيس ومؤنس وأيّ إله محبوب عندنا، وأصلاً ينبغي لنا أن نجعل توجّهنا فقط له هو، وننظر للأمور الأخرى ونعرّفها على هذا الأساس وتحت هذا الإطار!

  • طبعاً هذه المجلّدات الثلاثة التي دوّنها بعنوان "معرفة الله" لا تعرّف الله بحسب اعتقادي، هذه الأجزاء بيّنت كيفيّة السلوك إليه فقط، أما ما هو الله وما هي الصفات والأسماء والذات فلم يبيّنها، وبحسب رأيي فإنّ هذه الأجزاء الثلاثة كانت مقدّمة لأصل المطلب، فلم يكن من الصلاح أن يطرح أكثر من هذا من تلك الحقائق، ولم يحالفنا التوفيق بأكثر من ذلك. وكنت أصرّ عليه سابقًا بأن يبدأ بكتابة معرفة الله، وكان يجيب إن شاء الله، إن شاء الله سأبدأ به، إلى أن بدأ ولم ينته حتى من الجزء الثالث، وانتقل إلى رحمة الله تعالى، رحمة الله عليه!

  • إنّ الإله الذي يكون بهذا النحو سوف يرتبط الإنسان به بشكلٍ آخرٍ مختلفٍ عن ذاك الإله الذي لدى الآخرين، والإمام عليه السلام يريد منّا أن نكوّن علاقة بيننا وبين الله، حيث يقول: هكذا ينبغي أن تكون علاقتكم بالله.. بهذا النحو. 

  • الإمام السجّاد يريد أن يعلمنا كيف نبني علاقة مع الله

  • ثم يريد الإمام أن يقول لنا: نحن بشر، وتحمّل البشر وطاقته محدودة؛ فنحن لسنا حجراً وحديداً؛ فالنار والسيخ والألم والتعذيب محفوظٌ في محلّه [ويؤثر فينا]، فلا تظنّوا بأنّنا نتكلّم بهذا الكلام في حين أنّ الله خلقنا من جنس آخر، أو أنّه جعلنا كالفولاذ! كلّا بل نحن بشر نشعر بالوجع، وندرك الأذى، ونحسّ بالآلام، نشعر بتمام تلك الأمور، ونعلم بأنّ الذنب وغيره له عواقب وآثار ترجع علينا، وهذه الآثار تلحق بنا نحن.. نعلم بجميع هذه الأمور، ولكن من جهة أخرى نعلم بأنّ الله قد خلقنا بشراً يمكن أن نخطئ، والنفس تتغلّب علينا والميول تتغلّب علينا ، فيصدر منّا الخطأ بسبب بعض الجهات والمسائل، أو بسبب بعض المنافع، فننتبه ونلتفت فنتوب! ويبقى لدينا الأمل بأنّ هذا الباب مفتوح دائماً غير مغلق.

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

5
  • كنت في إحدى الليالي في خدمة المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه، وكان يتكلّم عن أحد الأشخاص الذي كان قد أتى لمدّة وحصل على بعض الحالات، غاية الأمر أنّه ابتلي بالأبالسة والشياطين ـ بالطّبع كانوا شياطين الإنس والذين هم أسوأ من شياطين الجنّ ـ والحاصل أنّهم أخرجوه وأبعدوه وسبّبوا له الشكّ والشبهات، وصار يتكلّم بكلام هنا وهناك.. وبعد مدّة التفت إلى اشتباهه وأنّ أولئك هم الذين فعلوا به هذا الأمر لكنّه كان يستحيي من العودة إليه والاعتذار منه، فقال [السيّد الحدّاد] يا سيد محمد حسين: قل له بأنّ هذا الباب مفتوح على الدّوام، ونحن لا نحسب الأمور بهذه الطريقة. هكذا كانت طريقته بالتعامل؛ فسواء كان يقول ذلك أم لا فهكذا منهجه! فلو أتى شخص وتكلّم بأمور وابتعد قليلاً فهذا لا يجعل [الولي] لا يقبله بسبب ما صدر منه. لقد كان هؤلاء عبارة عن بحر، والبحر لا يخشى أن يؤخذ منه كوبٌ من الماء، أو يُسكب فيه كوبٌ من الماء، لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك أساساً!

  • الله يظهر الجميل و يستر القبيح ولا يهتك الستر

  • أجل، إنّ الأئمّة يريدون أن يدعونا إلى هذا الإله، ويقولون لنا اذهبوا بهذا الشكل نحو الله وسوف يتغيّر حالكم إلى الأحسن، وعليكم أن تتحرّكوا إليه بهذا الشكل. هذا الربّ الذي لدينا هو خير الساترين، خير الساترين هو الإلـه الذي يستر العيوب، ألا نقرأ في الدعاء: "يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر والسريرة"، وهو دعاء عجيب فعلاً، وكان العظماء يأمرون بعض تلامذتهم بقراءة هذا الدعاء كلّ ليلة، أو في قنوت صلاة الليل.

  • يا من يُظهر الأفعال الجميلة من عباده، فإن فعل العبد فعلاً حسناً أظهره الله أمام الملأ بأيّ وسيلة؛ كأن يرى شخصٌ في المنام بأنّ هذا العمل قد صدر من ذاك العبد، فيتعجّب ويقول: أنا لم أخبر أحداً بهذا العمل! من هنا نعلم بأنّ الله أراد أن يُظهر عمل الخير الذي صدر منه، أو أن يفعل الإنسان فعلاً بينه وبين الله، ثم يرى أنّ المسألة قد ظهرت من جهة من الجهات، وهناك العديد من الموارد التي تؤدّي إلى ذلك. 

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

6
  • ومن جهة أخرى يستر القبيح... قال لي أحد الإخوة يوماً: إني كنت جالساً بين الطلوعين مشغولاً بالذكر والعبادة، فرأيتُ شخصًا قد انحرف عن الطريق الذي كان يسلكه! ولكن هذا الأخ لم يشاهد أو يعلم ما الذي فعله ذلك الشخص وما سبب هذا الانحراف الذي حصل له، ولم يكن يربطه بهذا الشخص علاقةٌ خاصّةٌ أصلًا. ولكن أنا كان لي اطّلاع على القضيّة، فذهبتُ إلى ذلك الشخص ونبّهته، وتعهّد بعدم تكرار هذا الفعل لكي يتغيّر حاله، وبعد ذلك رأى ذلك الأخ أن حال هذا الشخص قد تغيّر [وعاد لوضعه]. 

  • يعني: حتّى لو أراد الله أن يُظهر هذه المسألة للآخرين فلن يكون نفس العمل والمعصية واضحين، وإلاّ فإن الله يستطيع أن يبيّن ويوضح ما هو العمل والذنب، فحينما انحرف مسير هذا الشخص، وكان متّجهًا باتّجاه الكعبة وحصل له انحرافٌ بنحوٍ مفاجئٍ، فإنّ الله الذي أظهر هذا المقدار من القضيّة فقط، يقدر على إظهار [الأمر بشكل أوضح]، ولكنّ لا يفعل ذلك، فإنّ الله "ساتر القبيح"، ولا يريد إظهار قُبح هذا الفعل، فهذا هو مقام ستّاريّته.

  • وكما ذكرنا، هناك مرتبةٌ أخرى للستّاريّة وهي أن يأتي الله ويقتلع هذا الذنب من جذوره، ويأتي لتلك المعصية التي ارتكبها ويمحوها.

  • فأولئك الذين يتوبون وتكون توبتهم حقيقيّةً وصادقةً، لا يجدون ذلك الذنب في وجودهم أبدًا، طبعًا إذا كانت توبتهم تّوبةً نصوحًا! فأولئك لا يجدون ذلك الذنب في وجودهم أصلًا؛ وكأنّ الله يُحدث للإنسان ذهولًا ويوجد له نسيانًا بحيث لا يُفكِّر بهذا الذّنب أبدًا ولا يخطر على باله، بل أعلى من هذا: أن لا يرى الإنسان آثار هذا الذنب؛ يعني: أن لا يجد آثار تلك المعصية والكدورة المترتّبة عليها في نفسه؛ لأنّ نفسه تغيّرت، ولأنّ نفسه رجعت كما كانت.

  • أعلى مراتب الستر: تبديل السيئة إلى حسنة

  • وقد أشرنا إلى أنّ هناك مرتبةً أعلى من هذه أيضًا؛ في تلك المرتبة تتبدّل السيئةُ إلى حسنةٍ. وأصلًا هذا الأمر هو شيءٌ عجيبٌ! فهذه المرتبة تعود من مقام "خير الساترين" إلى مقام "أكرم الأكرمين"، حيث إن أصلها يرجع إلى مقام "أكرم الأكرمين"، حيث يأتي كرم الله ويقول: الآن بما أنّك تراجعتَ، وتُبتَ وتركتَ ذنوبكَ وأنبتَ إليّ، لذا أوّلًا:‌ سأستر ذنوبك وأغطّيها، ولن أدعها تظهر لأحد، وثانيًا: سوف أمحو ذنبك، وثالثًا: تلك المعصية التي كانت تُولّد لك ظلمةً وكدورةً وانقباضًا في نفسك، سوف أبدّلها إلى نورانيّةٍ وانبساطٍ وبهجةٍ، وإلى حالةٍ من الابتهاج في نفسك.

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

7
  • وقد حصل هذا الأمر لبعض الأفراد؛ يقول أحد الرفقاء: كنتُ في زمن المرحوم العلّامة الطهراني... وكان هذا الشخص شابّاً [وقد صدر منه بعض أخطاء الشباب] ... يقول: حينما كنتُ في محضر السيّد العلّامة، بدأ فجأةً بالحديث عن هذه المسائل ،أعني: مسألة التوبة وآثارها، ولا أذكر أكان حديثه هذا في جلسة ليلة الثلاثاء أو عصر الجمعة.. على أي حال، كان يقول: كنتُ جالسًا إلى جانبه وكان يتحدّث عن هذه المسائل، حول أنّ الله كيف يبدّل [السّيّئات إلى حسنات]. يقول: فجأةً نظرتُ إلى نفسي، فرأيت حالي كأنني لم أرتكب أيّ ذنبٍ؛ بل بالإضافة إلى أنّي لم أرتكب ذنبًا، رأيت أنّهم كتبوا لي في قبال كلّ عملٍ قمتُ به حسنةً، فبقيتُ مذهولًا! فما الذي حصل؟ واستمرّ الأمر هكذا واستمرّ ... . 

  • أوَلم يَرِد في الآية الشّريفة {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}۱ إنّ الأشخاص الذين يتوبون من تصرّفاتهم ـ طبعًا هناك كلامٌ للبعض وآراء في هذه المسألة ـ ويؤمنون، فـ {آمن} يعني: يُؤمنون ويقومون بالأعمال الصّالحة ويتوبون توبةً نصوحًا، {أُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.

  • ولكن كيف تتبدّل السيّئات إلى حسناتٍ؟! هذا محلٌّ للتأمّل [والتفكير]، [فعندما تُرتكب] هذه السّيّئة... وحينما يُخلق وجودٌ ما ويتحقّق في هذه الدّنيا [فكيف يمكن أن يعدم؟] ؛ ألم يقل أهل الفلسفة والحكمة أن كلّ وجود يتحقّق لن يُعدم في أيّ وقت من الأوقات؟! فهذا [الذنب] تحقّق الآن مع تلك الظُلمة ومع تلك الكدورة فكيف يتبدّل إلى حسنةٍ ونورٍ؟ وهل يُمكن للظُّلمة أن تتبدّل إلى نورٍ؟ كيف تنسجم هذه الفكرة مع المباني والقواعد الفلسفيّة؟

  • وذلك أنّ كلّ وجود يتحقّق في هذا العالم، فهذا الوجود لا يُمكن أن يُعدم في وعائه وظرفه بعد ذلك، أيًّا كان هذا الشيء، وبما أنه لا يطرأ عليه العدم، فإنّ هذا الوجود قد وجد مقترنًا مع الكدورة، فينبغي أن يكون كدرًا دائمًا.

  • فتارة يغض الله الطرف عن هذه الكدورة، فيعفو عنها ولا يحاسب عليها [فهذا لا ينافي القاعدة الفلسفية، لإن الله لم يمحُ نفس السيّئة أو يبدل حقيقتها؛ بل غضّ الطرف عنها فقط، أمّا فرضنا فهو مختلف لأنّنا نقول السيئة أعدمت وتبدّلت] فكيف للكدورة أن تتبدّل بنورٍ؟ ما هي حقيقة هذه المسألة؟ وكيف يتمّ ذلك؟

    1. - سورة الفرقان، الآية ۷۰. 

يا من أظهر الجميل و ستر القبيح

8
  • البعض قاموا بذكر توجيهات وتبريرات لهذه المسألة، وحتّى من وجهة النّظرة الفلسفيّة قاموا بتوجيه بعض المسائل، بحيث لو أردنا الدخول بهذه البحوث فلن يتّسع لها الوقت والحال في هذه اللّيلة، وإن أردنا العبور عنها لخسرنا لطفها، فمن الأفضل أن نتركها لوقتٍ آخر ـ إن شاء الله ـ‌ ولفرصةٍ قادمة، وإن شاء الله نتحدّث عن هذه المسألة، وهي أنّه كيف تكون هذه المسألة قابلةً للحلّ من الناحية الفلسفيّة؟ فإمّا أن نرفع أيدينا عن تلك القاعدة الفلسفيّة، أو نسعى لعلاج هذا الإشكال والإجابة عنه، فبأيّ قانون تتبدّل هذه الماهيّة من مرتبة الكدورة إلى مرتبة النور؟ وبأيّ أصلٍ يمكن لنا توجيه المسألة؟

  • إذن وعدنا يبقى ـ عند التّوفيق وعند المشيئة ـ للّيالي القادمة إن شاء الله إذا وفّقنا الله.

  • اللهم صلّ على محمد وآل محمد